تحرير محل النزاع:
تقرَّر فيما سبق أن الكتابي هو كل من تدين بدين أهل الكتاب، سواء كان أبوه أو جده دخل في دينهم أو لم يدخل، وسواء كان دخوله قبل النسخ والتبديل أو بعده، وهذا مذهب جمهور العلماء كأبي حنيفة ومالك، وهو المنصوص عن أحمد، وهو -قبل ذلك- القول الثابت عن الصحابة، ومع وجود يهود المدينة من العرب وغيرهم لم يفصل النبي ﷺ في أكل طعامهم أو حل ذبائحهم ونسائهم، وهكذا فعل الصحابة لما دخلوا البلاد النصرانية فاتحين كالشام ومصر وغيرهما (١).
وعليه فإن الكتابي هو مَنْ تَدَيَّنَ باليهودية أو النصرانية أو بنحلة أو ملة أو فِرْقة تنتسب إليهما.
ومن كانت لأبوين أحدهما كتابي والآخر وثني فاختارت دين الكتابي منهما فإنها كتابية تُقَرُّ على دينها.
وهذا مذهب الجمهور خلافًا للشافعية، وقول عند الحنابلة، وقد ذهب ابن قدامة وابن تيمية والمرداوي من الحنابلة إلى قول الجمهور ورجحوه (٢).
وقد اتفقوا في الجملة على جواز نكاح الكتابية بدار الحرب إذا خشي العنت وغلبت عليه شهوته؛ لأن التحرز عن الزنا فرض ولا يتوصل إليه إلا بالنكاح (٣).
واتفقوا أيضًا على أولوية المسلمة في النكاح بالإجماع؛ لقوله ﷺ : "فاظفر بذات الدين تربت يداك" (٤).
стр. 947
واختلفوا في حكم نكاح الحرة الحربية في دار الحرب، وفيما يلى نُوردُ الأقوالَ وقائليها:
القول الأول: يحرم نكاح الكتابية الحربية في دار الحرب:
وهو قول ابن عباس ﵄ قال: "نكاح الكتابيات الحربيات لا يحل في بلادهن" (١). وقول عمر وابنه ﵄، وهو قول النخعي والثوري ومجاهد والحكم (٢).
وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة؛ قال المرداوي: "قيل: يحرم نكاح الحربية مطلقًا، وقيل: يجوز في دار الإسلام، لا في دار الحرب، وإن اضطر، وهو منصوص كلام أحمد" (٣).
وقال صاحب المحرر: "لا يحل لمسلم نكاح كافرة إلا حرائر أهل الكتاب غير الحربيات، وفي الحربيات وجهان" (٤).
وقال الخرقي: "ولا يتزوج بأرض العدو إلا أن تغلب عليه الشهوة فيتزوج مسلمة، ويعزل بها، ولا يتزوج منهم" (٥).
وقد أشار ابن تيمية إلى أن الذي يُفهم من كلام الإمام أحمد هو حرمة نكاح الحربيات بدار الحرب (٦).
وهو رواية عند الحنفية نَصَرَها ابن عابدين فقال: "إطلاقهم الكراهة في الحربية يفيد أما تحريمية. . . على أن التعليل يفيد ذلك، ففي الفتح: ويجوز تزوج الكتابيات، والأَولى ألَّا يُفعل، وتكره الكتابية الحربية إجماعًا، لافتتاح باب الفتنة من إمكان التعلق
стр. 948
المستدعي للمقام معها في دار الحرب، وتعريض الولد على التخلق بأخلاق أهل الكفر، وعلى الرق بأن تُسبى وهي حبلى فيولد رقيقًا، وإن كان مسلمًا". اهـ.
فقوله: الأَولى ألَّا يُفعل يفيد أن الكراهة تنزيهية في غير الحربية، وما بعده يفيد كراهة التحريم في الحربية؛ فتأمَّل" (١)، وهو ما رجحه أبو بكر الرازي الحنفي، فقال: فينبغي أن يكون نكاح الحربيات محظورًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] إنما يقع على أهل الحرب؛ لأنهم في حدٍّ غير حدنا (٢).
وهو قول القرطبي من المالكية (٣) وقوَّاه القاسمي (٤) وانتصر له طائفة من المعاصرين، منهم: ابن باديس وغيره من علماء الجزائر، ود. يوسف القرضاوي، وعبد المتعال الجابري.
قال الشيخ: أحمد بن محمد حماني (٥): "فإن كانت الكتابية لا تنالها أحكامنا لم يجز التزوج بها خشيةً على أولاد المسلمين من أن تغلب عليهم، ولهذا أفتى الشيخ عبد الحميد بن باديس (٦) -رحمة الله عليه- بحرمة تزوج المسلمين من الفرنسيات اليهوديات والنصرانيات؛ لأن القوانين الفرنسية تعتبر أولادهن فرنسيين متجنسين لا تنالهم أحكام الشريعة الإسلامية في الزواج والطلاق والإرث وغير ذلك" (٧).
стр. 949
ومعلوم أنهما كانا يَريان حرمة التجنس بالجنسية الفرنسية وغيرها من الجنسيات الغربية، ويعدان هذا العملَ ردةً عن الإسلام (١).
وقال الشيخ القرضاوي: ". . . وبناءً على هذا لا يجوز لمسلم في عصرنا أن يتزوج يهودية، ما دامت الحرب قائمة بيننا وبين إسرائيل، ولا قيمة لما يقال من التفرقة بين اليهودية والصهيونية، فالواقع أن كل يهودي صهيوني؛ لأن المكونات العقلية والنفسية للصهيونية إنما مصدرها التوراة وملحقاتها وشروحها والتلمود. . . وكل امرأة يهودية إنما هي جندية -بروحها- في جيش إسرائيل! " (٢).
وقال الجابري: "ونحن حين نتأمل أعمال الكفار اليوم نجدها كلها حربًا للمسلمين، أو قائمة على أساس خصومة محاربة؛ ولذا وجب أن لا نتزوج غير المسلمات أبدًا، مهما اختلفت نحلتهم وملتهم.
فها نحن نرى الوثنيين الهنود يشنونها حروبَ إبادة للمسلمين في بلادهم، كما يشنونها غارات شعواء، ويديرونها مؤامرات خبيثة ضد مسلمي باكستان وكشمير، كما أنها استعمرت حيدر آباد الإسلامية، وطردت النظام المسلم.
وكل مسيحي العالم: أمريكا وانجلترا وفرنسا وهولندا وأسبانيا والبرتغال وبلجيكا واليونان وروما، بل والحبشة، وإسرائيل، وغيرهم -لهم في حروب المسلمين من الخناجر المسمومة والملطخة بدماء المسلمين ما يندى له جبين الحر والحرية" (٣).
القول الثاني: يكره نكاح الكتابية الحربية في دار الحرب، وهو قول علي ﵁،
стр. 950
وعطاء والحسن وطائفة من السلف (١) والشافعية، إلا في حالتين:
الأولى: إذا خشي المسلم على نفسه العنت ولم يجد مسلمة.
الثانية: أن يرجو إسلامها فيُسن.
جاء في حاشية القليوبي (٢) تعليقًا على قول الماتن: ("لكن تكره" كتابية "حربية"). قال: "إن لم يَرْجُ إسلامَها، ووجد مسلمة، ولم يَخَفِ العنتَ وإلَّا فلا كراهة، بل يُسن في الأَولى" (٣).
وهو مذهب الحنفية والمالكية.
جاء في المبسوط: "بلغنا عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سئل عن مناكحة أهل الحرب من أهل الكتاب فكره ذلك، وبه نأخذ. فنقول: يجوز للمسلم أن يتزوج كتابية في دار الحرب، ولكنه يُكره" (٤).
وفي حاشية الخرشي: ("إلا الحرة الكتابية بِكُره وتَأَكَّدَ بدار الحرب" يعني: أن كُرْهَ تزويج الحرة الكتابية في دار الحرب أشد مِنْ كُرْهِ تزويجها في بلد الإسلام) (٥).
والقول الثاني عند الحنابلة: يُكره إن دخل دار الحرب وحده بأمان كالتاجر ونحوه.
قال ابن قدامة في المغني: "وأمَّا الذي يدخل إليهم بأمان كالتاجر ونحوه -فهو الذي أراد الخرقي إن شاء الله تعالى -فلا ينبغي له أن يتزوج" (٦).
стр. 951
وبالجملة فإن كل من كره نكاح الكتابية في دار الإسلام يكره نكاحها في دار الكفر أو يحرمه.
قال ابن عابدين: "وتكره الكتابية الحربية إجماعًا" (١).
