← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقد تقول أن (أفعُلا) و (أفعالا) لا نظير لهما في الواحد أيضا، وهما منصرفان فليس مثل أكلب، وأنفس، وأقلام، وإجمال في الواحد. وقد رد النحاة على ذلك بما يأتي: الأول جواز وصف المفرد بهذين الجمعين، نحو برمة أعشار، ونطفة أمشاج (١).، قال تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج﴾ [الإنسان: ٢]. والثاني أن هذين الجمعين أعني (أفعالا) و (أفعُلا) قد يجمعان جمعا ثانيا، فهما نظير المفرد في قبولهما الجمع، وذلك نحو أقوال، وأقاويل، وأعراب وأعاريب، وأيد وأياد فهذه الأحرف تخرج إلى مثال مفاعل، ومفاعيل إذا كسر للجمع، وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر، فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا، لأن هذا البناء هو الغاية، فلما ضارعت الواحد صرفت (٢). وقال السيرافي: " فإذا قيل: إذا كانت تمنع الصرف في الجمع الذي لا نظير له في الواحد، فينبغي ألا تصرف (أكلبا)، قيل: لم يرد سيبويه ما ذهب إليه المعترض وإنما أراد على مثال لا يجمع جمعا ثانيا، فإن ما على مثال يتأتي فيه جمع ثان، فهو بمنزلة الواحد (٣). الثالث أنهما يصغران على لفظهما، كالآحاد، نحو أكليب، وانيعام، تصغير أكلب، وأنعام، بخلاف (مفاعل) و (مفاعيل) فإنهما يردان إلى المفرد ثم يصغران، وذلك نحو مساجد فإن تصغيرها مسيجدات، ومصابيح فإن تصغيرها (مصبيحات)، فعومل (أفعل) و (أفعال) كالمفرد.

стр. 1017

الرابع أن كلا من (أفعال) و (أفعُل) له نظير في الآحاد، يوازنه في الهيئة وعدد الحروف فـ (أفعال) نظيره (تفعال) نحو تجوال وتطواف، و (فَعلان) نحو صلصال وثرثار، وأفعُل نظيره تنقل ومكرم (١). فدل ذلك على قلة هذه الجمع فأمتنع من الصرف ألا ترى أنه إذا الحقت به التاء صرف نحو صياقلة وصيارفة، وذلك لأن هذا الوزن له نظير في الاحاد، نحو طواعية وكراهية بخلاف ما ليس فيه التاء؟ فخلاصة ما ذهب إليه النحاة ان الممنوع من الصرف ثقيل بخلاف المنصرف، وليس أثقل متأتيا عن كثرة في حروف الاسم، ولا عن ثقل في النطق، فقد يكون الإسم قليل الحروف، وهو ممنوع من الصرف، وقد يكون على أطول الأبنية فينصرف، ألا ترى أنك تصرف نحو مستعصم واستبسال علمين ولا تصرف سقر؟ بل ربما كانت الزيادة في الحروف سببا من أسباب الصرف، فأنت تمنع (صيارف) فإن زدت عليها التاء فقلت (صيارفة) صرفته، وتمنع (ينبع) علما، فإن زدت عليه حرفا فقلت (ينبوع) صرفته. وقد يكون الاسم ثقيل النطق فتصرفه وقد يكون خفيفا فلا تصرفه، فأنت تصرف (استشزارا)، ولا تصرف (عمر) مع أن عمر أخف كثيرا من (استشزار). وكذلك كونه على بناء معين لا يستدعي المنع من الصرف دائمًا، فأنت تصرف أفعل مرة وتمنعه من الصرف مرة أخرى، وتصرف (فعلان) مرة وتمنعه من الصرف مرة أخرى فأنت تصرف (أرملا) ولا تصرف (أكبر) مع أنهما وصفان على وزن واحد، وتصرف (ندمانا) ولا تصرف (عطشان) وهما وصفان على وزن واحد. بل الكلمة الواحدة تصرفها مرة وتمنعها الصرف مرة أخرى، فأنت تصرف (راجحة) وصفا وتمنعها الصرف علما، وتصرف (صباحا) علما لمذكر وتمنعها الصرف علما

стр. 1018

لانثى فدل على أن المقصود بالثقل هو أوصاف معينة، وشروط خاصة، متى كان قسم منها في الاسم عد ثقيلا بسببه، فحرم التنوين. رأي الأستاذ إبراهيم مصطفى: وقد ذهب الأستاذ إبراهيم مصطفى مذهبا آخر، هو أن التنوين علامة للتنكير فالأسماء التي نون فيها جانب من التنكير والتي تحرم التنوين معارف. إن النحاة قسموا التنوين على أقسام معلومة أشهرها: تنوين التمكين الذي هو دليل الخفة وهو اللاحق للأسماء المعربة المنصرفة مثل تنوين محمد ورجل ورام. تنوين التنكير، وهو اللاحق لقسم من الأسماء المبنية، فرقا بين معرفتها ونكرتها نحو صهٍ وسيبويهٍ. تنوين المقابلة وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم نحو مسلمات تنوين العوض وهو اللاحق لكل وبعض وأي وإذ. غير أن الأستاذ إبراهيم مصطفى ذهب إلى أن التنوين علامة على التنكير مطلقا، ولم يفرق بين أنواع التنوين قال: " ومعنى التنوين غير خفي فهو علامة التنكير" (١). ومن هنا كان منطلق الإستاذ في تفسير الأسماء المنصرفة والممنوعة من الصرف، فما لحقه التنوين كان له نصيب من التنكير علما كان أو صفة أو غيرهما. وإليك رأيه في ذلك: العلم: ذهب الأستاذ إبراهيم إلى أن العلم حقه أن لا ينون: " كما ينون غيره من المعارف، ولا يدخله علم التنكير حتى يكون فيه نصب من معنى التنكير (٢). وقال: " إن الأصل في

стр. 1019

العلم إلا ينون إلا أن يدخله شيء من التنكير (١). وقال أيضا: " وتمام هذه الأدلة أن العلم إذا عين تمام التعين وأمتنع أن يكون فيه معنى العموم، لم يجز أن يدخله التنوين وذلك حين يردف بكلمة (ابن) وينسب إلى أبيه مثل: علي بن أبي طالب .. وقد آن أن نقرر القاعدة التي نراها في تنوين العلم، وأن نقررها على غير ما وضع جمهور النحاة، بل على عكس ما وضعوا وهي: الأصل في العلم ألا ينون، ولك في كل علم ألا تنونه، وإنما يجوز أن تلحقه التنوين، إذا كان فيه معنى من التنكير وأردت الإشارة إليه (٢). وفيما قاله الأستاذ نظر: فنحن نرى الاسم معينا تمام التعيين، وليس فيه حظ من التنكير، ثم يكون منصرفا ونرى اسما آخر ليس فيه ذلك التعيين، ويكون ممنوعا من الصرف، فمثلا (محمد) الذي هو رسول الله معين تمام التعيين، ومع ذلك هو منصرف، قال تعالى: ﴿ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]، في حين نرى علم الجنس الذي يدل على العموم، قد يكون ممنوعا من الصرف نحو (أسامة) علما على الأسد. ونحن نرى في الآية الواحدة جملة أعلام بعضها منصرف، وبعضها ممنوع من الصرف وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ [النساء: ١٦٣]، فهل يصح أن يقال إن بعضهم منكر وبعضهم معرف؟ هل يصح أن يقال أن (نوحا) نكرة، لا يراد به واحد معين، و (إبراهيم) و (إسماعيل) معرفتان؟

стр. 1020

وقال تعالى: ﴿وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم﴾ [العنكبوت: ٣٨]، فهل (ثمود) معرفة بخلاف (عاد). ومن أسماء الصدر الأول على سبيل المثال، محمد، وعمر، وعثمان، وعلي، فمحمد وعلى منصرفان، وعمر وعثمان ممنوعان من الصرف، فهل معنى ذلك أن محمدا وعليا نكرتان بخلاف عمر وعثمان، وهل يمكن أن يقال أن محمدا أو عليا غير معين بخلاف عمر وعثمان. ثم أنه ورد من أسماء الرسول ﷺ في القرآن الكريم محمد، وأحمد فـ (محمد) منصرف و (أحمد) ممنوع من الصرف، كما هو معلوم قال تعالى: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]، فهل محمد نكرة، وأحمد معرفة، وهما علمان لشخص واحد ومحمد أشهر من أحمد؟ ثم لننظر في أسماء البقاع، نلاحظ خلاف ما قرره قال تعالى: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ [آل عمران: ١٢٣]، بتنوين بدر، وقال: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ [التوبة: ٢٥]، فهل مكان بدر نكرة لا يراد به التعيين؟ وقل مثل ذلك عن (حنين). جاء في كتاب (النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة): إن معاني الإعلام المصروفة مثل معاني الإعلام غير المصروفة فالإعلام المنونة في القرآن كنوح ولوط مثلا ليس المراد منها نوحا من نوحين، ولوطا من لوطين، وإنما المراد منها الذات المعينة كبقية أعلام الأنبياء التي لم تنون ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦].

