ومتعلقاته، وإن لم يكن من القصد مناقشة ما ضرب من أمثلة فقهية تتفاوت فيها الأنظار.
ثانيًا: الإجماع:
الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أُمَّة النبي ﷺ على حكم شرعي ظني في عصر غير عصر الرسول ﷺ (١).
والإجماع حجة متى انعقد بشروطه المعتبرة (٢).
والإجماع المستند إلى المصلحة أو العرف وليس إلى نصٍّ شرعي يجوز رفعه بإجماع لاحِقٍ إذا تغيرت المصلحة التي بُني عليها الإجماع السابق، فلا تبقى للإجماع الأول حجيَّة إذا لم تتحقق تلك المصلحة، فإذا تغيرت وتحولت لم يكن هناك وجه لبقاء حجية ذلك الإجماع (٣).
وتطبيقًا لما سبق أجاز أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- إعطاء الزكاة لبني هاشم عند عدم حصولهم على حقِّهم من الخمس (٤)، وذهب بعض التابعين إلى جواز التسعير (٥).
ووجه الرَّدِّ إلى الإجماع في استنباط أحكام النوازل يتأتَّى من جهات:
الأولى: أن الإجماع متى تأتَّى في مسألة فإنه يستند بالأصالة إلى نصٍّ من كتاب وسنة؛ فيثبت فيه عندئذٍ ما يثبت من جهة الرَّدِّ إلى الكتاب والسنة.
الثانية: الإجماع لا تجوز مخالفته إذا انعقد صحيحًا، والناظر في الفقه عمومًا، وفي النوازل خاصة عليه أن يتحرى ألَّا يُفتيَ بخلاف ما أُجمع عليه؛ إذ لا اجتهاد مع إجماع صريح.
стр. 737
ولهذا كان من شروط المتصدي للفتيا والاجتهاد: العلم بمواقع الإجماع، ومواطن الخلاف. قال سعيد بن جبير (١): "أعلم الناس أعلمهم بالإجماع والاختلاف" (٢).
الثالثة: الإفتاء الجماعي ليس إجماعًا، وليست أعمال المجامع الفقهية إجماعًا أصوليًّا، ولو كانت مجامعَ دوليةً أو عالميةً، على أن الرأي فيها يصدر بأغلبية مطلقة أو اتفاق، وهذا يمكن أن يقترب في المعنى من قول الجمهور عند الأقدمين، ولا شك أن الأصل كثرة الصواب وموافقة الحق في المسائل التي قال بها الجمهور قديمًا أو حديثًا، من غير قطع في جميع المسائل.
ومن كان مجتهدًا فخالف الجمهور فلا حرج عليه، ويسوغ له أن يفتى باجتهاده، ولا يجوز نقض حكم إذا حكم به، ولا منعه من الفتيا، ولا منع أحد من تقليده (٣).
ثالثًا القياس:
هو حمل فرعٍ على أصلٍ في حكمٍ بجامعٍ بينهما (٤).
وهو حجة عند أكثر العلماء من لدن الصحابة ﵃، قال ابن القيم: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره" (٥).
стр. 738
وللقياس أركان، ولكلِّ ركنٍ أحكامٌ وشروط تُمَثِّلُ بالجملة شروط صحة القياس الذي يعتبر لاستنباط الأحكام، ويُرْجَعُ إليه في إدراك الواجب في الوقائع المختلفة.
ومن غير شك فإن القياس هو مظهر من مظاهر إحكام الشريعة وكمالها، وهو برهان صلوحيتها وسعتها؛ فإن النصوص تتناهى وليست كذلك الوقائع والحوادث؛ "فلا سبيل لإعطاء الحوادث والمعاملات الجديدة منازلها وأحكامها في فقه الشريعة إلا عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي رأسه القياس؛ فالقياس أغزر المصادر الفقهية في إثبات الأحكام الفرعية للحوادث" (١).
وعليه فإن الناظر في أحكام النوازل لا يتأتَّى له بحثٌ ولا استدلال إلَّا بعد العلم بالقياس ولا بدَّ، والمعول في إدراك أحكام النوازل عليه هو القياس.
وعلى المفتي أن يُطَوِّلَ البحث في درك النصوص أولًا، ثم التعرف على علل الأحكام ثانيًا؛ إذ العلة هي ركن القياس الأكبر، وعليها مداره واعتماده، ومباحثها من أدقِّ مباحث علم الأصول وأصعبها.
والأحكام المعللة بوصف ظاهر منضبط يشرع الحكم عند وجوده يمكن قياس نظائرها عليها، وتلك العلل قد تكون ثابتة لا تَغَيُّرَ فيها كعلة السُّكر لإثبات حد الخمر، وعلة الإيلاج في فرج محرَّم لإثبات حد الزنا، وقد تكون العلة قابلة للتغير بتغير الأعراف أو المصلحة، وعلى المجتهد أن يتتبع تلك العلل، وأن يعرف أيها يؤثر في جلب الحكم (٢).
وقد يظهر بجلاء أن علَّة الحكم مرتبطة بمصلحة ما فإذا زالت فلا ينبغي أن يبقى للحكم وجود؛ ولذا رأينا عمر ﵁ يقول -بعد أن جمع الصحابة على إمام في التراويح-: "نِعْمَ
стр. 739
البدعة هذه" (١)؛ لأن علة تركه ﷺ المداومة عليها هو خشيته أن تُفرض على أُمَّتِهِ (٢).
وأَمَرَ عمرُ بن عبد العزيز ﵀ بكتابة السنة وتدوينها مع أنه ﷺ نهى عن أن يكتب عنه شيء غير القرآن؛ خوفًا من أن يختلط القرآن بغيره، فلما زال هذا السبب كُتِبَت السُّنة (٣).
وإذا كانت تلك الأمثلة قد حُسم أمرُها في فقه الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، فإن ثمة أمثلةً في عالم اليوم قابلة لهذا التغير ومرشحة لهذا التطور، وإن لم يقع عليها اتفاق.
وهكذا ينفتح باب الاجتهاد بسبب اختلاف الواقع بين زمنه ﷺ والعصور المتقدمة من جهة، وبين العصور المتأخرة من جهة أخرى.
رابعًا: المصلحة المرسلة:
المصلحة -لغةً-: ما فيه صلاح قوي، وهي ضدُّ المفسدة (٤).
وفي الاصطلاح معناها: جلبُ المنفعة ودفعُ المضرة (٥)، أو ما تضمن جَلْبَ المنافع ودَرْءَ المفاسد على وجه لا يستقلُّ العقل بدركه على حال (٦).
стр. 740
والمصالح من حيث حكمها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - المصالح المعتبرة: وهي التي حَكَمَ الشارع عليها بالاعتبار، وذلك كتشريع القصاص لمصلحة حفظ النفس، وتشريع الجهاد لمصلحة حفظ الدين، وهذه لا خلاف في اعتبارها، وليست هي المعنية بالدراسة في أصل المصلحة.
٢ - المصالح الملغاة: وهي التي حكم الشرع عليها بالإلغاء، وذلك كمصلحة الأنثى في مساواتها بالذكر في الميراث، ومصلحة المرابي في تنمية ماله عن طريق الربا، فهذه لا خلاف في إهدارها، وعدم التعويل عليها.
٣ - المصالح المرسلة: وهي التي لم يشهد لها الشارع بالاعتبار، ولا بالإلغاء، مع دخولها تحت أصل كلي معمول به في الشرع، وهذه هي المقصودة عند إطلاق لفظ المصلحة في الأصول.
فهي: "كل منفعة داخلة في مقاصد الشارع الضرورية، والحاجية ودون أن يكون لها شاهد بالاعتبار أو الإلغاء" وقد سمَّاها العلماء مصلحة مرسلة، أما كونها مصلحة: فلأنها تجلب نفعًا، وتدفع ضررًا، وهي مرسلة: لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه، فهي إذن تكون في الوقائع المسكوت عنها، وليس لها نظير منصوص على حكمه حتى تقاس عليه، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين، من شأنه أن يحقق منفعة أو يدفع مفسدة (١).
حجية المصلحة المرسلة:
لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجري فيها العمل بالمصالح المرسلة؛ لأن العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم (٢)، ويدل على ذلك السنة والإجماع والاستقراء (٣).