الأدلة والمناقشة:
أدلة القول الأول: من القرآن الكريم، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولًا: القرآن الكريم:
١ - قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وجه الدلالة:
أَمَرَ الله تعالى بقتالى الكفار من أهل الكتاب الحربيين الذين لا يؤدون الجزية، والأمر بقتالهم يوجب عدم محبتهم ومودتهم، فعلى هذا لا يحل التزوج من نسائهم الحربيات؛ لأن الزواج مودة ومحبة (٢).
وذهب بعض الباحثين إلى عدم حل نكاحهن جميعًا، سواء في دار الحرب أو الإسلام؛ لأنهن لا يدفعن الجزية (٣).
وعليه: "فإن المسلم ممنوع أن يتزوج بدار الحرب كما نص عليه فقهاء المسلمين، مخافةَ أن يميل إليهم، أو يكثِّر سوادهم بأولاده، أو يسيطروا عليهم، أو يُغَيِّروا ميولهم واتجاهاتهم الفكرية، وهذا متحقق فيمن تزوج في هذه الدول من الجاليات الإسلامية؛ لأنهم -أي: أهل هذه الدولى الكتابية- في حكم الحربيين للمسلمين؛ إذ لا سيطرة
стр. 952
للمسلمين عليهم، وهم جادُّون ومجتهدون بغزوهم الثقافي المادي البحت للمسلمين بشتى الأساليب، بالتبشير وبذل الأموال والاشتراك في المنظمات، ومحاولة التقريب بين النصارى والمؤمنين، وإذابة الشخصية الإسلامية بالشخصية النصرانية، وإزالة الفروق بين المسلمين والكتابيين، ومحاولاتهم لتشكيك المسلمين في إسلامهم.
ومن كانت هذه صفاتهم ألا يعتبرون محاربين؟! لأن الحرب الحقيقية هي المركزة ضد العقيدة (الحرب الثقافية والغزو الفكري)، أما الحرب العسكرية (حرب الأبدان) فهي فروع ونتيجة لغزو العقيدة، وهذا هو واقع العالم اليوم، فعلى المسلمين المقيمين بالغرب ألا يتزوجوا بكتابية؛ حيث إنهم لا يستطيعون إقامة الحكم الشرعي في الزواج، فإن كانت إقامة المسلم غير شرعية بينهم فليرجع إلى بلاد المسلمين فيتزوج منهم، وإن كان قد أسلم ابتداءً -وهو من أهل هذه الدول- فَلْيَدْعُ زوجته إلى الإسلام، ثم يبقى على زواجه؛ لأنهما دخلا بعقد معتقدين صحته. ثم إن استطاع الهجرة إلى بلاد المسلمين فليفعل" (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وجه الدلالة:
أباح الله تعالى نكاح أهل الكتاب للمسلمين، والمراد بهن في هذه الآية الذميات دون الحربيات؛ لأنهن يلتزمن بأحكام الإسلام، ويدفعن الجزية، ويتمكن المسلمون من الركون إليهن، وتطمئن النفوس إلى نكاحهن في الجملة (٢).
٣ - قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].
стр. 953
وجه الدلالة:
أن الله نفى عن المؤمنين بالله حقًّا محبةَ ومودةَ أعداءِ الله الذين عصوا ربهم، ونصبوا أشد العداوة والبغضاء لعباده المسلمين، وبما أن هذه الصفات المذكورة متحققة في الكتابية الحربية تكون مندرجة تحت ما نفاه الله عن عباده المؤمنين، من محبة ومودة أعدائه.
فبهذا لا يحل التزوج بالحربية؛ لأن الزواج مودة ومحبة (١).
والزواج يوجب المودة، يقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩].
وهل هناك تولٍّ لهؤلاء أكثر من أن يزوج إليهم، وتصبح الواحدة من نسائهم جزءًا من أسرته، بل العمود الفقري في الأسرة؟ (٢)
٤ - قوله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ﴾ [النور: ٢٦].
وجه الدلالة:
بيَّن تعالى في هذه الآية أن الخبيثة للخبيث، والعكس، والكتابية الحربية خبيثة، فلا تكون للمسلم الطيب؛ لأن الطيبين للطيبات (٣).
ثانيًا: آثار الصحابة:
١ - عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن نكاح الكتابية الحربية، فقال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، ومنهم من لا يحل لنا، ثم قرأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا
стр. 954
بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قال: فمن أعطَى الجزيةَ حَلَّ لنا نساؤه، ومن لم يُعْطِ الجزيةَ لم يحلَّ لنا نساؤه (١)(٢).
وجه الدلالة:
أن ابن عباس ﵄ حرَّم الزواج بالكتابية في دار الحرب، مستندًا في ذلك إلى كتاب الله ، فالتي تدفع الجزية هي التي تحلُّ، وهي الذمية، أما الحربية التي لا تدفع الجزية فلا تحلُّ.
قال القاسمي: "وهذا الاستدلال دقيق جدًّا فَلْيُتَأَمَّلْ" (٣).
ونوقش:
ناقش ابن العربي دليل ابن عباس بقوله: والمراد بالآية: إنما من تقبل منه الجزية، وعلى ذلك، تجوز مناكحة الحربية، وذِكر الجزية إنما هو في القتال، لا في النكاح (٤)، فالأمر بالقتال ليس علة لفساد نكاحها، فحيث لا علاقة بين دفع الجزية وحل الزواج، فلا علاقة بين عدم دفعها وحرمته، فلا دلالة في الآية إذًا على تحريم الكتابية الحربية أو حلها (٥).
وأجيب بأنه:
لرأي ابن عباس وجاهته ورجحانه لمن يتأمل، فقد جعل الله المصاهرة من أقوى
стр. 955
الروابط بين البشر، وهي تلي رابطة النسب والدم؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. فكيف تتحقق هذه الرابطة بين المسلمين، وبين قوم يحادونهم ويحاربونهم، وكيف يسوغ للمسلم أن يصهر إليهم، فيصبح منهم أجداد أولاده وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم؟ فضلًا عن أن تكون زوجه وربة داره وأم أولاد منهم؟ وكيف يُؤمَن أن تطلع على عورات المسلمين وتخبر بها قومها؟ (١)، وعن علي -رضى الله عنه- بنحوه.
وقد ذُكر هذا القول لإبراهيم النخعي فأعجبه (٢) وعن قتادة قال: لا تنكح امرأة من أهل الكتاب إلا في عهد (٣).
وعن ابن جريج قال: بلغني ألَّا تنكح امرأة من أهل الكتاب إلَّا في عهد (٤).
ثالثًا: المعقول:
١ - المسلم الذي يتزوج الكتابية الحربية، يكون مقيمًا معها في دار الحرب، مع أنه مأمور بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ بالهجرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧].
والرسول ﷺ يقول: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" (٥)، والبراءة لا تكون إلا على فعل محرم فالتزوج بالكتابية الحربية محرم؛ لأنه يفضي إلى الإقامة
стр. 956
معها في دار الحرب، وفي هذا مخالفة لأمر الله، وأمر رسوله ﷺ بالهجرة منها، وتكثير لسواد الكفار، وتقليل لعدد المسلمين (١)، والمسلم الذي يفعل هذا الزواج يُخشى عليه من موالاة أعداء الله ورسوله والمسلمين، وقد نهى الله تعالى عن موالاتهم، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
٢ - المسلم بفعله هذا يعرض نفسه وولده لمخاطرَ سيئةٍ لا يستطيع الإفلات منها، فربما أثَّرت عليه وعلى ولده فتخلقوا بأخلاقها، وشَبُّوا على عاداتها وعادات قومها الفاسدة، وأخطر من هذا ربما مالوا إلى دينها وارتدوا عن الإسلام.
٣ - الأصل في حل المباحات ألَّا يترتب عليها ضرر محقق ولا فتنة غالبة، فإذا أفضى استعمالها إلى شيء من ذلك فقد حرمت؛ لقوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (٢) فيجب دفع الضرر عن النفس، ودفع الأضرار عن الغير.
وإذا كان المسلمون في بلد ما يمثلون أقلية محدودة، مثل بعض الجاليات في أوروبا وأمريكا، وبعض الأقليات في آسيا وأفريقيا، فمنطق الشريعة وروحها يقتضي تحريم زواج الرجال المسلمين من غير المسلمات، وإلا كانت النتيجة ألَّا يجد بنات المسلمين -أو عدد كبير منهن- رجلًا مسلمًا يتقدم للزواج منهن، وحينئذ تتعرض المرأة المسلمة لأحد أمور ثلاث:
١ - إما الزواج من غير مسلم، وهذا باطل في الإسلام.
٢ - وإما الانحراف، والسير في طريق الرذيلة، وهذا من كبائر الإثم.
