تحديد الأنصبة والمقادير" (١).
وبالجملة فإن الراجح جواز دفع شيء من الزكاة في مصرف المؤلفة قلوبهم عند الاقتضاء.
وإذا جاز هذا من أموال الزكاة المفروضة فجوازه في الصدقة المندوبة من باب الأولى.
قال ابن قدامة: "وكل من حرم عليه صدقةُ الفرض من الأغنياء، وقرابة المتصدق، والكافر وغيرهم يجوز دَفْعُ صدقةِ التطوع إليهم، ولهم أَخْذُهَا" (٢).
وقد قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨].
وقال سبحانه: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].
والأسير: "الحربي من أهل دار الحرب يُؤْخَذُ قهرًا بالغلبة، أو من أهل القبلة يُؤْخَذُ فيحبس بحقٍّ" (٣).
قال القرطبي: "ويكون إطعام الأسير الشرك قربةً إلى الله تعالى غير أنه من صدقة التطوع؛ فأما المفروضة فلا" (٤).
стр. 842
الفَصلُ الثَانِي
من نوازل المعاملات
المبحث الأول: حكم التمويل البنكي لشراء المساكن فى المجتمعات الغربية.
المبحث الثاني: أحكام عقود التأمين خارج ديار الإسلام.
стр. 843
المبحث الأول
حكم التمويل البنكي لشراء المساكن في المجتمعات الغربية
تصوير وتكييف المسألة:
التعامل بالربا مُجمع على تحريمه في كل شريعة منزلة، ومع هذا فقد وُجِدَ مَنْ يستبيحه ظلمًا وعدوانًا، قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١].
ولما استباح اليهود أخذ الربا من غير اليهود قالوا: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وقد ظلت القوانين في البلاد النصرانية تُحَرِّمُ الربا حتى جاءت الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ م، فأباحت ما يسمى بالفائدة على القروض في حدود معينة، ثم انتقلت هذه الإباحة إلى تقنين نابليون الصادر في ١٨٠٤ م، ليستمرَّ الأمر إلى يومنا هذا.
وعليه: فإن بلاد الأقليات اليوم قد قَنَّنَتِ التعاملَ بالربا وشرَّعته دينًا وقانونًا مُتَّبَعًا، مع ما فيه من استغلال فاحش لذوي الحاجات، وخرقٍ واضح للتكافل في المجتمعات، وعرقلةٍ جلية لمسيرة التنمية ومحاصرة لمجالات الاستثمار، وتسببٍ مباشر في الكوارث الاقتصادية الهائلة والأزمات المالية الخانقة، وما الأزمة المالية التي عَمَّتْ مؤخَّرًا الغربَ الأوروبي والأمريكي بأسره إلا دليل واضح على صحة هذه الآثار الوخيمة لربا البنوك والمصارف المعاصرة.
والمسلم الذي تَحْمِلُهُ ظروفه على الإقامة ببلاد غير المسلمين، وكذا الذي أسلم من أهل تلك الدار مأمورٌ باجتناب الربا كثيرِهِ وقليلِهِ، منهيٌّ عن الوقوع في ظاهرِهِ وخفيِّهِ.
стр. 844
ولا شك أن المسكن حاجة أساسية لكل إنسان، وتوفيره بشكل مناسب يحقق الأمان والاطمئنان.
وقد شاعت في المجتمعات الغربية اليوم ظاهرة شراء البيوت عن طريق التمويل البنكي، وذلك بأن يتقدَّمَ طالب الشراء إلى أحد البنوك ليقرضه قيمة البيت فيسددها، ثم يتقاضى البنك منه هذا القرضَ أقساطًا شهرية يتقاضى عنها فوائدَ ربوبية؛ بحيث إنه قد يتضاعف المبلغ في نهاية المدة إلى ثلاثة أضعاف أو أكثر بحسب مدة القرض.
ومع كون هذه المعاملة من قبيل أكلِ الربا أضعافًا مضاعفةً إلَّا أن كثيرًا من الناس يرون فيها حلًّا سريعًا لمشكلة تأمين سكَنٍ أُسَرِيِّ مريحٍ، وتوفيرًا لقيمة الإيجارات التي تكون باهظة مع مرور الزمن.
على أن القسط الذي قد يدفع شهريًا للبنك يعادل تقريبًا الإيجار السنوي الذي يدفع في حالة استئجار البيت، مع جملة مزايا اقتصادية ومالية متنوعة.
والواقع الغربي لا يُدَاوِرُ في كون هذه المعاملة من الربا، ولا يتعسف تخريجاتٍ أو يتمحَّلُ تمحُّلاتٍ لِيُسِيغَها عند الجمهور؛ وإنما قد يقع هذا من بعض من قد يفتي للأقليات!
ومن ذلك: قول د. غريب الجمال في كتابه: "المصارف والأعمال المصرفية في الشريعة الإسلامية": "وبالنسبة للمسلمين الذين يودعون أموالهم في المصارف -أي: الغربية الربوية- ويتركون أو يعيدون إليها ما استحقُّوه من فوائدَ، فإنه لا تَرَدُّدَ في الحكم بجواز أخذ هؤلاء المسلمين لتلك الفوائد، بل قد يكون أخذُهُمْ لها واجبًا إذا تيقن أنه يَلحق بالمسلمين ضرر في حالة تركها" (١).
وقد سوَّغ بعض الفقهاء المعاصرين العملَ بهذه العقود وفقَ قيودٍ وضوابطَ وضعوها؛ اعتمادًا على ما ذهب إليه أبو حنيفة ﵀ من جواز أخذ الربا من الحربيِّ في دار الحرب.
стр. 845
يقول الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ في "الفتاوي": "ونقول لهم من جهة أخرى: إذا أقام المسلم في غير دار الإسلام، فهل يدَّعونَ أن الله يأمره بأن يدفع لأهلها كلَّ ما يوجبه عليه قانونُ حكومتها من مال الربا وغيره -ولا مندوحة له عن ذلك- ويحرم عليه أن يأخذ منهم ما يعطونه إياه بحكم ذلك القانون من ربا وغيره برضاهم واختيارهم!! أعني: هل يعتقدون أن الله تعالى يوجب على المسلم أن يكون عليه الغُرْمُ من حيث يكون لغيره الغُنْمُ!! أي: يوجب عليه أن يكون مظلومًا مغبونًا". (١)
وقال الشيخ مصطفى الزرقا ﵀: "لا بأس بأخذ قرض من البنك لقاءَ فائدةٍ لأجلِ شراءِ بيتٍ نتيجتُهُ تملُّكُ البيتِ في نهاية تسديد القرض مع فائدته". (٢)
وتكييف هذه المسألة يتعلق من جهة ببحث المسألة من حيث انطباق حكم الربا عليها، ثم بحث أثر الحاجة العامة، أو الحاجة الشديدة في الترخيص في المحرمات القطعية، ومدى جواز استصدار فتيا عامة للأقليات في هذا الشأن بالإباحة أو الحِلِّ.
وتُعتبر هذه النازلة من أكثر النوازل حضورًا في لقاءات العلماء بالغرب، ومراكز الفتيا لديهم هناك.
تحرير محل النزاع:
أولًا: انعقد الإجماع على حرمة ربا القروض والديون.
قال ابن قدامة: "وكل قرض شُرِطَ فيه أن يزيده فهذا حرام بغير خلاف، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المُسْلِفَ إذا اشترط على المستسلف زيادةً أو هديةً فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا" (٣).
стр. 846
وقال الشوكاني: "وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقًا" (١).
ثانيًا: وقد اتفقوا -أيضًا- على حرمة الربا مطلقًا بين المسلم وغيره في دار الإسلام؛ بل إن الفقهاء نصُّوا على منع المستأمَنين والذميين من التعامل بالربا فيما بينهم في دار الإسلام باتِّفاق.
يقول السرخسي: "فإن دخل تجارُ أهلِ الحرب دارَ الإسلام بأمان، فاشترى أحدهم من صاحبه درهمًا بدرهمين، لم أُجِزْ من ذلك إلا ما أُجيزه بين أهل الإسلام، وكذلك أهل الذمة إذا فعلوا ذلك؛ لأن مال كل واحد منهم معصوم متقوم ولا يتملكه صاحبه إلا بجهة العقد، وحرمة الربا ثابتة في حقِّهم، وهو مستثنًى من العهد؛ فإن النبي ﷺ كتب إلى نصارى نجران: "إلا من أربى؛ فليس بيننا وبينه عهد" (٢) وكتب إلى مجوس هجر: "إمَّا أن تَدَعُوا الربا أو تأذنوا بحرب من الله ورسوله" فالتعرض لهم في ذلك بالمنع لا يكون غدرًا بالأمان؛ وهذا لأنه ثبت عندنا أنهم نُهُوا عن الربا، قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْه﴾ [النساء: ١٦١] فمباشرتهم ذلك لا تكون عن تدين؛ بل لفسق في الاعتقاد والتعاطي، فَيُمْنَعُون من ذلك، كما يُمْنَعُ المسلم" (٣).
ثالثًا: اتفق الفقهاء -أيضًا- على أنه إذا دخل المسلم في دار الحرب بأمان من أهلها فلا يجوز له أن يعطي الربا فيها للحربي.
