← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وذهب ابن عصفور إلى أن هذا القول دعوى بلا دليل " بل قد يكون النفي بـ (لا) آكد من النفي بـ (لن) لأن المنفي بـ (لا) قد يكون جوابًا للقسم، نحو (والله لا يقوم زيد) والمنفي بـ (لن) لا يكون جوابا له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد منه إذا لم يقسم (١). ٣ - إن النفي بـ (لا) أطول من النفي بـ (لن) أي أن (لن) تنفي المستقبل القريب بخلاف (لا) فإنها تنفي المستقبل المتطاول. جاء في (البرهان) أن بعضهم ذهب إلى أن النفي بـ (لا) أطول من النفي بـ (لن) لأن آخرها ألف وهو حرف يطول فيه النفس، فناسب طول المدة بخلاف (لن). ولذلك قال تعالى: ﴿لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]، هو مخصوص بدار الدنيا، وقال ﴿لا تدركه الأبصار﴾ [الأنعام: ١٠٣] (٢). وهو مستغرق لجميع أزمنة الدنيا والآخرة، وعلل بأن الألفاظ تشاكل المعاني ولذلك اختصت (لا) بزيادة مدة. وهذا ألطف من رأي المعتزلة، ولهذا أشار ابن الزملكاني في (البيان) بقوله: (لا) تنفي ما بعد (ولن) تنفي ما قرب، وبحسب المذهبين أولوا الآيتين في قوله تعالى: ﴿ولن يتمنوه أبدا﴾ [البقرة: ٩٥]، و ﴿لاتمنونه أبدًا﴾ [الجمعة: ٧]. قلت: والحق أن (لا) و (لن) لمجرد النفي عن الأفعال المستقبلة، والتأبيد وعدمه يؤخذان من دليل خارج (٣). وجاء في (بدائع الفوائد) أن (لن) تنفي ما قرب ولا يمتد معنى النفي فيها، كامتداد معنى النفي في حرف (لا) إذا قلت: لا يقوم زيد أبدًا .. وتأمل حرف (لا) كيف تجدها لاما بعدها ألف يمتد بها الصوت، مالم يقطعه ضيق النفس، فآذن امتداد لفظها بامتداد، معناا (ولن) بعكس ذلك، فتأمله فإنه معنى بديع،

стр. 1087

وانظر كيف جاء في أفصح الكلام كلام الله (ولا يتمنونه أبدًا) بحرف (لا) في الموضع الذي أقترن به حرف الشرط بالفعل، فصار من صيغ العموم، فانسحب على جميع الأزمنة وهو قوله : ﴿إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت﴾ .. وقال في سورة البقرة (ولن يتمنوه) فقصر من سعة النفي، وقرب، لأن قبله (قل إن كانت لكم الدار الآخرة) لأن (أن) و (كان) هنا ليست من صيغ العموم (١). قيل: وهذا ايضا باطل، بل أن كلا منهما يستعمل حيث يمتد النفي وحيث لا يمتد فمن الأول في لن: ﴿إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا﴾ [الجاثية: ١٩]: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ [البقرة: ٢٤]. و (لا) ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى﴾ [طه: ١١٨]. ومن الثاني في (لن) [فلن أكلم اليوم إنسيا] [مريم: ٢٦]، وفي (لا) (ألا تكلم الناس ثلاثة أيام) [آل عمران: ٤٢] (٢). على أنه قيل بالعكس، فقد ذهب جماعة إلى أن (لن) تفيد التأبيد، بخلاف (لا) كما أسلفنا. ٤ - وذهب بعضهم إلى أن العرب تنفي المظنون بـ (لن)، والمشكوك فيه بـ (لا)، أي أنه إذا كان الشيء ممكنا عند المخاطب مظنونا وقوعه، نفي بـ (لن) وإذا كان مشكوكا في وقوعه كان تقول: أيكون أم لا يكون؟ قلت في نفيه: لا يكون (٣). هذا أبرز ما قيل في التفريق بينهما.

