← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 17800

فقه النوازل للأقليات المسلمة

محمد يسري إبراهيم

Полный текст (1 210 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

المبحث الثاني من نوازل الصلاة: أوقات الصلوات لأهل القطبين والمناطق الشمالية تصوير المسألة وتكييفها: الصلاة هي الركن الثاني بعد الشهادتين، وهي عبادة اليوم والليلة، ترتبط بجريان الشمس وحركة الليل والنهار. وأداؤها في أوقاتها واجب مفروض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والسهو عن أوقاتها والإخلال بمواقيتها كبيرة مذمومة، قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]. ولقد حددت المواقيت مرتبطةً بالشمس وضوئها؛ فوقت الفجر يبدأ من ظهور أولِ نورٍ لها، ويمتدُّ إلى ظهورِ أول قرصِهَا لدى الشروق، ووقت الظهر يبدأ من زوالها عن كبد السماء، ووقت العصر يبدأ حين يصير ظلُّ كلِّ شيء مثله أو مثليه، ووقت المغرب يبدأ من غروب كامل قرص الشمس، ووقت العشاء يبدأ من غياب الشفق الأحمر، وهو آخر علامة لغياب نور الشمس عن المكان بالكامل. ولمَّا كان نزول الوحي وبزوغ شمس الرسالة في جزيرة العرب -وهي منطقة معتدلة متوسطة تظهر فيها علامات المواقيت بوضوح- لم تقع ثمَّةَ نازلةٌ في هذا الخصوصِ، وبقي الحال كذلك حتى شمل الإسلام منطقة واسعة شاسعة من إندونيسيا إلى موريتانيا، فلما تحقَّقَ موعودُ رسول الله ﷺ وبلغ ملك أمته وسلطان دينه ما بلغ الليل والنهار، لم يَخْلُ مكان -بحمد الله- تظهر عليه شمس النهار، إلَّا ودخله الإسلام، وَوُجِدَ فيه من يتعبد لله بإقامة الصلوات الخمس كلَّ يوم وليلة. عند هذا الحدِّ ثارت مشكلة معاصرة، ونازلة مستجدة حين فُقدت المواقيت

стр. 807

الشرعية، وغابت علاماتها في بعض دول وبلاد نائية نحو القطبين، حيث قد يطول النهار جدًّا على حساب الليل، والعكس يتكرر أيضًا، حتى نصل إلى ستة أشهر من ليلٍ مستمر في القطب الشمالي، وستة أشهر مثلها من نهار مستمر في القطب الجنوبي، كما أن دولًا أوروبية كثيرة تُفْقَدُ فيها أوقات كوقت العشاء، فلا تتميز علاماته، فلا يظهر غياب الشفق الأحمر حتى يخالطه بياض الصبح، فلا يظهر بدء وقتها ولا خروجه؟ ومثل هذا يعتبر نازلةً من نوازل تلك الأقليات المسلمة التي تعيش في تلك الديار، ولم يَصِلْنَا كلامٌ لفقيه من الصحابة أو التابعين أو الأئمة الفقهاء المتبوعين في هذه المسألة، إلا عند متأخري الفقهاء، ثم عند العاصرين. والمقصود إيجاد حلول فقهية لمشكلات تلك البلاد ذات الطبيعة الجغرافية التي لا تتوافر فيها جميع المواقيت الشرعية للصلوات الخمس، ولا سيما آخر وقت المغرب، ووقت العشاء دخولًا وخروجًا، وأول وقت الفجر. وهذا بيان عن تصوير المسألة: أما تكييفها الشرعي: فتعود هذه المسألة إلى باب المواقيت، وحكم من لم يجد وقتًا لأداء الصلوات الخمس، وهل تَسقط الصلوات التي لم يوجد وقت لأدائها؟ وذلك لأن الوقت سبب الوجوب، فإذا عدم السبب -وهو الوقت- هل يعدم المسبَّب وهو الوجوب؟! (١) وقد عبَّر بعض الفقهاء عن هذه الحالة بتعابيرَ مختلفةٍ ومتباينة، كقولهم: - حكم البلاد التي لا يغيب فيها الشفق. - حكم البلاد التي يُفقد فيها وقت العشاء.

стр. 808

- حكم البلاد التي ينعدم فيها الليل، بأن يطلع الفجر عند غيبوبة الشمس (١). والسبب في بعض هذه النوازل المستجدة تلك الظواهر الطبيعية من تهيؤ الشمس للغروب وميلانها جهة الغرب، ثم لا تلبث أن ترتفع قبل أن تغرب فعليًّا؛ مما يعني أن الغروب لا يتم، وكذا الشفق الأحمر أو الأبيض لا يظهر ولا يختفي! كذا يترتب على عدم غروبها -بالبداهة- عدمُ ظهور علامة الفجر؛ لأن نور الفجر إنما هو أثر أشعة الشمس التي توشك أن تطلع. تحرير محل النزاع: باستثناء مذهب الحنفية لم ينازع أحدٌ من الفقهاء في استمرار وجوب الصلاة حالَ فقدان علامات أوقاتها. لكنَّ نزاعًا وقع في المذهب الحنفي حاصلُهُ ذهابُ بعض الحنفية إلى سقوط الوجوب الشرعي الذي أُنيطَ بسببٍ فلكي عادي، وهو ظهور الشفق أو غيابه مثلًا، فإذا فُقدت العلامة سقط الوجوب عندهم. وهذا الرأي عمدتُهُ -بعد قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]- قواعدُ الأصول المتعلقة بالسبب، وأنه يلزم مِنْ فقدِهِ فقدُ المسبَّب (٢)، وأن مَنْ فَقَدَ بعض أعضاء الوضوء كاليدين فإنه لا يجب عليه شيء نحو العضو المفقود. ومع أن ابن عابدين اعتبر هذا الرأيَ أحدَ رأيين مصحَّحَين في المذهب، إلا أنه رجح عدم سقوط الواجب؛ لتأيده بقول مجتهد آخر، ومما أضعف هذا الرأيَ أنه يُفضي إلى إسقاط

стр. 809

وجوب صلاتين في اليوم والليلة، والإجماع منعقد على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. وفي الحديث: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد" (١). وفي الحديث الآخر: ". . . فَأَعْلِمْهُمْ أن الله تعالى افترض عليهم خمسَ صلوات في كل يوم وليلة" (٢). وحديث: "هي خمس، وهي خمسون، لا يبدَّلُ القولُ لديَّ" (٣). فإذا اعتُبِر سببُ الوجوب الخاص بإحدى الصلوات هو دخول وقتها، فإن دخول اليوم والليلة وخروجهما هو سبب أيضًا لوجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة. على أن نصوص الشريعة لم تنصَّ على أسباب أو شروط، كما نصَّت على عدد الصلوات الخمس، وليس هنا نصٌّ يدلُّ على إسقاط صلاة واحدة فضلاً عن صلاتين بحال من الأحوال، إلا لحائض أو نفساء، ولم تستثنِ الشريعة بعد ذلك أحدًا من أهل التكليف، وهذا بخلاف أدائها قبل مغيب الشفق أو بعده؛ فإنها موضع نزاع ومراجعة بين الفقهاء، كما سيأتي. ولم يُذْكَرْ عن فقهاء الحنفية القدماء كلامٌ في تحديد أوقات العشاء والفجر، حيث تغيب العلامات الشرعية، مما فتح الباب للاجتهاد واسعًا أمام المعاصرين منهم، وذلك بعد استقرار الرأي على وجوب الصلاة اعتمادًا للآراء في المذاهب الأخرى.

стр. 810

سبب الخلاف: بعد تسليم وجوب الصلوات الخمس في اليوم والليلة على كل مسلم ومسلمة بالأدلة المتواترة، بل بما عُلِمَ من دين الإسلام بالضرورة، فإن فقدان علامات بعض الصلوات لا يؤدي إلى إسقاطها وعدم وجوبها. وبعد تسليم أن وقت صلاتي العشاء والفجر لا يكون إلا خلال الليل الذي يبدأ بغروب الشمس وينتهي بشروقها، فإن سبب الخلاف ومرجعه يعود إلى نصٍّ واحد، هو حديث الدَّجَّال المشهور، وهو حديث طويل، فيه أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن مدة لبثه في الأرض، فقال: "أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم"، قلنا: يا رسول الله ﷺ ، فذلك اليوم الذي كسنةٍ تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: "لا، اقدروا له قدره. . ." (١). وعليه، فقد جرى الخلاف حول معنى قوله: "فاقدروا له قدره" وهل المقصود كمال العدد في اليوم الذي كأسبوع، فَتُصَلَّى خمسٌ وثلاثون صلاةً، وهكذا يزيد العدد في اليوم الذي كشهر، ثم في اليوم الذي كسنة، ويُصَلَّى في سائر الأيام خمسُ صلوات. ثم هل يجري قياسٌ في العبادات؟ وهل يجري فيها تعليل؟ وهل يمكن تحديد علامات جديدة عوضًا عن الغائبة؟ وهل يُعتبر هذا إيقافًا للعمل بنصٍّ من النصوص بالاجتهاد، وهل لقواعد: المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتَّسَعَ، ورعاية المآلات، ونحوها -دخل في هذا المجال من نوازل الأقليات؟ لكلِّ ما سبق وَقَعَ الخلاف بين المعاصرين في هذه المسألة المهمة، وهي تنقسم إلى حالتين نتناولهما في المطلبين التاليين:

стр. 811

المطلب الأول: في حال استمرار الليل أو النهار أربعًا وعشرين ساعة فأكثر، بحسب اختلاف فصول السنة، وفي حال فَقْدِ العلامات لبعض الأوقات خلال السنة: القول الأول: التقدير النسبي بوقت أقرب البلاد ، وذلك بأن ينظر من يريد معرفة وقت العشاء -مثلًا- في بلد كهذه إلى أقرب البلاد التي تظهر فيها العلامات، فإذا مضى بعد غروب الشمس زمنٌ يغيب الشفق في مثله في أقرب تلك البلاد إليهم فقد دخل وقت العشاء. وهذا قول الشافعية، وأصله للشيخ أبي حامد الإسفراييني (١) حيث سُئِلَ عن بلاد البلغار كيف يصلون؟ فإنه ذكر أن الشمس لا تغرب عندهم إلا بمقدار ما بين المغرب والعشاء، ثم تطلع، فقال: يعتبر صومهم وصلاتهم بأقرب البلاد إليهم (٢)، وهو الراجح من مذهب الحنفية بعد الخلاف (٣). وهو منقول عن النووي (٤)، والرملي (٥)، وابن حجر الهيتمي (٦)، وغيرهم من الشافعية. واستدلَّ الشافعية لمبدأ التقدير بحديث الدجال السابق وفيه: ". . . اقدروا له قدره" (٧). وقد أوضح الأمرَ الشيخُ زكريا الأنصاريُّ، فقال: ومن لا عِشاء لهم بأن يكونوا

стр. 812

بنواحٍ لا يغيب فيها شفقهم يُقَدِّرُونَ قَدْرَ ما يغيب فيه الشفق بأقرب البلاد إليهم (١). وهذا الرأي قد أفتت به عدة مجامع فقهية معتبرة، من ذلك: ١ - هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية: حيث جاء في قرار مجلسها رقم (٦١) بتاريخ ١٢/ ٤/ ١٣٩٨ هـ، بخصوص هذا الشأن ما يلي: ". . . ثانيًا: مَنْ كان يقيم في بلاد لا تغيب عنها الشمس صيفًا، ولا تطلع فيها الشمس شتاءً، أو في بلاد يستمر نهارها إلى ستة أشهر، ويستمر ليلها ستة أشهر مثلاً، وجب عليهم أن يصلوا الصلواتِ الخمسَ في كل أربع وعشرين ساعة، وأن يُقَدِّرُوا لها أوقاتها، ويحددوها معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم، تتمايز فيها أوقات الصلوات الفروضة بعضها من بعض. . .". واسْتُدِلَّ لهذا بأحاديثِ فرضِ الصلواتِ الخمسِ مع حديث الدجال، ثم جاء تعقيبًا: ". . . فلم يَعْتَبِرِ اليومَ الذي كسنة يومًا واحدًا يكفي فيه خمسُ صلوات، بل أَوجب فيه خمسَ صلوات في كل أربع وعشرين ساعة، وأَمَرَهُمْ أن يوزعوها على أوقاتها؛ اعتبارًا بالأبعاد الزمنية التي بين أوقاتها في اليوم العادي في بلادهم، فيجب على المسلمين في البلاد المسئول عن تحديد أوقات الصلوات فيها أن يحددوا أوقات صلاتهم، معتمدين في ذلك على أقرب بلاد إليهم، يتميز فيها الليل من النهار، وتُعْرَفُ فيها أوقات الصلواتِ الخمسِ بعلاماتها الشرعية في كل أربع وعشرين ساعة" (٢). ٢ - المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة: في دورته الخامسة بتاريخ ٤/ ٢/ ١٩٨٢ م - ١٠/ ٤/ ١٤٠٢ هـ، وجاء فيه: "فيما

стр. 813

يتعلق بمواقيت الصلاة للبلاد التي يستمرُّ ظهورُ الشمسِ فيها سِتَّةَ أشهرٍ، وغيابُهَا سِتَّةَ أشهرٍ، وبعد مُدَارسةِ ما كتبه الفقهاء قديمًا وحديثًا في الموضوع، قرر ما يلي: أولًا: تلك التي يستمر فيها الليل أو النهار أربعًا وعشرين ساعة فأكثر بحسب اختلاف فصول السنة، ففي هذه الحال تُقَدَّرُ مواقيت الصلاة وغيرها في تلك الجهات حسب أقرب الجهات إليها مما يكون فيها ليل ونهار متمايزان في ظرف أربع وعشرين ساعة (١). وفي دورة المجمع الفقهي التاسعة في ١٢ - ١٩/ ٧/ ١٤٠٦ هـ، قَسَّمَ القرارُ المناطقَ ذات الدرجات العالية في خطوط العرض إلى ثلاث مناطق: الأولى: ما يقع بين خطي عرض ٤٥ درجة و ٤٨ درجة شمالًا وجنوبًا، وتتميز فيها العلامات الظاهرية للأوقات في الأربع وعشرين ساعة طالت الأوقات أو قصرت. الثانية: ما يقع بين خطي عرض ٤٨ درجة و ٦٦ درجة شمالًا وجنوبًا، وتنعدم فيها بعض العلامات الفلكية للأوقات في عدد من أيام السنة، كأنْ لا يغيب الشفق الذي به يبتدئ وقت العشاء ويمتد نهاية وقت المغرب حتى يتداخل مع الفجر. الثالثة: وتقع فوق خط عرض ٦٦ درجة شمالًا وجنوبًا إلى القطبين، وتنعدم فيها العلامات الظاهرية للأوقات في فترة طويلة من السنة نهارًا أو ليلًا. وانتهى القرار في المنطقتين إلى التقدير النسبيِّ إلى أقرب مكان تُمَيَّزُ فيه علاماتُ وقتي العشاء والفجر في المنطقة الثانية، وكذا في المنطقة الثالثة بالنسبة لجميع الأوقات والصلوات. ٣ - إدارة الإفتاء بالكويت: وقد جاء في فتواها: ". . . البلاد التي تغيب فيها العلامات المميزة لوقت العشاء ووقت الفجر يأخذ أهلُهَا بالتقدير على أساس القياس النسبيِّ لأقرب منطقة إليهم يظل

стр. 814

فيها التمايز صحيحًا طوال أيام السنة، وذلك موافق للشافعية، والراجح من مذهب الحنفية، وهو الذي تؤيده ظواهر النصوص. . . " (١). القول الثاني: التقدير المطابق لتوقيت أقرب البلاد ، وذلك بأن يتابع البلد الأقرب والذي تتحقق فيه العلامات الشرعية في نفس مواقيته، فوقت العشاء -مثلاً- في المناطق التي لا يغيب فيها الشفق يكون عند غياب شفق أقرب مكان لهم، فإذا غاب في تلك البلد فقد وجبت العشاء على أهل تلك الدار التي لا يغيب فيها الشفق، ولو كان هذا بعد الفجر، وتعتبر الصلاة عند تأديتها في هذا الوقت أداءً، وليست قضاءً (٢). وهذا مذهب المالكية، بعد التصريح بأنه لا نصَّ لديهم في هذا الموضوع (٣). وإن كان بعض المالكية نحا منحى الشافعية في هذه المسألة كالإمام القرافي (٤). وللحنابلة قول يدل على قرب ما عندهم من هذا المذهب، حيث أَوردوا في مسائل أوقات الصلوات مسألةَ التقدير لأيام الدجال، فنصُّوا على أنه يُقَدَّرُ الزمن المعتاد، أي: يُقَدَّرُ الوقتُ بزمنٍ يساوي الزمنَ الذي كان في الأيام المعتادة، فلا يُنْظَرُ للزوال بالنسبة للظهر، ولا لمصير ظلِّ الشيء مثله بالنسبة للعصر، وهكذا (٥). "ويؤخذ من هذا أن أمر التقدير وارد عندهم؛ وأنه باستصحاب الزمن المعتاد في الوقت الذي لم يطرأ فيه الفقد، فبالنسبة للأوقات التي طرأ عليها الوضع غير المعتاد يُقَدَّرُ الزمنُ المعتاد.

