هـ - إذا دخلت عليه أداة شرط (١). نحو: ﴿إن يشأ يرحمكم﴾ [الإسراء: ٥٤]، (إن تزرني أكرمك) إلا (لو) الشرطية (٢). فإنها موضوعة للشرط في الماضي نحو (لو زارني لأكرمته). وهذا هو الغالب. ون غير الغالب قوله تعالى: ﴿لو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقوله: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجا﴾ [الواقعة: ٧٠]، فهذا يحتمل المضي والاستقبال.
و- بعد (لو) المصدرية، نحو قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن﴾ [القلم: ٩] (٣). وذهب بعضهم إلى أنه لا يختص المضارع بالاستقبال، بدليل قوله تعالى: ﴿يود أحدكم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦] (٤).
ز - بعد (هل): وهي تخصص المضارع بالاستقبال غالبا: نحو (هل تسافر) بخلاف الهمزة نحو (أتظنه قائمًا) (٥). ومن غير الغالب قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩]، وقوله: ﴿قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩].
ح - إذا اقتضي طلبا كالأمر والنهي والدعاء والتحضيض والتمنى والترجي (٦). نحو: ﴿لينفق ذو سعة من سعته﴾ [الطلاق: ٧]، و (لاتخبره) و (ليتني أجده) و ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ [غافر: ٣٦]، و ﴿لولا تستغفرون الله﴾ [النمل: ٤٦]، و ﴿يغفر الله لكم﴾ [يوسف: ٩٢]، و ﴿الوالدت يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي ليرضعن.
стр. 1052
ط - إذا اقتضى وعدا أو وعيدًا، نحو: ﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء﴾ [المائدة: ٤٠]، وكقولك واعدًا (أكرمك وأحسن إليك) (١). و (أفعل ذلك).
ي - إذا أسند إلى متوقع (٢).، نحو (يحاسب الله عباده)، و ﴿أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون﴾ [الزمر: ٤٦]، و (تقوم القيامة). وغير ذلك من الصوارف إلى الاستقبال.
٤ - الدلالة على حدث مستقبل بالنسبة إلى حدث مستقبل قبله وذلك نحو قولك (سأذهب إليه وقد امتلأ المجلس بالحضور، وأرد عليه) فالذهاب يكون بعد إمتلاء المجلس، وكلاهما مستقبل.
٥ - دلالته على المضي وذلك في مواضع منها:
أ - إذا اقترن بـ (لم) أو (لما) (٣). نحو: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾ [الأنفال: ١٧]، وقوله: ﴿ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤]، وقد أجتمعتا في قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾] يونس: ٣٩ [.
ب - إذا دخلت عليه (لو) الشرطية، نحو: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمه ما ترك عليها من دابة﴾ [النحل: ٦١] وهو الغالب (٤).
ج - إذا دخلت عليه إذ (٥). نحو: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه﴾ [الأحزاب: ٣٧]، أي قلت: وقوله: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ [الأنفال: ٣٠]. أي مكر.
стр. 1053
د - إذا دخلت عليه (قد) التقليلة، نحو (قد أترك القرن مصفرًا أنامله) بخلاف ما إذا لم تكن للتقليل (١).
وقد تأتي لغير المضي نحو (قد يشفي المريض).
هـ - إذا دخلت عليه (ربما): يقول النحاة لأنها مختصة بالدخول على الفعل الماضي فإذا دخلت على المضارع صرفت معناه إلى المضي، وذلك كقول الشاعر (٢).
ربما تكره النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال
وجعلوا من ذلك قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢] والظاهر أنها ليست مختصة بالمضي، بل قد تدخل على المضارع في المعنى (٣). فقوله ربما تكره النفوس، ليس نصا في المضي، بل هو يحتمل الاستمرار والدلالة على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾ يحتمل الإستقبال والله أعلم.
و- إذا وقع المضارع حالا عامله فعل ماض (٤). نحو (اقبل خالد يضحك) ونحو (فقدم الملك آنذاك يسعى الغلمان بين يديه).
ز - حكاية الحال الماضية، : والمقصود بحكاية الحال الماضية أن تعبر عن الحدث الماضية بما يدل على الحاضر استحضارا لصورته في الذهن، كأنه مشاهد مرئي في وقت الأخبار، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم﴾ [البقرة: ٤٩]، فسوم فرعون بني إسرائيل سوء العذاب وتذبيح الأبناء أحداث ماضية، غير أنه عبر عنها بالفعل الذي يدل على الحال، وهو المضارع فقال (يسومونكم) و (يذبحون) وذلك لقدص احضار مشهد التعذيب أمام العين، فكأنك تشاهد آل فرعون بأيديهم المدى يذبحون الأبناء.
стр. 1054
ومثله قوله تعالى: ﴿قلم فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ [البقرة: ٩١]، فالقتل حصل فيما مضي ألا ترك إلى قوله: ﴿من قبل﴾ ولكنه عبر عنه بالفعل الضارع أستحضارا لهذه الصورة الشنيعة من قتل أنبياء الله، فخلع على المشهد صورة الحياة والحركة بجعله ماثلا أماما عين الرائي.
جاء في المغنى: أنهم يعبرون عن الماضي والآتي كما يعبرون عن الشيء الحاضر قصدا لاحضاره في الذهن حتى كأنه مشاهد حالة الأخبار .. ومثله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا﴾ [فاطر: ٩]، قصد بقوله : ﴿فتثير﴾ [احضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة من إثارة السحاب تبدو أولا قطعا، ثم تتضام متقلبة بين أطوار، حتى تصير ركاما (١).
وجاء في البرهان: قوله: ﴿ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران: ٥٩]، أي (فكان) استحضارا لصورة تكونه. وقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢]، أي ماتلت .. وقوله ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ أي فلم قتلتم (٢).
وجاء في الكشاف في قوله تعالى: ﴿ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]. فإن قلت: هلا قيل: وفريقا قتلتم؟
قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب.
وإن يراد وفريقا تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد ﷺ لولا أني أعصمه منكم (٣).
стр. 1055
ونحو قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]، " فعبر بالماضي ثم قال: ﴿فتصبح الأرض مخضرة﴾ فعدل عنه إلى المضارع إرادة لتصوير اخضرارها في النفس، وعليه قول ابن معد يكرب يصور شجاعته وجرأته:
فإني قد لقيت القرن أسعى ... بسهب كالصحيفة صحصحان
فآخذه فأضربه فيهوي ... صريعا لليدين وللجران (١).
ح - وربما أفاد المضارع المضي في غير ذلك، وذلك نحو قوله:
أن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك ورب قتل عار
فقوله (أن يقتلوك) يفيد المضي، وذلك أن هذاالشعر قيل في رثاء يزيد بن المهلب، ونحوه قوله:
فإن يهلك بني فليس شيء ... على شيء من الدنيا يدوم
فقوله (أن يهلك) يفيد المضي، لأنهم قد هلكوا بدليل قوله:
كأن الليل محبوس دجاه ... فأوله وآخره مقيم
لمهلك فتية تركوا أباهم ... واصغر مابه منهم عظيم
ومن دلالته على المضي في غير الشرط، قول فارعة بنت شداد ترثى أخاها مسعودًا (٢).
يا عين بكي لمسعود بن شداد ... بكاء ذي عبرات شجوه بادي
من لا يذاب له شحم السديف ولا ... يجفو العيال إذا ما ضن بالزاد
ولا يحل إذا ما حل منتبذا ... يخشى الرزية بين الماء والباد
стр. 1056
هو الفتى يحمد الجيران مشهده ... عند الشتاء وقد هموا باخماد
وكل هذه الأفعال تفيد المضي.
ومن دلالته على المضي في غير ما مر، نحو قوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧]، فهم لم يهاجروا، وقوله: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلوب بها﴾ [الحج: ٤٦]، فهم لم يعقلوا بقلوبهم، فزمن (تهاجروا) و (تكون لهم قلوب) وهو الماضي غير أنه لا يصح إبدال الفعل الماضي بهذين الفعلين، لأن المعنى سيتغير ذلك أن المعنى في المضارع ههنا عدم الحصول، والمعنى في الماضي يفيد الحصول، فإنه لو قال (الم تكن أرض الله واسعة فهاجرتم) لكان معنى ذلك أن الهجرة حصلت، وكذلك لو قال (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب) [الحج: ٤٦]، لكان المعنى أنهم ساروا وكانت لهم قلوب يعقلون بها.
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين﴾ [الجاثية: ٣١]، فإنه أثبت لهم الاستكبار، وكذلك قوله تعالى: ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون﴾ [المؤمنون: ١٠٥]، / فقد أثبت لهم التكذيب، ونحوه قوله تعالى: ﴿ألم نربك فينا وليدًا ولبثت فينا من عمرك سنين﴾ [الشعراء: ١٨]، فقد أثبت التربية واللبث فيهم.