стр. 847
والخلاف بينهم جارٍ فيما يأخذه المسلم من الحربي من الربا في دار الحرب بعدما دخلَها بأمان، فالجمهور على حرمته، ولأبي حنيفة وبعض الفقهاء قول بالجواز.
رابعًا: فيما يتعلق بخصوص النازلة فإن القائلين بجواز هذا التعامل قد أقروا بانطباق حَدِّ القرض الربوي عليه.
وجاء في البيان الختامي لرابطة علماء الشريعة الذي عقد بالولايات المتحدة الأمريكية ما يلي:
"إن الطريقة المتاحة حاليًا لتملك السكن عن طريق التسهيلات البنكية بسداد الثمن إلى البائع وتقسيطه على المشتري هو في الأصل من الربا، ولا يجوز للمسلم الإقدام عليه إذا وجد بديلًا شرعيًّا يسدُّ حاجته، كالتعاقد مع شركة تقدِّمُ تمويلًا على أساس بيع الأجل، أو المرابحة، أو المشاركة المتناقصة، أو غيرها" (١).
ومثل هذا الكلام صدر عن البيان الختامي للدورة الثانية للمجلس الأوروبي للإفتاء (٢).
إلا أن كِلَا البيانين وَرَدَ فيه تسويغ هذا العمل بناءً على مرتكزات فقهية وواقعية.
فأمَّا بيان رابطة علماء الشريعة فقد جاء في مسوغات إباحة هذا التعاقد:
"إذا لم يوجد أحد البدائل المشروعة، وأراد المسلم أن يتملك بيتًا بطريقة التسهيلات البنكية، فقد ذهب أكثر المشاركين إلى جواز التملك للمسكن عن طريق التسهيلات البنكية؛ للحاجة التي تُنَزَّلُ منزلةَ الضرورة، أي: لا بد أن يتوافر هذان السببان:
- أن يكون المسلم خارجَ دارِ الإسلام.
- وأن تتحقق فيه الحاجة لعامة المقيمين في خارج البلاد الإسلامية؛ لدفع المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والدينية، وتحقيق المصالح التي تقتضيها
стр. 848
المحافظة على الدين والشخصية الإسلامية على أن يقتصر على بيت للسكن الذي يحتاج إليه، وليس للتجارة، أو الاستثمار. . . " (١).
وجاء في بيان المجلس الأوروبي للإفتاء: "وإذا لم يكن هذا ولا ذاك مُيَسَّرًا في الوقت الحاضر، فإن المجلس -في ضوء الأدلة والقواعد والاعتبارات الشرعية- لا يرى بأسًا من اللجوء إلى هذه الوسيلة، وهي القرض الربوي لشراء بيت يحتاج إليه المسلم لسكناه هو وأسرته، بشرط ألا يكون لديه بيت آخر يغنيه، وأن يكون هو مسكنه الأساسي، وألا يكون عنده من فائض المال ما يُمَكِّنُهُ من شرائه بغير هذه الوسيلة" (٢).
وعليه: فإن النزاع دائرٌ حول حِلِّ الاقتراض الربوي من البنوك للحاجة إليه في شراء المساكن للمقيمين ببلاد الغرب، وذلك بعد التسليم بحرمة الاقتراض الربوي من غير اضطرار إليه.
وبعبارة أدق: فإن النزاع هو في جواز إصدار فتيا عامة، وليست خاصة بمستفتٍ بعينه بِحِلِّ الاقتراض الربوي من البنوك الغربية؛ تلبيةً لحاجة المسلمين المقيمين بتلك الديار.
سبب الخلاف:
ما روي عنه ﷺ من قوله: "لا ربا بين المسلم والحربيِّ في دار الحرب" (٣).
وهو ما اسْتُفِيدَ منه جوازُ التعامل مع الحربي في دار الحرب بالربا، والعقود الفاسدة؛ حيث إن الأصلَ في أموال الحربيين الحِلُّ.
وكذا ما تَقَعَّدَ عند الفقهاء والأصوليين من تنزيل الحاجاتِ منزلةَ الضروراتِ في إباحة المحظورات.
стр. 849
وعليه: فإن المعاملة جائزة من حيث الأصل عند مَنْ أَخَذَ بالرواية الآنفة، وهي محرمة من حيث الأصل عند مَنْ أَخَذَ بالتقعيد الفقهي أو الأصولي.
وما ذهب إليه الأولون لا يمتدُّ الجوازُ فيه ليشملَ دارَ الإسلام، بينما ما ذهب إليه الآخرون يمتدُّ ليشمل دارَ الحرب ودارَ الإسلام على حدٍّ سواء.
الأقوال وأصحابها:
القول الأول: يجوزُ الاقتراض بالربا لشراء المساكن عند الحاجة، وتَعَذُر البديل الشرعي للمسلمين المقيمين ببلاد الغرب:
وهو قول الشيخ محمد رشيد رضا (١) ﵀ وأفتت به الهيئة العامة للفتوى بالكويت (لجنة الأمور العامة) المكونة من الشيخ بدر المتولي عبد الباسط ﵀، والدكتور محمد سليمان الأشقر ﵀، والدكتور محمد فوزي فيض الله، والدكتور خالد المذكور، والدكتور عبد الستار أبي غدة (٢).
وأفتى به أيضًا الشيخ مصطفى الزرقا ﵀ (٣)، والشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (٤).
وبه أفتى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في دورته الرابعة المنعقدة في مدينة دبلن بجمهورية أيرلندا في شهر رجب سنة ١٤٢٠ هـ الموافق أكتوبر سنة ١٩٩٩ م.
وكذا رابطة علماء الشريعة في أمريكا الشمالية في بيان المؤتمر المنعقد في الفترة من ١٠ - ١٣ من شعبان سنة ١٤٢٠ هـ، الموافق ١٩ - ٢٢ من نوفمبر سنة ١٩٩٩ م.
وهو قول مبنيٌّ على جواز أخذ المسلم الربا من الحربيِّ في دار الحرب إذا دخلها بغير أمان.
стр. 850
وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيبانيِّ، والثوريِّ والنخعيِّ، وعبد الملك بن حبيب، ورواية عن أحمد (١)، ونقل عنه أنه قال: "لا يحرم الربا في دار الحرب"، وقيل: إنه قول ابن تيمية (٢).
قال الزيلعي: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" (٣).
وقال المجد ابن تيمية: "الربا محرَّمٌ في دار الإسلام والحرب، إلا بين مسلم وحربيٍّ لا أمان بينهما" (٤).
وقال ابن مفلح -بعد أن ذكر إباحة التعامل بالربا بين المسلم والحربي معللًا-: "لأن أموالهم مباحة، وإنما حظَرَهَا الأمانُ في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحًا" (٥).
القول الثاني: يَحْرُمُ على المسلمين ببلاد الغرب الاقتراض بالربا لشراء المساكن عند الحاجة .
وهو قول أكثر العلماء، وصدرت به فتاوي عدة مجامع فقهية، كما في فتوى مجمع الفقه الإسلاميِّ التابع لمنظمة المؤتمر الإسلاميِّ بجدة في المؤتمر السادس سنة ١٤١٠ هـ الموافق ١٩٩٠ م (٦)، وفتوى مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا، في دورة مؤتمره الثاني بكوبنهاجن بالدانمرك، من ٤ - ٧ جمادى الأولى ١٤٢٥ هـ الموافق ٢٢ - ٢٥ يونيو ٢٠٠٤ م (٧).
الأدلة والمناقشات:
стр. 851
أدلة القول الأول: من السنة، والقواعد، والمعقول:
أولًا: السنة المطهرة:
١ - ما روى مكحول مرسلًا عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ربا بين المسلم والحربي في دار الحرب" (١).
وجه الدلالة:
دلت الرواية على رفع الحرمة عند التعامل بالربا في دار الحرب خاصة (٢).
٢ - حديث جابر ﵁ في حجة النبي ﷺ وخطبة الوداع، وفيه: ". . . وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا؛ ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله" (٣).
وجه الدلالة:
وهو يدل على أن العباس بعدما أسلم رجع إلى مكة -وكانت وقتئذٍ دارَ حربٍ- وكان يُرْبِي فيها بعد نزول التحريم إلى زمن الفتح، فدلَّ على أنه لا ربا بين السلم والحربي في دار الحرب، ولو لم يكن ذلك لوجب أن يكون ربا العباس موضوعًا من يومِ أسلمَ (٤).
قال الطحاوي: ففي ذلك ما قد دلَّ على أن الربا كان حلالًا فيما بين المسلمين والمشركين بمكة، لما كانت دارَ حربٍ، وهو حينئذٍ حرام بين المسلمين في دار الإسلام، وفي ذلك ما قد دلَّ على إباحة الربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب (٥).
قال السرخسي: "هذا الحديث يدلُّ على جواز الربا في دار الحرب بين المسلم
стр. 852
والحربي" (١).
٣ - حديث ركانة، وفيه: أن النبي ﷺ لقيه بأعلى مكةَ فقال له ركانة: هل تصارعني؟
فصارعه النبي ﷺ فأخذ شاةً، ثم عاوده، فأسلم الرجل وردَّ عليه رسول الله ﷺ غنمه تكرُّمًا عليه (٢).
