وتشتد الحاجة إلى الاستفادة منه؛ لدرء الأخطار التي يكثر تعرضهم لها في حياتهم المعيشية بكل صورها، وعدم توافر البديلِ الإسلاميِّ (التأمينِ التكافليِّ) وتعسر إيجاده في الوقت الحاضر، فإن المجلس يفتي بجواز التأمينِ التجاريِّ في الحالات التالية وما يماثلها:
١ - حالات الإلزام القانوني، مثل: التأمين ضد الغير على السيارات والآليات والمعدات، والعمال والموظفين (الضمان الاجتماعيُّ، أو التقاعد)، وبعض حالات التأمين الصحي، أو الدراسي بنحوها".
٢ - حالات الحاجة إلى التأمين لدفع الحرج والمشقة الشديدة، حيث يُغتفر معها الغرر القائم في نظام التأمينِ التجاريِّ.
ومن أمثلة ذلك:
١ - التأمين على المؤسسات الإسلامية: كالمساجد، والمراكز، والمدارس، ونحوها.
٢ - التأمين على السيارات والآليات والمعدات والمنازل والمؤسسات المهنية والتجارية؛ درءًا للمخاطر غير المقدور على تغطيتها، كالحريق، والسرقة، وتعطل المرافق المختلفة.
٣ - التأمين الصحي تفاديًا للتكاليف الباهظة التي قد يتعرض لها المستأمِن وأفراد عائلته، وذلك إما في غياب التغطية الصحية المجانية، أو بطئها، أو تدني مستواها الفني.
ثانيًا: إرجاء موضوع التأمين على الحياة بجميع صوره لدورة قادمة لاستكمال دراسته.
ثالثًا: يوصي المجلس أصحاب المال والفكر بالسعي الحثيث لإقامة المؤسسات المالية الإسلامية كالبنوك الإسلامية، وشركات التأمين التكافلي الإسلامي ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا (١)(٢).
стр. 912
وجاء في قرار مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا ما يلي:
". . . ثالثًا: من حيث عقود التأمين خارجَ ديارِ الإسلامِ:
١ - تجري ممارسة التأمين خارجَ ديارِ الإسلامِ بأسلوب التأمينِ التجاريِّ الذي يرى جمهور الفقهاء المعاصرين عدمَ جوازِهِ شرعًا.
٢ - وقد بدأت بعض شركات التأمينِ التجاريِّ تأخذ ببعض أساليب الممارسات التأمينية التي تتبعها شركات التأمين الإسلامية، وخاصة في إصدار وثائق تأمين مع الاشتراك في الأرباح، وإصدار وثائق تأمين مع استرداد المستأمِنِ لما دفعه من أقساط طالما لم يحصل على تعويضات.
٣ - مراعاةً لخصوصية حال المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام في ضرورة التزامهم بقوانين الدولة التي يقيمون فيها، وما تقضي به من التأمينِ الإجباريِّ خاصة في تأمينات المسئولية وللحاجة الماسة إلى التأمين على الممتلكات خاصة في حالة التجارة الدولية -يرى المجمع الترخص في تأمين المسلمين المقيمين خارج ديار الإسلام لدى شركات التأمين التجارية في هذه البلاد تيسيرًا على المقيمين بها، ورفعًا للحرج عنهم، وذلك في الأحوال التالية:
أ - التأمين الإجباري الذي تُلزِم به النظم والقوانين.
ب - ما تشتد إليه الحاجة من أنواع التأمين الأخرى؛ نظرًا لضخامة المسئولية أو التبعات التي تترتب عند وقوع المخاطر وعجز إمكانات الأفراد عن مواجهتها، كالتأمين الصحي ونحوه.
على أن يتجه المترخصون قدرَ الإمكان إلى الشركات التي تطبق بعض أساليب التأمين التي تقترب من التأمين التكافلي الذي تباشره شركات التأمين الإسلامية.
٤ - يوصي المجلس -للخروج من دائرة التعامل مع شركات التأمين التجارية، وتلبية
стр. 913
لحاجات المسلمين ومطالبهم، وسعيًا نحو الالتزام الكامل بالأحكام الشرعية والإسهام في نشر أحكام وقيم الإسلام- أن تُوَجَّهَ الجهودُ إلى ما يلي:
أ - العمل على إنشاء شركات تأمين إسلامية في البلاد التي يقيم بها عدد كبير من المسلمين.
ب - إنشاء مكاتب تمثيل لشركات التأمين الإسلامية القائمة في بعض البلاد الإسلامية في مراكز تجمعات المسلمين في الدول غير الإسلامية، وهذا أمر ممكن في ظل اتفاقيات "الجات" الدولية. والله تعالى أعلى وأعلم" (١).
وإلى هذا مال عدد من العلماء المعاصرين منهم د. علي محيي الدين القره داغي، فقال:
"في حالة عدم وجود شركات التكافلِ، أو التأمينِ الإسلاميِّ في البلاد غير الإسلامية فإنه يجوز التعامل مع التأمينِ التجاريِّ في حالتي الضرورة، والحاجة العامة التي تنزل منزلةَ الضرورة، وحتى لا يكون كلامنا عامًّا، فإنني أعتقد أنه يدخل فيهما ما يأتي:
١ - حالة وجود قانون ملزم بأي نوع من أنواع التأمين، صادر من الدولة التي يعيش فيها المسلم، أو يغادر إليها لأجل الرزق، أو العلم، أو نحو ذلك.
٢ - حالة ما إذا توقفت على التأمين التجاري: التجارة الخاصة أو العامة.
ولذلك أفتت -حسب علمي- جميعُ هيئات الفتوى والرقابة الشرعية للبنوك الإسلامية داخل العالم الإسلامي بجواز التأمين التجاري في حالة عدم وجود التأمينِ الإسلاميِّ للاعتمادات الخارجية التي تخص الاستيراد والتصدير من الخارج وإليه (٢).
وإلى نفس النتيجة انتهى د. محمد عبد الحليم عمر (٣).
стр. 914
وعليه: فإن المقيمين في تلك المجتمعات يجوز لهم الدخول في هذه العقود التأمينية في حالات يمكن تفصيلها على هذا النحو:
الحالة الأولى: أن يكون عقد التأمين تابعًا غيرَ مقصودٍ أصالةً:
ويُمَثَّلُ له بما يلي:
١ - التأمين الذي تقدمه الشركات لموظفيها على أنه مزية من المزايا التي تعطيها للموظفين. فهذا التأمين جزء من مستحقات متعددة للموظف، ولم يقع عقد الإجارة (الوظيفة) عليه أصالةً.
٢ - التأمين على السلع عند شرائها -كالسيارات والأجهزة الكهربائية-، سواء أُفرد بمبلغ مستقلٍّ عن قيمة السلعة، أو لم يُفْرَدْ، بشرط أن يكون التأمين في صفقة واحدة مع شرائه للجهاز.
٣ - التأمين على السيارة المستأجرة إذا أمَّن المستأجر على السيارة في عقد الإجارة نفسه، ولو زادت قيمة الأجرة بسبب التأمين.
٤ - التأمين على البضائع عند شحنها إذا كانت الشركة الناقلة تقدم خدمة التأمين مع عقد الشحن نفسه.
ففي جميع ذلك يجوز الدخول في التأمين، وأخذ العوض عند استحقاقه.
وذلك استنادًا على أمرين:
أولهما: حادثة بريرة التي اشترط بائعها شرطًا باطلًا، وهو أن يكون الولاء له؛ لذلك ألغى الرسول ﷺ هذا الشرط، وأبقى العقد صحيحًا، وقال: "ما بال ناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟ من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله ليس له،
стр. 915
وإن شرط مائة شرط. . . " (١).
وثانيهما: قاعدة الأصالة والتبعية التي يدل عليها حديث ابن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ابتاع عبدًا وله مال، فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع" (٢).
