← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

وإذا قال: (أمحمد عندك أو خالد) كان المعنى: أعندك واحد منهما؟ فيكون الجواب (نعم) أو (لا)، وهكذا أبدا يكون تقدير (أم) بـ (أيهما) و (أو) بـ (أحدهما). قال تعالى: ﴿هل ينصرونكم أو ينتصرون﴾ [الشعراء: ٩٣]، وقال: ﴿له تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا﴾ [مريم: ٩٨]، وقال: ﴿قال هل يسمعونك إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: ٧٢، ٧٣]، والجواب (لا)، وهكذا أبدًا. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " واعلم أن الفرق بين (أو) و (أم) المتصلة في الاستفهام أن معنى قولك (أزيدا رأيت أم عمرا)؟ أأحدهما رأيت؟ وجوابه: (لا) أو نعم). ومعنى قولك (أريدا رأيت أم عمرا) أيها رأيت؟ وجوابه بالتعيين، كما تقول: (زيدا) أو تقول: (عمرا). وحيت أشكل عليك الأمر في (أول) و (أم) المتصلة في الاستفهام، فقدر (أو) بـ (أحدهما)، و (أم) بـ (أيهما) تقول: (الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية)؟ والمراد: أأحدهما أفضل من ابن الحنفية، أم ابن الحنفية أفضل من أحدهما؟ والمعنى أيهما أفضل من احدهما وابن الحنفية؟ والجواب أحدهما (١). وجاء في (شرح ابن يعيش): " والفصل بين (أو) و (أم) في قولك (أزيد عندك أو عمرو) و (أزيد عندك أم عمرو) أنك في الأول لا تعلم كون أحدهما عنده، فأنت تسأل عنه، وفي الثاني تعلم ان أحدهما عنده، إلا أنك لا تعلمه بعينه فأنت تطالبه بالتعيين .. فقد تبين أن السؤال بـ (أو) معناه (أأحدهما) وبـ (أم) معناه (أيهما) فإذا قال: (أزيد عندك أو عمرو) فأجبت بـ (نعم) علم أن عنده أحدهما، وإذا أراد التعيين وضع مكان (أو) (أم) واستأنف بها السؤال وقال: أزيد عندك أم عمرو؟ فيكون حينئذ الجواب (زيد) أو (عمرو)؟ (٢).

стр. 982

وجاء في (المقتضب): " وتقول: ما أدري أزيدًا أم عمرا ضربت أم خالدا؟ لم ترد أن تعدل بين زيد وعمرو و لكن ك جعلتهما جميعا عدلا لخالد في التقدير، والمعنى ما أدري أحد هذين ضربت أم خالد؟ (١). وجاء في (الخصائص): " قولهم (ما أدري أأذن أو أقام) إذا قالها بـ (أو) لا (أم) فهو أنه لم يعتد أذانه أذانا ولا إقامته أقامة، لأنه لم يوف ذلك حقه. فلما وني فيه لم يثبت له شيئا منه .. ولو قال: (ما أدري أأذن أم أقام) بـ (أم) لأثبت له احدهما لا محالة (٢). لكن: تفيد الاستدراك، وتعطف بعد نفي أو نهي، بشرط أفراد معطوفها، نحو: (ما أق بل محمد لكن خالد) ولا (تضرب خالدا لكن سالما) فإن وليتها جملة فهي ليست عاطفة، وإنما هي حرف ابتداء يفيد الاستدراك، نحو (ما جاءني خالد لكن جاءني عمرو) وتدخل عند ذاك بعد الموجب وغيره، نحو: (اقبل سعيد لكن عامر لم يقبل) (٣). بل: حرف اضراب يدخل على المفردات والجمل. فإن دخلت على جملة كان معنى الاضراب أما إبطاليا، او انتقاليا فالاضراب الإبطالي هو أن تأتي بجملة تبطل معنى الجملة السابقة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]، فقوله: (بل عباد مكرمون) إبطال للكلام الأول، ونحو قوله تعالى: ﴿أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وقوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]، وهو رد على القول الأول.

стр. 983

وأما الاضراب الانتقالي فهو ان تنتقل من غرض إلى غرض آخر، مع عدم أرادة إبطال الكلام الأول، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقي﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٧]، فجملة (بل تؤثرون الحياة الدنيا) ليست إبطالا للجملة الأولى بل هي انتقال من غرض إلى غرض آخر، ومثله قوله: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة﴾ [المؤمنون: ٦٣] (١).، وقوله: ﴿أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقوله: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]. وإن دخلت على مفرد فهي عاطفة بشرط أن يتقدمها إيجاب، أو أمر أو نفي أو نهي. فإذا وقعت بعد إيجاب أو أمر نحو (جاء محمد بل خالد) و (أكرم سالما بل خالدا) فهي للاضراب وذلك أنها تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه، فقولك (جاء محمد بل خالد) يعني أن الذي جاء هو خالد، وأما محمد فيجوز أنه جاء، ويجوز أنه لم يجيء، وقولك (أكرم سالما بل خالدا) اضربت فيه عن الكلام الأول وأمرت بإكرام خالد، وأما (سالم) فمسكوت عنه. وليست (بل) ناهية عن إكرام سالم. جاء في (المغني): " وإن تلاها مفرد فهي عاطفة ثم أن تقدمها أمر أو إيجاب كقولك: (اضرب زيدا بل عمرا) و (قام زيد بل عمرو) فهي تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشيء وإثبات الحكم لما بعدها" (٢). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " فإن جاءت بعد إيجاب أو أمر نحو: (قام زيد بل عمرو) فهي لجعل المتبوع في حكم المسكوت عنه منسوبا حكمه إلى التابع، فيكون الإخبار عن قيام زيد غلطا، يجوز أن يكون قد قام وأن لم يقم، أفدت بـ (بل) أن

стр. 984

تلفظك بالاسم المعطوف عليه كان غلطا عن عمد أو سبق لسان (١). وإذا وقعت بعد نفي أو نهي، نحو: (ما أقبل محمد بل خالد) و (لا تضرب محمدا بل خالدا) فجمهور النحاة على أنها في المعنى كـ (لكن) فمعنى الأول أن محمدا لم يقبل وإنما الذي أقبل هو خالد، ومعنى الثانية أنك منهي عن ضرب محمد ومأمور يضرب خالد. جاء في (شرح ابن عقيل): " يعطف بـ (بل) في النفي والنهي فتكون كـ (لكن) في أنها تقرر حكم ما قبلها وتثبت نقيضه لما بعدها نحو: (ما قام زيد بل عمرو) و (لا تضرب زيدا بل عمرا) فقررت النفي والنهي السابقين وأثبت القيام لعمرو وأملا بضربه (٢). وجاء في (التصريح): " ومعناها بعد الأخيرين وهما النفي والنهي تقرير حكم ما قبلها من نفي أو نهي على حاله وجعل ضده لما بعدها، (لكن) كذلك كقولك: (ما كنت في منزل ربيع بل أرض لا يهتدى بها) .. فتقرير نفي الكون في منزل الربيع عن نفسك وتثبت لها الكون في أرض لا يهتدي بها. و (لا يقم زيد بل عمرو) فتقرر نهي زيد عن القيام وتأمر عمرا بالقيام (٣). وأجاز المبرد أن تكون بعد النفي والنهي للاضراب أيضا، فتكون ناقلة معنى النفي والنهي إلى ما بعدها، وعلى هذا يكون معنى (ما أقبل محمد بل خالد) ما أقبل محمد بل ما أقبل خالد، فإقبال محمد حكمه كالمسكوت عنه، يحتمل أنه يكون أقبل، أو لم يكن أقبل وما بعدها منفي، وكذلك المعنى في النهي نحو (لا تضرب محمدا بل خالدا) فالمعنى عنده لا تضرب محمدا بل لا تضرب خالدا.

стр. 985

جاء في (المغني): " وأجاز المبرد وعبد الوارث أن تكون ناقلة معنى النفي والنهي إلى ما بعدها وعلى قولها فيصح: ما زيد قائما بل قاعدا، وبل قاعد ويختلف المعنى (١). إذ القعود منفي على التقدير الأول مثبت على التقدير الثاني (٢). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإذا عطفت بـ (بل) مفردا بعد النفي، أو النهي فالظاهر أنها للاضراب أيضا، ومعنى الاضراب جعل الحكم الأول موجبا كان، أو غير موجب، كالمسكوت عنه بالنسبة إلى المعطوف عليه، ففي قولك (ما جاءني زيد بل عمرو) أفادت (بل) أن الحكم على زيد بعدم المجيء، كالمسكوت عنه يحتمل أن يصح هذا الحكم فيكون غير جاء، ويحتمل أن لا يصح فيكون قد جاءك كما كان الحكم على زيد بالمجيء في (جاءني زيد بل عمرو) احتمل أن يكون صحيحا وأن لا يكون وهذا الذي ذكرنا ظاهر كلام الأندلسي. وقال ابن مالك: بل بعد النفي والنهي كـ لكن بعدهما وهذا الاطلاق منه يعطي أن عدم مجيء زيد في قولك (ما جاءني زيد بل عمرو) متحقق بعد مجيء (بل) أيضا كما كان ذلك في (ما جاءني زيد لكن عمرو) بالاتفاق .. وهذا كله حكم (بل) بالنظر إلى ما قبلها، وأما حكم بعد (بل) بعد النفي أو النهي فعند الجمهور أنه مثبت فعمرو جاءك في قولك (ما جاءني زيد بل عمرو) فكأنك قلت: (بل جاءني عمرو) فـ (بل) أبل النفي والاسم المنسوب إليه المجيء .. وعند المبرد أن الغلط في الاسم المعطوف عليه فقط، فيبقي الفعل المنفي مسندا إلى الثاني فكأنك قلت (بل ما جاءني عمرو) كما كان في الاثبات الفعل الموجب مسندا إلى الثاني (٣).