стр. 741
أما المعاملات فقد اختلف العلماء في اعتبار أصل المصلحة المرسلة فيها وفي حجيتها في أبوابها، واشتهر بالقول بها مالك ﵀، ثم أحمد بن حنبل ﵀، ونسب إلى الشافعية والحنفية إنكار المصلحة المرسلة، وبين هذين الفريقين يقف فريق من العلماء موقفًا وسطًا، كالغزالي ﵀ الذي اشترط في قبولها أن تكون ضرورية لا حاجية، وأن تكون قطعية كلية، وجعلها كالاستحسان (١)، "وهذا الخلاف يُحكى في كتب الأصول على نحو واسع، ولكننا لا نجد آثاره بهذه السعة والكثرة في كتب الفقه، فالفقهاء المنسوب إليهم عدم الأخذ بالمصالح المرسلة وُجدتْ لهم اجتهادات قامت على أساس المصلحة المرسلة. . . كما نجده في فقه الشافعية والحنفية" (٢).
وقد استدل المانعون المنكرون للمصلحة المرسلة بأن القول بالمصلحة المرسلة يعني أن الشارع ترك بعض مصالح العباد فلم يشرع لها من الأحكام ما يحققها في الدارين، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، وقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة ٣].
كما استدلوا بأن المصالح المرسلة مترددة بين المعتبرة والملغاة، فليس إلحاقها بالمصالح المعتبرة بأولى من إلحاقها بالملغاة، فامتنع الاحتجاج بها دون شاهد يرجح كونها معتبرة لا ملغاة (٣).
واحتجوا كذلك بأن الاحتجاج بالمصلحة المرسلة، يفتح الباب على مصراعيه لكل مفتون من علماء السوء وأئمة الضلال ليقول ما شاء بهواه بعد أن يلبسه ثوب المصلحة.
مناقشة أدلة المنكرين:
هذه هي أدلة المنكرين للمصالح المرسلة، والواقع أنها في ظاهرها قوية، ولها وجاهة واعتبار،
стр. 742
ولكنها مع ذلك لا تنهض لدفع هذا الأصل، وإن كانت تفيد في التقييد ووضع الشروط.
فقولهم: إن الشريعة راعت المصالح، ولم تفرط في ذلك صحيح، ولكنها لم تنصَّ على جميع جزئيات المصالح إلى يوم الدين، وإنما نصت على بعضها وعلى كلياتها، ودلت بمجموع أحكامها ومبادئها على أن المصلحة هي مقصود الشارع، وهذا من دلائل صلاحيتها للبقاء والعموم؛ لأن جزئيات المصالح تتغير وتتبدل، فليس من المصلحة أن ينصَّ الشارع الحكيم على كل جزئية؛ وبناءً على ذلك فإنه إذا طرأت مصلحة لم يَرِدْ في الشرع حكم خاص بها وكانت مناسبة ولا تخالف نصًّا ولا أصلًا، فمن السائغ إيجاد الحكم الذي يناسب ويحقق تلك المصلحة.
وأما قولهم بأن المصالح المرسلة مترددة بين المعتبرة والملغاة فهذا صحيح، ولكن هذا لا يترتب عليه إهدارها؛ لأن الإلحاق بالمعتبرة أولى؛ لأن الشريعة مبناها على جلب المصالح، ثم إنه إذا قامت قرينة تدل على أن هذه المصلحة المرسلة محققة لمقاصد الشارع فلا مجال لإهدارها أو إلحاقها بالمصالح الملغاة.
وأما قولهم بأن هذا يُجَرِّئ الجهالَ، فيرد عليه بأن الجهال والمغرضين وأصحاب الأهواء لا يفتأون يمارسون التضليل، ويدخلون إليه من كل باب، سواء من باب المصلحة أو غيره، وإن واجب العلماء كشف زيفهم والرد على ترهاتهم.
أما القائلون بالمصلحة المرسلة فقد استدلوا بالآتي:
١ - "أن الشريعة ما وضعت إلا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل" (١)، وأنها "كلها مصالح: إما درء مفاسد أو جلب مصالح" (٢)، وأن "مبناها وأساسها على الحكمة،
стр. 743
ومصالح العباد في المعاش والمعاد" (١).
٢ - "أن مصالح الناس ووسائلهم إلى هذه المصالح تتغير باختلاف الظروف والأحوال والأزمان، ولا يمكن حصرها مقدمًا، فإذا لم نعتبر مثلًا إلا ما جاء الدليل الخاص باعتباره نكون قد ضيقنا واسعًا، وفوَّتْنَا على الخلق مصالح كثيرة، وهذا لا يتفق مع عموم الشريعة وبقائها، فيكون المصير إليه غير صحيح" (٢).
٣ - أن المجتهدين من الصحابة ومن جاء بعدهم جَرَوْا في اجتهاداتهم على رعاية المصلحة وأنهم كانوا يُفْتُون في كثير من الوقائع بمجرد اشتمال الواقعة على مصلحة راجحة، دون تقيد بمقتضى قواعد القياس، أي: بقياسٍ شاهد على اعتبار المصلحة، دون إنكار من أحد، فكان ذلك إجماعًا على اعتبار المناسب المرسل (٣).
ومن هذا العرض لأدلة الفريقين يتضح رجحان القول الثاني وهو قول المعتبرين لأصل المصلحة المرسلة؛ وذلك لقوة أدلتهم، ولضعف أدلة المنكرين، وكثرة الاعتراضات عليها. ويؤيد ذلك أننا "لو لم نجعل المصلحة المرسلة دليلًا من الأدلة للزم من ذلك خلو كثير من الحوادث من الأحكام، ولضاقت الشريعة عن مصالح الناس وقصرت عن حاجاتهم، ولم تصلح لمسايرة مختلف المجتمعات والأزمان والأحوال" (٤).
شروط العمل بالمصلحة المرسلة:
وضع العلماء شروطًا للعمل بالمصلحة المرسلة، وهذه الشروط هي:
١ - ألا تعارض أصلاً ثابتًا بنص أو إجماع؛ لأن الأصل في الشريعة مصلحة الدين، فيجب
стр. 744
التضحية بما سواها مما قد يعارضها من المصالح الأخرى إبقاءً لها وحفاظًا عليها (١).
٢ - أن يكون الأخذ بها لحفظ ضروري أو لرفع حرج (٢).
٣ - أن تكون معقولة بذاتها بحيث لو عُرِضَتْ على العقول السليمة لتلقَّتْهَا بالقبول (٣).
٤ - أن تكون المصلحة قطعية حقيقية، وليست ظنية أو وهمية (٤).
٥ - أن تكون كلية وعامة، وليست شخصية (٥).
أثر المصلحة المرسلة في استنباط الفتيا:
إذا جرى التسليم بأن المصلحة المرسلة أصل من أصول التشريع والاستدلال، وبأن الشريعة مبنية على رعاية المصالح ودفع المفاسد، والواقع يشهد بتغير المصالح وتبَدُّلِ الأوصاف التي تكتنف فعل المكلف، فيكون في وقت وفي حال مصلحة، ويكون في وقت وفي حال مفسدة؛ فإنه لا مانع من القول بتغير الفتيا بتغير المصلحة؛ بل إن "المصلحة تعتبر أهم الأدلة الاجتهادية التي تعدُّ سببًا لتغير الفتاوي والأحكام؛ وذلك لأنه ثبت بالاستقراء أن تغير الفتاوي والأحكام بتغير المصالح يتردد كثيرًا على ألسنة الفقهاء أكثر مما يتردد على تغير الفتاوي والأحكام بالعرف والاستحسان، ولعل ذلك يرجع إلى أن المصلحة أسرع في تغيرها من آن لآخر" (٦).
فالأحكام التي تُبْنَى على المصلحة تكون تابعة لهذه المصلحة دائمًا، وتدور معها حيث دارت كدورانها مع العلة سواء بسواء تثبت بثبوتها وتنتفي بانتفائها، "فإذا بقيت
стр. 745
المصلحة بقي الحكم الذي يترتب عليها، وإذا تغيرت المصلحة اقتضى هذا التغير حكمًا جديدًا مناسبًا للمصلحة الجديدة" (١)، وهذا التوقف أو التغير ليس من قبيل النسخ للحكم؛ لأنه لا نسخ بعد وفاة الرسول ﷺ ، فالحكم الأول باقٍ، ولكن لكون محله لم تتوافر فيه الأسباب الموجبة لذلك الحكم فتعذر تطبيق ذلك الحكم، فإذا ما توافرت أسبابه مرة ثانية وجب تطبيقه.
إن تغير الفُتيا بتغير المصالح أمرٌ ضروري؛ وذلك لأن "الحياة في تطور مستمر، وأساليب الناس في الوصول إلى مصالحهم تتغير في كل زمان وبيئة، وفي أثناء ذلك تتجدد مصالح العباد، فلو اقتصرنا على الأحكام المنصوصة مصالحها لتعطل كثير من مصالح العباد بجمود التشريع، وهذا ضرر كبير لا يتفق مع قصد الشارع من تحقيق المصالح ودفع المفاسد، وحينئذ لا بد من إصدار أحكام جديدة تتوافق مع المقاصد الشرعية العامة والأهداف الرئيسة، حتى يتحقق خلود الشريعة وصلاحيتها الدائمة" (٢).
