قال النووي: "ولا فرق في تحريمه -أي: الربا- بين دار الإسلام ودار الحرب، فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواء جرى بين مسلمَينِ، أو مسلم وحربي، وسواء دخلها المسلم بأمان، أم بغيره" (١).
وقال المرداوي: "والصحيح من المذهب أن الربا محرَّمٌ بين الحربي والمسلم مطلقًا" (٢).
وقال البهوتي (٣): "ويحرم الربا بين المسلم والحربي في دار الإسلام، ودار الحرب، ولو لم يكن بينهما أمان" (٤).
وجاء في قرار مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة عام ١٣٨٥ هـ: "والإقراض بالربا محرَّم لا تبيحه حاجة، ولا ضرورة، والاقتراض بالربا محرَّمٌ كذلك، ولا يرتفع إثمُهُ إلا إذا دعت إليه الضرورةُ" (٥).
رابعًا: المعقول:
١ - أن ما كان محرَّمًا في دار الإسلام فهو محرم في دار الحرب، كالخمر وسائر المعاصي، فالمسلم مخاطَبٌ بالشريعة الإسلامية وأحكامها في جميع الأماكن، من غير فرق بين دار إسلامٍ، أو دار حرب؛ فالربا محرَّمٌ كله في جميع الديار (٦).
стр. 877
٢ - أن الربا من العقود الفاسدة التي لا تجوز في الإسلام، فلم يصحَّ في دار الحرب كالنكاح الفاسد (١).
٣ - أن حرمة الربا كما هي ثابتة في حقِّ المسلمين ثابتة في حقِّ الكفار؛ لأنهم مخاطَبون بالمحرمات في الصحيح من الأقوال، قال تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] فاشتراطه في البيع يوجب فساده، كما إذا تبايع المسلم والحربي المستأمن في دار الإسلام (٢).
٤ - أن المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فقد وجب عليه الوفاء بالعهد، وحَرُمَتْ عليه خيانة أهلها، وتعامله معهم بالربا فيه خيانة لهم، وأكلٌ لأموالهم، وقد أخذ عليه بأن لا يخون عهدهم، ولا يتعرض لمالهم، ولا لشيء مِنْ أَمْرِهِمْ (٣).
خامسًا: القياس:
وهو القياس على المستأمن الحربي في دارنا.
فالحربي إذا دخل دار الإسلام بأمانٍ وتعامل معه المسلم بالربا لا يجوز باتفاق الفقهاء، فكذلك لا يجوز للمسلم التعامل معه بالربا في دار الحرب (٤).
مناقشة أدلة القول الثاني:
أولًا: الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية:
رَدَّ الحنفية فقالوا: بالنسبة لعموم الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا إنما هو في المال
стр. 878
المحرم والمعصوم، أما المال المباح كأموال الكفار في دار الحرب، فيجوز أن تؤخذ بأي طريقٍ غيرِ طريق الغدر، فالربا إذا كان برضًا منهم فهو مباح معهم، ويبقى العموم في المال المحظور (١).
وأجيب:
بأن الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الربا عامة في أي مكان، في دار الإسلام، أو في دار الحرب، ولم يَرِدْ ما يُخَصِّصُ هذا العمومَ إلا حديثُ مكحولٍ، وهو مرسَلٌ ضعيفٌ، لا يقوى على التخصيص، وفي هذا يقول ابن قدامة: ولا يجوز تَرْكُ ما وَرَدَ بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة وانعقد الإجماع على تحريمه بخبرٍ مجهولٍ لم يَرِدْ في صحيحٍ ولا مسندٍ ولا كتابٍ موثوقٍ بِهِ (٢).
وأيضًا هذا المرسل على فرض صحته فهو محمول على تحريم الربا في دار الحرب (٣).
أما بالنسبة لقولهم بأن الربا محرَّم في دار الحرب، كما هو محرم في دار الإسلام، يقال لهم:
هذا بالنسبة للمسلمين فيما بينهم وبين الحربيين إذا كانوا مستأمنين في دار الإسلام، أما الحربيون في دارهم فتباح أموالهم؛ لعدم التزامهم بأحكام الإسلام، وأموالهم مباحة لا عصمةَ لها، أما في دار الإسلام فهي معصومة بسبب الأمان (٤).
وأجيب:
بأن النصوص الواردة في تحريم الربا عامة من غير فَرْقٍ بين مكان وآخر، ومسلم وحربي، وأموال الحربيين لا تكون مباحةً للمسلم، وبخاصة إذا دخل دارهم بأمان فيجب عليه الوفاء بالعهد، وعدم الغدر بهم، وأكل أموالهم بالباطل، ولا تباح له إلا
стр. 879
بطريق الاغتنام إذا أعلنوا الحرب على المسلمين (١).
وحتى لو جاز للحربي التعامل بالربا فإنه محرَّمٌ على المسلم الملتزم بأحكام الإسلام في كل مكان أن يتعامل به.
ثانيًا: القياس:
أما القياس: فهو قياس مع الفارق:
لأن الحربي المستأمن في دار الإسلام ملتزم بأحكام الإسلام وماله معصوم بسبب الأمان، أما الحربي غير المستأمن فلا عصمة لماله؛ لأنه لم يلتزم لأحكام الإسلام.
وأجيب:
بأننا لا ننكر أن الحربي المستأمن ملتزم لأحكام الإسلام، وماله معصوم بالأمان، وعلى العكس الحربي غير المستأمن، لكن القياس ليس من هذه الناحية، بل القياس من ناحية التحريم، فالربا كما هو محرم مع الحربي في دار الإسلام، محرم معه في دار الحرب؛ لعموم النصوص الواردة في التحريم من الكتاب والسنة، ولم يرد ما يخصص هذا العموم.
الترجيح:
بعد عرض القولين بأدلتهما، والمناقشات التي جَرَتْ بين الفريقين، يتضح رجحان قول الجمهور سلفًا وخلفًا بحرمة التعامل بالربا مطلقًا في دار الإسلام وغيرها، وبين المسلم وغير المسلم مطلقًا، وأنه لا يجوز شراء المساكن في الغرب بالقروض الربوية، إلا لمن بلغ مبلغ الضرورة الشرعية التي تبيح المحرمات القطعية، وهذا من شأنه ألا يختص بدار دون دار، ولا يتعلق بالمسلم دون غيره، فَكُلُّ مَنْ سُدَّتْ أمامَهُ أبوابُ السكنى، ولم يجد بديلًا مشروعًا أو فيه شبهة، وتحققت ضرورته فقد جاز له الاقتراض الربوي
стр. 880
المحرم بما يدفع ضرورته فحسب؛ إذ الضرورة تُقَدَّرُ بقدرها.
وأسباب ترجيح هذا القول كالتالي:
١ - ظهور أدلة الجمهور وقوتها في مقابل ضعف أدلة الحنفية ووهائها أمام الإيرادات الصحيحة عليها، مع مخالفتها للنصوص الصريحة.
٢ - ولأن الربا محرم في كل مكان، كما دلت النصوص على ذلك، فلا يصير حرامًا في مكان دون آخر، وإباحة أموال الحربيين عن طريق الغنيمة يختلف عن أخذها بالعقود الفاسدة كعقد الربا.
٣ - القول بتحريم الربا بين المسلمين وإباحة التعامل به مع الحربي فيه تشبُّهٌ باليهود الذين يحرِّمون الربا في علاقة اليهودي باليهودي، ويبيحونه في علاقته بالأميين، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
وقد جاء في سفر التثنية، في الإصحاح الثالث والعشرين: "للأجنبي تقرضُ بربا، ولكن لأخيك لا تقرضْ بربا؛ لكي يباركك الرب إلهك".
فالإسلام ليس فيه ازدواجية، ولا تطفيف، ولا تناقض، وليس كأنظمة البشر التي تكيل بمكيالين، بل بمكاييلَ مختلفةٍ.
على أن هذا المنحى الذي نحى إليه المبيحون يفتح الباب أمام سلسلة من التَّرَخُّصَاتِ التي لن تنتهي، كما سبق التنبيه عليه.
٤ - لا بد أن يُحَرَّرَ مفهومُ الحاجاتِ ويُضْبَطَ بضوابطَ واضحةٍ؛ وإلا فُتِحَ بابُ شرٍّ مستطيرٍ يؤدي إلى خلعِ الرِّبقةِ، والتفلتِ من قيودِ التكليفِ، بما يُتَوَهَّمُ أنه من قبيل المصالح، أو الحاجات، وهو في حقيقته لا يعدو أن يكون من جنس الأهواء والشهوات.
وأخيرًا فإن البدائل الشرعية يجب توفيرها للأقليات الإسلامية إذا أُرِيدَ لهذه
стр. 881
الأقليات أن تحيا وأن تستمِرَّ في دورها وجهادها في الدعوة إلى دين الله تعالى.