стр. 986

والظاهر صحة رأي الجمهور وذلك أنه هو الذي يشهد له استعمال العرب، فمن ذلك قوله: لو اعتصمت بنا لم تعتصم بعدا ... بل أولياء كفاة غير أوكال فلا يصح أن يقال (بل لم تعصم بأولياء) لأنه للفخر، وكذلك قوله: وما أنتميت إلى خور ولا كشف ... ولا لئام غداة الروع أوزاع بل ضار بين بحسك البيض أن لحقوا ... شم العرانين عند الموت لذاع (١). وظاهر أنك إذا أردت المعنى الذي ذكره المبرد كررت العامل، نحو (ما جاءني محمد بل ما جاءني خالد) و (لا تضرب خالدا بل لا تضرب محمدا). وكذلك يؤدي المعنى الذي ذهب إليه المبرد الاضراب بغير الأداة، وأعني به بدل الاضراب، فإنك إذا قلت (لا تكرم سالما سعدا) كان المعنى أنك نهيت عن اكرام سالم أولا، ثم أضرب عن ذلك فنهيت عن اكرام سعد فصار كأنك قلت: لا تكرم سعدا. وكذا في النفي، فأنت إذا قلت (ما جاءني محمد خالد) كان المعنى: ما جاء محمد ثم أضربت عن ذلك فقلت: بل ما جاء خالد. ومما يؤيد ذلك أن البدل على نية تكرار العامل عندهم. ويجوز ما ذكره المبرد فيما دل عليه دليل نحو (ما محمد كاتبًا بل شاعرا) وذلك أن نصب (شاعر) يدل على أن النفي مكرر، وذلك أن (ما) لا ينتصب الخبر بعدها إذا كان موجبا. وربما كان المعنى قديما كما ذكر المبرد وذلك أن الأصل أن يكون لكل أداة معنى ثم تطور الاستعمال إلى ما ترى، وتطور الدلالة كثير في اللغة والله أعلم.

стр. 987

لا بل: قد يضم إلى (بل) (لا) فتفيد توكيد الاضراب، وذلك بعد الإيجاب، والأمر، والنفي، والنهي، نحو (جاء محمد لا بل خالد)، ومعناها نفي المجيء عن محمد وإثباته لخالد. فالفرق بين قولنا (جاء محمد بل خالد) و (جاء محمد لا بل خالد) أن مجيء محمد في الأول صار كالمسكوت عنه، فإنه يجوز أنه حصل ويجوز أنه لم يحصل، وفي الثاني نفينا المجيء عن محمد وأثبتناه لخالد. قال الشاعر: وجهك البدر لا بل الشمس لو لم ... يقض للشمس غيبة وأفول وكذا في الأمر، فإنك إذا قلت (أضرب محمدا لا بل خالدا) كان المعنى لا تضرب محمدًا وإنما آمرك بضرب خالد، ولو قال (أضرب محمدا بل خالدا) لكان الأمر بضرب محمد كالمسكوت عنه، يجوز أن يوقعه وألا يوقعه، وكذلك في النفي والنهي نحو (ما جاء محمد لا بل خالد) فنفي المجيء عن محمد مؤكد بـ (لا) مثبت لخالد، وكذلك نحو (لا تضرب محمدًا لا بل خالدا). جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإذا ضممت (لا) إلى (بل) بعد الإيجاب أو الأمر نحو (قام زيد لا بل عمروا) و (اضرب زيدا لا بل عمرا) فمعنى (لا) يرجع إلى ذلك الإيجاب والأمر المتقدم لا إلى ما بعد بل، ففي قولك (لا بل عمرو) نفيت بـ (لا) القيام عن زيد وأثبته لعمرو بـ (بل) ولو لم تجيء بـ (لا) لكان قيام زيد كما ذكرنا في حكم المسكوت عنه يحتمل أن يثبت وأن لا يثبت، وكذا في الأمر نحو (اضرب زيدا لا بل عمرا) أي لا تضرب زيدا بل اضرب عمرا ولولا (لا) المذكورة، لاحتمل أن يكون امرا بضرب زيد، وأن لا يكون مع الأمر بضرب عمرو، وكذا (لا) الداخلة على (بل) بعد النهي والنفي، راجعة إلى معنى ذلك النهي والنفي مؤكدة لمعناها (١).

стр. 988

أحرف الأضراب تقدم ان الإضراب معنى يؤدي بعدة أحرف، فله حرف رئيس هو (بل)، وقد يؤدي بـ (أم) المنقطعة وبأو أيضا، فما الفرق بين هذه الأحرف في الدلالة على الاضراب؟ والجواب أن الاضراب بـ (بل) هو الأصل وذلك: ١ - أن الإضراب بـ (بل) يكون في المفردات والجمل، نحو (رأيت محمدًا بل سعيدًا) ونحو: (بل افتراه بل هو شاعر). أما الإضراب بـ (أم) فلا يكون إلا في الجمل كما مر، ولا يكون في المفردات، وكذا الاضراب بـ (أو) نحو (سأسافر اليوم أو أقيم فلا أسافر). جاء في (شرح الرضي): " وتجيء (أو) أيضا للاضراب بمعنى (بل)، فلا يكون إذن بعدها إلا الجمل فلا يكون حرف عطف، بل حرف استئناف (١). ٢ - أن (أم) لا تستعمل إلا في الاضراب الانتقالي، ولا تستعمل في الاضراب الإبطالي، وأما (أو) فبالعكس فلا تكون إلا للإبطال، و (بل) تكون لهما جميعا كما ذكرنا فهي أوسع استعمالا منهما. ٣ - الأصل في (أو) ألا تكون للاضراب، وإنما هي لأحد الشيئين، ولذا كان استعمالها في الاضراب مقيدًا، وعن سيبويه أنها لا تكون للاضراب إلا بشرطين: تقدم نفي أو نهي. وأعادة العامل نحو (ما قام زيد أو ما قام عمرو) و (لا يقم زيد أو لا يقم عمرو) (٢). وعن آخرين أنه لا يشترط تقدم ذلك عليها. والأصل في (أم) أن تستعل استفهامًا أو مع استفهام، فيكون إضرابها مصحوبًا بإنكار

стр. 989

أو توبيخ أو استفهام حقيقي، وأما (بل) فتستعمل للتقرير واليقين، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون﴾ [الطور: ٣٣]، وقوله: ﴿أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك﴾ [السجدة: ٣]. ولذا لا يحسن استعمال الواحدة مكان الأخرى، في مواطن كثيرة، فلا يحسن أن تقول في قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء﴾ [البقرة: ١٥٤]، (أم أحياء). ولا يحسن في قوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]، أم يداه مبسوطتان ولا أو يداه. ولا يحسن في قوله: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ [البقرة: ١٧٠]، (أم نتبع) ولا (أو نتبع). وكذا لا يصح في قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ [البقرة: ١٠٨]، أن يقال (بل تريدون)، ولا في قوله: ﴿أم له البنات ولكم البنون﴾ [الطور: ٣٩]، أن يقال: بل له البنات، ولا في قوله: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون﴾ [الطور: ٣٥]، أن يقال بل خلقوا من غير شيء. ولو كانت (أم) و (أم) كـ (بل) في إفادة الإضراب لم يمتنع ذلك. لا: وتفيد النفي وتعطف بثلاثة شروط: الأول: أن يتقدمها أثبات، نحو (أقبل محمد لا خالد)، أو أمر، نحو (أهِنْ خالدًا لا سعدًا) أو دعاء نحو (غفر الله لبكر لا زيد) أو تخصيص، نحو (هلا تكرم محمدًا لا سالمًا) أو تمن نحو (ليت لي ولدًا لا بنتًا). قال سيبويه: أو نداء نحو (يا محمد لا خالد). الثاني: أن لا تقترن بعاطف، فإذا قلت: (ما جاء محمد ولا خالد) كانت الواو هي العاطفة و (لا) زائدة لتوكيد النفي.

стр. 990

الثالث: أن يتعاند متعاطفاها نحو (أقبل رجل لا امرأة) بخلاف (أقبلت هند لا امرأة) لأن هندا امرأة (١). العطف على اللفظ والمعنى: الأصل أن يعطف على اللفظ، نحو (أقبل محمد وخالد)، وقد يعطف على المعنى ويدخل تحت هذا ما يسميه النحاة العطف على النحو والعطف، على التوهم، فمن الأول قولهم (ليس زيد بقائم ولا قاعدا) قالوا: إن (قاعدا) معطوف على محل (قائم) وذلك أنه خبر (ليس) وحقه النصب. ومن الثاني قوله: مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب الا ببين غرابها عطف (ناعب) على توهم وجود الباء في خبر (ليس) (مصلحين) لأنه يكثر دخولها على خبرها. والحق أن هذا كله من باب العطف على المعنى، فقولنا (ليس زيد بقائم ولا قاعدا) المعطوف فيه ليس على أرادة الباء، ومعنى ذلك أن الخبر مؤكد والمعطوف غير مؤكد فإنك نفيت القيام نفيا مؤكدا، ونفيت القعود نفيا غير مؤكد، فإذا جررت المعطوف فقلت (ليس محمد بقائم ولا قاعد) كان نفي القعود مؤكدا أيضا كنفي القيام. ومن العطف على المعنى قولنا: (إن محمدًا حاضر وأخوه) وقوله تعالى: ﴿إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى﴾ [المائدة: ٦٩]، وسبب رفع المعطوف أنه على غير إرادة (أن) ومعنى لك أن الاسم مؤكد والمعطوف غير مؤكد، ولو نصبنا المعطوف فقلنا (أن محمدًا حاضر وأخاه) لكان مؤكدا أيضا كتأكيد المعطوف عليه. ومثله (ما كان محمد قاعدا ولا أخوه نائم) فإن الثانية على غير إرادة (كان) فيكون زمن الأولى المضي بخلاف زمن الثانية.