لو عطف بالفعل المضارع، لكان أيضا تقريرا معناه الأثبات، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين﴾ [النساء: ١٤١]، فالاستحواذ والمنع كلاهما حاصلان، وقوله ﴿ألم نهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ [الأعراف: ٢٢]، فالنهي والقول حاصلان. وقوله: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾، [الروم: ٩]، فهم ساروا ونظروا عاقبة الذين من قبلهم، ونحوه أن تقول (أل تشمتمني فتضربني) بالعطف فإن الضرب والشتيمة حاصلان، وعلى ذلك يكون معنى قولك (ألم يعنك فتعينه) بالنصب أن الإعانة بعد الفاء لم تحصل، فإن أحدهما أعان والآخر لم يعن، وإن معنى قولك (ألم يعنك فأعنته) أن الإعانة حصلت
стр. 1057
منهما جميعا، وكذلك إذا قلت (ألم يعنك فتعنه) بالعطف وهذه الأزمنة كلها ماضية.
٦ - الاستمرار التجددي: وذلك كقوله تعالى: ﴿والله يقبض ويبصط﴾ [البقرة: ٢٤٥]، وكقوله: ﴿ربي الذي يحي ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقوله: ﴿فإن الله يأتي بالشمس من المشرق﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقوله: ﴿قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع اللك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب﴾ [ال عمران: ٢٦]، فهذه الأحداث تتكرر باستمرار.
٧ - الدلالة على الحقيقة من حيث هي غير مقيدة بزمن، وذلك كقوله تعالى: ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾ [البقرة: ٧٤]، وكقوله ﴿فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشى على أربع﴾ [النور: ٤٥]، وقوله: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وقوله: ﴿الله ولي الذين أمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ونحو قولنا (الإنسان يعجز) و (الحي يهرم) ونحو ذلك.
٨ - الدلالة على أن الفعل حاصل وهو مستمر لم ينقطع، وذلك إذا سبق بفعل دال على الاستمرار نحو (لا يزال) و (لا يبرح) نحو: (لا يزال يكتب) أي هو يكتب وهو مستمر على ذلك ونحو قوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي هم قاتلوكم وسيبقون كذلك (حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) ونحو (هو يبقى يدرس) وقد بينا الفرق في باب الفعل الماضي بين لا يزال ويبقى في الدلالة على الاستمرار فلا داعي لاعادته.
٩ - مقاربة حصول الفعل: وذلك نحو قولهم (يكاد المريب يقول خذوني) وقوله تعالى: ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ [النور: ٣٥]، وقوله: ﴿يكادون يسطون﴾ [الحج: ٧٢]، وقوله: ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم﴾ [القلم: ٥١]، وقول الشاعر:
стр. 1058
يوشك من فر من منيته ... في بعض غراته يوافقها
١٠ - تلبس حصول الفعل بوقت من الأوقات، نحو (يمسى العامل متعبا ويصبح مستريحا).
١١ - الدلالة على الدخلول في زمن معين، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون﴾ [الروم: ١٧ - ١٨]، فمعنى (تصبحون) تدخلون في وقت الصبح ومعنى (تظهرون) تدخلون في وقت الظهر.
١٢ - تقليل حصول الفعل، وذلك إذا سبق الفعل المضارع بما يدل على التقليل وذلك نحو قولك (قد يصدق الكذوب) ونحو (قلما أراه).
استعمالاته:
١ - يستعمل الفعل المضارع للدلالة على معناه، وهو وقوع الحدث في الحال، أو في الاستقبال، وهذا هو الأصل نحو: (ادرس كل يوم) و (أنا أقوم بواجبي).
٢ - قد يخرج إلى الإنشاء وذلك كما في الدعاء، نحو ﴿يغفر الله لكم﴾ [يوسف: ٩٢]، ويرحمك الله
والأمر، نحو ﴿والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨] أي ليتربص: ﴿الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣]، أي ليرضعن، وقد أخرج الأمر مخرج الخبر للدلالة على أنهن يفعلن ذلك امتثالا لأمر الله، وهذا شأنهن، وهو أبلغ من صريح الأمر، ونظير هذا قولنا (تذهب إلى فلان وتخبره كذا وكذا) على معنى أذهب إليه، وهو ألطف من الأمر الصريح، إذ لا يراد أحيانا المواجهة بالأمر بل يخرج مخرج الخبر تلطفا بالسامع أو إكراما له جاء في شرح شذور الذهب: في قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله: ﴿والوالدات يرضعن﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وهذان الفعلان خبريان لفظا، طلبيان معنى، ومثلهما يرحمك الله
стр. 1059
وفائدة العدول بهما عن صيغة الأمر التوكيد، والأشعار بأنهما جديران بأن يتلقيا بالمسارعة فكأنهن امتثلن فهما مخبر عنهما بموجودين (١).
والنهي: نحو قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لاتسفكون دماءكم﴾ [البقرة: ٨٤]، بمعنى لا تسفكوا، ونحو (لا يكره المرء في الدين) بالرفع، ومعناه النهي أي لا تكرهوا، وقد أخرج مخرج الخبر للدلالة على أن هذا هو الوضع الطبيعي، وإن هذا هو الذي يحصل، جاء في الكشاف في قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ [البقرة: ٨٣]، " لا تعبدون أخبار في معنى النهي كما تقول: تذهب إلى فلان تقول له كذا، تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي لأنه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء فهو يخبر عنه (٢).
جاء في البرهان: وقال النووي في شرح مسلم في باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها وقوله ﷺ : لا يخطب الرجل على خطبة أخيه ولا يسوم على سوم أخيه، هكذا هي في جميع النسخ (ولا يسوم) بالواو (ولا يخطب) بالرفع وكلاهما لفظ الخبر والمراد به النهي، وهو أبلغ في النهي، لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، والنهي قد يقع مخالفته، فكأن المعنى: عاملوا هذا النهي معاملة خبر الحتم (٣).
٣ - يستعمل للدلالة على مشارفة وقوع الفعل، كما مر في الماضي نحو قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم﴾ [البقرة: ٢٤٠]، أي والذين يشارفون الموت، وترك الأزواج يوصون وصية (٤).
٤ - إرادة الفعل نحو (متى تقم إلى الصلاة فتوضأ) والمعنى متى أردت القيام إلى الصلاة وإلا كان الوضوء بعد القيام إلى الصلاة، ونحو (متى تقرأ القرآن فاستعذ بالله) أي إذا أردت ذلك.
стр. 1060
حروف النصب
أن
وهي حرف مصدري (١). يدخل على الفعل الماضي، نحو ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين﴾ [الزخرف: ٥]، وعلى الأمر، نحو (ناديته بأن احضر) ويدخل على الفعل المضارع فينتصب بعده ويصرفه إلى الاستقبال (٢). شأن النواصب الأخرى. (٣).
جاء في المقتضب: فمن هذه الحروف - يعني الحروف التي تنصب الأفعال أن وهي والفعل بمنزلة مصدره، إلا أنه مصدر لا يقع في الحال إنما يكون لما لم يقع إن وقعت على مضارع، ولما مضى إن وقعت على ماض (٤).
وجاء فيه أيضا: " ولا تقع مع الفعل حالا، لأنها لما لم يقع في الحال، ولكن لما يستقبل (٥).
تقول: (كتبت إليه أن لا تقل ذاك، وكتبت إليه أن لا يقول ذاك، وكتبت إليه أن لا تقول ذاك، فأما الجزم فعلى الأمر، وأما النصب فعلى قولك لئلا يقول ذاك، وأما الرفع فعلى قولك، لأنك لا تقول ذاك، أو بأنك لا تقول ذاك، تخبره بأن ذا قد وقع من أمره (٦).
стр. 1061
وجاء في معاني القرآن للفراء، في قوله تعالى: ﴿آياتك ألا تكلم الناس﴾ [آل عمران: ٤١]، " إذا أردت الاستقبال المحض نصب (تكلم) وجعلت (لا) على غير معنى (ليس): وإذا أردت: آيتك أنك على هذه الحال ثلاثة أيام رفعت فقلت: أن لا تكلم الناس، ألا ترى أنه يحسن أن تقول: آيتك أنك لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا (١).
وتقع بعد لفظ دال على معنى غير اليقين (٢). نحو أرجو، وأخاف، وأخشى، وأطمع، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾ [الشعراء: ٨٢].