٣ - وإما عيشة الحرمان الدائم من حياة الزوجية والأمومة.
стр. 957
وكل هذا مما لا يرضاه الإسلام؛ وهو نتيجة حتمية لزواج الرجال المسلمين من غير المسلمات، مع منع المسلمة من التزوج بغير المسلم.
وهذا الضرر هو الذي خافه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين بلغه أن حذيفة بن اليمان ﵁ تزوج -وهو بالمدائن- امرأة يهودية، فكتب إليه عمر مرة أخرى: أعزم عليك ألا تضع كتابي هذا حتى تخلي سبيلها، فإني أخاف أن يقتدي بك المسلمون، فيختاروا نساء أهل الذمة لجمالهن، وكفى بذلك فتنة لنساء المسلمين (١).
ومن ناحية أخرى يُخشى أن يتساهل بعض الناس في شرط الإحصان -العفاف- الذي قيد به القرآن حل الزوج منهن، حتى يتعاطوا زواج الفاجرات، والمومسات، وكلتاهما مفسدة ينبغي أن تمُنع قبل وقوعها؛ عملًا بسد الذرائع، ولعل هذا نفسه ما جعل عمر يعزم على طلحة ابن عبيد الله إلَّا طلَّقَ امرأة كتابية تزوجها، وكانت بنت عظيم يهود (٢).
٤ - وتشتد المصيبة حين يولد لهما أطفال، فهم يشبون -غالبًا- على ما تريد الأم، لا على ما يريد الأب إن كانت له إرادة، فهم أدنى إليها، وألصق بها، وأعمق تأثُّرًا بها، وخصوصًا إذا وُلدوا في أرضها وبين قومها، وهنا ينشأ هؤلاء الأولاد على دين الأم، وعلى احترام قيمها ومفاهيمها وتقاليدها، وحتى لو بقوا على دين الأب، فإنما يبقون عليه اسمًا وصورة، لا حقيقةً وفعلًا، ومعنى هذا أننا نخسر هؤلاء الناشئة دينيًا وقوميًّا إن لم نخسر أباءهم أيضًا.
ومن أجل هذه المفسدة، نرى كثيرًا من الدول تُحَرِّم على سفرائها وكذلك ضباط
стр. 958
جيشها أن يتزوجوا أجنبيات؛ بناءً على مصالحَ واعتباراتٍ وطنية وقومية (١).
٥ - ولا شك أن المتزوج بالحربية في دار الكفر أو الحرب اليوم سيخضع لأحكام دولتها في شئون النكاح والطلاق رضي أو سخط، والواقع يشهد أن أطفالًا وُلدوا لآباء مسلمين قد تحولوا كفارًا بسب أمهاتهم اللائي طُلِّقْنَ من الأزواج فاسْتَحْقَقْنَ نصفَ مال الزوج وجميع الذرية بالحضانة، وعليه فلا بد من نظرة تقويمية لواقع هذا الزواج وآثاره على الذرية. حدَّثَ أحد الباحثين المقيمين في الغرب فقال:
"صديق لي تزوج بامرأة ألمانية نصرانية، ولم يكن حسن الالتزام بدينه، وكانت هي أيضًا بعيدة عن دينها، ويَسَّر الله لهذا الرجل أن تَعَرَّف على المسلمين الملتزمين وعلى المسجد حتى أصبح من رواده، وأصبح داعية للإسلام، وكان له من زوجته خمسة أولاد لا تتجاوز أعمارهم السبع سنوات، وصار يُحضرهم معه إلى المسجد ويُعلمهم الإسلام، وبدأت العداوة تكبر في صدر امرأته حتى اشتعل صدرُها ببغض هذا الدين، ودفعها هذا البغض إلى الاقتراب من الكنيسة والدفاع عنها، وكانت تثور في البيت المجادلات الدينية، والتي لم تنتهِ إلا بطلب المرأة الطلاق، وصدر الحكم بالطلاق، وكانت الأم قد أَطلعتِ القاضي على سبب العداوة بينها وبين زوجها، الذي انقلب إلى رجل متعصب بزعمها، ويريد أن يربي أولاده على الإسلام ويأخذهم إلى المسجد، فمال القاضي إليها وحكم لها بحضانة الأطفال الخمسة، ولم يعد يسمح للأب أن يزور أولاده إلا مرة واحدة في الأسبوع، وحرصت الأم بعد ذلك على غرس الكفر في نفوس الأطفال فصارت تصحبهم إلى الكنيسة بعد أن كانت الكنيسة لا تعني شيئًا لها، تطبخ لهم الخنزير وتنفرهم من الإسلام، وكان الأب في غضون زيارة الأولاد له يحرص على تعليمهم
стр. 959
الصلاة وتحبيبهم بها، فلما علمت الأم بذلك أخبرت القاضي، الذي قام بإنذار الأب بحرمانه من زيارة أطفاله له، إذا حدَّثهم عن الإسلام أو الصلاة، أو حتى صلى إحدى الصلوات أمامهم، وهذا غيض من فيض مما يجري في بلاد الغرب، من حرب الإسلام وأهله والاعتداء على أبناء المسلمين لإبعادهم عن دينهم، ومنذ أيام قلائل اتصل بي أحد الأخوة، وأخبرني أن صديقًا له من المسلمين العرب توفي وله زوجة ألمانية، فأراد أهله وأصدقاؤه دفنه في مقبرة المسلمين، فرفضت زوجته وأصرَّت على أن يُدفن في مقابر النصارى، فذهب بعض الأخوة يترجونها للسماح بدفنه في مقابر المسلمين، فلم تَقبل ودُفن في مقابر النصارى، فالزوجة في القانون الألماني هي التي تأخذ هذا القرار، وليس لأهله أو أسرته حق في التدخل بهذا الشأن؛ لذلك يجب على المسلم أن لا يُقْدِمَ على الزواج من كتابية في بلاد الغرب، إلا إذا استوثق لعرضه ودينه ودين أولاده، وإلا فهو مضيِّع للأمانة التي حمَّلَهُ الله إياها، وسيُسأل عن ذلك يوم القيامة (١).
وبناءً عليه: فإن غلبة الظن حاصلة في زواج كهذا بعدم الاستقرار في هذا الزواج وضياع الذرية دينيًّا وتربويًّا.
ويقول الشيخ محمد رشيد رضا: "أحلَّ الله العفائف من أهل الكتاب، وهو جائز بالنص، وأنه لا يحرم إلا لسبب آخر يدخل في باب سدِّ الذرائع كأن يستلزم شيئًا من المفاسد المحرمة وأشدها أن يتبع الأولاد كلهم أو بعضهم الأمَ في دينها، إما بحكم قوانين تلك البلاد، وإما لكون المرأة أرقى من زوجها علمًا وعقلًا وتأثيرًا بحيث تغلبه على أولاده فتربيهم على دينها" (٢).
стр. 960
ويقول الشيخ شلتوت ﵀: "فإذا انسلخ الرجل المسلم عن حقه في القوامة وألقى بمقاليد نفسه وأسرته وأبنائه إلى زوجته الكتابية فتصرَّفت فيه وفي أبنائه بمقتضى عقيدتها وعاداتها، ووضع نفسه تحت رايتها ومشورتها؛ فإن ذلك نكسٌ للقضية وقلبٌ للحكمة التي أحل الله لأجلها التزويج بالكتابيات، فقد تُنشئهم على الكفر وعادات الشرك، مما لا يقره الإسلام ولا يرضاه، أو يعتبر الرضا به والسكوت عليه كفرًا أو خروجًا من الملة؛ فإن الإسلام يرى أن المسلم إذا شذَّ عن مركزه الطبيعي في الأسرة وألقى بمقاليد أمره بين يدي زوجته غير المسلمة وجب منعه من التزويج بها" (١).
فمثل هؤلاء ليسوا من المسلمين إلا في الجنسية السياسية ففتنتهم بالكفر أكبر من فتنتهم بالنساء (٢).
أدلة القائلين بالكراهة ومناقشتها من القرآن الكريم، والمعقول:
أولًا: القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وجه الدلالة:
الآية عامة في إباحة نساء أهل الكتاب للمسلمين، ولم تُفرق بين أن يكون الزواج بها في دار الإسلام، أو في دار الحرب، فاختلاف الدار لا أثر له في إباحة الزواج أو تحريمه.
"وظاهر الآية يقتضي جواز نكاح الجميع، الذميات والحربيات؛ لشمول الاسم لهن" (٣).
وقال القاسمي ﵀: "استدلَّ بعموم الآية من جَوَّزَ نكاح الحربيات الكتابيات" (٤).