ومَنْ عَجَزَ عن شراء تلك المساكن بطرق شرعية ففي الاستئجار مندوحةٌ عن الوقوع في شَرَكِ الربا المحرم، وليس مجردُ شيوع الحاجة سببًا في الترخيص بارتكاب كبيرة من أكبر الكبائر، حتى تُعَمَّمَ به الفتيا في ديار الأقليات.
ومن غير شكٍّ فإن هذه المجالس العلمية الموقرة بشيوخها الكبار مدعُوَّةٌ لمراجعة هذه الفتيا العامة في ضوء دراسة الواقع، وما يكتنفه من ملابسات (١)، وما يراد للأقليات من تأسيس فقهي لأحكامهم بعيدًا عن فقه الظروف الاستثنائية، والحالات الطارئة، بما يجمع بين إقامة الدين في حياة الأقليات، وتَحَقُّقِ السعة واليسر في سائر المعاملات، والله الموفق لكل خير والهادي إلى سواء السبيل.
وتتميمًا للفائدة نسوق قرارَي مجمعِ الفقه الإسلامي، ومجمعِ فقهاء الشريعة في أمريكا في تحريم هذه المعاملة ببلاد الغرب.
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه.
قرار رقم (٥٢/ ١ / ٦):
بشأن: التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها.
إن مجلس الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمرِهِ السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من ١٧ إلى ٢٣ شعبان ١٤١٠ هـ الموافق ١٤ - ٢٠ آذار (مارس) ١٩٩٠ م.
стр. 882
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "التمويل العقاري لبناء المساكن وشرائها"، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله.
قرر:
١ - أن المسكن من الحاجات الأساسية للإنسان، وينبغي أن يوفر بالطرق المشروعة بمال حلال، وإن الطريقة التي تسلكها البنوك العقارية والإسكانية ونحوها، من الإقراض بفائدة قَلَّتْ أو كَثُرَتْ، هي طريقة محرمة شرعًا؛ لما فيها من التعامل بالربا.
٢ - هناك طرق مشروعة يُسْتَغْنَى بها عن الطريق المحرمة لتوفير المسكن بالتملك -فضلًا عن إمكانية توفيره بالإيجار-، منها:
أ - أن تقدِّمَ الدولة للراغبين في تملك مساكنَ قروضًا مخصصة لإنشاء المساكن، تستوفيها بأقساطٍ ملائمةٍ بدون فائدة، سواء أكانت الفائدة صريحة، أم تحت ستار اعتبارها: (رسم خدمة) على أنه إذا دعت الحاجة إلى تحصيل نفقاتٍ لتقديم عمليات القروض ومتابعتها وجب أن يُقْتَصَرَ فيها على التكاليف الفعلية لعملية القرض على النحو المبين في الفقرة (أ) من القرار رقم (١) للدورة الثالثة لهذا المجمع.
ب - أن تتولى الدول القادرة على إنشاء المساكن إنشاءَها، وبَيعَهَا للراغبين في تملُّكِ مساكنَ بالأجل والأقساط بالضوابط الشرعية المبينة في القرار (٥٣/ ٢/ ٦) لهذه الدورة.
جـ - أن يتولى المستثمرون -من الأفراد أو الشركات- بناءَ مساكنَ تُباعُ بالأجل.
د - أن تُمَلَّكَ المساكن عن طريق عقد الاستصناع -على أساس اعتبارِهِ لازمًا- وبذلك يتم شراء المسكن قبل بنائه، بحسب الوصفِ الدقيقِ المزيلِ للجهالة المؤديةِ للنزاعِ، دونَ وجوبِ تعجيلِ جميعِ الثمنِ، بل يجوزُ تأجيلُهُ بأقساطٍ يُتَّفَقُ عليها، مع مراعاة الشروط والأحوال المقرَّرَةِ لعقد الاستصناع لدى الفقهاء الذين ميزوه عن عقد السَّلَمِ.
ويوصي:
بمواصلة النظر لإيجاد طرقٍ أخرى مشروعةٍ توفر تملُّكَ المساكن للراغبين في
стр. 883
ذلك." انتهى قرار مجمع الفقه الإسلامي" (١).
وأمَّا مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا فقد جاء نص قراره كالآتي:
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا المنعقد في دورة مؤتمرِهِ الثاني بمدينة كوبنهاجن بدولة الدنمارك من ٤ - ٧ من شهر جمادى الأولى عام ١٤٢٥ هـ، الموافق ٢٢ - ٢٥ من شهر يونيو عام ٢٠٠٤ م.
بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة من السادة أعضاء المجمع وخبرائه بخصوص موضوع: "شراء البيوت عن طريق التمويل الربوي" والمناقشات المستفيضة التي دارت حوله.
قرر المجمع ما يلي:
أولًا: التأكيد على ما أكَّدَتْ عليه الأدلة الشرعية القاطعة من حرمة الربا بنوعيه فضلًا ونسيئةً، وأن فوائد البنوك هي الربا الحرام، وهو ما قررته جميع دور الإفتاء والمجامع الفقهية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
ثانيًا: التأكيد على أن الاقتراض بالربا لا تُحِلُّهُ في الأصل إلا الضروراتُ المعتبرَةُ شرعًا، شأنه شأن سائر المحرمات القطعية في الشريعة، وبشروطها التي نصَّ عليها أهل العلم، بأن تكون واقعةً لا منتظَرَةً بحيث يتحقَّقُ أو يَغلبُ على الظن وجودُ خطرٍ حقيقي على الدين، أو النفس، أو العقل، أو النسل، أو المال، وأن تكون ملجِئةً بحيث يخافُ المضطرُ هلاكَ نفسه، أو قطعَ عضوٍ من أعضائه، أو تعطُّلَ منفعَتِهِ إنْ تَرَكَ المحظورَ، وأنْ لا يَجِدَ المضطر طريقًا آخرَ غيرَ المحظورِ، وعلى من تلبَّسَ بحالة من حالات الضرورة أنْ يلجأَ إلى
стр. 884
مَنْ يثقُ في دينه وعلمه من أهل الفتوى في تقدير ضرورته.
ثالثًا: أن الحاجة تنزل منزلةَ الضرورة في إباحة المحظور متى توافرتْ شرائطُ تطبيقها، وتتمثلُ هذه الشروط فيما يلي:
١ - تحقُّقُ الحاجة بمفهومها الشرعي، وهي دفع الضرر، والضعف الذي يصدُّ عن التصرف والتقلب في أمور المعاش، واستمرار الناس على ما يقيم قواهم، وليس مجرد التشوف إلى الشيء، أو مجرد الرغبة في الانتفاع والترفه والتنعم.
٢ - انعدام البدائل المشروعة، وذلك بأن يعمَّ الحرام، وتنحسمَ الطرق إلى الحلال، وإلا تعيَّنَ بذلُ الجهد في كسب ما يَحِلُّ، ومن بين هذه البدائل: الاستئجار، متى اندفعت به الحاجة.
٣ - الاكتفاء بمقدار الحاجة، وتحريم ما يتعلق بالترفه والتنعم، أو محض التوسع.
٤ - انعدام القدرة على التحول إلى مواضعَ أخرى يتسنى فيها الحصولُ على البديل المشروع.
رابعًا: وبناءً على ما سبق فإن الأصل في العاجز عن تملك مسكن بطريق مشروع لا ربا فيه، ولا ريبة، أن يقنع بالاستئجار، ففيه مندوحة عن الوقوع فيما حرَّمه الله ورسوله من الربا.
خامسًا: إذا مَثَّلَ الاستئجارُ حرجًا بالغًا ومشقَّةً ظاهرةً بالنسبة لبعض الناس، لاعتباراتٍ تتعلق بعددِ أفراد الأسرة، وعدمِ وجود مسكن مستأجر يكفيهم، أو لخروجِ أجرته عن وُسْعِ ربِّ الأسرة وطاقته، أو لغير ذلك من الظروف القاهرة، جاز لهم الترخص في تملك مسكن بهذا الطريق في ضوء الضوابط السابقة، بعد الرجوع إلى أهل العلم لتحديد مقدار هذه الحاجة، ومدى توافر شرائطها الشرعية؛ وذلك للتحقق من مدى صلاحيتها بأن تنزل منزلةَ الضرورة في إباحة هذا المحظور.
سادسًا: التأكيد على ما أكَّدَتْ عليه كلُّ المجامع الإسلامية الرسمية والأهلية من ضرورة العمل على توفير البدائل الإسلامية لمشكلة تمويل المساكن: إمَّا من خلال إنشاء مؤسسات إسلامية، وهو الأَولى، باعتباره الأرضَى للربِّ جلَّ وعلا، والأنفع لدينه ولعباده، أو مِنْ خلال
стр. 885
إقناع البنوك الغربية بالتعديل في عقودها التي تجريها مع الجاليات الإسلامية بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية، إلى أن يتوافر البديل الإسلامي المنشود، وهو أمر ميسور في هذه المجتمعات.