стр. 815

أما إذا كان هناك بلدٌ جميعُ الأوقات فيه مشتملةٌ على هذا الفوات؛ فإن الاستصحاب يكون للبلد الأقرب الذي فيه أوقات معتادة لجميع الصلوات. وواضح أن التقدير هنا أشبهُ ما يكون بالتقدير على طريقة المالكية، وهو متابعة البلد الأقرب في نفس مواقيته، وليس هو التقدير النسبي الذي ذهب إليه الشافعية" (١). وعبارة الحنابلة: "ويُقَدَّرُ للصلاة أيامَ الدجال قَدْر المعتادِ من نحو ليل أو شتاء، ويتجه، وكذا حج وزكاة وصوم" (٢). ولم يوجد ما ينقل عنهم في مسألةِ فاقدِ وقتِ العشاء. وهذا الرأي قد اعتمدته ندوة الأهلة والمواقيت والتقنيات الفلكية في توصياتها ومقترحاتها، والتي انعقدت بالكويت ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م. حيث جاء في التوصيات: "٤ - في البلاد التي لا تتمايز فيها الأوقات كالعشاء والفجر؛ لعدم غيبوبة الشفق، أو عدم غروب الشمس، أو عدم طلوع الفجر، يُؤخَذُ لتحديد أوقات الصلوات التي اختفت علاماتها بمبدأ "التقدير المطابِق" بأن يجري على تلك البلاد توقيتُ أقربِ بلدٍ تتمايز فيه تلك الأوقات، مع مراعاة كون البلد الأقرب على نفس خطِّ الطول، وهذا المبدأ مستمَدُّ من مذهب المالكية، وهو يحقِّقُ اليسرَ ورفعَ الحرجِ" (٣). ولا شك أن هذا الاختيار أيسرُ وأضبطُ من الاختيار السابق، وهو التقدير النسبي.

стр. 816

القول الثالث: عند غياب جميع العلامات في جميع الأوقات يُقَدَّرُ للأوقات ، أما عند غياب العلامات المميزة لوقت العشاء لعدم غيبوبة الشفق فتصلَّى في وقت الصبح، ولا يَسقطُ وجوبُهَا. وذلك لتيقن غياب الشفق، بغلبة نور الصباح، وهذا منقول عن بعض الحنفية، وقال بعضهم كالبرهان الكبير (١): تُصلَّى بنية القضاء، ومنهم من قال: بل بنية الأداء؛ لأنه لا يقال قضاء إلا لصلاة لها وقت معلوم تؤدَّى بعد خروجه (٢). قال ابن عابدين: "إن القائلين عندنا بالوجوب صرَّحوا بأنها قضاء، وبفقد وقت الأداء، وأيضًا لو فُرِضَ أن فجرهم يطلع بقدر ما يغيب الشفق في أقرب البلاد إليهم لزم اتحاد وقتي العشاء والصبح في حَقِّهم، أو أن الصبح لا يدخل بطلوع الفجر، إن قلنا: إن الوقت للعشاء فقط، لزم أن تكون العشاء نهارية لا يدخل وقتها إلا بعد طلوع الفجر، وقد يؤدي -أيضًا- إلى أن الصبح إنما يدخل وقته بعد طلوع شمسهم، وكل ذلك لا يُعقل في معنى التقدير" (٣). وعليه فقد مال إلى القول بوجوبها ابنُ الهمام الحنفي، والبرهانُ الكبير، وأبنُ أمير الحاج، وابنُ عابدين، والعينيُّ (٤)، وغيرُهم (٥).

стр. 817

وإن خالفهم البقالي (١)، والزيلعي (٢)، والشرنبلالي، (٣) والمرغيناني (٤). القول الرابع: التقدير بناءً على آخر يوم غابت فيه العلامات . وذلك في البلاد التي لا يغيب فيها شفق الغروب حتى يطلع الفجر، بحيث لا يتميز شفق الشروق عن شفق الغروب، يُقَدَّرُ وقتُ العشاء الآخرة، والإمساكُ في الصوم، ووقتُ صلاة الفجر بحسب آخر فترة يتميز فيها الشفقان. أي: يتمُّ اعتمادُ توقيتِ آخرِ يومٍ ظهرت فيه علامتا العشاء والفجر، ويظل هذا التوقيت معتمَدًا حتى تظهر العلامات من جديد. ومن الجهات التي اعتمدت هذا الرأي: المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، في دورته الخامسة المنعقدة سنة ١٩٨٢ م. حيث جاء في القرار: ". . . الثانية: البلاد التي لا يغيب فيها شفق الغروب حتى يطلع الفجر بحيث لا يتميز شفق الشروق من شفق الغروب، ففي هذه الجهات ويُقَدَّرُ وقتُ العشاء الآخرة، والإمساكُ في الصوم، ووقتُ صلاة الفجر بحسب آخر فترة يتمايز فيها الشفقان" (٥).

стр. 818

القول الخامس: بخصوص وقت العشاء: إعمال تقديرات معاصرة . وهي عِدَّةُ اجتهادات وآراء شخصية لأصحابها، منهم: فلكيون، ومنهم: فقهاء، ومن ذلك: ١ - قسمة الليل إلى نصفين؛ الأول: يمتد من غروب الشمس إلى منتصف الليل، وهو وقت موسَّعٌ للمغرب، ويكون منتصفُ الليل وقتًا لصلاة العشاء، وهو يمتدُّ لزمنٍ يسعها، ثم يبدأ وقت صلاة الفجر، ويمتد حتى شروقِ الشمسِ. وهو رأي للدكتور حسين كمال الدين (١). ٢ - يُعْتَبَرُ وقتُ العشاء بعد ساعة وعشرين دقيقة من غروب الشمس تيسيرًا، ويعتمَدُ لوقت الفجر آخرُ يوم ظهرت فيه علامة الفجر احتياطًا. وهذا ما اعتُمد في التقويم التركي (٢). ٣ - تحديد الفَرْقِ بين المغرب والعشاء، والفجر والشروق، بساعة ونصف لجميع فصول السنة، ولجميع بلاد العالم! وهو رأي للدكتور محمد حميد الله (٣). ٤ - قسمة الليل إلى سبعة أسباع، أو ستة أسداس، بحيث يبتدئ وقت العشاء بعد نهاية الجزء الأول، ويبتدئ الفجر مع بداية الجزء الأخير. وهو رأي الشيخ جمال مناع (٤). ٥ - اعتماد توقيت مكة أو المدينة، فهما مهبط الوحي، ومن جملة البلاد المعتدلة (٥).

стр. 819

القول السادس: تحديد علامة شرعية جديدة . وذلك ما يحدده الفلكيون باسم الشفق المدني، وينضبط عندما يكون قرص الشمس واقعًا تحت الأفق بـ ١٢ درجة، بينما العلامة الشرعية في البلاد المعتدلة عندما يكون قرص الشمس تحت الأفق بـ ١٨ درجة. فوقت العشاء يُحَدَّدُ عند الدرجة ١٢ بعد الغروب. ووقت الفجر يُحَدَّدُ عند الدرجة ١٢ قبل الشروق. وهذا الرأي أَخذ به اتحادُ المنظمات الإسلامية في فرنسا، وهو رأي الفلكي صالح العجيري، وهو ما مال إليه الشيخ فيصل مولوي (١). ويرتكز هذا الاجتهادُ على تحديد علامة جديدة، فإذا كان الوقت يرتبط بالشفق الذي لا يتأتَّى إلا بعد الغروب، وقد تعذر حصولُهُ، فَيُنْتَقَلُ إلى علامة أخرى تتعلَّقُ بحركة الشمس بعد الغروب، وهو ما يسمى بالشفق المدني الذي يظهر عند الدرجة ١٢ بدلًا من الدرجة ١٨. فإذا فُقِدَتِ العلاماتُ أُعْمِلَ الاجتهادُ في إدراك الوقت. والصلوات من العبادات، والعبادات الأصل فيها التوقيف، أو هي معلَّلَةٌ بالنص، ولا يمنع هذا أن الأصل الشرعي العام هو تعليل الشريعة بمصالح العباد، وقد ذهب الحنفية إلى أن الأصلَ التعليلُ حتى يتعذر. والعبادات لا تخرج عندهم عن هذا الأصل في أحكامها العامة، وقد مال أبو حنيفة إلى أن نصوص الزكاة معلَّلَةٌ بالمالية الصالحة لإقامة حقِّ الفقير (٢). وإلى شيء من هذا المعنى مال الشافعي أيضًا. قال الزنجاني (٣): "معتَقَدُ الشافعي أن الزكاة مئونة مالية، وجبت للفقراء على