стр. 961
ثانيًا: المعقول:
إن نكاح الكتابية المقيمة في دار الحرب، يفضي إلى أمور سيئةٍ تستوجب كراهة زواجها، منها:
١ - أن زوجها مقيم معها في دار الحرب، وهذا فيه تكثير لسواد الكفار، وقد تبرأ رسول الله ﷺ ممن أقام مع المشركين ولم يهاجر إلى ديار المسلمين.
٢ - أن الكتابية التي في دار الحرب لم تخضع لأحكام الإسلام، بخلاف التي في دار الإسلام، وهذا مما يقوي سلطتها على زوجها، وشدة تأثيرها عليه، فيميل إلى حبها ومودتها، فتفتنه عن دينه، وتُخَلِّقُه بأخلاقها، وتُعَوِّدُه على عاداتها الفاسدة.
٣ - أن الكتابية في دار الحرب تشرب الخمر وتأكل الخنزير وغيرهما من المحرمات، عيانًا بيانًا، والدين المحيط بها هو الكفر، فميلها إلى دين أهلها وقومها هو الأقرب، بل ربما أثَّرت على زوجها، فمال معها، بخلاف الكتابية في دار الإسلام؛ فإنها تشرب الخمر وتأكل الخنزير خفية ولا يُسمح لها بالتظاهر به، والدين المحيط بها هو الإسلام بعزته وآدابه السامية، فميلها إلى دين زوجها هو الأقرب.
٤ - تنشئة أولاده فلذات كبده، على دينها الخبيث، وخلقها وعاداتها السيئة؛ لأنها هي الأقرب لهم من أبيهم، فعطفها وحنانها له تأثير كبير على سلوكهم وأخلاقهم، ولكون الدين المحيط بهم هو الكفر، والخلق والعادات المحيطة بهم هي خلق وعادات الكفار، فهذا أيضًا له الأثر البالغ في ميل أبنائه إلى دين أمهم وأخلاقها.
٥ - تعريض الولد للاسترقاق؛ لأنها ربما تكون حاملًا منه، فتنشب الحرب بين المسلمين والكفار، وينتصر المسلمون على عدوهم، وتؤسر الأم، فلا تُصَدَّقُ بأن هذا الحمل من مسلم، فيترتب على ذلك أن يولد الولد رقيقًا مملوكًا، لمن وقعت الأم في أسره. فلهذه المفاسد وغيرها كثير، كان النكاح بالكتابية في دار الحرب أشد كراهة منه
стр. 962
في دار الإسلام (١).
مناقشة أدلة القائلين بالكراهة:
الدليل من القرآن الكريم:
بالنسبة لاستدلالهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
يقال لهم: بأن الآية خاصة بنكاح الكتابيات في دار الإسلام، وهن الذميات؛ لأنهن يدفعن الجزية، ويلتزمن بالأحكام الإسلامية العامة، فرجاء إسلامهن هو الأقرب، كما فهم ذلك ابن عباس ﵄.
والله عندما أباح نكاحهن للمسلمين، ليس فقط لقضاء العشرة الزوجية معهن، بل الأهم من ذلك هو ميلهن إلى دين أزواجهن وهو الإسلام.
أما الكتابية الحربية، فخرجت من عموم الآية؛ لأنها لم تَجْرِ عليها الأحكام الإسلامية، ولم تدفع الجزية، فالهدف الذي من أجله أباح الله نكاحها للمسلمين قد لا يحصل، بل ربما حصل العكس، وهو تأثيرها على زوجها المسلم وأولاده، فيميلون إلى دينها ودين قومها، وهو الكفر.
وأجيب عن ذلك:
بأنه لا دليل على تخصيص الآية بالذميات، فالآية عامة في إباحة الزواج بالكتابيات حربيات أو ذميات، وهذا هو ما فهمه أكثر أهل العلم (٢).
стр. 963
ويُرَدُّ على ذلك: بأن الآثار المروية عن بعض الصحابة في تحريم الزواج بالكتابيات في دار الحرب، وما سبق ذكره من المخاطر والمفاسد التي تعود على المسلمين بزواجهم من الكتابيات الحربيات، قد يُخَصِّصُ العموم، فتخرج الكتابية الحربية من هذا، وتبقى الآية خاصة بالذمية.
مناقشة دليل المعقول:
أما الرَّد على ما استدلوا به من المعقول على أن كراهة الزواج بهن كراهة تنزيهية.
فيمكن أن يجاب عن ذلك:
بأن حمل هذه المفاسد والمخاطر التي تعود على المسلم بزواجه من الحربية على الكراهة التحريمية هو الأَولى؛ لأن المسلم الذي يتزوج بالحربية، سيبقى مقيمًا معها في دار الحرب، والله أمر المسلمين بالهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، بقوله: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧].
فبقاء المسلم مع زوجته الحربية في دارها فيه مخالفة لأمر الله بالهجرة، ومخالفة المسلم أَمْرَ ربه محرَّم، وبهذا يكون الزواج بالكتابية الحربية محرُّمًا؛ لأن ما أدى إلى الحرام فهو حرام، والزواج بالكتابية الحربية يؤدي إلى الإقامة في دار الحرب وتكثير سواد الكفار، وهذا محرم.
ولأن الرسول ﷺ تبرأ من المسلم الذي يقيم بين المشركين، والبراءة لا تكون إلا على فعل محرَّم، وهو الإقامة مع المشركين في دارهم عندما يتزوج المسلم بالكتابية الحربية (١).
الترجيح:
مع قوة أدلة القائلين بالكراهة فحسب، إلا أن الواقع اليوم بمتغيراته ومستجداته،
стр. 964
يشهد بمفاسدَ عظيمةٍ لا يمكن بحال أن تكون الشريعة ناظرة إليها بمنظار الكراهة، ولا شك أن هذا من موارد تغير الفتيا في المسائل الاجتهادية.
وإذا كان بعض العلماء منع حتى من نكاح المسلمة في دار الحرب (١)، وإذا فعل فلا ينبغي له أن ينجب حفظًا للذرية، وحماية لها من الكفر ومخاطره، فإن نكاح الكتابية الحربية أولى بالمنع، بل بالتحريم.
مع التسليم بأن من خَشِيَ على نفسه الوقوع في الزنا جاز له أن يتزوج من الكتابية في دار الحرب مع توقي الإنجاب ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، والله المستعان.
حكم نكاح الكتابية الذمية:
اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز مع الكراهة:
وهو مذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، وهو رأي الحنابلة إلا أنهم عبروا عنه بأنه خلاف الأَولى.
قال مالك: أَكْرَهُ نساء أهل الذمة اليهودية والنصرانية، وما أُحرمه (٢).
جاء في الدر المختار: ("وصح نكاح كتابية" وإن كُرِهَ تنزيهًا) (٣).
وفي مختصر خليل: "والكافرة إلا الحرة الكتابية بِكُرْهٍ" (٤)، أي: يحرم نكاح الكافرة إلا الحرة الكتابية فهو جائز مع الكراهة.
وفي روضة الطالبين: "الكفار ثلاثة أصناف، أحدها: الكتابيون فيجوز للمسلم
стр. 965
مناكحتهم، سواء كانت الكتابية ذمية أو حربية، لكن تكره الحربية، وكذا الذمية على الصحيح" (١).
وفي المبدع: ("إلا حرائر أهل الكتاب" فإنها تحلُّ بغير خلاف نعلمه. . . والأَولى تركه) (٢).
القول الثاني: الجواز من غير كراهة:
وهو مذهب ابن القاسم المالكي، والظاهرية.
جاء في حاشية الخرشي عن نكاح الكافرة ("إلا الحرة الكتابية بِكُرْهٍ" وعلى قول ابن القاسم يجوز بلا كراهة) (٣).
وفي المحلَّى: (وجائز للمسلم نكاح الكتابية) (٤).
القول الثالث: لا يجوز نكاح الحرة الكتابية مطلقًا ذمية كانت أو حربية:
وهو رأي ابن عمر ﵄، ولم ينقل عن غيره.
فقد كان ابن عمر ﵄ لا يجوِّز ذلك، ويقول: "الكتابية مشركة" (٥).
قال الباجي: ولا أعلم أحدًا منعه غير عبد الله بن عمر ﵄ (٦).
أدلة كل رأي:
أولًا: استدل الجمهور بالكتاب، وآثار الصحابة، والمعقول:
١ - القرآن الكريم:
стр. 966
استدلوا على حل نكاح الكتابيات بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وجه الدلالة:
نصت الآية الكريمة على حل نكاح المحصنات من أهل الكتاب، والمراد بهن العفيفات (١).