سابعًا: مناشدة القادرين في العالم الإسلامي أن يتبنوا مشروعًا استثماريًّا يجمع الله لهم فيه بين الكسب في الدنيا، والأجر في الآخرة؛ لتوفيرِ مساكنَ للراغبين في ذلك من المسلمين المقيمين في المجتمعات الغربية، وذلك بصيغة من الصيغ الشرعية المعروفة مشاركةً، أو مرابحةً، أو استصناعًا، أو تأجيرًا منتهيًا بالتمليك بضوابطه الشرعية، أو نحوه، وألَّا يُغالوا في تقدير أرباحهم، حتى لا يكونوا فتنةً تَصُدُّ الناسَ عن التعامل ابتداءً مع المؤسسات الإسلامية، وتحمِلُهم على إساءة الظن بالتطبيق الإسلامي، كلما دُعِيَ إليه أو لاحتْ بوادِرُهُ.
والله تعالى أعلى وأعلم" (١).
стр. 886
المبحث الثاني
أحكام عقود التأمين خارج ديار الإسلام
تَمْهيد
قبل الدخول إلى تصوير المسألة وتكييفها، وهي حكم إجراء عقود التأمين ببلاد الأقليات، ولا سيما في الدول الغربية يحسن أولًا التقديم بلمحة مختصرة عن التأمين وحقيقته وأركانه.
المطلب الأول: تعريف التأمين:
التأمين لغة: مصدر: أمَّن يؤمِّن تأمينًا، وأصله من أمن -بكسر الميم- أمنًا، وأمانًا وأمانةً وأمنةً، أي: اطمأن ولم يَخَفْ، فهو آمن، وأمين، وأمن البلد اطمأن فيه أهله، وأَمِنَهُ عليه، أي: وثق به، قال تعالى: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤]، أي: هل أثق بكم. . .، وجاء: أَمُن -بضم الميم- أمانة، أي: كان أمينًا، وآمن يؤمن إيمانًا، أي: صدقه، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، أي: مصدِّقٍ.
ويقال: أمَّن على دعائه، أي: قال: آمينَ (١)، وعلى الشيء: دفع مالًا منجَّمًا لينال هو أو ورثته قدرًا من المال متفقًا عليه، أو تعويضًا عما فقد، يقال: أمَّن على حياته، أو على داره، أو سيارته (مج) إشارة إلى أن هذا المعنى الأخير جديد، أقره مجمع اللغة العربية (٢).
التأمين شرعًا: وردت مادة التأمين في كتاب الله تعالى في مواضع تفيد تحقيق الأمن والاطمئنان، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤]، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
стр. 887
التأمين اصطلاحًا:
عادةً ما يعرف التأمين موصوفًا أو مضافًا، فيقال: التأمين التجاري، أو تأمين إصابة العمل.
وإذا كان محل التأمين موجودًا يخشى عليه الفوات فيعدَّى بـ (على) فيقال: التأمين على الحياة؛ وذلك لأن من معاني (على) الاستعلاء حقيقةً أو مجازًا.
وإذا كان محل التأمين غير موجود، ويؤمل، أو يخشى حصوله فيعدَّى بـ (اللام)؛ وذلك لإفادة الاستحقاق.
فيقال: التأمين للشيخوخة، أو لحدوث الحريق، ونحوه.
ثم إن التأمين يعرف كنظام، ويعرف كعقد، أو تصرف قانوني (١).
تعريف التأمين كنظام أو نظرية:
بهذا الاعتبار هو: تعاون منظم تنظيمًا دقيقًا بين عدد كبير من الناس، معرَّضين جميعًا لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع على مواجهته بتضحية قليلة يبذلها كل منهم يتلافون بها أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم لولا هذا التعاون (٢).
تعريف التأمين كعقد أو تطبيق:
" هو عقد يلتزم المؤمِّنُ بمقتضاه أن يؤدي إلى المؤمَّنِ له، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال، أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث، أو تحقق الخطر المبين بالعقد، وذلك في نظير قسط، أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّنُ له للمؤمِّنِ" (٣).
стр. 888
ومن التعريفات المختارة للجمع بين أنواع التأمين المختلفة من الناحية العَقْدية أنه:
"نظام مالي يلتزم فيه المؤمَّن بدفع مال أو إيراد مرتب، أو أي عوض مالي آخر للمستفيد عند وقوع الحادث المرغوب فيه، أو غير المرغوب فيه، مدة معينة مقابل دفع المستأمن قسط التأمين بصفة دورية أو دفعة واحدة" (١).
وهو تعريف يتناول التأمين الاجتماعي، كما يشمل سائر الأنواع التجارية والتبادلية، وتظهر فيه أركان التأمين الأربعة، وهي: المؤمِّن، والمؤمَّن عليه، والخطر، ومبلغ التأمين.
المطلب الثاني: أقسام التأمين:
ينقسم التأمين باعتبارات متعددة وحيثيات متنوعة، وفيما يلي بعض هذه التقسيمات:
أولًا: ينقسم من حيث المجالات إلى:
١ - التأمينِ البحريِّ.
٢ - التأمينِ البريِّ.
٣ - التأمينِ الجويِّ.
ثانيًا: ينقسم من حيث قوة التطبيق إلى:
١ - التأمينِ الاختياريِّ.
٢ - التأمينِ الإجباريِّ.
ثالثًا: ينقسم من حيث العموم والخصوص إلى:
١ - التأمينِ العامِّ.
٢ - التأمينِ الخاصِّ.
стр. 889
رابعًا: ينقسم من حيث محله وموضوعه إلى:
١ - التأمينِ على الأشخاص؛ وتحته أنواعٌ:
أ - التأمينُ على الحياة.
ب - التأمينُ للمرض.
ج - التأمينُ للإصابات.
د - التأمينُ للزواج.
هـ - التأمينُ للأولاد.
٢ - التأمينِ على الأشياء.
٣ - التأمينِ للمسئولية.
خامسًا: ينقسم من حيث مردوده إلى:
١ - تأمينٍ تعويضيٍّ.
٢ - تأمينٍ غيرِ تعويضيٍّ.
٣ - تأمينٍ مزدوجٍ.
سادسًا: ينقسم من حيث قصد إنشائه إلى:
١ - تأمينٍ تجاريٍّ.
٢ - تأمينٍ غيرِ تجاري؛ وتحت غيرِ التجاريِّ أنواعٌ، منها:
أ - التأمينُ التبادليُّ.
ب - التأمينُ الذاتيُّ.
ج - التأمينُ التعاونيُّ.
د - التأمينُ التبادليُّ التعاونيُّ.
هـ - التأمينُ الاجتماعيُّ.
سابعًا: ينقسم من حيث المنتفع به إلى:
١ - التأمينِ لمصلحةِ النفسِ.
٢ - التأمينِ لمصلحةِ الغيرِ.
٣ - التأمينِ المشترَكِ (١).
стр. 890
المطلب الثالث: خصائص عقد التأمين المعاصر:
أولًا: عقدُ التأمينِ التجاريِّ:
أكثر الدراسات تتناول خصائص عقد التأمين التجاري دون التبادلي أو الاجتماعي؛ وذلك لأنه النوع الذي تنظمه القوانين، وإدراك خصائص التأمين التجاري يعطي فكرة عن طبيعة العقد عمومًا.
١ - فهو عقدٌ رضائيٌّ ينعقد بإيجاب وقبول وبرضا الطرفين.
٢ - وهو عقد ملزم للجانبين، حيث يلتزم المؤمِّن بالتعويض عند وقوع الخطر ويلتزم المستأمن بدفع الأقساط.
٣ - وهو عقد معاوضة؛ لأن كلا الطرفين يدفع مقابلًا لما يدفعه الآخر.
٤ - وهو عقد احتماليٌّ لا يستطيع كلا العاقدين أن يحدد وقت تمام العقد القدرَ الذي يعطى، ولا يتحدد إلا في المستقبل تبعًا لحدوث أمرٍ غيرِ محقَّقِ الحصولِ، أو غيرِ معروفٍ وقتَ حصولِهِ لو كان محقَّقًا.
٥ - وهو عقدُ إذعانٍ وخضوع حيث يُعِدُّ شروطَهُ أحدُ العاقدين، وليس أمام الآخر إلا أن يقبل أو يرفض، فلا تفاوض بينهما.
٦ - وهو عقد مستمر مع الزمن؛ فالزمن عنصر جوهري فيه؛ لأنه بمروره تُسْتَحَقُّ الأقساط المتتابعة إلى أجل، أو آجال متتابعة (١).
وعليه فإن القوانين الوضعية لم تختلف في تكييف التأمين التجاري بأنه عقد مدني زمني قائم على التراضي، والمعاوضة، كما أنها اتفقت على أنه عقد احتمالي قائم على
стр. 891
الغرر؛ ولذلك خصص القانون المدني المصري الباب الرابع لعقود الغرر؛ فذكر في فصله الأول المقامرة، والرهان، وفي فصله الثالث: عقد التأمين.
وهذا التأمين له أنواع كثيرة تشمل التأمين من الأضرار، والتأمين على الأشخاص، وأنه من خلال هذين النوعين يشمل كافة مجالات الحياة العادية والنادرة (١).