الأمثلة على تغير الفتيا بتغير المصلحة:
١ - لما طلب الناس من رسول الله ﷺ أن يُسَعِّرَ لهم لم يفعل، وقال: "إن الله هو المسعِّرُ القابض الباسط" (٣)؛ وذلك لأن التسعير وقتها كان سيؤدي إلى ظلم؛ لأن غلاء السعر كان بسبب قلة العرض وزيادة الطلب، فلما كان عصر التابعين وتغيرت أحوال الناس، وصارت هناك حالات من الغلاء غير طبيعية، أجاز بعض علماء التابعين التسعير؛ دفعًا للضرر عن الجمهور (٤).
стр. 746
٢ - في عهد النبي ﷺ كان القرآن محفوظًا في صدور الرجال، ومكتوبًا في موادَّ متفرقةٍ كالجريد واللخاف والعظام والخزف وغير ذلك، فلما تغير الحال باستشهاد كثير من القراء في اليمامة أشار عمر على أبي بكر بجمع القرآن، فأمر أبو بكر زيد بن ثابت بجمع القرآن وكتابته في صحف مجموعة غير متفرقة، فلما كان عهد عثمان تغير الحال باختلاف الناس في القراءات، فأمر عثمان بجمع القرآن في مصحفٍ إمام، ونسخ منه أربع نسخ، وأرسل إلى كل أفق بنسخة، وأَمَرَ بإحراق ما عداها (١).
٣ - منع عمر الصحابة من مغادرة المدينة ليستعين بهم في إدارة الدولة؛ ليستشيرهم في الأحكام والمسائل العامة (٢).
٤ - الحكم بطهارة سؤر سباع الطير كالصقر والنسر مراعاةً للضرورة؛ إذ لا يمكن الاحتراز منها بالنسبة لسكان الصحارى والأعراب (٣).
٥ - لما كان عام المجاعة أسقط عمرُ حدَّ القطع عن السارق، وليس ذلك إلا لظروف طارئة صاحبت السرقة، وجعلت الحكمة من القطع غير متحققة (٤).
وبناءً على ما سبق فإذا وردت النازلة فلم تصادف نصًّا، ولا إجماعًا، ولا أمكن ردُّها إلى قياس، فإن جاءت متضمنة لتحقيق منفعة اعتبر الشارع الحكيم جنسها، ولم يعتبر عينها ولا أهدرها بنصٍّ من نصوصه، وكانت بقية الشروط المعتبرة متوافرة فيها -أمكن الحمل في الحكم عليها، شريطةَ الحذر من اتباع الهوى، والحكم بالتشهي ودون توقٍّ أو تحرٍّ.
стр. 747
خامسًا: الاستحسان:
تقدَّمَ أن الاستحسان دليل شرعي تثبت به الأحكام في مقابلة ما يوجبه القياس أو عموم النص (١).
أو هو العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى (٢).
وإمعان النظر في التعريفات السابقة يُفضي إلى أن حقيقة الاستحسان تكمن في ترجيح قياس خفي على قياس جلي بناءً على دليل، أو استثناء مسألة جزئية من قاعدة كلية أو أصل عام لاقتضاء دليل خاص لذلك (٣).
"ويستفاد من مجموع هذه التعاريف أن المقصود بالاستحسان هو العدول عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو استثناء مسألة جزئية من أصل كلي؛ لدليل تطمئن إليه نفس المجتهد، يقتضي هذا الاستثناء أو ذاك العدول، فإذا عرضت للمجتهد مسألة يتنازعها قياسان: الأول: ظاهر جلي يقتضي حكمًا معينًا، والثاني: قياس خفي يقتضي حكمًا آخر، وقام في نفس المجتهد دليل يقتضي ترجيح القياس الثاني على القياس الأول، أو العدول عن مقتضى القياس الجلي إلى مقتضى القياس الخفي، فهذا العدول أو ذلك الترجيح هو الاستحسان، والدليل الذي اقتضى هذا العدول يُسَمَّى بوجه الاستحسان، أي: سنده، والحكم الثابت بالاستحسان هو الحكم المستحسن، أي: الثابت على خلاف القياس الجلي، وكذلك إذا عرضت للمجتهد مسألة تندرج تحت قاعدة عامة أو يتناولها أصل كلي، ووجد المجتهد دليلاً خاصًّا يقتضي استثناء هذه الجزئية من الأصل الكلي والعدول بها عن الحكم الثابت لنظائرها إلى حكم آخر للدليل الخاص الذي قام في نفسه، فهذا
стр. 748
العدول الاستثنائي هو الاستحسان، والدليل الذي اقتضاه هو وجه الاستحسان، أي: سنده، والحكم الثابت به هو الحكم المستحسن، أي: الحكم الثابت على خلاف القياس، والقياس هنا هو الأصل الكلي أو القاعدة العامة" (١).
ثمرة العمل بالاستحسان:
القائلون بالاستحسان -وهم الجمهور- يرون أن الاستحسان له فوائد وثمار تساعد على تحقيق مقاصد الشارع، ومن هذه الفوائد:
١ - أنه يحول دون تفحش القياس، ويمنع التعسف الذي قد يسببه طرد القياس والقواعد؛ لذلك قال ابن رشد: "الاستحسان الذي يكثر استعماله حتى يكون أعم من القياس هو أن يكون طرد القياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه" (٢).
٢ - أنه يرفع الحرج ويحقق السعة واليسر؛ لذلك قال السرخسي ﵀ (٣): "الاستحسان ترك القياس، والأخذ بما هو أوفق للناس، وقيل: الاستحسان طلب السهولة في الأحكام فيما يُبتلَى فيه الخاص والعام، وقيل: الأخذ بالسعة وابتغاء الدَّعَة، وقيل: الأخذ بالسماحة وابتغاء ما فيه الراحة، وحاصل هذه العبارات أنه ترك العسر لليسر، وهو أصل في الدين" (٤).
٣ - أنه يحقق المصلحة، ويحقق مقاصد الشرع؛ إذ هو يعتمد بقدر كبير على النظر في المآلات والتماس المصلحة، وتحري مقصود الشارع الحكيم، فالاستحسان تحرٍّ للمصلحة
стр. 749
وضبطٌ للمآل؛ لأن "كون النظر في مآلات التطبيق معتبرًا شرعًا يؤكده ويدعمه مبدأ الاستحسان الهادف إلى تحري المصلحة إبان تطبيق الحكم، وذلك عن طريق الاستثناء، من مقتضى القواعد والأقيسة" (١).
من هنا جاء تعريف الإمام الشاطبي: "الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي".
حجية الاستحسان .
يعتبر الاستحسان من الأصول المختلف فيها، فقد عمل به الحنفية والمالكية والحنابلة، وأنكره الشافعي، وقال: "من استحسن فقد شرع" (٢)، وبالطبع لم يقبله ابن حزم وسائر الظاهرية (٣)؛ لأنه من الرأي وهم ينكرون الرأي جملةً وتفصيلًا، ويتمسكون بظواهر النصوص، ولم يقبله -كذلك- الشوكاني، وقال عنه: "إن كان راجعًا إلى الأدلة الأخرى فهو تكرار، وإن كان خارجًا عنها فليس من الشرع في شيء، بل هو التقوُّلُ على هذه الشريعة بما لم يكن فيها تارة، وبما يضادها تارة أخرى" (٤).
واستدل العلماء القائلون بالاستحسان بأدلة من أهمها وأقواها: أن الشارع الحكيم قد عدل في بعض الوقائع عن مقتضى القياس، فمن أمثلة ذلك: أن القياس يأبى جواز السَّلم؛ لأن المعقود عليه معدوم عند العقد، ومع ذلك رخَّص رسول الله ﷺ في السَّلَم، ومن ذلك أيضًا: جواز عقد الإجارة فإنه ثابت بخلاف القياس لحاجة الناس إلى ذلك، فإن العقد على المنافع بعد وجودها لا يتحقق؛ لأنها لا تبقى زمانين، فلا بد من إقامة العين المنتفع بها مقام الإجارة في حكم جواز العقد؛ لحاجة الناس إلى ذلك (٥).
стр. 750
أنواع الاستحسان:
١ - الاستحسان بالنص:
وهو العدول عن حكم القياس في مسألة ما إلى حكم مخالف له ثبت بالكتاب أو السنة، مثاله: أن القياس لا يجوِّز العرايا؛ لأنه يبيع تمرًا برطب، وهو داخل تحت النهي عن بيع المزابنة، الذي سببه الجهل بتماثل البدلين الربويين المتجانسين، والجهل بالتماثل في باب الربا كالعلم بالتفاضل، وهي قاعدة متقررة، ولكن تم العدول عن هذا الحكم، واستثناؤه من الأصل الكلي؛ لدليل ثبت بالسنة، وهو أن رسول الله ﷺ رخصَّ في العرايا.