أما الداخلة بعد أفعال اليقين والمنزلة منزلتها، في أن المخففة من الثقيلة نحو (عملت أن لا يقدم) برفع يقدم، ولا يصح نصبه، لأنها بعد فعل دال على اليقين.
جاء في (الكتاب) وذلك قد علمت أن لا يقول ذاك، وقد تيقنت أن لا تفعل ذاك كأنه قال أنه لا يقول وأنك لا تفعل، وليست أن التي تنصب الأفعال تقع في هذا الموضع لأن ذا موضع يقين وإيجاب (٣).
وجاء في (المقتضب): " أما ما كان من العلم فإن (إنْ) لا تكون بعده إلا ثقيلة لأنه شيء قد ثبت واستقر وذلك قولك: (قد علمت أن زيدًا منطلق) فإن خففت، فعلى إرادة التثقل والإضمار، تقول: قد علمت أن سيقوم زيد ترد أنه سيقوم زيد (٤).
وقد تجيء الناصبة بعد العلم، على أن لا يراد به اليقين، وذلك نحو قولك: (ما على إلا أن تخبره) بالنصب، أي لا أرى ألا أن تخبره.
стр. 1062
فإذا قلت (ما أعلم إلا أن تخبره) بالرفع كان المعنى أنا أعلم أنك تخبره، فبالنصب يكون المعنى أنك ترى ضرورة أخباره، وبالرفع يكون المعنى أنك تعلم أنه يخبره أي هو قائم بإخباره فعلا، فبالنصب هو لم يخبره، وبالرفع هو يخبره.
قال سيبويه: " وتقول: ما علمت إلا أن تقوم وما أعلم إلا أن تأتيه إذا لم ترد أن تخبر أنك قد علمت شيئا كائنا البتة، ولكنك تكلمت به على وجه الإشارة كما تقول: أرى من الرأي أن تقوم، فأنت لا تخبر أن قياما ثبت كائنا، أو يكون فيما يستقبل البتة، فكأنه قال: لو قمتم. فلو أراد غير هذا المعنى لقال: ما علمت إلا أن سيقومون (١).
غير أن الذي يبدو لي أنها تصرف زمن الفعل المضارع إلى الاستقبال غالبا، كما سبق أن قلت في موطن سابق، وقد تأتي لغير الاستقبال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: ٨]، فإنهم مؤمنون في الحال، ولا يراد به الاستقبال: ونحو قوله: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، وهو بقولها مستديما لها. ونحو قوله: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله: ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩٢]، وهم لا يجدون في الحال، وقد يجدون في المستقبل، وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
وقد ذهب قسم من النحاة إلى أنها قد تأتي للتعليل، نحو قوله تعالى:
﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]، وقوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥].
جاء في (المقتضب): " والحذف مع (أن) وصلتها مستعمل في الكلام لما ذكرت لك من أنها علة لوقوع الشيء" (٢).
стр. 1063
وجاء في الهمع، في قوله تعالى: ﴿ولما أن جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وقال الأستاذ أبو علي دخلت (يعني أن) منبهة على السبب، وأنا لإساءة كانت لاجل المجيء، لأنها قد تكون السبب في قولك (جئت أن تعطي) أي للاعطاء.
قال أبو حيان وهذا الذي ذهب إليه لا يعرف كبراء النحويين (١). وقد ذكر الزركشي في البرهان من حروف العلة اللام وكي وأن (٢). والجمهور لا يرون أنها تأتي للتعليل بل يتأولون ذلك. وللنحاة فيما ورد منها للتعليل، ثلاث طرائق مشهورة.
الأولى: رأي البصريين وهو تقدير محذوف، نحو كراهة، أو مخافة، أو حذار، وما إلى ذلك مما يستقيم به المعنى، ففي قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]، يقدرون كراهة أن تضلوا وكذلك في نحو قوله: ﴿وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥].
الثانية: رأي الكوفيين وهو أنها تكون بمعنى (لئلا) وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي لئلا تضلوا، وقوله: ﴿وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥]، أي لئلا تميد بكم.
أو يكون ذلك على تقدير لام محذوفة قبل (أن) و (لا) بعدها (٣).
الثالثة: تقدير لام التعليل ن وذلك في نحو: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: ٨]، وقوله: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨] (٤).
стр. 1064
والحق أنها تأتي للتعليل، وذلك لأن ذكرها يؤدي في التعليل معنى لا يؤديه حذفها واستبدال غيرها بها أحيانا، وأنه قد يضعف أحيانا تخرجها على الطرائق المشهورة، وذلك نحو، قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ونحو قولهم: (أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها).
فإنه لا يصح تقدير (كراهة أن تصل أحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)، وذلك لأن (تذكر) معطوف على (أن تضل) فيكون المعنى على هذا كراهة التذكير أيضا، لأن المعنى (كراهة الضلال فالتذكير) ومثل ذلك قولك: (إني أكره أن تأتيني فأردك) أي تكره إتيانه فرده، ومعنى ذلك أنك تكره الاتيان والرد جميعا.
ومثل هذا قولهم (اعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها) فإذا قدرت: مخافة أن يميل الحائط فادعمه بها، كان المعنى مخافة ميلان الحائط والدعم، فالميلان مخوف والدعم مخوف أيضا لأنه معطوف عليه.
والزمخشري قدرها (إرادة أن تضل أحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) فيكون الضلال على هذا مرادا، وقد اعتذر الزمخشري عن ذلك بقوله: (لما كان الضلال سببا للإذكار والاذكار مسببا عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما كانت إرادةا لضلا المسبب عنه الاذكار إرادة للاذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر أحداهما الأخرى أن ضلت، ونظيره قولهم، (أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه)، و (أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه) (١).
وجعل الضلال مرادا لله لا ينفك عن ضعف، ثم أنه لا يؤدي شيء آخر مؤداها في التعليل فإنك إذا أبدلت المصدر الصريح بها على تقدير الزمخشري، رأيت أنه لا يؤدي المعنى المقصود، فلو قلت (لإرادة الضلال فالتذكير) لم يؤد المعنى كما هو ظاهر.
стр. 1065
وكذا إذا قدرت (لئلا) فإن المعنى يكون غير مستقيم أيضا فإذا قلت (لئلا تضل أحداهما فتذكر أحداهما الأخرى)، كان المعنى أن سبب التذكير عدم الضلال، لأن الضلال منفي، وكذا قولهم (أعددت هذه الخشبة لئلا يميل الحائط فأدعمه بها) فإن المعنى يكون على ذلك أن سبب الدعم عدم الميل، أي حتى إذا لم يمل دعمته، وهو عكس المعنى المراد في حين أن المعنى أنك تخشى ميلان الحائط، فأعددت له الخشبة حتى إذا مال دعمته بها.
جاء في (المقتضب): " أعددت هذا أن يميل الحائط فأدعمه، ولم يعدوه طلبا لأن يميل الحائط ولكنه أخبر بعلة الدعم، فاستقصاء المعنى إنما هو: أعددت هذا، لأن أن مال الحائط دعمته (١).
أو يكون العطف بقصد النفي، كالمعطوف عليه، نحو قولك: (لئلا تنهاه وتزجره) أي ولئلا تزجره فيكون المعنى غير مستقيم أيضا، لأن الفعلين منفيان فيكون المعنى في الاية لئلا تضل فلا تذكر، وهو عكس المراد.
وعلى هذا فالتوجيهان باطلان أو ضعيفان.
جاء في (البرهان): " فإن قيل: كيف يستقيم الطريقان في قوله: " أن تضل أحداهما فتذكر أحداهما الأخرى" فإنك إذا قدرت لئلا تضل أحداهما، لم يستقم عطف (فتذكر) عليه. وإن قدرت (حذار أن تضل أحداهما) لم يستقم العطف أيضا لأنه لا يصح أن تكون الضلالة علة لشهادتهما.
قيل: بظهور المعنى يزول الإشكال فإن المقصود اذكار أحداهما الأخرى إذا ضلت ونسيت، فلما كان الضلال سببا للأذكار، جعل موضع العلة.
تقول: (أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها) فإنما أعددتها للدعم لا للميل، وأعددت هذا الدواء أن أمرض فأداوي به ونحوه" (٢).
стр. 1066
والطريقة الثالثة: تقدير لام التعليل، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ [الممتحنة: ١]، و ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، أي لأن تؤمنوا ولأن تؤمنوا ولأن يقول ربي الله.