٤ - ما نُقِلَ من مقامرة الصديق للمشركين قبل الهجرة على نصر الروم على الفرس، وأقرَّهُ النبي ﷺ على ذلك (٣).
وجه الدلالة:
وهما يدلان على جواز أكل أموال الحربيين بأي وجه كان، بشرط تحقُّقِ رضاهم به (٤).
ثانيًا: القواعد:
١ - قاعدة: تنزيلُ الحاجةِ منزلةَ الضرورةِ (٥):
لا شك أن الحاجة إلى السكن حاجة ماسة، وإباحة هذه المعاملة يرفع حرجًا كبيرًا، ويقضى حاجة عامة، ويدفع مفاسدَ واقعةً ومتوقعة.
٢ - قاعدة: ما حُرِّمَ سدًّا للذريعة أُبِيحَ للحاجة (٦)، أمَّا ما حُرِّمَ لذاته فلا تُحِلُّهُ إلَّا الضروراتُ:
стр. 853
والمحرم لذاته هو أكل الربا، أما إيكالُهُ أو كتابتُهُ ونحوه فهو محرَّمٌ سدًّا للذريعة؛ لذا تبيحه الحاجةُ.
٣ - قاعدة: النظر إلى المآلات، ومراعاة نتائج التصرفات (١):
لا شك أن هناك مصلحةً كبيرةً في تملك البيوت، وتحصيل منافع مالية واجتماعية كبيرة، لتخفيض الضرائب، وتقوية المراكز المالية للمسلمين، وتخير المناطق الجيدة في السكنى، والقرب من المساجد والمراكز الإسلامية، وغير ذلك.
٤ - قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات (٢):
هذه الحال القائمة في بلاد الأقليات تُمَثِّلُ ضرورةً ملجِئةً تستوجب إباحة إعطاء الربا في ديار غير المسلمين؛ حيث إن كثيرًا من هؤلاء يقيمون في الغرب بصفة اضطرارية، ولا يستطيعون العودة إلى بلادهم في ظلِّ ما قد يجدونه من اضطهاد، أو تضييق.
ثالثًا: المعقول:
١ - الأقليات تمرُّ بظروف استثنائية وطارئة، ويحتاجون إلى التجمع وبناء كيان يحفظ دينهم وهويتهم، وهو أمر يستوجب ترخيصًا وتيسيرًا.
٢ - المسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود الفاسدة في ديار الكفر؛ فإن ذلك سيؤدي إلى أن يكون التزامه بدينه سببًا لضعفه اقتصاديًّا وخسارته ماليًّا، والمفروض أن الإسلام يقوي المسلمَ ولا يُضْعِفُهُ، وينفعُهُ ولا يضرُّهُ، وقد احتج بعض علماء السلف على جواز توريث المسلم من غير المسلم من غير عكس بحديث: "الإسلام يعلو ولا يُعلى" (٣).
стр. 854
والمسلم إذا لم يتعامل بهذه العقود التي يتراضونها بينهم، سَيُضطر إلى أن يعطي ما يُطْلَبُ منه، ولا يأخذُ مقابِلَهُ، فهو ينفذ هذه القوانين والعقود فيما يكون عليه من مغارِمَ، ولا ينفِّذُها فيما يكون له من مغانِمَ، فعليه الغُرْمُ دائمًا، وليس له الغُنْمُ، وبهذا يظلُّ المسلم أبدًا مظلومًا ماليًّا بسبب التزامه بدينه، ولا ريبَ أن الإسلام لا يَقْصِدُ إلى بخسِ المسلم ولا يرضى له بالدُّونِ.
٣ - أن السلم غير مكلَّفٍ بإقامة أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العام في مجتمع لا يدين بالإسلام؛ لأن هذا ليس في وسعه، ولا يكلِّفُ الله نفسًا إلا وسعها، والربا من الأمور التي تتعلق بهوية المجتمع وثقافته وتوجُّهِهِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ؛ وإنما يُطَالَبُ المسلم بإقامة الأحكام التي تخصُّهُ فردًا، مثل: أحكام العبادات، والأطعمة، واللباس، والأحوال الشخصية، ونحوها.
٤ - أن تَحَمُّلَ تبعاتِ الدعوة في بلاد الغرب يتطلب صفاءَ الذهنِ والاستقرارَ النفسيَّ، وهذا لا يتأتَّى -في الغالب- إلا إذا اختار المرء لنفسه مسكنًا، واختار موقعًا مناسبًا له، وهذا لا يُتَاحُ عند البحث عن مسكنٍ للأجرة غالبًا.
فمستوى الخدمات -عمومًا- في أماكن التملك أفضل بكثير من أماكن الأجرة.
ثم إن تملك المساكن يعطي حريةً أكبر للأسرة المسلمة في إقامة شعائرها بحرية، وفي التحرك والضيافة، وخاصة مع كثرة الأولاد، والذين يحتاجون إلى أماكن للعبهم وحركاتهم، التي إن لم يتوفر لها مكان مناسب فإنها تضايق الجيران، وتسبب نظرة مسيئة إلى المسلمين، قد تنتهي إلى شكاوى أمنية تُزَعْزِعُ الاستقرارَ وتلجئُ المسلمَ إلى البحث مجددًا عن مسكنٍ آخرَ يؤجره، وتترتب عليه في الغالب نفسُ الإشكالات، وهو أمر يفضي إلى الترخيص نظرًا لشدته.
٥ - أموال الحربيين في ديارهم مباحةٌ لمن حازها من المسلمين، ما لم يكن هناك غدر أو خيانة؛
стр. 855
لأن المسلم إذا دخل دارهم بأمان لا يكون خائنًا أبدًا، أما إذا أخذ مالهم برضاهم ولو بصورة العقود الفاسدة المحرمة -كالربا- فلا مانع منه؛ جريًا على أصل إباحتها.
٦ - بالقياس على قسمة الإرث في الجاهلية وإمضائها ولو خالفت حكم الإسلام؛ لحديث: "أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية" (١).
مناقشة أدلة القول الأول:
أولًا: مناقشة أدلة السنة:
١ - مرسل مكحول: هذا المرسل ضعيف متفق على رَدِّهِ بين أهل العلم بالحديث والفقه معًا؛ قال الشافعي ﵀: "وما احتج به أبو يوسف لأبي حنيفة ليس بثابت فلا حجة فيه" (٢).
وقال الزيلعي الحنفي ﵀ (٣): "غريب" (٤)، أي: لا أصل له.
وقال النووي ﵀: "مرسل ضعيف فلا حجة فيه، ولو صح لتأولناه على أن معناه: لا يباح الربا في دار الحرب؛ جمعًا بين الأدلة" (٥).
وقال العيني ﵀ في البناية: "هذا حديث غريب ليس له أصل مسند" (٦).
وقال ابن قدامة ﵀: "وخبرهم مرسل لا نعرف صحته، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك، ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة، وانعقد الاجماع
стр. 856
على تحريمه بخبر مجهول لم يَرِدْ في صحيح ولا مسندٍ ولا كتابٍ موثوقٍ به" (١).
وعلى فرض ثبوته؛ فإنه يحتمل النهي، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال إذا كان صحيحًا؛ فكيف إذا كان ضعيفًا لا تقوم به الحجة وكان محتملًا؟ وكيف يُقَدَّمُ على الأدلة القطعية، ولا يجمع بينهما؟
قال السبكي: "واعتضد هذا الاحتمال بالعمومات" (٢).
٢ - حديث ربا العباس: وأما استشهادهم بعدم رَدِّ النبي ﷺ لربا العباس إلا يوم فتح مكة رغم أنه كان مسلمًا من قبلُ بمكةَ، وكان تحريم الربا يومَ خيبر، ولم يرد ما كان منه ربا؛ لأن مكة كانت دار حرب إلى أن صارت دار إسلام بفتحها؛ ففيه نظر، بل هو ضعيف؛ وذلك لأمور (٣):
أ - لو سُلِّمَ أن العباس كان يتعامل بالربا في مكة؛ لأنها كانت دار حرب، فكيف يُفسَّر استمراره على التعامل به بعد فتح مكة وصيرورتها دارَ إسلام منذ السنة الثامنة من الهجرة وحتى خطبة الوداع في السنة العاشرة؟!
ب - أنه يحتمل أن يكون المراد ما كان له من ربا قبل تحريم الربا، أو قبل إسلام العباس؛ إذ ليس هناك ما يدل على استمراره في التعامل إلى ما بعد إسلامه.
ج - أنها واقعةُ عينٍ لا عمومَ لها؛ ولعل ذلك لأمورٍ خاصة بإقامة العباس بمكة، وهي دارُ كفرٍ يومئذٍ، وقد أباح النبي ﷺ لعمِّهِ العباسِ ﵁ ما هو أعظم من ذلك
стр. 857
كإظهار الشرك في مكة أمام المشركين.
د - ولو سلم استمرار العباس على التعامل بالربا؛ فقد لا يكون عالمًا بالتحريم؛ لإقامته بمكة بعيدًا عن مهبط الوحي بالمدينة.