٢ - الاستحسان بالإجماع:
وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم مخالف له ثبت بالإجماع، ومثاله: أن القياس لا يجوِّز عقد الاستصناع؛ لأنه بيع معدوم، لكن تم العدول عن هذا الحكم إلى حكم آخر، وهو جواز عقد الاستصناع؛ لتعامل الأمَّة به من غير نكير فصار إجماعًا، ومن أمثلته أيضًا: دخول الحمامات بأجر معلوم، فالقاعدة العامة تقضي بفساده لجهالة ما يستهلكه الداخل من الماء، وجهالة المدة التي يمكثها في الحمام، ولكنه أُجيزَ استثناءً من القاعدة العامة استحسانًا لجريان العمل به دون إنكار من أحد.
٣ - الاستحسان بالعرف والعادة:
وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له نظرًا لجريان العرف بذلك وعملًا بما اعتاده الناس، ومثاله: إذا حلف لا يأكل اللحم، فإن القياس يقتضي حنثه إن أكل السمك، لكن إن جرى عرف الناس بعدم إطلاق اسم اللحم على السمك تم العدول عن هذا الحكم، وكذلك إن حلف لا يدخل بيتًا فالقياس يقتضي أنه يحنث إن دخل المسجد؛ لأنه يسمى بيتًا، لكن عدل عن هذا الحكم إلى عدم الحنث؛ لتعارف الناس على عدم إطلاق
стр. 751
لفظ البيت على المسجد (١).
٤ - الاستحسان بالضرورة:
وهو العدول عن حكم القياس في مسألة إلى حكم آخر مخالف له للضرورة.
مثاله: العفو عن يسير الغرر والغبن في المعاملات، وتطهير الآبار التي تقع فيها النجاسة بنزح قدر معين من الماء منها استحسانًا للضرورة مع أنه على خلاف القياس.
٥ - الاستحسان بالمصلحة:
وهو العدول عن حكم القياس وعن الأصل العام إلى حكم آخر للمصلحة.
ومثاله: تضمين الأجير المشترك ما يهلك عنده من أمتعة الناس، إلا إذا كان الهلاك بقوة قاهرة لا يمكن دفعها أو التحرز منها، مع أن ذلك خلاف القياس، وخلاف الأصل العام الذي يقضي بعدم تضمينه إلا بالتقصير أو التعدي؛ لأنه أمين، والمؤتمن غير ضامن إلا إذا فرط أو تعدى (٢).
٦ - الاستحسان بالقياس الخفي:
وهو العدول عن حكم القياس الظاهر إلى حكم آخر بقياسٍ آخرَ أدقَّ وأخفى من الأول لكنه أقوى حجة وأسدُّ نظرًا وأصح استنتاجًا.
ومثاله: الحكم بطهارة سؤر سباع الطير، فالقياس الجلي يلحقها بسباع البهائم، لكن القياس الخفي يلحقها بسؤر الآدمي؛ لأنها تشرب بمناقيرها وهي عظام طاهرة.
أثر الاستحسان في استنباط الفتيا:
مما سبق تبين أن الاستحسان انتقال من حكم ثبت بدليل عام أو قياس جلي إلى
стр. 752
حكم آخر ثبت بدليل خاص أو قياس خفي، أو انتقال من حكم في مسألة مندرجة تحت قاعدة كلية أو أصل عام إلى حكم مستند للضرورة أو الحاجة أو المصلحة أو مقتضى العرف والعادة.
وبذلك يتضح أن الاستحسان أداة من أدوات تغير الفُتيا "وأنه من أهم الأصول التطبيقية التي تنتج أحكامًا متغيرة وفق الحاجة، فهو طريقة عملية في تطبيق أدلة الشريعة وقواعدها، عندما تصادم واقع الناس في بعض جزئياتها، فهو النافذة التي يطل منها الفقيه على واقعهم، فيرفع عنهم الحرج ويدفع الضرر، ويحقق المنافع بتطبيق مبادئ الشريعة وأصولها، وهذا يتحقق حينما يكون إعمال الدليل على عمومه في بعض الحالات يؤدي إلى فوات مصلحة الدليل أو إلى تحصيلها وتفويت ما هو أعظم منها، فهنا لا يؤخذ بعموم الدليل في هذه الحالة؛ لأن الشارع لم يقصد بتطبيق هذا الدليل العام الحالات التي يؤدي منها تطبيق هذا العموم إلى ضرر، أو عدم حصول المصالح المقصود تحصيلها بهذا الدليل العام، فهنا يدخل الاستحسان ليبين خروج هذه الحالة من العموم ووجه عدم انطباق المصلحة عليها" (١).
فالاستحسان -إذن- أداة لتغير الفتيا، يعطي المفتي مساحة من المرونة يلتمس فيها المصلحة المتفقة مع مقاصد الشرع "بحيث إذا عرضت واقعة يقتضي عموم النص فيها حكمًا أو يقتضي الأصل الظاهر حكمًا فيها أو يقتضي تطبيق الحكم الكلي حكمًا فيها، وظهر للمجتهد أن لهذه الواقعة ظروفًا وملابساتٍ خاصة تجعل تطبيق النص العام أو الحكم الكلي عليها أو اتباع القياس الظاهر فيها يُفَوِّتُ المصلحة، أو يؤدي إلى مفسدة،
стр. 753
فعدل عن هذا الحكم إلى حكم آخر اقتضاه تخصيصها، من العام، أو استثناؤها من الكلي، أو اقتضاه قياس خفي غير متبادر، فهذا العدول هو الاستحسان" (١).
وعليه: فإن "المجتهد إذا عرضت له نازلة يقتضي عموم النص فيها حكمًا، أو يقتضي القياس الظاهر المتبادر حكمًا، أو يقتضي تطبيق الحكم الكلي فيها حكمًا، وظهر للمجتهد أن لهذه النازلة ظروفًا وملابساتٍ خاصةً تجعل تطبيق النص العام أو الحكم الكلي عليها أو اتباع القياس الظاهر منها يُفَوِّتُ المصلحة أو يؤدي إلى مفسدة، فعدل فيها عن هذا الحكم إلى حكم آخر اقتضاه تخصيصها من العام، أو استثناؤها من الكلي، أو اقتضاه قياس خفي غير متبادر -فهذا العدول هو الاستحسان، وهو من طرق الاجتهاد بالرأي يحتاج إليه الناظر المجتهد في تقدير الظروف الخاصة لهذه الواقعة، وترجح دليل على آخر للوصول إلى الحكم المناسب لها، الموافق لمقاصد الشرع وكلياته" (٢).
كالاستحسان بالنص ممثلين له ببيع السَّلَم وبيع العرايا، واستحسان بالإجماع ممثلين له بالاستصناع، واستحسان بالعرف أو العادة ممثلين له بجريان العرف في الأيمان، كمن قال: والله لا أدخل بيتًا فدخل مسجدًا لم يحنث، واستحسان بالضرورة ممثلين له بما يصعب التحرز عنه، مثل: من صار إلى حلقة ذباب لم يفطر، والعفو عن يسير الغبن في المعاملات (٣).
стр. 754
سابعًا: الاستصحاب:
هو الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناءً على ثبوته في الزمان الأول (١).
أو هو استدامة إثبات ما كان ثابتًا، أو نفي ما كان منفيًّا (٢)، فهو استبقاء الحكم الذي ثبت بدليل في الماضي قائمًا في الحال حتى يوجد دليل بغيره، أو هو اعتبار الحكم الذي ثبت في الماضي بدليل مصاحبًا لوقعته وملازمًا لها حتى يوجد دليل يدلُّ على قطع هذه المصاحبة (٣).
وللاستصحاب أنواع منها:
١ - استصحاب البراءة الأصلية:
أو العدم الأصلي؛ كبراءة الذمة من التكليف حتى يقوم دليل يثبته.
وهذا النوع من الاستصحاب لا خلاف في اعتباره، ومن الأصوليين من يعده من الأدلة المتفق عليها (٤).
٢ - استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي:
كالطهارة، فإنها وصف متى ثبت أبيحت الصلاة؛ فيستصحب وجودها حتى يثبت خلاف هذا الوصف بالحدث.
٣ - استصحاب ما دلَّ العقل والشرع على ثبوته:
كالملك عند وجود سببه؛ فإنه يثبت حتى يؤخذ ما يزيله.