стр. 1088

ونقول: أما أن (لا) تأتي للاستقبال فهذا ما لا شك فيه، قال تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجري نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٤٨]، وهذا استقبال. وقال: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٨٦]. وقال: ﴿ولا تسئلون عما كانوا يعملون﴾ [البقرة: ١٣٤]. وقال: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ [البقرة: ١٧٤]. وقال: ﴿يآيها الذين أمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله يقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم﴾ [المائدة: ٥٤]. وهذا كله استقبال: وأما تخليصها الفعل المضارع للاستقبال، وأنها لا تنفي الحال، فهذا موضع نظر نازع فيه بعضهم مستدلا بصحة قولنا (جاء زيد لا يتكلم) وبصحة قولنا (أتحبه أم لا تحبه) و (أتظن ذلك أم لا تظن) ولا ريب أن ذلك بمعنى الحال، وبقولهم: مالك لا تقبل، وأراك لا تبالي، وبنحو قول الله تعالى ﴿ومالنا لا نؤمن بالله﴾ [المائدة: ٨٤]، و ﴿مالكم لاترجون لله وقارا﴾ [نوح: ١٣]، و ﴿مالي لا أرى الهدهد﴾ [النمل: ٢٠]، و ﴿مالي لا أعبد الذي فطرني﴾ [يس: ٢٢] (١). وهذا كله يفيد الحال. والحق الذي لا مرية فيه أنها تأتي للحال، كما تأتي للاستقبال، وليست هي من مخلصات الفعل للمستقبل كما يذهب إليه الجمهور، يدل على ذلك الاستعمال الفصيح الكثير في القرآن الكريم وغيره. قال تعالى: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ [البقرة: ١٧١]. وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]

стр. 1089

وقال: ﴿والله يعلم وأنتم لاتعلمون﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وهذا للحال ولو أبدلت (لن) بها فقلت (والله يعلم وأنتم لن تعلموا) أنقلب المعنى إلى الاستقبال. وقال: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجال أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وقال: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾ [النساء: ١١]، وقال: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ [المائدة: ٢٥] وهذا كله واضح في الحال، ولو قال مثلا (لن أملك إلا نفسي)، لتخلص الفعل للاستقبال. وقال: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال: ﴿فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقال: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا اقول لكم إني ملك﴾ [الأنعام: ٥٠]. وقال: ﴿عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا﴾ [الأعراف: ١٤٨]. وقال: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وقال: ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ [الأعراف: ١٩٨]. وقال: ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ [الأنفال: ٤٨]. وقال: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل: ٧٨]، ولو قال (لن تعلموا شيئا) لأفاد ذلك المستقبل وهو لا يصح.

стр. 1090

وقال: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال: ﴿ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم﴾ [المطففين: ٤ - ٥]، أي ألا يظنون الآن؟ وغير ذلك وغيره مما لا يدع مجالا للشك في أنها تأتي للحال. ويدل على ذلك أيضا قولنا (أنا لا افهم ما تقول) أي الآن، فإذا قلت: (لن افهم) كان كان نفي الفهم في المستقبل، وقولنا (مالك لا تتكلم) قال تعالى: ﴿مالكم لا تنطقون﴾ [الصافات: ٩٢]. وتقول: (أنا لا احب هذا الطعام) و (أنا لا أشتهي الآن أن آكل) مخبرا عن نفسك في الحال، وتقول (أنا لا أظن أنه مسافر) خبرا عن ظنك في الحال وغير ذلك. وعلى هذا لا يصح قول الجمهور أنها تخلص الفعل للاستقبال، بل هي تأتي للحال والاستقبال. والحق أنها تنفي الفعل المضارع مطلقا بكل أزمانه، الحال والاستقبال، المنقطع وغيره. فالحال نحو (مالي لا أرى الهدهد) [النمل: ٢٠]. والاستقبال نحو: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾ [البقرة: ١٧٤]. والمنقطع نحو: ﴿آياتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ [آل عمران ٤٢]. والمستمر نحو ﴿فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٨١]. ونحو: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠]. وقوله: ﴿ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم﴾ [الجمعة: ٧].

