← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

والعز ابن عبد السلام في كتابه الفذ "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" وكذلك كتابه "مختصر الفوائد في أحكام المقاصد" ولعله أول من بسط الكلام فيه. وتلاه تلميذه القرافي (١)، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فهو ممن امتلأت كتبه بمباحث هذا العلم (٢) وقد ألف الدكتور يوسف أحمد محمد البدري كتابًا مفيدًا بعنوان: "مقاصد الشريعة عند ابن تيمية" وهو من الأهمية بمكان لما لشيخ الإسلام ﵀ من قدم راسخة في العلم وبروز واضح في هذا الباب. وكذلك تلميذه العلامة ابن القيم (٣) ﵀ لا سيما في كتابه العظيم "إعلام الموقعين عن رب العالمين" في هذا الباب. وأما أول من أبرز قواعده وأظهره كَفَنٍّ مستقلٍّ وأصلَّه وقرره، فهو العلامة الشاطبي ﵀ في "الموافقات" فهو -بحقٍّ- مؤسس هذا العلم، وكتابه مرجع الباحثين ومهيع المفتين المجتهدين (٤). ثم تتابع الناس في التأليف في هذا الباب، والاهتمام به وتقريره وتوسيع مباحثه. ولذا يقول العلامة الشاطبي ﵀-مبينًا اشتراط فهم مقاصد الشريعة للمجتهد-: "إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.

стр. 772

والثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها" (١). ثم قال: "فإذا بلغ الإنسان مبلغًا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي ﷺ في التعليم والفُتيا والحكم بما أراه الله" (٢). ولم ينفرد الشاطبي ﵀ بهذا الشرط للمجتهد، فقد ذكر غير واحد من الأصوليين كالموفق ابن قدامة ﵀ في روضة الناظر حيث قال حين تكلم عن القدر اللغوي الذي يتعلق بفهم الكتاب والسنة: "ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك دقائق المقاصد فيه" (٣). وذكر التاج السبكي ﵀ من شروط الاجتهاد: "الاطلاع على مقاصد الشريعة، والخوض في بحارها" (٤). ونقل السيوطي عن الغزالي -رحمهما الله- قوله: "مقاصد الشرع قبلة المجتهدين من توجَّه جهةً منها أصاب الحق" (٥). وقال ابن عاشور ﵀: "وحقُّ العالم فهمُ المقاصد، والعلماء -كما قلنا- متفاوتون على قدر القرائح والفهوم" (٦). طرق معرفة مقاصد الشريعة: هناك طرق كثيرة يتعرف بها المجتهد على مقاصد الشريعة، منها: ١ - الاستقراء: وذلك بتتبع نصوص الشريعة وأحكامها ومعرفة عللها.

стр. 773

فإذا استقرأ عللًا كثيرة متماثلة في كونها ضابطًا لحكمة متحدة استخلص منها حكمة واحدة يجزم بأنها مقصد الشارع (١). ٢ - معرفة علل الأمر والنهي، وهذا وإن كان له علاقة قوية بالذي قبله غير أنه يُعْنَى بجانب كيفية التعرف على علل الأمر والنهي، وهي المعروفة بمسالك العلة. ٣ - مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي ونعني بالابتدائي ما أُمر به أو نهي عنه ابتداءً؛ لا لكونه وسيلة إلى غيره، أو جيء به تبعًا وتأكيدًا للأمر الأول، ولم يقصد بالقصد الأول. ونعني بالتصريحي ما دلَّ على الأمر والنهي بصيغة صريحة، لا بصيغة ضمنية (٢). ٤ - التعبير عن المصالح والمفاسد بلفظ الخير والشر أو النفع والضر، وما أشبه ذلك. كما قال العز ابن عبد السلام ﵀: "ويعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر، والنفع والضر، والحسنات والسيئات؛ لأن المصالح كلها خيور حسنات، والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات، وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح، والسيئات في المفاسد" (٣). إلى غيرها من الطرق الموصلة لأنواع المقاصد الشرعية. شروط المقاصد: إنه قد تخفى المقاصد على بعض المجتهدين، أو تختلط عليهم ببعض القواعد الجزئية، أو يدخل على بعضهم الهوى أثناء تقديرها وتحصيلها؛ ولهذا جعل بعض العلماء للمقاصد المعتبرة التي قررها الشارع صفاتٍ ثابتةً وشروطًا محددة ترجع إلى أمور، هي: ١ - أن يكون المقصد وصفًا ثابتًا أو قاطعًا، أي: مجزومًا بتحققه أو مظنونًا به ظنًّا قريبًا من الجزم، فالأوهام والتخيلات لا يصح أن تكون مقاصد شرعية؛ لأنه تقعيد

стр. 774

تبنى عليه الفروع والأحكام، ومن شأن التقعيد أن يكون قطعيًّا. ٢ - أن يكون ظاهرًا بحيث لا يختلف العلماء في تشخيص معناه، ولا يلتبس عليهم إدراكه، فالمقصد مثلًا من مشروعية النكاح حفظ النسل، وهذا معنى ظاهر جلي أثبتته مجموعة من الأدلة. ٣ - أن يكون مطَّردًا، ويدخل في هذا ثلاثة أمور: أ - أن يكون كليًّا. ب - عامًّا. جـ - أبديًّا (١). وبمراعاة هذه الضوابط تتضح المقاصد في ذهن الناظر والمجتهد، وتتجلَّى له عند بحثه وتتبعه لعلل الأحكام وحكم التشريع، من أجل التعرف على ما لم يُنَصَّ عليه من أحكام النوازل والوقائع المختلفة. ويبقى التنبيه على أن الخطأ والخلط في تعيين المقاصد ينجم عنه أخطار عظيمة؛ ولهذا قال العلامة الطاهر ابن عاشور ﵀: "على الباحث في مقاصد الشريعة أن يطيل التأمل، ويجيد التثبت في إثبات مقصد شرعي، وإيَّاه والتساهلَ والتسرعَ في ذلك؛ لأن تعيين مقصد شرعي كلي أو جزئي أمر تتفرع عنه أدلة وأحكام كثيرة في الاستنباط ففي الخطأ فيه خطر عظيم، فعليه أن لا يعين مقصدًا شرعيًّا إلا بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يريد انتزاع المقصد الشرعي منه، وبعد اقتفاء آثار أئمة الفقه؛ ليستضيء بأفهامهم وما حصل لهم من ممارسة قواعد الشرع، فإن هو فعل ذلك اكتسب قوة استنباط يفهم بها مقصود الشارع" (٢). وقد أكد العلامة ابن عاشور على ضرورة معرفة الفقيه والمجتهد لمقاصد الشريعة:

стр. 775

"فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلها، أما النحو الرابع فاحتياجه فيها ظاهر، وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا، وفي هذا النحو أثبت مالك -رحمه الله تعالى- حجية المصالح المرسلة، وفيه أيضًا قال الأئمة بمراعاة الكليات الشرعية الضرورية، وألحقوا بها الحاجية والتحسينية، وسَمُّوُا الجميع بالمناسب، وهو مقرر في مسالك العلة من علم أصول الفقه" (١). وقد سبق الحديث عن المصلحة المرسلة وأثرها في استنباط أحكام النوازل. أما اعتماد المقاصد الشرعية لحل المشكلات في العصر الحديث فلا بدَّ من وجود مقاصد قطعية يعتمدها المجتهدون على خلافاتهم في القضايا التي لا نصَّ فيها ولا إجماع، وكيف نصل إلى الاستدلال على تعيين مقصد ما من تلك المقاصد استدلالًا يجعله بعد استنباطه محلَّ وفاق بين المتفقهين، سواء في ذلك من استنبطه، ومن بلَّغه، فيكون ذلك بابًا لحصول الوفاق في مدارك المجتهدين، أو التوفيق بين المختلفين من المقلدين (٢). كما أنه "من شروط المجتهد الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة" (٣). "فعلينا أن نَرسِمَ طرائق الاستدلال على مقاصد الشريعة بما بلغنا إليه بالتأمل وبالرجوع إلى كلام أساطين العلماء، ويجب أن يكون الرائد الأعظم في هذا المسلك هو الإنصاف ونبذ التعصب لبادئ الرأي، أو لسابق الاجتهاد، أو لقول إمام" (٤). وفي فقه الأقليات تطبيقات للمقاصد الشرعية وأثرها في استنباط الأحكام من