ولهذه الأسباب كانت هيئات الفتوى والرقابة الشرعية تفتي بجواز التأمينِ التجاريِّ للاعتمادات المستندية الخارجية في حالة عدم وجود شركات للتأمينِ التعاونيِّ، أو عدم قدرتها على تحقيق المطلوب.
وقد يرد على هذه الأمثلة اعتراضات:
الأول: أن الغرر المغتفر هو التابع الذي لا يمكن فصله عن أصله، كما في الثمرة على النخل، أما هنا فالتأمين يمكن فصله عن أصله، فلا يُعَدُّ تابعًا.
والجواب: أنه لا يلزم أن يكون التابع مرتبطًا بأصله لا ينفك عنه، بدليل قوله ﵊ في حديث ابن عمر: "من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع، إلا أن يشترط المبتاع" (٣)؛ إذ الأصل فصل الثمرة عن النخلة بدون شرط، ومع ذلك جاز بيعها تبعًا لأصلها بالشرط. وهذا يدلُّ على أنه لو اشترط المشتري تأمين السلعة على البائع فهو شرط صحيح إذا كان هذا الشرط مقترنًا بالعقد.
والثاني: أن التأمين في الأمثلة المذكورة له وقع في الثمن بخلاف الحمل في البطن، والثمرة في النخل، ونحو ذلك، مما يذكره الفقهاء من صور الغرر المغتفر فإن التابع ليس له ثمن.
стр. 916
والجواب: بعدم التسليم بأن التابع في الأمثلة التي يذكرها الفقهاء ليس له ثمن، بل إن له تأثيرًا في قيمة أصله فالناقة الحامل -بلا شك- أغلى ثمنًا من غيرها؛ ولهذا كان تغليظ الدية في القتل العمد بإيجاب أربعين خلفةً -أي: ناقةً حاملًا- على الجاني. وفي بيع النخل بثمره للمشتري أن يشترط الثمرة، أو لا يشترط، ولا شك أن الثمن يختلف بوجود هذا الشرط من عدمه.
والثالث: أن التأمين بذاته محرم بخلاف الحمل والثمرة واللبن ونحوها؛ فإنها مباحة في ذاتها.
والجواب: أنه لا فرق بين التأمين وهذه الأشياء المذكورة في هذا الجانب، فالكل إذا أُفْرِدَ بالعقد صار بيعه محرَّمًا (١).
الحالة الثانية: إذا مسَّتِ الحاجة إلى التأمين:
وُيشترط أن تكون الحاجة حقيقية معتبرة، وألَّا يوجد ما يدفعها من بديل شرعي، وينبغي أن تكون الحاجة ليست باليسيرة حتى يتأتى ترخيص.
قال النووي: "فرع: الأصل أن بيع الغرر باطل لهذا الحديث، والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز منه، فأمَّا ما تدعوا إليه الحاجة، ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار، وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر، وذكر أو أنثى، وكامل الأعضاء أو ناقصها، وكشراء الشاة في ضرعها لبن، ونحو ذلك فهذا يصح بيعه بالإجماع.
ونقل العلماء الإجماع أيضًا في أشياء غررها حقير؛ منها: أن الأُمَّة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة، وإن لم يُرَ حشوُها، ولو باع حشوَها منفردًا لم يصح، وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرًا، مع أنه قد يكون ثلاثين يومًا، وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة، وعلى جواز الشرب من ماء السقاء
стр. 917
بعوض، مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء، أو مكثهم في الحمام.
قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر، والصحة مع وجوده على ما ذكرناه؛ وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا. . . جاز البيع، وإلَّا فلا.
وقد يختلف العلماء في بعض المسائل، كبيع العين الغائبة، وبيع الحنطة في سنبلها، ويكون اختلافهم مبنيًّا على هذه القاعدة، فبعضهم يرى الغرر يسيرًا لا يؤثر، وبعضهم يراه مؤثرًا. والله أعلم" (١).
ولهذا؛ فإن هذه الفتوى مبنية على قاعدة تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في صورتي الغرر المغتفر في الأصل، وهو ما خَفَّ ودَعَتِ إليه حاجة، وفي صورة المحرم أصلًا، واشتدت وطأة الحاجة، ولم يمكن الاحتراز في حالة التأمين التجاري في أوروبا؛ لفرضه بالقانون، ولمسيس الحاجة المنزلة منزلة الضرورة إليه (٢).
قال الشافعي ﵀: "وليس يحلُّ بالحاجة محرمٌ إلَّا في الضرورات" (٣).
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن مثل هذه الصورة وإن أبيحت إلا أنها مكروهة، وأن الأَولى تجنبُ التعامل مع التأمين التجاري مطلقًا.
يقول الدكتور محمد الزحيلي:
- يجوز التعامل مع التأمين التجاري عند الضرورة الشرعية التي تهدد دينه ونفسه وعقله ونسله وماله؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات.
- يجوز التعامل -مع الكراهة- مع التأمين التجاري عند الحاجة التي تنزل منزلة
стр. 918
الضرورة، لرفع المشقة والضيق الذي يلحق المسلم، والأَولى له تحمُّلُ هذا، واجتنابُ التعامل مع التأمين التجاري لمجرد الحاجة (١).
- كما ذهب الدكتور محمد فؤاد البرازي إلى أنه لا يحلُّ من هذه العقود إلا ما كان إجباريًّا بحكم القانون في تلك الديار، إضافةً إلى التأمين التعاوني في حال وجوده، ومنع ما سوى ذلك (٢).
وتختلف الحاجة باختلاف الأحوال والأشخاص والأمكنة والأزمنة، فما يحتاجه صاحب المركبة العامة غير ما يحتاجه صاحب المركبة الخاصة، والحاجة إلى تأمين المسكن في البلاد التي تكثر فيها الكوارث تختلف عن البلاد التي يندر فيها ذلك.
ومن الأمثلة التي تدخل في هذه الحال:
١ - التأمين الطبي في البلاد التي تكون تكلفة العلاج فيها باهظة، ولا يتحملها المقيم بدون تأمين.
٢ - تأمين المركبة إذا كان نظام البلد الذي يقيم فيه الشخص يُلزِم بذلك. ويجب أن يُقْتَصرَ في ذلك على الحد الذي تندفع به الحاجة، وهو الحد الأدنى الذي يُلزِم به نظامُ البلد.
٣ - تأمين المساكن والمراكز الإسلامية والمدارس الإسلامية ضد الحوادث والسرقات والحريق إذا كانت الحاجة تقتضي مثل ذلك.
وبالجملة فإن مسيس الحاجة مع انعدام البديل الشرعي وغلبة الحرام، وتعذر التحول إلى مواطن يتسنى فيها البديل المباح -كل ذلك يبيح الترخص في المحرمات المتوسطة النهي وما كان من جنس الوسائل المفضية إلى المقاصد، وما كان النهي فيه
стр. 919
بواسطة عمومات دخلها التخصيص كثيرًا.
فإن وقع الترخص بذلك مع الاكتفاء بمقدار الحاجة، ومَنْعِ ما يزيد عنها، أو ما يدخل في محض التوسع أو الترفه -فإن الله تعالى هو المسئول أن يعفو عن المكلف، وقد قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقد سبق قول إمام الحرمين الجويني ﵀-في غياث الأمم-: "إن الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلًا، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تُشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة في حق الواحد المضطر" (١). ثم ضَبَطَ ذلك بضابط جليًّ حين قال: "فالمرعي إذن رفع الضرار واستمرار الناس على ما يقيم قواهم" (٢).