стр. 991

جاء في الكتاب: " وتقول: (ما عبد الله خارجًا ولا معنٌ ذاهبٌ) ترفعه على ألا تشرك الإسم الآخر في (ما) ولكن تبتدئه كما تقول: (ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهب) إذا لم تجعله على (كان) وجعلته غير ذاهب الان" (١). ومنه ما يسميه النحاة العطف على التوهم، نحو (ما زيد قائمًا ولا قاعد) فقاعد مجرور على توهم الباء في خبر (ما) وهو في الحق عطف على المعنى، وذلك أن الخبر غير مؤكد والمعطوف مؤكد. وجعلوا من هذا الضرب قوله تعالى: ﴿فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠]، عطف (أكن) المجزوم على (أصدق) المنصوب هو عطف على المعنى، وذلك أن المعطوف عليه يراد به السبب، والمعطوف لا يراد به السبب فإن (أصدق) منصوب بعد فاء السبب، وأما المعطوف فليس على تقدير الفاء ولو أراد السبب لنصب، ولكنه جزم لأنه جواب الطلب، نظير قولنا (هل تدلني على بيتك أزرك) كأنه قال: إن تدلني على بيتك أزرك، فجمع بين معني التعليل والشرط، ومثل ذلك أن أقول لك: (احترم أخاك يحترمك) و (احترم أخاك فيحترمك) فالأول جواب الطلب والثاني سبب وتعليل، وتقول في الجمع بين معنيين: (أكرم صاحبك فيكرمك ويعرف لك فضلك) وهو عطف على المعنى وليس توهمًا بمعنى الغلط (٢). المتعاطفان: المتعاطفان يكونان على أقسام هي: ١ - عطف الشيء على مغايره، وهو الأصل نحو: (رأيت محمدًا وخالدًا). ٢ - عطف الشيء على مرادفه، نحو: (هذا كذب وافتراء) و (عملك غي وضلال). ٣ - عطف العام على الخاص كقوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: ٨٧]، فالقرآن العظيم عام عطف على الخاص وهو السبع المثاني، ونحو ذلك أن تقول (أشتريت رمانا وفاكهة).

стр. 992

٤ - عطف الخاص على عام، كقوله تعالى: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨]، فجبريل وميكال خاص عطف على عام، وهو الملائكة، وذلك للاهتمام بما أفرد ذكره. ٥ - عطف الشيء على نفسه لزيادة فائدة، نحو ﴿نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم واسماعيل﴾ [البقرة: ١٣٣]، فاله آبائه هو إلهه. ٦ - عطف الصفات بعضها على بعض والموصوف واحد، نحو (مررت برجل فقيه وشاعر وكاتب) وكقوله تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]. ٧ - عطف الاسم على الفعل وبالعكس: الأصل أن يعطف الاسم على الاسم نحو: (هو لبيب وحذر) والفعل على الفعل نحو: (هو يهين ثم يندم). وقد يعطف الاسم المشبه للفعل كاسم الفاعل، ونحوه على الفعل وبالعكس، ونحو قوله تعالى: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ [الملك: ١٩]، فعطف الفعل (يقبضن) على (صافات) ونحو قوله تعالى: ﴿إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي﴾ [الأنعام: ٩٥]، فعطف اسم الفاعل (مخرج) على (يخرج)، وقوله: ﴿فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا﴾ [العاديات: ٣، ٤]، وهذه المغايرة سببها اختلاف الدلالة وذلك أن دلالة الفعل غير دلالة الاسم فالفعل يدل على الحدوث، والتجدد والاسم يدل على الثبوت كما ذكرنا في أكثر من موضع، فإذا اقتضي المقام الحدوث جيء بالفعل، وإذا اقتضي الثبوت جيء بالاسم، فجاء بـ (صافات) في قوله: (صافات ويقبض) على صيغة الإسم للدلالة على الثبوت، وذلك أن الطير يصف جناحه عند الطيران، وهي الحالة الثابتة، وجاء بـ (يقبضن) على الفعل لأن القبض حالة ليست ثابتة، ثم أن (القبض) حالة حركة وتجدد والصف حالة ساكنة، ثابتة فجاء بالقبض على صيغة الفعل الدالة على الحركة والتجدد، وجاء بـ (صافات) على صيغة الاسم الدالة على الثبوت. ونحوه قوله تعالى: ﴿يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي﴾ فجاء بقوله [يخرج الحي] على صيغة الفعل لأن من إبرز صفات الحي الحركة والتجديد فجاء بالفعل

стр. 993

الدال على الحركة والتجدد، وجاء بـ (مخرج الميت من الحي) على الاسم لان الميت لا حركة فيه ولا تجدد فجاء اسم الفاعل الدال على الثبوت. وقد تقول: ولم قال إذن في مكان آخر: ﴿وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي﴾ [آل عمران: ٢٧]، بصيغة الفعل فيهما؟ والجواب أن المقام يقتضي ذلك، وإليك الآية: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب﴾ [آل عمران: ٢٦، ٢٧]، فإن المقام كله تغيير، وتبديل، وحركة، وتجدد من تغير الملوك، وإدالة الدول، وتعاقب الليل والنهار، وأمور الموت والحياة، وغيرها فالمقام كله حركة تغيير وتبديل بخلاف الآية الأولى، التي تبدأ بقوله تعالى: ﴿إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأني تؤفكون﴾ [الأنعام: ٩٥]. فالمقامان مختلفان، فجاء في كل مقام بما يناسبه، والله أعلم. حذف أحد المتعاطفين: قد يحذف أحد المتعاطفين للدلالة عليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ [البقرة: ٦٠]، أي فضرب فانفجرت (١) .. فحذف المعطوف عليه لدلالة ما بعده عليه، فإنه لو لم يضرب لم تنفجر بالماءـ، ونحوه قوله تعالى: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى﴾ [البقرة: ٧٣]، أي فضربوه فأحياه الله كذلك يحيى الله الموتى، ونحوه قوله تعالى: ﴿فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾ [البقرة: ٢٤٣]، أي فماتوا ثم أحياهم، ومثله قوله: ﴿فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرنامهم تدميرا﴾ [الفرقان: ٣٧]، أي فذهبا فكذبوهما فدمرناهم.

стр. 994

وهذا في القرآن كثير فإن القرآن قد يطوي بعض المشاهد التي تفهم بالقرائن، والتي لا يتعلق غرض بذكرها، ويعرض المشاهد التي يتعلق بذكرها الغرض. ومن هذا الباب قولهم (راكب الناقة طليحان) (١). والطليح المتعب، والمعنى: راكب الناقة والناقة متعبان فالمعطوف عليه محذوف، وهو مفهوم من القرينة، لأنه لا يخبر عن المفرد بالمثنى. حذف حرف العطف: قد يحذف حرف العطف للدلالة، وذلك نحو (ذهبت إلى السوق فاشتريت خبزا لحماً فاكهة) والمعنى: فأشتريت خبزا ولحما وفاكهة، ويحتمل نصب اللحم والفاكهة على أنه بدل أضراب أيضا، أي فأشتريت خبزا بل لحما بل فاكهة، فيكون الخبز واللحم كالمسكوت عنهما يحتمل أنه اشتراهما ويحتمل أنه لم يشترهما. فهو تعبير احتمالي يحتمل كلا المعنيين، وقد تعين القرينة أحدهما دون الآخر، ومنه قولك (جالس محمدا سعدا إبراهيم) والمعنى: جالس محمدا أو سعدا أو إبراهيم، والمقصود بذلك الإباحة، ويحتمل بلد الاضراب أيضا، فإنه إذا ذكر الحف فقد تعينت دلالة التعبير وإن لم يذكر الحرف، كان التعبير مطلقا يحتمل أكثر من معنى. جاء في (المغني): " حكى أبو زيد (أكلت خبزا لحما تمرا) فقيل على حذف الواو وقيل على بدل الاضراب. وحكى أبو الحسن (أعطه درهما درهمين ثلاثة) وخرج على إضمار (أو) ويحتمل الدل المذكور (٢).

стр. 995

العدد أن وضع العدد مع المعدود له قواعد معلومة محدودة في العربية إجملها بإيجاز: ١ - أن الأعداد من الثلاثة إلى العشرة تضاد المعدود، تذكر مع المؤنث، وتؤنث مع المذكر، وتمييزها جمع مجرور بالإضافة، تقول سبعة رجال وسبع نسوة، وهذه القاعدة قديمة سامية الأصل (١). غير أنها إذا وقعت بعدها المائة أفردت ولم تجمع، تقول: ثلاثمائة وأربعمائة، وكان القياس أن يقال ثلاث مئات، وأربع مئات. وقد يؤتى بلفظ (مئات) للتنصيص على معنى معين، تقول مثلا: (عندي مئات كثيرة أعطيته أربع مئات منها) فإن قلت (أعطيته أربعمائة منها) أحتمل أن يكون المعنى أعطيته أربعمائة منها واحتمل المعنى الأول أيضا بخلاف التعبير الأول، فإنه لا يحتمل إلا معنى واحدا، ويقال لك: كم مائة أخذت؟ فتقول: سبع مئات، فإن قلت: سبعمائة، أحتمل سبعمائة مائة، واحتمل المعنى الأول أيضا. وقد يؤتى بلفظ (مئات) للدلالة على معنى آخر، وذلك كأن تقول (هذه ثلاث مئات الرجال) والمعنى أن الثلاث تعود لمئات الرجال، فإنك لم تنص على أن عدد الرجال ثلاثمائة، بل ذكرت إنهم مئات وهذه الثلاث تعود لهم، فقد تكون هذه الثلاث نوفا أو أفراسًا أو غيرها فمعدود الثلاث محذوف للعلم به، ونحوه أن تقول (هذه خمسة ألف الرجل) والمعنى أن هذه الخمسة تعود لالف الرجل، وليس المعنى أنهم خمسة آلاف رجل. ٢ - يكون المعدود مع الأعداد المركبة مفردا منصوبًا، ويتطابق الجزءان تذكيرا وتأنيثًا في أحد عشر واثنى عشر، ويخالف صدر العدد المركب المعدود ويطابقه عجزه، تقول: ستة عشر رجلا، وست عشرة امرأة.