стр. 776

الأهمية بمكان، من ذلك: المرأة تسلم وزوجها نصراني: فمذهب الجمهور فسخ النكاح؛ إما فورًا، أو بعد انقضاء العدة، والدليل آية الممتحنة: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وهناك روايات عن أميري المؤمنين عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄ يقرانهما على النكاح، ويرى ابن تيمية بقاءَ النكاح ما لم يُفسخ على ألَّا يقربها. والدليل قضية زينب بنت رسول الله ﷺ ، حيث ردَّها لأبي العاص بالعقد الأول على الصحيح. وآية الممتحنة تتعلق بحالة خاصة في نساء خرجن فرارًا بدينهن من دار الحرب. وخصوص السبب قد يمنع عموم الحكم عند بعض علماء أصول الفقه، نص عليه المازري في شرح البرهان وغيره، فيكون النكاح نكاحًا جائزًا غير لازم. والواقع: نساء يسلمن في الغرب تحت أزواج غير مسلمين، وأحيانًا يكونون كبارًا في السن، وقد يتبع الرجل زوجته في الإسلام، فإذا فرض عليهما الفراق فقد ترتدُّ، كما وَرَدَ في سؤال من أمريكا بهذا المعنى. والجديد: هو تواصل العالم وانتشار الإسلام بحمد الله تعالى وبخاصة بين النساء. المقصد الشرعي: التيسير والتبشير، وعدم التنفير، والمحافظة على الدين مقصد أعلى. وقد تنبه لهذا المقصد ابن تيمية ﵀ عندما قال: إنه يكفي تنفيرًا أن تعلم أنها ستفارق زوجها إذا أسلمت. النتيجة: اختيار جواز بقائها مع زوجها، بشرط ألا يقربها حتى يسلم. وهناك قضايا جديدة كالاشتراك في الأعمال السياسية في الغرب وغير ذلك.

стр. 777

المطلب السادس: الاستنباط بالرد إلى القواعد الفقهية وضوابطه: مضى الحديث عن تعريف القواعد والضوابط الفقهية وأهميتها، والعلاقة بينهما وبين القواعد الأصولية، وفيما يأتي بيان ل حجية القواعد الفقهية ، وذكر لأقسامها وأهميتها في استنباط واستخراج أحكام النوازل. حجية القواعد الفقهية: وَرَدَ عن بعض أهل العلم ما يُشعر بحجية القواعد، واستقلالها باستنباط الأحكام منها على أساس كونها دليلًا شرعيًّا، وهذا المنحى قد يسلم فيما لو كانت القاعدة نَصَّ آيةٍ، أو حديثٍ صحيح، أو مبنية على ما لا يحصى من أدلة الكتاب والسنة، ولو من غير نصهما؛ كالقواعد الخمس الكبرى. وهذا بطبيعة الحال لا يتأتَّى في القواعد الصغرى، أو الخلافية من باب أولى، وعليه فلا مجال للقول بحجيتها مطلقًا. وعلى هذا يتنزل قول ابن نجيم: "إنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط؛ لأنها ليست كلية، بل أغلبية" (١). أما إذا نزلت نازلة ليس لها دليل شرعي بعينها، ولم يوجد نص فقهي بحكمها، ووجدت القاعدة الفقهية التي تشملها، فحينئذ يمكن الاستناد إليها، والرجوع في الفتوى والقضاء إلى حكمها، اللهم إلا إذا قطع أو ظن وجود فرق واضح بين ما اشتملت عليه القاعدة، وهذه المسألة النازلة (٢).

стр. 778

هذا، وقد صرح الإمام القرافي ﵀ بنقض حكم القاضي إذا خالف قاعدة من القواعد السالمة عن المعارض (١). وجاء عن الإمام ابن عرفة ﵀ لما سئل: "هل يجوز أن يقال في طريق من الطرق: هذا مذهب مالك؟ فأجاب بأن من له معرفة بقواعد المذهب، ومشهور أقواله، والترجيح والقياس يجوز له ذلك بعد بذل جهده في تذكره في قواعد المذهب، ومن لم يكن كذلك لا يجوز له ذلك" (٢). والناظر في فتاوى كثير من فقهاء المذاهب الأربعة يلحظ كثرة استشهادهم واستدلالهم بالقواعد الفقهية في إثبات بعض الأحكام الفقهية، مما يدل على أهمية الرجوع إليها، واعتبارها بعد النظر في الأدلة الشرعية المعتبرة. ولعل كتب التخريج الفقهي قائمة في كثير من الأحيان على ردِّ الفروع إلى القواعد الفقهية، ولكي يتحقق الاستدلال المعتبر بالقاعدة الفقهية لا بدَّ من توفر شروط صحة القاعدة وضوابط تطبيقها على الواقعة المستجدة. ويمكن أن تقسم هذه القواعد باعتبارات مختلفة إلى عدة تقسيمات: أولًا: باعتبار شموليتها وسعتها: تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: القواعد الكلية الخمس الكبرى (٣) التي تشمل مسائلَ كثيرةً جدًّا من جميع الأبواب تقريبًا، وهي: الأمور بمقاصدها، المشقة تجلب التيسير، الضرر يزال، العادة محكمة، اليقين لا

стр. 779

يزول بالشك، وهذه كلية وشاملة، وقد قيل: إن الفقه مبني عليها. القسم الثاني: القواعد التي تشتمل على مسائلَ كثيرةٍ من أبواب متعددة، لكنها أقل من سابقتها، فهي كما قال السيوطي وابن نجيم -رحمهما الله-: "قواعد كلية يتخرج عليها ما لا ينحصر من الصور الجزئية" (١). وقد أوصلها السيوطي إلى أربعين، وابن نجيم إلى تسع عشرة قاعدة، ولعله اقتصر على مذهب الحنفية. مثل: الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام، لا عبرة بالظن البين خطؤه (٢). القسم الثالث: القواعد المشتملة على مسائل متعلقة بأبواب محدودة، وقد أطلق عليها ابن السبكي اسم: القواعد الخاصة (٣)، وهي قريبة من الضابط، كما سبق. ومن أمثلتها: كل ميتة نجسة إلا السمك والجراد، الدفع أقوى من الرفع (٤). ثانيًا: باعتبار الاتفاق والاختلاف، وهي بهذا الاعتبار تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: القواعد والضوابط المتفق عليها، وهي نوعان: الأول: القواعد المتفق عليها بين جميع المذاهب، وهي الخمس الكبرى. الثاني: القواعد المتفق عليها بين أكثر المذاهب، كالقواعد التسع عشرة التي ذكرها ابن نجيم. القسم الثاني: القواعد والضوابط التي اختلف فيها، وهي نوعان كذلك: الأول: القواعد المختلف فيها بين المذاهب المختلفة، ومن أمثلتها: ما بقي من القواعد

стр. 780

الأربعين التي ذكرها السيوطي بعد إخراج التسع عشرة المذكورة عند ابن نجيم، ففيها خلاف بين الحنفية والشافعية. الثاني: القواعد المختلف فيها بين المذهب الواحد، والغالب فيها أن تصاغ بصورة استفهام، ككثير من القواعد التي ذكرها ابن رجب، وكذلك القواعد التي ذكرها السيوطي في الكتاب الثالث من "الأشباه والنظائر" (١) ومن أمثلتها: من عليه فرض هل له أن يتنفل قبل أدائه بجنسه أم لا؟ (٢). ثالثًا: أقسام القواعد من حيث الاستقلال والتبعية: وتنقسم وفق هذا الاعتبار إلى قسمين: القسم الأول: القواعد المستقلة أو الأصلية: وهي القواعد التي ليست قيدًا أو شرطًا في قاعدة أخرى، ولا متفرعة عن غيرها، ومن أمثلتها: القواعد الخمس الكبرى، وغيرها، مثل: إعمال الكلام أولى من إهماله، الخراج بالضمان، من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه (٣). القسم الثاني: القواعد التابعة: أي: التي تخدم غيرها من القواعد، إما لكونها متفرعة من قاعدة أكبر منها، فهي تمثل جانبًا من جوانب تلك القاعدة الكبيرة، أو تطبيقًا لها في مجالات معينة، كقاعدة: "الأصل براءة الذمة" و"الأصل في المياه الطهارة" و"الأصل في الصفات العارضة العدم" فهذه كلها تابعه لقاعدة: "اليقين لا يزول بالشك" (٤).