ثانيًا: التأمينُ الاجتماعيُّ:
والتأمينُ الاجتماعيُّ هو تأمينٌ إجباريٌّ تقوم به أو تشرف عليه وتعينه الدولة، ضد أخطار معينة، يتعرض لها أصحاب الحرف ونحوهم (٢).
يتفق التأمين الاجتماعي مع التجاري في أكثر الخصائص الجوهرية، ويتميز عنه بأمور، أهمها:
١ - أنه وظيفة اجتماعية، بمعنى أن الحاجة الاجتماعية تقتضيه.
٢ - أنه تأمينٌ إجباريٌّ لمن يشملهم النظام.
٣ - أنه تأمين مغلق، أي: أنه محدود من حيث نوعية المؤمن لهم، فهو لا يضم تحت لوائه إلا من يدخلون في حسبة النظام، وهم من فئة الناس الذين يكسبون معاشهم بأيديهم.
وهو محدود من جهة نوع الحظر المؤمن ضده، مثل: إصابات العمل، والعجز، والبطالة، ونحو ذلك.
٤ - أقساطه منخفضة القيمة، ولا يختص المؤمَّنُ له وحده بتسديدها، بل إنه قد يسهم صاحب العمل أو الدولة، أو هما معًا، في تسديد هذه الأقساط (٣).
ثالثًا: التأمينُ التبادليُّ:
وهو اتحاد غير مقيد يقوم به المؤمن لهم أنفسهم، فيتعهدون بدفع اشتراكات دورية،
стр. 892
وفق جدول متفق عليه؛ لتغطية الخسائر التي يتعرض لها بعضهم في الحالات المعينة المحتمل حدوثها في المستقبل، وتوزع هذه الخسائر على جميع الأعضاء دوريًّا (١).
التأمينُ التبادليُّ يتفق أيضاً مع التجاري في عامة الخصائص، إلا أن الهيئة القائمة على كل منهما مختلفة، فبينما يقوم التأمين التجاري على شركات مساهمة تبحث عن الربح المباشر فحسب، تقوم جماعات متعاونة على التأمين التبادلي، بقصد تخفيض القسط إلى أقل قدر ممكن، وعليه: فإنه لا يسعى في هذا النوع إلى الربح المباشر، وإنما إلى خفض الأقساط المدفوعة (٢).
ويختلف التأمينُ الاجتماعيُّ عن التبادليِّ التعاونيِّ في أن الأخير عقد مالي بين الأفراد، اختياري في كل أحواله، ومن الأنظمة الخاصة فهو أقلُّ اتساعًا، ويموله أعضاؤه فحسب (٣).
المطلب الرابع: حكمُ التأمين داخلَ ديار الإسلام:
لا تكاد توجد نازلة معاصرة حظيت بما حظي به التأمين من عناية واهتمام، والمسألة في أصلها قد تعرَّض لها المتأخرون من الفقهاء.
ومن أبرز الجهات التي عُنِيَتْ ببحثه ودرسه في الواقع المعاصر:
- المحكمةُ الشرعيَّةُ الكبرى بمصر:
حيث أصدرت في ١٩٠٦ م حكمًا بأن دعوى المطالبة بمبلغ التأمين على الحياة دعوى غير صحيحة شرعًا؛ لاشتمالها على ما لا تجوز المطالبة به شرعًا.
وأيدت المحكمة العليا الشرعية في الاستئناف بصحة القرار الصادر من المحكمة
стр. 893
الكبرى، ورفض الاستئناف (١).
وفي نفس العام ١٩٠٦ م أخرج مفتي الديار المصرية الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي رسالته في أحكام السوكورتاه، والتي قرر فيها فساد عقد التأمين، وأن سبب فساده يعود إلى الغرر والخطر، وما فيه من معنى القمار.
وكذا صدر قرار المجلس الأعلى للأوقاف برفض التأمين على الأعيان الموقوفة، ومن هؤلاء العلماء: الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر، والشيخ حسونة النواوي شيخ الأزهر، والشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية، والشيخ بكري الصدفي مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد نجاتي الحنفي مفتي ديوان الأوقاف (٢).
وفي ١٥ يناير ١٩٢٥ م أفتى الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية بأن عمل شركات التأمين على الوجه المبين في السؤال غير مطابق لأحكام الشريعة الإسلامية (٣).
وفي ٢٤/ ٤/ ١٩٦٨ م أصدرت لجنة الفتوى بالأزهر الشريف برئاسة الشيخ محمد عبد اللطيف السبكي الحنبلي فتواه المفصلة بحرمة التأمين التجاري بكل أنواعه (٤).
وفي خلال ذلك بدأ يتطرق الخلاف، وتظهر فتاوي هنا وهناك بالجواز لبعض أنواعه، ورأى كثيرون أهمية درسه جماعيًّا والإفتاء فيه مجمعيًّا.
وعقدت لدرسه مجامع علمية، وندوات ومؤتمرات علمية، وقد تمخضت هذه المداولات العلمية عن ثلاثة أراء:
стр. 894
الرأي الأول: حرمة عقود التأمينِ جميعها (١).
الرأي الثاني: أنها مباحة شرعًا بشرط خلوها عن الربا (٢).
الرأي الثالث: تحريم بعض العقود كالتأمين التجاري، وإباحة بعضها كالتأمينِ التعاونيِّ (٣).
ومن أهم المجامع العلمية التي درست الموضوع ما يلي:
١ - أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان ابن تيمية المنعقد بدمشق من ١٦ - ٢١ شوال ١٣٨٠ هـ.
٢ - المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في عام ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م.
٣ - ندوة التشريع الإسلامي المنعقدة بدعوة الجامعة الليبية في الفترة من ٢٣ - ٢٨ ربيع أول ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م.
٤ - المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي الذي دعت إليه جامعة الملك عبد العزيز بجدة، والمنعقد بمكة من ٢١ - ٢٦ صفر ١٣٩٦ هـ.
٥ - مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية في دورته العاشرة المنعقدة بالرياض في ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ.
٦ - مجمع الفقه الإسلامي في دورته الأولى في ١٠ شعبان ١٣٩٨ هـ.
٧ - مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمرِ الإسلاميِّ في دورة انعقاد مؤتمرِهِ الثاني بجدَّة من ١٠ - ١٦ ربيع الثاني ١٤٠٦ هـ.
تحرير محل النزاع:
فكرة التأمين ضد المخاطر ليست مرفوضة في ذاتها، وبالنفس حاجة فطرية للبحث
стр. 895
عن الأمن والأمان، والأصل أن يتحقق هذا المطلب من غير مخالفة للشرع المطهر.
فإذا اشتمل هذا العقد على غرر منهي عنه، أو جهالة فاحشة لا تغتفر، أو تضمَّن قمارًا، أو رهانًا، أو اشتمل على الربا بنوعيه؛ ربا الفضل، أو ربا النساء؛ فإن ذلك كله يعدُّ أكلًا للأموال بطريقة محرمة، فلا يجوز ابتداءً (١).
وقد ادُّعي كل ذلك في عقد التأمين التجاري بصورته الراهنة.
فإذا أمكن تنقية أو استبدال ما كان سببًا لتطرق التحريم إليه، فقد تمهد السبيل للقول بجوازه.
قرار المجمعِ الفقهيِّ الإسلاميِّ بشأن التأمين:
تَقَدَّم أن المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته الأولى بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلاميِّ وبتاريخ ١٠ شعبان ١٣٩٨ هـ، نظر في موضوع التأمين بأنواعه، بعد مدارسة علمية للبحوث المقدمة في الموضوع، وتداول الرأي بين علمائه قرر بالإجماع -عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا- تحريم التأمينِ التجاريِّ بجميع أنواعه، سواء أكان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك، وانتهى إلى جواز التأمينِ التعاونيِّ بالإجماع.
وفيما يلي نص القرار بطوله لتضمنه أدلة القائلين بالمنع، ومناقشة أدلة القائلين بالجواز، والرد عليها بما يغني عن طرح المسألة طرحًا جديدًا.
نص القرار:
" أما بعد: فإن مجمعَ الفقهِ الإسلاميِّ قد نظر في موضوع التأمين بأنواعه المختلفة بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد ما اطلع أيضاً على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة المنعقدة بمدينة الرياض
стр. 896
بتاريخ ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ من التحريم للتأمين بأنواعه.
وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر المجلس بالأكثرية: تحريم التأمين بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك من الأموال.
كما قرر مجلس المجمع بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء من جواز التأمين التعاوني بدلًا من التأمين التجاري المحرم، والمنوه عنه آنفًا، وعهد بصياغة القرار إلى لجنة خاصة.
تقرير اللجنة المكلفة بإعداد قرار مجلس المجمع حول التأمين:
بناءً على قرار مجلس المجمع المتخذ بجلسة الأربعاء ١٤ شعبان ١٣٩٨ هـ، المتضمن تكليف كل من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ محمد ابن عبد الله السبيل بصياغة قرار مجلس المجمع حول التأمين بشتى أنواعه وأشكاله.