стр. 996

ويذكر النحاة أن أصل العدد المركب أن يكون بالواو فخمسة عشر أصلها خمسة وعشرة " فحذفت الواو وركب العددان اختصارا ودفعا لما يبتادر من العطف، أن الإعطاء دفعتان قاله الدماميني (١). والحق أنه إذا فك التركيب وجيء بحرف العطف اختلف المعنى بحسب الحرف، فإذا قلت (جاء خمسة فعشرة رجال) أو جاء (خمسة ثم عشرة رجال) دل ذلك على أن مجيء الخمسة سبق مجئ العشرة بتعقيب أو بمهلة بحسب الحرف بخلاف مفهوم التركيب. وإذا جيء بالواو فقد ذكروا أن المعنى يختلف أيضا فقولك (أعطيتك خمسة عشر كتابا) يختلف عن قولك (أعطيتك خمسة وعشرة كتب) وذلك أن العطف يحتمل أن الإعطاء دفعتان لا دفعة واحدة ويحتمل أنه أعطاه دفعة واحدة، ومعنى هذا أن التركيب يفيد أن الإعطاء كان دفعة واحدة. والحق أن التركيب قد يحتمل أكثر من دفعة أيضا غير أن هناك فرقا بين التركيب والعطف بالواو غير ما ذكروا وذلك: ١ - أن قولك (أعطيتك خمسة عشر كتابا) معناه أن مجموع ما أعطيته خمسة عشر كتابًا فقد يكون ذلك بدفعة أو بدفعتين أو بدفعات، فقد يكون أعطاه مرة أربعة، ومرة ثمانية، ومرة ثلاثة فيكون المجموع خمسة عشر، وأما العطف بالواو فهو يحتمل أنه أعطاه إياها دفعة واحدة أو دفعتين فقط، دفعة بخمسة كتب، ودفعة بعشرة كتب، وقد تكون العشرة سابقة للخمسة، أو العكس، ولا يحتمل أنه أعطاه إياها على دفعات، بخلاف التركيب فإنه يفيد المجموع الكلي. ب - إن العطف بالواو يحتمل معنى آخر يختلف عن التركيب، فإن التركيب في قولك (أعطيتك خمسة عشر كتابا) يفيد أن المعطي هو كتب، ليس غير، وأما العطف فيحتمل

стр. 997

أكثر من معنى، وذلك أنك إذا قلت مثلا: (أعطيته خمسة، وعشرة كتب) بتنوين (خمسة) أحتمل أن الخمسة ليست كتبا، وإنما قد تكون أقلاما بخلاف ما إذا قلت: (أعطيته خمسة وعشرة كتب) بلا تنوين فإنها تعني أن المعطي كتب فقط. وتقول: (أعطيته خمسا وعشرة كتب) فيكون معدود الخمس مؤنثا، بخلاف معدود العشرة، ونحوه، أن تقول (أقبل خمس وعشرة رجال) فمعدود الخمس مؤنث، بخلاف معدود العشرة، فقد يكون الخمس نسوة أو نحوهن. ٣ - يكون المعدود بعد ألفاظ العقود مفردا منصوبا، تقول (أقبل عشرون رجلا) و (رأيت ثلاثة وأربعين غلاما). قالوا: " ولا يجوز تركيب النيف مع العشرين وبابه بل يتعين العطف فتقول: خمسة وعشرون، ولا يجوز خمسة عشرين ولعله للالباس في نحو (رأيت خمسة عشرين رجلا) فإنه يحتل خمسة لعشرون رجلا، وقيل غير ذلك (١). ومعنى ذلك أنك إذا ركبت فقلت مثلا (رأيت خمسة عشرين رجلا) أحتمل المعنى أن الخمسة ليست رجالا وإنما قد يكون المعدود شيئا آخر، كأن تكون خمسة كتب تعود لعشرين رجلا ونحو ذلك، فالخمسة ملك للعشرين وليست رجالا. وقد تقول: أولا يفهم هذا من الإعداد المركبة، في نحو قولنا: (خمسة عشر رجلا)؟ والجواب: لا، وذلك لأمور منها أنه لو كانت الخمسة ليست رجالا وإنما هي ملك لهم لقلنا (خمسة عشرة رجال) لأن معدود العشرة جمع مجرور، والمعنى خمسة جمال تعود لعشرة رجال. ثم إن البناء على فتح الجزءين ينفي هذا المعنى، فإنك إذا أردت الإضافة جررت لعشرة بالإضافة فتقول: خمسة عشرة رجال، بجر العشرة. ٤ - يكون المعدود بعد المائة والألف مفردا مجرورا، نحو (مائة عامٍ) و (ألف سنةٍ).

стр. 998

٥ - من الملاحظ أنه في التركيب نستعمل لفظة (أحد) و (إحدى)، فتقول: أحد عشر وإحدى عشرة، ولا نستعمل لفظة (واحد) أو (واحدة)، وكذلك قبل ألفاظ العقود فتقول: أحد وعشرون، وإحدى وعشرون، وقد تقول واحد وعشرون، وواحدة وعشرون على قلة، فما أختلاف لفظة (أحد) عن لفظة (واحد)؟ أحد وواحد: تدل الأبحاث الحديثة على أن لفظة (أحد) أسبق وجودا من (واحد). في اللغات السامية وهي بمعنى الواحد، جاء في (التطور النحوي): " فأحد سامية الأصل وواحد مشتقة منها (١). ويقال للواحد المذكر في العربيات الجنوبية (أحد) وللمؤنث (أحدث) (٢).، وفي اللحيانية أحد للواحد المذكر، و (إحدى) للواحدة (٣).، وفي لغة النبط (حد) بمعنى " أحد وبمعنى الأول والواحد" (٤). فلفظة (أحد) أقدم من (واحد) غير أن العربية خصصت لكل منهما معنى واستعمالا جاء في (التطور النحوي): " والفرق في المعنى بين (أحد) و (واحد) معروف وهو مثال ما قلناه من ان العربية تميل إلى التخصيص، فإستفادت من وجود شكلين للكلمة، فلم تستعملها مترادفين، بل فرقت بينهما وخصصت كل واحد منهما بمعنى ووظيفة، غير ما لصاحبه (٥). إن لفظه (أحد) كما يرى النحاة على ضربين: الأول أن يراد بها عموم العقلاء، فتلزم الأفراد والتذكير، وتقع بعد النفي، والنهي، والاستفهام، والشرط، وفي غير الموجب عمومًا (٦).، تقول (ما في الدار أحد) أي ما

стр. 999

فيها شخص عاقل، قال تعالى: ﴿هل يراكم من أحدٍ﴾ [التوبة: ١٢٧]، وقال: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ [التوبة: ٦]، وقال: ﴿إن تصعدون ولا تلون على أحد﴾ [آل عمران: ١٥٣]، والذي يدل على وقوعها بلفظ واحد في المفرد وغيره قوله تعالى: ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقوله تعالى: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فهذا جمع لأن (بين) لا تقع إلا على اثنين فما زاد (١). وقال تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ [الأحزاب: ٣٢]، فأوقعها على المؤنث. ويرى كثير من النحاة أن همزة (أحد) هذه أصلية وليست بدلا من الواو، ويرى آخرون أنها كصاحبتها الأخرى مبدلة همزة عن الواو (٢).، وهذا الذي يترجح عندي. وقد تقول أن لفظة (واحد) قد تفيد العموم أيضا، في النفي وشبهه، تقول: (ما زارني واحد منهم) و (هل زارك واحد منهم) جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ويستعمل واحد، أيضا لعموم العقلاء في غير الموجب، لكن يؤنث نحو (ما لقيت واحد منهم ولا واحدة منهن (٣). والحق أنهما مختلفان في الدلالة على العموم، وذلك أن لفظة (أحد) تفيد العموم في النفي، سواء اقترنت بها (من) الدالة على الاستغراق أم لم تقترن، فإذا اقترنت أفادت التوكيد، فإنك إذا قلت (لم أر أحدا في الدار)، دل ذلك على أنك لم تر أي شخص، واحدا أو أكثر، فإن قلت (لم أر من أحد) أكدت نفي العموم. أما إذا قلت (لم أر واحدا) فإنه يحتمل أنك لم تر أحدًا، ويحتمل أنك لم تر واحدا فقط بل رأيت اكثر من واحد. والضرب الآخر من ضربي (أحد) أن يراد بها معنى (واحد)، وأجمعوا على ان همزتها منقلبة عن واو وأصلها وحد (٤).

стр. 1000

والحق أنها ليست بمعنى (واحد) في الضرب الثاني أيضا، وذلك من وجوه منها: ١ - أن الواحد اسم وضع لمفتتح العدد (١). وهو ما يقابل الاثنين تقول (جاءني منهم واحد) أي لم يجئني اثنان ولا تقول (جاءني منهم أحد) قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ولا ما من إله إلا إله واحد﴾ [المائدة: ٧٣]، قبل والواحد يدخل في الأحد والأحد لا يدخل فيه، فإذا قلت لا يقاومه واحد جاز أن يقال لكنه يقاومه اثنان بخلاف قولك لا يقاومه أحد (٢). ٢ - أن أحدا إذا أضيفت تكون بمعنى (واحد)، غير أنها تكون بعضا من المضاف إليه فأحد القوم واحد منهم، وهو بعضهم، قال تعالى: ﴿فابعثوا احدكم بورقكم هذه إلى المدينة﴾ [الكهف: ١٩]، أي واحدا منكم، وقال: ﴿قالت إحداهما يأبت استئجره﴾ [القصص: ٢٦]، أي واحد منهما فأنت ترى أن المضاف بعض المضاف إليه. جاء في (لسان العرب): " وتقول: هو أحدهم وهي إحداهن، فإن كانت امرأة مع رجال لم يستقم أن تقول هي إحداهم، ولا أحدهم ولا إحداهن، إلا أن تقول: هي كأحده، أو هي واحدة منهم (٣). أما كلمة واحد إذا أضيفت فلا تؤدي هذا المعنى، فإذا قلت (هو واحدهم) لم يفد أنه أحدهم بل يكون المعنى أنه المتقدم فيهم، جاء في لسان العرب: ورجل واحد متقدم في بأس، أو علم، أو غير ذلك، كأنه لا مثل له (٤). وجاء فيه: والواحد بني على انقطاع النظير وعوز المثل (٥). فأنت ترى أن أحد القوم ليس بمعنى واحد القوم، وإنما بمعنى واحد من القوم،

стр. 1001

وواحد أمه معناه ليس معه غيره، وليس بمعنى أحد أمه، ولا يصح هذا التعبير. ٣ - يأتي الواحد بمعنى المماثلة، وعدم المخالفة والمغايرة، تقول " الجلوس والقعود واحد وأصحابي، وأصحابك واحد (١). قال تعالى: وإلهنا وإلهكم واحد [العنكبوت: ٤٦]، ولا تستعمل كلمة (أحد) كذلك. ٤ - تستعمل (أحد) وصفا في الإثبات بلا إضافة، ولا تبيين بمن، فتختص بالله وحده، لا يشركه فيها غيره، قال تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١]، جاء في (لسان العرب): " قال الأزهري: وأما اسم الله (أحد) فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره، لا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، كما يقال رجل وحد، لأن أحدًا صفة الله التي استخلصها لنفسه، ولا يشركه فيها شيء (٢). وجاء في (تفسير ابن كثير) في قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾: " يعني هو الواحد الأحد الذي لا نظير له، ولا يطلق هذا اللفظ على أحد في الإثبات، إلا على الله ، لأنه الكامل في جميع صفاته وأعماله (٣). وأما (وَحَد) التي هي أصل لأحد، فيوصف بها الإنسان وغيره، تقول رجل وحد، ودرهم وحد، بخلاف كلمة أحد، فلا يقال رجل أحد، ولا درهم أحد، فالأبدال كان لغرض أداء معنى جديد، واستعمال جديد، فالوحد من الوحش المتوحد، ومن الرجال الذي لا يعرف نسبه ولا أصله (٤). فليس (وحد) كأحد، ولا (أحد) كواحد.