стр. 781

وإما لكونها قيدًا أو شرطًا في غيرها، أو استئناءً منها: ومن أمثلة ذلك: "الضرورة تقدر بقدرها" و"الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف" و"الضرر لا يزال بالضرر" فهذه الثلاثة قيود وشروط في قاعدة "الضرر يزال"، ومن القواعد المستثناة من غيرها قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" (١) التي تستثني حالات الضرورة من المحظورات الشرعية. رابعًا: أقسام القواعد من حيث مصادرها: وهي قسمان: قواعد منصوصة، وقواعد مستنبطة. فالمنصوصة هي التي جاء بشأنها نص شرعي إما بلفظها كقاعدة "الأعمال بالنيات" (٢) وقاعدة "الخراج بالضمان" (٣) فإنهما نصان نبويان. وإما بالاستنباط من النص كقاعدة "اليقين لا يزول بالشك" فمصدرها حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٤). وأما القواعد المستنبطة فهي التي خرجها العلماء من استقراء الأحكام الجزئية

стр. 782

وتتبعها في مورادها المختلفة، ومنها: الأصل عند أبي حنيفة أن ما غيَّر الفرض في أوله غيَّره في آخره، فقد استنبطها الكرخي من المسائل الاثني عشرية للإمام أبي حنيفة (١) (٢). أهمية القواعد الفقهية في استنباط أحكام النوازل: إن صناعة التقعيد الفقهي فن جليل من فنون الفقه، وفي هذا لا تغيب كلمة السيوطي ﵀ في أشباهه حيث قال -عن أهمية القواعد الفقهية-: "اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظيم، به يطلع على حقائق الفقه ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويتمهر في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مَرِّ الزمان" (٣). وما من شك في أن تقعيد الفقه على النحو المعروف الآن إنما هو بمثابة الضمانة لاستمرار فاعلية الشريعة وتأكيد صلاحيتها. وتجربة الأقليات الإسلامية اليوم تتميز بوجودها على أراضٍ شتى، وتحت أنظمة شتى، بما يفضي إلى تنوع الحاجات وإلحاحها وقربها من منزلة الضرورات؛ وذلك لمشقات بالغة لا تخفى في كل مجال من مجالات الحياة تقريبًا. وهذا يستدعي بحثًا فيما يسعف من أصول جامعة، وقواعد حاكمة يستعملها علماءُ نَصَحَةٌ للأقليات، أمناءُ على أحكام الشريعة ومقاصدها، وعاةٌ لخصائص الزمان والمكان والحال؛ ليقدموا حلولًا مستقيمة، تفي بحاجات أهل الإسلام فيما استحدث في هذا الزمان وَجَدَّ مما لا عهد للمتقدمين به.

стр. 783

ويؤكد على ما ذكر أن إعمال القواعد الفقهية في حياة الأقليات وُجدت له تطبيقات كثيرة، وتحققت من خلال النظر في نوازل الأقليات بمنظار القواعد الفقهية مصالح عديدة. فعلى سبيل المثال: عملت قواعد رفع الضرر، ودفع المشقات والحرج عملها في التيسير على أصحاب الحاجات التي تنزل منزلة الضرورات، وكذا الظروف الطارئة، وعموم البلوى، وعسر الاحتراز، ونحو ذلك. وقد طبق المعاصرون من الفقهاء هذه القواعد في مسائل تتعلق بالجمع بين الصلوات، وإجراء عقود التأمينات، وإباحة بعض الأعمال والعقود، عند الاحتياج في بلاد الأقليات. كما طبقوا قواعد الأعراف والعادات في أحكام تتعلق بالزي واللباس، والهيئات، وفي إجراء بعض المعاملات التي فيها تخصيص للعمومات دون مصادمة للنصوص، وكما أُجري ذلك في العقود أُقِرَّ أيضًا في الأنكحة. كما أعملوا قواعد درء المفاسد وجلب المصالح، في تخفيف الشرور ودفع المفاسد فأباحوا أنواعًا من الأعمال السياسية في بلاد الأقلية، ومنعوا من بعض التصرفات المباحة إذا ترتب عليها تعريض الأقليات لمفاسد عظيمة في المآلات. وراعوا قواعد السياسة الشرعية في قيام جماعة المسلمين مقام القاضي، وتحقق ولاية أهل الحل والعقد في تلك البلاد على الأقليات، فأجازوا ما يقع من ولاية المراكز في التزويج والتطليق والخلع عند الاقتضاء. ولا تخلو الفروع من خلاف فقهي، وجدل علمي بين أهل الاختصاص على ما سيظهر بمشيئة الله عند ذكر بعض نوازل الأقليات في الباب الثالث.

стр. 784

المطلب السابع: الاستنباط بالرد إلى التخريج الفقهي وضوابطه: التخريج في معناه اللغوي يعود إلى أصلين: الأول: النفاذ عن الشيء وتجاوزه، وهو الأكثر استعمالًا. وهو بمعنى الاستنباط، وإخراج الشيء: إظهاره بعد خفاء، وخارج كل شيء: ظاهره. الثاني: اختلاف لونين (١). والتخريج في معناه الاصطلاحي له إطلاقات متعددة، منها: الأول: استخراج أصول الأئمة المجتهدين من فروعهم الفقهية، وذلك بالاستقراء والتتبع، وهو ما يعرف بتخريج الأصول من الفروع، وهذا أثمر بناء القواعد الأصولية للأئمة. الثاني: ردُّ الفروع الفقهية إلى القواعد الأصولية، وهو ما يسمى بتخريج الفروع على الأصول؛ لينتهي إلى ردِّ الفروع الفقهية غير المنصوصة عن إمام إلى أصول مذهبه. الثالث: استنباط أحكام غير منصوصة عن الإمام بالنظر فيما هو منصوص، وهو ما يسمى بتخريج الفروع على الفروع؛ لينتهي إلى الإفتاء في غير المنصوص بما يشبهه من المنصوص فيه عن الأئمة، وهو الأشيع استعمالًا في لغة الفقهاء، وعبارات المجتهدين من المفتين (٢). الرابع: التعليل، أو ما يسمى بتخريج المناط، وهذا يعود إلى استخراج العلل والتي تبنى على أساسها الأحكام. والتخريج بالنظر إلى حقيقته عند الفقهاء والأصوليين يعتبر عملًا فقهيًّا يهدف إلى الدوران في فلك المذهب وأئمته. يقول عن ذلك ابن فرحون من المالكية: "هو عبارة عما تدلُّ أصول المذهب على

стр. 785

وجوده، ولم ينصوا عليه، فتارة يُخرَّج من المشهور، وتارة من الشاذ" (١). والتخريج بمعناه الثالث له عند المالكية عدة أقسام: الأول: استخراج حكم واقعة ليس فيها حكم منصوص من مسألة منصوصة. مثاله: يقول ابن الجلاب: "ومن نذر اعتكاف يوم بعينه فَمَرِضَهُ؛ فإنها تتخرج على روايتين: إحداهما: أن عليه القضاء، والأخرى: ليس عليه القضاء، وهذه مخرجة على الصيام، فإنه إذا نذر صوم يوم بعينه فَمَرِضَهُ، أو خافت المرأة، قال ابن عبد الحكم (٢): "لا قضاء عليه إلَّا أن يكون نوى القضاء، وقال ابن القاسم: عليه القضاء إلَّا أن يكون نوى ألَّا قضاء عليه" (٣). الثاني: أن يكون في المسألة حكم منصوص فيخرج فيها من مسألة أخرى قول بخلافه. مثاله: قوله: "وفيها: لا يغسل أنثييه من المذي، إلا أن يخشى إصابتها". وقوله: "والجسد في النضح كالثوب على الأصح". فالقول الأول: أنه يغسل جسده إذا شك في إصابته النجاسة، وهذا مخرج من قول منصوص في المدونة، وهو أنه: "ليس على الرجل غسل أنثييه من المذي عند وضوئه منه، إلا أن يخشى أن يكون قد أصاب أنثييه منه شيء" (٤).