هـ - أن يكون الربا الذي كان العباس يتعامل به هو ربا الفضل، وليس ربا النسيئة الذي استفاض تحريمه؛ إذ إن ربا الفضل حُرِّمَ بالسُّنة، ولم يكن تحريمه شائعًا بين الصحابة كلِّهم، بل إن ابن عباس ﵄ حبر الأمة والذي كان من ألصق الناس برسول الله ﷺ كان لا يرى تحريمه.
و- أن يكون تحريم الربا لم يكن قد استقرَّ يومئذٍ حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وذلك بعد إسلام ثقيف سنة تِسعٍ من الهجرة، أي: قبيل حجة الوداع، فكان تعامل العباس ﵁ قبل إحكام تحريم الربا، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تحريم الربا كان على سبيل التدرج، وأنَّ آخر آيات تحريمه نزولًا آياتُ سورةِ البقرة، وهي التي نصَّت نصًّا قاطعًا على تحريم كل زيادة على رأس المال، بل وَرَدَ أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن الكريم، كما خرجه البخاري عن ابن عباس ﵄ (١) وابن ماجه عن عمر ﵁ (٢).
ثم إنه لم يُنْقَلْ قطُّ عن أحدٍ من الصحابة ﵃ التعاملُ بالربا في بلاد الكفار، ولو فَهِمَ أحدٌ منهم ذلك لَنُقِلَ؛ فدلَّ عدمُ النقل على عدم دلالة هذا الحديث على الجواز.
٣ - وأما استدلالهم بمصارعته ﷺ لركانة وبمراهنة أبي بكر ﵁ للمشركين على ظهور الروم على فارس، وإقرار النبي ﵁ لذلك؛ فعنه أجوبة:
стр. 858
أ - أنَّ هذا كان في أول الأمر، ثم نُسِخَ بتحريم الميسر، وقد جاء في بعض طرق الحديث: "لا سبق إلا في خفٍّ أو نصل أو حافر" (١).
ب - أنَّ هذا من الرهان الجائز الذي فيه مصلحة ظهور الإسلام وأدلته وبراهينه؛ بل هو أولى بالجواز من الرهان على الخيل والإبل والنصل.
ج - عدم التسليم بإقرار النبي ﷺ لهذا التعامل، ففي بعض روايات الحديث أن النبي ﷺ لما جاءه أبو بكرٍ بالمال أَمَرَهُ أن يتصدق به (٢)، وقد استدل بظاهر هذا على أنه لو كان طيبًا لما أمره بالتصدق به.
ثانيًا: مناقشة أدلة القواعد:
وهي قواعد: الضرورات تبيح المحظورات، وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة، وما حُرِّمَ سدًّا للذريعة أُبِيحَ للحاجة (٣).
١ - قاعدة: الضرورات تبيح المحظورات: يقال في الرد على الاستدلال بهذه القاعدة:
أ - إنه لا يُسَلَّمُ تحقُّقُ الضرورة إلى الشراء، وإنما تحقق الضرورة إلى الحيازة بالسكنى، وهذا يتحقق بالإيجار؛ إذ ليس في الشرع أو الواقع ما يجعل التملك ضرورة، وأكثر الناس يستأجرون ولا يتملكون! فالضرورة تتحقق بفقد المسكن، وليس بعدم شرائه وتملكه (٤).
ويمكن اعتبار قاعدة الضرورات تبيح المحظورات في هذه المسألة إذا لم يكن المقيم
стр. 859
بتلك الديار قادرًا على حيازة سكن إلا بالتملك، ثم لم يجد وسيلة للتملك إلا بالاقتراض الربوي، هنا، وهنا فقط يصح القول بالاضطرار؛ إذ الضرورة شدة وضيق في المرتبة القصوى، وأما الحاجة فمشقتها متوسطة.
ب- أنَّ قاعدة الضرورات تبيح المحظورات وإن كانت مقررة مُسَلَّمة؛ إلا أن لتطبيقها شروطًا، منها:
١ - أن تتحقَّقَ الضرورة بالفعل، أو تُتَوَقَّعَ بالظن الغالب، ولا يكونَ ذلك مجرد دعوى، وُيرْجَعَ في ذلك إلى أهل العلم والبصيرة ممن لا يتبعون الهوى.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
فاشْتُرِطَ عدمُ الأخذِ بحكمِ الضرورة في غير حال الضرورة، وعدم تعدي قدرها؛ إذ الضرورة تُقَدَّرُ بقدرها باتفاق أهل العلم.
٢ - عدم وجود البدائل المباحة إطلاقًا مع استفراغ الوسع في تحصيلها.
٣ - ألا يصبح المباح للضرورة أصلًا وقاعدةً؛ بل هو استثناء يزول بزوال الضرورة.
٤ - أن تكون متفقة مع مقاصد الشارع فتزال ضرورة حفظ الدين، ثم حفظ النفس، ثم العقل، ثم النسل، ثم المال.
ويُنْظَرُ في المصلحة المترتبة على الأخذ بالضرورة، فإن كانت ملغاة فلا عبرة بها.
٥ - ألا تؤدي إزالة ضرورة ما إلى وقوع ضرر أكبر منها، فيشترط ألا يكون المحظورُ أعظمَ من الضرورة؛ وإلَّا تعيَّنَ درءُ المفسدة الأعلى باحتمال الأدنى (١).
стр. 860
وجُلُّ هذه الشروط لا ينطبق على النازلة محل البحث.
٢ - قاعدة: تنزيل الحاجة منزلة الضرورة:
سبق عند الحديث التأصيلي دراسةٌ لهذه القاعدة، وبيانٌ بأن وضعَهَا قاعدةً فقهية أحدثَ ارتباكًا عند بعض الباحثين؛ حيث أباحوا بالحاجة دون استفصال، ودون نظر في شروط الاستصلاح، أو الاستحسان.
ولم يتنبهوا إلى أن الحاجة لا تؤثر فيما ثبت النهي عنه بأدلة قوية، بحيث تعتبر في مرتبة قوية من مراتب النهي، فلا تؤثر في تحليل الخمر والميتة والدم، وإنما تؤثر في عموم ضعيف كثرت أفراده وتناوله التخصيص، وفي مرتبة المنهيات التي لا توصف بأنها في أعلى درجات المنهيات.
فالمحرمات القطعية لا تبيحها إلا الضرورةُ الشرعية الخاصة.
ومرتبة الربا أشد من مرتبة الغرر في البيوع، أو الميسر ونحوه.
والفقهاء لم يمثلوا لقاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة بمحرمات قطعية كالزنا والربا والقتل، ونحو ذلك، مما عُلِمَ تحريمه بالضرورة من دين الإسلام، وإنما في الغالب يمثلون لها بعقود مشروعة، ويرون أنَّ مشروعيتها كانت على خلاف القياس رعايةً لجانب الحاجة كالإجارة والجعالة والسَّلَمِ والاستصناع، مع أنَّ بعض أهل العلم نازع في كون هذه العقود على خلاف القياس ابتداءً (١).
وقد تحفَّظَ الشيخ ابن بيه -وهو من القائلين بالجواز- على إطلاق القول بأن الحاجة وحدها تكفي في إباحة هذا التعامل، حيث قال: "والحقيقة: أن الحاجة لا تكفي في إباحة الربا، وإنما تعتمد الفتوى على قول العلماء القائلين بهذا مرجحًا بأصلٍ عامٍّ
стр. 861
شهد الشرع باعتباره، وهو الحاجة والتيسير" (١).
ومن هنا جاءت فروق بين الضرورة والحاجة في المشقة، ورتبة النهي، والدليل الذي يرفع حكمه بالضرورة، أو الحاجة (٢).
وقد تُستعمَلُ قاعدة الحاجات هذه ها هنا أيضًا فتحدث شيئًا من التوسعة التي إن فاتت حصل عنتٌ ومشقة ظاهرانِ بالغانِ، فَيُرَخَّصُ للإنسان في شيء من التوسع من غير ترفهٍ، ولا تنعُّمٍ، ولا خروجٍ عن حدِّ الحاجة التي يؤدي تركها إلى ضرر في الحال، أو المآل، وهذا المعنى قرره إمام الحرمين الجويني: بجلاءٍ، فقال:
"لسنا نعني بالحاجة تَشَوُّفَ الناس إلى الطعام وتشوُّقَهَا إليه فربَّ مشتهٍ لشيء لا يضره الانكفافُ عنه، فلا معتبر بالتشهي والتشوق، فالمرعيُّ إذن دفع الضرار، واستمرار الناس على ما يُقيم قُواهم".
ثم قرر ﵀ "أن الناس يأخذون ما لو تركوه لتضرروا في الحال، أو في المآل، والضرار الذي ذكرناه في أدراج الكلام عنينا به: ما يُتَوَقَّعُ معه فسادُ البنية أو ضعف يصدُّ عن التصرف والتقلب في أمور المعاش".