стр. 1021

هذه آيات من كتاب الله الكريم، جمعت أعلاما لطائفة من أنبياء الله، بعضها منون وبعضها غير منون، ولا يشك ناظر فيها أنها في درجة واحدة من التعريف، سواء منها مانون وما لم ينون. ولا يشك أحد أنه لم يقصد بما نون كنوح ولوط التنكير، وانه قصد بما لم ينون كإسحاق وإبراهيم التعريف .. وإذا جارينا المؤلف على دعواه أن الإعلام التي ترك تنوينها قصد منها التنكير، لم تكن الإعلام التي وردت في القرآن منونة دالة على ذوات معروفة للسامعين، بل كان المراد منها واحدا من أمة له هذا الاسم، وهذا له خطره في فهم القرآن الكريم، وكفي بهذا القول خطلا أنه يؤدي إلى أن يكون المراد من محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار) واحدا غير معين لا يعرفه السامعون، وإنما هو واحد من أمة له هذا الاسم" (١). أما ما ادعاه من أنه إذا عين العلم " تمام التعيين وأمتنع أن يكون فيه معنى العموم، لم يجز أن يدخله التنوين، وذلك حين يردف بكلمة ابن وينسب إلى أبيه مثل علي بن أبي طالب" فهذا مردود بأنه لا يتعين العلم تمام التعيين، إذا ذكر الأب، بل يحتمل أن يكون فيه معنى العموم، وذلك نحو قاسم بن محمد، وعلى بن حسين، وحسين بن علي، ومحمد بن محمد فكثير من الناس يحملون هذه التسميات قديما وحديثا. ويرده أيضا أنك قد تأتي بصفة تعين ذلك العلم بعد أن كان يحتمل عدة أشخاص، فتوقعها بعده فيلزم تنوينه، ولو كان كما قال لتعين ذهاب تنوينه مثل أقبل سعيد الكاتب ابن علي، أو أقبل سعيد القصير بن خالد، فيلزم تنوين سعيد ولو قلت أقبل سعيد بن علي، للزم حذف تنوينه، ولا شك أن الجملة الأولى أدل على التعيين، فدل ذلك على أنه ليس كما ذهب إليه.

стр. 1022

أما حذف التنوين في نحو ما ذكر فللفرق بين الوصف وغيره، فإنك إذا قلت (محمد ابن سعيد) بتنوين (محمد) كنت أخبرت عن (محمد) بأنه ابن سعيد، وذلك إذا كان المخاطب يجعل اباه، بخلاف ما إذا قلت (محمد بن سعيد) بغير تنوين فإن السامع يعلم أنه ابن سعيد، فالأولى جملة تامة بخلاف الثانية، فإنها ليس جملة، يقال: ابن من سعيد؟ فنقول (سعيد ابن إبراهيم) بتنوين (سعيد) ولا تقول (سعيدُ بن إبراهيم) بحذف التنوين لأن حذف التنوين معناه أن السامع يعلم أنه ابن إبراهيم، ولا يكون الكلام تاما أيضا. قال تعالى: ﴿وقالت اليهودُ عزيرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، بتنوين عزير فليس المعنى أن عزيرا نكرة، ولا هو غير معين تمام التعيين، بل أراد أن يخبر عن أبيه في معتقدهم بخلاف ما لو قال (عزيرُ بن الله) بلا تنوين، أذن لكان إقرارا من الله بأنه ابنه تعالى الله عن ذلك، ويكون الكلام غير تام ايضا، بل ينتظر الخبر، فإن قولك (محمدٌ ابن سعيد) مبتدأ وخبر وأما (محمدُ بن سعيد) بلا تنوين، فمحمد مبتدأ (وابن) صفة، وليس في الجملة خبر فيكون الكلام غير تام. هذا من ناحية ومن ناحية ثانية إن قسما من الباحثين المحدثين رجحوا أن التنوين ربما كان في الأصل علامة للتعريف - على عكس ما ذهب إليه - وبقيت هذه العلامة في قسم من الإعلام تشير إلى أصلها القديم، جاء في (التطور النحوي): وحقيقة الأمر أن التنوين وإن كان علامة على التنكير في كل ما بقي من مستندات اللغة العربية، فربما كان في الأصل علامة للتعريف، فقد ذكرنا أن أصل التنوين هو التمييم، وأنا نرى للتمييم آثارا من معنى التعريف في الأكدية العتيقة .. أنه من الممكن أن يكون التنوين قد كان في الأصل أداة للتعريف، ثم ضعف معناه المعرف فقام مقامه الألف واللام، فصار علامة للتنكير، فإذا كان الأمر كذلك فهمنا سبب وجود التنوين في كثير من الإعلام القديمة نحو عمرو وزيد، ونفهم أيضا سبب انعدامه في بعضها، نحو عمر وطلحة، وهند فإن العلم معرف في نفسه لا يحتاج إلى علامة للتعريف، وإن أمكن أن تلحق به .. ولو كان التنوين علامة للتنكير في الأصل لكان الحاقه ببعض الأعلام صعب الفهم جدًا (١).

стр. 1023

وهذا الترجيح له ما يدعمه، فاللغة السبئية واللهجات العربية الجنوبية، كانت تستعمل النون للتعريف وتضعها في آخر الكلمة، المراد تعريفها (١). وهذا يراد ما ذهب إليه الإستاذ إبراهيم. وقد حاول توجيه الأمر توجيها ثانيا، وهو أن ما ينون قد يلمح فيه الوصف قال: " ووجه آخر آكد عندنا منه وهو أن العلم كثيرا ما يلمح فيه الوصف، فإذا استعملت العلم ترمي إلى الدلالة على هذه الصفة، فقد جنحت به إلى استعمال الصفات تنكرها مرة بالتنوين، وتعرفها أخرى بأل فتقول: فضل والفضل وزيد والزيد (٢). وهذا مردود إن من المعلوم أن لمح الأصل غير قياس، فلا يصح أن ندخل (ال) الدالة على لمح الأصل على جميع الإعلام المنقولة فلا يصح أن نقول المحمد والعلي، وإنما يقتصر على ما ورد. ومن ناحية أخرى لم يقل أحد أن لك أن تنون الممنوع من الصرف، لمحًا للوصف، فلو سميت رجلا بـ (غضبان)، لم يصح أن تقول (أقبل غضبانٌ) بالتنوين لمحا لصفة الغضب، ولا (أقبلت عائشة) بتنوين عائشة لمحا لوصف العيش. الصفات ورأيه في الصفات الممنوعة من الصرف لا يختلف عن الأعلام، فقد ذهب إلى أن الصفة الممنوعة من الصرف معرفة قال: " والشطر الثاني أن الصفة تنون ولا تحرم من التنوين، إلا إذا كان فيها نصيب من التعريف (٣).، فـ (اسمر) في قولك (مررت برجل اسمر) معرفة على رأيه.

стр. 1024

وهذا باطل من وجوه: منها أنها توصف بها النكرة، كما في المثال ونحو (مررت أفضل منك) ومنها أنها يصح تعريفها فتقول (مررت بالرجل الأسمر) و (مررت بالطالب الأفضل) قال تعالى ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾ [النساء: ١٤٥]، فعرفها وصرفها، ولو كانت معرفة لم يصح تعريفها. ثم ما الفرق بين (حمق) و (احمق) حتى يكون (حمق) نكرة في قولنا (هو حمق) و (أحمق) معرفة في قولنا (هو أحمق) ومثله عم وأعمى وجرب وأجرب، وغاضب وغضبان. وعند النحاة أن سبب منع (أفعل) من الصرف، أنها وصف على وزن الفعل مما لا يؤنث بالتاء، ويؤيده أنه إذا زال وزن الفعل صرف مع بقاء المعنى على ما هو عليه نحو خير وشر جاء في (الأصول): " وافعل منك لا ينصرف، نحو أفضل منك، وأظرف منك لأنه على وزن الفعل، وهو صفة فإن زال وزن الفعل انصرف ألا ترى أن العرب تقول: (هو خير منك وشر منك) لما زال بناء (أفعل) صرفوه؟ (١) وجاء في كتاب (النحو والنحاة): " أن التعليل الأول ينقضه أن قولنا زيد خير من عمرو وبكر شر من خالد في معنى زيد أخير من عمرو، وبكر أشر من خالد، وخير وشر منونتان وأخير وأشر ليستا منونتين فلو كان عدم التنوين للتعريف والتنوين للتنكير، لكان خير وأخير وشر وأشر، أما منونات، وإما غير منونات لأن المعنى واحد، ولا اختلاف إلا باللفظ (٢) .. وقد ذهب في الصفة المزيدة ألفا ونونا مذهبا غريبا قال: أما زيادة الألف والنون فقد اشترط في منعها من الصرف شروط منها: أن تكون في زنة (فعلان) مذكر (فعلى)،

стр. 1025

وألا يكون مؤنثا على فعلانة، وبعض العرب، وهو بنو أسد يجيزون أن يكون لكل فعلان مؤنث على فعلانة فهي على هذا جائزة التنوين أبدًا، وإنما يحذف تنوينها أحيانا وعلى قلة رعاية لزيادة الألف والنون (١). وهذا قلب للقاعدة فإن قال " فهي على هذا حائزة التنوين أبدا وإنما يحذف تنوينها أحيانا وعلى قلة: فجعل كلام بني أسد أو بعض بني أسد هو القاعدة العامة، وجعل كلام سائر العرب قليلا في حين أن كلام سائر العرب عدم الصرف وبه ورد التنزيل العزيز، قال تعالى: ﴿فرجع موسى إلى قومه غضبان آسفا﴾ [طه: ٨٦]، وقال: ﴿كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران﴾ [الأنعام: ٧١] فمنع صرف غضبان وحيران. التأنيث: وقد ذهب في المختوم بالفي التأنيث مذهبا مغايرا لما قرره، فقد ذهب إلى أن المختوم بألف التأنيث المقصودة، إنما حرم التنوين لأن التنوين يستدعي حذف ألفه، ولذا منع من الصرف قال: " أما ألف التأنيث المقصودة فالتنوين يستدعي حذفها، وقد أتت لغرض يهتم به العرب، ويعنون به فوق عنايتهم بالتعريف والتنكير وهو التأنيث .. فهذا واضح في الألف المقصودة والألف الممدودة، وهي من المقصورة فاستصبحت حكمها (٢). فإنه لما لم يستطع أن يقول أن نحو ذكرى، وجرحى، وعلماء معارف ذهب هذا المذهب، فإن التأنيث على حد قوله مهم، وهو أهم من التعريف والتنكير، فإذا لحق التنوين ما فيه ألف التأنيث المقصورة حذفت ألفه، ولذا حرم التنوين كي ينطق بالألف، وهذا مردود من وجوه منها:

стр. 1026

١ - أنه لماذا لا يخشى حذف الألف من بقية الأسماء المقصورة نحو هدى وفتى ومصطفى، وذه الحروف هي أصول بخلاف ألف التأنيث التي هي زائدة؟ ٢ - أن كثيرا من الأسماء المقصورة إذا حذفت الفها التبست بألفاظ أخرى صحيحة، ولم يمنعهم ذلك من الحذف وذلك نحو مرسى ومرسا، ومجرى ومجرا، ومهدى ومهدا. ٣ - أن اللبس لا يحصل دوما بالتنوين، فقد تكون الكلمة مفهومة مع تنوينها شأن كثير من الأسماء المقصورة فإذا قلت حبلى ودنيا بقي المعنى مفهوما، وقد وردت كلمة (دنيا) منونة وبقيت معلومة مفهومة، قال الشاعر: إني مقسم ما ملكت فجاعل ... جزءا لآخرتي ودنيا تنفع فسقوط ألف دنيا بالتنوين لم يبلبس المعنى. ٤ - أن ألف الإلحاق إنما ألحقت لغرض أيضا ومع ذلك هي تنون ولم يخشوا على ألفها السقوط نحو دفلى ومعزى وارطى ٥ - ثم أن التنوين لا يسقط علامة التأنيث في الممدود، فلماذا حرموها الصرف نحو بطحاء وصحراء؟ قال لأن الألف الممدودة من المقصورة، وهذا مردود إذ التنوين إنما دخل لأداء معنى كما ذكر فلماذا أهدروا هذا المعنى بلا موجب؟ والحق أنه لما لم يستطع أن يجد تعليلا آخر يقوم على التعريف والتنكير، اضطر إلى هذا التعليل الذي لا يقوم على أساس المعنى. ونحن بالمقابل نستطيع أن نقول أن التنوين قد يفوق التأنيث أهمية، على خلاف ما ذهب إليه وذلك أن التأنيث قد يكون بغير علامة، نحو عين، وساق وذراع، وكأس، وسماء وشمس وأرض، وجهنم، وإنما يعرف ذلك من استعمال العرب لها، وقد يغلط الناس في ذلك فيخلطون بين المذكر والمؤنث، لأنه لا علامة فاصلة بينهما.

стр. 1027

ثم أن ما فيه علامة التأنيث ليس مؤنثا دائما، بل قد يكون مذكرا، وذلك نحو حمامة ذكر، وبطة ذكر، وكصيغ المبالغة نحو علامة وراوية، والجمع نحو صياقلة، وصيارفة، أو علما لمذكر مثل طلحة وحمزة. وكذلك ما فيه ألف التأنيث نحو أسرى، وجرحى وحمقي، وسكارى، وعطاشي وأنبياء وعلماء فلو كانوا يهتمون بالتأنيث، هذا الإهتمام الكبير لوضعوا لكل مؤنث علامة، حتى لا يغلط الناس فيه، ولكان ما فيه علامة التأنيث مؤنثا دائمًا. فدل ذلك على أن التأنيث لا يثير أهتمامهم كثيرا بخلاف التنوين الذي ألزموه كل اسم متمكن، فدل ذلك على أن اهتمامهم بالتنوين أكبر من اهتمامهم بالتأنيث، وهذا فقط من قبيل الحجاج، وليس من قبيل الحقائق اللغوية. منتهى الجموع: وذهب إلى أن عدم صرف منتهى الجموع سببه تعريف هذا الجمع، فسنابل وطواحين معرفة على رأيه، قال: " وإنما حذف التنوين منه - يعني منتهى الجموع - عندنا لما فيه من معنى التعريف، وقد بينا من قبل أن العرب تريد بالمنكر الفرد الشائع، والواحد من المتعدد، فإذا قصدت إلى الإحاطة والشمول جعلته من مواضع التعريف، وهذا واضح في الجمع، إذا أريد به الاستغراق، وشمول جميع الأفراد، والنحاة يقولون أن هذه صيغة منتهى الجموع، ففيها معنى الاستغراق وتمام الإحاطة. والذي نرى هنا انه إذا قصد بالجمع الاستغراق، والدلالة على الإحاطة منع التنوين لما فيه من معنى التعريف على طبيعة العربية ومجراها في التعريف والتنكير فإذا لم يقصد إلى الاستغراق والإحاطة فالاسم منون" (١).

стр. 1028

وهذا باطل من وجوه منها: ١ - أن ينبغي على حد قوله أن يكون كل ما يدل على الإحاطة والشمول مفردًا، أو غيره معرفة، وعليه يجب منعه من الصرف، وليس أعم من كلمة (شيء) فهي أعم كلمة ومع ذلك هي منصرفة قال تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشوري: ١١]، وقال: ﴿ندمر كل شيء بأمر ربها﴾ [الأحقاف: ٢٥]. ومثل ذلك ألفاظ العموم، نحو أحد، وعريب، وديار، نحو (ما فيها أحد)، وكل ما يفيد العموم نحو (قوة خير من ضعف)، و (جِد خير من عبث) فهذا كله يدل على الإحاطة فينبغي أن يمنع من الصرف ٢ - ثم من قال أن صيغة منتهى الجموع تدل على الإحاطة والشمول والإستغراق؟ أن النحاة ذكروا أن القصد بمصطلح (منتهى الجموع) أنه نهاية جمع التكسير، فلا يكسر هذا الجمع مرة أخرى، وأنه جمع لا نظير له في الواحد، كما ذكرنا، ولم يقل أحد إن المقصود به الإحاطة، يدل على ذلك جعله تمييزا لأدني العدد، قال تعالى: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] وقال: ﴿سبع طرائق﴾ [المؤمنون: ١٧]، وتقول (ثلاثة مساجد) فكيف يكون دالا على الإحاطة والشمول؟ ٣ - ويرد ذلك استعمال العرب والتنزيل العزيز، قال تعالى: ﴿سيروا فيها ليالي وأياما آمنين﴾ [سبأ: ١٨]، فمنع صرف الليالي وصرف الأيام، فهل أراد استغراق الليالي دون الأيام؟ وقال: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد﴾ [الحج: ٤٠]، فمنع صرف الصوامع والمساجد وصرف البيع، فهل أراد استغراق الصوامع والمساجد دون الصلوات والبيع؟ ثم من يقول أنه أراد هدم جميع المساجد والصوامع، على سبيل الاستغراق؟ وقال: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا﴾ [الحجرات: ١٣]، فصرف الشعوب دون القبائل، فهل أراد استغراق القبائل دون الشعوب؟

стр. 1029

٤ - ثم هي توصف بالنكرة، تقول (رأيت مساجد عامرة بالمسلمين) وتقول (قاسيت ليالي مرة) قال تعالى: ﴿ومساكن طيبة في جنات عدن﴾ [التوبة: ٧٢]، فلو كانت معرفة لم يصح وصفها بالنكرة. ٥ - ثم لو كانت صيغة منتهى الجموع معرفة، لم يصح تعريفها في حين أنه يصح تعريفها بإجماع، فتقول المساجد والسنابل والليالي، قال تعالى: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا﴾ [الجن: ١٨]، وقال: ﴿ولا الهدي ولا القلائد﴾ [المائدة ٢]. فدل ذلك على بطلان ما ذهب إليه. الغرض من التنوين: في العربية أسماء منونة، وأسماء لا تنون، ذكر النحاة ضوابطها، وقد عرفنا أن النحاة ذهبوا إلى أن التنوين علامة الخفة، وذهب بعض الباحثين الحدثين إلى أن التنوين علامة على التنكير وأن الأسماء التي لا تنون معارف. ومن الواضح أننا إذا قلنا أن التنوين علامة على التنكير بإطراد، اصطدمنا بالإعلام المنونة مثل محمد وخالد، وإذا قلنا أن عدم التنوين علامة على التعريف اصطدمنا بنكرات كثيرة لا تقبل التنوين، نحو أحمر، وعطشان ومساجد. ولكن الحق الذي لا مرية فيه، أن التنوين في طائفة من الأسماء وعدمه في طائفة أخرى يهدينا إلى أمور لغوية قد تغيب عنا، لولا هذه العلامة، فهو قد يدلنا مثلا على هوية الكلمة واشتقاقها، ومعرفة هي أم نكرة، فهو علامة يحملها الإسم، تدل على أصله وهويته سواء قلنا أنه علامة على الخفة، أم لا. فالتنوين يبين لنا أمورًا عديدة في طبيعة الكلمة، منها على سبيل المثال: ١ - أنه يميز بين المعرفة والنكرة، فإنه إذا لحق علما حقه إلا ينون أفاد أنه نكرة، نحو (رأيت إسماعيلا) والمعنى رأيت شخصا ما اسمه إسماعيل، بخلاف قولك (رأيت إسماعيل) فإنه يعني شخصا معلومًا، ومثله (مررت بخالدة وخالدة أخرى)