стр. 786

أما القول الثاني: فإنه لا يغسل جسده، بل ينضحه. الثالث: أن يكون للمسألة حكم منصوص وحكم مُخَرَّجٌ، وذلك بأن يوجد للمسألة حكم منصوص، ويوجد نص في مثلها على خلاف ذلك الحكم، وليس بينهما فارق، فيُخَرِّجُون حكمًا على أحد النصين للمسألة الأخرى. وهذا التقسيم المنقول عن المالكية يوجد مثله، أو بعضه عند بقية المذاهب. فشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول: وأما التخريج فهو نقل مسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه (١). ومن أمثلة استعمالاته عند الحنابلة: قول المرداوي عند شرحه لعبارة: "ومن لم يجد إلا ثوبًا نجسًا فصلى فيه" قال:. . . وقيل: لا تصح فيه مطلقًا، بل يصلي عريانًا، وهو تخريج للمجد في شرحه. . . وعند عبارة: "وأعاد على المنصوص" قال: ويتخرج أن لا يعيد" (٢). وقال الشيخ السقاف الشافعي (٣): "التخريج أن ينقل فقهاء المذهب الحكم من نص إمامهم في صورة إلى صورة مشابهة" (٤). وبناءً على ما سبق فإن أهل المذاهب الفقهية قد تعارفوا على هذا اللون من التخريج الفروعي على الفروع الفقهية المنصوصة من أئمة مذاهبهم. حكم الاستنباط بالتخريج: تَقَدَّمَ أنه ذهب عامة المنتسبين إلى المذاهب الأربعة إلى الأخذ بالتخريج على قول

стр. 787

إمام المذهب إذا لم يوجد عنه في المسألة نص، وأنهم يجوزون الإفتاء بذلك، وينسبون هذا القول المستنبط بالإلحاق والقياس إلى مذهبهم تخريجًا على المنقول عن إمامهم. وهذا عملهم جارٍ على هذا النسق من قرون عديدة، قال ابن الصلاح عنه: "عليه العمل، وإليه مفزع المفتين من مُدَدٍ مديدة" (١). وقال ابن أمير الحاج -عن أصحاب الوجوه والتخريج-: "والذي أظنه قيام الإجماع على جواز فتيا هؤلاء، وأنت ترى من علماء المذاهب ممن وصل إلى هذه المرتبة، هل منعهم أحدٌ الفتوى، أو منعوا هم أنفسهم عنها" (٢). ومع هذا فقد وُجِدَ من الفقهاء من ينكر هذا العمل بدرجات متفاوتة. فمحققو الحنفية ينصون على أن ما في المتون والشروح مقدَّم على ما في الفتاوي؛ وذلك لأن مسائل المتون والشروح هي المنقولة عن أئمة الحنفية الثلاثة أو بعضهم بخلاف الفتاوي؛ فإن الإفتاء "مبني على وقائع تحدث لهم، ويسألون عنها، وهم من أهل التخريج، فيجيب كل منهم بحسب ما يظهر له، تخريجًا على قواعد المذهب، إن لم يجد نصًّا، ولذا ترى في كثير منها اختلافًا، ومعلوم أن المنقول عن الأئمة الثلاثة، ليس كالمنقول عمن بعدهم من المشايخ" (٣). وأبو بكر بن العربي يذهب إلى أنها لا تزيد عن أمور يتفقه بها الفقيه، وعند العمل يعول في حكم النازلة على الأدلة الأصلية! يقول ﵀-في تفسير قوله تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] "ولذلك قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن المفتي بالتقليد إذا خالف نَصَّ الرواية في نص

стр. 788

النازلة عمن قلَّده أنه مذموم، داخل في الآية؛ لأنه يقيس ويجتهد في غير محل الاجتهاد، وإنما الاجتهاد في قول الله، وقول الرسول ﷺ ، لا في قول بشر بعدهما، ومن قال من المقلدين: هذه المسألة تخرج من قول مالك في موضع كذا، فهو داخل في الآية! فإن قيل: فأنت تقولها، وكثير من العلماء قبلك، قلنا: نعم نحن نقول ذلك في تفريع مذهب مالك على أحد القولين في التزام المذهب بالتخريج، لا على أنها فتوى نازلة تحمل عليها المسائل، حتى إذا جاء سائل عرضت المسألة على الدليل الأصلي، لا على التخريج المذهبي، وحينئذٍ يقال له: الجواب كذا فاعمل عليه" (١). وقريب من هذا منقول عن البيهقي في رسالته إلى أبي محمد الجويني (٢). وابن القيم يرى أن المتأخرين لدى التخريج يتصرفون في نصوص الأئمة، فيبنونها على ما لم يخطر لأصحابها ببال، ولا جرى لهم في مقال، ويلزمهم من ذلك لوازم لم يقل بها الأئمة، فيفضي هذا إلى أن أحدهم "يروج بين الناس بجاه الأئمة، ويفتي ويحكم به، والإمام لم يقله قط، بل قد يكون قد نص على خلافه" (٣). وبناءً على ما سبق جرى الخلاف في جواز نسبة القول المخَرَّجِ إلى إمام المذهب على ثلاثة أقوال: القول الأول: صحة نسبة الأقوال المخرجة إليه. وهذا مذهب متأخري الحنفية، وبعض المالكية، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٤). القول الثاني: لا ينسب القول المخرج إلى إمام المذهب؛ لأنه ربما روجع فيه فذكر فرقًا، ولا ينسب إلى ساكت قول، وهذا مذهب بعض الحنفية، وبعض المالكية، وهو الأصح عند الشافعية، وبه قال بعض الحنابلة (٥).

стр. 789

القول الثالث: إنْ نصَّ الإمام على علة، أو أومأ إليها كان مذهبًا له، وإلا فلا، إلا أن تشهد أقواله وأفعاله أو أحواله للعلة المستنبطة بالصحة والتعيين، وهذا ما رجحه ابن حمدان، وهو اختيار الطوفي من الحنابلة، واحتجوا بجواز إبداء الفرق لو عرضت المسألة على الإمام (١). ضوابط الاستنباط بالتخريج: أيًّا ما كان الترجيح بين المذاهب في حجية التخريج فإن هذا العمل الفقهي مما جرى عليه عمل الفقهاء قديمًا وحديثًا، وهو مما أثرى الفقه عمومًا، وأدى إلى تمهر الفقهاء، وتحصيل ملكة الفقه خصوصًا، وإيضاح الجادة للمبتدئين، وشحذ همة المتقدمين، وهذا يدعو ويحمل على ضبط هذه الأعمال الفقهية، والتنبيه على ما تطلب مراعاته عند النظر والاستنباط من أقوال أئمة الفقهاء، فإنه بحسب الانضباط بهذه الضوابط والتقيد بها يقترب القول من الصواب، وهو الغاية المنشودة. وفيما يلي أهم تلك الضوابط: ١ - الإحاطة بمذهب الأمام قبل التخريج: وذلك لأن نسبة المُخَرِّجِ إلى إمامه كنسبة الإمام إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه والتخريج على مقاصده، فكما أن الإمام لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق؛ لأن الفارق مبطل للقياس، والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه، فكذلك المخرج أيضًا، لا يجوز له أن يُخَرِّجَ على مقاصد إمامه فرعًا على فرعٍ نصَّ عليه إمامه مع قيام الفارق بينهما (٢) فلا بدَّ من أن يكون شديد الاستحضار لنصوص مذهبه وأصوله

стр. 790

وقواعده، وإلا لم يجز له ذلك العمل الفقهي النوعي، وهذا الضابط لئلَّا يُخَرِّجَ على قول الإمام في مسألة وقد نصَّ الإمام على حكمها، وربما كان نصه عليها مخالفًا لقوله المخرج، وقد قال القرافي: "ومعلوم أن التخريج قد يوافق إرادة صاحب الأصل، وقد يخالفها، حتى لو عرض عليه المخرج على أصله لأنكره، وهذا معلوم بالضرورة" (١) فبداهة الأمور تقتضي أن لا تخريج في مسألة نصَّ الإمام على خلاف ما انتهى إليه عمل المخرج! ومن أمثلة ذلك: ما رُوي عن الإمام أحمد أن كل من ذكر شيئًا يعرض به للرب فعليه القتل مسلمًا كان أو كافرًا (٢). وما نُقل عنه أنه حكم بقتل من سب النبي ﷺ من يهود، ومن سمع المؤذن يؤذن فقال له: كذبت؛ لأنه شتم (٣)، وبهذا ينتقض العهد، ويجب القتل، إلا أن القاضي أبا يعلى خَرَّجَ رواية أخرى عن أحمد، وهي أنه لا ينتقض العهد إلا إذا امتنع عن بذل الجزية، وجريان أحكامنا عليهم، محتجًّا على ذلك بقول أحمد في المشرك إذا قذف مسلمًا: يُضرب، وكذلك قال في الرجل من أهل الكتاب يقذف العبد المسلم: ينكل به، يضرب ما يراه الحاكم. قال القاضي: وظاهر هذا أنه لم يجعله ناقضًا للعهد بقذف المسلمين، مع ما فيه من إدخال الضرر عليه بهتك عرضه، وقد أنكر ابن القيم هذا القول وشَنَّعَ عليه، وأخبر أن أحمد لم يختلف قوله في انتقاض العهد بسب الله تعالى، وسب رسوله ﷺ ، ولم يختلف قوله في عدم الانتقاض بقذف المسلم، وأن إلحاق سب الله وسب رسوله بسب المسلم في عدم النقض من أفسد التخريج وأبطله. قال ﵀: "وإذا كان المسلم يقتل بسب الله ، ورسوله ﷺ ، والزنى بعد