وهذا التقدير صحيح مع ذكر (أن)، ولكن لا يصح تقدير اللام وحدها من دون ذكر أن، فلا يصح أن تقول (يخرجون الرسول وإياكم لتؤمنوا بالله ربكم) ولا (أتقتلون رجلا ليقول ربي الله) مع أن اللام عندهم على تقدير (أن) (١). فإن قولنا (جئت لاستفيد) تقديره عند النحاة (جئت لأن أستفيد) فمعنى قولنا: (يخرجون الرسول وإياكم لتؤمنوا أن المخاطبين والرسول غير مؤمنين وأنهم يخرجون حتى يؤمنوا فمعناها باللام أنهم غير مؤمنين ومعناها بـ (أن): أنهم مؤمنون.
وكذلك قوله: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، فإنه لا يصح أن تقول للمعنى نفسه (أتقتلون رجلا ليقول ربي الله) مع أن اللام على تقدير أن وأن من الجائز إظهارها كما يقول النحاة.
فإن المعنى بـ (أن): أتقتلونه لأنه يقول ربي الله: أي أن سبب القتل وهو قوله (ربي الله) ومعناها باللام انهم يقتلونه حتى يقولها، فمعناها بأن، أنه يقولها، ومعناها باللام، أنه لا يقولها.
فأنت ترى أن ذكر (أن) يؤدي معنى في التعليل لا يؤديه حذفها وإبدال غيرها بها.
فالذي يترجح أنها للتعليل والله أعلم، وقد سبق شيء من هذا في موطن سابق.
زيادة (لا) بعدها:
تزاد (لا) بعد (أن) توكيدا، قال سيبويه: " وأما لا فتكون كـ ما في التوكيد واللغو، قال الله : ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩]، أي لأن يعلم" (٢).
стр. 1067
ولا تأتي توكيدا إلا في الموطن الذي يؤمن اللبس فيه.
جاء في (الأصول): " ولا تكون توكيدا إلا في الموضع الذي لا يلتبس فيه الإيجاب بالنفي من أجل المعنى" (١).
ومن ورودها زائدة مؤكدة في القرآن الكريم: قوله تعالى: ﴿قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣]، والمعنى ما منعك أن تتبعني؟ لو لم تقدرها زائدة للتوكيد، لكان المعنى: ما منعك من عدم اتباعي؟ أي هو يحاسبه على اتباعه في حين أن المعنى: ما منعك من اتباعي، أي لم لم تتبعني؟ فـ (لا) زائدة للتوكيد، ومثله قوله تعالى: مخاطبا إبليس: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف: ١٢]، والمعنى ما منعك أن تسجد؟ وإلا كان إبليس ساجدًا ويكون محاسبا على سجودهـ، لأنه سيكون المعنى: ما منعك من عدم السجود؟ أي لم سجدت، ؟ في حين أن المعنى هو: ما منعك من السجود أي: لم لم تسجد؟ يدل على ذلك قوله تعالى في سورة (ص): ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لماخلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، من دون (لا).
فزيدت (لا) في الأعراف توكيدا، ولم تزد في (ص) وذلك أن المقام يقتضي أن يكون كل في موضعه، وسياق كل من القصتين يوضح ذلك.
قال تعالى في سورة الأعراف:
﴿ولقد خلقناك ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال فاخبط نها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين قال أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراط المستقيم ثم لأتيناهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا يجد أكثرهم شاكرين قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ويآدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [الأعراف: ١١ - ١٩].
стр. 1068
وقال في سورة ص:
﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين﴾ [ص: ٧١ - ٨٥].
وبالنظر في سياق كل من السورتين يتضح سبب زيادة (لا) في الأعراف، دون سورة (ص) فإن التوكيد في سورة الأعراف بقوله (ولقد خلقناكم) و (لقد) مؤكدان هما اللام و (قد)، وهي أعني (لقد) جواب قسم عند النحاة، والقسم توكيد بخلاف القصة في (ص) فإنها تبدأ بقوله: (وإذ قلنا).
ثم إن المؤكدات في قصة الأعراف أكثر (لقد، وزيادة (لا)، أنك من الصاغرين أنك من المنظرين، لأقعدن لآتينهم لأملأن جهنم منكم أجمعين، وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) فناسب ذلك المجيء بـ (لا) الزائدة المؤكدة.
ثم إن مقام السخط والغضب في قصة الأعراف أكبر، فناسب ذلك الزيادة في التوكيد والغلظة في القول، ويدل على ذلك أمور منها:
أنه طوي إسمه فلم يذكره في الأعراف، فقال (قال ما منعك ألا تسجد) في حين ذكر إسمه في ص، فقال: (قال يا إبليس ما منعك أن تسجد).
ويدل على ذلك صيغة الطرد في الأعراف قال (فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فأخرج أنك من الصاغرين) فقد كرر الطرد مع الصغار، (فاهبط) (فاخرج أنك من الصاغرين) وكرر الطرد مرة أخرى في الآية ١٨ قائلا (قال أخرج منها مذؤوما مدحورا).
стр. 1069
وليس كذلك في سورة ص، فإنه قال (قال فأخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين).
ومما يدل أيضا على ان مقام السخط في قصة الأعراف أكبر، وهو عدم التبسط مع إبليس في الكلام، بخلاف آيات ص، وإن عدم التبسط في الكلام مما يدل على السخط الكبير يدل على ذلك، أنه قال في الأعراف قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [الأعراف: ١٢].
وقال في ص: ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من الغالين﴾ [ص: ٣٨]، / وقال في الأعراف: ﴿قال إنك من المنظرين﴾ [الأعراف: ١٥]، وقال في ص: ﴿قال فإنك من المنظرين، إلى يوم الوقت المعلوم﴾ [ص: ٨٠ - ٨١]، فزاد الفاء وزاد إلى يوم الوقت المعلوم.
وقال في الأعراف: ﴿قال أنظرني إلى يوم يبعثون﴾ [الأعراف: ١٤]، وقال في ص: ﴿قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون﴾ [الأعراف: ٧٩]، فزاد رب والفاء. فإنه لما كان المقام مقام تبسط في الكلام، تبسط هو أيضا بخلاف آية الأعراف، فإنه لما كان مقام سخط كبير، حذف التبسط، وجعل الكلام على أوجز صورة، ولكل مقام مقال.
ثم إن القصة في الأعراف أطول مما هي في ص، فناسب ذلك زياد لا أيضا فيها دون ص.
وهناك جانب فني آخر حسن زيادة لا في الأعراف دون ص، وهو أن سورة الأعراف تبدأ بـ (المص)، وقد أنتبه القدامي إلى أن الحروف المقطعة التي تبدأ بها السور يكثر ترديدها في السورة بصورة أكثر وأوضح من غيرها (١).
стр. 1070
فناسب زيادة (لا) وهي لام وألف مع السورة التي تبدأ بألف ولام، دون التي لم تبدأ بهما والله أعلم.
ثم أن جو السورة في الأعراف، يختلف عنه في ص، مما حسن تأكيد السجود في الأعراف دون ص، فإنه من الواضح لدارس القرآن أن لكل سورة من سوره جوا معينا يسيطر عليها، ولعل الله ييسر لها فرصة البحث في هذا الموضوع.
فإن مشتقات السجود كالمسجد، والساجدين، ونحوها تردتت في سورة (الأعراف) تسع مرات بخلاف سورة ص، فإنها لم تذكر إلا ثلاث مرات.
فقد جاءت مشتقات السجود في الأعراف في المواطن الآتية:
١ - ﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ [الأعراف: ١١].
٢ - ﴿قال ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢].
٣ - ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٢٩].
٤ - ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: ٣١].
٥ - ﴿وألقي السحرة ساجدين﴾ [الأعراف: ١٢٠].
٦ - ﴿وادخلوا الباب سجدا﴾ [الأعراف: ١٦١].
٧ - وختم السورة بقولة: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
في حين لم ترد مشتقات السجود في سورة (ص) إلا في هذا الموطن، وهي قوله:
١ - ﴿فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧٢].
٢ - ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس استكبر﴾ [ص: ٧٣ - ٧٤].
стр. 1071
٣ - ﴿ما منعك أن تسجد﴾ [ص: ٧٥].
فقد ترددت مشتقات السجود في الأعراف في هذه القصة وحدها أربع مرات، وفي سورة (ص) ثلاث مرات. فناسب ذلك أن يؤكد السجود في الأعراف دون (ص) والله أعلم.
إذن
إذن جواب وجزاء (١). يقول الرجل: سأزورك، فتقول: إذن أحسن إليك، فأنت أجبته وجعلت إحسانك إليه جزاء لزيارته، فالإحسان مشروط بالزيادة، فكانت (إذن) هنا جوابا وجزاء.
جاء في (المفصل): " يقول الرجل: أنا آتيك، فتقول: أذن أكرمك، فهذا الكلام، قد أجبته به وصيرت أكرامك جزاء له على إتيانه.