стр. 1030

وتقول (رأيت أحمدًا طويلا) قال تعالى: ﴿اهبطوا مصرًا فإن لكم ما سألتم﴾ [البقرة: ٦١]، أي بلدة من البلدان ولو قال (مصر) بلا تنوين، لكان يعني البلد المعروف، قال تعالى: ﴿ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ [يوسف: ٩٩]، جاء في (المقتضب): " ويحتجون بأن مصر غير مصروفة في القرآن لأن اسمها مذكر عنيت به البلدة، وذلك قوله ﴿أليس لي ملك مصر﴾ [الزخرف: ٥١]، فأما قوله ﴿اهبطوا مصرا﴾ فليس بحجة عليه، لأنه مصر من الأمصار وليس مصر بعينها (١). ومثل ذلك: سحر، وغدوة، وبكرة، وعشية. فهي إذا نونت كانت نكرات، قال تعالى: ﴿نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤]، وقال: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم: ٦٢]، وإذا لم تنون فهي معارف، أي سحر يوم معين، وغدوة يوم بعينه، وبكرة يوم بعينه. ٢ - يبين لنا أصل الكلمة، وذلك نحو حسان، وريان، وسمان، وغيان، فإنه إذا نون العلم أفاد أن النون من أصل الكلمة وإن لم ينون أفاد أنها زائدة، فحسان إذا نون كان من الحسن وإن لم ينون فهو من الحس، وريان منونا من الرين، وغير منون من الري، وهكذا الباقي. ومثل نهشل، علما فهو إذا نون علينا أن النون أصلية وأنه على وزن فعلل، كجعفر وليس من الهشل، وإذا لم ينون فهو من الهشل، والنون زائدة، وسبب منعه من الصرف أنه على وزن الفعل، مثل نعمل والمعنيان مختلفان. ومثله (تولب) علما فإنه بوروده منونا علمنا أن التاء أصلية، وليست زائدة، ومعناه الجحش وليس من (ولب) بمعنى (دخل)، إذ لو كان كذلك لكان ممنوعا من الصرف. ومثله (أولق) فإه بوروده منونا، علمنا أن همزته أصلية، وليس من (ولق)، ولو كان كذلك لكان ممنوعًا من الصرف، والمعنيان مختلفان وهكذا.

стр. 1031

٣ - يبين لنا المقصود بالاسم، أهو معناه الوضعي أم يراد به العلمية، وذلك نحو صفوان وسلطان، فإنه إذا نون أريد به معناه الوضعي، فصفوان هو الحجر الأملس والسلطان معروف، وإذا لم ينون أريد به العلمية، فإذا قلت (هذا صفوان) ولم تنون، كان المعنى هذا رجل اسمه صفوان، وإذا نونت كان المعنى هذا حجر. ونحو ذلك المنتهى بتاء التأنيث، نحو ساهرة، وخالدة، وناجحة، وزهرة، فإذا نونت لم تكن أعلاما، نحو هذه زهرة وناجحة، وإن لم تنونها كانت اعلاما، نحو (هذه زهرة)، ومثله (هذه ناجحة)، فإنك إذا نونتها كان المعنى أنها نجحت، وإن لم تنونها كان المعنى أن اسمها ناجحة. ٤ - يميز لنا بين الوصف وغيره، نحو (أول) فإن نونتها لم تكن وصفا، نحو (أفعل هذا أولاً) وإذا لم تنون كانت وصفا، نحو جئت عام أول، ونحو أولق. ٥ - يدلنا على هوية الكلة فقد تكون الكلمة ذات مادة إشتقاقية ذات معنى معين في العربية، وهي موافقة لكلمة أعجمية في لفظها، والذي يقطع بأصلها ومعناها في الاستعمال التنوين، وذلك نحو (إبليس) فإن له مادة لغوية في العربية، وهي إبليس أي يئس قال تعالى: ﴿فإذا هم مبلسون﴾ [الأنعام: ٤٤]، وبوروده غير منون في القرآن الكريم، عرفنا أنه ليس عربيا وأنه ليس من هذه المادة اللغوية، قال تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه﴾ [سبأ: ٢٠]، وقال: ﴿إلا إبليس﴾ [البقرة: ٢٤]، ومثله (يعقوب) فإن معنى (يعقوب) في العربية ذكر الحجل، وهو منصرف علما، وغير علم، مثل يعفور ويحمور وينبوع، وقد ورد علما غير منصرف في القرآن الكريم وغيره، فدل ذلك أنه ليس منقولا عن هذا المعنى، وإنما هو اعجمي. ومثله (قارون) فإنه إذا كان منصرفا، فهو على وزن (فاعول)، من قرن وإذا كان غير منصرف فهو أعجمي. ٦ - يبين لنا الكلمة أمؤنثة هي أم مذكرة، فإذا قلت - مثلا - (أقبل اليوم صباح) بلا تنوين، كان علما لأنثى وإذا نونتها كان مذكرا.

стр. 1032

٧ - النص على معنى معين، وذلك نحو (ندمان) فهي بالتنوين من المنادمة، ومؤنثها ندمانة، وبالمنع من الصرف هي من الندم ومؤنثها ندمى، ونحو (خبلان) فهي بالتنوين الممتليء غضبا، ومؤنثها حبلانة، وبعدمه الممتليء من الشراب، ومؤنثها (حبلى) بفتح الحاء. ٨ - يميز لنا بين المعاني المختلفة في المادة اللغوية الواحدة وذلك نحو (ذكرا) وذكرى وريا وريا وقربا وقربي وحرا وحرى، مؤنث حران وموتا وموتى وأسرا وأسرى. فإنها لو كانت جميعها منونة لالتبس بعضها ببعض، وكذلك لو لم تكن منونة، غير أنه بتنوين بعضها، وترك تنوين بعضها الآخر اتضح معنى كل منها. إلى غير ذلك من المعاني التي يبينها لنا التنوين.

стр. 1033

الفعل يقسم جمهور النحاة الفعل على ثلاثة أقسام: الفعل الماضي ، والمضارع والأمر. الفعل الماضي أزمنته: يستعمل الفعل الماضي للدلالة على أزمنة متعددة أشهرها: ١ - الماضي المطلق: وهو الزمن الذي مضى قبل زمن التكلم، قريبا كان أو بعيدا وهو ما كان على فعل، فمن القريب قوله تعالى: ﴿قال إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨]، وقوله: ﴿الآن جئت بالحق﴾ [البقرة: ٧١]، ونحو قولك (استيقظ الطفل). ومن البعيد، قوله تعالى: ﴿خلق الله السماوات والأرض﴾ [العنكبوت: ٤٤]. إن هذه الفعل يصلح لجميع الأزمنة، فإذا قلت (حضر أخوك) أحتمل أن يكون الحضور قريبا أو بعيدا، وليس مختصا بزمن معين، جاء في (شرح ابن يعيش): وذلك أنك تقول (قام) فيصلح لجميع ما تقدمك من الأزمنة (١). ٢ - الماضي المنقطع: ومعنى الانقطاع أنه حصل مرة، ولم يتكرر، وذلك إذا وقع الفعل الماضي خبرًاـ، لكان نحو (كان كذب) أي حصل مرة منه الكذب، ونحو (كنت كتبت له في هذا الأمر) قال تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل﴾ [الأحزاب: ١٥]. وأما الفعل الماضي المجرد من كان، فهو قد يفيد الانقطاع، نحو قوله تعالى: ﴿خلق الله السماوات والأرض﴾ [العنكبوت: ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات﴾ [البقرة: ٢٩]، ونحو مات فلان، وذهبت إلى محمد، ويحتمل أن يكون

стр. 1034

قد تكرر، كما في قوله تعالى: ﴿لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم﴾ [الأعراف: ٩٣]، فمن المرجح أن النصيحة قد تكررت، ومثله قوله تعالى: ﴿منه من كلم الله﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فقد يكون الكلام تكرر، ونحو قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا﴾ [الأنعام: ٩٩]، ولا شك أن الله يفعل ذلك باستمرار، فإن إنزال الماء وإخراج النبات مستمران. ونحو قوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى﴾ [البقرة: ٥٧]، فهذا قد تكرر أيضا طوال بقائهم في التيه. ٣ - الماضي القريب: وذلك إذا صدر بقدر نحو (قد حضر خالد) وذلك أن قولك (حضر خالد) يدل على القريب والبعيد، فإذا قلت (قد حضر خالد) أفاد القرب من الحال جاء في (شرح ابن يعيش): " قد حرف معناه التقريب، وذلك أنك تقول (قام زيد) فتخبر بقيامه فيما مضى من الزمن، إلا أن ذلك الزمان قد يكون بعيدًا، وقد يكون قريبا من الزمان الذي أنت فيه، فإذا قرنته بـ (قد) فقد قربته مما أنت فيه، ولذلك قال المؤذن: قد قامت الصلاة، أي قد حان وقتها في هذا الزمان" (١). ويذكر النحاة لـ (قد) الداخلة على الفعل الماضي ثلاثة معان هي: التحقيق والتوقع والتقريب. أما التحقيق فمعناه التوكيد، ومعناه أيضا تحقق حصول الحدث في الماضي، فإن الفعل (فَعَل) قد يحتمل غير المضي، وذلك كقوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات﴾ [الزمر: ٦٨]، فإذا جيء بقد، تعين كونه للماضي، ولا يجوز أن يصرف إلى الاستقبال بحال من الأحوال، ولذا لا يجوز أن تلى (قد) أداة الشرط، لأن أداة الشرط تصرف الفعل إلى الاستقبال، وذلك نحو قولك (إذ جاءك محمد فاكرمه) ومعناه إذا يجيء ولا يصح أن تقول (إذا قد جاء محمد) لأن معناه سيكون على هذا أنه