стр. 791

الإحصان، ولا يقتل بالقذف، فكذلك الذمي، فالذي نصَّ عليه الإمام أحمد في الموضعين هو محض الفقه، والتخريج باطل نصًّا وقياسًا واعتبارًا" (١). ٢ - ألا يخالف نصًّا شرعيًّا: إذ لا اجتهاد مع النص، فلا يصح أن يتعارض عمله الفقهي مع نص من كتاب، أو سنة، أو إجماع معتبر. يقول الدهلوي ﵀: "ومن كان من أهل التخريج ينبغي له أن يحصل من السنن ما يحترز به من مخالفة التصريح الصحيح، ومن القول برأيه فيما فيه حديث، أو أثر بقدر الطاقة، ولا ينبغي أن يردَّ حديثًا أو أثرًا تطابق عليه كلام القوم لقاعدة استخرجها هو وأصحابه" (٢). وهذا يؤكد على أهمية وأولوية النظر في النصوص وإعطائها حقَّها ومستحقَّها من البحث والتفتيش. وإذا كان المخَرِّجُ يُعمل عقله في القياس على قول إمامه، أو الإلحاق بلازم القول المنقول عن إمامه وغير ذلك، أفلا يُعمل عقله في القياس على ما نصَّ الشارع على حكمه أو بلازم قوله. ٣ - ألا يترتب على التخريج الفقهي ممنوع شرعي: كأن يخالف بذلك مقاصد الشريعة وأصولها ومعاقدها الكلية، فإنها ثابتة يقينة، والتخريجات بكل حال ظنية، فلا تُعَارِضُ التخريجاتُ الظنيةُ القاصدَ القطعيةَ. كما لا يصح بحال أن يتخذ التخريجات سبيلًا لتتبع الرخص، أو التماجن في الفتيا؛ ذلك أن من ممنوعات الإفتاء بمذاهب المجتهدين أن يكتفي المفتي في فتياه بأن يوافق قولًا، أو وجهًا في

стр. 792

المذهب، من غير نظر في مرجحات الأقوال، وإلا فقد "جهل وخرق الإجماع" (١). ٤ - التحقق بأهلية التخريج الفقهي: فلا بدَّ أن يجمع الفقيه المخرج إلى معرفته التامة بمذهب إمامه وقواعده علمًا كثيرًا بأصول الفقه عمومًا وبالقياس خصوصًا. "فلا يجوز التخريج حينئذٍ إلا لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة، والعلل، ومراتب المصالح، وشروط القواعد. . . وهذا لا يعرفه إلا من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة" (٢). ويتعين على من لا يشتغل بأصول الفقه ألا يخرج فرعًا أو نازلة على أصول مذهبه ومنقولاته وإن كثرت محفوظاته (٣). . . وعلى المخرج أن يتمهر بملكة الاقتدار على معرفة المآخذ، وربط الفروع بأصول المذهب. يقول ابن أمير الحاج -عن بيان شروط قبول إفتاء غير المجتهد بمذهب مجتهد تخريجًا على أصوله-: "إن كان غير المجتهد مطلعًا على مبانيه -أي: مآخذ أحكام المجتهد- أهلاً للنظر فيها. . . جاز وإلا لو لم يكن كذلك لا يجوز" (٤). وينبغي أن يكون ذا دراية بالعوارض الطارئة على الحكم، والفروق الفقهية بين الفروع؛ إذ إن "شرط التخريج ألا يوجد بين المسألتين فَرْقٌ" (٥). "فإذا بذل جهده فيما يعرفه، ووجد ما يجوز أن يعتبره إمامه فارقًا أو مانعًا أو شرطًا، وهو ليس في الحادثة التي يروم تخريجها حرم عليه التخريج، وإن لم يجد شيئًا بعد بذل الجهد وتمام المعرفة جاز له التخريج" (٦).

стр. 793

ولا غنى بالتخريج أن يكون عن مصادر المذهب المعتمدة، والمشتملة على أقوال أئمته الحافظة لفقه إمامه. فإن كان الفقيه بذلك متأهلًا، وبهذه المسئولية مضطلعًا، مستوثقًا في ذلك كله بأوثق العرى فقد جاز له التخريج عند مجوزيه، وإلا يكن كذلك صاحَبَهُ الخطأ في ركابه، وماشاه الخلل في أحكامه، وفاته التسديد في فتاويه، واتفقت الكلمة على منعه، واتجه القول بردعه. وجه الرد إلى التخريج الفقهي في التعرف على حكم النوازل: لا امتراءَ في أن علم التخريج الفقهي قد أفاد منه العلماء فوائد عديدة، ومارسوا أعماله فجنوا ثمرات نافعة، ومن ذلك: ١ - تحرير أصول الأئمة، والمفاضلة بينها، وترجيح أقواها، وإعمالها في مجالها. ٢ - تسهيل سبيل الاستنباط، وتقريب طريق درك الأحكام في المسائل لمستجدة. ٣ - إعذار أهل العلم الأقدمين والمعاصرين فيما جرى فيه خلافهم في النوازل السابقة والواقعة لاختلاف أصولهم، وأن هذه الخلافات راجعة إلى أصول علمية، ومناهج فقهية في استنباطات معتبرة وإن كانت مختلفة. ٤ - الإفادة من الذخيرة الفقهية المذهبية، واستنطاقها بشكل منهجي صحيح في إفتاء أهل العصر الحاضر في مسائل شائكة، يدق مأخذها، وقد يعجز الفقيه المعاصر عن الاستقلال باستنباط أحكامها. ٥ - في الاعتماد على الذخيرة الفقهية المذهبية حفظ لها، ومحافظة على اتصالها، واستمرار عطائها. وبالجملة فإن الرد إلى التخريج الفقهي مصدر ثري في إيجاد حلول شرعية، وأحكام فقهية لمسائل النوازل عامة، وما يتعلق بالأقليات على وجه الخصوص، ومع الانفتاح على درس المذاهب والبحث في أمهاتها أمكن -بحمد الله- حَلُّ كثير من مشكلات الوجود الإسلامي خارج دياره.

стр. 794

البَابُ الثَالِثُ من أحكام نوازل الأقليات الفصل الأول: من نوازل العبادات. الفصل الثاني: من نوازل المعاملات. الفصل الثالث: من نوازل النكاح. الفصل الرابع: من نوازل الطلاق. الفصل الخامس: من نوازل السياسة الشرعية.

стр. 795

الفَصلُ الْأَوَّلُ من نوازل العبادات المبحث الأول: من نوازل الطهارة: أثر الاستحالة في التطهير. المبحث الثاني: من نوازل الصلاة: أوقات الصلوات لأهل القطبين والمناطق الشمالية. المبحث الثالث: من نوازل الزكاة: حكم دفع الزكاة لغير المسلمين ببلاد الأقليات.

стр. 796

المبحث الأول من نوازل الطهارة: أثر الاستحالة في التطهير تَمْهيد الاستحالة لغة: تغير الشيء من حال إلى حال، ومن وصف إلى وصف، كما تطلق أيضًا على عدم الإمكان (١). الاستحالة اصطلاحًا: انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى (٢)، وقد يعبر عنها بانقلاب العين (٣)، وبعبارة أوضح هي: تغير العين النجسة، وانقلاب حقيقتها إلى حقيقة أخرى، كانقلاب الخمر خلًّا، والخنزير ملحًا، والسرجين رمادًا (٤). وذلك لأن المادة قد تنقلب إلى مادة أخرى، مغايرة للمادة الأولى في خواصها الطبيعية والكيميائية. ويحصل هذا الانقلاب بدخول المادة في تفاعل كيميائي، أو بالاحتراق، ونحو ذلك، وليس بتغير الوصف الطبيعي (الفيزيائي) كصيرورة اللبن جبنًا أو البُرِّ طحينًا، أو الطحين خبزًا، ونحو ذلك. وعليه: فإن الاستحالة في الاصطلاح الفقهي يعبر عنها بأنها: تغير حقيقة المادة النجسة، أو المحرم تناولها وانقلاب عينها إلى مادة مباينةٍ لها في الاسم والخصائص والصفات (٥).