стр. 820

الأغنياء بقرابة الإسلام، على سبيل المواساة، ومعنى العبادة تَبَعٌ فيها، وإنما أثبته الشرع ترغيبًا في أدائها" (١). وفيما يتعلق بالاجتهاد في وضع علامة جديدة راعى القائلون بهذا تحقيقَ مقاصدِ النومِ والراحة بعد العشاء، وانسجامَ الأمرِ مع مصالح الناس في معاشهم، ورفعَ الحرجِ والعنت عنهم، وإرادةَ التخفيف أو التيسير عليهم. وعليه: فقد ذهبوا إلى أن الناس اعتادوا في البلاد التي لا يغيب فيها الشفق الأحمر؛ لعدم وصول الشمس تحت الأفق إلى درجة ١٨ - أن يقيسوا حركتها بالتوقف عند الدرجة ١٢، فهو ما يُعْرَفُ بالشفق المدني، وهو الذي يمكن اعتبارُهُ العلامةَ الفلكية التالية بعد غياب الشفق الأحمر، ويكون اعتماده لدخول وقت العشاء حين تُفْقَدُ العلامةُ السابقة أمرًا معتبرًا من الناحية الشرعية. كما يذهب القائلون بهذا الرأي إلى اعتماده طوالَ السنة في الأوقات التي تُفْقَدُ فيها العلاماتُ وفي غيرها، ولا مانعَ لديهم من تعطيل العمل بالنص؛ منعًا لضرر أكبر، كما جمع النبي ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة، رفعًا للحرج عن أمته. وقد أَوقفَ عمرُ سهمَ المؤلفة قلوبهم لَمَّا عزَّ المسلمون، وعَطَّل حدَّ السرقة عامَ الرمادة، ومَنَعَ قسمةَ الأراضي المفتتحةَ عنوةً بين المقاتلين بالعراق والشام. وعليه: فقد رأوا أن التحديد بهذه العلامة الجديدة من شأنه أن يُنَظِّمَ أوقات المسلمين على مدار السنة، وهو رافع للحرج عنهم (٢).

стр. 821

القول السابع: مع القول بالتقدير النسبي عند اختفاء العلامات فى جميع الصلوات يقال بجواز الجمع بين المغرب والعشاء عند اختفاء العلامات في بعض الاوقات . وقد وَرَدَ عند الحنابلة في الأسباب المبيحة للجمع بين الصلاتين: العجز عن معرفة الوقت (١). وانتصر له الشيخ عبد الله الجديع (٢). وبه صدر قرار المجلس الأوروبي للإفتاء في دورته الثالثة (٣). واستدل لهذا القول بالقرآن الكريم، والسنة، والمعقول. فأمَّا القرآن الكريم: فلقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وجه الدلالة: غسق الليل أُشير به إلى المغرب والعشاء، فالليل هو وقت المغرب والعشاء (٤). وإذا كانت السُّنة قد فَرَّقَتْ بين وقتي المغرب والعشاء، وعلى هذا عَمَلُ المسلمين قديمًا وحديثًا، إلا أنه عند العذر والحاجة يُعْمَلُ بمواقيت القرآن، وهي مواقيتُ ثلاثةٌ: ١ - الفجر، وهو وقت صلاة الصبح. ٢ - والزوال إلى الليل، وهو وقت الظهر والعصر. ٣ - الليل، وهو وقت المغرب والعشاء.

стр. 822

وعليه: فعند الحاجة والاضطرار يصير وقت المغرب مع العشاء وقتًا واحدًا. وقد روى عبد الرزاق الصنعاني عن معمر بن راشد أنه قال: سمعت أن الصلاة جُمِعَتْ؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]. فغسق الليل: المغرب والعشاء (١). وأمَّا السنة النبوية: فمن الأحاديث: ما ثبت من جواز الجمع بين المغرب والعشاء في السفر (٢) وعند شدة المطر (٣)، وهذا يدل على أن الوقت بين المغرب والعشاء حال العذر هَدَرٌ، فيجوز الجمع تقديمَّا أو تأخيرًا، ويصير الوقتان وقتًا واحدًا. وقد ثبت -أيضًا- أنه ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر، قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: لِمَ فعلَ ذلك؟ قال: كي لا يُحرج أمته. وفي رواية أخرى -عند مسلم وغيره-: "ولا سفر"، بَدَلَ: "ولا مطر" (٤). وهو جمع لا داعي إليه إلا رفع الحرج عند الحاجة أو المشقة البالغة. وهذا يدل على جواز هذا الجمع للحاجة إليه. المناقشة والترجيح: يترجح قول من قال بالتقدير النسبي حالَ فَقْدِ العلامات باستمرار الليل أو النهار أربعًا وعشرين ساعة فأكثر، وهو قول الأكثر من المتقدمين والمتأخرين. يقول الشيخ محمد رشيد رضا: "أَرأيتَ هل يُكَلِّفُ اللهُ تعالى من يقيم في جهة القطبين، وما

стр. 823

يقرب منها أن يصلي في يومه -وهو سَنَةٌ أو عِدَّةُ أشهرٍ- خمسَ صلواتٍ فقط. كلَّا إن الآيات الكبرى على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء، ما نراه فيه من الاكتفاء بالخطاب العام الذي لا يتقيد بزمانِ مَنْ جاء به ولا مكانه. فأطلقَ الأمرَ بالصلاة، والرسولُ بَيَّنَ أوقاتها بما يناسب حال البلاد المعتدلة، التي هي القسم الأعظم في الأرض، حتى إذا وصل الإسلام إلى أهل تلك البلاد التي أشرنا إليها يمكنهم أن يقدروا للصلوات باجتهادهم، والقياس على ما بَيَّنَهُ النبي ﷺ مِنْ أَمْرِ اللهِ المطلقِ، فَيُقَدِّرُوا لها قَدْرَهَا (١). على أنه إذا وقع اختيار تقدير المواقيت بأقرب البلاد، فينبغي أن يُتَّفَقَ على البلد التي سيُعْتَبَر بها التقدير، وألَّا يُخْتَلَفَ عليها ضبطًا للمواقيت، ومنعًا للشقاق والفتنة. ولا شك أن هذا الاختيار أولى مِنْ اختيارٍ يمثل رأيًا اجتهاديًّا محضًا لا يقوم على نصٍّ، أو يرتبط بدليل نقليٍّ، كما وُجِدَ هذا في عدد من الأقوال التي تتضمن رأيًا محضًا، أو تتضمن إبطالًا للعلامة الشرعية حالَ وجودِهَا. وأمَّا مَا يتعلَّقُ بوقت العشاء عند فَقْدِ العلامة الشرعية الدَّالَّةِ عليه فإن كلا الرأيين الرابع والسابع سائغٌ مقبولٌ فيما يظهر، بحيث يُخَيَّرُ المسلم المقيم في تلك الديار بين أن يَعْتَبِرَ دخولَ وقت العشاء بآخر فترة يمكن فيها التمييزُ بين الشفقين؛ شفقِ العشاء، وشفقِ الفجر. وعند الحاجة أو المشقة له أن يجمعَ بين الصلاتين. ولا يسوغُ بحال أن يسقط عنه فَرْضُهَا، كما قال بعض الحنفية؛ فإنه مخالف لما انعقد عليه الإجماع من وجوبِ خمسِ صلواتٍ في اليوم والليلة! وصلاتها بعدَ تيقنِ دخولِ الصبحِ إخراجٌ لها عن وقتها مع إمكان أن تُصَلَّى باعتبارِ آخرِ وقتِ التمييزِ بينها وبين وقتِ الفجر، أو جمعها مع المغرب.

стр. 824

على أن التقدير الذي وَرَدَ في حديث الدجال إنما يجري العملُ به بالنسبة لمرور الأيام والليالي في يوم واحد به أيام، فتكون كحال جريان أربع وعشرين ساعة فأكثر نهارًا أو ليلًا. ولا يَرِدُ على القول بجواز الجمع أن هذا قد يطول ربما لأشهر؛ وذلك لأن الرخصة باقيةٌ ما بقي العذر فإذا زال العذر بطلت الرخصة، والقاعدة تقول: ما جاز لعذر بطل بزواله، فتنزل منزلةَ القصر في السفر والجمع في المرض، والفطر للحامل والمرضع، ولو طال الوقت. ولا شك أن العذر شديد في هذه الحالة مبيح للجَمْعِ، كما يباح الجَمْعُ في المطر، وأشد. على أن حديث ابن عباس يفتح بابًا للسعة في هذه الحالة، والله أعلم. المطلب الثاني: في حال قِصَر الليل أو النهار قِصَرًا مفرطًا مع بقاء العلامات الفلكية الشرعية للأوقات جميعًا وتميزها: القول الأول: يتعين على أهل ذلك الإقليم أن يؤدُّوا الصلوات جميعًا فى أوقاتها المقدًرة لها شرعًا، ولا يجوز الجمع إلا لعذر شرعي: وهو قول جماهير أهل العلم سلفًا وخلفًا. وبه أفتت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية (١)، والمجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي (٢)، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية (٣). القول الثاني: يجوز الجمع بين المغرب والعشاء صيفًا، والظهر والعصر شتاءً؛ لقصر الليل والنهار، وصعوبة أداء الصلاتين في وقتها: وهو قولٌ لأعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء، وبه صدر قرار المجلس رقم (٣/ ٣)