стр. 1035

قد جاء فعلا، ولذا لا يصح أيضا أن يؤتى بها في الدعاء، فأنت تقول (غفر الله لك) أي تدعو له بالمغفرة، ولا تقول (قد غفر الله لك) فإن معنى (قد غفر الله لك) أن المغفرة تحققت، وأنت أخبرت بحصولها، وليس المعنى أنك تدعو له بالمغفرة، جاء في (المقتضب): تقول أما أن غفر الله لك، وإن شئت أما أن على ما فسرت لك في أما، أنها تقع للتنبيه وتقع في معنى قولك (حقا) فالتقدير. أما أنه وأما أنه غفر الله لك. فإن قلت: فكيف جاز الإضمار والحذف بغير غوض؟ فإنما ذلك لأنك لا تصل إلى قد لأنك داع ولست مخبرًا (١). ومعنى التوقع أن الحدث كان متوقعا قبل حدوثه، نحو قولك (قد حصر الأستاذ) لقوم كانوا ينتظرون حضوره، جاء في (الكتاب): وأما قد فجواب لقوله لما يفعل فتقول: قد فعل، وزعم الخليل أن هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر (٢). وجاء في شرح ابن يعيش: وفيها معنى التوقع، يعني لا يقال قد فعل، إلا لمن ينتظر الفعل ويسأل عنه (٣). وأما التقريب فهو لتقريب الحدث من الحال كما ذكرت، جاء في شرح الرضي على الكافية: هذا الحرف إذا دخلت على الماضي أو المضارع، فلابد فيها من معنى التحقيق ثم أنه ينضاف في بعض المواضع إلى هذا المعنى في الماضي التقريب من الحال، مع التوقع أي يكون مصدره تموقعا لمن يخاطبه واقعا عن قريب، كما تقول لمن يتوقع ركوب الأمير قد ركب أي حصل عن قريب ما كنت تتوقعه، ومنه قول المؤذن قد قامت الصلاة، ففيه أذن ثلاثة معان مجتمعة التحقيق، والتوقع والتقريب، وقد يكون مع التحقيق التقريب فقط، ويجوز أن تقول (قد ركب) لمن لم يكن يتوقع ركوبه (٤).

стр. 1036

وهذه المعاني قد تجتمع وقد تفترق، فمن اجتماعها قولك (قد حضر الأستاذ) وقد خرج الأمير، إذا كان متوقعا ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾ [آل عمران: ١٤٣]، فقوله (قد رأيتموه) أجتمع فيه التحقق والتوقع والتقريب، وكقوله: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فهم كانوا يتوقعون النصر، لأن الرسول وعدهم ذلك، كما قال تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم﴾ [الأنفال: ٧]. وقد يتخلف بعض هذه المعاني غير أن المعنى الذي لا يفارقها هو التحقيق فإن التحقيق لا يفارق (قد) البتة، واما التوقع والتقريب، فقد يتخلفان أو يتخلف أحدهما. فمن ورود قد لغير التوقع قوله تعالى: ﴿قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ [مريم: ٢٧]، وهو غير متوقع منها - هو لم يقع - بدليل قولهم (يأخت هارون ما كان أبوك أمرا سوء وما كانت أمك بغيا) [مريم: ٢٨]، وقوله: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ [البقرة: ٢٤٧]، وهو غير توقع، بدليل قولهم (أني يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه) [البقرة: ٢٤٧]، وقوله: ﴿يبني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا﴾ [الأعراف: ٢٦]، وهو ما كانوا يتوقعون إنزاله. ومن تخلف التقريب قوله تعالى: ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك﴾ [آل عمران: ١٨٤]، وقوله: ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق﴾ [المؤمنون: ١٧]، وهذا لاشك موغل في القدم، كما أنه ليس فيه معنى التوقع، لأنهم لم يكونوا يتوقعون خلق السماوات وقد خلقت قبل أن يخلق البشر، بل فيه معنى التحقيق فقط. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ [الحجر: ١٠]، وقوله: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون﴾ [الحجر: ٢٦]، فإنه ليس فيها توقع ولا تقريب. ٤ - الدلالة على حدث ماض بالنسبة إلى حدث ماضي قبله، وذلك كما إذا وقع الفعل الماضي في جملة حالية قبلها فعل ماض، نحو (دخلت وقد نام الناس) فنوم الناس

стр. 1037

قبل الدخول ونحو (فجئت وقد نضت لنوم ثيابها) والمعنى أنه سبق نزع الثياب المجيء، جاء في كتاب (الفعل زمانه وابنته): " وتتصدر (قد) بناء (فعل) لتفيد أن الحدث ماض بالنسبة لفترة ماضية نحو: ثم قمت إلى الوطن وقد ضربه برد الشجر (١). ٥ - الدلالة على الحال: وذلك إذا قصد به الإنشاء، كبعت، واشتريت، وغيرهما من ألفاظ العقد، إذا هو عبارة عن إيقاع معنى بلفظ يقارنه في الوجود (٢). إن ثمة فرقا بين قولنا (بعت) الخبري، وبعت الإنشائي، وكذلك (اشتريت) وغيرهما من ألفاظ العقود، فقولك (بعت داري) معناه أنه سبق أن بعت دارك أي حصل هذا الفعل منك في المضي. وأما بعت الإنشائي فليس معناه ذلك بل معناه إني ماوفق على البيع، وذلك نحو أن تتابعا على سلعة، فتقول له بعتك فيقول لك: قبلت فالبيع لم يتم إلا بقبول المشتري، وكذلك قوله (زوجتك ابنتى) فالفرق بين الخبري والإنشائي في هذا التعبير أن الخبري معناه سبق أن حصل التزويج منى، وتم، وأما الإنشائي فمعناه الموافقه على التزويج باللفظ، وأعلانها ولم يحصل تزويج فعلا إلا بقبول المزوج، فيقول (قبلت تزويجك) فليس معنى زوجتك أنها صارت زوجك، ولا سبق أن تم ذاك، وإنما هذا قول يقوله الذي يديد أن يزوج ابنته وتتم الصفقة بالقبول بقوله: قبلت. وفي الحقيقة أن هذا الفعل ليس معناه الدلالة على الحال أيضا، فهو لا يشبه المضارع الدال على الحال، وإنما هذا تعبير خاص، فقولك (بعت) ليس كمعنى (أبيع) ولا زوجت كمعنى ازوج. فقولك (أنا أبيع سلعتي) معناه إني قائم بالبيع الآن مستمر على البيع في الحال، كما تقول: أقرأ كتابي، وأحفظ قصيدتي وليس معناه الاستقبال أيضا. جاء في شرح الرضي على الكافية: والفرق بين بعت الإنشائي، وأبيع

стр. 1038

المقصود به الحال، أن قولك (أبيع) لابد له من بيع خارج حاصل بغير هذا اللفظ، تقصد بهذا اللفظ مطابقته لذلك الخارج، فإن حصلت المطابقة المقصودة، فالكلام صدق وإلا فهو كذب فلهذا قيل أن الخبر محتمل اللفظ من حيث دلالته عليه، والكذب محتمله، ولا دلالة للفظ عليه. واما (بعت) الإنشائي، فإنه لا خارج له تقصد مطابقته، بل البيع يحصل في الحال بهذا اللفظ، وهذا اللفظ موجد له فلهذا قيل إن الكلام الإنشائي لا يتحمل الصدق والكذب، وذلك لأن معنى الصدق مطابقة الكلام للخارج والكذب، عدم مطابقته فإذا لم يكن هناك خارج فكيف تكون المطابقة وعدمها (١). والمحققون على أن هذا الأفعال ليس لها زمان معين، بل هي مجردة عنه (٢). وهذا هو الحق، إذ هي أفعال إيقاعية يراد بها إمضاء الحدث وإجراؤه، ولا تدل على مضي الحدث ولا على أنه يحدث الآن. ٦ - الدلالة على الاستقبال: وينصرف إلى ذلك في مواطن منها: أ - الإنشاء المقصود به الطلب (٣). وذلك كالدعاء له أو عليه نحو (غفر الله لك) أي ليغفر الله لك، ونحو (ناشدتك الله إلا فعلت) و (عزمت عليك إلا فعلت) (٤). و (لما فعلت) أي: أفعل، جاء في (الكليات): " الأفعال الواقعة بعد (إلا) و (لما) ماضية في اللفظ مستقبلة في المعنى لأنك إذا قلت: (عزمت عليك لما فعلت) لم يكن قد فعل وإنما طلبت فعله وأنت تتوقعه (٥). ب - الوعد أو الوعيد، نحو: ﴿إنا كفيناك المستهزءين﴾ [الحجر: ٩٥]، ومن ذلك