ثم قال: "فإن قيل: هلَّا جعلتم المعتبرَ في الفصل ما ينتفِعُ به المتناول؟ "
"قلنا: هذا سؤال عمَّ عن مسالك المراشد؛ فإنا إذا أقمنا الحاجة العامة في حقِّ الناس كافَّةً مقامَ الضرورة في حقِّ الواحد في استباحة ما هو محرَّمٌ عند فرض الاختيار؛ فمن الحال أن يسوغَ الازدياد من الحرام انتفاعًا وتَرَفُّهًا وتَنَعُّمًا، فهذا منتهى البيان في هذا الشأن" (٣).
وفرضُ المسألة كما ذكره: أن يَعُمَّ الحرامُ الأرضَ وتفسد المكاسب كلها، ولا يجد
стр. 862
الناس إلى طلب الحلال سبيلًا، فهل يقف الناس حينئذٍ عند حدود سدِّ الرمق ودفع غائلة الموت، أم لهم أن يأخذوا منه قدرَ الحاجة؟ وبيَّن أن الثاني هو الذي لا مفرَّ منه.
ثم تحدَّثَ: عن المساكن بصفة خاصة، وقرَّرَ أنَّ مسكن الرجل من أظهر ما تمسُّ إليه حاجته، ولا غناء به عنه، لكنه لم يترك الباب مشرعًا، بل بين أن الترخص في استباحة المحرم لتحصيله له شروط وضوابط، فقال:
"وهذا الفصل مفروضٌ فيه إذا عَمَّ التحريم ولم يجد أهل الأصقاع والبقاع متحَوَّلًا عن ديارهم إلى مواضعَ مباحةٍ ولم يستمكنوا من إحياءِ مواتٍ وإنشاءِ مساكنَ سوى ما هم ساكنوها" (١).
ثم قال: "ثم يتعين الاكتفاء بقدر الحاجة ويحرم ما يتعلق بالترف والتنعم" (٢).
ثم يؤكد ما سبق ذكره قائلًا: "ومما يتعلق بتتمة البيان في ذلك أنَّ جميع ما ذكرناه فيه إذا عمَّتِ المحرماتُ وانحسرتِ الطرقُ إلى الحلال، فأمَّا إذا تمكَّنَ الناس من تحصيل ما يَحِلُّ فيتعين عليهم تركُ الحرام واحتمالُ الكل في كسب ما يَحِلُّ، وهذا إذا كان ما يتمكنون منه مغنيًا كافيًا، دارئًا للضرورات، سادًّا للحاجة، فأمَّا إذا كان لا يسدُّ الحاجة العامة، ولكنه يأخذ مأخذًا أو يسدُّ مسدًّا فيجب الاعتناء بتحصيله، ثم بقية الحاجة تُتَدَارَكُ بما لا يَحِلُّ على التفصيل المتقدِّمِ.
فإن قيل: ما ذكرتموه فيه إذا طبقت المحرمات طبق الأرض، واستوعب الحرامُ طبقاتِ الأنام، فما القول فيه إذا اختصَّ ذلك بناحيةٍ من النواحي؟
قلنا: إن تمكَّنَ أهلُهَا من الانتقال إلى مواضعَ يقتدرون فيها على تحصيلِ الحلال تعيَّنَ
стр. 863
ذلك، فإن تعذَّرَ ذلك عليهم وهم جَمٌّ غفيرٌ وعددٌ كبيرٌ، ولو اقتصروا على سدِّ الرمق وانتظروا انقضاء أوقات الضرورات لانقطعوا عن مطالبهم، فالقول فيهم كالقول في الناس كافَّةً فليأخذوا أقدارَ حاجاتِهِمْ كما فصلناها. . . (١).
وقال: "ثم المحجور عليه المفلس يترك عليه دست ثوب يليق بمنصبه، ويكتفي بأقل المنازل مع رعاية منصبه؛ فالوجه أن نقول: إذا عمَّ التحريم اكتفى كلٌّ بما يترك عليه من الثياب لو حجر عليه".
وقَدَّرَ ﵀ سؤالًا، وهو:
"لم لا يترك على المفلس مسكنه، ويتعين عليه أن يكتفي بأقل المنازل مع رعاية منصبه؟
ثم قال: قلنا: سبب ذلك أنَّه في الغالب يجد كنًّا بأجرة نزرة فليكتفِ بذلك" (٢).
فأين هذا من الترفُّهِ لتحصيل ميزات المسكن المملوك عن المستأجر، كما هو واقع الأمر في هذه النازلة؟!
ثم إنه لا بد من التمييز بين مرتبة الحاجيات، والتحسينات في تحقيق المصالح؛ فإن
الحاجة هي ما يؤدي فواتُهَا إلى العنت والمشقة، وهي كما يقول العلامة الشاطبي:
"ما يُفْتَقَرُ إليه من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوات المطلوب، فإذا لم تُرَاعَ دخل على المكلفين على الجملة الحرجُ والمشقةُ؛ ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة" (٣).
وأما مرتبة التحسينات فهي -كما يقول الشاطبي-:
"الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنُّبِ الأحوال المدنسات التي تأنفها
стр. 864
العقول الراجحات" (١).
وغالبُ ما ذكره المبيحون من مزايا ومنافع التملك الربوي للبيوت لا يصلح مبررًا للترخص؛ إذ هو من مراتب التحسينات، وهي لا تنزل منزلةَ الضرورات في إباحة المحظورات باتفاقٍ.
- وحول التفريق بين تحقُّقِ الحاجة أو الضرورة على مستوى الفرد، وتحقُّقِهَا على مستوى الجماعة، فقد تتحققُ الحاجة على المستوى الفردي؛ لانعدام البديل المشروع الذي تندفع به هذه الحاجة، ولكن يَعْسُرُ تبني نفس المقولة على مستوى الجماعة إذا كان في مقدورهم السعيُ للخروج من حالة الضرورة، أو الحاجة؛ لكنهم يتقاعسون عن ذلك ويتخاذلون، وحينئذٍ قد يُرَخَّصُ للآحاد لا للمجموع، وقد تقرَّرَ عند أهل العلم أنه قد يُرَخَّصُ في الشيء بالجزئية ويُمْنَعُ منه بالكلية؛ إذ إن الحاجة غير متحقِّقَةٍ في حقِّ المجموع، ففضولُ الأموالِ مكتنزَةٌ، والحريةُ الاقتصاديةُ متاحةٌ، والعقولُ التي تدير ذلك بكفايةٍ متوافرةٌ، فما الذي يَحُولُ بين هذا المجموعِ وبين المبادرةِ إلى إنهاء هذه الحالةِ الرَّدِيَّةِ لإنشاء مؤسسات تديرُ هذا الأمرَ في إطار من الربانية، ومن خلال مرجعية الشريعة؟! فلو اقتصرَ الترخيص على المستوى الفردي إذا تحقَّقَت الحاجةُ لكانَ له حظٌّ من النظر، أمَّا أن يُطْلَقَ القولُ بترخيص ذلك لعمومِ الجاليات؛ فهذا يُضَاعِفُ الخطأ ويسدُّ البابَ أمامَ مَنْ يسعى للإصلاح؛ إذ النفوس بطبعها مائلةٌ إلى الدَّعَةِ والرُّخْصَةِ.
٣ - قاعدة: ما حُرِّمَ سدًّا للذريعة أُبِيحَ للحاجة:
ويجاب عنها بأجوبة، منها:
أ - أنَّ ما حرم للذريعة في مسألة الربا هو ربا الفَضْل، وليس ربا النسيئة، فربا النسيئة هو الربا الجليُّ وهو المقصود أصالةً، ورِبَا الفضل رِبًا خفيٌّ تحريمُهُ، وهو من باب تحريم الوسائلِ وسدِّ
стр. 865
الذرائع، كما قرَّرَهُ غيُر واحدٍ من أهل العلم، ومنهم العلَّامَةُ ابنُ القيمِ في إعلام الموقعين (١).
وعليه: فإنَّ الذي تُبِيحُهُ الحاجةُ بشرطِهَا هو ربا الفضلِ، أما ربا النسيئةِ وهو ربا الجاهلية فلا تُبيحه حاجةٌ، وعندما اجتمع مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة عام ١٣٨٥ هـ، قرَّرَ "أنَّ الإقراضَ بالربا محرَّمٌ لا تبيحه حاجةٌ ولا ضرورةٌ، والاقتراض بالربا محرَّمٌ كذلك، ولا يرتفعُ إثمُهُ إلَّا إذا دعتْ إليه الضرورةُ، وكلُّ امرئٍ متروكٌ لدينه في تقدير ضرورتِهِ". والفرق بين الإقراض والاقتراض ظاهر؛ إذ الأولُ لا ضرورةَ فيه قطُّ، وإنما هو الجشعُ والشَّرَهُ وحبُّ المال، وأما الثاني فَتُتَصَوَّرُ في مثله الضرورةُ.
ومسألتنا من قبيل ربا النسيئة، ولم يَقُلْ أحدٌ من أهل العلم: إنه تبيحه الحاجة.
ب - أنَّ النصوص في الباب لم تُفَرِّقْ بين المقرِض والمقترِض في التحريم، بل لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: "هم سواء" (٢).