стр. 1002

اسم الفاعل من العدد: يصاغ من العدد من لفظ اثنين فصاعدا إلى عشرة اسم فاعل على وزن فاعل، فيقال ثان وثالث ورابع ونحوها، ويستعمل على أحد معنيين: أحدهما: أن يكون المراد به (واحدا) فتستعله مع أصله الذي صيغ منه تقول: هو ثاني اثنين، أي هو أحد اثنين، وثالث ثلاثة أي هو أحد ثلاثة، ورابع أربعة، أي هو أحد أربعة. والمعنى الآخر أن يراد به معنى الجعل والتصيير، فيستعمل مع مادون أصله بمرتبة واحدة فيقال: هو رابعٌ ثلاثةً، أي يجعل الثلاثة أربعة، وسادس خمسة، أي جعل الخمسة ستة، بأن يدخل فيهم. وللمعنى الأخير استعمالان.: أما أن نون اسم الفاعل وننصب ما بعده، فنقول: هو رابع ثلاثة، وسادس خمسة، وهو أما على معنى المضي، أي جعلهم وصيرهم، وإما على معنى الحال، والاستقبال، كما مر في اسم الفاعل. (١). وإذا أردنا أستعمال الواحد والواحدة استعمال اسم الفاعل في التنييف بعد العشرة، أو بعد ألفاظ العقود، فإننا نستعملها بلفظ الحادي، والحادية، على القلب، كما يقول النحاة فنقول الحادي والعشرون، والحادي عشر، ولهذا القلب والتغيير سببه، فإنه إذا نطقنا بلفظ (الواحد) لم يفهم منه الدلالة على اسم الفاعل، وإن كان على وزن فاعل، لأن الواحد اسم بني على لفظ مفتتح العدد، فإنك إذا قلت مثلا (أقبل الواحد والعشرون) ولم يكن وزن آخر لاسم الفاعل - لم يفهم منه أنهم أقبلوا جميعا، أو أقبل واحد منهم، ألا ترى أنك تقول (الواحد والعشرون حضروا) وتقول (الحادي والعشرون حضر)؟

стр. 1003

وكذلك الحادي عشر، والواحد عشرة تقول هذا واحد عشرة رجال، أي واحد من عشرة، أما الحادي عشر فلمعنى آخر معلوم. تمييز العدد: مر بنا أن تمييز العدد من ثلاثة إلى عشرة، جمع مجرور بالإضافة، وبعد الاعداد من أحد عشر إلى تسعة وتسعين، مفرد منصوب، وبعد المائة والألف مفرد مجرور، غير أن هناك أمورًا يجدر بنا التنبيه عليها منها: ١ - أن الإضافة تحتمل التمييز، والإضافة إلى المالك، فقولك (رأيت خمسة الرجال) يحتمل أن الخمسة هم الرجال، ويحتمل أن الخمسة ملك للرجال، كما تقول: هذه ثلاثتك وهذه ثلاثة محمد، وهذا يكون في الاعداد المركبة وألفاظ العقود وغيرها، تقول: (هذه خمسة عشر خالد) أي هي له (وهي عشرو خالد) بحذف النون، وهذه مائة محمد، وألف سعيد، على معنى التملك، جاء في (المقتضب): اعلم أنك إذا أضفت عددا حذفت منه النون والتنوين، أي ذلك كان فيه فتقول: هذه عشروك، وثلاثوك، وأربعوك، ورأيت ثلاثيك وأربعيك، وهذه مائتك وألفك" (١). وجاء في (حاشية الخضري): " العدد مطلقا تجوز إضافته إلى غيره تمييزه، نحو عشروك وثلاثة زيد، وحينئذ يستغني عن التمييز، فلا يذكر أصلا، لأنك لا تقول ثلاثة زيد، إلا لمن عرف جنسها (٢). ٢ - إن المفرد المنصوب، قد يختلف عن الجمع، في أنه قد يراد بالجمع المنصوب الحال أحيانا، تقول (أقبل خمسة عشر راكبا) وتقول: (أقبل خمسة عشر راكبين) فالثانية حال (٣). والأولى تمييز، وتقول (ما أقبل ستة عشر رجلا) و (ما أقبل ستة عشر رجلا) فالأولى تمييز، والثانية تحتمل الحال، أي يمشون على ارجلهم، وتقول (أقبل أربعون

стр. 1004

فارسا) و (أربعون فرسانًا) فالأولى تمييز، والثانية حال، و (رأيت خمسة مشاةٍ، وخمسةً مشاةً) و (مائة ماشٍ، ومائةً مشاةً) فالأولى تمييز مجرور بالإضافة، والثانية حال. ٣ - ثم إن التمييز المفرد قد يختلف عن الجمع، من ناحية أخرى، وذلك أنه قد يراد بالجمع أن كلا من التمييز جمع لا مفرد، تقول: (عندي عشرون سمكة)، و (عندي عشرون سمكا) فمعنى الأولى مفهوم، ومعنى الثانية أن عنده عشرين نوعا من السمك، وقولك (خمسة عشر صفا) يختلف عن قولك (خمسة عشر صفوفا) فإن الثانية تفيد أن كلا من الخمسة عشر هو مجموعة صوف، لا صف واحد. جاء في (حاشية الخضري): " في قوله تعالى: ﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما﴾ [الأعراف: ١٦٠]، : قال بعضهم: إذا كان كل واحد من المعدود جمعا، جاز جمع التمييز فإن المعدود هنا قبائل، وكل قبيلة أسباط لا سبط واحد، فوقع أسباط موقع قبيلة فتدبر (١). وجاء في (شرح ابن يعيش): " فإن قلت (عندي عشرون رجالا) كنت قد أخبرت أن عندك عشرين كل واحد منهم جماعة رجال (٢). وجاء فيه أيضا: وأما قوله تعالى: ﴿ثلاث مائة سنين﴾ [الكهف: ٢٥]، فإن (سنين) نصب على البدل من ثلاثمائة، وليس بتمييز، وكذلك قوله ﴿اثنتي عشرة أسياطا أمما﴾ نصب ﴿أسباطا﴾ على البدل، هذا رأبي أبي إسحاق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا، لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة، لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة، فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجز الفراء أن يكون (سنين) تمييزا" (٣). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وتقول (عشرون ضروبا)، بمعنى اختلاف أنواع آحاده، لأن الأعداد لا يثني تمييزها المنصوب، ولا يجمع" (٤).

стр. 1005

وقال ابن الناظم: " وقد تميز بجمع صادق على الواحد منها، فيقال (عندي عشرون دراهم) على معنى عشرون شيئا كل واحد منها دراهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما﴾ المعنى والله أعلم وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة، كل فرقة منهم أسياطا (١). ٤ - فإن جررت التمييز بمن، أحتملت (من) أن تكون للجنس، وأن تكون للبعض، وذلك نحو (أقبل مائة من الرجال) فهو يحتمل أن المقصود بالرجال هم الجنس، أي أقبل مائة رجل، ويحتمل التبعيض، أي أن ثمة رجالا أكثر من مائة، أقبل منهم مائة، فأل على هذا تكون للعهد. ٥ - أن المفرد المنصوب نص على التمييز، وهو المبين للعدد نحو أربعين سنة، وخمسة عشر رجلا. يتبين من هذا أن قولك: ١ - رأيت خمسة عشر رجلا- نص على التمييز، أي رأيت خمسة عشر شخصا، كل شخص هو رجل. ٢ - رأيت خمسة عشر رجلٍ، معناه أن الخمسة عشر تعود إلى رجل، وهي ملكة وليست كلمة (رجل) هي المعدود. ٣ - رأيت خمسة عشر رجالا - تفيد الحالية، والوصفية أي رأيت خمسة عشر شخصا، يمشون على أرجلهم كما تقول (أقبل خمسة عشر راكبين). وتحتمل أيضا أن كل واحد من الخمسة عشر هو مجموعة رجال لا رجل واحد. ٤ - رأيت خمسة عشر من الرجال - تحتمل الجنسية، بمعنى خمسة عشر رجلا وتحتمل البعضية فتكون (ال) للعهد، أي هناك رجال يزيدون على خمسة عشر، رأي خمسة عشر منهم.