стр. 1039

الإخبار عن الإحداث المستقبلة مع قصد القطع بوقوعها (١). وذلك نحو قوله تعالى ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ [الزمر: ٦٨]، وقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ [الزمر: ٧٣]، و ﴿نادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا﴾ [الأعراف: ٤٤]. والقصد من لك أن هذه الأحداث متحققة الوقوع مقطوع بحصولها بمنزلة الفعل الماضي، فكما أنه لا شك في حدوث الفعل الماضي الذي تم، وحصل، كذلك لاشك في حدوث هذه الأفعال، إذ هي بمنزلة الماضي في تحقق الوقوع. ج - دخول أداة الشرط عليه كـ (إن) و (إذا) نحو: ﴿إذا جاء نصر الله﴾ [النصر: ١]، و ﴿إن عدتم عدنا﴾ [الإسراء: ٨]، وقوله: ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾ [آل عمران: ٨٥]. وقد يبقى على مضيه قليلا نحو ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين﴾ [يوسف: ٢٦]، ونحو (إن كنت الممت بذنب فتوبي واستغفري الله) وسيأتي لذلك بيان في باب الشرط. د - دخول ما الظرفية، نحو: ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا﴾ [مريم: ٣١] أي مدة دوامي حيا، وهذا يشمل المستقبل أيضا، ونحو (لا أكلمك ما طلع نجم وغرب) أي يطلع ويغرب، وهذا التعبير أدل على الاستمرار. جاء في (شرح الرضي على الكافية) أن الفعل الماضي ينقلب إلى المستقبل بدخول ما النائبة عن الظرف المضاف نحو ما ذر شارق وما دامت السماوات لتضمنها معنى (إن) أي أن دامت قليلا أو كثيرا، وقد يبقي معها على المضي كقوله تعالى: ﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم﴾ [المائدة: ١١٧] (٢).

стр. 1040

هـ ـ وينصرف إلى الاستقبال أيضا إذا كان منفيا بـ (لا) أو (إن) في جواب القسم، نحو (والله لا كلمتك أبدًا) ونحو ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾ [فاطمة: ٤١]، أي ما يسكهما ونحو: ردوا فوالله لازدناكم أبدا و: والله لا عذبتهم بعدها سقر فلا يلزم تكرير (لا) هنا، كما يلزم في الماضي المعنى (١). فإن الفعل الماضي لا ينفي بـ (لا) إلا إذا كررت، نحو (لا ذهبت ولا رجعت) ونحو (فلا صدق ولا صلى) [القيامة: ٣١]، فإن كان مستقبل المعنى لم يلزم تكرار (لا). ٨ - إحتمال المضي والاستقبال وذلك في مواطن منها: أ - بعد همزة التسوية: نحو قوله تعالى: ﴿سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الوعظين﴾ [الشعراء: ١٣٦]، ونحو ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ [إبراهيم: ٢١]، ونحو سواء علي أقمت أم قعدت، إذا يحتمل أن يراد ما كان منك من قيام أو قعود أو ما يكون من ذلك (٢). ب - بعد حرف التخصيص نحو: هلا فعلت، وإلا ذهبت إليه، ونحو قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقوا في الدين﴾ [التوبة: ١٢٢]، فهذا يحتمل المضي والاستقبال (٣). جاء في شرح ابن يعيش: فأما قوله تعالى: ﴿لولا أخرتني إلى أجل قريب﴾ [المنافقون: ١٠]، فقد وليه الماضي إلا أن الماضي هنا في تأويل المستقبل كما يكون بعد

стр. 1041

حرف الشرط كذلك لأنه في معناه والتقدير: إن أخرتني أصدق (١). ج - في الأحكام نحو قوله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ [البقرة: ٢٣٥]، فإنه يحتمل المضي والاستقبال. د بعد (حيث): فالماضي نحو ﴿فائتوهن من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٣]ـ، والاستقبال نحو ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك﴾ [البقرة: ١٤٩] (٢). هـ ـ بعد كلما، فالمضي نحو ﴿كل ما جاء أمة رسولها كذبوه﴾ [المؤمنون: ٤٤]، والاستقبال نحو: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب﴾ [النساء: ٥٦] (٣). وهذا في الحقيقة يدل على الاستمرار، ولكن قد يكون الاستمرار في الماضي، كما في الآية الاولى، ونحو قولك كلما جئتك عاتبتني، وقد يكون في المستقبل كما في الآية الثانية. و- إذا وقع صلة: فالمضي نحو: الذين قال لهم الناس [آل عمران: ١٧٣]، والاستقبال نحو: ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾ [المائدة: ٣٤]ـ، وقد أجتمعا في قوله: إني لآتيكم بذكر ما مضى واستيجاب ما كان في غد (٤). ونحو قوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيانات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]، فقوله تعالى (تابوا وأصلحوا وبينوا) يراد به الاستقبال لأن يكتمون، فعل مضارع وهذا بعده، فالتوبة بعد الكتمان. ز - إذا وقع صفة لنكرة عامة: فالمضي نحو (رب رفد هرقته ذلك اليوم).

стр. 1042

والاستقبال كحديث (نضر الله امرءا سمع مقالتي) فوعاها فأداها كما سمعها أي يسمع لأنه ترغيب لمن أدرك حياته في حفظ ما يسمعه منه (١). ٩ - توقع الحدث في الماضي: أي أن الحدث كان متوقعا حصوله في الماضي، وذلك كأن يقع الفعل المضارع المقترن بالسين خبرا لكان، نحو (كان محمد سيكتب لك في هذا الأمر) أي كان متوقعا منه أن يكتب لك في الماضي، أو بمعنى أنه كان ينوي فعله في الماضي، جاء في (الخصائص): " كان زيد سيقوم امس أي كان متوقعا منه القيام فيما مضي (٢). ١٠ - الدلالة على الاستقبال في الماضي: وذلك نحو قولك (كان من الأفضل أن تخبره) و (اكان من الحسن بمكان أن تدعوه) وهذا يدل على المستقبل في الماضي وإيضاح ذلك أنك تقول (من الخير أن تخبره) و (الأولى أن تسافر) فأخباره مستقبل بالنسبة إلى الحال التي أنت فيها، والسفر مستقبل أيضا، فإذا سبق بمكان أفاد المصدر المؤول الاستقبال في المضي. ويوضح ذلك أنك تقول (كان من الأفضل أن أخبرته) و (كان من الحسن بمكان أن دعوته) فأخباره ودعوته ماضيان، فاتضح بذلك أن هذا التعبير يفيد الدلالة على الاستقبال في الماضي. قال متم بن نويرة: وفقد بني أم تفاتوا فلم أكن ... خلافهم أن أستكين وأسرعا فقوله (لم أكن) ماض، و (أن أستكين) أستقبال، فهو نظير ما مر من الأمثلة، ومن هذا الضب نحو قولنا (أراد أن يوبخه) فـ (أراد) يفيد المضي، و (أن يوبخه) أستقبال بالنسبة إلى فعل الإرادة فهو استقبال في الماضي، كما هو ظاهر.

стр. 1043

١٠ - الماضي الحاصل في المستقبل: ويكثر ذلك إذا سبق الفعل الماضي بفعل الكون مضارعا نحو (اذهب إليه فتكون قد سبقته بالفضل). والمعنى: أنك إذا ذهبت إليه كنت قد سبقته بالفضل، أي حصل سبقك بالفضل. ونحوه أن تقول: (اذهب إليه فعسى أن يكون قد أنجز المعاملة) فالإنجاز ماض ولكنه واقع في المستقبل، وذلك أن خبر (عسى) استقبال، وهي تفيد رجاء وقوع الفعل فقولك، (عسى خالد أن يحضر) مثلا يفيد رجاء حصول الفعل في المستقبل، وكذلك قولك (عسى أن يكون قد أنجز المعاملة) فقولك (عسى أن يكون) يفيد ترجى وقوع الفعل في المستقبل و (قد انجز المعاملة) يفيد المضي فهو ماض واقع في المستقبل، ومنه قوله تعالى: ﴿وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقوله: ﴿عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون﴾ [النمل: ٧٢]. وذكر الدكتور إبراهيم السامرائي أنه ياتي بناء فعل مسبوقا بفعل الكون المضارع، فيتأتي من هذا المركب إعراب عن المستقبل في زمان ماض، وهو ما يدعى في الفرنسية future - anterirur نحو: ما ذاك من شيء أكون اجترمته، وكقول المعربين في هذا العصر مثلا: واقر اللص أن يكون سرق أثاث الدار (١). والحق أن ذلك لا يختص بفعل الكون، فهو قد يقع بعد غيره، وذلك نحو قولك (لا تخرج إليه إلا وقد أعددت للأمر عدته) و (لا تدخل عليه إلا وأنت أعددت جوابا عن كل سؤال قد يسأله لك) فالخروج يكون بعد الإعداد، فالإعداد سابق وهو ماض، بالنسبة إلى الخروج، وهو واقع في المستقبل، وكذلك الدخول في الجملة التالية. ويقع أيضا بعد فعل الأمر، وذلك نحو قولنا (اذهب إليه وقد حزمت أمرك) أي أذهب بعد حزم الأمر، فالذهاب يكون بعد الحزم، فالحزم ماض واقع في المستقبل. ويقع أيضا بعد غير ذلك، مما يفيد هذا المعنى، وذلك نحو قولك (إياك أن تخرج