وعليه فقد حضرت اللجنة المشار إليها، وبعد المداولة أقرت ما يلي:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فإن المجمعَ الفقهيَّ الإسلاميَّ في دورته الأولى المنعقدة في ١٠ شعبان ١٣٩٨ هـ، بمكة المكرمة بمقر رابطة العالمِ الإسلاميِّ نظر في موضوع التأمين بأنواعه، بعد ما اطلع على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد ما اطلع أيضاً على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية في دورته العاشرة بمدينة الرياض، بتاريخ ٤/ ٤/ ١٣٩٧ هـ، بقرار رقم (٥٥) من التحريم للتأمين التجاري بأنواعه.
وبعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمعِ الفقهيِّ بالإجماع -عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا- تحريم التأمينِ التجاريِّ بجميع أنواعه، سواء كان على النفس، أو البضائع التجارية، أو غير ذلك؛ للأدلة الآتية:
الأول: عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر
стр. 897
الفاحش؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي، أو يأخذ، فقد يدفع قسطًا، أو قسطين، ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمِّن، وقد لا تقع الكارثة أصلًا، فيدفع جميع الأقساط، ولا يأخذ شيئًا، وكذلك المؤمَّن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ النهي عن بيع الغرر (١).
الثاني: عقد التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيه، ومن الغُنم بلا مقابل أو بمقابل غير مكافئ فإن المستأمن قد يدفع قسطًا من التأمين، ثم يقع الحادث، فيغرم المؤمِّن كلَّ مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر، ومع ذلك يغنم المؤمِّن أقساط التأمين بلا مقابل، وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارًا، ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، والآية بعدها.
الثالث: عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل والنساء، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمِن، أو لورثته، أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها، فهو ربا فضل، والمؤمِّن يدفع ذلك للمستأمِن بعد مدة، فيكون ربا نساء، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نساء فقط، وكلاهما محرم بالنص والإجماع.
الرابع: عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم؛ لأن كلًّا منهما فيه جهالة وغرر ومقامرة، ولم يبح الشرع من الرهان إلَّا ما فيه نصرة للإسلام، وظهور لأعلامه بالحجة والسنان، وقد حصر النبي ﷺ رخصة الرهان بعوض في ثلاثة بقوله ﷺ : "لا سبق إلا في خُفٍّ، أو حافرٍ، أو نصلٍ" (٢) وليس التأمين من ذلك، ولا شبيهًا به فكان محرمًا.
стр. 898
الخامس: عقد التأمين التجاري فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، والأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرم؛ لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
السادس: في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعًا، فإن المؤمِّن لم يحدث الخطر منه، ولم يتسبب في حدوثه، وإنما كان منه مجرد التعاقد مع المستأمِن على ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المستأمِن له، والمؤمِّن لم يبذل عملًا للمستأمِن فكان حرامًا.
وأما ما استدل به المبيحون للتأمين التجاري مطلقًا، أو في بعض أنواعه فالجواب عنه ما يلي:
١ - الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح؛ فإن المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام:
- قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة.
- وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة، وهذا محل اجتهاد المجتهدين.
- والقسم الثالث ما شهد الشرع بإلغائه.
وعقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا، فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه؛ لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة.
٢ - الإباحة الأصلية لا تصلح دليلًا هنا؛ لأن عقود التأمين التجاري قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة، والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم الناقل عنها، وقد وجد فبطل الاستدلال بها.
٣ - "الضرورات تبيح المحظورات" لا يصح الاستدلال به هنا؛ فإن ما أباحه الله من طرق كسب الطيبات أكثر أضعافًا مضاعفة مما حرَّمه عليهم، فليس هناك ضرورة
стр. 899
معتبرة شرعًا تُلجئ إلى ما حرمته الشريعة من التأمين.
٤ - لا يصح الاستدلال بالعرف؛ فإن العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام، وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام، وفهم المراد من ألفاظ النصوص، ومن عبارات الناس في أيمانهم وتداعيهم وإخبارهم وسائر ما يحتاج إلى تحديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير له فيما تبين أمره وتعين المقصود منه، وقد دَلَّتِ الأدلة دلالةً واضحة على منع التأمين، فلا اعتبار به معها.
٥ - الاستدلال بأن عقود التأمين التجاري من عقود المضاربة، أو في معناه غير صحيح؛ فإن رأس المال في المضاربة لم يخرج عن ملك صاحبه، وما يدفعه المستأمِن يخرج بعقد التأمين من ملكه إلى ملك الشركة حسبما يقضي به نظام التأمين، وأن رأس مال المضاربة يستحقه ورثة مالكه عند موته، وفي التأمين قد يستحق الورثة -نظامًا- مبلغَ التأمين، ولو لم يدفع مورِّثُهم إلَّا قسطًا واحدًا، وقد لا يستحقون شيئًا إذا جعل المستفيد سوى المستأمِن وورثته، وأن الربح في المضاربة يكون بين الشريكين نسبًا مئوية بخلاف التأمين فربح رأس المال وخسارته للشركة، وليس للمستأمِن إلا مبلغ التأمين، أو مبلغ غير محدد.
٦ - قياس عقود التأمين على ولاء الوالاة -عند من يقول به- غير صحيح؛ فإنه قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار وفاحش الجهالة، بخلاف عقد ولاء الموالاة، فالقصد الأول فيه التآخي في الإسلام والتناصر، والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال، وما يكون من كسب مادي، فالقصد إليه بالتبع.
٧ - قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزِم -عند من يقول به- لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق، ومن الفروق: أن الوعد بقرض، أو إعارة، أو تحمل خسارة -مثلًا- من باب المعروف المحض،
стр. 900
فكان الوفاء به واجبًا، أو من مكارم الأخلاق، بخلاف عقود التأمين، فإنها معاوضة تجارية باعثها الربح المادي، فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر.
٨ - قياس عقود التأمين التجاري على ضمان المجهول، وضمان ما لم يجب -قياس غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق: أن الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض بخلاف التأمين؛ فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها أولًا الكسب المادي، فإن ترتب عليه معروف فهو تابع غير مقصود إليه، والأحكام يراعى فيها الأصل لا التابع ما دام تابعًا غير مقصود إليه.
٩ - قياس عقود التأمين التجاري على ضمان خطر الطريق لا يصح؛ فإنه قياس مع الفارق، كما سبق في الدليل قبله.
١٠ - قياس عقود التأمين التجاري على نظام التقاعد غير صحيح؛ فإنه قياس مع الفارق أيضًا؛ لأن ما يعطى في التقاعد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسئولًا عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به الموظف من خدمة الأمة، ووضع له نظامًا راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، وعلى هذا لا شبه بينه وبين التأمين الذي هو من عقود المعاوضات المالية التجارية التي يقصد بها استغلال الشركات للمستأمِنين، والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة؛ لأن ما يعطى في حالة التقاعد يعتبر حقًّا الْتُزِمَ به من حكومات مسئولة عن رعيتها، وتصرفها لمن قام بخدمة الأمة كفاء لمعروفه، وتعاونًا معه جزاء تعاونه ببدنه، وفكره وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة.
١١ - قياس نظام التأمين التجاري وعقوده على نظام العاقلة لا يصح؛ فإنه قياس مع
стр. 901
الفارق، ومن الفروق: أن الأصل في تحمل العاقلةِ الديةَ الخطأ وشبه العمد ما بينهم وبين القاتل خطأً أو شبهَ عمدٍ من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف، ولو دون مقابل، وعقود التأمين التجارية استغلالية تقوم على معاوضات مالية محضة لا تَّمُتُّ إلى عاطفة الإحسان، وبواعث المعروف بصلة.
١٢ - قياس عقود التأمين التجاري على عقود الحراسة غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق أيضًا، ومن الفروق: أن الأمان ليس محلًّا للعقد في المسألتين، وإنما محله في التأمين الأقساط ومبلغ التأمين، وفي الحراسة الأجرة وعمل الحارس، أمَّا الأمان فغاية ونتيجة، وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس.
١٣ - قياس التأمين على الإيداع لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق أيضًا، فإن الأجرة في الإيداع عوض عن قيام الأمين بحفظ شيء في حوزته يحوطه، بخلاف التأمين؛ فإن ما يدفعه المستأمِن لا يقابله عمل من المؤمِّن يعود إلى المستأمِن بمنفعة، إنما هو ضمان الأمن والطمأنينة، وشرط العوض عن الضمان لا يصح، بل هو مفسد للعقد، وإن جعل مبلغ التأمين في مقابلة الأقساط كان معاوضة تجارية جُهِلَ فيها مبلغ التأمين، أو زمنه، فاختلف عن عقد الإيداع بأجر.