стр. 1006

الممنوع من الصرف في العربية أسماء تمنع من التنوين، تسمى الأسماء الممنوعة من الصرف، والمقصود بالصرف التنوين، نحو أحمد وفاطمة، وقد وضع النحاة لهذه الأسماء ضوابط تبين متى يمنع الإسم من الصرف. سبب المنع من الصرف: ذهب النحاة إلى أن سبب المنع من الصرف هو مشابهة الإسم للفعل، وليس المقصود بالمشابهة بينهما اتفاق الإسم والفعل في المادة اللغوية، نحو قدوم وقادم، وإنما تكون المشابهة، في أوجه مخصوصة، تتبعها النحاة، متى وجد قسم منها في الاسم حرف التنوين، فـ (بغداد) و (إبراهيم) يشبهان الفعل من تلك الأوجه، بخلاف (منطلق) و (انطلاق) مثلا. ومدار الأمر يقوم عندهم على الخفة والثقل، وذلك أن الفعل عندهم أثقل من الاسم، فما شابه الفعل في الثقل حرم التنوين، وما لم يشابهه كان خفيفا متصرفا. ويستدلون على أن الفعل أثقل من الإسم، بكون الإسم أكثر دورانا في الكلام من الفعل، بدليل أن الإسم قد يستغني عن الفعل في الكلام، فنقول (الله ربنا) و (خالد غلامنا) ولا يستغني الفعل عن الإسم، وإذا كثر اللفظ في الكلام، كان ذلك دالا على أي خفته لأن الناس يستحبون الخفيف. ومن الدلالة على ثقل الفعل أيضا، أنه يدخله الحذف والسكون، فقد يحذف أوله، وأوسطه وآخره، نحو يعد، وقم، واشترِ، وتقول لم يذهب واكتب وذلك أن الثقيل قد يتخفف منه بالحذف. ومن الدلالة على ثقل الفعل وخفة الإسم أيضا أن بناء الإسم أكثر من بناء الفعل، فالإسم المجرد، ثلاثي ورباعي وخماسي، نحو قمر، ودرهم وسفرجل، والفعل المجرد ثلاثي ورباعي نحو ذهب ودحرج.

стр. 1007

والاسم المزيد، رباعي، وخماسي وسداسي، وسباعي، نحو إستقبال، والفعل المزيد لا يتعدى السداسي نحو أستقبل. وأوزان الأسماء أكثر من أوزان الأفعال، فقد ذكروا أن أبنية الأسماء تبلغ ألف مثال ومائتي مثال، وعشرة أمثلة (١).، أما الفعل الثلاثي، فله ثلاثة أوزان فعل، فعِل، وفِعل، وفعُل، والرباعي المجرد له وزن واحد، هو فعلل والثلاثي المزيد أوزانه إثنا عشر، والرباعي المزيد له ثلاثة أوزان، والمبني للمجهول معلوم، والمللحقات قليلة، فدل ذلك على أن الإسم أخف من الفعل، ولما كان الاسم أخف من الفعل، احتمل زيادة التنوين عليه، لأن الخفيف يحتمل الزيادة بخلاف الثقيل. جاء في (الكتاب): " واعلم أن بعض الكلام أثقل من بعض، فالأفعال أثقل من الأسماء لأن الأسماء هي الأول، وهي أشد تمكنا، فمن ثم لم يلحقها تنوين، ولحقها الجزم والسكون، وإنما هي من الأسماء، ألا ترى أن الفعل لابد له من الإسم، وإلا لم يكن كلاما، والإسم قد يستغني عن الفعل، تقول: الله إلهنا، وعبد الله أخونا (٢). وقد تقول كيف يكون الفعل أثقل من الاسم، مع أن وزنهما قد يكون واحدا، بل أن لفظهما قد يكون واحدا؟ فإن (ضَرَب) مثلا قد يكون فعلاً. وقد يكون اسمًا بمعنى (العسل) و (حجر) قد يكون فعلا بمعنى (حسن) وقد يكون اسما، وهو معروف، فكيف يكون (ضرب) الفعل أثقل من (ضرب) الإسم ولفظهما واحد، وكذلك (حجر)؟ والجواب: أن ما يقتضيه الفعل في الكلام من متعلقات هو الذي يفضي إلى الثقل، فإنه يصح أن تقول (هذا ضرب) أي (هذا عسل) ويتم الكلام ولا يقتضي (ضرب) ههنا شيئا، ولكن إذا قلت (هذا ضرب) فإن (ضرب) ههنا يقتضي فاعلا قد يكون مستترا.

стр. 1008

وقد يكون ظاهرًا، نحو (هذا ضرب أخوه)، وقد يقتضي مفعولا علاوة على ذلك، نحو (هذا ضرب أخوه عامرا) ولابد من هذا الإقتضاء، هذا علاوة على ما يتضمنه أو يقتضيه من الظروف وغيرها، نحو (هذا ضرب أخوه أمس) في حين لا يقتضي الإسم شيئا من ذلك، فإن الكلام قد يتم بالإسم، ولكن الفعل يقتضي في الأقل لفظا آخر وهو الفاعل، فدل ذلك على أن الفعل أثقل من الإسم في اللفظ، لأنه يقتضي لفظًا آخر علاوة على لفظه. جاء في (شرح ابن يعيش): " ولابد من بيان ثقل الأفعال، فإن مدار هذا الباب على شبه مالا ينصرف الفعل في الثقل، حتى جرى مجراه فيه، ولذلك حذف التنوين مما لا ينصرف لثقله حملا على الفعل، وإنما قلنا أن الأفعال أثقل من الأسماء لوجهين: أحدهما: أن الإسم أكثر من الفعل من حيث أن كل فعل لابد له من فاعل اسم، يكون معه، وقد يستغني الإسم عن الفعل، وإذا ثبت أنه أكثر في الكلام كان أكثر استعمالا، وإذا كثر استعماله خف على الألسنة لكثرة تداوله، ألا ترى أن العجمي إذا تعاطي كلام العرب ثقل على لسانه، لقلة استعماله له وكذلك العربي إذا تعاطى كلام العجم، كان ثقيلا عليه لقلة استعماله له. الوجه الثاني: أن الفعل يقتضي فاعلا ومفعولا، فصار كالمركب منهما إذ لا يستغني عنهما، والإسم لا يقتضي شيئا من ذلك (١). وقد تقول: ألأن الاسم أكثر في الكلام، دل ذلك على خفته، أم لأن الإسم خفيف كثر في الكلام؟ وبتعبير آخر: هل الخفة سبب الكثرة، أم الكثرة سبب الخفة؟ والجوا [: كلاهما، فإن اللفظ إذا كثر في الكلام استخفه الناس ولم يشعروا بثقله، ألا ترى أن هناك جملا وعبارات تصنع لتمرين اللسان، يستثقلها الناطق باديء ذي بدء، حتى إذا أكثر من النطق بها خفت على لسانه، فلا يشعر بما فيها من ثقلها، كما أن الشيء الخفيف يستحبه الناس فيدور على ألسنتهم.

стр. 1009

وعلى أي حال فالنحاة يرون أن الإسم أخف من الفعل، ولذا احتمل التنوين الذي يسمى تنوين التمكين، فهذا التنوين دليل على خفة الإسم كما يقول النحاة، قال سيبويه: " فالتنوين علامة للأمكن عندهم، والأخف عليهم وتركه علامة لما يستثقلون" (١). وجاء في (شرح ابن يعيش): " إن الأفعال إنما يمتنع منها تنوين التمكين، وهو الدال على الخفة (٢). وجاء في (فلما كانت النكرة أخف عليهم الحقوها التنوين، دليلا على الخفة ولذلك لم يلحق الأفعال لثقلها (٣). وذكر ابن الناظم المنصرف فقال، أنه " يدخله التنوين للدلالة على خفته، وزيادة تمكنه (٤) .. فما كان مشابها للفعل في ثقله، حرم التنوين لأن الفعل لا ينون، وحر الجر بالكسرة لأن الفعل لا يجر أصلأ، وقيل بل حرم الجر بالكسرة، " لئلا يتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم، وأنها حذفت واجتزيء بالكسرة، وقيل: لئلا يتوهم أنه مبنى، لأن الكسرة لا تكون إعرابا إلا مع التنوين، أو الألف واللام، أو الإضافة، فلما منع الكسر حمل جره على نصبه فجر بالفتحة. (٥). ولذا قسم النحاة الأسماء المعربة إلى قسمين: قسم ثقيل، وهو غير المنصرف، والآخر منصرف، وهو الذي يحتمل زيادة التنوين (٦).

стр. 1010

وتعليلات النحاة تذكر أن سبب المنع من الصرف، هو وجود علتين فرعيتين في الإسم يشبه الاسم بهما الفعل، أو علة تقوم مقامهما، وذلك أن الفعل - كما يرون - فرع على الإسم من ناحيتين: الأولى أن الفعل مشتق من المصدر الذي هو اسم فالاسم، أصل للفعل فهو إذن اول، أي أقدم من الفعل. والثانية: أن الفعل يحتاج إلى الاسم في الكلام. فما شابه من الأسماء الأفعال في علتين فرعيتين، أو واحدة تقوم مقام علتين، منع من الصرف، وقد ذكر سيبويه هاتين الفرعيتين فقال: " فالأفعال أثقل من الأسماء لأن الأسماء هي الأول .. وإنما هي من الأسماء ألا ترى أن الفعل لا بد له من الإسم، وإلا لم يكن كلاما، والإسم قد يستغني عن الفعل (١). ومعنى قوله أن الأسماء هي الأول، أنها مقدمة في الرتبة على الأفعال، لأنها أصل الأفعال (٢). وجاء في (التصريح): " ثم المعرب أن أشبه الفعل في فرعيتين من تسع، أحداهما من جهة اللفظ، والثانية من جهة المعنى، أو في واحدة تقوم مقامهما، وذلك لأن في الفعل فرعية عن الإسم في اللفظ، وهي اشتقاقه من المصدر، وفرعية في المعنى، وهي إحتياجه إلى الإسم في الإسناد، منع الصرف (٣). وعلل الممنوع من الصرف فرعية، كما يقول النحاة فالتعريف فرع على التنكير لأن التنكير أصل، والجمع فرع على الواحد، لأن الواحد أصل، والتأنيث فرع على التذكير وهكذا.