стр. 825

في دورته الثالثة في صفر ١٤٢٠ هـ - مايو ١٩٩٩ م، بألمانيا، وجرى تأكيده في الدورة الحادية عشرة للمجلس، مع اجتهادات أخرى، مثل: تحديدِ فارقٍ زمنيٍّ ثابتٍ بين وقْتَي المغرب والعشاء، والفجر والشروق بقدر ساعة ونصف. الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: القرآن الكريم، والسنة النبوية، والإجماع. أولًا: القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. وجه الدلالة: دلَّت الآية السابقة على مواقيت الصلوات، وارتباط أدائها بتلك الأسباب للأحكام الشرعية. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وجه الدلالة: نَصَّت الآية السابقة على وجوب أداء الصلاة في مواقيتها المفروضة شرعًا. ثانيًا: السنة المطهرة: عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله عن وقت الصلاة، فقال له: "صَلِّ معنا هذين"، يعني: يومين، فلما زالت الشمس أمَرَ بلالًا، فأذَّن، ثم أَمَرَهُ فأقامَ الظُّهْرَ، ثم أَمَرَهُ فأقامَ العصرَ والشمسُ مرتفعة بيضاء نقية، ثم أَمَرَهُ فأقامَ المغربَ حين غابت الشمس، ثم أَمَرَهُ فأقامَ العشاءَ حين غاب الشفق، ثم أَمَرَهُ فأقامَ الفجرَ حين طلع الفجر. فلمَّا أن كان اليوم الثاني أَمَرَهُ فَأَبْرَدَ بالظهر فأبرد بها، فأنعم أن يبرد بها، وصلى العصرَ والشمسُ مرتفعة أخَّرها فوق الذي كان، وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصلى العشاء بعدما ذهب ثلث الليل، وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: "أين السائل

стр. 826

عن وقت الصلاة؟ "، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال: "وقت صلاتكم بين ما رأيتم" (١). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظِلُّ الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يَغِبِ الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسكْ عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني الشيطان" (٢). وجه الدلالة: دلَّت الأحاديث على تحديد الأوقات المفروضة للصلوات الخمس قولًا وفعلًا، ولم تُفَرِّقْ بين طولِ النهار أو الليل أو قِصَرِهِمَا، ما دامت تلك الأوقاتُ متمايزةً بالعلامات التي بَيَّنَهَا رسولُ الله ﷺ . الإجماع: وعلى وجوب أداء الصلوات في وقتها المفروض شرعًا وَقَعَ الإجماعُ في الجملة (٣)، وقد تواترت المواقيت بالسُّنَّة العملية بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها. فلا يجوز الجَمْعُ إلا مِنْ عُذْرٍ مُرَخِّصٍ أو حاجةٍ معتبرَةٍ شرعًا. أدلة القول الثاني: القرآن، والسنة، والقواعد. أولًا: القرآن الكريم: عمومات القرآن الكريم القاضية برفع الحرج عن الأمة. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].

стр. 827

وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]. ونحو ذلك من الآيات، وهي كثيرة. ثانيًا: السنة المطهرة: عن ابن عباس ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ الظهر والعصر جَمْعًا، والمغرب والعشاء جَمْعًا، في غير خوف ولا سفر (١). وفي رواية: جَمَعَ رسولُ الله ﷺ بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف، ولا مطر. قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ (٢). وفي رواية عبد الله بن شقيق (٣)، قال: خَطَبَنَا ابنُ عباس يومًا بعد العصر، حتى غربت الشمس، وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة! الصلاة! قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر، ولا ينثني: الصلاة! الصلاة! فقال ابن عباس: أَتُعَلِّمُني بالسُّنَّةِ؟ لا أمَّ لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جَمَعَ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيتُ أبا هريرة، فسألتُه، فصدَّقَ مقالَتَهُ (٤). وجه الدلالة: "وهذا التعليل من حَبْرِ الأمةِ ابنِ عباس يعني: أنه أراد أن يوسِّعَ على الأُمَّةِ ويُيَسِّرَ

стр. 828

عليها، ولا يوقعَهَا في الحرج والضيق، فما جَعَلَ الله في هذا الدِّين من حرج، بل يريدُ بعباده اليسرَ، ولا يريدُ بهم العسرَ. والحديث واضح صريح على مشروعية الجَمْعِ للحاجة" (١). قال ابن المنذر: ولا معنى لحَمْلِ الأمر فيه على عذر من الأعذار؛ لأن ابن عباس قد أخبر بالعلَّةِ فيه، وهو قوله: "أرادَ ألَّا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ". وحُكي عن ابن سيرين: أنه كان لا يرى بأسًا أن يجمع بين الصلاتين، إذا كانت حاجة أو شيء، ما لم يَتَّخِذْهُ عادةً (٢). وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث، فجوَّزوا الجَمْعَ في الحضر؛ للحاجة مطلقًا، لكن بشرط ألا يتخذَ ذلك عادةً، وممن قال به: ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أهل الحديث" (٣). وبناءً على ما تقدَّم فقد أفتى المجلس الأوروبي بجواز الجمع بين المغرب والعشاء صيفًا حين يتأخر وقت العشاء إلى منتصف الليل، وجواز الجمع بين الظهر والعصر شتاءً؛ لقصر النهار وصعوبة أداء كل صلاة في وقتها للعاملين في مؤسساتهم! إلَّا بمشقة وحرج. مع التنبيه على ألا يلجأ المسلم إلى الجمع من غير حاجة، وعلى ألا يَتَّخِذَهُ له عادة (٤). المناقشة والترجيح: لا شك أن كلا القولين يُسَلِّمُ بأهمية أداء الصلاة في وقتها، ويؤكد على التزامها من غير تفريط في أوقاتها.

стр. 829

وأن كلا القولين يفتح باب السعة بالجمع؛ للحاجة الطارئة والمشقة غير العادية؛ إعمالًا لحديث ابن عباس ﵄ الذي عَلَّلَ فيه الجَمْعَ برفع الحرج عن الأمة. وإنما يدقُّ الأمر حين يقال: هل يسوغُ أن يتخذَ الإنسان ذلك الجمعَ عادةً له ما دام عذرُهُ قائمًا بضيقِ وقتِ ما بين الظهر والعصر، أو تباعُدِ ما بين المغرب والعشاء، وتأخُّرِ العشاء إلى منتصف الليل، مع ما يحتاج إليه المسلم من الاستيقاظ مبكرًا لأداء صلاة الفجر، وممارسة عمله اليومي. والذي يظهر أنه لا يجوز اتخاذُ ذلك عادةً، ولا استدامَةُ الجَمْعِ مُدَّةَ شهورِ الصيف، أو الشتاء بإطلاقٍ؛ وذلك لاعتبارات، منها: - أن هذا الحديث لا يقول به أكثر الفقهاء، ولا يعملون به، كما قاله الخطابي (١). - أن تطبيقه في حياة النبي ﷺ أو حياة الصحابة كان في مَرَّةٍ أو نحوِهَا، ولم يُعْرَفِ اطِّرادُهُ في حياة السلف، مع كثرة ما عَرَضَ لهم من حاجات. - أن من أباحه اشترط ألَّا يكونَ عادةً، والعادة ما يعود ويتكرر، وما نحن فيه وضع ثابت متكرر -ولا شك- كلَّ عامٍ في أشهر الصيف والشتاء، وهو ما يدخل في بضعة أشهر. وعليه: فإن كان قول من قال بالجواز على ألَّا يُتَّخَذَ عادةً يعني به مرةً أو نحوَها؛ لحاجةٍ طرأت، أو مشقَّةٍ غير عادية حصلت، بخلاف تَقَارُبِ الوقتِ، أو تباعُدِهِ -فالأمرُ يسيرٌ. وأخيرًا، فإن الراجح قولُ جماهير أهل العلم سلفًا وخلفًا من وجوب التزام الصلاة في مواقيتها الشرعية، متى تميَّزَتْ علاماتها الشرعية وتحدَّدَتْ. وللترخيص بحديث ابن عباس مجالٌ حيث طرأتْ حاجهٌ أو مشقَّةٌ غيرُ عاديةٍ. وعلى المسلم في بلاد الأقليات أن يحفظَ صلواتِهِ، وأن يجاهد ويصابر في المرابطة على أدائها في أوقاتها، والله تعالى وليُّ الصالحين.