وقال العز ابن عبد السلام -رحمة الله تعالى-، في قواعد الأحكام في مصالح الأنام: "لو عم الحرام الأرض بحيث لا يوجد فيها حلال جاز أن يستعمل من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، ولا يقف تحليل ذلك على الضرورات؛ لأنه لو وقف عليها لأدى إلى ضعف العباد، واستيلاء أهل الكفر والعناد على بلاد الإسلام، ولانقطع الناس عن الحرف والصنائع والأسباب التي تقوم بمصالح الأنام، ولا يتبسط في هذه الأموال كما يتبسط في المال الحلال، بل يُقْتَصَرُ على ما تمس إليه الحاجة، دون أكل الطيبات، وشرب المستلذات، ولبس الناعمات التي بمنازل التتمات، فاظفر بهذا التحقيق فإنه نفيس، وضعه نصب عينيك لتَرُدَّ إليه أشباهه من كل مقيس" (٣).
стр. 920
الحالة الثالثة: إذا كان التأمين تعاونيًّا تكافليًّا:
لأن الغرر الذي في العقد مغتفر؛ لكونه من عقود التبرعات، والتأمين التعاوني يختلف في أهدافه وآثاره عن التأمين التجاري، فالتعاوني يهدف إلى تحقيق التكافل والتعاون فيما بين المستأمنين، وهو بهذا يحقق مقصدًا من مقاصد الشريعة الإسلامية، بخلاف التأمين التجاري فإن الهدف منه الاسترباح والمعاوضة؛ فلذا كان محرَّمًا.
ومن صور التأمينِ التعاونيِّ المعاصرة:
١ - التأمينُ الاجتماعيُّ الذي تقدمه الحكومات والهيئات العامة للمواطنين.
٢ - البرامج التقاعدية والادخارية التي تستثمر فيها الأموال المدخرة في وسائل استثمارية مباحة، وبطريقة مشروعة.
٣ - التأمينُ الطبيُّ الذي ترعاه الدولة وتتقاضى رسومًا ربما تكون في كثير من الأحيان رمزية.
٤ - الجمعيات التعاونية، والتأمين المعمول به في النقابات المهنية ونحوها.
ومن تتمة القول فإن الأصل الجاري هو حرمة العمل في شركات التأمين التجاري، ويستثنى من ذلك: حالة الضرورة أو الحاجة الملحة بأن لا يجد الشخص في مجال تخصصه أي عمل، أو أي عمل مناسب يستطيع أن يعيش هو وعياله عليه عيشَ الكفاف سوى العمل بشركات التأمين التجاري ففي هذه الحالة يجوز؛ لأن ما يتعلق بالغرر يجوز الاستثناء منه بالحاجة العامة، أو الحاجة الملحة، في حين أن ما يتعلق بالربا لا يجوز الاستثناء منه إلا بالضرورة، وهذه قاعدة أصَّلها شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال -في التفرقة بين حرمة الربا، وحرمة الغرر-: "وأما الربا فتحريمه في القرآن أشد" -أي: من الغرر- ثم ذكر الأدلة على ذلك من المنقول والمعقول، ثم قال: "ومفسدة الغرر أقل من الربا؛ فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه". ثم ذكر أدلة على جواز الاستثناء من الغرر للحاجة بالسنة النبوية المشرفة، وضرب لذلك أمثلة منها: بيع العرايا (١).
стр. 921
ويقول أيضًا: "وإذا كانت مفسدة بيع الغرر هي كونه مظنة العداوة والبغضاء وأكل الأموال بالباطل، فمعلوم أن هذه المفسدة إذا عارضتها المصلحة الراجحة قدمت عليها، كما أن السباق بالخيل والسهام والإبل لما كان فيه مصلحة شرعية جاز بالعوض، وإن لم يجز غيره بعوض، وكما أن اللهو الذي يلهو به الرجل إذا لم يكن فيه منفعة، فهو باطل، وإن كان فيه منفعة -وهو ما ذكره النبي ﷺ بقوله: "ليس من اللهو إلا ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله"، زاد في رواية: "فإنهن من الحق" (١) - صار هذا اللهو حقًّا.
ومعلوم أن الضرر على الناس بتحريم هذه المعاملات أشد عليهم مما قد يتخوف فيها من تباغض، وأكل مال بالباطل؛ لأن الغرر فيها يسير كما تَقَدَّمَ، والحاجة إليها ماسة، والحاجة الشديدة يندفع بها يسير الغرر. والشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم، فكيف إذا كانت المفسدة منتفية؟! ولهذا لما كانت الحاجة داعية إلى بقاء الثمر بعد البيع على الشجر إلى كمال الصلاح، أباح الشرع ذلك، وقاله جمهور العلماء كما سنقرر قاعدته إن شاء الله تعالى" (٢).
الخاتمة:
لا شك أن الأمن نعمة إلهية، وحاجة إنسانية، وهو مطلب شرعي؛ فإن من بات آمنًا في سربه معافًى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا (٣)، ولا شك أن
стр. 922
تأمين حاجات النفس والعيال أمرٌ تعبَّدَ الله به المكلَّف، وفي الحديث "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول" (١)، ومن الاحتياط للمستقبل أن يدع المرء ورثته أغنياء، وهو خيرٌ من أن يدعهم عالة يتكففون الناس (٢).
والتعاون على التكافل والتأمين ضد المخاطر قيمة إسلامية مرعية، فما آمن حقَّ الإيمان من بات شبعانَ وجاره جائع (٣)، والمسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضًا (٤).
إن الراجح حرمة التأمين التجاري بكل أشكاله وأنواعه إلَّا ما وقع الاضطرار إليه، أو مسَّتِ الحاجة الشديدة إليه، ولا سيما في خارج بلاد الإسلام، وللأقليات المسلمة، حتى ترتفعَ حاجتها وتسدَّ خلتها.
وعلى من يسعى لينتقل بفقه الأقليات من حالة الترخيص إلى فقه التأسيس أن يُعنَى بطرح البدائل الشرعية وإقامة التأمين التعاوني على أسس قويمة، وعلى الله تعالى قصد السبيل، وهو الهادي والموفق لكل خير.
стр. 923
الفَصلُ الثَالِثُ
من نوازل النكاح
المبحث الأول: حكم الزواج من غير المسلمات في غير دار الإسلام.
المبحث الثاني: حكم الزواج الصوري بقصد الحصول على الإقامة أو الجنسية فى غير دار الإسلام.
المبحث الثالث: حكم بقاء من أسلمت تحت زوجها الكافر.
стр. 924
المبحث الأول
حكم الزواج من غير المسلمات في غير دار الإسلام
تصوير وتكييف المسألة:
الإقامة بديار غير المسلمين سواء أكانت طارئة كالمبتعثين للدراسة، أم دائمة كمن ألجئ للحياة هنالك، أو كان ممن أسلم من أهل تلك الديار -يترتب عليها أمور تتعلق بأبواب من الفقه كثيرة.
فإذا أراد المسلم أن يتزوج بامرأة هنالك من غير أهل الإسلام فهل يسوغ له ذلك مطلقًا اعتمادًا على ما هو شائع من حل نكاح الكتابيات من غير قيد أو شرط؟!
وهل يُكتفَى بمن دينها الرسمي اليهودية أو النصرانية من غير أن تكون متدينة بذلك فعلًا، وإذا كانت ممن يحارب أهلها الإسلام؛ فهل يُؤَثِّرُ كونها حربية، أو من قوم محاربين في حل نكاحها؟
وما هي الضوابط والمحاذير الشرعية التي يجب على المسلم أن ينضبط بها، وأن ينتبه لها عند إقدامه على هذا النكاح؟ خاصة مع شيوع الإلحاد والنحل الباطلة في العالم بأسره عامة، وفي بلاد الأقليات على وجه الخصوص؛ بل ومع وجوده في بعض أبناء الجيل الثاني والثالث من أبناء المسلمين.