٢ - آثار الصحابة:
عن جابر ﵁ وسئل عن نكاح المسلمِ اليهوديةَ والنصرانيةَ، قال: "تزوجناهن زمان الفتح بالكوفة مع سعد بن أبي وقاص، ونحن لا نكاد نجد المسلمات كثيرًا، فلما رجعنا طلقناهن، وقال: لا يرثن مسلمًا ولا يرثونهن، ونساؤهم لنا حل، ونساؤنا حرام عليهم" (٢).
وجه الدلالة:
يجوز ارتكاب المكروه للحاجة إليه وهو نكاح الكتابيات حال عدم وجدان المسلمات؛ ولهذا حين رجعوا طلقوهن، مع نصهم على حلهن فأفاد هذا الكراهة (٣).
٣ - المعقول:
واستدلوا على كراهة نكاح الكتابيات من المعقول بما يلي:
أ - ربما كانت سببًا في فتنته عن دينه، وتحوُّله عن ملته (٤).
ب - ربما تفسد دين أولاده، وتغذيهم بدينها، وتطعمهم الحرام، وتسقيهم الخمر (٥).
стр. 967
ثانيًا: استدل المجوزون بالكتاب، وبعمل الصحابة:
فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وجه الدلالة:
ظاهر الآية يدل على جواز نكاح الكتابيات من غير كراهة (١).
وقد تزوج عثمان بن عفان نائلة بنت الفرافصة الكلبية على نسائه، وهي نصرانية فأسلمت عنده (٢).
ثالثًا: استدل ابن عمر ﵁ بالكتاب، ومنه:
١ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١].
وجه الدلالة:
نهى الله تعالى عن نكاح المشركات، والكتابية مشركة؛ لأنها تقول: عيسى ربها (٣)، فهي ناسخة لآية المائدة.
٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
وجه الدلالة:
دلت الآية على حرمة إبقاء الكافرة في عصمة المسلم، وهذا يقتضي حرمة الابتداء، والكتابية كافرة، فدل على حرمة نكاحها.
وقد أمَرَ عمرُ حذيفةَ ﵄ بطلاق يهودية تزوجها، وكتب إليه أن يفارقها (٤).
стр. 968
٣ - كما قالوا: إن آية البقرة ناسخة لآية المائدة.
المناقشة:
أولًا: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول:
لا نسلم بأن المحصنات هنا العفيفات، بل المراد بالمحصنات من الذين أوتوا الكتاب في الآية اللاتي أسلمن من أهل الكتاب (١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، وقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣، ١١٤]، فالمراد من كان من أهل الكتاب فأسلم (٢).
ويجاب عن ذلك بما يلي:
١ - إطلاق لفظ أهل الكتاب ينصرف إلى الطائفتين من اليهود والنصارى دون المسلمين، ودون سائر الكفار، ولا يطلق أحد على المسلمين أنهم أهل الكتاب، كما لا يطلق عليهم أنهم يهود أو نصارى، والله تعالى حين قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]، فإنه لم يطلق الاسم عليهم إلا مقيدًا بذكر الإيمان عقيبه. وكذلك قال: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، فذكر إيمانهم بعد وصفهم بأنهم أهل الكتاب، فليس في القرآن إطلاق أهل الكتاب من غير تقييد إلا ويُراد به اليهود
стр. 969
والنصارى، وغير جائز لنا الانصراف عن الظاهر إلى غيره إلا بدلالة، وليس من دلالة توجب صرفه عن ظاهره (١).
٢ - لو كان المراد بالكتابية مَنْ أسلمت منهن لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى؛ فإن غير الكتابية إذا أسلمت حل نكاحها (٢).
يوضح ذلك أنه قد ذكر المؤمنات في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥]، فانتظم ذلك سائرَ المؤمنات ممن كن مشركات، أو كتابيات فأسلمن، وممن نشأ منهن على الإسلام فغير جائز أن يعطف عليه مؤمنات كُنَّ كتابيات (٣).
٣ - معلوم أنه لم يُرِدْ بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، طعام المؤمنين الذين كانوا من أهل الكتاب، وأن المراد به اليهود والنصارى، كذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] هو على الكتابيات دون المؤمنات (٤).
مناقشة أصحاب القول الثالث:
١ - إن لفظة المشركين أو المشركات عند إطلاقها إنما تتناول عبدة الأوثان والمجوس، ولا تتناول أهل الكتاب، بدليل قوله سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦]، وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وسائر آي القرآن يفصل بينهما، وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف
стр. 970
عليه، فدل على أن لفظة المشركين بإطلاقها غير متناولة لأهل الكتاب (١).
ويجاب:
بأن الله تعالى وصف أهل الكتاب بالشرك، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١] (٢).
ويرد على هذا الجواب:
بأن أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك، فإن الله إنما بعث الرسل بالتوحيد، فكل من آمن بالرسل والكتب لم يكن في أصل دينهم شرك، ولكن النصارى ابتدعوا الشرك، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فحيث وصفهم بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوه من الشرك الذي لم يأمر الله به، ووجب تمييزهم عن المشركين؛ لأن أصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التي جاءت بالتوحيد، لا بالشرك، كما أن الله سبحانه لم يخبر عن أهل الكتاب أنهم مشركون بالاسم، بل قال ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بالفعل، وفي آية البقرة ﴿الْمُشْرِكَاتِ﴾ بالاسم، والاسم أوكد من الفعل (٣).
٢ - آية البقرة عامة في حرمة نكاح جميع المشركات، ويخصصها قوله سبحانه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، فتكون الأُولى مرتبة على الثانية؛ لأنه متى أمكننا استعمال الآيتين على معنى ترتيب العام على الخاص وجب استعمالهما (٤).
٣ - أو يقال: إن آية المائدة في حل نساء أهل الكتاب ناسخة لآية البقرة في تحريم المشركات؛ لأن
стр. 971
المائدة نزلت بعد البقرة باتفاق العلماء، والآية المتأخرة تنسخ الآية المتقدمة إذا تعارضتا (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
نوقش بأن:
١ - المقصود بالكوافر في الآية المشركات؛ فإن الآية نزلت في قصة الحديبية، ولم يكن للمسلمين زوجات من أهل الكتاب إذ ذاك (٢).
٢ - الآية عامة في كل كافرة، وتخصصها آية المائدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، والخاص يجب تقديمه (٣).
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه الحنابلة من القول بحل نكاح الكتابيات، ولكنه خلاف الأَولى؛ لما يلي:
الآية الكريمة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، دلت على حل نكاحهن، ولفظ الحل هنا لا يدل على الكراهة، ولو كان لبينه الله سبحانه أو رسوله محمد ﷺ ، وإذا لم يَرِدْ فالأصل هو الجواز.
ولكن يقال بأن نكاح الكتابية خلافُ الأَولى؛ لما ذكره الفقهاء من الخشية على دين الأولاد، بل دين الزوج المسلم.
ولا يقال: إن ذلك كافٍ في القول بالكراهة؛ إذ يقابله مصلحة عظمى، وهو إسلام الكتابية المرجو باقتران المسلم بها، والمعروف أن المرأة تتبع دِينَ الرجل، على أن الكراهة إنما يصار إليها حين يوجد نص يدل عليها، أما ولم يوجد نص، فإن التعبير بمخالفة
стр. 972
الأَولى أَولى.
وأخيرًا: فإن قيل: لماذا أباح الله سبحانه لنا الكتابيات دون المشركات؟
فالجواب: لقد أباح الله سبحانه لنا الكتابيات دون المشركات؛ لأن الكتابية تؤمن بالألوهية، وتقر بمبدأ الرسالات السماوية، وتؤمن بالبعث والنشور، فهي تلتقي مع المسلم في ذلك وفي لب الفضائل الاجتماعية، فدوام العشرة متوقَّع فكان هذا الجواز بغرض تألُّفِهم ليعرفوا حقيقة الدين الذي هو أصل دينهم، وإزالة الجفوة والبدع التي دخلت عليهم من باب الدين، والتي تحجبهم عن محاسن الإسلام، فكان في نكاح المسلم إياها رجاء إسلامها؛ لأنها متى تنبهت إلى حقيقة الأمر رُجي إسلامها، وإن لم تسلم فإنها تعيش ضمن الإسلام من حيث آدابه الاجتماعية وتقاليده العريقة.
فينبغي لكل مسلم يريد الزواج منهن أن يكون مظهرًا لهذه الحكمة وسالكًا سبيلها وبذلك يكون قدوة صالحة لامرأته وأهلها في الصلاح والتقوى ومكارم الأخلاق، فإن لم يَرَ نفسه أهلًا لذلك فلا يقدم عليه.