٤ - قاعدة: النظر إلى المآلات، وتحقيق المصالح الراجحة، ودفع المفاسد، وما يرتبط بذلك من المعقول:
وعلى هذه القاعدة، وما قيل في المعقول الذي يدلُّ على رجحان الجواز أجوبةٌ، منها:
أ - المصلحة هي ما دلَّتْ عليه الشريعة، وما سوى ذلك مما لا يحقق مقصود الشارع في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال فليس مصلحةً، وإن وُجِدَ فيه شيء من المصالح كالخمر والميسر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ فمردُّ المصلحة المعتبرة هو الشرع، وليس الهوى والعقل المجرد.
ثم إنَّ مصلحة الدين مقدَّمة على ما سواها من المصالح؛ ولذا شُرِعَ الجهادُ، وإن
стр. 866
أزهقتْ فيه الأرواحُ؛ حفظًا للدينِ.
وليست المصلحة ماديةً محضةً ولا قاصرةً على أمور الحياة الدنيا، بل تمتدُّ لتشمل الدنيا والآخرة ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧].
فمهما ذُكِرَ من مصالحَ متوهمةٍ في الاقتراض الربوي، فيجب أن يُفْهَمَ في ضوء المقررات الشرعية، وأنه لا عبرةَ بهذه المصالح التي أهدرتها الشريعة؛ إذ هي مصالحُ ملغاةٌ بالنصِّ والإجماعِ.
وقد لا يبدو كبير فِرْقٍ بين إباحة الربا من أجل ما زعموه مصالحَ، وبين ما يذكره العلمانيون من إباحة الفطر والخمورِ والإباحيةِ لتنشيطِ السياحةِ وتقويةِ الاقتصادِ!!
ب - كثير مما ذكر من المصالح فيه مبالغاتٌ من الناحية العملية، يعرِفُ ذلك مَنْ له اتصالٌ وخبرة بهذه البلاد؛ فلا فرقَّ بين المسكن المستأجرِ والتمليكِ إلا في أمور تتعلق بالرفاهيةِ، وعددِ أفرادِ الأسرة، وأما بقيةُ الاعتبارات المذكورة فلا فرقَ بينهما في الواقع.
ولا يظهر الفارق بينهما في الناحية الاقتصادية، إلا بعد نحو ربعِ قرنٍ من الزمان بعد أن تُسَدَّدَ أقساطُ التملك مع ما يشوبها من صعوباتٍ ومخاطر.
ولا وجهَ لجعل تملك المساكن من مفردات خيرية الأمة، وتهيئة المسلم لها، وقد بيَّنَ الله تعالى عناصرَ الخيرية بقوله جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
ثالثًا: مناقشة أدلة المعقول:
١ - ما ذكروه من أنَّ الإسلام يزيد المسلم ولا ينقصه، ويقويه ولا يضعفه. . . إلخ.
ويناقش بما يلي:
أ - التزام الأوامر الشرعية يزيد المؤمن إيمانًا، ومخالفتها تنتقص إيمانه وتضعفه ولا بد، والأصل في المسلم أن يتقيَ الله حيثما كان؛ ليجعل الله له من كل هَمٍّ فرجًا، وأن يوقنَ بقوله
стр. 867
تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣]، وأن من ترَكَ شيئًا لله عَوَّضَهُ الله خيرًا منه.
ب - والابتلاء سنة الله في الأولين والآخرين والتضحية سبيل قاصد لإقامة الدين.
وَلَعَمْرُ الله، لو نظر المسلمون الأوائل هذه النظرة لَمَا هاجروا وتركوا أوطانهم وأموالهم وأهليهم، وبذلوا مهجهم وأرواحهم، ولمات الإسلام في مهده، وهؤلاء ما نقصهم الإسلام إذ نقصت أموالهم، بل زادهم وزكَّاهم وطهَّرهم وأعزَّهم.
ج - إذا قيل بجواز ارتكاب المحارم بمثل هذا الوهم، فإنه يفضي إلى انحلال المسلم من الدين جملة، فالتاجر سيخشى كساد تجارته إنْ تَرَكَ الربا والغشَّ والغررَ، وهكذا كلُّ صاحبِ صنعةٍ محرَّمَةٍ.
وقد تَوَجَّسَ بعضُ الناس خِيفةً من تحريم قربانِ المشركين المسجدَ الحرامَ لِمَا توهموه بعقولهم من أنه سيؤدي إلى بوار التجارات، وكساد السلع، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨].
٢ - ما ذكروه من أنَّ المسلم غيرُ مكلَّفٍ بإقامة أحكام الشرع المدنية والمالية والسياسية ونحوها مما يتعلق بالنظام العامِّ في مجتمعٍ كافرٍ، وإنما يُطَالَبُ بإقامة الأحكام الشخصية. . . إلخ.
ويناقش بما يلي:
أ - إنَّ هذا الكلام بهذا الإطلاق لا يستقيم، وَيلزم عليه من اللوازم الباطلة ما يدل على بطلانه؛ إذ فيه فتحُ الباب لهؤلاء المسلمين المغتربين للتفلت من جميع أحكام المعاملات المدنية والسياسية والمالية بدعوى أنها خارج حدود الوسع والطاقة، فلا يقف الأمر عند حد الضرورات ولا الحاجات؛ بل يصبح الأصل فيه هو الحِل ما دام قد خرج عن إطار التكليف، فلا شيء -حينئذٍ- إنْ فُتِحَ بابُ الربا في عامة المعاملات التي يتعامل بها التجار؛ إذ هو -كما قيل- جزء من ثقافة المجتمع وهويته، ولا يلزم المسلم تغييره، ولا إقامة أحكام
стр. 868
الله تعالى في الجوانب المتعلقة به.
وما الفرق بين المطعوم والمشروب من ناحية، والمسكون من ناحية أخرى، والحال أنَّ الجميع من الضرورات الحيوية، فلماذا يَحِلُّ الربا في المسكون دون أخويه؟
ولماذا يتعين تطبيق الشرع في المطعوم والمشروب دون المسكون؟
أليست إباحة الخمر ولحم الخنزير جزءًا من هُوية مجتمعات الكفر وثقافتها؟
فما الفرق بينهما؟ فإن لزمه إقامة الدين فيما يخصه من ذلك؛ فإن الأمر كذلك فيما يخصُّه من مساكن، ولا وجه للتفريق.
ولا ريبَ أنَّ الأفاضل القائلين بهذا القول لا يقولون بلوازمه؛ ولكنَّ بطلانَ اللازم دليل على بطلان الملزوم.
ب - كثير من أحكام الأحوال الشخصية ليس بوسع المسلم إقامتها في ديار الكفر، كالتعدد، ومسائل القوامة، والطلاق، وإلزام الزوجة والأولاد بشرائع الدين، وما يلحق بذلك، ومسائل الميراث، ونحوها، وأما الأحكام المالية فإن إقامتها في هذه البلاد أيسر بكثير، ومساحة الحرية فيها أكثر عن كثير من دول الإسلام (١).
ج - هذا التعميم يقطع الطريق أمام الدعاة والمصلحين الذين يسعون جهدهم في المحافظة على هُوية المسلمين هنالك عَبْرَ إنشاء المؤسسات المالية والسياسية وغيرها مما تمسُّ إليه حاجة المسلمين، فما الذي يحملهم على بذل هذا الجهد، ويحمل الناس على التجاوب معهم إن كان هذا الأمر خارج إطار التكليف ابتداءً؟!
٣ - وما أُسِّسَتْ عليه الفتيا من إباحة الربا بدار الحرب فيه نظرٌ من وجوه:
أ - القائلون بالجواز لا يرتضون تسمية تلك الديار بديار حرب وينكرونه، ومنهم
стр. 869
من لا يقبل تسميتها بدار كفر أيضًا!! وإن كانت دار الكفر أعمَّ من دار الحرب.
فما وجه تسميتها بدار حرب الآن وإجراء أحكام تلك الدار عليها؟
ولو تتبعنا خصائص دار الحرب ومقوماتها في كلام الفقهاء لوجدنا أنها تتحقق عند اجتماع وصفين:
أحدهما: أن تكون الغلبة فيها والسلطة والمنعة لأحكام الكفر.
والثاني: أن تكون في حالة حرب واقعة أو متوقعة مع دار الإسلام.
وعلى ذلك، فإنْ تحقَّقَ فيها الوصفُ الأول وحده حُكِمَ عليها بأنها دار كفر، دون أن تسمى (دار حرب) أو أن تُجْرَى عليها أحكامها.
قال القاضي أبو يعلى: "كل دار كانت الغلبة فيها لأحكام الكفر دون أحكام الإسلام فهي دار كفر" (١).
فإذا انضم إليه الوصف الثاني صارت "دار حرب" وسرت عليها أحكامها، واشتراط هذا الوصف مستفادٌ من حال دار الحرب، وموقف أهلها من المسلمين في نصوص الفقهاء (٢).
والوصف بدار الحرب إنْ تحقَّقَ في بعض دول الغرب اليوم فقدْ لا يتحقق في جميعها، وعليه فلا تعتبر كثير من تلك الدول التي تحكم بالقوانين الوضعية دارَ حربٍ لانتفاء الحرب الواقعة، أو المتوقعة بينها وبين دول المسلمين.