стр. 1044

إليه إلا وقد حزمت أمرك) و (إياك أن تدخل اللجة إلا وأنت أحسنت السباحة) فكل من حزم الأمور، وإحسان السباحة، حدث ماض واقع في المستقبل، كما هو واضح. ١١ - الماضي المستمر، وذلك إذا دخلت كان على الفعل المضارع كان يفعل وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وكا يأمر أهله بالصلاة﴾ [مريم: ٥٥]، أي كان مستمرا على ذلك. ونحو ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه﴾ [آل عمران: ١٤٣]، ونحو ﴿كانوا قليلا من الليل ما يجعهون﴾ [الذاريات: ١٧]. فهذا يفيد الدلالة على الاستمرار أو الاعتياد، جاء في البرهان: ومن هذا الباب الحكاية عن النبي ﷺ بلفظ (كان يصوم) و (كنا نفعل) وهو عند أكثر الفقهاء والأصولين، يفيد الدوام، فإن عارضه ما يقتضي عدم الدوام مثل أن يروي: كان يمسح مرة ثم نقل عنه أنه يمسح ثلاثا فهذا من باب تخصيص العموم (١). وقد سبق أن ذكرنا في باب كان أن سبق الفعل المضارع بـ (كان) قد يفيد الدلالة على اعتياد الأمر في الماضي ووقوعه بصورة متكررة، نحو ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة﴾ [مريم: ٥٥]، أي كان مستمرًا على هذا الفعل. وقد يفيد أنه وقع مرة ولكن على أنه ماض مستمر في أثناء وقوعه، وليس معناه تكرر الحدث، نحو (كنت اقرأ، ذات مرة في كتابي، فجاءني خالد) أي كنت مستمرا على القراءة وفي هذا الأثناء جاءني خالد، ونحو (كنت أسبح في النهر فطاردني تمساح) فليس في هذا ما يدل على تكرر الحدث. فسبق الفعل المضارع بـ (كان) له دلالتان: تكرر الحدث ووقوعه أكثر من مرة، والدلالة الأخرى أن الحدث كان مستمرا في ذلك الأخبار. وقد تفيد (كان) الاستمرار، إذا كان خبرها شرطا، نحو قولنا: (كان محمد إذا سئل أعطي) ومنه قوله تعالى: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥].

стр. 1045

١٢ - الماضي المستمر المنقطع: وذلك نحو قولنا (كان لا يزال يلهو)، وكان ما يزال يكتب له، ومعنى ذلك أنه كان مستمرا على اللهو، ثم انقطع عنه، وكذلك المثال الثاني فإن معناه أنه كان مستمرا على الكتابه له، ثم انقطع بخلاف الماضي المستمر، فإنه لا يفيد الانقطاع. ١٣ - استمرار الفعل واتصاله بزمن الاخبار: وذلك إذا دخل على المضارع فعل يفيد الاستمرار نحو ما زال، وما برح وما فتي، وما انفك، وبقي وما إلى ذلك نحو: ما زال أخوك يكتب، وبقي يدرس، أي هو بدا بالفعل في الماضي، ولا يزال الفعل مستمرا لم ينقطع حتى زمن التكلم. غير أن هناك فرقا بين الاستمرار في (ما زال) و (بقي) فلا يصح إبدال أحد الفعلين بالآخر دوما، وذلك أن (مازال) وأخواتها تفيد توقع الانقطاع في الغالب، بخلاف (بقي) وذلك أنك تقول لولدك مثلا مازلت صغيرا، ومعناه أنك ستكبر، بخلاف ما لو قلت بقيت صغيرا، فإنه لا يفهم منه الانقطاع، وإنما هو إلى معنى الثبات والدوام على ما هو عليه اقرب. وكذلك في الماضي فإن قولنا (لا يزال صغيرا) يختلف عن قولنا (يبقي صغيرا) فإن الجملة الأولى يفهم منها أنه سيتغير ويكبر، بخلاف الثانية كما هو ظاهر. ١٤ - مقاربة حصول الفعل وذلك إذا سبق الفعل المضارع بفعل يدل على المقاربة، كـ كاد وأوشك، نحو كاد يغرق أي قرب من الغرق، ولم يغرق. ١٥ - رجاء حصلو الفعل: وذلك سبق الفعل المضارع بفعل دال على الرجاء، نحو ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض﴾ [محمد: ٢٢]، ونحو (حرى أن ينقشع). ١٦ شروع القيام بالفعل أي بدء القيام به نحو أخذ يكتب وشرع يدرس ١٧ تلبس حصول الفعل بوقت من الأوقات نحو: أصبح يهذي، وأمسى يستطيع الحركة.

стр. 1046

١٨ - قد تؤخذ من ألفاظ الأوقات أفعال للدلالة على الدخول في زمن معين وذلك نحو أفجر بمعنى دخل في الفجر وأصبح بمعنى دخل في الصباح وأظهر بمعنى ودخل في الظهر بمعنى دخل في العصر واسحر بمعنى دخل في السحر وأنهر بمعنى دخل في النهار والليل بمعنى دخل في الليل وغير ذلك. ١٩ - تقليل حصول الفعل وذلك إذا سبق الفعل بما يفيد التقليل نحو ربما وقلما نحو ربما راجعه في شأن من شؤونه، ونحو: ربما من الفتى وهو المغيظ المحقق، ونحو قلما زرته، وربما أفاد لفظ القلة النفي، نحو قلما صدت، بمعنى لم أصد كما سيأتي بيان ذلك. استعمالاته ١ - الأصل أن يستعمل الفعل للدلالة على معناه الأصلي كقولنا (حضر محمد وجاء خالد). ٢ - وقد يستعمل الفعل ويراد به الإنشاء، كقولنا: بعت واشتريت، وكقولنا غفر لله لك. ومن ذلك ما يراد به الأمر، نحو (أجزأ امروء فداني بنفسه) و (أجاد امرؤ أحسن إليك) أي ليحسن إليكن و (فقه امرؤ رغب عنك) أي ليرغب عنك، ومنه قول الإمام علي ﵁: (أجزأ امرؤ قرنه آسي أخاه بنفسه) (١). أي ليواس أخاه. ومن ذلك ما يراد به الاغراء، وذلك نحو قولهم (كذب عليك العسل) أي الزم العسل. جاء في أمالي ابن الشجري، ومما جاء فيه لفظ الخبر، بمعنى الاغراء قول عمر رضوان الله عليه (أيها الناس كذب عليكم الحج والعمرة) معناه عليكم بالحج، والعمرة، ومثله قول معقر بن حمار البارقي: وذبيانية أوصت بنيها ... بأن كذب القراطف والقروف

стр. 1047

أي عليكم بالقراطف، وهي القطف وبالقروف، فاغنموها. والقروف أوعية من آدم يتخذ فيها الخلع، وهو لحم يقطع صغارا، ويحمل في السفر .. ومثله: كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي كذب العتيق أي عليك بالعتيق، وهو التمر، والشن القربة الخلق (١). ٣ - قد يطلق الفعل ويراد به مقاربته ومشارفته نحو (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) [البقرة: ٢٣١]، أي فشارفن انقضاء العدة (٢). ٤ - وقد يطلق الفعل والمقصود به إرادته وأكثر ما يكون ذلك بعد أداة الشرط نحو ﴿فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨]، ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦]، ﴿إذا قضى امرا فإنما يقضي له كن﴾ [آل عمران: ٤٧]، ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢] .. وفي الصحيح: إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل (٣). والمعنى إذا أردت قراءة القرآن فاستعد بالله، وإذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلو وجوهكم، وإلا كان الغسل بعد القيام إلى الصلاة، والاستعاذة بعد قراءة القرآن، وهو غير مراد، ولا يصح. ٥ - قد يجمد الفعل الماضي للدلالة على معنى معين، كالاستثناء كما في خلا وعدا، وللدلالة على النفي، نحو (قلت سرت) وقد يراد بذلك السير القليل، وقد يراد به نفي السير (٤). والتعجب كما في قوله تعالى: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ [الكهف: ٥]، والمدح والذم، نحو نعم وبئس وساء، وغير ذلك من المعاني.

стр. 1048

الفعل المضارع معنى المضارعة المشابهة، ويعنون بالمضارعة مشابهة الفعل المضارع للأسماء، فالمقصود بالفعل المضارع، الفعل المشابه للاسم ويعقد النحاة بينهما أوجها من المشابهة لسنا بصدد ذكرها الآن. أزمنته: يدل الفعل المضارع على أزمنة متعددة، أشهرها: ١ - الدلالة على الحال والاستقبال نحو (هو يكتب) و (هو يقرأ) فقد يحتمل أن يقصد به الحال والاستقبال جاء في (المقتضب): زيد يأكل فيصلح أن يكون في حال أكل وإن يأكل فيما يستقبل (١). وجاء في المفصل: ويشترك فيه الحاضر والمستقبل. (٢). ٢ - دلالته على الحال تنصيصا: وذلك في مواطن منها: أ - إذا اقترن بظرف يدل على الحال كالآن والساعة والحين (٣).، نحو (هو يقرأ الآن) و (هو يكتب الساعة). ب - إذا دخلت عليه لام الابتداء: نحو قوله (إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغني)، [العلق: ٦، ٧]، وهذا رأي الكوفيين وذهب إليه الأكثرون (٤).