وقال الزجاج: تأويلها أن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك (٢). وقد تتمحض للجواب فلا يكون فيها مجازاة، وذلك نحو أن يقال لك: أنا أحبك، فتقول: إذن أظنك صادقا، فلا مجازاة هنا (٣).
وينتصب بعدها الفعل المضارع بشرط تصديرها واستقباله واتصالها بالفعل (٤).
ومعنى التصدير أن تقع في اول الجملة، نحو قولك لمن قال لك: سأزورك، إذن أكرمك، بالنصب لا غير لأنها وقعت في أول الكلام، وكان الكلام مبنيا عليها.
стр. 1072
فإذا لم يعتمد الكلام عليها، بل كان ما بعدها من تمام من قبلها الغيت، وذلك في ثلاثة مواضع (١).
الأول: أن يكون ما بعدها خبرا لما قبلها، نحو (أنا إذن أكرمك) و (إني إذن أحسن إليك) فهنا يجب رفع الفعل لفوات التصدير، وذلك أن الفعل فيهما معتمد على ما قبلها فهو خبر لهما، ووقعت (إذن) معترضة بين المبتدأ والخبر (٢). كأنك قلت: أنا أكرمك إذن.
الثاني: أن يكون جزاء للشرط الذي قبلها، نحو (إن تأتني إذن أكرمك) فأكرمك مجزوم لأنه جواب الشرط، وهي معترضة بين الشرط والجواب، وليس الكلا معتمدا عليها.
الثالث: أن يكون جوابا للقسم الذي قبلها، نحو (والله إذن لأخرجن) فـ (لأخرجن) جواب القسم وهي معترضة بين القسم والجواب، وقد بني الكلام على القسم، وكذلك قولك (والله إذن لا أخرج) بالرفع فلا يجوز النصب هنا لأنه جواب للقسم بخلاف ما إذا قدمتها فقلت (إذن والله أكرمك) فإن الفعل ينتصب بعدها، وذلك لأن الكلام مبني عليها، وكان اليمين معترضا.
جاء في (كتاب سيبويه): " ومن ذلك أيضا قولك (إن تأتني إذن آتك) لأن الفعل ههنا معتمد على ما قبل (إذن) .. ومن ذلك أيضا (والله إذن لا أفعل) من قبل أن (أفعل) معتمد عى اليمين، و (إذن) لغو وليس الكلام ههنا بمنزلته، إذا كانت (إذن) في أوله لأن اليمين ههنا الغالبة، ألا ترى أنك تقول إذا كانت إذن مبتدأة (إذن والله أفعل) لأن الكلام على إذن، و (والله) لا يعمل شيئا.
ولو قلت: (والله إذن أفعل) تريد أن تخبر أنك فاعل، لم يجز كما لا يجوز (والله أذهب إذن) إذا أخبرت أنك فاعل، فقبح هذا يدلك على أن الكلام معتمد على اليمين (٣).
стр. 1073
وجاء في (المقتضب): "والموضع الذي لا تكون فيه عاملة البتة قولك: (إن تأتني إذن آتك) لأنها داخلة بين معمول ومعمول فيه.
وكذلك إن كانت في القسم، بين المقسم به والمقسم عليه، نحو قولك (والله إذن لا أكرمك، ) لأن الكلام معتمد على القسم، فإن قدمتها كان الكلام معتمدا عليها، فكان القسم لغوا نحو (إذن والله أضربك) لأنك تريد (إذن أضربك والله).
فالذي تلغيه لا يكون مقدما، إنما يكون في أضعاف الكلام، ألا ترى أنك لا تقول (ظننت زيد منطلق) لأنك إذا قدمت الظن، فإنما تبني كلامك على الشك (١).
فهي - كما ترى - نظيرة (ظننت) وأخواتها، فكما أن (ظننت) إذا أعتمد الكلام عليها، أعملت، وإذا لم يبن الكلام عليها ألغيت كذلك (إذن) إذا اعتمد الكلام عليها اعملت، وإذا لم يعتمد الكلام عليها الغيت.
فإذا وقعت في أول الكلام، كان الكلام مبنيا عليها، وإذا توسطت أو تأخرت، كانت معترضة ملغاة. جاء في (المقتضب): " اعلم أن (إذن) في عوامل الأفعال كـ (ظننت) في عوامل الأسماء، لأنها تعمل وتلغى كـ (ظننت) ألا ترى أنك تقول: (ظننت زيدًا قائمًا) و (زيد ظننت قائم) إذا أردت: زيد قائم في ظني، وكذلك (إذن) إذا أعتمد الكلام عليها نصب بها، وإذا كانت بين كلامين أحدهما في الآخر عامل الغيت، ولا يجوز أن تعمل في هذا الموضع، كما تعمل (ظننت) إذا قلت (زيدا ظننت قائمًا) لأن عوامل الأفعال لا يجوز فيها التقديم والتأخير، لأنها لا تتصرف (٢).
فإن كان ما قبلها واوا أو فاء، جاز نصب الفعل بعدها ورفعه باعتبارين مختلفين، وذلك نحو قولك (أنا أزورك وإذن أنفعك) فهنا يجوز في (أنفعك) الرفع والنصب،
стр. 1074
فالرفع على أنه معطوف على (أزورك) الذي هو الخبر وكانت (إذن) معترضة كأنك قلت: أنا أزورك، وأنفعك إذن، أو على أنك تنفعه الآن في المستقبل أي أنك قائم بنفعه، لأنها لا ينتصب الفعل بعدها إلا إذا كان مستقبلا.
والنصب على أنه جملة مستأنفة وليست خبرا، بل هي جملة مصدرة بإذن تنوي، بها نفعة في المستقبل.
جاء في (شرح ابن يعيش): " أن يكون ما قبلها واوا أو فاء فيجوز أعمالها والغاؤها وذلك قولك (زيد يقوم وإذن يذهب) فيجوز ههنا الرفع والنصب باعتبارين، مختلفين، وذلك أنك إن عطفت (وإذن يذهب) على (يقوم) الذي هو الخبر، الغيت (إذن) من العمل وصار بمنزلة الخبر، لأن ما عطف على شيء صار واقعا موقعه، فكأنك قلت (زيد إذن يذهب) فيكون قد اعتمد ما بعدها على ما قبلها لأنه خبر المبتدأ، وإن عطفته على الجملة الأولى كانت الواو كالمستأنفة، وصار في حكم ابتداء كلام، فأعمل لذلك ونصب به (١).
ونحوه قولك: (إن تأتني آتك وإذن أكرمك) فإن شئت رفعت (أكرمك)، وإن شئت نصبته وإن شئت جزمته وذلك بحسب المعنى والقصد فالجزم على أنه معطوف على الجواب فهو جواب مثله، والمعنى أن تأتني آتك وأكرمك، إذن فالاتيان والإكرام مشروطن باتيانه هو، وإن نصبت فليس على أنه عطف على الجواب، بل على أنه جملة مستقلة، والعنى أنه سيكرمه في المستقبل، وليس ذلك متربطا بالجواب، والمعنى أنك أن تأتني آتك، ثم أخبرته بأنك ستكرمه في المستقبل ونحوه أن تقول: (من يعن ذا حاجة يعنه الله وإذن أعينك) فـ (إذن أعينك) لا تصلح جوابا للشرط، إذ لا يصح أن يقال: من يعن ذا حاجة إذن أعينك، فهي مستأنفة، وحكم الفعل بعدها النصب، ونحوه (خالد سيأتي وإذن أصرفك) لأن (أصرفك) لا يصح أن يكون خبرا عن (خالد).
стр. 1075
ونحوه (كلما زرته أحسن وفادتي وإذن أكرمه) فإن جملة (إذن أكرمه) فإن جملة (إذن أكرمه) لا تصلح جوابا لكلما لأن جوابها ماض، والمعنى ليس عليها أيضا.
والرفع على أنها ملغاة والمعنى (أن تأتني آتك وأنا أكرمك إذن) فليس هو من باب العطف على الجواب، بل هو استئناف، ونظيره قوله تعالى: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ [آل عمران: ١١١]، فلم يجزم (ينصرون) لأنه ليس معطوفا على الجواب، بل هو إخبار جديد، ليس مشروطا بالمقاتلة فكأنه قال: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون أو يكون على إرادة الحال، لا إستقبال، والمعنى أنا قائم بإكرامك الآن.
جاء في (الكتاب): " ويقول (إن تأتني آتك وإذن أكرمك) إذا جعلت الكلام على اوله ولم تقطعه وعطفته على الأول، وإن جعلته مستقبلا نصبت، وإن شئت رفعته على قول من ألغي وهذا قول يونس وهو حسن لأنك إذا قطعته من الأول فهو بمنزلة قولك (فإذن أفعل) إذا كانت مجيبا رجلا" (١).