стр. 797

وهذا التعريف ليس بعيدًا عن معنى التفاعل الكميائي وحقيقته. تصوير المسألة وتكييفها: في غير بلاد المسلمين كثيرًا ما تستعمل العين النجسة كالخمر أو الميتة أو الخنزير في صناعات مختلفة فإذا استحالت إلى أعيان أخرى هل تطهر؟ وهل يمكن الانتفاع بتلك الأعيان الجديدة؟ وهذا أمر له تطبيقات كثيرة في بلاد غير المسلمين؛ بل في بلاد المسلمين أيضًا حيث قد تصنع المنظفات الصناعية والصابون من شحوم حيوانات غير مذكاة، أو لا تُحِلُّهَا الذكاة أصلًا، فإذا دخلت هذه الشحوم والدهون في تفاعل كيميائي نتج عنه صناعة الصابون أو مساحيق التجميل، ونحو ذلك من موادَّ لا تظهر فيها خواص المواد الأولى، وكذلك يستعمل الجيلاتين المستخْلَصُ من بعض أجزاء الخنزير في صناعة بعض المواد الغذائية والدوائية في الغرب. ولقد اختلف الفقهاء في أثر الاستحالة على المواد النجسة على قولين: الأول بالطهارة، والثاني بعدمها، وذلك على نحو ما يأتي: القول الأول: نجس العين يطهر بالاستحالة: وهو قول الحنفية، وعليه الفتيا (١)، والمالكية (٢)، ورواية عن أحمد (٣)، والظاهرية (٤)، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، وهو مذهب كثير من المعاصرين (٦)، واستدلوا بالكتاب، والسنة، والمعقول، والاستقراء.

стр. 798

أولًا: القرآن الكريم: ا- قول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وجه الدلالة: هذه الأشياء بعد استحالتها وزوال أوصاف النجاسة عنها أصبحت من الطيبات، فهي طاهرة. ثانيًا: السنة المطهرة: واستدلوا من السنة بما يفيد جواز الانتفاع بالخمر إذا صارت خلًّا من غير عمدٍ إلى تخليلها، ومن ذلك: قوله ﷺ : "نعم الإدام الخل" (١) وعليه: فقد "اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها، وصارت خلًّا أنها تطهر" (٢). ثالثًا: القياس: وذلك بالقياس على الخمر إذا تخللت بنفسها (٣)، وبالقياس على طهارة فأرة المسك (٤)، وعلى طهارة جلود الميتة إذا دُبِغَتْ فإنها تطهر (٥). رابعًا: الاستقراء: قال شيخ الإسلام ﵀: "الاستقراء دلَّنا أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس، مثل: جَعْلِ الخمرِ خلَّا، والدمِ منيًّا، والعلقةِ مضغةً، ولحمِ الجلَّالةِ الخبيثِ طيبًا، وكذلك بيضُها ولبنُها، والزرعُ المسقيُّ بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر، وغير ذلك، فإنه يزول حكم التنجيس، ويزول حقيقة الجنس واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه، فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض، فإن الله

стр. 799

يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقًا بعد خلق، ولا التفات إلى موادِّها وعناصرِها. وأما ما استحال بسببِ كسبِ الإنسان: كإحراق الرَّوث حتى يصير رمادًا، ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحًا، ففيه خلاف مشهور، وللقول بالتطهير اتجاه وظهور" (١). القول الثاني: نجس العين لا يطهر بالاستحالة: وبه قال أبو يوسف من الحنفية (٢)، و الشافعية (٣)، والحنابلة (٤) في ظاهر المذهب. وهذه بعض النقول عنهم: الحنفية: قال ابن الهمام ﵀: "السرجين والعذرة تحترق فتصير رمادًا تطهر عنده خلافًا لأبي يوسف" (٥). الشافعية: قال الشيرازي ﵀: "ولا يطهر من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دُبغَ، والثاني: الخمر". إلى أن قال ﵀: "وإن أُحْرِقَ السرجين أو العذرة فصار رمادًا لم يطهر؛ لأن نجاستها لعينها، ويخالف الخمر؛ لأن نجاستها لمعنًى معقولٍ، وقد زال" (٦). وقال النووي ﵀: "مذهبنا أنه لا يطهر السرجين، والعذرة، وعظام الميتة، وسائر الأعيان النجسة بالإحراق بالنار، وكذا لو وقعت هذه الأشياء في مملحة، أو وقع

стр. 800

كلب ونحوه وانقلبت ملحًا، ولا يطهر شيء من ذلك عندنا" (١). الحنابلة: قال ابن قدامة ﵀: "ظاهر المذهب أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها خلًّا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت وصارت رمادًا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحًا. والدخان المترقي من وقود النجاسة والبخار المتصاعد من الماء النجس إذا اجتمعت منه نداوة على جسم صقيل، ثم قطر فهو نجس" (٢). وقد علَّق المرداويُّ (٣) ﵀ على كلام ابن قدامة في المقنع بقوله: "هذا المذهب، وعليه جماهير الأصحاب ونصروه" (٤). واستدلَّ أصحاب هذا القول لقولهم بما أوردوه من تعليلات في النقول المتقدمة، وهو اعتماد على الاستصحاب، حيث حكم بنجاسة أمثال العذرة والسرجين والخنزير نجاسة عينية، وما حكم بنجاسة عينه لا يزول حكمه، ولو استحال إلى مادة أخرى ما دامت عينه باقية. قال ابن قدامة ﵀: "ولا تطهر النجاسة بالاستحالة، فلو أحرق السرجين النجس فصار رمادًا، أو وقع كلب في ملاحة فصار ملحًا، لم تطهر؛ لأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة، فلم تطهر بها، كالدم إذا صار قيحًا أو صديدًا" (٥).

стр. 801

الترجيح: يظهر رجحان القول الأول؛ لأن انقلاب العين يترتب عليه انقلاب الصفات جملةً، ويبطل حكمها، قال ابن حزم: "إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به وَرَدَ ذلك الحكمُ فيه، وانتقل إلى اسمٍ آخرَ واردٍ على حلال طاهر، فليس هو ذلك النجس، ولا الحرام؛ بل قد صار شيئاً آخرَ ذا حُكْمٍ آخرَ" (١)، وقد صدرت توصية عن الندوة الفقهية. الطبية الثامنة، للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، المنعقدة بالكويت في الفترة من ٢٢ - ٢٤/ ٥/ ١٩٩٥ تنصُّ على أن الاستحالة التي تعني انقلاب العين إلى عين أخرى تغايرها في صفاتها تُحَوِّلُ الموادَّ النجسة أو المتنجسة إلى موادَّ طاهرةٍ وتُحَوِّلُ الموادَّ المحرمة إلى موادَّ مباحةٍ شرعًا. تطبيق على مياه الصرف الصحي إذا زالَ تَغَيُّرُهَا: اتَّفَقَ الفقهاء على أن الماء المتنجسَ إذا بلغ قلتينِ فأكثَر، فأضيفَ إليه ماءٌ طاهر، فزال عنه التغيُّرُ في صفاته الثلاثة (اللون، والطعم، والريح) فإنه يطهر بذلك (٢)، واختلفوا فيما عدا ذلك. تصوير المسألة: في بعض البلاد المتقدمة -سواء أكانت إفريقيَّةً كجنوب إفريقيا، أو كانت بلادًا غربيَّةً أوروبية- تلجأ الدولة للاستفادة من مياه الصرف الصحي المتنجسة؛ وذلك بمعالجتها بطرق فنية متنوعة كالتهوية، والترسيب، والترشيح، والمعالجة الكيميائية، والبيولوجية، بحيث ترتفع أوصاف النجاسة عن الماء، فيزولُ التغيُّرُ بالنجاسة، فهل

стр. 802

يعتبر ذلك كافيًا للقول بطهارة هذه المياه، وهل تجزئ الطهارة بها في إزالة خبثٍ ورفعِ حدثٍ؟ عُرِضَتْ هذه المسألة على المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة المنعقدة في مكة في شهر رجب عام ١٤٠٩ هـ، ونُشِرَ الجوابُ بمجلة المجمع، كما وَرَدَ سؤال من جنوب إفريقيا إلى هيئة كبار العلماء بالسعودية عن نفس الموضوع. وفيما يلي نص القرارين: أولاً: قرار المجمع الفقهي: ". . . نظر في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته، هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغسل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟ وبعد مراجعة المختصين بالتنقية بالطرق الكيماوية، وما قرَّروه من أن التنقية تتمُّ بإزالة النجاسة منه على مراحلَ أربعٍ، وهي: الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثرٌ في طعمه، ولونه، وريحه، وهم مسلمون عدولٌ موثوقٌ بصدقهم وأمانتهم. قرر المجمع ما يأتي: أن ماء المجاري إذا نُقِّيَ بالطرق المذكورة، أو ما يماثلها، ولم يَبْقَ للنجاسة أثرٌ في طعمه، ولا في لونه، ولا في ريحه صار طهورًا، يجوز رفع الحدث، وإزالة النجاسة به، بناءً على القاعدة الفقهية التي تُقَرِّرُ: أن الماء الكثير الذي وقعت فيه النجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه، إذا لم يَبْقَ لها أثرٌ فيه، والله أعلم". وقد توقَّفَ في هذا القرار عضوُ المجمعِ الشيخُ صالح الفوزان، وخالف د. بكر أبو زيد ﵀ وكتب عليه وجهة النظر الآتية: "الحمد لله، وبعد: فإن المجاري في الأصل مُعَدَّةٌ لصرف ما يضرُّ الناس في الدين والبدن طلبًا للطهارة ودفعًا لتلوث البيئة. وبحكم الوسائل الحديثة لاستصلاح ومعالجة مشمولها لتحويله إلى مياه عذبة منقاة صالحة للاستعمالات المشروعة والمباحة، مثل: التطهر بها، وشربها، وسقي الحرث