стр. 830

المبحث الثالث من نوازل الزكاة: حكم دفع الزكاة لغير المسلمين ببلاد الأقليات تصوير المسألة وتكييفها: الزكاة ثالث أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، وهي عبادة مالية، فرضها الله على الأغنياء لِتُرَدَّ على الفقراء؛ تحقيقًا للتكافل بين المسلمين، وإشاعةً للتراحم بين طبقات المجتمع المسلم وفئاته. وما من شك أن الزكاة كما شرعت لسدِّ خلَّة الفقراء؛ فإنها شرعت لتقوية شوكة الإسلام وإعزازه، والدفع عنه في نحور أعدائه؛ ولذا جاء ضمن مصارف الزكاة الثمانية سهمُ المؤلفة قلوبهم، وهم أقسام، منهم المسلمون، ومنهم الكفار. وأغنياء المسلمين ببلاد الأقليات اليوم منهم من يسأل عن حكم إعطاء الزكاة لكافرٍ ابتداءً، وهذا لا يمثل نازلة، وإنما يدقُّ المأخذ حين يكون السؤال: هل يجوز بذل الزكاة لدفع شرِّ الكفار في بلاد الأقليات، أو لكسب قلوبهم بالإحسان، أو لتحقيق مصلحة دينية، أو اجتماعية، أو سياسية للأقليات المسلمة في تلك الديار؟ ومن المعلوم أنه ﷺ في أول الأمر تألَّف قومًا على الإسلام؛ كالأقرع بن حابس، وصفوان ابن أمية، وعيينة بن حصن؛ فأعطى كلًّا مائةً من الإبل، فلما قوي المسلمون في عهد عمر ﵁ أوقف هذا السهم، ولما جاءه الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن منعهما العطاء، وقال لهما: "إن رسول الله ﷺ كان يتآلفكما والإسلام يومئذٍ ذليلُ، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما لا أرعى الله عليكما إن رعيتما"! (١).

стр. 831

فهل سهم المؤلفة قلوبهم باقٍ بعد أن أوقف عمر ﵁ العملَ به، فَيُعْطَى منه الكفار ولو في سبيل دعوتهم إلى الله إذا رُجِيَ إسلامهم؟ أم أنه قد نُسِخَ، أو وقع إجماع على زوال هذا المصرف؟ وهل يتأتَّى دفعها في تلك الديار للتأليف على الإسلام من غير وجود إمامٍ شرعيٍّ مُمَكَّنٍ، وهو الذي يُنَاطُ به -في الأصل- القيام بجمع الزكاة وتفريقها، والنظر في دفعها إلى غير المسلمين تأليفًا على الإسلام؟ وتحقيقًا لمصالح أهل ولايته. ومن غير شك فإن هذه المسألة التي تُطْرَحُ اليوم -في سياق ما تسعى الأقليات المسلمة لتحقيقه من ترسيخ وجودها، وتقوية شوكتها، وإقامة دينها في غير بلاد المسلمين، والتي لا تدخل تحت سلطان الشريعة، وفي ظِلِّ ظروف بالغة التعقيد -لهي قضية جديرة بالبحث والدرس. وتكييف هذه المسألة راجع إلى فقه الزكاة ومصارفها، وحكم دفعها لغير المسلمين، ومصرف المؤلفة قلوبهم على وجه الدقة، وتتعلق أيضًا بقيام أهل الحَلِّ والعقد عند الاقتضاء مقامَ الإمام، أو نائبه، وتحقيق المصلحة عند التصرف في أمر الرعية أو الأقلية. تحرير محل النزاع: اتفق الفقهاء على عدم جواز أو إجزاء دفع الزكاة لكافر من غير المؤلفة قلوبهم (١). قال ابن المنذر ﵀: "أجمع أهل العلم على أن لا يجزئ أن يُعْطَى زكاةَ المال أحدُ من أهل الذمة" (٢). وخالف في هذا الحكم ابنُ سيرين، والزهريُّ، وزفر من الحنفية فأجازوا دفعها للكافر الذمي غير الحربي (٣).

стр. 832

وعمدةُ أدلةِ الجماهيرِ حديثُ معاذ ﵁ لمَّا بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فقال له: ". . . ادعُهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فَأَعْلِمْهُمْ أنَّ الله افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم والليلة؛ فإن هم أطاعوا لذلك، فَأَعْلِمْهُمْ أن الله افترض عليهم صدقةً في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ على فقرائهم" (١). فالمقصود بها فقراء المسلمين لا غير، ولم يثبت أنه ﷺ أعطى أحدًا من أهل الذمة شيئًا من الزكاة بوصف الفقر، ولم يثبت أن أحدًا من الصحابة قد أعطى منها يهوديًّا مع كثرة اليهود بالمدينة، أو قراباتهم من أهل الشرك بالجزيرة، لا في زمن الهدنة ولا في غيرها. وكلُّ ما عساه أن يُنْقَلَ في هذا الصدد محمولٌ على أنه من الصدقةِ المستحبةِ، لا الزكاةِ الواجبةِ، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨] وقد وقع الإجماع على جواز التصدق على الكافر، وإعطائه من صدقة التطوع، وشرط بعض الفقهاء ألَّا يكون في إعطاء الحربي تقويةٌ له على قتال أهل الإسلام (٢). واتفقوا -أيضًا- على أن الأَوْلَى في صدقات التطوع أن تكون لأهل الإسلام، إلَّا أن يدعوَ إلى الصدقة على غير المسملين داعٍ معتبرٌ رجحانُهُ. قال السرخسي ﵀: "لأنهم يتقوون (يعني: المسلمين) على الطاعة وعبادة الرحمن، والذمي يتقوى بها على عبادة الشيطان" (٣).

стр. 833

بعد التسليم بأن سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الزكاة الثمانية والمنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. اختلف العلماء في بقاء هذا المصرف من مصارف الزكاة أو عدم بقائه بعد أن أوقفه عمر ﵁ وهذا هو محل الخلاف في المسألة. فقد ادُّعِيَ الإجماعُ على سقوط هذا السهم بما قاله عمر ﵁ للأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، ومنعه لهما منه، وقد فعله بمحضر من الصحابة من غير نكير عليه منهم. وقد عُورِضَتْ دعوى الإجماع بأنه لا يسلم؛ لأنه لا يُنْسَخُ، ولا يُنْسَخُ به، ولو سلم لكان في عيينة والأقرع فحسب؛ لعدم حاجة أهل الإسلام إليهما بعد العزة والتمكين. ولا يمتنع أن يكون بالمسلمين في ديار الأقليات حاجة تدعو إلى تألُّفِ الكفار بأموال الزكاة، وإيقاف العمل بهذا السهم ليس نسخًا للحكم، وإنما هو تخلُّفٌ له؛ لعدم وجود علته ومقتضيه. ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أن المؤلفة قلوبهم صنفان: مسلمون، وكافرون. فأمَّا المسلمون فصنفانِ أيضًا: صنفٌ كانت نياتهم على الإسلام ضعيفة فتألفهم النبي ﷺ تقويةً لنياتهم. وصنف كانت نياتهم حسنة فَأُعطوا تألُّفًّا لعشائرهم من المشركين. وأما المشركون فصنفان كذلك: صنف يقصدون المسلمين بأذى فتألفهم دفعًا لأذاهم؛ مثل عامر بن الطفيل. وصنف كان لهم ميل إلى الإسلام تألفهم بالعطية؛ ليؤمنوا، كصفوان بن أمية (١). فهم "رؤساء قومهم من كافر يرجى إسلامُه، أو كفُّ شرّهِ، ومسلم يرجى لعطيته قوةُ إيمانِهِ، أو يرجى إسلامُ نظيرِهِ، أو نصحُهُ في الجهاد، أو الدفعُ عن المسلمين، أو كَفُّ

стр. 834

شرِّهِ؛ كالخوارج ونحوهم، أو قوة على جباية الزكاة ممن لا يعطيها" (١). من خلال ما سبق يتبين أن محل النزاع هو بقاء هذا المصرف من مصارف الزكاة -وهو مصرف المؤلفة قلوبهم- أو عدم بقائه وبالتالي عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم من الكفار وغيرهم من الزكاة. الأقوال في المسألة وأصحابها: القول الأول: لا يجوز إعطاء الكفار تأليفًا لقلوبهم بعد أن منعهم عمر ﵁، وحكم الآية منسوخ . وهو قول الجمهور من الحنفية (٢) والشافعية (٣)، وهو مشهور مذهب المالكية (٤)، ورواية عن أحمد بن حنبل ﵀ (٥). القول الثاني: بقاء سهم المؤلفة قلوبهم، ويجوز ويجزئ صرفُ الزكاة إليهم عند الحاجة إلى ذلك . وهو مذهب الحنابلة (٦) وبعض المالكية (٧)، وبه قال الطبري وغيره (٨). قال المرداوي: "الصحيح من المذهب: أن سهم المؤلفة قلوبهم باقٍ وعليه الأصحاب" (٩).