والمشركة بخلاف الكتابية فهي لا تلتقي مع المسلم في عقائده، ولُبِّ فضائله الاجتماعية فتبقى العداوة والمنافرة التي تخالف مقاصد النكاح، والكاساني يوضح الفرق إذ يقول:
"إن الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن ينكح الكافرة؛ لأن ازدواج الكافرة والمخالطة معها مع قيام العداوة الدينية لا يحصِّلُ السكن والمودة الذي هو قوام مقاصد النكاح.
إلا أنه جُوِّزَ نكاحُ الكتابية لرجاء إسلامها؛ لأنها آمنت بكتب الأنبياء والرسل في الجملة، وإنما نقضت الجملة بالتفصيل بناءً على أنها أُخبِرت عن الأمر على خلاف حقيقته، فالظاهر أنها متى نُبِّهت على حقيقة الأمر تنبهت، وتأتي بالإيمان على التفصيل، والزوج يدعوها إلى الإسلام وينبهها على حقيقة الأمر، فكان في نكاح المسلم إياها
стр. 973
رجاء إسلامها، فَجُوِّزَ نكاحها لهذه الغاية الحميدة، بخلاف المشركة فإنها في اختيارها الشرك ما ثبت أمرها على الحجة، بل على التقليد من غير أن ينتهي ذلك الخبر ممن يجب قبول قوله واتباعه وهو الرسول ﵊.
فالظاهر أنها لا تنظر في الحجة (وهي الإخبار بحقيقة العقيدة الحقَّةِ)، ولا تلتفت إليها عند الدعوة، فيبقى ازدواج الكافرة (أي: المشركة) مع قيام العداوة الدينية المانعة عن السكن والمودة، والازدواج خاليًا عن العاقبة الحميدة فلم يجز نكاحها" (١).
من هنا فليعلم ناكح الكتابية أن الغاية من جواز نكاحها هو رجاءُ إسلامها، بمعنى أنها تتأثر ولا تُؤَثِّرُ، قابلة غير فاعلة، فلينتبه للأمر ولا يجعله منكوسًا.
стр. 974
المبحث الثاني
حكم الزواج الصوري بقصد الحصول على الإقامة أو الجنسية في غير دار الإسلام
تصوير المسألة وتكييفها:
لا شك أن الزواج في الإسلام عقد له مقاصده العظيمة، وغاياته النبيلة، فهو للعفة سبيل، ولامتداد التناسل طريق، والرجل قد يرغب في المرأة لجمالها، ولمالها، ولحسبها، ونسبها، وقد حث النبي ﷺ على زواجها لدينها.
فهل إذا تزوج المسلم لتحصيل منفعة أخرى، أو لمقصد دنيوي آخرَ؛ كأن يُحَصِّلَ به المسلمُ في بلاد الأقليات إقامة أو رخصة بالبقاء هنالك يكون هذا العقد ممنوعًا منه ديانةً، وهل يصحُّ قضاءً؟
وهل يختلف الحكمُ إذا كانت الزوجة في هذا العقد تجهل ولا تعلم بنية الزوج؟
وإذا كان هذا الزواج صوريًّا بغيةَ استكمال الإجراءات من غير أن تكون نية لطرفي هذا العقد في استباحة استمتاع كلٍّ منهما بالآخر، فهل يأثم أيٌّ منهما؟
وهل يسوغ للمسلمة التي تريد القرار هنالك أن تلجأ إلى زواج مع غير مسلم على هذا النحو فقط، وإذا صنع مسلم راغب في الإقامة هذا العقد مع كافرة، هل تترتب عليه مسئوليته تجاهها، وتجاه تصرفاتها، ولو أتت بأولاد من غيره سفاحًا، هل ينسبون إليه بسبب ما بينهما من الصلة القانونية؟
لا شك أن هذا الزواج المدني لأجل الإقامة، أو لأجل الحصول على مصلحة معينة في بلاد الأقليات نازلةٌ مستجدةٌ تُبحث أحكامُها في باب الأنكحة، وما يطرأ عليها مما يفسدها أو يبطلها، وما يترتب على الحكم بفسادها.
стр. 975
كما أن لها تعلُّقًا بأحكام الولايات في بلاد الأقليات، ولها تشعبات متعددة في أبواب الأحوال الشخصية.
تحرير محل النزاع:
اتفق العلماء على أن من تزوَّج بمسلمة من بلاد الأقليات من غير أن يقصد إلى طلاقها بعد مدة، أو يضمر ذلك في نفسه، فتحصَّلَ من وراء هذا النكاح على إقامة، أو ما يُسَوِّغُ له البقاءَ في تلك الدار لمصلحة اقتضتْ تلك الإقامة فإن نكاحَهُ صحيح لا شبهة فيه، قضاءً وديانةً، إلَّا ما نُقِلَ من كراهة بعض الفقهاء لهذا النكاح إن كان بدار حرب.
كما اتفقوا على أن التصريح بتأقيت العقد من قِبَلِ الزوجين مبطل للعقد ومفسد له، وأن تضمين العقد شرطًا بالأجل مفسد له وملحِقٌ له بنكاح المتعة (١).
وذهب الجمهور -خلافًا للأوزاعي- إلى أن من تزوج بامرأة وأضمر طلاقها بعد مدة، ولم يصرح لها بذلك، ولم تفهم هي مراد الرجل، ولم تطلع على قصده بأي طريق أن النكاح صحيح جائز (٢).
ثم وقع الخلاف بعد ذلك في صور، منها: ما وَرَدَ على هيئة سؤال إلى المجلس الأوروبي للإفتاء، ونصه ما يلي:
"ما هو الحكم الشرعي فيما يُسمَّى بزواج المصلحة، وصورة هذا الزواج متعددة فيما يبدو لي، ومنها -على سبيل المثال-:
يتفق رجل وامرأة على عقد زواج مقابلَ مبلغٍ من المالِ يدفعُهُ إليها، وقد يكون هذا
стр. 976
المبلغ مقطوعًا، أو موزعًا على سنوات -حسبَ الاتفاق- وذلك في مقابل أن تذهب معه إلى مصلحة شرطة الأجانب عند تجديد الإقامة كلَّ سنة، إلى أن يحصل على الإقامة الرَّسمية، ومن ثم يُفْسَخُ العقد، وفي تلك الأثناء إمَّا أن يعيش الرجل مع هذه المرأة عيشةَ الزوجين؛ بمعنى: أن يضمهما بيت واحد يتعاشران فيه معاشرة الأزواج، إلا أنهما يتفقان على فسخ العقد عند حصول الزوج على الإقامة الرسمية، وهذا الاتفاق لا يُصَرَّحُ به طبعًا عند الجهة العاقدة؛ لأن القانون لا يسمح بذلك.
وفي بعض الصور: لا يعيش الرجل مع المرأة التي عَقَدَ عليها أمام السلطات، ولا يخالطها ولا تخالطه، بل يتفقان أن تذهب معه عند تجديد الإقامة كلَّ سنة كي تقول للسلطات: إنها مرتبطة به كزوج، وتأخذ المبلغ المتفق عليه، ويذهب بعد ذلك كل واحد إلى حال سبيله.
مع العلم بأن هذا اللون من ألوان الزواج قد يُقْدِمُ عليه الرجل لأجل أن يحصل هو على الإقامة، وبالمقابل قد تفعله المرأة مع الرجل لتحصل هي على الإقامة، ويمكن أن يكون أحدهما غيرَ مسلمٍ، ويمكن أن يكون الاثنان مسلمين! وفي كل الأحوال فإنه من خلال هذه المدة تكون الزوجة محسوبة على زوجها من الناحية القانونية، ويكون هو محسوبًا عليها من الناحية القانونية كذلك، ولو افترضنا أن هذه المرأة قد عاشرت رجلًا آخر، وأنجبت منه، فإن المولود يسجل باسم هذا الزوج المؤقت، ولو جاء هو يطالبها بحقِّ المعاشرة الزوجية؛ فإنها لا تستطيع أن تمتنع عن ذلك قانونًا، وخاصة إذا كانت هي المحتاجة إلى الإقامة.
وهذا العقد بصورتيه المذكورتين إنما يتم في البلدية كسائر العقود المدنية في هذا البلد.
وقد يكون عقدًا شرعيًّا بشروطه الشرعية المعتبرة، ولكن الجانبين لا يُصَرِّحان بذلك الاتفاق في صلب العقد، وإنما هو اتفاق بينهما بحضور بعض أفراد العائلتين
стр. 977
(عائلة الزوج، وعائلة الزوجة).