وجاء في (المقتضب): " واعلم أنها إذا وقعت بعد واو او فاء صلح الأعمال فيها والإلغاء لما أذكره لك، وذلك قولك (أن تأتني آتك وإذن أكرمك) إن شئت رفعت، وإن شئت نصبت، وإن شئت جزمت.
أما الجزم فعلى العطف على آتك والغاء (إذن) والنصب على إعمال (إذن) والرفع على قولك (وأنا أكرمك) ثم أدخلت (إذن) بين الابتداء والفعل فلم تعمل شيئا (٢).
ومعنى استقباله أن الفعل المضارع لا ينتصب بعدها إلا إذا كان مستقبلا، شأن بقية النواصب، فإن كان للحال لم ينتصب، وذلك نحو (إذن أكتب) إذا كانت الكتابة في الحال و (إذن أظنك صادقا).
جاء في (كتاب سيبويه): " وتقول إذا حدثت بالحديث (إذن أظنه فاعلا) و (إذن أخالك كاذبا) وذلك لأنك تخبر أنك تلك الساعة في حال ظن وخيلة، فخرجت من باب
стр. 1076
(أن) و (كي) لأن الفعل بعدهما غير واقع وليس في حال حديثك فعل ثابت .. ولوقلت (إذن أظنك) تريد أن تخبره أن ظنك سيقع لنصبت، وكذلك (إذن يضربك) إذا أخبرت أنه في حال ضرب لم ينقطع (١).
وجاء في (المقتضب): " وقد يجوز أن تقول (إذن أكرمك) إذا أخبرت أنك في حال إكرام لأنها إذا كانت للحال خرجت من حروف النصب لأن حروف النصب إنما معناهن مالم يقع (٢).
وجاء في (الأصول) لابن السراج: " فإن كان الفعل الذي دخلت عليه (إذن) فعلا حاضرا، لم يجز أن تعمل فيه لأن أخواتها لا يدخلن إلا على المستقبل، وذلك إذا حدثت بحديث فقلت: إذن أظنه فاعلا وإذن أخالك كاذبا، ولك لأنك تخبر عن الحال التي أنت فيها في وقت كلامك، فلا تعمل إذن لأنه موضع لا تعمل فيه أخواتها (٣).
وقال ابن الناظم: " فلو كان المضارع بمعنى الحال، وجب رفعه لأن فعل الحال لا يكون إلا مرفوعا، وذلك قولك لمن قال: أنا أحبك، إذن أصدقك (٤).
والمقصود باتصالها بالفعل إلا يفصل بينهما فاصل، فلو قلت (إذن عبد الله يكرمك) ارتفع الفعل ولم يجز نصبه (٥). وأجيز الفصل بين إذن والفعل المضارع المنصوب بالقسم، نحو (إذن والله أكرمك) والدعاء نحو (إذن رحمك الله أكرمك) والنداء نحو (إذن يازيد أكرمك (٦).) ولا النافية (٧) نحو (إذن لا أذهب) وقريء (وإذن لا يلبثوا خلافك إلا قليلا) (٨).
стр. 1077
كي
ومعناها السببية، قال تعالى: ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾ [القصص: ١٣]، وعند النحاة أنها إذا سبقت باللام، فليست حرف تعليل، بل التعليل مستفاد من اللام، وذلك نحو ﴿لكيلا تأسوا على ما فاتكم﴾ [الحديد: ٢٣]، لأنها لو كانت حرف تعليل لم يدخل عليها حرف تعليل (١).
ويبدو لي أنها تعليلية على كل حال، سواء أفردت أم سبقت باللام، يدل على ذلك أنها لا تستعمل إلا في مقام التعليل، أما قولهم إن حرف التعليل لا يدخل على حرف التعليل فلا أراه سليما، وذلك أن اللفظين اللذين يفيدان معنى واحدا قد يقترنان كما في التوكيد، نحو قوله تعالى، ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [الحجر: ٣٠]، فـ (كلهم) توكيد و (أجمعون) توكيد، ونحو (جاء أخوك بنفسه) فالباء زائدة للتوكيد و (نفسه) توكيد، ونحو (جئت أنا نفسي)، ونحو (لا لا أذهب)، وكما في التشبيه نحو (ليس كمثله شيء) فـ (الكاف) للتشبيه و (مثل) للتشبيه في قول، ونحو قول الشاعر:
فصيروا مثل كعصف مأكول
وكقولنا (هي كمثل البدر)، وهذا مثله.
ويدل على ذلك أيضا أن كلا من (كي) واللام مستعمل في التعليل في اللغات السامية والعربية الجنوبية. فيقابل (كي) في العبرية ki (٢) . والكاف في العربية الجنوبية (٣). وكذلك اللام فهي تدخل على المضارع في اللهجة الثمودية، وفي العربية الجنوبية لتبين العلة. (٤).
стр. 1078
فالراجح أنها للتعليل كـ (اللام).
وعلى آية حال هي لا تستعمل إلا في مقام السببية، سواء قلنا أنها للتعليل أم لان أما الخلاف النحوي في أنها جارة أو ناصبة، فهذا لا يعنينا هنا.
لام التعليل
وهي أوسع استعمالا من (كي) فهي تدخل على الفعل المضارع وغيره، لبيان العلة وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ [القصص: ٢٥]. ونحو (جئت لطلب العلم).
وعند النحاة أنه يفيد التعليل، سواء اتقترن بـ (كي) أم لم يقترن، أما (كي) فلا تكون حرف تعليل إلا إذا لم تقترن باللام - كما أسلفنا -.
وعند جمهور النحاة أن لام التلعيل تكون بعدها (إن) مضمرة، تنصب الفعل، يجوز إظهارها وإضمارها في غير لام الجحود، فإنها مضمرة وجوبًا نحو ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]، وفي غير الفعل المسبوق بـ (لا) فإنها تظهر وجوبًا، نحو: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ [البقرة: ١٥٠] (١).
غير أن الذي يظهر أن التعليل باللام وحدها قد يختلف عنه إذا ذكرت معها (أن) أحيانا، وذلك نحو قولنا (ما قتل إلا لأن يقول ربي الله) و (ما قتل إلا ليقول ربي الله) فالأولى تفيد أنه كان يقولها، وما قتل إلا لأنه كان يقولها، ونحو ذلك قولهه تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾ [الحج: ٤٠]، أي لأنهم يقولونها/ وباللام يفهم أنه قتل ليقولها أي أنه لا يقولها، وهو عكس المعنى الأول.
стр. 1079
ونحو ذلك أن تقول (أتضرب رجلا يعبد الله) و (أتضرب رجلا ليعبد الله) فالأولى تفيد أنه يضربه، لأنه يعبد الله والثاني يضربه حتى يعبده أي أنه لا يعبده، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، أي لأنه يقولها، ولو قال ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، أي لأنه يقولها، ولو قال (أتقتلون رجلا ربي الله) أنعكس المعنى وصار أتقتلون حتى يقولها؟
بل الذي يبدو على وجه التدقيق، أن التعليل بـ (أن) وحدها قد يختلف عن التعليل باللام وحدها، ويختلف عن التعليل بـ (أن) مع اللام في أحيان كثيرة. فقولك:
أتقتله أن يعبد الله؟ يختلف عن قولك: أتقتله ليعبد الله؟ ويختلف عن قولك: أتقتله لأن يعبد الله؟
فالأولى تفيد نصا، أنه يعبد الله وأنه يقتله بسبب عبادته له، نظير قوله تعالى: ﴿أتقتلون رجلا ان يقول ربي الله﴾. وباللام وحدها تفيد نصا أنه لا يعبد الله، وإنما تفيد أنه يقتله حتى يعبد الله.
وباللام مع أن نحو (أتقتله لأن يعبد الله) يحتمل المعنيين:
المعنى الأول أنه يعبده، وأنه يقتله بسبب عبادته له، والآخر أنه لا يعبده، وأنه يقتله لأجل أن يعبده.
فجمع اللام مع (أن) دلالة على جمع المعنيين، فحمل كل من اللام وأن معناه، وهو من التعابير الإحتمالية الكثيرة في العربية.
وهذا يدل على أنها ثلاثة أساليب مختلفة، وليست أسلوبا واحدًا كما يفهم من قول النحاة.
стр. 1080
التعليل بـ (كي) واللام:
قد يرد سؤال على الذهن يحتاج إلى إنعام نظر وهو: ما الفرق بين اللام، و (كي).؟ وهل التعليل بهما متطابق.