وكيف يُنظَر إلى تجربة الأقليات المسلمة في غير ديار الإسلام في هذا الجانب؟ وما تأثيره على الأسرة المسلمة وتركيبتها الاجتماعية؟
وبالنظر إلى السياقات الواقعية المعاصرة هل يتجه القول بمنع هذا الزواج في بلاد الأقليات مطلقًا؛ سدًّا للذريعة، ودرءًا للمفسدة المُقَدَّم على جلب المنفعة؟
وما أثر الضرورة أو الحاجة الملحَّة في إباحة هذا الزواج؟
стр. 925
وما أثر الإقامة بدار الحرب أو الكفر على هذا الزواج، وما يترتب عليه من قوامة على الزوجة، وولاية على الأولاد، ومسئولية عنهم في الدنيا والآخرة؟
وهذه المسألة على هذا النحو -كما تتناولها آيات وأحاديث في بيان حكمها -قد تعلقت بها اجتهادات فقهية من لدن الصحابة فمن بعدهم ضِمْنَ إطار من الدراسة الواقعية، ونظر في الأعراف الجارية، وتأمُّل في قواعد أصولية وفقهية ومقاصدية تتعلق بالحاجة أحيانًا وبالضرورة أحيانًا أخرى، وتتصل بمآلات الأفعال ونتائج التصرفات من جهة ثالثة.
ومعلوم أن فقه مسائل النكاح والطلاق في بلاد الأقليات مما له تعلق بالولايات، وإذا كان المسلم يعيش في مجتمعات لا تحكم بالإسلام فلا بد أن يكون في مجتمع الأقليات المصغر هذا الاحتكام، وهذا الخضوع للشرع؛ الذي لا بد منه لتنضبط أمور الأسرة وفقَ فقه دقيق وفهم عميق، ونظر مجرِّب، وعلم ببواطن الأمور.
ولقد فرَّق بعض الأئمة المحققين بين فقه الشيء وعلمه؛ فقال الونشريسي في كتابه الولايات: "الفرْق بين علم القضاء وفقه القضاء فرْق ما بين الأخص والأعم؛ ففقه القضاء أعم؛ لأنه الفقه في الأحكام الكلية، وعلم القضاء: هو العلم بتلك الأحكام الكلية مع العلم بكيفية تنزيلها على النوازل الواقعة، وهو الفرْق أيضًا بين علم الفتيا وفقه الفتيا؛ ففقه الفتيا: هو العلم بالأحكام الكلية، وعلمها: هو العلم بتلك الأحكام مع تنزيلها على النوازل" (١).
ولا شك أن هناك خللًا لا تخطئه عين متأمل في باب الفتيا في النوازل الأسرية ببلاد الأقليات الإسلامية وهو ما يستوجب بحثًا متأنيًا في هذه النازلة التي تمثل بابًا للدخول إلى نوازل أخرى أكبر وأخطر.
стр. 926
وإذا كانت هذه النازلة مما تناوله الأقدمون فإن ما طرأ عليها اليوم من إقامة أهل الإسلام بديار غير المسلمين إقامة طويلة دائمة أو مؤقتة، ومع ما في هذا العصر وتلك الديار من مستجدات اجتماعية وسياسية؛ كل ذلك يجعل هذه النازلة تبدو جديدة في سياقاتها المعاصرة، وتعلقاتها الحاضرة، وتعقيداتها المتشابكة.
بيان المقصود بـ "غير المسلمات":
قبل الخوض في تحرير محل النزاع في هذه المسألة وخوض غمار بحثها يحسن أولًا توضيح المقصود بـ "غير المسلمات"، وذلك على النحو التالي:
إن مصطلح غير المسلمين أو غير المسلمات يشمل كل من لم يَدِنْ بدين الحق.
فالناس أحد رجلين: مؤمن وكافر.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢].
وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
فالإيمان والكفر نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان باتفاق المسلمين؛ قال ابن تيمية ﵀: "الكفر عدم الإيمان باتفاق المسلمين، سواء اعتقد بنقيضه وتكلم به، أو لم يعتقد شيئًا ولم يتكلم" (١).
وقال السبكي ﵀: هو "جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة أو قول أو فعل حَكَمَ الشارع بأنه كفر، وإن لم يكن جحدًا" (٢).
والناس إما موحدون حنفاء أو مشركون؛ قال الله تعالى في الحديث القدسي: "وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمَتْ
стр. 927
عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا" (١).
و"الشرك أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" (٢).
و"الكفر" و"الشرك" إذا افترقا تواردا على معنى واحد، وصار كل كافر مشركًا والعكس صحيح، وإذا اجتمعا كان الكفر أعم من الشرك.
"الفرق بين الكفر والشرك أن الكفر خصال كثيرة، على ما ذكرنا، وكل خصلة منها تضاد خصلة من الإيمان، والشرك خصلة واحدة، وهو إيجاد ألوهية مع الله، أو دون الله، واشتقاقه ينبئ عن هذا المعنى" (٣).
فالمشرك: من أقرَّ بربوبية الله تعالى، ولكنه مع ذلك لا يفرده بالعبادة، بل يشرك معه غيره.
والقدر المشترك بين الكفر والشرك هو الجحود، أي: إنكار شيء مع علمه به؛ إذ كل من الكافر والمشرك منكر لوحدانية الله ولا يعترف بها، منكر للحق ويأبى مجرَّدَ سماعه، على نحو ما حكاه الله تعالى في كتابه عنهم في قوله تعالى: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧].
وبناءً على ما سبق فإن غير المسلمين يشمل الكفار والمشركين معًا.
ويدخل تحت الكفار والمشركين أصناف وأنواع كثيرة؛ كعبدة الأصنام والأوثان، وعبدة الكواكب والشيطان، وعبدة النار من المجوس، وعبدة البقر من الهندوسيين والبوذيين، والسيخ، والجينية، وكل هؤلاء يقال عنهم وثنيون، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى.
стр. 928
كما يدخل فيهم منكرو وجود الله الذين ينسبون الخلق لغير خالق، وهم في القديم: دهريون، وفي الحديث: ملحدون وشيوعيون.
كما يدخل فيهم أيضًا الباطنيون الذين أبطنوا اعتقادات وأعمالًا كفرية وشركية، ومنهم قرامطة وإسماعيلية، وغير ذلك.
كما يدخل البهائيون والقاديانيون الذين أجمع علماء المسلمين في العصر الحديث على كفرهم (١).
وأما أهل الكتاب فقد: اختلف الفقهاء في تحديدهم بعد اتفاقهم على أنهم من غير المسلمين، وأنهم يدخلون في عموم الكافرين؛ وذلك على مذهبين:
الأول: للحنفية ولأبي يعلى من الحنابلة.
وأهل الكتاب عندهم: "كل من يعتقد دينًا سماويًّا وله كتاب منزل كصحف إبراهيم وشيث وزبور داود؛" (٢)؛ فيصدق تعريفهم لأهل الكتاب على اليهود والنصارى، ومن تمسك بالزبور وصحف إبراهيم وشيث.
الثاني: للشافعية وأكثر الحنابلة.
وأهل الكتاب عندهم: اليهود والنصارى دون غيرهم، فلا يدخل فيهم المتمسك بالزبور وغيره كصحف إبراهيم وإدريس وشيث (٣).
والرأي الذي يقويه الدليل هو ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ومن وافقهم؛ ذلك أن القرآن يقول: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]؛ فقد
стр. 929
خصَّ الله تعالى الكتاب بطائفتين وهم اليهود والنصارى، فلا يصدق على غيرهم أنهم أهل الكتاب وإلا لزم الكذب في كتاب الله وهو محال؛ كذلك لأن ما نزل على غير الطائفتين إنما هو بمثابة مواعظ وأمثال لا أحكام فيها؛ فلم يثبت لها حكم الكتب المشتملة على الأحكام (١).
أما بالنسبة للمجوس فعلى القول بأن الأشبه أنه كان لهم كتاب، ولكنه رُفع فأصبحوا لا كتاب بأيديهم الآن، فإن الصحف التي أُنزلت على إبراهيم ﵇ رُفِعت إلى السماء لأحداث أحدثها المجوس (٢)، فالأولى -ومن باب الاحتياط- أن لا نعتبرهم من أهل الكتاب؛ لوجود المغايرة فيما يتعلق بالأحكام التي تخص كلًّا منهما، وإن كان لسبق تدينهم بكتاب واعترافهم بالنبوة اعتبار في الأحكام يميزهم عن المشركين الوثنيين.