стр. 835

وفي حاشية الخرشي: "ومؤلَّفٌ كافرٌ لِيُسْلِمَ وحكمُهُ باقٍ" الصنف الرابع من الأصناف الثمانية في المؤلفة قلوبهم وهم كفار، يُعْطَون لِيُتَأَلَّفُوا على الإسلام، والصحيح أن حكم ذلك باقٍ" (١). الأدلة والمناقشات: أدلة القول الأول: من الإجماع، والمعقول: ١ - من الإجماع: قالوا: أجمع الصحابة على سقوط سهم المؤلفة قلوبهم؛ فقد وَرَدَ في سنن البيهقي: جاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس إلى أبي بكر ﵁ فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضًا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيتَ أن تُقْطِعَنَاهَا لعلَّنَا نزرعها ونحرثها. فذكر الحديث في الإقطاع وإشهاد عمر ﵁ ومحوه إياه. قال: فقال عمر ﵁: "إن رسول الله ﷺ كان يتألَّفُكُمَا والإسلام يومئذٍ ذليل، وإن الله قد أعزَّ الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدَكما لا أرعى الله عليكما إن رعيتما" (٢). وجه الدلالة: قال الكاساني (٣): "لم ينكر أبو بكر قوله وفعله، وبلغ ذلك الصحابة فلم ينكروا فيكون إجماعًا منهم على ذلك" (٤). ٢ - من المعقول: ثبت باتفاق الأمة أن النبي ﷺ إنما كان يعطيهم ليتألَّفَهم على الإسلام؛ ولهذا سمَّاهم

стр. 836

الله المؤلفة قلوبهم، والإسلام يومئذٍ في ضعفٍ وأهله في قلَّةٍ، وأولئك كثير ذوو قوة وعدد، واليوم بحمد الله عَزَّ الإسلام، وكثرَ أهله، واشتدَّتْ دعائمه، ورسخ بنيانه، وصار أهل الشرك أذلاءَ، والحكم متى ثبت معقولًا بمعنًى خاصٍّ ينتهي بذهاب ذلك المعنى (١). أدلة القول الثاني: القرآن الكريم، والسنة المطهرة: أولًا: القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. وجه الدلالة: ذكر الله تعالى المؤلفة قلوبهم ضمن مَنْ تُصْرَفُ لهم الزكاة؛ قال ابن الجوزي: "والمؤلفة قلوبهم هم قوم كان رسول الله ﷺ يتألفهم على الإسلام بما يعطيهم، وكانوا ذوي شرف، وهم صنفان: مسلمون وكافرون. . . وأما المشركون فصنفان: صنف يقصدون المسلمين بالأذى، فتألفهم دفعًا لأذاهم، مثل: عامر بن الطفيل، وصنف لهم ميل إلى الإسلام، فتألفهم بالعطية؛ ليؤمنوا، كصفوان بن أمية" (٢). ثانيًا: السنة المطهرة: ثبت أن النبي ﷺ أعطى المؤلفة قلوبهم من الصدقات، ومن ذلك: ما جاء عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن حصن

стр. 837

الفزاري، وعلقمة بن علاثة العامري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان. قال: فغضبتْ قريش، فقالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا، فقال رسول الله ﷺ : "إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم" (١). وجه الدلالة: الحديث نصٌّ في جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة. المناقشة والترجيح: نوقشت أدلة القول الأول بما يلي: إن عمر ﵁ لم يَقُلْ بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم، وإنما رأى اجتهاداً أنه لا حاجة لإعطائهم، والحكم يدور مع عِلَّتِهِ وجودًا وعدمًا (٢). وإذا كان المسلمون زمنَ عمرَ والخلافة الراشدة وما بعدها بحيث لا يحتاجون إلى قوةِ أو عددِ المؤلفةِ قلوبهم فلا يسلم هذا في كل وقت، والمسلمون في بلاد الأقليات اليوم قد ضعفت شوكتهم، وهانوا لدى أعداء دينهم، وأصبحت الدولة لغيرهم، وهم بحاجة لمن يَدْفَعُ عنهم، أو يُسْلِمُ من أهل تلك الديار من الكفار، ولا سيما أهل الفكر والحذق والقوة. ونوقشت أدلة القول الثاني بما يلي: الحكم الذي تضمنته الآية الكريمة بإعطاء المؤلفة قلوبهم قد نُسِخَ، والناسخ أحد ثلاثة: ١ - إجماع الصحابة على عدم إعطاء المؤلفة قلوبهم (٣). ٢ - السنة، وهو حديث معاذ بن جبل ﵁، وفيه -عن الزكاة-: "تؤخذ من أغنيائهم وتُرَدُّ على فقرائهم"؛ فالضمير في "فقرائهم" للمسلمين؛ فلا تُدْفَعُ إلى من كان من

стр. 838

المؤلفة قلوبهم كافرًا أو غنيًّا، وتُدْفَعُ إلى من كان منهم مسلمًا فقيرًا بوصف الفقر؛ فالنسخ للعموم أو لخصوص الجهة (١). ٣ - القرآن الكريم: فقد روى الطبري في تفسيره: "قال عمر بن الخطاب ﵁: -وأتاه عيينة بن حصن- ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] أي: ليس اليوم مؤلفة" (٢). وأُجِيبَ: بأن دعوى الإجماع غير صحيحة ولا مُسَلَّمة. قال الزهري: "لا أعلم شيئًا نَسَخَ حكمَ المؤلَّفِ" (٣). وقال أبو عبيد: "وهذا هو القول عندي؛ لأن الآية محكمة، لا نعلم لها ناسخًا من كتاب، ولا سنة" (٤). وقال ابن قدامة: "فأما الإجماع فلا يُنْسَخُ ولا يُنْسَخُ به" (٥). وفي شرح الكوكب المنير: "ولا يُنْسَخُ حكمٌ به -أي: بالإجماع-؛ لأنه إذا وُجِدَ إجماعٌ على خلاف نصٍّ فيكون قد تضمَّنَ ناسخًا، لا أنه هو الناسخ، ولأن الإجماع معصوم من مخالفة دليل شرعي لا معارِضَ له، ولا مزيلَ عن دلالته، فتعيَّنَ إذا وجدناه خالف شيئًا أن ذلك إما غير صحيح إن أمكن ذلك، أو أنه مؤول، أو نُسِخَ بناسخٍ؛ لأن إجماعهم حقٌّ؛ فالإجماع دليلٌ على النسخ، لا رافعٌ للحكم" (٦). فلا يتأتَّى نَسْخٌ بعد وفاته ﷺ ، وهو لا يكون إلا بالنصِّ المعصوم، والإجماع لا يتأتَّى إلا بعد وفاته ﷺ ؛ فلا يصلحُ الإجماعُ أن يكون ناسخًا.

стр. 839

أما حديث معاذ فهو عامٌّ، يقرِّرُ أن الأصلَ صَرْفُ الزكاة إلى فقراء المسلمين، وقد بينت الآية الكريمة استثناءً من ذلك، وهو إعطاء الكفار رجاءَ إسلامِهم، ونفعهم لديننا. وصفوة القول: أن عمر ﵁ لم يعطِّلْ نصًّا، ولم يَنْسَخْ شرعًا؛ فإن الزكاة تُعْطَى لمن يوجد من الأصناف الثمانية، فإن لم يوجد صنف سقط سهمه، ولم يَجُزْ أن يقال: إن ذلك تعطيل لكتاب الله، أو نَسْخٌ له (١). الترجيح: يترجح -والله أعلم- قولُ من قال ببقاء هذا السهم للمؤلفة قلوبهم؛ سواء أكانوا من المسلمين، أم من الكفار؛ وذلك لأمور، منها: ١ - قوة أدلة المجوزين وسلامتها من المعارضة الراجحة، وقوله وفعله ﷺ يؤيد قول المبيحين. ٢ - ضعف القول بالنسخ، ولا يُعْلَمُ أن صحابيًّا يَنْسَخُ قولُه أو فعلُه نصًّا من كتاب الله تعالى، أو حكمًا قطعيًّا من أحكامه. ٣ - ولا شك أن إعطاء المؤلفة قلوبهم فيه دَفْعٌ عن المستضعفين ببلاد الأقليات، وإقامةٌ لدينهم وتقويةٌ لشوكتهم، كما هو وسيلةٌ دعويةٌ ناجحةٌ. ٤ - قال أبو بكر بن العربي المالكي ﵀: "والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أُعطوا سهمَهُم، كما كان رسول الله ﷺ يعطيه؛ فإن الصحيح قد روي فيه "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ" (٢) (٣). وعليه: فمتى احتاج أهلُ أقليَّةٍ تحقيقَ مصلحة اجتماعية أو سياسية أو دينية لأهلِ دينِهم فدفعوا من زكاة أموالهم تأليفًا على الإسلام أو دفعًا عنه فلا حرج عليهم في ذلك.