١٤ - قياس التأمين على ما عرف بقضية تجار البزِّ مع الحاكَةِ لا يصح، والفرق بينهما أن المقيس عليه من التأمين التعاوني وهو تعاون محض، والمقيس تأمين تجاري وهو معاوضات تجارية فلا يصح القياس". انتهى قرار المجمع.
وكذا انتهى قرارُ مجمعِ الفقهِ الإسلاميِّ الدوليِّ إلى "أن عقدَ التأمينِ التجاريِّ ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركاتُ التأمينِ التجاريِّ عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد؛ ولذا فهو حرام شرعًا" (١).
стр. 902
وأمَّا التأمينُ التعاونيُّ فله صورتان:
الصورة الأولى: تتمثل في صورة تعاون مجموعة من الأشخاص من ذوي حرفة واحدة يتعرضون لنوع من المخاطر؛ فيتعاونون فيما بينهم على التعويض عن أي خطر يقع على أحدهم من اشتراكاتهم.
فهذه الصورة إذا لم يخالطها أمر غير مشروع من الربا ونحوه فهي حلال، وقد صدر بذلك قرار من مجمعِ البحوثِ الإسلاميَّةِ في مؤتمرِهِ الثاني بالقاهرة عام ١٣٨٥ هـ، ومن المجامع الفقهية الأخرى.
الصورة الثانية: التأمينُ التعاونيُّ المُرَكَّبُ، وهي أن تقوم شركة متخصصة بأعمال التأمين التعاوني، يكون جميع المستأمِنين (حَمَلَةُ الوثائقِ) مساهمين في هذه الشركة، وتتكون منهم الجمعية العمومية، ثم مجلس الإدارة.
فالأموال تُجمع من المساهمين، وتُصرف في إدارة الشركة، وفي تعويض كل من يقع عليه الضرر، أو يعطى للمستفيد حسب الاتفاق، والباقي يبقى في رصيد الشركة، وقد يُوَزَّعُ منه شيء عليهم.
وهذا النوع منتشر في بعض بلاد الغرب وبخاصة في الدول الإسكندنافية.
حكمُ التأمينِ التعاونيِّ:
أنه حلال من حيث المبدأ؛ لأن الأموال منهم وإليهم، وأن العلاقة بين المساهمين تقوم على التعاون والتبرع، وليس التجارة، والاسترباح من عمليات التأمين، إلا إذا صاحبت هذه الشركات محرمات، مثل: التعامل بالربا.
ومن التأمينِ التعاونيِّ: نظامُ المعاشاتِ والضمانِ الاجتماعيِّ، وتأمينُ الجمعياتِ التعاونيةِ.
وقد قرر مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف في مؤتمرِهِ الثاني عام ١٣٨٥ هـ، بخصوصه ما يلي:
стр. 903
١ - التأمين الذي تقوم به جمعيات تعاونية يشترك فيها جميع المستأمِنين لتؤدي لأعضائها ما يحتاجون إليه من معونات وخدمات أمرٌ مشروعٌ، وهو من التعاون على البِرِّ.
٢ - نظامُ المعاشاتِ الحكوميُّ، وما يشبهه من نظام الضمانِ الجماعيِّ المتبع في بعض الدول، ونظام التأمينات الاجتماعية المتبع في دول أخرى كل هذا من الأعمال الجائزة.
وهذا ما صدر به قرار رقم ٩ (٩/ ٢) من مجمع الفقه الإسلاميِّ الدوليِّ التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومن المجمع الفقهيِّ الإسلاميِّ التابع لرابطة العالم الإسلاميِّ، وهيئة كبار العلماء (١).
стр. 904
المطلب الخامس: حكم التأمين خارج ديار الإسلام:
تصوير المسألة وتكييفها:
عقد التأمين عقد مستحدث قد ظهر في العصور المتأخرة وجرى تقنين العمل به في أوروبا وأمريكا، وعنهما انتقل إلى البلاد الإسلامية والعربية في القرن الثامن عشر الميلادي، ثم عَمَّت وانتشرت في مختلف البلاد الإسلامية في القرن العشرين، وفرضت المسألة نفسها على العلماء والفقهاء لبيان رأي الشرع فيها، والاجتهاد في تكييفها، وتحديد صفتها باعتبارها من المستجدات التي لم يَرِدْ فيها نص شرعي، ولم يصل إليها اجتهاد الأئمة السابقين في صيغتها الجديدة (١).
وما من شك أن المسلم في كل زمان ومكان مأمور بطلب مرضاة ربه، ومعرفة أحكام دينه في مستجدات عصره، وأنه بكل حال متعبد بالوسيلة والغاية معًا.
وإذا ثبت لدى المسلم حرمة التأمينِ التجاريِّ بصوره المختلفة، فإنه سيمتنع عنه، ويولي وجهه شطر البدائل الشرعية من التأمين التعاونيِّ التكافليِّ بأنواعه المختلفة، والتي تتضمن تأمينًا على الأشخاص والأشياء، والمسئولية والتبعة.
والمسلم الذي يعيش ببلاد الأقليات -ولا سيما في العالم الغربي- يعيش في عصر وزمان ومكان أصبح التأمين فيه "موضة" أو "تقليعة" العصر (٢).
تأصيل الموقف من التأمين خارجَ ديارِ الإسلامِ:
لقد استقرَّ القول بتحريم التأمينِ التجاريِّ في المجامع الفقهية المنعقدة خاصة لبحثه،
стр. 905
أو المجامع الدولية، وأمَّا ما يتعلق بجريانه في بلاد الغرب وخارج ديار الإسلام فقد تَصَدَّى لبيانِ حُكْمِهِ طائفة من العلماء وتناولته بعض المجامع المعنية بالإفتاء في الشأن الغربي وبخصوص الأقليات؛ كالمجلس الأوروبيِّ للإفتاء والبحوث، ومجمعِ فقهاءِ الشريعةِ بأمريكا.
وقبل عرض هذه القرارات وما تضمنته من توجهات فقهية، ينبغي التنبيه على خصوصية تتعلق بتلك المجتمعات التي ترعى الإنسان وتدفع عنه الضرر المادي وتحميه منه بوسائلَ فعَّالةٍ.
فلو أن فردًا أو جمعية أو هيئة إسلامية قامت -مثلًا- بإنشاء مدرسة أو افتتاح حضانة للأطفال فوقع تقصير ما أدى إلى إصابة طفل أو تلميذ، فرفع وليه دعوى قضائية تعويضية فسوف يكون التعويض باهظًا بما يكفي لإغلاق هذه المدرسة، أو المنشأة التي تحتاجها الأقلية في بلاد الغربة، فإن لم تكن تلك المنشأة مرتبطة بعقد تأمين يقيها أو يحميها؛ فإنها لن تلبث أن تواجه مشاكل لا طاقة لها بها.
فالعلاجُ الطبيُّ من خلال شركات التأمينِ الصحيِّ، سواء أكان ذلك من خلال الدولة، أو من خلال شركات تأمين صحي عملاقة.
وهنالك التأمين على الحياة، وتأمين التقاعد، وتأمين الممتلكات عقارية أو منقولة، في أنواع كثيرة يصعب حصرها ويطول استقصاؤها.
ومن هذه الأنواع: ما هو تجاريٌّ اختياريٌّ.
ومنها: ما هو تجاريٌّ إجباريٌّ، يشمل المقيم والمتجنس، بل والسائح أحيانًا في بعض المجالات.
وهناك أنواع من التأمين ليست إجبارية، ولكن الحاجة تمسُّ إليها.
كما أن هناك عقودًا شرعيةً صحيحةً يُشْتَرَطُ للدخول فيها تأمينٌ معين بشكل لا يتأتَّى العقد إلا مع هذا الدخول والاشتراك، فوجود التأمين تبعيٌّ لا أصليٌّ، كما في عقود شراء السيارات، أو الأجهزة الكهربية، والتأمين على البضائع لدى شرائها، وطلب
стр. 906
شحنها إلى المشتري، ونحو هذا.
فهل هذه المسائل في المنع سواء، بناءً على حرمة التأمين التجاري، أم هنالك باب للترخيص بالحاجةِ الماسةِ، وتقديرِ ظروفِ الحياة التي يعيشها المسلم في ديار الغرب اليوم؟
لا شك أن هذه المسألة تبحث في أثر الحاجة العامة في الترخيص، وكذا رعاية قواعد الضرورات وأثرها في إباحة المحرمات.
وعليه: فإن كثيرًا من هذه الجهات ببلاد الأقليات الإسلامية تبدو محتاجة -بشكل ماسٍّ ومباشر- للتأمين التجاري في بلاد الغرب بشكل خاص، ومع ندرة الشركات الإسلامية للتأمين يتحقق تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في إباحة ما يحرم تحريمَ الوسائلِ، لا المقاصدِ، وما كانت حرمته ظنية لا قطعية، ونحو ذلك كما سبق بيانه.