ولذلك أشار النبي ﷺ إلى وجود صلة دون الاندماج بين المجوس وأهل الكتاب حيث قال: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" (٣). بل لم يثبت أن للمجوس كتابًا، ونقل جواب أحمد على سؤال: أيصح أن للمجوس كتابًا؟ فقال: "هذا باطل" (٤).
وأهل الكتاب من اليهود والنصارى فِرَقٌ ومذاهب (٥)، والحكم في شأنها حكم اليهود والنصارى ما لم تختلف عنهما اختلافًا جوهريًّا، حتى وإن اختلفت في الفروع،
стр. 930
وعليه: اعتبر العلماء الفرقة السامرية من اليهود (١).
وأما الصابئون: فالخلاف في شأنهم بيِّن، وتضاربت النقول والأقوال حولهم؛ فروي عن الإمام أحمد أنهم من جنس النصارى، وفي رواية أخرى عنه أنهم يشبهون اليهود، وحدد صاحب المغني (٢) رأيه في الصابئين بأنهم ليسوا من أهل الكتاب حيث خالفوا اليهود والنصارى في أصل الدين، بل أَدْخَلَ الشهرستاني (٣) الصابئين في عداد المستبدين بالرأي مطلقًا المنكرين للنبوات، ولا يقولون بشرائع وأحكام أمرية، بل يضعون حدودًا عقلية مثل الفلاسفة والبراهمة.
ومما لا يُختلَفُ فيه أن اليهود والنصارى قد خرجوا عن أصل دينهم وشريعتهم؛ حيث حرفوا التوراة والإنجيل، كما نُسخت شريعتهم بشريعة نبينا محمد ﷺ .
وعليه: هل يعتبر اليهود والنصارى حاليًا أهل الكتاب؟
هناك قولان متقابلان في المسألة:
القول الأول: للشافعية (٤) الذين ذهبوا إلى أن أهل الكتاب إنما هم اليهود والنصارى ومن دخل دينهم قبل التبديل والنسخ، وشرطوا أن يكونوا إسرائيليين، أي: من أبناء يعقوب ﵇ واعتبروا جميع الذين دخلوا في دين موسى حين دعاهم أو الذين دخلوا منهم بعد ذلك في دين عيسى حين دعاهم، كانوا على دين حق دخلوا فيه قبل التبديل، فهم أهل الكتاب، وألحق بأهل الكتاب من تهوَّد أو تنصَّر بعد ذلك وقبل بعثة سيدنا محمد ﷺ حيث لم يقم النسخ وإن حدث تبديل وتحريف إلا أن ذلك لم يكن
стр. 931
مخرجًا عن دائرة الإيمان إلى الكفر حتى يأتي النسخ بالشريعة الإسلامية التي جاء بها رسول الله ﷺ .
القول الثاني: للجمهور، فهم يرون أن الذين تهوَّدوا أو تنصَّروا بعد بعثة الرسول ﷺ يُعَدون كذلك من أهل الكتاب باعتبار أصل العقيدة، ولا تأثير على حل ذبائحهم وحل نسائهم للمسلمين بسبب التحريف والتبديل والنسخ، ولكونهم منكرين لنبوة رسول الله محمد ﷺ كانوا كافرين، وباعتقادهم بالتثليت أصبحوا مشركين، وهذا باعتبار ما ابتدعوا وما صاروا إليه لا باعتبار أصل الدين.
ويترجح القول الثاني بما يلي:
١ - لم يخاطب القرآن أهل الكتاب إلا الموجودين وقت نزوله، وهم اليهود والنصارى بعد أن حدث التبديل والنسخ؛ فالمقصود بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤]، جاء بيانه في الآية التي تليها مباشرة أن المقصود بالذين أوتوا الكتاب هنا هم اليهود، فقال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، ومِنْ لبيان الجنس هنا، مما يفيد أن الذين هادوا هم أهل الكتاب.
٢ - قد استفاض أن أصحاب النبي ﷺ لما فتحوا الشام والعراق ومصر كانوا يأكلون من ذبائح أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وذلك بعد التبديل بالطبع، وعلى هذا عمل أهل الإسلام من بعد (١).
وبعد هذا البيان فإن المقصود بغير المسلمات صنفان:
стр. 932
١ - المشركات
٢ - الكتابيات.
وفيما يأتي بيان لحكم نكاح كلٍّ.
المطلب الأول: حكم زواج المسلم من المشركة:
الأقوال وقائلوها:
القول الأول: حرمة نكاح المشركات مطلقًا، سواء كُنَّ من مشركات العرب عابدات الأوثان أو كُنَّ ملحدات عربيات أو عجميات، أو كُنَّ من مشركات غير العرب كالهندوسيات والبوذيات، والكونفوشيوسيات، والمجوسيات وما شابههن، أو كُنَّ مرتدات عن الإسلام بعد دخول صحيح فيه، وقد نقل على هذا الإجماع (١).
القول الثاني: للشيخ رشيد رضا بحل نكاح مشركات غير العرب، وحرمة ما عداهن (٢).
القول الثالث: لأبي ثور والظاهرية والشيعة الإمامية بحل نكاح الحرة المجوسية (٣).
الأدلة والمناقشات:
استدل أصحاب القول الأول بالقرآن الكريم، والإجماع.
أولًا: القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وجه الدلالة:
стр. 933
ذكر الله تعالى تحريم نكاح المشركات في سورة البقرة، ثم نسخ منها نساء أهل الكتاب فأحلهن في سورة المائدة (١).
يقول الطبري: وأولى الأقوال بالصواب ما قاله قتادة من أن الله -تعالى ذِكْرُه- عنى بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. من لم تكن من أهل الكتاب من المشركات، وأن الآية عامٌّ ظاهرها خاصٌّ باطنها، لم ينسخ منها شيء، وأن نساء أهل الكتاب غير داخلات فيها (٢).
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وجه الدلالة:
أفادت الآية الكريمة حرمة نكاح المشركات عبدة الأوثان؛ ومن كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتد بها فليست له امرأة، فقد انقطعت عصمتها لاختلاف الدارين، وكان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ ذلك في هذه الآية، فطلق عمر ابن الخطاب ﵁ حينئذٍ امرأتين بمكة مشركتين (٣).
٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وجه الدلالة:
دلت الآية على أن كل من ارتد عن الإسلام حُكِمَ بكفره وجَرَتْ عليه أحكام الكفار المرتدين، سواء اتخذت دينًا غير الإسلام، أم ألحدت عن الأديان جميعًا، وهذه
стр. 934
الآية تشمل البهائية والشيوعية والقاديانية، وهي بهذا تصير مشركة وكافرة وينفسخ نكاحها فور رِدَّتِها ولا يجوز أن تقوم حياة زوجية بين مسلم ومرتدة، أو بين مرتد ومسلمة لا ابتداءً ولا بقاءً (١).
ثانيًا: الإجماع:
جاء في موسوعة الإجماع: "اتفقوا على أن من عدا اليهود والنصارى من أهل الحرب يُسَمَّون مشركين" (٢).
وقال ابن قدامة ﵀: "أجمع أهل العلم أن سائر الكفار غير أهل الكتاب تحرم نساؤهم" (٣).
وقال الكمال ابن الهمام ﵀: "ولا يجوز تزوج الوثنيات، وهو بالإجماع والنص" (٤).
وقال ابن رشد ﵀: "اتفقوا على أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الوثنية" (٥).
وقال أبو زهرة ﵀: "ولقد اتفق الفقهاء على أن عبدة الأوثان مشركون، لا تنكح نساؤهم" (٦).
وعليه: فإذا تزوج المسلم بمشركة من مشركات العرب أو العجم، فالنكاح باطل ومفسوخ، ويؤدَّب المسلم الذي فعل ذلك إلَّا أن يكون جاهلاً فيعذر.