ويمكن تسميتها بدار عهد أو صلح أو هدنة.
ولا شك أن بلادًا كاليابان أو الصين أو سويسرا أو النمسا يصعب وصفها بأنها
стр. 870
ديار حرب، وإنما هي إلى الصلح أقرب.
قال ابن القيم ﵀: "الكفار: إمَّا أهل حرب، وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة. ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلَّهم في الأصل، وكذلك لفظ الصلح" (١).
ثم شرع: في بيان معنى الذمة والصلح إلى أن قال: "وأما أهل الهدنة: فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مال أو غير مال. لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكنْ عليهم الكفُّ عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة" (٢).
ب - أن مناط مذهب أبي حنيفة مفقودٌ جملةً في هذه الصورة؛ فإن القائلين بجواز الربا يمنعون ما قاله الحنفية من اعتبار أموال أهل تلك الدار مباحةً لمن قدر عليها، فمن دخل تلك البلاد بأمان من أهلها وبتأشيرة تكون أموالهم بالنسبة له غيرَ معصومة، في حين أن ماله هو معصوم بالنسبة إليهم!
فلا يصح إذن الأخذ بهذا المذهب، أو الاستناد إلى ذلك المبدأ، وإلا لزمت لوازم لا يقدر أحد على حمل تبعاتها.
ج - وأخيرًا فإن مذهب الحنفية هو جواز التعامل بالربا مع المسلم الذي أسلم في دار الحرب ولم يهاجر، شأنه في ذلك شأن الحربي؛ قال الكاساني: في "بدائع الصنائع":
"ومنها: أن يكون البدلان متقوَّمينِ شرعًا، وهو أن يكونا مضمونين حقًّا للعبد،
стр. 871
فإن كان أحدهما غير مضمون حقًّا للعبد لا يجري فيه الربا، وعلى هذا الأصل يخرج ما إذا دخل المسلم دار الحرب فبايع رجلًا أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلينا درهمًا بدرهمين أو غير ذلك من البيوع الفاسدة في دار الإسلام؛ أنه يجوز عند أبي حنيفة، وعندهما لا يجوز؛ لأن العصمة وإن كانت ثابتة فالتقوم ليس بثابت عنده" (١).
وقال في الدر المختار:
"وحكم من أسلم في دار الحرب ولم يهاجر كحربي، فللمسلم الربا معه خلافًا لهما؛ لأن ماله غير معصوم، فلو هاجر إلينا ثم عاد إليهم فلا ربا اتفاقًا (٢).
فهل يلتزم بهذا هؤلاء المبيحون، فيحل للمسلم أن يتعامل بالربا وغيره من العقود الفاسدة مع إخوانه المسلمين الجدد في تلك الديار؟!
وكذلك فإن مقتضى مذهب الحنفية -وقد صرحوا به- جواز تعامل المسلمين الجدد في هذه البلاد بالربا أخذًا وإعطاءً، ما داموا لم يهاجروا، سواءً أكان ذلك مع نظرائهم من المسلمين الجدد، أم مع الحربيين؛ وذلك لارتباط العصمة عندهم بالدار ابتداءً.
قال ابن عابدين: "ويُعْلَمُ مما ذكره المصنف مع تعليله أن من أسلما ثَمَّةَ ولم يهاجِرَا لا يتحقق الربا بينهما أيضًا" (٣).
لا شك أن هذا مما لا يقول به من قال بالجواز ابتداءً، ولا يستطيع تحمل تبعة الفتيا به.
٤ - أن مذهب الحنفية -أيضًا- جواز بيع الخمر والميتة ولحم الخنزير للكفار ما دامت وسيلة للحصول على أموالهم التي هي مباحة في الأصل؛ إذ إنهم لا ينظرون إلى فساد العقد في ذاته، وإنما هو -عندهم- وسيلة للحصول على أموال القوم غير
стр. 872
المعصومة ولا المتقوَّمة ابتداءً، وما هذه العقود إلا وسائل يتحيل بها ويتجنب الوقوع في الغدر حال الحصول على أموالهم.
قال السرخسي: "وإن بايعهم المستأمن إليهم الدرهمَ بالدرهمين نقدًا أو نسيئة، أو بايعهم في الخمر والميتة والخنزير؛ فلا بأس بذلك في قول أبي حنيفة ومحمد؛ ولا يجوز شيء من ذلك في قول أبي يوسف؛ لأن المسلم ملتزمٌ أحكامَ الإسلام حيثما يكون، ومِنْ حُكْمِ الإسلامِ حرمةُ هذا النوع من المعاملة" (١).
وقال الكمال ابن الهمام: "فلو باع مسلم دخل إليه -أي: إلى دار الحرب- مستأمنًا درهمًا بدرهمين حَلَّ، وكذا إذا باع منهم ميتةً أو خنزيرًا أو قامرهم أو أخذ المال؛ يَحِلُّ كل ذلك عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف" (٢).
فهل يلتزم المبيحون هذه اللوازمَ الخطيرةَ في هذه المجتمعات؟!
ثم إن كلام المبيحين من أهل المذاهب المتبوعة إنما هو عن أخذ الربا من الحربي، لا إعطائه له، ويُحْمَلُ مطلقُ كلامهم في هذا المقام على مقيده؛ ولهذا علل صاحب المبدع من الحنابلة القولَ المرويَ عن أحمد بأنه لا ربا في دار الحرب بقوله: "لأن أموالهم مباحة، وإنما حظرها الأمان في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحًا" (٣).
وفرضُ المسألة المعاصرة إعطاءُ الربا للحربي، وليس أخذه منه.
وتحرير مذهب الحنفية في ذلك أن الربا عندهم لا يقع ابتداءً بين المسلم والحربي في دار الحرب؛ لأن الربا إسم لفضل يستفاد بالعقد، والزيادة التي ينالها المسلم من الحربي لا ينالهها بمقتضى العقد الربوي، بل بمقتضى الإباحة الأصلية لأموال الحربيين، فالعقد
стр. 873
الذي يعتمده المسلم مع الحربي لا يفيده تملك الزيادة الربوية، بل يفيده الرضا من الحربي الذي يحله من قيد الأمان ويعيد أموال الحربي إلى أصلها من الحل، فأخذ المسلم للزيادة حينئذٍ كالاستيلاء على الكلأ والمباحات.
والذي يدلُّ على أن مذهب الحنفية إباحة ذلك في أخذ المسلم، لا إعطائه؛ هو نصوص معتمَدَاتِ كتبهم، ومنها: ما قاله الكاساني: في "بدائع الصنائع":
"مال الحربي ليس بمعصوم، بل هو مباح في نفسه؛ إلا أن المسلم المستأمن مُنِعَ من تملكه من غير رضاه؛ لما فيه من الغدر والخيانة، فإذا بذله باختياره ورضاه فقد زال هذا المعنى، فكان الأخذ استيلاءً على مال مباح غير مملوك، وأنه مشروع مفيد للملك كالاستيلاء على الحطب والحشيش" (١).
فالخلاصة الواضحة أن مذهب الحنفية لا يصلح مستندًا لهذه الفتيا! (٢)
٥ - وأما الاستدلال بحديث: "أيما دار أو أرض قسمت في الجاهلية فهي على قسم الجاهلية" (٣):
وقياس المعاملة بالربا على قسمة الميراث التي خالفت حكم الإسلام؛ فالجواب عليه:
أنه يحتمل أن يكون المعنى: أن ما تم بين المشركين من عقود قبل الإسلام لا تنقض ولا يُتَعَرَّضُ لها، فهو خارج عن محل النزاع، ويدل على هذا الاحتمال حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ في الجاهلية فهو على ما قُسِمَ، وكل قَسْمٍ أدركه الإسلام فهو على قَسْمِ الإسلامِ" (٤)، فهذه جملة استدلالات الحنفية، وهي ضعيفة كما تبين، لا
стр. 874
تقوى على تخصيص عموم النصوصِ المحرِّمةِ للربا والمتوعِّدةِ عليه أشدَّ الوعيد.
أدلة أصحاب القول الثاني:
من القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والإجماع، والمعقول، والقياس:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].
وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].
وجه الدلالة:
دَلَّتِ الآياتُ الكريمة على حرمة الربا مطلقًا، من غير تقييدٍ بكثيرٍ فاحشٍ، ولا قليلٍ يسيرٍ، ومن غير تعلُّقٍ بدار أو دولة.
وأنه من كبائر الذنوب التي تمحق البركة وتستوجب العقوبةَ، والحربَ من الله تعالى.
ثانيًا: السنة المطهرة:
ما ثبت عن جابر ﵁ قال: لَعَنَ رسولُ الله ﷺ آكلَ الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: "هم سواء" (١).
стр. 875
وجه الدلالة:
الحديث يدلُّ دلالةً واضحة على أن الربا محرَّمٌ، ومن كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﷺ لَعَنَ مَنْ تعامَلَ به، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، ولا يكون إلا على فِعْلِ محرَّمٍ (١).
وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مِثْلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلا مِثْلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجزٍ" (٢).