وفيما يلي تأصيل للحكم الشرعيِّ في التأمينِ خارجَ ديارِ الإسلامِ من خلال مدارسة قرارات المجامع الفقهية والبحوث العلمية للمشايخ المعاصرين:
أولًا: سلَّمت الفتاوي المجمعية بمراعاة قرارات المجامع الفقهية في التأمين في ديار الإسلام، وجواز التأمينِ التعاونيِّ، ومن ذلك:
١ - قرار المجلس الأوروبي للإفتاء:
وفيه: ". . . مع مراعاة ما ورد في قرارات بعض المجامع الفقهية من حرمة التأمين التجاري الذي يقوم على أساس الأقساط الثابتة، دون أن يكون للمستأمن الحق في أرباح الشركة، أو التحمل لخسائرها، ومشروعية التأمين التعاوني الذي يقوم على أساس التعاون المنظم بين المستأمنين، واختصاصهم بالفائض -إن وجد- مع اقتصار دور الشركة على إدارة محفظة التأمين واستثمار موجوداتها" (١).
стр. 907
٢ - قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا:
وفيه: "إن التأمينَ التجاريَّ الذي يقوم على وجود شركة تأمين تقوم بتحصيلِ الأقساطِ ودفعِ التعويضاتِ وأيلولَةِ الفائضِ التأمينيِّ (الأقساط المحصلة - التعويضات) وعائد استثماره لِمُلَّاكِ الشركة ينطوي على شبهات شرعية عديدة، منها: الغرر، وأكل أموال الناس بالباطل، والربا، فضلًا عن أن هذه الشركات تستثمر أموالها بطرق محرمة شرعًا، كالإيداع في البنوك بفوائدَ، والإقراض للغير بفوائدَ، وهذا ما دعا جمهورَ الفقهاء المعاصرين إلى القول بعدم جواز التأمينِ التجاريِّ شرعًا.
إن التأمينَ التكافليَّ الذي تتولاه شركات التأمين الإسلامية القائمة والتي تتزايد وتنتشر من الأمور المتفق على إباحتها شرعًا؛ لقيامها على التكافل والتبرع، ويوصي المجمع بتشجيع هذه الشركات والتعامل معها، والعمل بكل السبل على شيوع انتشارها" (١).
وما قررته المجامع الفقهية قرره العلماء المعاصرون في بحوث ودراسات منفردة كثيرة.
ثانيًا: لم تَمِلِ المجامعُ الفقهية المعاصرة إلى الأخذ بجواز عقود التأمين التجاري خارج ديار الإسلام ؛ استنادًا إلى ما ذكر في المذهب الحنفي من جواز أخذ مال الكافر الحربي بعقد فاسد ولو بالربا، مع ما سبق من استناد بعضهم إليه في مسألة الاقتراض بالربا لشراء المساكن خارج ديار الإسلام مع التعويل أيضًا على تنزيل الحاجة منزلة الضرورة.
على أن مسألة التأمين قد بحثها الفقيه الحنفي ابن عابدين في غير دار الإسلام، ويعتبر بذلك من أقدم الفقهاء مناقشةً لها وبيانًا لحكمها؛ حيث قال في حاشيته:
"وبما قررنا -من عدم جواز أخذ مال الكافر الحربي بعقد فاسد، وجوازه في دار الحرب برضاه، ولو بربا- يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زمننا، وهو أنه:
стр. 908
جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركبًا من حربي يدفعون له أجرته، ويدفعون أيضًا مالًا معلومًا لرجل حربي مقيم في بلاده، ويسمى ذلك المال (سوكرة) على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمَن في دار يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان يقبض من التجار مال (السوكرة)، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمَن للتجار بدله تمامًا".
ثم قال: "والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله؛ لأن هذا التزام ما لم يلزم. . . ".
ثم بعد مناقشةٍ جادَّةٍ لعدة أفكار حول هذا الموضوع قال: "فاغنمه فإنك لا تجده في غير هذا الكتاب" (١).
وقد ناقش ابن عابدين بعض الشبهات التي أثيرت، فقال:
"فإن قلتَ: إن المودع إذا أخذ أجرة على الوديعة يضمنها إذا هلكت؟
قلتُ: مسألتنا ليست من هذا القبيل؛ لأن المال ليس في يد صاحب السوكرة، بل في يد صاحب المركب، وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيرًا مشتركًا قد أخذ أجرة على الحفظ وعلى الحمل، وكل من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والغرق، ونحو ذلك.
فإن قلتَ: سيأتي قبيل "باب كفالة الرجلين" قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، فسلك وأخذ ماله، لم يضمن. ولو قال: إن كان مخوفًا وأخذ مالك فأنا ضامن، ضمن. وعلله الشارح هناك بأنه ضمن الغارُّ صفة السلامة للمغرور نصًّا، أي: بخلاف
стр. 909
الأولى؛ فإنه لم ينصَّ على الضمان بقوله: فأنا ضامن. وفي جامع الفصولين: الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغارِّ لو حصل الغرور في ضمن المعاوضة، أو ضَمِنَ الغارُّ صفةَ السلامة للمغرور، فصار كقول الطحَّان لرب البُرِّ: اجعله في الدلو، فجعله فيه، فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحَّان عالمًا به يضمن؛ إذ غرَّه في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة.
قلتُ: لا بد في مسألة التغرير من أن يكون الغارُّ عالمًا بالخطر، كما يدلُّ عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غيرَ عالمٍ؛ إذ لا شك أن رب البُرِّ لو كان عالمًا بنقب الدلو يكون هو المضيع لماله باختياره، ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغةً؛ لما في القاموس: غرَّه غرًّا وغرورًا فهو مغرور وغرير، خدعه وأطمعه بالباطل فاغتَرَّ هو. ولا يخفى أن صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار، ولا يعلم حصول الغرق هل يكون أم لا. وأما الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار؛ لأنهم لا يعطون مال السوكرة إلا عند شدة الخوف طمعًا في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل أيضًا.
نعم قد يكون للتاجر شريك حربي في بلاد الحرب، فيعقد شريكه هذا العقد مع صاحب السوكرة في بلادهم، ويأخذ منه بدل الهالك، ويرسله إلى التاجر. فالظاهر أن هذا يحلُّ للتاجر أخذه؛ لأن العقد الفاسد جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إليه مالهم برضاهم، فلا مانع من أخذه.
وقد يكون التاجر في بلادهم فيعقد معهم هناك، ويقبض البدل في بلادنا، أو بالعكس.
ولا شك أنه في الأولى إن حصل بينهما خصام في بلادنا لا يُقْضَى للتاجر بالبدل، وإن لم يحصل خصام ودفع له البدل وكيله المستأمن هنا يحلُّ له أخذه؛ لأن العقد الذي صدر في بلادهم لا حكم له، فيكون قد أخذ مال حربي برضاه.
وأما في صورة العكس -بأن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم- فالظاهر أنه لا يحل أخذه ولو برضى الحربي؛ لابتنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام،
стр. 910
فيعتبر حكمه، هذا ما ظهر لي في تحرير هذه المسألة" (١).
وخلاصة ما يدل عليه كلام ابن عابدين: أن عقد التأمين بصورته الراهنة باطلٌ، لكنه إذا وقع في ديار غير الإسلام فإنه يجوز للمسلم أن يأخذ بدل الهالك من الكافر الحربي إذا رضي بناءً على رضاه، وليس على كون العقد صحيحًا، وهذا رأي أبي حنيفة ومحمد في أموال الحربيين في دار الحرب.
"ولا شك أن هذه التفرقة بين بلاد الإسلام وغير الإسلام في أحكام المال غير مُسَلَّمَةٍ خالف فيها أبو حنيفة جماهيرَ الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف، وبعض فقهاء الحنفية. . . الذين أوجبوا على المسلم الالتزام بأحكام الإسلام حيثما كان" (٢).
وعدم تعويل المجلس الأوروبي للإفتاء على هذا التقرير الحنفي يدلُّ على أن المقدم لديهم في فتيا إباحة القروض الربوية للإسكان هو إعمال قواعد الحاجة والتيسير عند المشقات، وبهذا صرح الشيخ القرضاوي في تعقيبه على اعتراض د. البرازي، د. صهيب على الفتيا المذكورة (٣).
ثالثًا: وقع الاتفاق على رعاية الضرورات والحاجات الملجئة والإجبار على التأمين في بلاد الغرب مع التوصية بالسعي الحثيث لإيجاد البدائل الشرعية لهذه المعاملة، وعن هذا عبرت المجامع الفقهية في قراراتها وفتاوي وبحوث العلماء المشاركين فيها:
جاء في قرار المجلسِ الأوروبيِّ للإفتاء ما يلي:
". . . فإن هناك حالات وبيئات تقتضي إيجاد حلول لمعالجة الأوضاع الخاصة، وتلبية متطلباتها، ولا سيما حالة المسلمين في أوروبا حيث يسود التأمين التجاري،
стр. 911
وتشتد الحاجة إلى الاستفادة منه؛ لدرء الأخطار التي يكثر تعرضهم لها في حياتهم المعيشية بكل صورها، وعدم توافر البديلِ الإسلاميِّ (التأمينِ التكافليِّ) وتعسر إيجاده في الوقت الحاضر، فإن المجلس يفتي بجواز التأمينِ التجاريِّ في الحالات التالية وما يماثلها:
١ - حالات الإلزام القانوني، مثل: التأمين ضد الغير على السيارات والآليات والمعدات، والعمال والموظفين (الضمان الاجتماعيُّ، أو التقاعد)، وبعض حالات التأمين الصحي، أو الدراسي بنحوها".