الحقيقة أنه لا يبدو هناك فرق واضح بينهما في التعليل، فهما متقاربان جدًا، غير أن الذي يبدو لي أن الأصل في (كي) أن تستعمل لبيان الغرض الحقيقي، واللام تستعمل له ولغيره، فاللام أوسع أستعمالا من (كي) وهذا ما نراه في الاستعمال القرآني، فقد وردت (كي) في القرآن في عشرة مواطن هي:
١ - ﴿فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم﴾ [آل عمران: ١٥٣].
٢ - ﴿وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا﴾ [طه: ٣٢ - ٣٤].
٣ - ﴿فرجعنك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن﴾ [طه: ٤٠].
٤ - ﴿ومنكم من يتوفي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ [الحج: ٥].
٥ - ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق﴾ [القصص: ١٣]
٦ - ﴿فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج﴾ [الأحزاب: ٣٧].
٧ - ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج﴾ [الأحزاب: ٥٠].
٨ - ﴿وما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
стр. 1081
٩ - ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا﴾ [النحل: ٧٠].
١٠ - ﴿وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ [الحشر: ٧].
ووردت اللام في مواطن كثيرة جدًا، وبموازنة الاستعمال القرآني بينهما نرى أن القرآن خص (كي) بالتعليل الحقيقي، وأما اللام فقد استعملها له ولغيره، فمن ذلك مثلا:
١ - أن اللام وردت للتعليل المجازي في القرآن الكريم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ [القصص: ٨]، وهو الذي يسميه النحاة لام العاقبة، فإن هذا تعليل مجازي، وذلك أن آل فرعون لم يتلقطوه لذلك، بل لينفعهم كما قال تعالى على لسان امرأة فرعون: ﴿قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا﴾ [القصص: ٩].
ولكن عاقبة التقاطه أن أصبح لهم عدوا وحزنا، فكأنهم التقطوه لذلك، وهذا كما تقول (علمتك الرماية لترميني وعلمتك الشعر لتهجوني) أي كان ذلك عاقبة أمرك، ولم يرد تعليل مجازي بـ (كي) في القرآن الكريم، فلم يقل مثلا: (التقطه آل فرعون كي يكون لهم عدوًا وحزنا).
٢ - وقريب من ذا قوله تعالى: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فهذا قريب من التعليل المجازي إذ من المحتل أنه لم يكن غرض المفترى إضلال الناس، بدليل قوله تعالى (بغير علم) وبدليل قوله تعالى: ﴿وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم﴾ [الأنعام: ١١٩]، ولكن المفترى على الله يضل الناس يقينا، ولا تشفع له نيته في ذلك، أيا كانت بدليل قوله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]، فهؤلاء، لا يشفع لهم أعتقادهم أنهم يحسنون صنعا.
стр. 1082
فاستعمل التعليل هنا باللام ولم يستعمله بـ (كي)، وذلك أنه لو قال (أفترى على الله كذبا كي يضل الناس) كان المعنى أنه افترى الكذب لهذا الغرض.
ونحو هذا أن تقول (سعى ليفسد في الأرض من دون أن يعلم) لأنه بـ (كي) يكون المعنى إن غرض السعي الذي سعاه هو الإفساد، فكيف يصح أن يقال: من دون أن يعلم؟
ويجوز ذلك في اللام لأنها للغرض عموما.
٣ - وقريب من ذا أيضا قوله تعالى: ﴿وليعلم الله الذين أمنوا﴾ [آل عمران: ١٤٠]. وقوله: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول﴾ [البقرة: ١٤٣]، ولا شك أن الله يعلم ذلك ابتداء، والمقصود هنا العلم الذي يتعلق به الثواب والعقاب، وليس مجرد العلم، فجعل التعليل باللام ولم يجعله - بـ (كي) ولو قال (كي نعلم) لكان المقصود العلم لذاته، ومعنى ذلك أن الأمر مجهول له سبحانه، ولم يأت نحو هذا التعبير بـ (كي) في القرآن الكريم.
٤ - والظاهر من الاستعمال القرآني أن (كي) تستعمل للغرض المؤكد، والمطلوب الأول، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق﴾ [القصص: ١٣]، فقد جعل التعليل الأول بـ (كي) (كي تقر عينها) والثاني باللام (ولتعلم أن وعد الله حق). والأول هو المطلوب الأول، والمقصود الذي تلح عليه الأم بدليل اقتصاره عليه في آية طه، قال تعالى: ﴿فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن﴾ [طه: ٤٠].
فالمطلوب الأول للأم هو رد ابنها إليها في الحال، أما جعله نبيا مرسلا، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ولتعلم أن وعد الله حق﴾ [القصص: ١٣]، فهو غرض بعيد، إذ هي محترفة لرد ابنها الرضيع إليها.
وهذا غرض كل أم سلب منها ابنها، أعني أن يعاد إليها أولا، سواء كانت الأم مؤمنة،
стр. 1083
أم كافرة، بل هو مطلوب للامات من الحيوان، ولذا عللها في الموطنين بـ (كي) ولم يعلله باللام.
ثم أن أم موسى تعلم أن وعد الله حق لا يتخلف، وقد وعدها ربها بأنه سيرده إليها ويجعله من المرسلين، ﴿إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص: ٧].
فقوله تعالى: ﴿ولتعلم أن وعد الله حق﴾ [القصص: ١٣]، معناه الاطمئنان، لا مجرد العلم، ولو قال (كي تعلم أن وعد الله حق) لكان المعنى أنها تجهل أن وعد الله حق وأنه رده إليها لتعلم هذا الأمر.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وكذلكأعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها﴾ [الكهف: ٢١]، وهذا في أصحاب الكهف، وهم يعلمون أن وعد الله حق، ولا شك وكيف لا وهم فارقوا قومهم لإيمانهم بالله تعالى؟ فلو قال (كي يعلموا) لكان المعنى أن هذا هو الغرض الحقيقي وقد كانوا يجهلون ذاك.
وأم قوله (كي تقر عينها ولا تحزن) فهذا غرض حقيقي لا يتحقق إلا برد طفلها إليها، وهذا أشبه بما مر في النقطة السابقة.
٥ - ومن أوجه الخلاف بينهما في الاستعمال أن اللام تستعمل مع كان المنفية وهي التي تسمى لام الجحود، نحو قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقوله: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ [النساء: ١٣٧]، ولا يصح استعمال (كي) هنا. فلا تقول (ما كان الله كي يعذبهم) ولا (لم أكن كي أحضر). ومن الجدير بالذكر أن (كي) غير المقترنة بنفي لم ترد في التعليل، إلا في ثلاثة مواطن هي:
١ - ﴿فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن﴾ [طه: ٤٠].
٢ - ﴿فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾ [القصص: ٣].
٣ - ﴿وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤].
стр. 1084
وهي كما ترى كلها في بني إسرائيل، واحدة في كلام موسى لربه، واثنتان في رجعه إلى أمه.
ومن المعلوم أن (كي) حرف تعليل عبري ki فتخصيص استعماله في القرآن الكريم لهؤلاء القوم تخصيص فني جميل، كأنه إشارة إلى الحديث بلغتهم القدمى. وهذا أمر جدير با لن ظر فيه في دراسة التعبير القرآني، فإنه كثيرا ما يستعل اللفظ الذي أصله غير عربي مع القوم الذين كانوا يستعملونه، كاستعمال المنسأة والسري وغيرهما. يتبين مما مر أن (كي) تستعمل للغرض الحقيقي أما اللام فهي أوسع استعمالا منها، وأن الجمع بينهما يفيد التوكيد والله أعلم.
لن
تدخل على الفعل المضارع، فتخلصه للاستقبال، وتنفيه نفيا مؤكدا " تقول: لا أبرح اليوم مكاني، فإذا وكدت وشددت قلت: لن أبرح اليوم مكاني" (١).
وهي نقيضة (سوف)، فإذا قلت (سوف أفعل) فنفيه (لن أفعل (٢).) فسوف للإثبات و (لن) للنفي ولا يجمع بينهما، فلا يقال (سوف لن أفعل) ولا (سوف لا أفعل) كما هو شائع اليوم.
وذهب بعضهم أن نفيها يفيد التأبيد (٣). قال تعالى: ﴿فلن يخلف الله عهده﴾ [البقرة: ٨٠]، وقال: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج: ٧٣]، وقال: ﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾ [النساء: ٥٢].
والحق أنها لا تفيد وإنما هي للاستقبال، وهذا الاستقبال قد يكون بعيدا متطاولا، وقد يكون قريبا منقطعا، بدليل قوله تعالى: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ [مريم: ٢٦].
стр. 1085
فقد قيدها بيوم واحد وهو ينافي التأبيد (١).، وقوله تعالى: ﴿إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ [آل عمران: ١٢٤]، فهي هنا موقوتة بالمعركة.