وهنالك صورة أخرى من صور الزواج في بلاد الغرب أُورِدُهَا كما يلي:
يتزوج الرجل المرأة بصداق، ولكنه مضمر في نفسه، ويصرح لأصدقائه وأقاربه أن غرضه ليس الزواج، وإنما هو الحصول على الإقامة، فمتى حصل على الإقامة، طلق زوجته هذه، وهو لا يستطيع أن يصرِّح بهذا أمام المرأة؛ خوفًا من أن تطرده قبل الحصول على الإقامة" (١).
وفيما يلي بيان للإجابة عن هذه الأسئلة والتي يمكن من خلالها مدارسة هذه النازلة في بلاد الغرب خاصة.
الصورتان الأولى والثانية:
انتهى المجلس الأوروبي للإفتاء بتحريم الصورتين الأولى والثانية، وجاء في فتياه ما يلي:
"الجواب:
الصورة الأولى: حرام، يأثمان عليه، وذلك بسبب منافاة هذا العقد لمقصد الشريعة في الزواج؛ إذ هو عقد صوري مقصود به أمر آخر غير الزواج.
فهو لو استوفى شروط العقد؛ فإنه لا يحل لهذا المعنى، وكذلك لأجل أن قانون البلاد لا يسمح به، يتأكد المنع بمجيء هذه الصورة مخالفة لقانون البلد، والقانون هنا متفق مع المقصد الشرعي.
كما أن هذه الصورة لا تخلو من شَبَهٍ بنكاح المتعة الذي حرمه النبي ﷺ -كما في حديث سبرة بن معبد أنه كان مع رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس: إني قد كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان
стр. 978
عنده منهن شيء، فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (١) - من جهة التوقيت الذي فيه إلى فترة الحصول على الإقامة، ثم يُفْسَخُ العقد بعد ذلك كما عبر السائل.
والصورة الثانية: مثل الأولى في التحريم، وفيها قضية مقطوع بحرمتها، وهي زواج المسلمة بغير المسلم؛ فإن مجرد العقد فاسد، سواء للغاية المذكورة في السؤال، أو لمجرد الزواج" (٢).
وقد اتفق مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا مع المجلس الأوروبي في هذا المأخذ، فكان مما وَرَدَ في قرارات المجمع في دورته الثانية بالدانمرك:
"قرر المجمع: الزواج الصوري: هو الزواج الذي لا يَقْصِدُ به أطرافه حقيقة الزواج الذي شرعه الله ورسوله، فلا يتقيدون بأركانه وشرائطه، ولا يحرصون على انتفاء موانعه، بل يتفق أطرافه على عدم المعاشرة صراحةً أو ضمنًا، فهو لا يعدو أن يكون إجراءً إداريًّا لتحصيل بعض المصالح، أو دفع بعض المفاسد، فهو أشبه بنكاح التحليل، لا يُراد به النكاح حقيقة؛ بل لتحليل المرأة لمطلقها ثلاثًا.
والزواج الصوري على هذا النحو محرم في باب الديانة لعدم توجه الإرادة إليه، ولخروجه بهذا العقد عن مقاصدِهِ الشرعية، ولما يتضمنه من الشروط النافية لمقصوده، فلا يحل الإقدام عليه.
أما حكمه ظاهرًا فإنه يتوقف على مدى ثبوت الصورية أمام القضاء، فإن أقر الطرفان بصورية العقد، أو تيقن القاضي بذلك من خلال ما احتفَّ به من ملابسات وقرائن قضى ببطلانه، أمَّا إذا لم تثبتْ فإنه يحكم بصحته قضاءً متى تحقَّقَتْ أركان
стр. 979
الزواج وانتفتْ موانعه.
وإذا مسَّتِ الحاجةُ إلى تحصيل بعض المصالح التي لا يتسنى تحصيلها إلا من خلال الزواج فإن السبيل إلى ذلك هو الزواج الحقيقي الذي تتجه إليه الإرادة حقيقة، فَتُسْتوفى فيه أركانه وشرائطه، وتَنْتفي موانعه، ويُجْرَى على وفاق الشريعة المطهرة، فلا يصرح فيه بالتوقيت، ولا يعبث فيه أحد بغاياته ومقاصده" (١).
وقد وَرَدَ سؤالٌ إلى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، هذا نصه:
"هل يُسْمَحُ بالزواج من أمريكية مسيحية للحصول على (البطاقة الخضراء) عن طريقها دون معاشرتها، أو الانفراد بها (على الورق فقط) نيتي هي الزواج على النحو المذكور حتى أستطيع زيارة بلد الزوجة ومساعدة والِدَيَّ اللذَينِ يعيشان في وطني الأصلي، والعمل بالشهادة التي أحملها (برمجة كمبيوتر) وجزاكم الله خيرًا.
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: لقد عرضنا هذا السؤال على سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز فأجاب ليس هذا من مقصود النكاح في الشريعة الإسلامية أن يتزوج بغرض الحصول على حق الإقامة، ثم يطلق، والذي يظهر لي عدم الجواز. انتهى" (٢)
وقد وجه مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا قراره هذا وعلله باشتمال الزواج الصوري على مفاسدَ كثيرةٍ، منها:
• ما تَقدَّم من العبث بمقاصد النكاح واتخاذ آيات الله هزوًا.
стр. 980
• ما تَقدَّم من فساده غالبًا؛ لعدم توفر أركانه أو شروط صحته.
• اشتماله أحيانًا على شروط فاسدة تُنافي مقصود العقد.
• التصريح بالتوقيت في بعض صوره فيكون نكاح متعة.
• التصريح بنية الطلاق في بعض صوره فيكون نكاحًا بنية الطلاق، وهو نكاح باطل عند بعض الفقهاء، وصحيح عند بعضهم، لكنه مع صحته قد يَلحق صاحبَهُ الإثمُ من جهة ما فيه من غشٍّ وخداع، أو من جهة ما يؤدي إليه في بلاد غير المسلمين من تشويه سمعة الإسلام والمسلمين.
• ما فيه من الشَّبَهِ بنكاح التحليل، حيث إنه نكاح دلسة لا نكاح رغبة.
• دخوله تحت باب التزوير والاحتيال على القوانين، وفي ذلك تشويه لسمعة الإسلام والمسلمين، وتوصل إلى أكل أموال الناس بالباطل إذا ترتب على هذا الزواج الصوري الحصول على امتيازات مالية.
فلأجل هذه الفاسد حَكَمَ المجمع بتحريم الزواج الصوري، لكنه فَصَّلَ في صحته أو بطلانه، وأَرشد إلى البديل الحلال.
ومع التسليم بشيء غير قليل من هذه الأسباب والتعليلات إلا أن ثمة مناقشات قد وَرَدَتْ على هذا الحكم، وفيما يلي بعض المناقشات والتعليقات حول تلك الصورتين اللتين شملتهما الفتيا المحرِّمة.
أولًا: يُسَلِّمُ الجميع بحرمة الزواجِ وبطلانه وعدم انعقاده، بل وكفر من استباحت الزواج من غير مسلم، كتابيًّا كان أو غيرَ كتابي، إذا كانت عالمة عامدة لا شبهة عندها.
حيث انعقد الإجماع على حرمة زواج المسلمة بغير المسلم، فإن هي أقامت هذا التعاقد فإنها تتعرض لجملة مفاسد، منها: أنها لا تستطيع الامتناع عنه إن هو راودها؛ إذ هي زوجة بحكم القانون.
стр. 981
وما من شك أنها أضعف طرفي هذه العلاقة من جهة كونها امرأةَّ، ومن جهة عدم قانونية إقامتها بتلك البلاد إلَّا عن طريق تلك الإقامة المبنية على عقد زواجها المدني الباطل شرعًا بالإجماع، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ٢٢١]، قال تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] وعليه فلا اختلاف بين أهل العلم على حكم هذه الصورة، قال القرطبي: "وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه" (١)، وفي موسوعة الإجماع: "الإجماع على تحريم نكاح الكافر للمرأة المسلمة" (٢)، وبهذا أفتى المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي (٣).
ثانيًا: يُتفق مع هذه الفتيا في حَقِّ زواج المسلم من الحربية في دار الحرب، فإن الراجح هو حرمة هذا الزواج ولو قصد إليه الزوج، وفساده إذا وقع، فإن المختار في هذا السياق الزماني والأحوال المعاصرة حرمة نكاح الحربية من أهل الكتاب والإقامة بها في دار الحرب، وقد نصَّ كثير من أهل العلم على ذلك.
ونصُّوا على دُورِ حربٍ في زمانهم، ولا يبعد القول بزيادة عدد هذه الدور بزيادة عدد الدول المحاربة للإسلام فعلًا وفي مواقع كثيرة، بنفسها وبغيرها.