٤ - استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع:
وهو محل خلاف، والأكثر على عدم حجيته؛ لأنه يؤدي إلى تكافؤ الأدلة؛ فيصح لكل من الخصمين استصحاب الإجماع في محل النزاع على النحو الذي يوافق مذهبه.
стр. 755
مثاله: المتيمم إذا رأى الماء بعد الشروع بالصلاة، فالإجماع منعقد على صحة شروعه في الصلاة وأن صلاته صحيحة لو انتهت قبل رؤية الماء، فيستصحب حكم الصحة المجمع عليه حالَ عدم رؤية الماء إلى حال ما بعد الرؤية، وهذا متنازع فيه؛ لأن الإجماع إنما دلَّ على الدوام فيها حالَ عدم الماء دون حال وجوده (١).
والمجتهد ينتفع بالأصل المستصحب حيث عدم دليلًا خاصًّا في المسألة النازلة، وعلى هذا الأصل بنيت جملة من القواعد المهمة، منها: الأصل براءة الذمة (٢)، والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يَرِدْ دليل يدل على المنع (٣)، الأصل بقاء ما كان على ما كان (٤)، وغيرها.
ثامنًا: العرف:
مضى أن العرف هو ما استقرَّ في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول، وهو ما عرفته النفوس مما لا ترده الشريعة (٥).
وقد سبقت الأدلة على أهميته، وبيان ضوابطه والقواعد التي تتصل به، وأثره في الاستنباط من الأدلة.
ولا شك أن الأقليات الإسلامية اليوم في ديار غربتها تحكمها أعراف وتقاليد وعادات اعتادها الناس، وأن المجتهد مأمور بالالتفات إليها واعتبارها عند الحكم على نوازل تلك الأقليات المسلمة، وقد سبق النقل عن علمائنا الكبار كالقرافي، والشاطبي، وابن القيم، وغيرهم في اعتبار الأعراف سببًا لتغير الفتيا في الأحكام الاجتهادية المبنية على العادات والأعراف.
стр. 756
وقد بالغ ابن القيم في التحذير من إهمال العرف عند الفتيا، فقال: "فإياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعُرْفه فتجني عليه وعلى الشريعة، وتنسب إليها ما هي بريئة منه، وتُلزم الحالف والمقر والناذر والعاقد ما لم يُلزمه الله ورسوله به" (١).
ويقول الإمام القرافي: "إن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت وتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض، ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد والسكَّة إلى سكَّة أخرى يحمل الثمن في البيع على السكَّة التي تجددت العادة بها، دون ما قبلها، وعلى هذا القانون تراعى الفتاوي على طول الأيام، فمهما تجدد العرف فاعتبِرْهُ، ومهما سقط فأسقطْه ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاء رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِه على عرف بلدك، واسأل عن عرف بلده وأجْرِهِ عليه وأفته به دون عرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين" (٢).
ويقول ﵀ في مكان آخر: "إن إجراء هذه الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين، بل كل ما في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة، إلى ما تقتضيه العادة المتجددة" ثم شرع يفصل: "أَلا ترى أنهم لما جعلوا أن المعاملات إذا أُطلق فيها الثمن يُحمل على غالب النقود، فإذا كانت العادة نقدًا معيَّنًا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عيَّنا ما انتقلت العادة إليه وألغينا الأول لانتقال العادة منه" (٣).
وقد سبق التنبيه على أن عبارة: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان" في لفظها وصياغتها قدرٌ من التساهل؛ لذلك لا يصح حملها على ظاهر ألفاظها، فإن الذي يتغير
стр. 757
ليس هو الحكم الشرعي، وإنما هو الفُتيا، وأن التغير لا يعلق بتغير الزمان، وإنما بتغير العوائد والأعراف، وإنما عبر بالزمان؛ لأنه كالوعاء لهذه الأعراف والعادات.
وهناك فرق كبير بين الحكم الشرعي، وبين الفُتيا، فالحكم الشرعي هو "خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاءً أو تخييرًا أو وضعًا"، وهذا لا يمكن أن يتغير ولا أن يتبدل؛ لأن القول بإمكانية تغييره مساوٍ للقول بإمكانية تغير خطاب الله تعالى، وهذا لا يملكه أحد من البشر، كما أنه يعد نسخًا ولا نسخ بعد تمام الرسالة ووفاة الرسول ﷺ .
تاسعًا: قول الصحابي:
قول الصحابي الموقوف عليه له حالتان:
الأولى: أن يكون مما لا مجال فيه للرأي، وهذا له حكم المرفوع كما هو متقرر في علم أصول الحديث (١).
الثانية: أن يكون مما للرأي فيه مجال.
فإن انتشر في الصحابة ولم يظهر له مخالف ولم يعرف نصٌّ يعارضه فهو حجة عند الأكثر.
ويطلق عليه الإجماع السكوتي أو الإقراري، وعليه: فإن هذا القول يُقَدَّمُ على القياس، ويخص به النص، على خلاف بين العلماء في تخصيصه للنصوص.
وإن لم ينتشر، فقيل: حجة على التابعي ومن بعده؛ لأن الصحابي حضر التنزيل فعرف التأويل لمشاهدته لقرائن الأحوال.
وقيل: ليس بحجة على المجتهد التابعي -مثلًا- لأن كليهما مجتهد يجوز في حقه أن يخطئ وأن يصيب.
стр. 758
والأول أرجح، وقد ذكر ابن تيمية أن جمهور العلماء يحتجون به (١).
وعن أحمد ﵀ لا يُخرج عن قول الخلفاء الأربعة.
فقولهم عنده حجة، وليس بإجماع؛ لحديث: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين" (٢)، وحديث: "اقتدوا باللَّذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (٣).
وأما إذا تخالفت أقوال الصحابة فإن قول أحدهم ليس بحجة على مثله، وهذا موضع اتفاق (٤)، ومن نقل عنه قبول قول الخلفاء الراشدين أو قول أبي بكر وعمر فإن مراده بالنسبة للمقلِّد لا للمجتهد (٥).
وقد اشتهر الإمام أحمد ﵀ بالاعتداد بفتوى الصحابي وقوله، وقد عُدَّ هذا من أصول فقهه ﵀.
كما ذكر ذلك ابن القيم ﵀ فقال: "الأصل الثاني من أصول فتاوي الإمام أحمد، ما أفتى به الصحابة؛ فإنه إذا وَجَدَ لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يَعْدُها إلى غيرها، ولم يقل: إن ذلك إجماع، بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئًا يدفعه، أو نحو هذا، وإذا وجد الإمام أحمد هذا النوع عن الصحابة لم يُقَدِّمْ عليه عملًا ولا رأيًا ولا قياسًا، وإذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن
стр. 759
أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيه ولم يجزم بقول" (١).
وانتصر ابن القيم لهذا المنهج فقال: "لا يسع المفتي أو الحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة ويأخذ برأيه وترجيحه، ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃. فلا يُدرى ما عذره غدًا عند الله إذا سوَّى بين أقوال أولئك وفتاويهم، وأقوال هؤلاء وفتاويهم فكيف إذا رجَّحها عليها؟! فكيف إذا عَيَّنَ الأخذ بها حكمًا وإفتاءً، ومنعَ الأخذ بأقوال الصحابة؟!! " (٢).
ولأهمية هذا المسلك يخاطب ابن القيم المفتين بقوله: "أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر إذا أفتى بفتوى، وأفتى من قلدتموه بغيرها؟ ولا سيما من قال من زعمائكم: إنه يجب تقليد من قلَّده دينًا، ولا يجوز تقليد أبي بكر الصديق ﵁، اللهم إنا نشهدك أن أنفسنا لا تطيب بذلك، ونعوذ بك أن نطيب به نفسًا" (٣).
وهو في هذا المسلك يتبع شيخه ابن تيمية ﵀ الذي قال: "وقد تأمَّلت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابةَ أفقهَ الأمة وأعلمَها، واعتبر هذا بمسائل الأيمان، والنذر، والعتق، والطلاق، وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط، ونحو ذلك.
وقد بينتُ أن المنقول فيها عن الصحابة هو أصحُّ الأقوال قضاءً وقياسًا، وعليه يدلُّ الكتاب والسنة، وعليه يدور القياس الجلي، وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص، ولم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمتُ قولًا
стр. 760
قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه، إلا وكان القياس معه" (١).
هذا هو مذهب ابن تيمية في أقوال الصحابة، وهو إذ يجعل قول الصحابي أصلًا من أصول الاستدلال، إنما يترسم خُطَى إمامه أحمد بن حنبل ﵀، وذلك عن اجتهاد لا تقليد.