стр. 1049

واعترض ابن مالك على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ [النحل: ١٢٤]، وقوله: ﴿إني ليحزني أن تذهبوا به﴾ [يوسف: ١٣]، فالفعلان يفيدان الاستقبال. وأجيب أنه نزل المستقبل منزلة الحاضر الشاهد (١). وهو نحو ما مر في تنزيل المستقبل منزلة الماضي، نحو: ﴿وسق الذين كفروا﴾ [الزمر: ٧١]، و ﴿نفخ في الصور﴾ [الزمر: ٦٨]. ويبدو لي أنها تفيد التوكيد كما يقول البصريون، أما تخصيصها المضارع بالحال ففيه نظر لما ورد في القرآن الكريم من دلالته على الاستقبال معها. وصرفه إلى الحال في الآية يحتاج إلى دليل، وكما هو الحال في دخلولها على المستقبل مع غير الفعل المضارع، نحو قوله تعالى: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾ [الكهف: ٨]، وقوله: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيدًا جرزا﴾ [الكهف: ٨]، وقوله: ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢]. ج - نفيه بـ ليس أو ما، أو إن، عند الإطلاق نحو (ما خالد يكتب) وليس علي يقرأ (٢).، فإذا كانت هناك قرينة تصرف الفعل المضارع إلى غير الحال، كان ذلك بحسبها نحو: وليس يكون الدهر ما دام يذبل (٣). وما محمد يسافر غدا، ومثله في غير المضارع (ليس خلق الله مثله)، و ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾ [هود: ٨]، وقوله: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ [الانفطار: ١٦]. ٣ - دلالته على الاستقبال تنصيصا، وذلك في مواطن منها:

стр. 1050

أ - إذا اقترن بظرف يدل على المستقبل (١). نحو غدا أو بعد يومين ويوم القيامة نحو (يقضي الله بين عباده يوم القيامة). ب - النصب، فإن الناصب يصرف الفعل إلى الاستقبال نحو (ارغب في أن تزورني) جاء في الهمع، ومن شأن الناصب أن يخلص المضارع إلى الاستقبال (٢). وجاء فيه: النواصب من مخلصات المضارع للاستقبال (٣). وجاء في المقتضب: أن حروف النصب إنما معناهن مالم يقع (٤). وقال ابن الناظم: فلو كان المضارع بمعنى الحال، وجب رفعه لأن فعل الحال لا يكون إلا مرفوعا (٥). وليس معنى هذا أن كل فعل مرفوع هو يدل على الحال، ولا كل فعل مستقبل يكون منصوبا، بل قد يكون المرفوع لغير الحال، وقد يكون الفعل المستقبل غير منصوب، نحو (سيحاسب الله الخلق). ج ـ إذا دخل عليه حرف تنفيس (٦). وهو السين او سوف نحو: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله: ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [النساء: ٥٧]. د - إذا دخلت عليه نونان التوكيد (٧). كقوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧]، وقوله: ﴿لنسفعًا بالناصية﴾ [العلق: ١٥].

стр. 1051

هـ - إذا دخلت عليه أداة شرط (١). نحو: ﴿إن يشأ يرحمكم﴾ [الإسراء: ٥٤]، (إن تزرني أكرمك) إلا (لو) الشرطية (٢). فإنها موضوعة للشرط في الماضي نحو (لو زارني لأكرمته). وهذا هو الغالب. ون غير الغالب قوله تعالى: ﴿لو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقوله: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجا﴾ [الواقعة: ٧٠]، فهذا يحتمل المضي والاستقبال. و- بعد (لو) المصدرية، نحو قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن﴾ [القلم: ٩] (٣). وذهب بعضهم إلى أنه لا يختص المضارع بالاستقبال، بدليل قوله تعالى: ﴿يود أحدكم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦] (٤). ز - بعد (هل): وهي تخصص المضارع بالاستقبال غالبا: نحو (هل تسافر) بخلاف الهمزة نحو (أتظنه قائمًا) (٥). ومن غير الغالب قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩]، وقوله: ﴿قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩]. ح - إذا اقتضي طلبا كالأمر والنهي والدعاء والتحضيض والتمنى والترجي (٦). نحو: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطلاق: ٧]، و (لاتخبره) و (ليتني أجده) و ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ [غافر: ٣٦]، و ﴿لولا تستغفرون الله﴾ [النمل: ٤٦]، و ﴿يغفر الله لكم﴾ [يوسف: ٩٢]، و ﴿الوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي ليرضعن.

стр. 1052

ط - إذا اقتضى وعدا أو وعيدًا، نحو: ﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء﴾ [المائدة: ٤٠]، وكقولك واعدًا (أكرمك وأحسن إليك) (١). و (أفعل ذلك). ي - إذا أسند إلى متوقع (٢).، نحو (يحاسب الله عباده)، و ﴿أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون﴾ [الزمر: ٤٦]، و (تقوم القيامة). وغير ذلك من الصوارف إلى الاستقبال. ٤ - الدلالة على حدث مستقبل بالنسبة إلى حدث مستقبل قبله وذلك نحو قولك (سأذهب إليه وقد امتلأ المجلس بالحضور، وأرد عليه) فالذهاب يكون بعد إمتلاء المجلس، وكلاهما مستقبل. ٥ - دلالته على المضي وذلك في مواضع منها: أ - إذا اقترن بـ (لم) أو (لما) (٣). نحو: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله: ﴿ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤]، وقد أجتمعتا في قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾] يونس: ٣٩ [. ب - إذا دخلت عليه (لو) الشرطية، نحو: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمه ما ترك عليها من دابة﴾ [النحل: ٦١] وهو الغالب (٤). ج - إذا دخلت عليه إذ (٥). نحو: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي قلت: وقوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ [الأنفال: ٣٠]. أي مكر.

стр. 1053

د - إذا دخلت عليه (قد) التقليلة، نحو (قد أترك القرن مصفرًا أنامله) بخلاف ما إذا لم تكن للتقليل (١). وقد تأتي لغير المضي نحو (قد يشفي المريض). هـ - إذا دخلت عليه (ربما): يقول النحاة لأنها مختصة بالدخول على الفعل الماضي فإذا دخلت على المضارع صرفت معناه إلى المضي، وذلك كقول الشاعر (٢). ربما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال وجعلوا من ذلك قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢] والظاهر أنها ليست مختصة بالمضي، بل قد تدخل على المضارع في المعنى (٣). فقوله ربما تكره النفوس، ليس نصا في المضي، بل هو يحتمل الاستمرار والدلالة على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾ يحتمل الإستقبال والله أعلم. و- إذا وقع المضارع حالا عامله فعل ماض (٤). نحو (اقبل خالد يضحك) ونحو (فقدم الملك آنذاك يسعى الغلمان بين يديه). ز - حكاية الحال الماضية، : والمقصود بحكاية الحال الماضية أن تعبر عن الحدث الماضية بما يدل على الحاضر استحضارا لصورته في الذهن، كأنه مشاهد مرئي في وقت الأخبار، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم﴾ [البقرة: ٤٩]، فسوم فرعون بني إسرائيل سوء العذاب وتذبيح الأبناء أحداث ماضية، غير أنه عبر عنها بالفعل الذي يدل على الحال، وهو المضارع فقال (يسومونكم) و (يذبحون) وذلك لقدص احضار مشهد التعذيب أمام العين، فكأنك تشاهد آل فرعون بأيديهم المدى يذبحون الأبناء.

стр. 1054

ومثله قوله تعالى: ﴿قلم فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ [البقرة: ٩١]، فالقتل حصل فيما مضي ألا ترك إلى قوله: ﴿من قبل﴾ ولكنه عبر عنه بالفعل الضارع أستحضارا لهذه الصورة الشنيعة من قتل أنبياء الله، فخلع على المشهد صورة الحياة والحركة بجعله ماثلا أماما عين الرائي. جاء في المغنى: أنهم يعبرون عن الماضي والآتي كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصدا لاحضاره في الذهن حتى كأنه مشاهد حالة الأخبار .. ومثله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا﴾ [فاطر: ٩]، قصد بقوله : ﴿فتثير﴾ [احضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب تبدو أولا قطعا، ثم تتضام متقلبة بين أطوار، حتى تصير ركاما (١). وجاء في البرهان: قوله: ﴿ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٥٩]، أي (فكان) استحضارا لصورة تكونه. وقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي ماتلت .. وقوله ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ أي فلم قتلتم (٢). وجاء في الكشاف في قوله تعالى: ﴿ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]. فإن قلت: هلا قيل: وفريقا قتلتم؟ قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب. وإن يراد وفريقا تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد ﷺ لولا أني أعصمه منكم (٣).

стр. 1055

ونحو قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]، " فعبر بالماضي ثم قال: ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ فعدل عنه إلى المضارع إرادة لتصوير اخضرارها في النفس، وعليه قول ابن معد يكرب يصور شجاعته وجرأته: فإني قد لقيت القرن أسعى ... بسهب كالصحيفة صحصحان فآخذه فأضربه فيهوي ... صريعا لليدين وللجران (١). ح - وربما أفاد المضارع المضي في غير ذلك، وذلك نحو قوله: أن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك ورب قتل عار فقوله (أن يقتلوك) يفيد المضي، وذلك أن هذاالشعر قيل في رثاء يزيد بن المهلب، ونحوه قوله: فإن يهلك بني فليس شيء ... على شيء من الدنيا يدوم فقوله (أن يهلك) يفيد المضي، لأنهم قد هلكوا بدليل قوله: كأن الليل محبوس دجاه ... فأوله وآخره مقيم لمهلك فتية تركوا أباهم ... واصغر مابه منهم عظيم ومن دلالته على المضي في غير الشرط، قول فارعة بنت شداد ترثى أخاها مسعودًا (٢). يا عين بكي لمسعود بن شداد ... بكاء ذي عبرات شجوه بادي من لا يذاب له شحم السديف ولا ... يجفو العيال إذا ما ضن بالزاد ولا يحل إذا ما حل منتبذا ... يخشى الرزية بين الماء والباد
следующие страницы →