стр. 803

منها، بحكم ذلك صار السبر للعلل والأوصاف القاضية للمنع في كلِّ أو بعضِ الاستعمالات، فتحصَّلَ أن مياه المجاري قبل التنقية مُعَلَّةٌ بأمور: الأول: الفضلات النجسة باللون والطعم والرائحة. الثاني: فضلات الأمراض المعدية، وكافة الأدواء والجراثيم (البكتيريا). الثالث: علة الاستخباث والاستقذار لما تتحول إليه باعتبار أصلها، ولما يتولد عنها في ذات المجاري من الدواب والحشرات المستقذرة طبعًا وشرعًا. ولذا صار النظر بعد التنقية في مدى زوال تلكم العلل، وعليه: فإن استحالتها من النجاسة بزوال طعمها ولونها وريحها، لا يعني ذلك زوالَ ما فيها من العلل والجراثيم الضارَّةِ، والجهات الزراعية توالي الإعلامَ بعدم سقي ما يؤكل نتاجُهُ من الخضار بدون طبخ فكيف بِشُرْبِهَا مباشرةً، ومن مقاصد الإسلام: المحافظةُ على الأجسام؛ ولذا لا يُوْرَدُ ممرضٌ على مصحٍّ، والمنع لاستصلاح الأبدان كالمنع لاستصلاح الأديان. ولو زالت هذه العلل لبقيت علةُ الاستقذار والاستخباث باعتبار الأصل لماءٍ يُعْتَصَرُ من البول والغائط فَيُستعمل في الشرعيَّات والعادات على قدم التساوي. وقد عُلِمَ من مذهب الشافعية، والمعتمَدِ لدى الحنبلية أن الاستحالة هنا لا تؤول إلى الطهارة مُسْتَدِلِّينَ بحديث النهي عن ركوب الجلَّالة وحليبِها (١) رواه أصحاب السننِ وغيرُهم ولعللٍ أخرى. مع العلم أن الخلاف الجاري بين متقدمي العلماء في التَّحَوُّلِ من نجس إلى طاهر هو

стр. 804

في قضايا أعيانٍ، وعلى سبيل القطع لم يُفَرِّعُوا حكمَ التحول على ما هو موجود حاليًا في المجاري من ذلك الزَّخَمِ الهائل من النجاسات والقاذورات وفضلات المصحَّات والمستشفيات، وحال المسلمين لم تصل بهم إلى هذا الحدِّ من الاضطرار لتنقية الرجيع للتطهرِ به وشُرْبِهِ، ولا عبرةَ بتسويغه في البلاد الكافرة؛ لفساد طبائعهم بالكفر، وهناك البديل بتنقية مياه البحار. والله أعلم" (١). وكذلك أصدرت هيئة كبار العلماء في المملكة قرارها رقم (٦٤)، وتاريخ ٢٥/ ١٠/ ١٣٩٨ هـ بطهارة مياه الصرف الصحي المنقَّاةِ وجواز التطهر بها، وهذا نصه: ". . . بناءً على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغيِّرَ بنجاسة يطهر إذا زال تغيُّرُهُ بنفسِهِ، أو بإضافة ماءٍ طهور إليه، أو زال تغيُّرُهُ بطولِ مكثٍ، أو تأثيرِ الشمسِ ومرورِ الرياحِ عليه، أو نحو ذلك لزوال الحكم بزوال عِلَّتِهِ. وحيث إن المياه المتنجسةَ يمكن التخلُّصُ من نجاستها بعدةِ وسائلَ، وحيث إن تنقيتَهَا وتخليصَهَا مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية يُعْتَبَرُ من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يبذل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات، كما يَشهد بذلك ويُقَرِّرُهُ الخبراء المختصون بذلك ممن لا يتطرق الشكُّ إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم. لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقيةَ الكاملة بحيث تعود إلى خِلْقَتِهَا الأولى، لا يُرى فيها تغيُّرٌ بنجاسة من طعمٍ، ولا لونٍ، ولا ريحٍ، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصُلُ الطهارة بها منها، كما يجوز شُرْبُهَا إلَّا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك؛ محافظةً على النفس، وتفاديًا للضرر، لا لنجاستها. والمجلس إذ يقرر ذلك يَسْتَحْسِنُ الاستغناءَ عنها في استعمالها للشرب متى وُجِدَ إلى

стр. 805

ذلك سبيلٌ؛ احتياطًا للصحة واتقاءً للضرر، وتنزهًا عمَّا تستقذره النفوس وتنفرُ منه الطباع (١)، وبذلك أيضًا أفتتِ اللجنةُ الدائمة للإفتاء بالمملكة" (٢). والحاصل أن الاتفاق واقعٌ على أن الماء الكثير المتنجس إذا زال تغيُّرُهُ بنفسه أو بالمكاثرة، أو طرح ما يُطَهِّرُهُ فيه فإنه يَطْهُرُ، ثم الخلافُ جارٍ في: هل يُجْزِئُ في طهارة شرعية به يزول الخبث، ويرتفع الحدث، فالجمهور على أنه طاهر مطهِّر لغيره. وخالف في ذلك الدكتور بكر أبو زيد ﵀ واعْتَبَرَ هذا الماءَ المنقَّى في حكم القليلِ؛ لأن تنقية مياه الصرف تتم بتكريرِهِ وإضافَةِ موادَّ منقيِّةٍ يسيرةٍ إليه، وانتهى إلى أن هذا النوع من المياه يُسَمَّى بطاهرٍ غيرِ مطهِّرٍ، ولا يجوز التطهُّرُ بها لعلَّةِ الاستخباثِ والاستقذارِ (٣). الترجيح: لا يَبْلُغُ الأمرُ بهذا الماء أن يُمْنَعَ التطهُّرُ به إذا لم يوجد غيرُهُ، ولا يصلح أن يعتبر الواجد له كالفاقد للماء الطهور يعدل عنه إلى التيمم، فهو طاهر مطهِّر، ويُكْرَهُ التطهُّرُ به ولا يَحْرُمُ، فهو أشبه بماء سُخِّنَ بالنجاسة، وماءٍ مستعملٍ في طُهْرٍ لا يرفع حدثًا كتجديدِ وضوءٍ، وغسلة ثانية أو ثالثة، وماءِ بئرٍ بمقبرةٍ، ونحو ذلك، مما هو معلوم من مذهب الحنابلة (٤). فالكراهية هنا من طريق الورع، ورعايةً للخلاف، ومع الحاجة إليه يتعيَّنُ استعمالُهُ وترتفع الكراهة. وقد سُئِلَ مالكٌ ﵀، عن جباب (جمعُ: جُبٍّ، وهو البئر الواسع)، تُحْفَرُ فتسقط فيها الميتة فتغير لونه وريحه، ثم يطيب الماء بعد ذلك؟ فأجاب: أنه لا بأس به (٥). وعليه: فإن المسلم الذي قد يعيش في بلاد يُعادُ فيها استعمالُ مياه الصرف الصحي، لا يَحْرُمُ عليه أن ينتفع بها، حيث لا مضرَّةَ عليه في دينه ولا بدنه، وإن كان الأولى تركه. ومتى حَكَمَ الأطباءُ وعلماءُ الأمراض بأنه لا ضررَ مِنْ شُرْبِهِ وتعاطيه جازَ ذلك. والله أعلم.