٢ - حالات الحاجة إلى التأمين لدفع الحرج والمشقة الشديدة، حيث يُغتفر معها الغرر القائم في نظام التأمينِ التجاريِّ.
ومن أمثلة ذلك:
١ - التأمين على المؤسسات الإسلامية: كالمساجد، والمراكز، والمدارس، ونحوها.
٢ - التأمين على السيارات والآليات والمعدات والمنازل والمؤسسات المهنية والتجارية؛ درءًا للمخاطر غير المقدور على تغطيتها، كالحريق، والسرقة، وتعطل المرافق المختلفة.
٣ - التأمين الصحي تفاديًا للتكاليف الباهظة التي قد يتعرض لها المستأمِن وأفراد عائلته، وذلك إما في غياب التغطية الصحية المجانية، أو بطئها، أو تدني مستواها الفني.
ثانيًا: إرجاء موضوع التأمين على الحياة بجميع صوره لدورة قادمة لاستكمال دراسته.
ثالثًا: يوصي المجلس أصحاب المال والفكر بالسعي الحثيث لإقامة المؤسسات المالية الإسلامية كالبنوك الإسلامية، وشركات التأمين التكافلي الإسلامي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا (١)(٢).
стр. 912
وجاء في قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ما يلي:
". . . ثالثًا: من حيث عقود التأمين خارجَ ديارِ الإسلامِ:
١ - تجري ممارسة التأمين خارجَ ديارِ الإسلامِ بأسلوب التأمينِ التجاريِّ الذي يرى جمهور الفقهاء المعاصرين عدمَ جوازِهِ شرعًا.
٢ - وقد بدأت بعض شركات التأمينِ التجاريِّ تأخذ ببعض أساليب الممارسات التأمينية التي تتبعها شركات التأمين الإسلامية، وخاصة في إصدار وثائق تأمين مع الاشتراك في الأرباح، وإصدار وثائق تأمين مع استرداد المستأمِنِ لما دفعه من أقساط طالما لم يحصل على تعويضات.
٣ - مراعاةً لخصوصية حال المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام في ضرورة التزامهم بقوانين الدولة التي يقيمون فيها، وما تقضي به من التأمينِ الإجباريِّ خاصة في تأمينات المسئولية وللحاجة الماسة إلى التأمين على الممتلكات خاصة في حالة التجارة الدولية -يرى المجمع الترخص في تأمين المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام لدى شركات التأمين التجارية في هذه البلاد تيسيرًا على المقيمين بها، ورفعًا للحرج عنهم، وذلك في الأحوال التالية:
أ - التأمين الإجباري الذي تُلزِم به النظم والقوانين.
ب - ما تشتد إليه الحاجة من أنواع التأمين الأخرى؛ نظرًا لضخامة المسئولية أو التبعات التي تترتب عند وقوع المخاطر وعجز إمكانات الأفراد عن مواجهتها، كالتأمين الصحي ونحوه.
على أن يتجه المترخصون قدرَ الإمكان إلى الشركات التي تطبق بعض أساليب التأمين التي تقترب من التأمين التكافلي الذي تباشره شركات التأمين الإسلامية.
٤ - يوصي المجلس -للخروج من دائرة التعامل مع شركات التأمين التجارية، وتلبية
стр. 913
لحاجات المسلمين ومطالبهم، وسعيًا نحو الالتزام الكامل بالأحكام الشرعية والإسهام في نشر أحكام وقيم الإسلام- أن تُوَجَّهَ الجهودُ إلى ما يلي:
أ - العمل على إنشاء شركات تأمين إسلامية في البلاد التي يقيم بها عدد كبير من المسلمين.
ب - إنشاء مكاتب تمثيل لشركات التأمين الإسلامية القائمة في بعض البلاد الإسلامية في مراكز تجمعات المسلمين في الدول غير الإسلامية، وهذا أمر ممكن في ظل اتفاقيات "الجات" الدولية. والله تعالى أعلى وأعلم" (١).
وإلى هذا مال عدد من العلماء المعاصرين منهم د. علي محيي الدين القره داغي، فقال:
"في حالة عدم وجود شركات التكافلِ، أو التأمينِ الإسلاميِّ في البلاد غير الإسلامية فإنه يجوز التعامل مع التأمينِ التجاريِّ في حالتي الضرورة، والحاجة العامة التي تنزل منزلةَ الضرورة، وحتى لا يكون كلامنا عامًّا، فإنني أعتقد أنه يدخل فيهما ما يأتي:
١ - حالة وجود قانون ملزم بأي نوع من أنواع التأمين، صادر من الدولة التي يعيش فيها المسلم، أو يغادر إليها لأجل الرزق، أو العلم، أو نحو ذلك.
٢ - حالة ما إذا توقفت على التأمين التجاري: التجارة الخاصة أو العامة.
ولذلك أفتت -حسب علمي- جميعُ هيئات الفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية داخل العالم الإسلامي بجواز التأمين التجاري في حالة عدم وجود التأمينِ الإسلاميِّ للاعتمادات الخارجية التي تخص الاستيراد والتصدير من الخارج وإليه (٢).
وإلى نفس النتيجة انتهى د. محمد عبد الحليم عمر (٣).
стр. 914
وعليه: فإن المقيمين في تلك المجتمعات يجوز لهم الدخول في هذه العقود التأمينية في حالات يمكن تفصيلها على هذا النحو:
الحالة الأولى: أن يكون عقد التأمين تابعًا غيرَ مقصودٍ أصالةً:
ويُمَثَّلُ له بما يلي:
١ - التأمين الذي تقدمه الشركات لموظفيها على أنه مزية من المزايا التي تعطيها للموظفين. فهذا التأمين جزء من مستحقات متعددة للموظف، ولم يقع عقد الإجارة (الوظيفة) عليه أصالةً.
٢ - التأمين على السلع عند شرائها -كالسيارات والأجهزة الكهربائية-، سواء أُفرد بمبلغ مستقلٍّ عن قيمة السلعة، أو لم يُفْرَدْ، بشرط أن يكون التأمين في صفقة واحدة مع شرائه للجهاز.
٣ - التأمين على السيارة المستأجرة إذا أمَّن المستأجر على السيارة في عقد الإجارة نفسه، ولو زادت قيمة الأجرة بسبب التأمين.
٤ - التأمين على البضائع عند شحنها إذا كانت الشركة الناقلة تقدم خدمة التأمين مع عقد الشحن نفسه.
ففي جميع ذلك يجوز الدخول في التأمين، وأخذ العوض عند استحقاقه.
وذلك استنادًا على أمرين:
أولهما: حادثة بريرة التي اشترط بائعها شرطًا باطلًا، وهو أن يكون الولاء له؛ لذلك ألغى الرسول ﷺ هذا الشرط، وأبقى العقد صحيحًا، وقال: "ما بال ناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله ليس له،
стр. 915
وإن شرط مائة شرط. . . " (١).
وثانيهما: قاعدة الأصالة والتبعية التي يدل عليها حديث ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ابتاع عبدًا وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" (٢).
ولهذه الأسباب كانت هيئات الفتوى والرقابة الشرعية تفتي بجواز التأمينِ التجاريِّ للاعتمادات المستندية الخارجية في حالة عدم وجود شركات للتأمينِ التعاونيِّ، أو عدم قدرتها على تحقيق المطلوب.
وقد يرد على هذه الأمثلة اعتراضات:
الأول: أن الغرر المغتفر هو التابع الذي لا يمكن فصله عن أصله، كما في الثمرة على النخل، أما هنا فالتأمين يمكن فصله عن أصله، فلا يُعَدُّ تابعًا.
والجواب: أنه لا يلزم أن يكون التابع مرتبطًا بأصله لا ينفك عنه، بدليل قوله ﵊ في حديث ابن عمر: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" (٣)؛ إذ الأصل فصل الثمرة عن النخلة بدون شرط، ومع ذلك جاز بيعها تبعًا لأصلها بالشرط. وهذا يدلُّ على أنه لو اشترط المشتري تأمين السلعة على البائع فهو شرط صحيح إذا كان هذا الشرط مقترنًا بالعقد.
والثاني: أن التأمين في الأمثلة المذكورة له وقع في الثمن بخلاف الحمل في البطن، والثمرة في النخل، ونحو ذلك، مما يذكره الفقهاء من صور الغرر المغتفر فإن التابع ليس له ثمن.