أدلة القول الثاني ومناقشته:
الأصل أن لا يلتفت إلى هذه الأقوال بعد سبقها بإجماع صحيح منعقد، وتنزلًا مع
стр. 935
المخالف فيما ظنه من الحكم نورد أدلته، ثم الرد عليها.
استدل الشيخ رشيد رضا ﵀ بعدة أدلة، فقال:
أولاً: إن العلماء لم يجمعوا على أن لفظ (المشركين، والذين أشركوا) يتناول جميع الذين كفروا بديننا ولم يدخلوا في ديننا، ولا جميع من عدا اليهود والنصارى.
ثانيًا: إن المشركات اللاتي حرَّمَ الله نكاحهن في آية البقرة: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، هن مشركات العرب، وهو المختار، وقد رجحه شيخ المفسرين [الطبري]، وعليه فلا تشمل الآية مَنْ عدا مشركات العرب.
ثالثًا: إن وثنيي الصين واليابان وأمثالهم أهل كتب مشتملة على التوحيد إلى الآن، وقد قصَّ علينا القرآن أن جميع الأمم بُعث فيها رسل، وأن كتبهم سماوية طرأ عليها التحريف، كما طرأ على كتب اليهود والنصارى.
رابعًا: إن الأصل في النكاح الحل لا الحرمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، بعد أن بين لنا محرمات النكاح، فما عداهن يبقين على الأصل وهو الحل، ولا دليل على تحريم نكاح نسائهم، فليس لأحد أن يحرمه إلا بنص مخصص لعمومها.
خامسًا: إن مسلمي الصين قد أكثروا من نكاح وثنيات الصين اللاتي من الكونفوشيوسية، وقد أسلم منهن الكثيرات (١).
مناقشة الأدلة والرد عليها:
أولًا: قوله: إن العلماء لم يجمعوا على أن لفظ المشركين يتناول الذين كفروا عدا أهل الكتاب غير مسلَّم.
فقد تقدَّم من سياق الإجماع عدم تقييد الوثنيات بقيد معين، وقد قال ابن قدامة:
стр. 936
"أجمع أهل العلم أن سائر الكفار غير أهل الكتاب تحرم نساؤهم" (١)، وقال أبو عبيد:
"أما الوثنيات فنكاحهن حرام عند المسلمين جميعًا، لم ينسخ تحريمهن كتاب ولا سنة علمناها" (٢).
وأما ما فهمه الشيخ رشيد ﵀ من أن قتادة فسَّرَ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] بمشركات العرب اللاتي ليس لهن كتاب يقرأنه ورجحه الطبري- فغير مستقيم فليس مراده من ذلك أن من عدا مشركات العرب غير داخلات في التحريم، بل إن مراده أن الكتابيات مستثنيات من حكم تلك الآية.
والدليل على ذلك:
١ - أن هناك رواية عن قتادة ﵀ أنه قال: "المشركات من ليس من أهل الكتاب" (٣).
٢ - أن ابن عطية أورد في تفسيره عن قتادة أنه قال في الآية: "لفظ الآية العموم في كل كافرة والمراد بها الخصوص، أي: في غير الكتابيات" (٤).
٣ - إن الطبري ﵀ لما ذهب إلى ترجيح قول قتادة صرح بحرمة كل مشركة من عبدة الأوثان على كل مسلم عند قوله على إنكاح الزاني، فقال: ". . . وذلك لقيام الحجة على أن الزاني من المسلمين حرام عليه كل مشركة من عبدة الأوثان" (٥).
٤ - لو كان قتادة يعني بقوله ذلك أن من عدا مشركات العرب حلال لقال بحل المجوسية وشاع عنه، بل المنقول عنه عكس ذلك.
стр. 937
وقد سئل أحمد عن آية البقرة ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فقال: "مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام" (١)، وبالرغم من ذلك فقد نقل أهل مذهبه عنه حرمة نكاح غير الكتابية.
فعلم من مجموع ذلك أن الإجماع لم يخالف فيه أحد، وأن ما استنبطه الشيخ رشيد غير سديد.
ثانيًا: وأما قوله: الأصل في النكاح الحل:
فالجواب: أن قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يفيد بأن الأصل الحرمة لا الحل، وهو قول الجماهير، وأما أنه لا دليل على تحريم نكاحهن، فقد تقدم الإجماع على ذلك.
وهن داخلات في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]، ولا مخصص لها إِلا آية المائدة، حيث أفادت حل اليهوديات والنصرانيات، دون غيرهن.
ثالثًا: وأما قوله: إن وثنيي الصين وغيرهم أهل كتب مشتملة على التوحيد.
فالجواب أن كونفوشيوس لم يكن نبيًّا، بل كان فليسوفًا مغرقًا في البحث والتأمل؛ ولذا فإن أتباعه لا يعتقدون بجنة ولا نار، ولا بالبعث أصلًا، وهذه الأمور من أصول الرسالات السماوية جمعاء، وذلك مما يعمق القول بأرضية أصولها.
ثم إن توحيدهم المزعوم هو نفسه توحيد مشركي العرب، الذين قال الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان: ٢٥].
لقد أخبرنا سبحانه أنه أرسل لكل قوم هاديًا، ولكنه تعالى لم يعلمنا بأنه أنزل على
стр. 938
كل رسول كتابًا من عنده، فالأمر في ذلك لا يعرف إِلا عن طريق النص، لا عن طريق الظن والتخمين، ولا نص هنا على أنهم أهل كتب سماوية.
وقد أبان الشيخ أبو زهرة ذلك بقوله: "كل أولئك لم يكن لهم كتاب منزل معروف، ولم يعرف لهم نبي مبعوث ذكره القرآن، ولو كانوا قد حرفوا الكلم من بعده عن مواضعه" (١).
رابعًا: وأما أن مسلمي الصين قد أكثروا من نكاح الوثنيات وقد أسلم منهن الكثيرات.
فالجواب أن هذه لا تصلح دليلًا على الحل والحرمة؛ لأن حق التحليل والتحريم لله وحده، لا دخل للواقع أو غيره في ذلك. وأن العرف لو كان مخالفًا للنصوص فلا عبرة به لفساده؛ لأن الأصل أن يضبط العرف بالنص، لا العكس.
لأن الآية -وهي نص في المسألة- قد بينت متى تحل بقوله: ﴿حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ و ﴿حَتَّى﴾ هنا تفيد الغاية، فلا تحل له ابتداءً حتى تدخل في الإسلام.
الترجيح:
بعد هذا العرض والرد، فقد ظهر الحق، وعليه فلا يحل لمسلم أن ينكح وثنية -أيًّا كان مذهبها- فإن نكحها باعتقاده أن ذلك حلال على سبيل الجهل في بلاد الأقليات فإنه يفسخ نكاحه فورًا للعلم بالحكم، ويلحق به النسب، وتثبت به حرمة المصاهرة باتفاق العلماء. (٢)(٣)
أدلة القول الثالث ومناقشته:
стр. 939
تقدم نقل الإجماع على أن نكاح الحرة المجوسية لا يحل إلا أن أبا ثور وابن حزم قالا بحلها، واستدل الجمهور لمذهبهم بالقرآن الكريم، والإجماع، والمعقول.
أولًا: القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وجه الدلالة من الآيتين:
نهى الله تعالى عن نكاح المشركات والإمساك بعصمة الكافرات، وهذا عام، وقد خرج منه الكتابيات بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] ويبقى مَنْ عداهن على العموم، وهذا يشمل المجوسيات (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]
وجه الدلالة:
ذكر الله تعالى الملل الست، وبين أنه يفصل بينهم يوم القيمة، ولما ذكر الملل التي فيها سعيد في الآخرة قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فلم يذكر المجوس ولا المشركين، ولو كان في هاتين الملتين سعيد في الآخرة كما في الصابئين واليهود والنصارى لذكرهم، فدل على أنهم ليسوا من أهل الملل الناجية،
стр. 940
وإذا كانوا كذلك لم تحلَّ مناكحتهم (١).