стр. 1011

جاء في (الكتاب): " واعلم أن النكرة أخف عليهم من المعرفة، وهي أشد تمكنا لأن النكرة أول، ثم يدخل عليها ما تعرف به، فمن ثم أكثر الكلام ينصرف في النكرة. واعلم أن الواحد أشد تمكنا من الجمع، لأن الواحد الأول، ومن ثم لم يصرفوا ما جاء من الجمع على مثال، ليس يكون الواحد نحو مساجد ومفاتيح. وأعلم أن المذكر أخف عليهم من المؤنث، لأن المذكر أول، وهو أشد تمكنا، وإنما يخرج التأنيث من التذكير، ألا ترى أن (الشيء) يقع على كل ما أخبر عنه من قبل أن يعلم، أذكر هو أو أنثى، والشيء مذكر (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): وأما فرعية هذه العلل فإن العدل فرع إبقاء الإسم على حاله، والوصف فرع الموصوف، والتأنيث فرع التذكير، والتعريف فرع التنكير إذ كل ما نعرفه كان مجهولا في الأصل عندنا، والعجمة في كلام العرب فرع العربية، إذ الأصل في كل كلام أن لا يخالطه لسان آخر، فيكون العربية إذن في كل العجم فرعا، والجمع فرع الواحد، والتركيب فرع الإفراد، والإلف والنون فرع الفي التأنيث. . ووزن الفعل في الإسم فرع ووزن الاسم إذا كان خاصا بالفعل، أو أوله زيادة كزيادة الفعل، لأن أصل كل نوع لا يكون فيه الوزن المختص بنوع غيره (٢). كما أن تعليلات النحاة تشير إلى أن ما يكثر في الكلام يكون منصرفا، وما لا يكثر يكون غير منصرف، لأنه أشبه الفعل في هذه الناحية، والأسماء غير المنصرفة بالقياس إلى المنصرفة قليلة. فمدار كل ذلك على الخفة والثقل الذي مداره على الكثرة والقلة، فالمعارف أقل من النكرات، لأن النكرات أصل ثم يدخلها التعريف بأل وغيرها، ثم إن الممنوع من الصرف يتعلق بالعلم، ولا مدخل له مع غيره من المعارف، فإن الضمائر وأسماء

стр. 1012

الإشارة، والأسماء والموصولة، والمعرف بالنداء، وهو النكرة المقصودة مبنية، ومنع الصرف متعلق بالمعربات، وأن المعرف بأل، والمضاف يجران بالكسرة، ولا ينونان أصلا، فلا مدخل لها بالمنع من الصرف، فهو إذن متعلق بالعلم وحده من المعارف، ولا شك أن أسماء الأجناس أكثر بكثير من العلم، يطلق على واحد من أفراد الجنس، فكلمة (نهر) أكثر من (دجلة) أو (النيل) لأن كلمة (دجلة) خاصة بواحد من الأنهار، وكلمة (رجل) أكثر بكثير من كلمة (محمد) أو (إبراهيم)، فإنه يصح أن تطلق كلمة (رجل) على كل واحد من أفراد الجنس، بخلاف كلمة (محمد) فإنها تطلق على واحد من أفراد الجنس، فكل واحد اسمه (محمد) أو غير محمد يصح أن نطلق عليه كلمة (رجل) ولا يصح أن نطلق (محمدا) على كل رجل. وكذلك بقية الأعلام، فثبت بذلك قلة الإعلام بالنسبة إلى النكرات، وعلى هذا تكون المعرفة اثقل من النكرة. والصفات اقل من الجوامد، ذلك أن الصفات تصاغ من الأفعال، أو قل هي مرتبطة بها فإذا أثبتت قلة الأفعال، ثبت بذلك قلة الصفات، فنحو رجل وشجرة أكثر من نحو قائم وكريم، فالصفة أثقل من الأسماء الجامدة، هذا علاوة على أن كل صفة إنما تجري على موصوف، فدل ذلك على قلة الصفات، فإن كان مع هذا الثقل ثقل آخر إزداد ثقلا فالعلم إذا كان معه ما يقلله في الكلام، كالتركيب المزجي، والعدل، ووزن الفعل والعجمة وغيرها، إزداد ثقلا فحرم التنوين، ذلك أن المركب أقل من المفرد، فنحو حضر موت وبعلبك، أقل من نحو خالد، وسالم. والمعدول أقل من غير المعدول، فنحو عمر وزفر قليل في الكلام، وقد جمع النحاة الإعلام المعدولة على وزن (فعل)، فما وجدوها تزيد على أربعة عشر علما، أو خمسة عشر (١).

стр. 1013

والأعجمي أقل من العربي، وما كان على وزن خاص بالفعل أقل من غيره، والمؤنث أثقل من المذكر لأن التذكير هو الأصل، فالمؤنث يؤخذ من المذكر، تقول قائم وقائمة. ثم ألا ترى أن المذكر ليس له علامة تذكير، لأنه أصل بخلاف المؤنث؟ جاء في (الكتاب): " واعلم أن المؤنث أخف عليهم من المؤنث، لأن المذكر أول، وهو أشد تمكنا وإنما يخرج التأنيث من التذكير (١).، وأيضا لأن المذكر أكثر دورانا على الألسنة من المؤنث، فإن العرب تنسب إلى الإباء فتقول فلان بن فلان، وفلانة بنت فلان، ولا تقول فلان بن فلانة، ولا فلانة بنت فلانة، فدل ذلك على كثرة تردد المذكر دون المؤنث، جاء في كتاب (المذكر والمؤنث) لأبي بكر بن الأنباري: " فإن قال: لم صار التأنيث يثقل الإسم؟ ولم صارت الأسماء المؤنثة أثقل من المذكرة قيل له: العلة في هذا أن العرب تكثر استعمال الرجال وترددها في الكتب والأنساب فيقولون: فلان بن فلان ولا يقولون: فلان بن فلانة بنت فلان، لصيانتهم أسماء النساء وقلة إستعمالهم لها، فلما كان ذلك كذلك، كان الذي يكثرون استعماله أخف على ألسنتهم من الذي يقلون استعماله هذا مذهب الفراء (٢). وهكذا بقية شروط العلم التي تمنع من الصرف. وإذا اقترن بالصفة ما يقللها في الكلام، كانت ثقيلة فحرمت التنوين، وذلك نحو أفعل الذي مؤنثه فعلاء، وفعلان الذي مؤنثه فعلى، وسبب ذلك أن الأصل في الصفات أن تؤنث بتاء التأنيث، وهو الكثير فيها، نحو عالم عالمة، وكبير وكبيرة، وصبار وصبارة، فلما خرجت هذه الصفات عن الكثرة والأصل، قلت في الكلام فدل ذلك على ثقلها فحرمت التنوين ولذا ما كان داخلا في الكثرة صرف، فأفعل إذا أنث على (أفعلة) صرف، نحو أرمل وأرملة، و (فعلان)، إذا أنث على (فعلانة) صرف، نحو عريان عريانة، وندمان ندمانة، وذلك لأنه دخل في الشيء العام الكثير.

стр. 1014

ثم إن ما يؤنث بالتاء يكرر مرتين مرة في التذكير، ومرة في التأنيث، ففي نحو قائم وقائمة يكرر لفظ (قائم) في التذكير وفي التأنيث، ولا يختلف لفظ المؤنث عن المذكر إلا بزيادة التاء، وكذلك نحو جميل وجميلة وأرمل وأرملة، وسيفان وسيفانة، فيكون تردده أكثر مما لا يؤنث بالتاء، ألا ترى أن لفظ (عطشان) لا يتردد في التأنيث بل يكون للمؤنث بناء برأسه بناء آخر وهو (عطشى)، بخلاف (سفيان) و (أحمر) لا يتردد في التأنيث بل يكون للمؤنث بناء برأسه وهو (حمراء) بخلاف أرمل؟ فما يؤنث بالتاء يكون تردده أكثر في الكلام، لأنه يتردد في المؤنث وفي المذكر بخلاف مالا يؤنث بالتاء، ولذا كان ما يؤنث بالتاء منصرفا، لأنه كثير أما مالا يؤنث بالتاء فإنه يكون أقل، فيكون قد شابه الفعل من هذه الناحية. جاء في (الكتاب): " هذا باب ما لحقته نون بعد ألف، فلم ينصرف في معرفة ولا نكرة، وذلك نحو عطشان، وسكران، وعجلان، وأشباهها .. وهاتان الزائدتان قد اختص بهما المذكر، ولا تلحقه علامة التأنيث، كما أن (حمراء) لم تؤنث على بناء المذكر، ولمؤنث (سكران) بناء على حدة كما كان لمذكر (حمراء) بناء على حده (١). وجاء في (المقتضب): " أن كل ما فيه الهاء ينصرف فيه النكرة، وما كان فيه الف التأنيث لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. فإن قال قائلأ: ما باله ينصرف في النكرة، وما كانت فيه ألف التأنيث لا ينصرف في معرفة ولا نكرة؟ قيل: أن الفصل بينهما، إن ما كان فيه الهاء فإنما لحقته، وبناؤه، بناء المذكر، نحو قولك (جالس)، كما تقول (جالسة)، و (قائم) ثم تقول (قائمة)، فإنما تخرج إلى التأنيث من التذكير والأصل التذكير.

стр. 1015

وما كانت فيه الألف فإنما هو موضوع للتأنيث، على غير تذكير خرج منه، فامتنع من الصرف في الموضعين لبعده عن الأصل. ألا ترى أن حمراء على غير بناء أحمر، وكذلك عطشى، على غير بناء عطشان (١). وما فيه ألفا التأنيث نحو ذكرى وصحراء، أقل مما فيه التاء نحو مدرسة وكريمة، ولذا كان المختوم بألف التأنيث ممنوعا من الصرف، بخلاف ما فيه تاء التأنيث، فإنه لا يمنع من الصرف إلا أن يكون علما. وصيغتا منتهى الجموع قليلتان كذلك، لا نظير لهما في المفرد، نحو قبائل وطواحين وضابط هاتين الصيغتين أنه كل جمع أوله مفتوح وثالثه ألف بعدها حرفان أو ثلاثة بينها أوسطها ساكن، وسميت هاتان الصيغتان منتهى الجموع، لأنهما تنتهي عندهما جموع التكسير، فإنه إذا جمع الإسم على هاتين الصيغتين أمتنع جمعه مرة اخرى، وذلك أن الإسم يجمع ثم قد يجمع هذا الجمع مرة أخرى، فإن كان على صيغة منتهى الجمع استقر على ذلك، نحو كلب وأكلب، فإن جمعت (أكلبا) قلت (أكالب) فهذا جمع الجمع وهو على صيغة منتهى الجموع فلا يجمع بعد جمع تكسير. جاء في (الأصول): " في هذا الجمع: " وهو الذي ينتهي إليه الجموع، ولا يجوز أن يجمع وإنما منع الصرف لأنه جمع جمع لأجمع بعده، ألا ترى أن أكلبا جمع كلب، فإن جمعت (أكلبا) قلت (أكالب) فهذا قد جمع مرتين .. فإن أدخلت الهاء على هذه الجمع انصرف، وذلك نحو (صياقلة) لأن الهاء قد شبهته بالواحد فصار كمدائني لما نسبت إلى (مدائن) انصرف، وكان قبل التسمية (٢). لا ينصرف (٣). وقالوا أن هذا الجمع لا نظير له في الآحاد (٤). فليس في الآحاد نظير مفاعل ومفاعيل، إلا ما ندر، مثل حضاجر، وسراويل، وقيل هما جمع مما يدل على قلة هذا الوزن.