стр. 806

المبحث الثاني من نوازل الصلاة: أوقات الصلوات لأهل القطبين والمناطق الشمالية تصوير المسألة وتكييفها: الصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين، وهي عبادة اليوم والليلة، ترتبط بجريان الشمس وحركة الليل والنهار. وأداؤها في أوقاتها واجب مفروض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والسهو عن أوقاتها والإخلال بمواقيتها كبيرة مذمومة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. ولقد حددت المواقيت مرتبطةً بالشمس وضوئها؛ فوقت الفجر يبدأ من ظهور أولِ نورٍ لها، ويمتدُّ إلى ظهورِ أول قرصِهَا لدى الشروق، ووقت الظهر يبدأ من زوالها عن كبد السماء، ووقت العصر يبدأ حين يصير ظلُّ كلِّ شيء مثله أو مثليه، ووقت المغرب يبدأ من غروب كامل قرص الشمس، ووقت العشاء يبدأ من غياب الشفق الأحمر، وهو آخر علامة لغياب نور الشمس عن المكان بالكامل. ولمَّا كان نزول الوحي وبزوغ شمس الرسالة في جزيرة العرب -وهي منطقة معتدلة متوسطة تظهر فيها علامات المواقيت بوضوح- لم تقع ثمَّةَ نازلةٌ في هذا الخصوصِ، وبقي الحال كذلك حتى شمل الإسلام منطقة واسعة شاسعة من إندونيسيا إلى موريتانيا، فلما تحقَّقَ موعودُ رسول الله ﷺ وبلغ ملك أمته وسلطان دينه ما بلغ الليل والنهار، لم يَخْلُ مكان -بحمد الله- تظهر عليه شمس النهار، إلَّا ودخله الإسلام، وَوُجِدَ فيه من يتعبد لله بإقامة الصلوات الخمس كلَّ يوم وليلة. عند هذا الحدِّ ثارت مشكلة معاصرة، ونازلة مستجدة حين فُقدت المواقيت

стр. 807

الشرعية، وغابت علاماتها في بعض دول وبلاد نائية نحو القطبين، حيث قد يطول النهار جدًّا على حساب الليل، والعكس يتكرر أيضًا، حتى نصل إلى ستة أشهر من ليلٍ مستمر في القطب الشمالي، وستة أشهر مثلها من نهار مستمر في القطب الجنوبي، كما أن دولًا أوروبية كثيرة تُفْقَدُ فيها أوقات كوقت العشاء، فلا تتميز علاماته، فلا يظهر غياب الشفق الأحمر حتى يخالطه بياض الصبح، فلا يظهر بدء وقتها ولا خروجه؟ ومثل هذا يعتبر نازلةً من نوازل تلك الأقليات المسلمة التي تعيش في تلك الديار، ولم يَصِلْنَا كلامٌ لفقيه من الصحابة أو التابعين أو الأئمة الفقهاء المتبوعين في هذه المسألة، إلا عند متأخري الفقهاء، ثم عند العاصرين. والمقصود إيجاد حلول فقهية لمشكلات تلك البلاد ذات الطبيعة الجغرافية التي لا تتوافر فيها جميع المواقيت الشرعية للصلوات الخمس، ولا سيما آخر وقت المغرب، ووقت العشاء دخولًا وخروجًا، وأول وقت الفجر. وهذا بيان عن تصوير المسألة: أما تكييفها الشرعي: فتعود هذه المسألة إلى باب المواقيت، وحكم من لم يجد وقتًا لأداء الصلوات الخمس، وهل تَسقط الصلوات التي لم يوجد وقت لأدائها؟ وذلك لأن الوقت سبب الوجوب، فإذا عدم السبب -وهو الوقت- هل يعدم المسبَّب وهو الوجوب؟! (١) وقد عبَّر بعض الفقهاء عن هذه الحالة بتعابيرَ مختلفةٍ ومتباينة، كقولهم: - حكم البلاد التي لا يغيب فيها الشفق. - حكم البلاد التي يُفقد فيها وقت العشاء.

стр. 808

- حكم البلاد التي ينعدم فيها الليل، بأن يطلع الفجر عند غيبوبة الشمس (١). والسبب في بعض هذه النوازل المستجدة تلك الظواهر الطبيعية من تهيؤ الشمس للغروب وميلانها جهة الغرب، ثم لا تلبث أن ترتفع قبل أن تغرب فعليًّا؛ مما يعني أن الغروب لا يتم، وكذا الشفق الأحمر أو الأبيض لا يظهر ولا يختفي! كذا يترتب على عدم غروبها -بالبداهة- عدمُ ظهور علامة الفجر؛ لأن نور الفجر إنما هو أثر أشعة الشمس التي توشك أن تطلع. تحرير محل النزاع: باستثناء مذهب الحنفية لم ينازع أحدٌ من الفقهاء في استمرار وجوب الصلاة حالَ فقدان علامات أوقاتها. لكنَّ نزاعًا وقع في المذهب الحنفي حاصلُهُ ذهابُ بعض الحنفية إلى سقوط الوجوب الشرعي الذي أُنيطَ بسببٍ فلكي عادي، وهو ظهور الشفق أو غيابه مثلًا، فإذا فُقدت العلامة سقط الوجوب عندهم. وهذا الرأي عمدتُهُ -بعد قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]- قواعدُ الأصول المتعلقة بالسبب، وأنه يلزم مِنْ فقدِهِ فقدُ المسبَّب (٢)، وأن مَنْ فَقَدَ بعض أعضاء الوضوء كاليدين فإنه لا يجب عليه شيء نحو العضو المفقود. ومع أن ابن عابدين اعتبر هذا الرأيَ أحدَ رأيين مصحَّحَين في المذهب، إلا أنه رجح عدم سقوط الواجب؛ لتأيده بقول مجتهد آخر، ومما أضعف هذا الرأيَ أنه يُفضي إلى إسقاط

стр. 809

وجوب صلاتين في اليوم والليلة، والإجماع منعقد على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. وفي الحديث: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد" (١). وفي الحديث الآخر: ". . . فَأَعْلِمْهُمْ أن الله تعالى افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة" (٢). وحديث: "هي خمس، وهي خمسون، لا يبدَّلُ القولُ لديَّ" (٣). فإذا اعتُبِر سببُ الوجوب الخاص بإحدى الصلوات هو دخول وقتها، فإن دخول اليوم والليلة وخروجهما هو سبب أيضًا لوجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة. على أن نصوص الشريعة لم تنصَّ على أسباب أو شروط، كما نصَّت على عدد الصلوات الخمس، وليس هنا نصٌّ يدلُّ على إسقاط صلاة واحدة فضلاً عن صلاتين بحال من الأحوال، إلا لحائض أو نفساء، ولم تستثنِ الشريعة بعد ذلك أحدًا من أهل التكليف، وهذا بخلاف أدائها قبل مغيب الشفق أو بعده؛ فإنها موضع نزاع ومراجعة بين الفقهاء، كما سيأتي. ولم يُذْكَرْ عن فقهاء الحنفية القدماء كلامٌ في تحديد أوقات العشاء والفجر، حيث تغيب العلامات الشرعية، مما فتح الباب للاجتهاد واسعًا أمام المعاصرين منهم، وذلك بعد استقرار الرأي على وجوب الصلاة اعتمادًا للآراء في المذاهب الأخرى.

стр. 810

سبب الخلاف: بعد تسليم وجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة على كل مسلم ومسلمة بالأدلة المتواترة، بل بما عُلِمَ من دين الإسلام بالضرورة، فإن فقدان علامات بعض الصلوات لا يؤدي إلى إسقاطها وعدم وجوبها. وبعد تسليم أن وقت صلاتي العشاء والفجر لا يكون إلا خلال الليل الذي يبدأ بغروب الشمس وينتهي بشروقها، فإن سبب الخلاف ومرجعه يعود إلى نصٍّ واحد، هو حديث الدَّجَّال المشهور، وهو حديث طويل، فيه أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن مدة لبثه في الأرض، فقال: "أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم"، قلنا: يا رسول الله ﷺ ، فذلك اليوم الذي كسنةٍ تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره. . ." (١). وعليه، فقد جرى الخلاف حول معنى قوله: "فاقدروا له قدره" وهل المقصود كمال العدد في اليوم الذي كأسبوع، فَتُصَلَّى خمسٌ وثلاثون صلاةً، وهكذا يزيد العدد في اليوم الذي كشهر، ثم في اليوم الذي كسنة، ويُصَلَّى في سائر الأيام خمسُ صلوات. ثم هل يجري قياسٌ في العبادات؟ وهل يجري فيها تعليل؟ وهل يمكن تحديد علامات جديدة عوضًا عن الغائبة؟ وهل يُعتبر هذا إيقافًا للعمل بنصٍّ من النصوص بالاجتهاد، وهل لقواعد: المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتَّسَعَ، ورعاية المآلات، ونحوها -دخل في هذا المجال من نوازل الأقليات؟ لكلِّ ما سبق وَقَعَ الخلاف بين المعاصرين في هذه المسألة المهمة، وهي تنقسم إلى حالتين نتناولهما في المطلبين التاليين:
следующие страницы →