ثانيًا: الإجماع:
أجمع الصحابة على تحريم مناكحة المجوس، ولا يعلم لهم مخالف في زمنهم، ولا في زمن التابعين (٢).
المناقشة:
إن الصحابة لم يُجمعوا على ذلك، بدليل أن حذيفة ﵁ تزوج منهم؛ فقد ذكر معبد الجهني قال: رأيت امرأة حذيفة مجوسية. (٣)
وأُجيب بأن ذلك لم يصحَّ عن حذيفة. قال البيهقي: "فهذا غير ثابت، والمحفوظ عن حذيفة أنه نكح يهودية" (٤)، وقال أحمد: "والقول بأنه تزوج يهودية أوثق" (٥).
وما روي عن عطاء وطاوس وابن دينار من حل المجوسية لم يصح، وإنما المروي عنهم جواز التسري بالمجوسية، لا نكاح الحرة، وهو خارج محل النزاع (٦).
أدلة المجيزين ومناقشتها:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا
стр. 941
حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وجه الدلالة:
استثنى الله أهل الكتاب خاصة بإعفائهم من القتل بغرم الجزية مع الصَّغَار من جملة سائر المشركين الذين لا يحل إعفاؤهم إلَّا أن يسلموا. وقد صح أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (١).
ومن الباطل الممتنع أن يخالف رسول الله ﷺ أَمْرَ ربه وإلا لبين لنا أنهم غير أهل كتاب فكنا ندري حينئذٍ أنه فعل ذلك بوحي (٢). وإذا ثبت أنهم من أهل الكتاب جاز نكاح نسائهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
ونوقش من وجهين:
١ - المجوس ليسوا أهل كتاب بدليل قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٥، ١٥٦] والطائفتان هما اليهود والنصارى، ولو كان المجوس من أهل الكتاب لكان أهل الكتاب ثلاث طوائف؛ فيؤدي إلى الخلف في خبره وذلك محال (٣). وإذا كانوا ليسوا أهل كتاب لم تحلَّ مناكحتهم كالمشركين.
ويجاب: بأن هذا القول -أي: نزول الكتاب على طائفتين- من إنشاء المشركين
стр. 942
فليس فيه دليل على ما ذكرتم (١).
ويُرَدُّ عليه:
بأن الله تعالى حكى عنهم القول ولم يعقبه بالإنكار عليهم وتكذيبهم، والحكيم إذا حكى عن منكر غيَّره (٢).
٢ - فَرْقٌ بين قبول الجزية منهم ونكاح نسائهم، فالرسول ﷺ حقن دماءهم عند دفع الجزية لتشبههم بأهل الكتاب في بعض الأمور، والدماء تعصم بالشبهات، أما الفروج فلا تحل بالشبهات (٣).
وفي روضة الطالبين: "الصنف الثالث: مَنْ لا كتاب لهم لكن لهم شبهة كتاب وهم المجوس. وهل كان لهم كتاب؟ فيه قولان، أشبههما: نعم. وعلى القولين لا تحل مناكحتهم" (٤).
وفي المغني: "وليس للمجوس كتاب، ولا تحل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم؛ نصَّ عليه أحمد" (٥).
ثانيًا: السنة المطهرة:
أن عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أَمْرِهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لَسَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" (٦).
وجه الدلالة:
أَمَرَ النبي ﷺ بمعاملة المجوس مثل أهل الكتاب فتحل مناكحتهم، كما تحل
стр. 943
مناكحة اليهود والنصارى.
المناقشة:
١ - الحديث ضعيف. قال ابن حجر: هذا منقطع مع ثقة رجاله (١).
٢ - ولو صح فهو محمول على معاملتهم مثل أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط، كما فعل ذلك الرسول ﷺ ، وفهمه الصحابة من بعده (٢).
يؤيد ذلك ما رواه عبد الرحمن بن عوف أنه شهد أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٣).
ولا يجوز تعديه إلا بنص، أو خبر آخر صريح، ولم يرد مثل ذلك.
ويؤيد هذا الفهم تكملة الرواية التي لم يتصل سندها "غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحم"، وهي حجة باتفاق؛ كما قال ابن تيمية (٤).
ولا يخفى أن في قوله: "سنوا بهم. . . " ما يشعر بأنهم ليسوا بأهل كتاب.
ثالثًا: قول الصحابي:
عن علي -رضى الله عنه- قال: "أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر فوقع على ابنته، أو أخته، فاطَّلع عليه بعض أهل مملكته، فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه الحد، فامتنع منهم، فدعا أهل مملكته، فلما أتوه قال: تعلمون دينًا خيرًا من دين آدم، وقد كان يُنْكِحُ بنيه من بناته، وأنا على دين آدم ما يرغب بكم عن دينه، قال: فبايعوه، وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم، فأصبحوا وقد أُسري على كتابهم، فَرُفِعَ من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم. فهم أهل
стр. 944
كتاب، وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- منهم الجزية" (١).
وجه الدلالة:
دل كلام علي -رضى الله عنه- على أن المجوس لهم كتاب قد رُفِعَ ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فدل على أنهم يعاملون معاملة أهل الكتاب، ومن ذلك نكاح نسائهم.
المناقشة من الوجهين:
الأول: هذا الأثر ضعيف؛ فقد سئل الإمام أحمد: أيصح عن علي أن للمجوس كتابًا. فقال: هذا باطل واستعظمه جدًّا (٢). كما ضعفه القرطبي (٣).
ويجاب:
بأن هذا الأثر قد حسَّنه ابن حجر (٤).
ويُرَدُّ:
بأن في سنده سعيد بن مرزبان أبا سعد البقال الكوفي، وهو ضعيف، مدلس، وقد تركوه، قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم الرازي: لا يحتج بحديثه، والحديث ليس له متابع ولا شاهد (٥).
الثاني: على فرض صحته فإنه إنما يدل على أنه كان لهم كتاب فَرُفِعَ لا أنه الآن بأيديهم كتاب، وحينئذ فلا يصح أن يدخلوا في لفظ (أهل الكتاب)؛ إذ ليس بأيديهم كتاب لا مبدل ولا غير مبدل، ولا منسوخ ولا غير منسوخ، ولكن إذا كان لهم كتاب
стр. 945
ثم رفع بقي لهم شبهة كتاب، وهذا القدر يؤثر في حقن دمائهم بالجزية، وأما الفروج والذبائح فحلها مخصوص بأهل الكتاب (١).
بل لقد صح عن عمر أن المجوس ليسوا بأهل كتاب (٢).
وبالرغم من أن الرواية السابقة قد جاءت عن علي، فقد جاء عنه أيضًا النص في تحريم نكاح النساء المجوسيات، فقال: "أَخَذَ رسول الله ﷺ الخراج منهم -أي: المجوس- لأجل كتابهم، وحرم مناكحتهم وذبائحهم لشركهم" (٣).
المناقشة: هذا الأثر ضعيف، وقد تقدم الكلام عنه.
الترجيح: يحرم نكاح المجوسيات وعبدة النار ومن في حكمهن؛ لضعف أدلة القائلين بهذا، وصحة انعقاد الإجماع على الحرمة، ودخولهن في عموم المشركات، وعدم ثبوت كتاب موجود بين أيديهم تصح نسبته لنبي من أنبياء الله تعالى (٤).
المطلب الثاني: حكم زواج المسلم من الكتابية:
الكتابية قد تكون ذمية مقيمة في بلاد الإسلام، أو هي من أهلها، وقد تكون معاهدة مستأمنة من أهل دار الحرب، أو حربية.
وثمة اختلاف بين الفقهاء في حكم هذه الحالات، والذي سوف يسير عليه البحث هو دراسة حكم نكاح الكتابية الحربية في دار الحرب؛ لأنها أشد الصور وأبعدها ثم نتنزل إلى ما هو أدون.