стр. 1016

وقد تقول أن (أفعُلا) و (أفعالا) لا نظير لهما في الواحد أيضا، وهما منصرفان فليس مثل أكلب، وأنفس، وأقلام، وإجمال في الواحد. وقد رد النحاة على ذلك بما يأتي: الأول جواز وصف المفرد بهذين الجمعين، نحو برمة أعشار، ونطفة أمشاج (١).، قال تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج﴾ [الإنسان: ٢]. والثاني أن هذين الجمعين أعني (أفعالا) و (أفعُلا) قد يجمعان جمعا ثانيا، فهما نظير المفرد في قبولهما الجمع، وذلك نحو أقوال، وأقاويل، وأعراب وأعاريب، وأيد وأياد فهذه الأحرف تخرج إلى مثال مفاعل، ومفاعيل إذا كسر للجمع، وأما مفاعل ومفاعيل فلا يكسر، فيخرج الجمع إلى بناء غير هذا، لأن هذا البناء هو الغاية، فلما ضارعت الواحد صرفت (٢). وقال السيرافي: " فإذا قيل: إذا كانت تمنع الصرف في الجمع الذي لا نظير له في الواحد، فينبغي ألا تصرف (أكلبا)، قيل: لم يرد سيبويه ما ذهب إليه المعترض وإنما أراد على مثال لا يجمع جمعا ثانيا، فإن ما على مثال يتأتي فيه جمع ثان، فهو بمنزلة الواحد (٣). الثالث أنهما يصغران على لفظهما، كالآحاد، نحو أكليب، وانيعام، تصغير أكلب، وأنعام، بخلاف (مفاعل) و (مفاعيل) فإنهما يردان إلى المفرد ثم يصغران، وذلك نحو مساجد فإن تصغيرها مسيجدات، ومصابيح فإن تصغيرها (مصبيحات)، فعومل (أفعل) و (أفعال) كالمفرد.

стр. 1017

الرابع أن كلا من (أفعال) و (أفعُل) له نظير في الآحاد، يوازنه في الهيئة وعدد الحروف فـ (أفعال) نظيره (تفعال) نحو تجوال وتطواف، و (فَعلان) نحو صلصال وثرثار، وأفعُل نظيره تنقل ومكرم (١). فدل ذلك على قلة هذه الجمع فأمتنع من الصرف ألا ترى أنه إذا الحقت به التاء صرف نحو صياقلة وصيارفة، وذلك لأن هذا الوزن له نظير في الاحاد، نحو طواعية وكراهية بخلاف ما ليس فيه التاء؟ فخلاصة ما ذهب إليه النحاة ان الممنوع من الصرف ثقيل بخلاف المنصرف، وليس أثقل متأتيا عن كثرة في حروف الاسم، ولا عن ثقل في النطق، فقد يكون الإسم قليل الحروف، وهو ممنوع من الصرف، وقد يكون على أطول الأبنية فينصرف، ألا ترى أنك تصرف نحو مستعصم واستبسال علمين ولا تصرف سقر؟ بل ربما كانت الزيادة في الحروف سببا من أسباب الصرف، فأنت تمنع (صيارف) فإن زدت عليها التاء فقلت (صيارفة) صرفته، وتمنع (ينبع) علما، فإن زدت عليه حرفا فقلت (ينبوع) صرفته. وقد يكون الاسم ثقيل النطق فتصرفه وقد يكون خفيفا فلا تصرفه، فأنت تصرف (استشزارا)، ولا تصرف (عمر) مع أن عمر أخف كثيرا من (استشزار). وكذلك كونه على بناء معين لا يستدعي المنع من الصرف دائمًا، فأنت تصرف أفعل مرة وتمنعه من الصرف مرة أخرى، وتصرف (فعلان) مرة وتمنعه من الصرف مرة أخرى فأنت تصرف (أرملا) ولا تصرف (أكبر) مع أنهما وصفان على وزن واحد، وتصرف (ندمانا) ولا تصرف (عطشان) وهما وصفان على وزن واحد. بل الكلمة الواحدة تصرفها مرة وتمنعها الصرف مرة أخرى، فأنت تصرف (راجحة) وصفا وتمنعها الصرف علما، وتصرف (صباحا) علما لمذكر وتمنعها الصرف علما

стр. 1018

لانثى فدل على أن المقصود بالثقل هو أوصاف معينة، وشروط خاصة، متى كان قسم منها في الاسم عد ثقيلا بسببه، فحرم التنوين. رأي الأستاذ إبراهيم مصطفى: وقد ذهب الأستاذ إبراهيم مصطفى مذهبا آخر، هو أن التنوين علامة للتنكير فالأسماء التي نون فيها جانب من التنكير والتي تحرم التنوين معارف. إن النحاة قسموا التنوين على أقسام معلومة أشهرها: تنوين التمكين الذي هو دليل الخفة وهو اللاحق للأسماء المعربة المنصرفة مثل تنوين محمد ورجل ورام. تنوين التنكير، وهو اللاحق لقسم من الأسماء المبنية، فرقا بين معرفتها ونكرتها نحو صهٍ وسيبويهٍ. تنوين المقابلة وهو اللاحق لجمع المؤنث السالم نحو مسلمات تنوين العوض وهو اللاحق لكل وبعض وأي وإذ. غير أن الأستاذ إبراهيم مصطفى ذهب إلى أن التنوين علامة على التنكير مطلقا، ولم يفرق بين أنواع التنوين قال: " ومعنى التنوين غير خفي فهو علامة التنكير" (١). ومن هنا كان منطلق الإستاذ في تفسير الأسماء المنصرفة والممنوعة من الصرف، فما لحقه التنوين كان له نصيب من التنكير علما كان أو صفة أو غيرهما. وإليك رأيه في ذلك: العلم: ذهب الأستاذ إبراهيم إلى أن العلم حقه أن لا ينون: " كما ينون غيره من المعارف، ولا يدخله علم التنكير حتى يكون فيه نصب من معنى التنكير (٢). وقال: " إن الأصل في

стр. 1019

العلم إلا ينون إلا أن يدخله شيء من التنكير (١). وقال أيضا: " وتمام هذه الأدلة أن العلم إذا عين تمام التعين وأمتنع أن يكون فيه معنى العموم، لم يجز أن يدخله التنوين وذلك حين يردف بكلمة (ابن) وينسب إلى أبيه مثل: علي بن أبي طالب .. وقد آن أن نقرر القاعدة التي نراها في تنوين العلم، وأن نقررها على غير ما وضع جمهور النحاة، بل على عكس ما وضعوا وهي: الأصل في العلم ألا ينون، ولك في كل علم ألا تنونه، وإنما يجوز أن تلحقه التنوين، إذا كان فيه معنى من التنكير وأردت الإشارة إليه (٢). وفيما قاله الأستاذ نظر: فنحن نرى الاسم معينا تمام التعيين، وليس فيه حظ من التنكير، ثم يكون منصرفا ونرى اسما آخر ليس فيه ذلك التعيين، ويكون ممنوعا من الصرف، فمثلا (محمد) الذي هو رسول الله معين تمام التعيين، ومع ذلك هو منصرف، قال تعالى: ﴿ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقال: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩]، في حين نرى علم الجنس الذي يدل على العموم، قد يكون ممنوعا من الصرف نحو (أسامة) علما على الأسد. ونحن نرى في الآية الواحدة جملة أعلام بعضها منصرف، وبعضها ممنوع من الصرف وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾ [النساء: ١٦٣]، فهل يصح أن يقال إن بعضهم منكر وبعضهم معرف؟ هل يصح أن يقال أن (نوحا) نكرة، لا يراد به واحد معين، و (إبراهيم) و (إسماعيل) معرفتان؟

стр. 1020

وقال تعالى: ﴿وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم﴾ [العنكبوت: ٣٨]، فهل (ثمود) معرفة بخلاف (عاد). ومن أسماء الصدر الأول على سبيل المثال، محمد، وعمر، وعثمان، وعلي، فمحمد وعلى منصرفان، وعمر وعثمان ممنوعان من الصرف، فهل معنى ذلك أن محمدا وعليا نكرتان بخلاف عمر وعثمان، وهل يمكن أن يقال أن محمدا أو عليا غير معين بخلاف عمر وعثمان. ثم أنه ورد من أسماء الرسول ﷺ في القرآن الكريم محمد، وأحمد فـ (محمد) منصرف و (أحمد) ممنوع من الصرف، كما هو معلوم قال تعالى: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ [الصف: ٦]، فهل محمد نكرة، وأحمد معرفة، وهما علمان لشخص واحد ومحمد أشهر من أحمد؟ ثم لننظر في أسماء البقاع، نلاحظ خلاف ما قرره قال تعالى: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ [آل عمران: ١٢٣]، بتنوين بدر، وقال: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ [التوبة: ٢٥]، فهل مكان بدر نكرة لا يراد به التعيين؟ وقل مثل ذلك عن (حنين). جاء في كتاب (النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة): إن معاني الإعلام المصروفة مثل معاني الإعلام غير المصروفة فالإعلام المنونة في القرآن كنوح ولوط مثلا ليس المراد منها نوحا من نوحين، ولوطا من لوطين، وإنما المراد منها الذات المعينة كبقية أعلام الأنبياء التي لم تنون ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦].
следующие страницы →