قال ابن تيمية ﵀: "قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: ما أجبتُ في مسألة إلا بحديث عن رسول الله ﷺ إذا وجدتُ في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة، أو عن التابعين، فإذا وجدتُ عن رسول الله ﷺ لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله ﷺ ، فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، فإذا لم أجد عن الخلفاء، فعن أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ ، فإذا لم أجد، فعن التابعين، وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث بعمل له ثواب إلا عملت به رجاءَ ذلك الثواب، ولو مرة واحدة" (٢).
"وتظهر أهمية هذا الأصل للمفتي في أن العلم بفتاوي الصحابة وأقضيتهم علمًا جامعًا تمدُّ الفقيه بعناصر الفقه الكاملة، وتعطيه أحكامًا لأشتات من الحوادث في الأقاليم المختلفة؛ حيث إن الصحابة بعد فتح الأمصار رأوا أحداثًا وحضارات مختلفة لم تكن في بلاد العرب، فاستنبطوا أحكام هذه الحوادث من المروي عن رسول الله ﷺ ، وعلى ذلك تكون أقضية الصحابة وفتاويهم، وكذلك أقضية كبار التابعين، صورًا ناقلة لأشكال الحضارات والمدنيات التي تواردت على العقل الإسلامي، فالإمام أحمد بهذا الأصل وجد ألوانًا من الحوادث تغنيه في الفتوى عن الفرض والتقدير الذي وسع الفقه الحنفي بما فيه من إيجابيات وسلبيات، وهذا لا يعني أن المفتي لا بدَّ أن يجمد على آثار الصحابة، وكبار التابعين، فلا يخرج منها، وإنما العلم
стр. 761
الجامع بها يُسهم في إيجاد الأحكام المنصوص عليها، ويُوَسِّعُ من باب القياس، ومن خلال هذه الأقضية والفتاوي المروية يجد الشبيه بالواقعة المسؤول عنها، ويحسن التنظير بين المسائل" (١).
عاشرًا: سد الذرائع:
الذرائع -لغة-: هي الوسائل (٢)، ومعناها الاصطلاحي لا يبعد عن معناها اللغوي، فكل طريق وسبب وسيلة لمحرم فهو ذريعة إليه، وكذا كل طريق وسبب لواجب فهو ذريعة إليه.
فالذرائع كما تُسَدُّ إلى الحرام تُفْتَحُ إلى الحلال؛ لأنها في الحالة الأولى، تدفع مفسدة وفي الثانية تجلب مصلحة (٣).
ولذلك يقول القرافي: "اعلم أن الذريعة كما يجب سدها يجب فتحها، وتكره وتندب وتباح فإن الذريعة هي وسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة فوسيلة الواجب واجبة" (٤).
وموارد الأحكام على قسمين:
مقاصد: وهي الطرق المفضية للمصالح والمفاسد في أنفسها.
ووسائل: وهي الطرق المفضية إليها، وحكمها حكم ما أفضت إليه من تحريم أو تحليل غير أنها أخفض رتبةً من المقاصد في حكمها، فالوسيلة إلى أفضل المقاصد أفضل الوسائل، وإلى أقبح المقاصد أقبح الوسائل، وإلى ما هو متوسط متوسطة (٥).
والقول بالذرائع أكثر منه الإمامان مالك وأحمد -رحمهما الله-، وقد كان دونهما في الأخذ به الإمامان أبو حنيفة والشافعي -رحمهما الله-، ولكنهما لم يرفضاه جملة ولم يعتبراه
стр. 762
أصلًا قائمًا بذاته، بل كان داخلًا في الأصول المقررة عندهما كالقياس والاستحسان، ولكن ابن حزم ﵀ يستنكر الاجتهاد عن طريق الذرائع؛ لأن ذلك من أبواب الرأي، والرأي عنده مستنكر كله (١).
وعليه فقد فرَّع الفقهاء فروعًا تحت هذا الأصل، فمن ذلك: تحريم بيع السلاح زمن الفتنة (٢).
وتحريم بيع العنب لمن يعصره خمرًا (٣).
كراهة تزويج الكتابيات الحرائر عملًا بمذهب عمر ﵁ وموافقة الصحابة، لما رأى انصرافًا عن المسلمات ورغبة في غيرهن لجمالهن، ويتأكد المنع إذا ترتب عليه تبعية الأبناء لأمهم في دينها (٤).
ولما رأى عمر ﵁ اجتراءَ الرجال على التطليق بلفظ الثلاث أوقعه عليهم ثلاثًا، ووافقه على ذلك الصحابة سدًّا لهذا الباب، وتأديبًا على الطلاق بلفظ يخالف السنة (٥).
وقد أفتى الصاحبان من الحنفية بتضمين الصناع والأجير المشترك ما تلف بيده من الأموال وفاقًا للمالكية، وخلافًا لأبي حنيفة؛ وذلك لما وقع التهاون في أموال الناس (٦).
وقال ابن النجار: "وتسد الذرائع -وهي ما ظاهره مباح ويُتوصل منه إلى محرم- ومعنى سدِّها: المنع من فعلها لتحريمه، وأباحه أبو حنيفة والشافعي" (٧).
والمجتهد ينظر إلى الذرائع بحسب قوة إفضائها إلى الواجب أو المحظور؛ فما كانت مفسدته
стр. 763
راجحة وإفضاؤه قريبًا بكثرة أو غلبة فمنعها وتحريمها متجه (١).
وفي بلاد الأقليات يحتاج إلى هذه القاعدة سدًّا للذريعة، وأحيانًا فتحًا لها؛ لتحصيل مصالح أو لدفع مفاسد قد لا تتأتَّى إلا من خلال إعمال هذه القاعدة.
حادي عشر: شرع مَنْ قبلنا:
يقصد بشرع من قبلنا: الأحكام التي سنَّها الله تعالى لعباده على ألسنة الرسل المتقدمين على نبينا ﷺ ؛ فيدخل في ذلك الشرائع الكتابية من يهودية ونصرانية، وغيرها من الشرائع (٢).
وقد اختلف في شرع من قبلنا من حيث حجيته إلى ثلاثة أقسام؛ واسطةٍ وطرفين، طرف يكون فيه شرعًا لنا إجماعًا، وآخر لا يكون شرعًا لنا إجماعًا، وواسطة اختلفوا فيها (٣).
فأما الأول: فما هو شرع لنا إجماعًا، وهو ما ثبت في شرعنا، وعليه فالحجة قائمة على مشروعيته من شريعتنا أولًا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].
وأما الثاني: فما ليس بشرع لنا إجماعًا وهو أمران:
أولهما: ما ثبت في شرعنا النهي عنه، أو نسخه ورفعه؛ كالآصار والأغلال التي كانت على من سبقنا من الأمم؛ قال تعالى ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ قال الله تعالى: قدْ فَعَلْتُ (٤).
ثانيهما: ما لم يثبت أنه كان شرعًا لمن قبلنا؛ كالمتلقَّى من الإسرائيليات؛ لأن النبي ﷺ
стр. 764
نهانا عن تصديقهم وتكذبيهم فيها (١)، وما نهانا ﷺ عن التصديق به لا يكون مشروعًا بالإجماع (٢).
وأما الثالث فهو محل الخلاف: وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم يبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا، أم غير مشروع، وقد جرى الخلاف في هذه المسألة على قولين:
أولهما: شرع من قبلنا شرع لنا:
وهو مذهب جمهور الحنفية، وقول الشافعي، وأحمد في أصح الروايتين، وعليها أكثر أصحابه (٣). وعزاه ابن تيمية إلى جماهير السلف والأئمة (٤).
الثاني: شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا:
وهو قول كثير من الشافعية؛ كالغزالي والرازي والآمدي، ورواية عن أحمد (٥).
واستدلَّ كل فريق بأدلة من الكتاب، والسنة، والنظر العقلي.
وعلى ترجيح القول الأول الذي قال به الأكثر فإن الخلاف فيما يبدو لا يترتب عليه كبير أثر في العمل؛ لأن المثبتين له يشترطون كونه ثابتًا بكتاب الله، أو سنة نبيه ﷺ ؛ فلا
стр. 765
يرد عليهم أن تلك الشرائع السابقة قد اعتراها تحريف أو تبديل.
وبالجملة فما من حكم من أحكام الشرائع السابقة قصَّهُ الله تعالى علينا، أو بينه الرسول ﷺ لنا إلا وفي شريعتنا ما يدلُّ على نسخه أو بقائه في حقنا (١).