لن ولا:
ذهب أكثر النحاة إلى أن (لا) كـ (لن) من حيث تخليصها المضارع للاستقبال، إلا أن (لن) آكد منها:
وخلاصة ما يذكره النحاة فيهما:
١ - أن (لا) تخلص الفعل المضارع للاستقبال، كـ (لن) عند الأكثرين وخالفهم ابن مالك لصحة قولنا (جاء زيد لا يتكلم) فإن جملة (لا يتكلم) حال مع الاتفاق على أن الجملة الحالية لا تصدر بدليل استقبال (٢).
٢ - أن في (لن) توكيدًا لا تفيده (لا)، تقول " لا أبرح اليوم مكاني فإذا وكدت وشددت قلت: لن أبرح اليوم مكاني (٣). وجاء في الكشاف في قوله تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤] " فإن قلت: ما حقيقة (لن) في باب النفي؟
قلت: (لا) و (لن) اختان في نفي المستقبل، إلا أن في لن توكيدا وتشديدا، تقول لصاحبك: لا أقيم غدا، فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدا، كما تفعل في أنا مقيم وإني مقيم (٤).
стр. 1086
وذهب ابن عصفور إلى أن هذا القول دعوى بلا دليل " بل قد يكون النفي بـ (لا) آكد من النفي بـ (لن) لأن المنفي بـ (لا) قد يكون جوابًا للقسم، نحو (والله لا يقوم زيد) والمنفي بـ (لن) لا يكون جوابا له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد منه إذا لم يقسم (١).
٣ - إن النفي بـ (لا) أطول من النفي بـ (لن) أي أن (لن) تنفي المستقبل القريب بخلاف (لا) فإنها تنفي المستقبل المتطاول.
جاء في (البرهان) أن بعضهم ذهب إلى أن النفي بـ (لا) أطول من النفي بـ (لن) لأن آخرها ألف وهو حرف يطول فيه النفس، فناسب طول المدة بخلاف (لن).
ولذلك قال تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]، هو مخصوص بدار الدنيا، وقال ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] (٢). وهو مستغرق لجميع أزمنة الدنيا والآخرة، وعلل بأن الألفاظ تشاكل المعاني ولذلك اختصت (لا) بزيادة مدة.
وهذا ألطف من رأي المعتزلة، ولهذا أشار ابن الزملكاني في (البيان) بقوله: (لا) تنفي ما بعد (ولن) تنفي ما قرب، وبحسب المذهبين أولوا الآيتين في قوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدا﴾ [البقرة: ٩٥]، و ﴿لاتمنونه أبدًا﴾ [الجمعة: ٧].
قلت: والحق أن (لا) و (لن) لمجرد النفي عن الأفعال المستقبلة، والتأبيد وعدمه يؤخذان من دليل خارج (٣).
وجاء في (بدائع الفوائد) أن (لن) تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها، كامتداد معنى النفي في حرف (لا) إذا قلت: لا يقوم زيد أبدًا ..
وتأمل حرف (لا) كيف تجدها لاما بعدها ألف يمتد بها الصوت، مالم يقطعه ضيق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد، معناا (ولن) بعكس ذلك، فتأمله فإنه معنى بديع،
стр. 1087
وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله (ولا يتمنونه أبدًا) بحرف (لا) في الموضع الذي أقترن به حرف الشرط بالفعل، فصار من صيغ العموم، فانسحب على جميع الأزمنة وهو قوله : ﴿إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت﴾ .. وقال في سورة البقرة (ولن يتمنوه) فقصر من سعة النفي، وقرب، لأن قبله (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) لأن (أن) و (كان) هنا ليست من صيغ العموم (١).
قيل: وهذا ايضا باطل، بل أن كلا منهما يستعمل حيث يمتد النفي وحيث لا يمتد فمن الأول في لن: ﴿إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا﴾ [الجاثية: ١٩]: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤]. و (لا) ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨].
ومن الثاني في (لن) [فلن أكلم اليوم إنسيا] [مريم: ٢٦]، وفي (لا) (ألا تكلم الناس ثلاثة أيام) [آل عمران: ٤٢] (٢).
على أنه قيل بالعكس، فقد ذهب جماعة إلى أن (لن) تفيد التأبيد، بخلاف (لا) كما أسلفنا.
٤ - وذهب بعضهم إلى أن العرب تنفي المظنون بـ (لن)، والمشكوك فيه بـ (لا)، أي أنه إذا كان الشيء ممكنا عند المخاطب مظنونا وقوعه، نفي بـ (لن) وإذا كان مشكوكا في وقوعه كان تقول: أيكون أم لا يكون؟ قلت في نفيه:
لا يكون (٣).
هذا أبرز ما قيل في التفريق بينهما.
стр. 1088
ونقول:
أما أن (لا) تأتي للاستقبال فهذا ما لا شك فيه، قال تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجري نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٤٨]، وهذا استقبال.
وقال: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٨٦]. وقال: ﴿ولا تسئلون عما كانوا يعملون﴾ [البقرة: ١٣٤].
وقال: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ [البقرة: ١٧٤]. وقال: ﴿يآيها الذين أمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله يقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ [المائدة: ٥٤].
وهذا كله استقبال:
وأما تخليصها الفعل المضارع للاستقبال، وأنها لا تنفي الحال، فهذا موضع نظر نازع فيه بعضهم مستدلا بصحة قولنا (جاء زيد لا يتكلم) وبصحة قولنا (أتحبه أم لا تحبه) و (أتظن ذلك أم لا تظن) ولا ريب أن ذلك بمعنى الحال، وبقولهم: مالك لا تقبل، وأراك لا تبالي، وبنحو قول الله تعالى ﴿ومالنا لا نؤمن بالله﴾ [المائدة: ٨٤]، و ﴿مالكم لاترجون لله وقارا﴾ [نوح: ١٣]، و ﴿مالي لا أرى الهدهد﴾ [النمل: ٢٠]، و ﴿مالي لا أعبد الذي فطرني﴾ [يس: ٢٢] (١). وهذا كله يفيد الحال.
والحق الذي لا مرية فيه أنها تأتي للحال، كما تأتي للاستقبال، وليست هي من مخلصات الفعل للمستقبل كما يذهب إليه الجمهور، يدل على ذلك الاستعمال الفصيح الكثير في القرآن الكريم وغيره.
قال تعالى: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقرة: ١٧١].
وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]
стр. 1089
وقال: ﴿والله يعلم وأنتم لاتعلمون﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وهذا للحال ولو أبدلت (لن) بها فقلت (والله يعلم وأنتم لن تعلموا) أنقلب المعنى إلى الاستقبال.
وقال: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجال أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا﴾ [البقرة: ٢٧٣].
وقال: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ [النساء: ١١]، وقال: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥]
وهذا كله واضح في الحال، ولو قال مثلا (لن أملك إلا نفسي)، لتخلص الفعل للاستقبال.
وقال: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال: ﴿فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقال: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا اقول لكم إني ملك﴾ [الأنعام: ٥٠]. وقال: ﴿عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. وقال: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال: ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ [الأعراف: ١٩٨]. وقال: ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ [الأنفال: ٤٨]. وقال: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل: ٧٨]، ولو قال (لن تعلموا شيئا) لأفاد ذلك المستقبل وهو لا يصح.
стр. 1090
وقال: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ [المطففين: ٤ - ٥]، أي ألا يظنون الآن؟
وغير ذلك وغيره مما لا يدع مجالا للشك في أنها تأتي للحال.
ويدل على ذلك أيضا قولنا (أنا لا افهم ما تقول) أي الآن، فإذا قلت: (لن افهم) كان كان نفي الفهم في المستقبل، وقولنا (مالك لا تتكلم) قال تعالى: ﴿مالكم لا تنطقون﴾ [الصافات: ٩٢].
وتقول: (أنا لا احب هذا الطعام) و (أنا لا أشتهي الآن أن آكل) مخبرا عن نفسك في الحال، وتقول (أنا لا أظن أنه مسافر) خبرا عن ظنك في الحال وغير ذلك.
وعلى هذا لا يصح قول الجمهور أنها تخلص الفعل للاستقبال، بل هي تأتي للحال والاستقبال. والحق أنها تنفي الفعل المضارع مطلقا بكل أزمانه، الحال والاستقبال، المنقطع وغيره. فالحال نحو (مالي لا أرى الهدهد) [النمل: ٢٠].
والاستقبال نحو: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ [البقرة: ١٧٤].
والمنقطع نحو: ﴿آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ [آل عمران ٤٢].
والمستمر نحو ﴿فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٨١]. ونحو: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠].
وقوله: ﴿ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم﴾ [الجمعة: ٧].