ثالثًا: الإجماع:
قد أجمعت الأمة الإسلامية على تحريم التعامل بالربا، وأنه من كبائر الذنوب (٣)، قال النووي: "وأجمع المسلمون على تحريم الربا في هذه الأعيان الستة المنصوص عليها، واختلفوا فيما سواها" (٤).
وقد اتفق العلماء على تحريم التعامل بالربا بين المسلمين في دار الإسلام، أو في دار الحرب (٥).
كما قرَّرَ الجمهور حرمة التعامل بالربا بين المسلم والحربي مطلقًا، أخذًا أو إعطاءً في دار الإسلام، أو الحرب، بأمان، أو بدون أمان، وهو قول المالكية والشافعية، والحنابلة في صحيح مذهبهم.
стр. 876
قال النووي: "ولا فرق في تحريمه -أي: الربا- بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمَينِ، أو مسلم وحربي، وسواء دخلها المسلم بأمان، أم بغيره" (١).
وقال المرداوي: "والصحيح من المذهب أن الربا محرَّمٌ بين الحربي والمسلم مطلقًا" (٢).
وقال البهوتي (٣): "ويحرم الربا بين المسلم والحربي في دار الإسلام، ودار الحرب، ولو لم يكن بينهما أمان" (٤).
وجاء في قرار مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عام ١٣٨٥ هـ: "والإقراض بالربا محرَّم لا تبيحه حاجة، ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرَّمٌ كذلك، ولا يرتفع إثمُهُ إلا إذا دعت إليه الضرورةُ" (٥).
رابعًا: المعقول:
١ - أن ما كان محرَّمًا في دار الإسلام فهو محرم في دار الحرب، كالخمر وسائر المعاصي، فالمسلم مخاطَبٌ بالشريعة الإسلامية وأحكامها في جميع الأماكن، من غير فرق بين دار إسلامٍ، أو دار حرب؛ فالربا محرَّمٌ كله في جميع الديار (٦).
стр. 877
٢ - أن الربا من العقود الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام، فلم يصحَّ في دار الحرب كالنكاح الفاسد (١).
٣ - أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حقِّ المسلمين ثابتة في حقِّ الكفار؛ لأنهم مخاطَبون بالمحرمات في الصحيح من الأقوال، قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] فاشتراطه في البيع يوجب فساده، كما إذا تبايع المسلم والحربي المستأمن في دار الإسلام (٢).
٤ - أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فقد وجب عليه الوفاء بالعهد، وحَرُمَتْ عليه خيانة أهلها، وتعامله معهم بالربا فيه خيانة لهم، وأكلٌ لأموالهم، وقد أخذ عليه بأن لا يخون عهدهم، ولا يتعرض لمالهم، ولا لشيء مِنْ أَمْرِهِمْ (٣).
خامسًا: القياس:
وهو القياس على المستأمن الحربي في دارنا.
فالحربي إذا دخل دار الإسلام بأمانٍ وتعامل معه المسلم بالربا لا يجوز باتفاق الفقهاء، فكذلك لا يجوز للمسلم التعامل معه بالربا في دار الحرب (٤).
مناقشة أدلة القول الثاني:
أولًا: الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية:
رَدَّ الحنفية فقالوا: بالنسبة لعموم الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا إنما هو في المال
стр. 878
المحرم والمعصوم، أما المال المباح كأموال الكفار في دار الحرب، فيجوز أن تؤخذ بأي طريقٍ غيرِ طريق الغدر، فالربا إذا كان برضًا منهم فهو مباح معهم، ويبقى العموم في المال المحظور (١).
وأجيب:
بأن الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا عامة في أي مكان، في دار الإسلام، أو في دار الحرب، ولم يَرِدْ ما يُخَصِّصُ هذا العمومَ إلا حديثُ مكحولٍ، وهو مرسَلٌ ضعيفٌ، لا يقوى على التخصيص، وفي هذا يقول ابن قدامة: ولا يجوز تَرْكُ ما وَرَدَ بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة وانعقد الإجماع على تحريمه بخبرٍ مجهولٍ لم يَرِدْ في صحيحٍ ولا مسندٍ ولا كتابٍ موثوقٍ بِهِ (٢).
وأيضًا هذا المرسل على فرض صحته فهو محمول على تحريم الربا في دار الحرب (٣).
أما بالنسبة لقولهم بأن الربا محرَّم في دار الحرب، كما هو محرم في دار الإسلام، يقال لهم:
هذا بالنسبة للمسلمين فيما بينهم وبين الحربيين إذا كانوا مستأمنين في دار الإسلام، أما الحربيون في دارهم فتباح أموالهم؛ لعدم التزامهم بأحكام الإسلام، وأموالهم مباحة لا عصمةَ لها، أما في دار الإسلام فهي معصومة بسبب الأمان (٤).
وأجيب:
بأن النصوص الواردة في تحريم الربا عامة من غير فَرْقٍ بين مكان وآخر، ومسلم وحربي، وأموال الحربيين لا تكون مباحةً للمسلم، وبخاصة إذا دخل دارهم بأمان فيجب عليه الوفاء بالعهد، وعدم الغدر بهم، وأكل أموالهم بالباطل، ولا تباح له إلا
стр. 879
بطريق الاغتنام إذا أعلنوا الحرب على المسلمين (١).
وحتى لو جاز للحربي التعامل بالربا فإنه محرَّمٌ على المسلم الملتزم بأحكام الإسلام في كل مكان أن يتعامل به.
ثانيًا: القياس:
أما القياس: فهو قياس مع الفارق:
لأن الحربي المستأمن في دار الإسلام ملتزم بأحكام الإسلام وماله معصوم بسبب الأمان، أما الحربي غير المستأمن فلا عصمة لماله؛ لأنه لم يلتزم لأحكام الإسلام.
وأجيب:
بأننا لا ننكر أن الحربي المستأمن ملتزم لأحكام الإسلام، وماله معصوم بالأمان، وعلى العكس الحربي غير المستأمن، لكن القياس ليس من هذه الناحية، بل القياس من ناحية التحريم، فالربا كما هو محرم مع الحربي في دار الإسلام، محرم معه في دار الحرب؛ لعموم النصوص الواردة في التحريم من الكتاب والسنة، ولم يرد ما يخصص هذا العموم.
الترجيح:
بعد عرض القولين بأدلتهما، والمناقشات التي جَرَتْ بين الفريقين، يتضح رجحان قول الجمهور سلفًا وخلفًا بحرمة التعامل بالربا مطلقًا في دار الإسلام وغيرها، وبين المسلم وغير المسلم مطلقًا، وأنه لا يجوز شراء المساكن في الغرب بالقروض الربوية، إلا لمن بلغ مبلغ الضرورة الشرعية التي تبيح المحرمات القطعية، وهذا من شأنه ألا يختص بدار دون دار، ولا يتعلق بالمسلم دون غيره، فَكُلُّ مَنْ سُدَّتْ أمامَهُ أبوابُ السكنى، ولم يجد بديلًا مشروعًا أو فيه شبهة، وتحققت ضرورته فقد جاز له الاقتراض الربوي
стр. 880
المحرم بما يدفع ضرورته فحسب؛ إذ الضرورة تُقَدَّرُ بقدرها.
وأسباب ترجيح هذا القول كالتالي:
١ - ظهور أدلة الجمهور وقوتها في مقابل ضعف أدلة الحنفية ووهائها أمام الإيرادات الصحيحة عليها، مع مخالفتها للنصوص الصريحة.
٢ - ولأن الربا محرم في كل مكان، كما دلت النصوص على ذلك، فلا يصير حرامًا في مكان دون آخر، وإباحة أموال الحربيين عن طريق الغنيمة يختلف عن أخذها بالعقود الفاسدة كعقد الربا.
٣ - القول بتحريم الربا بين المسلمين وإباحة التعامل به مع الحربي فيه تشبُّهٌ باليهود الذين يحرِّمون الربا في علاقة اليهودي باليهودي، ويبيحونه في علاقته بالأميين، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وقد جاء في سفر التثنية، في الإصحاح الثالث والعشرين: "للأجنبي تقرضُ بربا، ولكن لأخيك لا تقرضْ بربا؛ لكي يباركك الرب إلهك".
فالإسلام ليس فيه ازدواجية، ولا تطفيف، ولا تناقض، وليس كأنظمة البشر التي تكيل بمكيالين، بل بمكاييلَ مختلفةٍ.
على أن هذا المنحى الذي نحى إليه المبيحون يفتح الباب أمام سلسلة من التَّرَخُّصَاتِ التي لن تنتهي، كما سبق التنبيه عليه.
٤ - لا بد أن يُحَرَّرَ مفهومُ الحاجاتِ ويُضْبَطَ بضوابطَ واضحةٍ؛ وإلا فُتِحَ بابُ شرٍّ مستطيرٍ يؤدي إلى خلعِ الرِّبقةِ، والتفلتِ من قيودِ التكليفِ، بما يُتَوَهَّمُ أنه من قبيل المصالح، أو الحاجات، وهو في حقيقته لا يعدو أن يكون من جنس الأهواء والشهوات.
وأخيرًا فإن البدائل الشرعية يجب توفيرها للأقليات الإسلامية إذا أُرِيدَ لهذه