ومما يرجح القول الأول أن في الأخذ به إثراءً للفقه الإسلامي وتأهيلًا لاستيعاب الوقائع والنوازل، وتنوعًا لمدارك الأحكام في الفقه، ولقد وصف النبي ﷺ خير الصيام وأفضله لبعض أصحابه، وبيَّن أنه صيام داود ﵇ (٢)، كما قصَّ النبي ﷺ قصة سليمان مع المرأتين اللتين اختصمتا إلى سليمان بعد أبيه ﵉ (٣)، والقصة من جملة شريعة مَنْ سبقنا، ومع هذا فإن شراح الحديث استنبطوا من تلك القصة فوائدَ، حتى إن ابن القيم ذكر خمسًا من السنن في ذلك الحديث (٤).
ومما يجدر التنبيه إليه: أن بعض المقيمين بديار الأقليات بالغرب دعا إلى مراجعة نقدية للفقه الموروث، مطالبًا بتنقية الفقه مما علق به وأُدخل فيه مما ليس منه عند التحقيق.
ويضرب لما أراد مثلًا فيقول معلقًا على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾
стр. 766
[المائدة: ٤٥]: "إذا ببعض الفقهاء يذهبون إلى الأخذ بمنطوق الآية بناءً على قاعدة: شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يَرِدْ ناسخ، أو على عموم النص لنا ولهم، أو على غيرها من أصول، مع نسيان مفهوم الهيمنة القرآنية، والتصديق، ونسخ شرعة الآصار والأغلال؛ فقرروا القصاص في الجروح، فوقعوا وأوقعوا الأمة معهم في حرج كبير" (١).
ولا شك في أن هذا الكلام ينطوي على مفاسدَ ظاهرةٍ؛ فإن فقهاءَنا حين قرروا ذلك الحكمَ قرروه استنادًا إلى آيات وأحاديث عدَّة، فبخلاف الآية المذكورة: قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقد حكم النبي ﷺ بالقصاص في كسر ثنية جارية كسرت ثنيتها الرُّبَيِّعُ ﵂، وقال: "كتاب الله القصاص" (٢).
أي: حكم كتاب الله وجوب القصاص في السن (٣).
وقد نقل الإجماعَ غيرُ واحد من الأئمة على إعمال الآية المذكورة في شريعتنا؛ كابن تيمية (٤) وابن كثير (٥) وابن عبد البر (٦).
على أن الفقهاء حين قالوا بوجوب القصاص في الجروح قالوا بذلك بشروط ثلاثة:
стр. 767
التعمد، والتكافؤ بين الجاني والمجني عليه، وإمكان الاستيفاء من غير حيف ولا زيادة (١).
فإن لم يؤمن الحيف انتقل إلى البدل، وهذه الوسطية في شريعتنا في مقابل الإلزام بالقصاص دون العفو في شريعة التوراة، والعفو دون قصاص في شريعة الإنجيل.
وأما في شريعتنا فالعدل في محله، والعفو في موضعه، والحمد لله.
المطلب الخامس: الاستنباط بالرد إلى مقاصد الشريعة:
سبق أن الأقرب في معنى القصد والمقصد أنه بمعنى الأَمِّ وإتيان الشيء والاعتماد (٢).
وعليه: فإن مقاصد الشريعة هي المعاني التي اعتمدت عليها الشريعة وسعت إلى تحقيقها، وعمدت إلى المحافظة عليها، وسلكت في ذلك سبيلًا مستقيمًا.
وهي اصطلاحًا: المعاني والحِكَمُ الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختصُّ ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة (٣).
وقد يراد بالمقاصد: الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد (٤).
وعلى رأس هذه المقاصد: الكليات الخمس، والمصالح الضرورية التي تعتبر أصولًا للشريعة وأهدافًا عامة لها، بل اتفقت الشرائع على حفظها وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، ويلحق بها العرض.
ويلحق بها: المصالح الحاجية، وهي التي لا بدَّ منها لقضاء الحاجات؛ كتشريع أحكام
стр. 768
البيع، والنكاح، وسائر المعاملات، وتشتمل على الرخص، وكل ما فيه تيسير وتوسعة؛ لتمكين المكلَّفِ من القيام بما كُلِّفَ به دون مشقة.
ويلحق بها كذلك: المصالح التحسينية، وهي كل ما يعود إلى العادات الحسنة والأخلاق الفاضلة، والمظهر الكريم والذوق السليم، مما يجعل الأُمَّةَ أُمَّةً مرغوبًا في الانتماء إليها، والعيش في أحضانها.
فهذه المصالح العظيمة والمقاصد التي قصد الشارع إلى تحقيقها؛ كجلب المصالح، ودرء المفاسد، وحفظ النظام العام، والحرص على عمارة الأرض، ودفع الحرج عن المكلفين، وقاعدة المشقة تجلب التيسير، وقاعدة العدل والإحسان ونحوها، لا بدَّ من إحاطة المفتي بها، والتمرس على تطبيقها والتعمق فيها، وأن يربط بين الدليل الجزئي من آية وحديث، وبين الكليات العامة والمقاصد الشرعية.
وإذا لم يراعِ المجتهد مقاصد الشريعة زلَّ؛ ولذا قال الشاطبي ﵀: "فزلة العالم أكثر ما تكون عند الغفلة عن اعتبار مقاصد الشرع في ذلك المعنى الذي اجتهد فيه" (١).
وما الأقوال الشاذة المهجورة والتخبط في الفُتيا والاضطراب في الترجيح إلا نتاج لإهمال مراعاة مقاصد الشريعة، والتجافي عن هذا الأصل الأصيل والركن الركين من أركان الفُتيا، ذلكم أن الاجتهاد لن ينضج، ولن يقوم إلا بمراعاة المقاصد فتتسع المدارك ويستوعب الناظر نوازل الحياة بكل تقلباتها وتشعباتها.
قال الشاطبي ﵀: "ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد، وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها
стр. 769
وجزئياتها المرتبة عليها. . . فشأن الراسخين تصور الشريعة صورة واحدة يخدم بعضها بعضًا، كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ ما أيًّا كان عفوًا وأخذًا أوليًّا، وإن كان ثَمَّ ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكمًا حقيقيًّا" (١).
وقال كذلك: "حتى لتجد أحدهم آخذًا ببعض جزئياتها في هدم كلياتها حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا رسوخ في فهم مقاصدها، ولا راجعًا رجوع الافتقار إليها، ولا مسلِّمًا لما روي عنهم في فهمها ولا راجعًا إلى الله ورسوله ﷺ في أمرها، ويعين على هذا الجهل بمقاصد الشريعة، وتوهم بلوغ درجة الاجتهاد باستعجال نتيجة الطلب، فإن العاقل قلما يخاطر بنفسه في اقتحام المهالك مع العلم بأنه محظور" (٢).
إن على المفتي والمجتهد أن يربط الدليل الجزئي بالمقاصد الكلية العامة، فإن قصر في أحدهما حصل له من النقص والخطأ بقدر ما قصر فيه، وعليه: فإن المجتهد محتاج غاية الحاجة إلى المقاصد عند استنباط الأحكام، وفهم النصوص، والتعرف على أسرار التشريع؛ لإلحاق النوازل والمستجدات بما يشبهها من وقائع سابقة، وأقوال للأئمة المتقدمين، وكذلك فإن مقاصد الشريعة تعدُّ من وسائل الترجيح بين الأقوال والأدلة التي ظاهرها التعارض، وذاك -لعمر الله- باب من العلم لا يحسنه إلا من وفقه الله، وألهمه رشده.
وكذلك إن دعته الحاجة إلى استعمال القياس أو الاستصلاح أو الاستحسان أو العرف فإنه لا يستغني عن مقاصد الشريعة.
стр. 770
فإذا كان العلم القطعي حاصلًا بأن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد في المعاش والمعاد وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها؛ كان لزامًا على المجتهد والمفتي في النوازل مراعاة هذا الأصل العظيم والمقصد الرئيس من مقاصد الشريعة، فيستحيل أن تأمر الشريعة بما فيه مفسدة، أو تنهى عما تحققت مصلحته، قال البيضاوي ﵀: "إن الاستقراء دلَّ على أن الله سبحانه شرع أحكامه لمصالح العباد" (١).
وقال ابن القيم ﵀: "القرآن وسنة رسول الله ﷺ مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها، والتنبيه على وجوه الحِكم التي لأجلها شرع الأحكام، ولأجلها خلق تلك الأعيان، ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناها، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة" (٢).
ولا ريب أن مراعاة المصالح سمة ملازمة لكل أحكام الشرع، فما من حُكم إلا وقد قرر لرعاية مصلحة، أو درء مفسدة، وإخلاء العالم من الشرور والآثام، مما يدلُّ على أن الشريعة الغراء تستهدف تحقيق مقصد عام، هو إسعاد الفرد والجماعة، وحفظ نظام المجتمع، وتعمير الدنيا وإصلاحها بما يوصل البشرية إلى أرقى درجات الكمال البشري.