وإلا فماذا تفعل الجيوش الأمريكية والبريطانية اليوم بديارنا في العراق وأفغانستان، ومن الذي يظاهر الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المباركة؟!
ثالثًا: على قول من يجيز نكاح الكتابية الحربية في دار الحرب مع الكراهة الشديدة فإنه يشترط أن تكون متدينة بدين أهل الكتاب، ولو كان محرَّفًا، لا أن تكون وثنية، أو لا دينية ملحدة، وعليه فالإجماع منعقد أيضًا على حرمة نكاح المشركة البوذية، أو الهندوسية، أو
стр. 982
اللادينية الملحدة، ومن لا ينتسبون إلى اليهودية أو النصرانية بحال من الأحوال.
رابعًا: صورة الزواج المدني الذي تتولاه المحاكم خارج ديار الإسلام، واستنادًا إلى قوانين تلك الديار الوضعية لا ينعقد به نكاح شرعًا؛ وذلك لأمور اجتمعت فيه، بحيث لم يقل فقيه واحد بصحة العقد مع اجتماع تلك المخالفات في عقد واحد، وهذه المخالفات هي:
١ - خلو العقد عن الولي، على اعتبار أن المرأة إذا بلغت سنَّ الرشد فإنها تزوج نفسها.
٢ - يُكتفَى في هذا العقد المدني بشاهد غير مسلم.
٣ - يخلو هذا العقد عن المهر فلا يشار إليه أصلًا.
٤ - لا يتضمن تلفظًا بإيجاب أو قبول، وإنما هي أوراق تكتب وإجراءات تعمل.
٥ - لا يتضمن مثل هذا العقد إشهارًا، أو إعلانًا في طريقة إجرائه.
ومعلوم أن الجمهورَ يمنعون صحةَ الزواج إذا خلا عن ولي خلافًا للحنفية (١).
وأنهم لا يجيزون نكاح السرِّ أو نكاحًا خلا عن الشهود واتُّفِقَ على كتمِهِ (٢) وأنهم أجمعوا على أن شهادة غير المسلمين على عقد نكاح المسلمين غير مقبولة، وأجاز أبو حنيفة وأبو يوسف شهادة الكتابيين على زواج مسلم من كتابية (٣).
كما اتفقوا على أن المهر شرط من شروط العقد، وليس لها ولا لزوجها التراضي على تركه والتواطؤ على إسقاطه إلا بعد تحققه وثبوته، وعليه فلا يوجد من يبيح أو يصحح عقدًا اشتمل على هذه المفاسد مجتمعة دفعة واحدة في عقد واحد.
وعليه: فإذا اجتمعت تلك المفاسد في مثل هذه العقود فإنها فاسدة باطلة، لا أثر
стр. 983
ينعقد أو يترتب عليها، ويكون ضربًا من العبث أو التلاعب.
وهذا التوثيق المدني أو العقد المدني لا يوجب للعقد تصحيحًا من الناحية الشرعية.
وعليه: فمن اقتصر عليه سواء لتحصيل الإقامة أو لغير ذلك من المقاصد المقبولة شرعًا فإنه لا ينعقد شرعًا، ولا يستباح به ما كان محرَّمًا قبله.
وعليه: فمن احتاج إلى هذا التوثيق فلا بد من أن يجري العقد بعد ذلك بصيغة شرعية تتضمن أركان العقد وواجباته وشروطه، ولا شك أن التوثيق لا صلة له بصحة العقد.
خامسًا: كثيرًا ما يتضمن هذا العقد تأقيتًا عند إبرامه وعقده، فينقلب مباشرة إلى نكاح مؤقت فيكون متعة باطلة، فإذا تأقت عقد النكاح بطل عند أهل السنة بالإجماع.
وقال القاضي عياض: "وقع الإجماع على تحريمها من جميع العلماء" (١).
وقال المازري: "انعقد الإجماع على تحريمه" (٢).
وفي البحر الرائق: "إجماع الصحابة على حرمته، وما نقل عن ابن عباس من إباحتها فقد صح رجوعه" (٣).
وقال ابن بطال: "وأجمعوا على أنه متى وقع الآن أُبطل، سواء قبل الدخول أم بعده" (٤).
وفي موسوعة الإجماع: "الإجماع على تحريم نكاح المتعة" (٥).
وبناءً على ذلك فكل نكاح كان إلى أجل مؤقت فهو شبيه بنكاح المتعة، سواء أكان المقصود منه تحصيل المتعة أو شيئًا آخر كحلِّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول، أو تحصيل منفعة دنيوية، وهو محرم وباطل بالإجماع بعد الكتاب والسنة.
стр. 984
سادسًا: إذا استجمع العقد المدني أسباب الصحة وكانت المرأة ممن يصلح نكاحها من أهل الكتاب بالشروط المعتبرة، ولم تكن من أهل دار الحرب، وخلت عن سائر الموانع، ثم أراد رجل مسلم أن يتزوجها بعد اتفاقٍ قبل العقد على مقصوده من تحصيل الإقامة بتلك البلد للحاجة المشروعة والمعتبرة شرعًا، فتواطآ على هذا الشرط قبل العقد، ثم خلا العقد عند إبرامه عن هذا الشرط فما حكم النكاح؟
تقدَّم أن جهتين كبيرتين أفتتا ببطلان هذا العقد وفساده وأنهما بَنَتَا الحرمةَ والفسادَ على أمورٍ ذُكِرَتْ آنفًا.
ومن تلك العلل: أن النكاح لم يشرع لتحصيلِ مقاصدَ كهذه التي ذُكِرَتْ من طلب الإقامة ونحوها، وأن الزواج إنما شرع للبقاء والديمومة، وهذا الصوري ينافي ذلك.
وقد يُنَاقَشُ هذا القول بأن "بطلان هذا العقد ليس صحيحًا؛ فالزواج في الإسلام ليس مقصودًا منه الديمومة والبقاء، وإنما له قصود مختلفة، ذكرها النبي ﷺ في قوله: "تنكح المرأة لأربع خصال؛ لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. . . " (١).
وقد ذكر الشاطبي قصودًا كثيرة قائمة من الحديث؛ كالتناسل القائم من حديث: "تزوجوا الولود الودود" (٢)، والقيام على مصالح الزواج القائم من حديث جابر (٣).
ولهذا. . . فلا عبرة بقصد الطلاق عند النكاح؛ لتحقق هذه القصود أو بعضها بالنكاح، وفي هذا قال الشاطبي:
стр. 985
"الأسباب -من حيث هي أسباب شرعية لمسببات- إنما شُرعت لتحصيل مسبباتها، وهي المصالح المجتلبة، أو المفاسد المستدفعة.
والمسببات بالنظر إلى أسبابها ضربان:
أحدهما: ما شرعت الأسباب لها إمَّا بالقصد الأول، وهي مُتعلق المقاصد الأصلية، أو المقاصد الأُوَل أيضًا، وإما بالقصد الثاني، وهي متعلق المقاصد التابعة، وكلا الضربين مبين في كتاب المقاصد.
والثاني: ما سوى ذلك، مما يُعْلَمُ أو يُظَنُّ أن الأسباب لم تُشرع لها، أو لا يعلم ولا يظن أما شُرِعَتْ لها، أو لم تُشرع لها؛ فتجيء الأقسام ثلاثة:
أحدها: ما يُعلم أو يُظن أن السبب شرع لأجله؛ فَتَسَبُّبُ المتسبِبِ فيه صحيح؛ لأنه أتى من بابه، وتوسل إليه بما أَذِنَ الشارع في التوسل به إلى ما أذن أيضًا في التوسل إليه؛ لأنا فرضنا أن الشارع قصد بالنكاح -مثلًا- التناسل أولًا، ثم يتبعه اتخاذ السكن، ومصاهرة أهل المرأة لشرفهم أو دينهم، أو نحو ذلك، أو الخدمة، أو القيام على مصالحه، أو التمتع بما أحل الله من النساء، أو التجمل بمال المرأة، أو الرغبة في جمالها، أو الغبطة بدينها، أو التعفف عما حرم الله، أو نحو ذلك، حسبما دلت عليه الشريعة. . . فصار إِذَنْ ما قصده هذا المتسبب مقصود الشارع على الجملة، وهذا كافٍ، وقد تبين في كتاب المقاصد: أن القصد المطابق لقصد الشارع هو الصحيح، فلا سبيل إلى القول بفساد هذا التسبُّبِ" (١).
"وفي مذهب مالك من هذا كثير جدًّا؛ ففي (المدونة) فيمن نكح وفي نفسه أن يفارق: أنه ليس من نكاح المتعة، فإذا تزوج المرأة ليمين لزمته أن يتزوجَ على امرأته، فقد فرضوا