стр. 946
تحرير محل النزاع:
تقرَّر فيما سبق أن الكتابي هو كل من تدين بدين أهل الكتاب، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعده، وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك، وهو المنصوص عن أحمد، وهو -قبل ذلك- القول الثابت عن الصحابة، ومع وجود يهود المدينة من العرب وغيرهم لم يفصل النبي ﷺ في أكل طعامهم أو حل ذبائحهم ونسائهم، وهكذا فعل الصحابة لما دخلوا البلاد النصرانية فاتحين كالشام ومصر وغيرهما (١).
وعليه فإن الكتابي هو مَنْ تَدَيَّنَ باليهودية أو النصرانية أو بنحلة أو ملة أو فِرْقة تنتسب إليهما.
ومن كانت لأبوين أحدهما كتابي والآخر وثني فاختارت دين الكتابي منهما فإنها كتابية تُقَرُّ على دينها.
وهذا مذهب الجمهور خلافًا للشافعية، وقول عند الحنابلة، وقد ذهب ابن قدامة وابن تيمية والمرداوي من الحنابلة إلى قول الجمهور ورجحوه (٢).
وقد اتفقوا في الجملة على جواز نكاح الكتابية بدار الحرب إذا خشي العنت وغلبت عليه شهوته؛ لأن التحرز عن الزنا فرض ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح (٣).
واتفقوا أيضًا على أولوية المسلمة في النكاح بالإجماع؛ لقوله ﷺ : "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٤).
стр. 947
واختلفوا في حكم نكاح الحرة الحربية في دار الحرب، وفيما يلى نُوردُ الأقوالَ وقائليها:
القول الأول: يحرم نكاح الكتابية الحربية في دار الحرب:
وهو قول ابن عباس ﵄ قال: "نكاح الكتابيات الحربيات لا يحل في بلادهن" (١). وقول عمر وابنه ﵄، وهو قول النخعي والثوري ومجاهد والحكم (٢).
وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة؛ قال المرداوي: "قيل: يحرم نكاح الحربية مطلقًا، وقيل: يجوز في دار الإسلام، لا في دار الحرب، وإن اضطر، وهو منصوص كلام أحمد" (٣).
وقال صاحب المحرر: "لا يحل لمسلم نكاح كافرة إلا حرائر أهل الكتاب غير الحربيات، وفي الحربيات وجهان" (٤).
وقال الخرقي: "ولا يتزوج بأرض العدو إلا أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة، ويعزل بها، ولا يتزوج منهم" (٥).
وقد أشار ابن تيمية إلى أن الذي يُفهم من كلام الإمام أحمد هو حرمة نكاح الحربيات بدار الحرب (٦).
وهو رواية عند الحنفية نَصَرَها ابن عابدين فقال: "إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أما تحريمية. . . على أن التعليل يفيد ذلك، ففي الفتح: ويجوز تزوج الكتابيات، والأَولى ألَّا يُفعل، وتكره الكتابية الحربية إجماعًا، لافتتاح باب الفتنة من إمكان التعلق
стр. 948
المستدعي للمقام معها في دار الحرب، وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر، وعلى الرق بأن تُسبى وهي حبلى فيولد رقيقًا، وإن كان مسلمًا". اهـ.
فقوله: الأَولى ألَّا يُفعل يفيد أن الكراهة تنزيهية في غير الحربية، وما بعده يفيد كراهة التحريم في الحربية؛ فتأمَّل" (١)، وهو ما رجحه أبو بكر الرازي الحنفي، فقال: فينبغي أن يكون نكاح الحربيات محظورًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] إنما يقع على أهل الحرب؛ لأنهم في حدٍّ غير حدنا (٢).
وهو قول القرطبي من المالكية (٣) وقوَّاه القاسمي (٤) وانتصر له طائفة من المعاصرين، منهم: ابن باديس وغيره من علماء الجزائر، ود. يوسف القرضاوي، وعبد المتعال الجابري.
قال الشيخ: أحمد بن محمد حماني (٥): "فإن كانت الكتابية لا تنالها أحكامنا لم يجز التزوج بها خشيةً على أولاد المسلمين من أن تغلب عليهم، ولهذا أفتى الشيخ عبد الحميد بن باديس (٦) -رحمة الله عليه- بحرمة تزوج المسلمين من الفرنسيات اليهوديات والنصرانيات؛ لأن القوانين الفرنسية تعتبر أولادهن فرنسيين متجنسين لا تنالهم أحكام الشريعة الإسلامية في الزواج والطلاق والإرث وغير ذلك" (٧).
стр. 949
ومعلوم أنهما كانا يَريان حرمة التجنس بالجنسية الفرنسية وغيرها من الجنسيات الغربية، ويعدان هذا العملَ ردةً عن الإسلام (١).
وقال الشيخ القرضاوي: ". . . وبناءً على هذا لا يجوز لمسلم في عصرنا أن يتزوج يهودية، ما دامت الحرب قائمة بيننا وبين إسرائيل، ولا قيمة لما يقال من التفرقة بين اليهودية والصهيونية، فالواقع أن كل يهودي صهيوني؛ لأن المكونات العقلية والنفسية للصهيونية إنما مصدرها التوراة وملحقاتها وشروحها والتلمود. . . وكل امرأة يهودية إنما هي جندية -بروحها- في جيش إسرائيل! " (٢).
وقال الجابري: "ونحن حين نتأمل أعمال الكفار اليوم نجدها كلها حربًا للمسلمين، أو قائمة على أساس خصومة محاربة؛ ولذا وجب أن لا نتزوج غير المسلمات أبدًا، مهما اختلفت نحلتهم وملتهم.
فها نحن نرى الوثنيين الهنود يشنونها حروبَ إبادة للمسلمين في بلادهم، كما يشنونها غارات شعواء، ويديرونها مؤامرات خبيثة ضد مسلمي باكستان وكشمير، كما أنها استعمرت حيدر آباد الإسلامية، وطردت النظام المسلم.
وكل مسيحي العالم: أمريكا وانجلترا وفرنسا وهولندا وأسبانيا والبرتغال وبلجيكا واليونان وروما، بل والحبشة، وإسرائيل، وغيرهم -لهم في حروب المسلمين من الخناجر المسمومة والملطخة بدماء المسلمين ما يندى له جبين الحر والحرية" (٣).
القول الثاني: يكره نكاح الكتابية الحربية في دار الحرب، وهو قول علي ﵁،
стр. 950
وعطاء والحسن وطائفة من السلف (١) والشافعية، إلا في حالتين:
الأولى: إذا خشي المسلم على نفسه العنت ولم يجد مسلمة.
الثانية: أن يرجو إسلامها فيُسن.
جاء في حاشية القليوبي (٢) تعليقًا على قول الماتن: ("لكن تكره" كتابية "حربية"). قال: "إن لم يَرْجُ إسلامَها، ووجد مسلمة، ولم يَخَفِ العنتَ وإلَّا فلا كراهة، بل يُسن في الأَولى" (٣).
وهو مذهب الحنفية والمالكية.
جاء في المبسوط: "بلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سئل عن مناكحة أهل الحرب من أهل الكتاب فكره ذلك، وبه نأخذ. فنقول: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب، ولكنه يُكره" (٤).
وفي حاشية الخرشي: ("إلا الحرة الكتابية بِكُره وتَأَكَّدَ بدار الحرب" يعني: أن كُرْهَ تزويج الحرة الكتابية في دار الحرب أشد مِنْ كُرْهِ تزويجها في بلد الإسلام) (٥).
والقول الثاني عند الحنابلة: يُكره إن دخل دار الحرب وحده بأمان كالتاجر ونحوه.
قال ابن قدامة في المغني: "وأمَّا الذي يدخل إليهم بأمان كالتاجر ونحوه -فهو الذي أراد الخرقي إن شاء الله تعالى -فلا ينبغي له أن يتزوج" (٦).