وإذا كانت مقاصد الشريعة بهذا الشمول والهيمنة على أحكام الشريعة والملازمة لها- كانت معرفتها أمرًا ضروريًّا لمن يتصدر للفُتيا والاجتهاد.
وقد اعتنى غير واحد من المحققين بمقاصد الشريعة، وأكثرَ من الحديث حولها وتقريرها، إما في تصنيف مستقلٍّ، أو ضمن كتب وأبحاث وفتاوي، وممن أكثر من الكلام عليه والإشارة إليه إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ﵀ (٣) والإمام الغزالي ﵀ (٤)
стр. 771
والعز ابن عبد السلام في كتابه الفذ "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" وكذلك كتابه "مختصر الفوائد في أحكام المقاصد" ولعله أول من بسط الكلام فيه.
وتلاه تلميذه القرافي (١)، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فهو ممن امتلأت كتبه بمباحث هذا العلم (٢) وقد ألف الدكتور يوسف أحمد محمد البدري كتابًا مفيدًا بعنوان: "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" وهو من الأهمية بمكان لما لشيخ الإسلام ﵀ من قدم راسخة في العلم وبروز واضح في هذا الباب.
وكذلك تلميذه العلامة ابن القيم (٣) ﵀ لا سيما في كتابه العظيم "إعلام الموقعين عن رب العالمين" في هذا الباب.
وأما أول من أبرز قواعده وأظهره كَفَنٍّ مستقلٍّ وأصلَّه وقرره، فهو العلامة الشاطبي ﵀ في "الموافقات" فهو -بحقٍّ- مؤسس هذا العلم، وكتابه مرجع الباحثين ومهيع المفتين المجتهدين (٤).
ثم تتابع الناس في التأليف في هذا الباب، والاهتمام به وتقريره وتوسيع مباحثه.
ولذا يقول العلامة الشاطبي ﵀-مبينًا اشتراط فهم مقاصد الشريعة للمجتهد-: "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
стр. 772
والثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها" (١).
ثم قال: "فإذا بلغ الإنسان مبلغًا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي ﷺ في التعليم والفُتيا والحكم بما أراه الله" (٢).
ولم ينفرد الشاطبي ﵀ بهذا الشرط للمجتهد، فقد ذكر غير واحد من الأصوليين كالموفق ابن قدامة ﵀ في روضة الناظر حيث قال حين تكلم عن القدر اللغوي الذي يتعلق بفهم الكتاب والسنة: "ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك دقائق المقاصد فيه" (٣).
وذكر التاج السبكي ﵀ من شروط الاجتهاد: "الاطلاع على مقاصد الشريعة، والخوض في بحارها" (٤).
ونقل السيوطي عن الغزالي -رحمهما الله- قوله: "مقاصد الشرع قبلة المجتهدين من توجَّه جهةً منها أصاب الحق" (٥).
وقال ابن عاشور ﵀: "وحقُّ العالم فهمُ المقاصد، والعلماء -كما قلنا- متفاوتون على قدر القرائح والفهوم" (٦).
طرق معرفة مقاصد الشريعة:
هناك طرق كثيرة يتعرف بها المجتهد على مقاصد الشريعة، منها:
١ - الاستقراء: وذلك بتتبع نصوص الشريعة وأحكامها ومعرفة عللها.
стр. 773
فإذا استقرأ عللًا كثيرة متماثلة في كونها ضابطًا لحكمة متحدة استخلص منها حكمة واحدة يجزم بأنها مقصد الشارع (١).
٢ - معرفة علل الأمر والنهي، وهذا وإن كان له علاقة قوية بالذي قبله غير أنه يُعْنَى بجانب كيفية التعرف على علل الأمر والنهي، وهي المعروفة بمسالك العلة.
٣ - مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي ونعني بالابتدائي ما أُمر به أو نهي عنه ابتداءً؛ لا لكونه وسيلة إلى غيره، أو جيء به تبعًا وتأكيدًا للأمر الأول، ولم يقصد بالقصد الأول.
ونعني بالتصريحي ما دلَّ على الأمر والنهي بصيغة صريحة، لا بصيغة ضمنية (٢).
٤ - التعبير عن المصالح والمفاسد بلفظ الخير والشر أو النفع والضر، وما أشبه ذلك.
كما قال العز ابن عبد السلام ﵀: "ويعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد" (٣).
إلى غيرها من الطرق الموصلة لأنواع المقاصد الشرعية.
شروط المقاصد:
إنه قد تخفى المقاصد على بعض المجتهدين، أو تختلط عليهم ببعض القواعد الجزئية، أو يدخل على بعضهم الهوى أثناء تقديرها وتحصيلها؛ ولهذا جعل بعض العلماء للمقاصد المعتبرة التي قررها الشارع صفاتٍ ثابتةً وشروطًا محددة ترجع إلى أمور، هي:
١ - أن يكون المقصد وصفًا ثابتًا أو قاطعًا، أي: مجزومًا بتحققه أو مظنونًا به ظنًّا قريبًا من الجزم، فالأوهام والتخيلات لا يصح أن تكون مقاصد شرعية؛ لأنه تقعيد
стр. 774
تبنى عليه الفروع والأحكام، ومن شأن التقعيد أن يكون قطعيًّا.
٢ - أن يكون ظاهرًا بحيث لا يختلف العلماء في تشخيص معناه، ولا يلتبس عليهم إدراكه، فالمقصد مثلًا من مشروعية النكاح حفظ النسل، وهذا معنى ظاهر جلي أثبتته مجموعة من الأدلة.
٣ - أن يكون مطَّردًا، ويدخل في هذا ثلاثة أمور:
أ - أن يكون كليًّا.
ب - عامًّا.
جـ - أبديًّا (١).
وبمراعاة هذه الضوابط تتضح المقاصد في ذهن الناظر والمجتهد، وتتجلَّى له عند بحثه وتتبعه لعلل الأحكام وحكم التشريع، من أجل التعرف على ما لم يُنَصَّ عليه من أحكام النوازل والوقائع المختلفة.
ويبقى التنبيه على أن الخطأ والخلط في تعيين المقاصد ينجم عنه أخطار عظيمة؛ ولهذا قال العلامة الطاهر ابن عاشور ﵀: "على الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التأمل، ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي، وإيَّاه والتساهلَ والتسرعَ في ذلك؛ لأن تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط ففي الخطأ فيه خطر عظيم، فعليه أن لا يعين مقصدًا شرعيًّا إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه، وبعد اقتفاء آثار أئمة الفقه؛ ليستضيء بأفهامهم وما حصل لهم من ممارسة قواعد الشرع، فإن هو فعل ذلك اكتسب قوة استنباط يفهم بها مقصود الشارع" (٢).
وقد أكد العلامة ابن عاشور على ضرورة معرفة الفقيه والمجتهد لمقاصد الشريعة:
стр. 775
"فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها، أما النحو الرابع فاحتياجه فيها ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا، وفي هذا النحو أثبت مالك -رحمه الله تعالى- حجية المصالح المرسلة، وفيه أيضًا قال الأئمة بمراعاة الكليات الشرعية الضرورية، وألحقوا بها الحاجية والتحسينية، وسَمُّوُا الجميع بالمناسب، وهو مقرر في مسالك العلة من علم أصول الفقه" (١).
وقد سبق الحديث عن المصلحة المرسلة وأثرها في استنباط أحكام النوازل.
أما اعتماد المقاصد الشرعية لحل المشكلات في العصر الحديث فلا بدَّ من وجود مقاصد قطعية يعتمدها المجتهدون على خلافاتهم في القضايا التي لا نصَّ فيها ولا إجماع، وكيف نصل إلى الاستدلال على تعيين مقصد ما من تلك المقاصد استدلالًا يجعله بعد استنباطه محلَّ وفاق بين المتفقهين، سواء في ذلك من استنبطه، ومن بلَّغه، فيكون ذلك بابًا لحصول الوفاق في مدارك المجتهدين، أو التوفيق بين المختلفين من المقلدين (٢).
كما أنه "من شروط المجتهد الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة" (٣).
"فعلينا أن نَرسِمَ طرائق الاستدلال على مقاصد الشريعة بما بلغنا إليه بالتأمل وبالرجوع إلى كلام أساطين العلماء، ويجب أن يكون الرائد الأعظم في هذا المسلك هو الإنصاف ونبذ التعصب لبادئ الرأي، أو لسابق الاجتهاد، أو لقول إمام" (٤).
وفي فقه الأقليات تطبيقات للمقاصد الشرعية وأثرها في استنباط الأحكام من