стр. 840

وإذا كان أَمْرُ الزكاة في جمعها وتفريقها موكولًا إلى الإمام الشرعي فإن هذه الفريضة لا تزول ولا تسقط بغيابه، وإنما يقوم أهلُ الحَلِّ والعقد في تلك الديار مقامَ الإمام أو نائبه، فينفذون ما استطاعوا من الأحكام، وتقومُ المراكز والجمعيات والهيئات الإسلامية في تلك البلاد بعلمائها وقادتها مقامَ الإمام في النظر لمصلحة المسلمين والدفع عن المستضعفين، ولا شك أن التصرف على الأقلية منوط بالمصلحة. وجاء في قرار المجلس الأوربي للإفتاء في دورته الثالثة: "تدارسَ المجلسُ هذا الموضوع، وانتهى إلى مشروعية تحصيل هذه المؤسسات للزكاة من أصحابها وصرفها في مصارفها الثمانية، أو من وُجِدَ منهم، لا سيما أن المسلمين مأمورون بتنظيم حياتهم، ولو كانوا ثلاثة، كما جاء في الحديث النبوي: "إذا كنتم ثلاثة في سفر فأمِّروا أحدكم" (١)، وأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، كما أنه إحياءٌ لركن من أركان الإسلام، لا يتوقف على وجود الخليفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢)؛ فإذا لم نستطع إقامة الخلافة واستطعنا أداء ما يخصُّنَا من فرائضَ وواجباتٍ فعلينا أن نؤديَهَا كما أَمَرَ الله تعالى ورسوله ﷺ ، وسقوط بعض الواجبات عنا للعذر لا يكون سببًا في إسقاط الكلِّ، وقد كان المسلمون في العهد المكي يُؤْتُونَ الزكاة التي وصف الله بها المؤمنين والمحسنين في كتابه الكريم في السور المكية، وذلك قبل قيام دولة المدينة، ونعني بها الزكاة المطلقة قبل

стр. 841

تحديد الأنصبة والمقادير" (١). وبالجملة فإن الراجح جواز دفع شيء من الزكاة في مصرف المؤلفة قلوبهم عند الاقتضاء. وإذا جاز هذا من أموال الزكاة المفروضة فجوازه في الصدقة المندوبة من باب الأولى. قال ابن قدامة: "وكل من حرم عليه صدقةُ الفرض من الأغنياء، وقرابة المتصدق، والكافر وغيرهم يجوز دَفْعُ صدقةِ التطوع إليهم، ولهم أَخْذُهَا" (٢). وقد قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. وقال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]. والأسير: "الحربي من أهل دار الحرب يُؤْخَذُ قهرًا بالغلبة، أو من أهل القبلة يُؤْخَذُ فيحبس بحقٍّ" (٣). قال القرطبي: "ويكون إطعام الأسير الشرك قربةً إلى الله تعالى غير أنه من صدقة التطوع؛ فأما المفروضة فلا" (٤).

стр. 842

الفَصلُ الثَانِي من نوازل المعاملات المبحث الأول: حكم التمويل البنكي لشراء المساكن فى المجتمعات الغربية. المبحث الثاني: أحكام عقود التأمين خارج ديار الإسلام.

стр. 843

المبحث الأول حكم التمويل البنكي لشراء المساكن في المجتمعات الغربية تصوير وتكييف المسألة: التعامل بالربا مُجمع على تحريمه في كل شريعة منزلة، ومع هذا فقد وُجِدَ مَنْ يستبيحه ظلمًا وعدوانًا، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]. ولما استباح اليهود أخذ الربا من غير اليهود قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وقد ظلت القوانين في البلاد النصرانية تُحَرِّمُ الربا حتى جاءت الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ م، فأباحت ما يسمى بالفائدة على القروض في حدود معينة، ثم انتقلت هذه الإباحة إلى تقنين نابليون الصادر في ١٨٠٤ م، ليستمرَّ الأمر إلى يومنا هذا. وعليه: فإن بلاد الأقليات اليوم قد قَنَّنَتِ التعاملَ بالربا وشرَّعته دينًا وقانونًا مُتَّبَعًا، مع ما فيه من استغلال فاحش لذوي الحاجات، وخرقٍ واضح للتكافل في المجتمعات، وعرقلةٍ جلية لمسيرة التنمية ومحاصرة لمجالات الاستثمار، وتسببٍ مباشر في الكوارث الاقتصادية الهائلة والأزمات المالية الخانقة، وما الأزمة المالية التي عَمَّتْ مؤخَّرًا الغربَ الأوروبي والأمريكي بأسره إلا دليل واضح على صحة هذه الآثار الوخيمة لربا البنوك والمصارف المعاصرة. والمسلم الذي تَحْمِلُهُ ظروفه على الإقامة ببلاد غير المسلمين، وكذا الذي أسلم من أهل تلك الدار مأمورٌ باجتناب الربا كثيرِهِ وقليلِهِ، منهيٌّ عن الوقوع في ظاهرِهِ وخفيِّهِ.

стр. 844

ولا شك أن المسكن حاجة أساسية لكل إنسان، وتوفيره بشكل مناسب يحقق الأمان والاطمئنان. وقد شاعت في المجتمعات الغربية اليوم ظاهرة شراء البيوت عن طريق التمويل البنكي، وذلك بأن يتقدَّمَ طالب الشراء إلى أحد البنوك ليقرضه قيمة البيت فيسددها، ثم يتقاضى البنك منه هذا القرضَ أقساطًا شهرية يتقاضى عنها فوائدَ ربوبية؛ بحيث إنه قد يتضاعف المبلغ في نهاية المدة إلى ثلاثة أضعاف أو أكثر بحسب مدة القرض. ومع كون هذه المعاملة من قبيل أكلِ الربا أضعافًا مضاعفةً إلَّا أن كثيرًا من الناس يرون فيها حلًّا سريعًا لمشكلة تأمين سكَنٍ أُسَرِيِّ مريحٍ، وتوفيرًا لقيمة الإيجارات التي تكون باهظة مع مرور الزمن. على أن القسط الذي قد يدفع شهريًا للبنك يعادل تقريبًا الإيجار السنوي الذي يدفع في حالة استئجار البيت، مع جملة مزايا اقتصادية ومالية متنوعة. والواقع الغربي لا يُدَاوِرُ في كون هذه المعاملة من الربا، ولا يتعسف تخريجاتٍ أو يتمحَّلُ تمحُّلاتٍ لِيُسِيغَها عند الجمهور؛ وإنما قد يقع هذا من بعض من قد يفتي للأقليات! ومن ذلك: قول د. غريب الجمال في كتابه: "المصارف والأعمال المصرفية في الشريعة الإسلامية": "وبالنسبة للمسلمين الذين يودعون أموالهم في المصارف -أي: الغربية الربوية- ويتركون أو يعيدون إليها ما استحقُّوه من فوائدَ، فإنه لا تَرَدُّدَ في الحكم بجواز أخذ هؤلاء المسلمين لتلك الفوائد، بل قد يكون أخذُهُمْ لها واجبًا إذا تيقن أنه يَلحق بالمسلمين ضرر في حالة تركها" (١). وقد سوَّغ بعض الفقهاء المعاصرين العملَ بهذه العقود وفقَ قيودٍ وضوابطَ وضعوها؛ اعتمادًا على ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ من جواز أخذ الربا من الحربيِّ في دار الحرب.

стр. 845

يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في "الفتاوي": "ونقول لهم من جهة أخرى: إذا أقام المسلم في غير دار الإسلام، فهل يدَّعونَ أن الله يأمره بأن يدفع لأهلها كلَّ ما يوجبه عليه قانونُ حكومتها من مال الربا وغيره -ولا مندوحة له عن ذلك- ويحرم عليه أن يأخذ منهم ما يعطونه إياه بحكم ذلك القانون من ربا وغيره برضاهم واختيارهم!! أعني: هل يعتقدون أن الله تعالى يوجب على المسلم أن يكون عليه الغُرْمُ من حيث يكون لغيره الغُنْمُ!! أي: يوجب عليه أن يكون مظلومًا مغبونًا". (١) وقال الشيخ مصطفى الزرقا ﵀: "لا بأس بأخذ قرض من البنك لقاءَ فائدةٍ لأجلِ شراءِ بيتٍ نتيجتُهُ تملُّكُ البيتِ في نهاية تسديد القرض مع فائدته". (٢) وتكييف هذه المسألة يتعلق من جهة ببحث المسألة من حيث انطباق حكم الربا عليها، ثم بحث أثر الحاجة العامة، أو الحاجة الشديدة في الترخيص في المحرمات القطعية، ومدى جواز استصدار فتيا عامة للأقليات في هذا الشأن بالإباحة أو الحِلِّ. وتُعتبر هذه النازلة من أكثر النوازل حضورًا في لقاءات العلماء بالغرب، ومراكز الفتيا لديهم هناك. تحرير محل النزاع: أولًا: انعقد الإجماع على حرمة ربا القروض والديون. قال ابن قدامة: "وكل قرض شُرِطَ فيه أن يزيده فهذا حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسْلِفَ إذا اشترط على المستسلف زيادةً أو هديةً فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا" (٣).
следующие страницы →