стр. 1091

وتأتي مع الفعل الدال على الحقيقة نحو ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، ونحو: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢٣٢]، و ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]. وما إلى ذلك. فالخلاصة أن (لا) تنفي كل أزمنة المضارع فهي لا تختص بزمن دون زمن. وأما من حيث دلالة (لن) على التوكيد، فالأمر كذلك، تقول (لا أكلمك) فإن شددت وبالغت قلت (لن أكلمك) قال تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ [مريم: ٢٦]، وقال: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥]، وقال: ﴿قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ [هود: ٨١]. وهذا كله مقام توكيد. أما ما ذهب إليه ابن عصفور من أن النفي بـ (لا) قد يكون آكد من النفي بـ (لا) لأن النفي بـ (لا) قد يكون جوابا للقسم بخلاف المنفي بـ (لن)، فالجواب عنه أن ذلك لا ينفي التوكيد عن لن، فإن عدم وقوع لن جوابا للقسم لا يعني أنها غير مؤكدة، إذ ليس شرطا أن تقع المؤكدات كلها في جواب القسم، فمن المعلوم مثلا أن (أن) المفتوحة الهمزة مؤكدة عند النحاة غير أنها لا تقع جوابا للقسم، فلا تقول (والله أن محمدًا حاضر) بفتح الهمزة وذلك لأن جواب القسم يكون جملة و (أن) المفتوحة الهمزة مؤكدة عند النحاة، غير أنها لا تقع جوابا للقسم، فلا تقول (والله أن محمدًا حاضر) بفتح الهمزة وذلك لأن جواب القسم يكون جملة و (أن) وما بعدها في تأويل مفرد، ولا ينفي ذلك كونها مؤكدة، وكذلك (لن) فإنها لا تقع جوابا للقسم، لسبب وهو أنها جواب لسوف و (سوف) لا تقع جوابا للقسم (١). وكذلك منفيها.

стр. 1092

والسبب الآخر في وقوع (لا) جوابًا للقسم دون (لن) إن (لن) مختصة بالاستقبال و (لا) نفيها عام مطلق لا يختص بزمن دون زمن فتقول مثلا: (هو والله لا يفقه) وتقول (والله لا أحبه) ولا تصلح (لن) هنا، لأن هذا الحال، و (لن) لا تكون للحال فكون (لا) مطلقة لجميع الأزمنة، هو الذي جعلها يتلقي بها القسم دون (لن). ولا يعني هذا أن ننفي عن (لا) التوكيد إذا وقعت جوابا للقسم، فقد تكون مؤكدة إذا وقعت جوابًا للقسم. ولا تقل كيف يكون الحرف مؤكدا في موضع دون موضع؟ فإن هذا له نظائر في كلام العرب وفي كلام النحاة. فإن (لا) إذا وقعت جوابًا للقسم كان لها صدر الكلام وإذا لم تقع جوابا للقسم لم يكن لها الصدارة عنهم، فاختلف حكمها إذا وقعت جوابًا للقسم عنه إذا لم تقع جوابا للقسم. و(إذا) تكون شرطية ظرفية معا، وقد تكون ظرفية غير شرطية، و (ما) تكون مصدرية ظرفية، وقد تكون مصدرية غير ظرفية. والباء قد تكون مؤكدة، وقد تكون غير مؤكدة فكذلك (لا). وتعليل ذلك أن (لا) أقدم حرف نفي في العربية، وكل حروف النفي الأخرى أحدث (منها) (١). وعلى هذا فهي كانت مستعملة في جميع الحالات، فلا عجب أن تستعمل في التوكيد وفي غيره بحسب ما يقتضيه المقام. وأما قولهم: إن النفي بـ (لا) أطول من النفي بـ (لن) فهذا يحتاج إلى إيضاح، فإنهم إذا كانوا يقصدون أن النفي بـ (لا) يكون دوما أطول من النفي بـ (لن) فهذا مردودة، قد يكون النفي بـ (لن) طويلا أيضا، كما في قوله تعالى: ﴿لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج: ٧٣].

стр. 1093

فالحق أن كلا منهما يستعمل حيث يمتد النفي، وحيث لا يمتد، كما قال ابن عصفور. ولكن مما لا شك فيه أن النفي بـ (لا) أوسع من النفي بـ (لن)، كما أوضحنا، فإن (لن) مختصة بالاستقبال، أما (لا) فنفيها عام مطلق ينفي جميع الأزمنة، المستقبل وغيره، بل هي تنفي الفعل الماضي أيضا، نحو قوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١]، ونحو قولنا (لا ذهب ولا رجع) وتستعمل معه في الدعاء، نحو (لا أهلكه الله) و (لا فض الله فاك) وتستعمل مع الأسماء نحو (لا رجل) ولابد من ذلك، وفي نفي النعوت، نحو قوله تعالى: ﴿وظل من يحموم لا بارد ولا كريم﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤]، ونحو قوله: (بقرة لا ذلول) [البقرة: ٧١]. فهي كما ترى أوسع نفيا من (لن)، وسبب ذلك كما ذكرت يعود إلى أنها أقدم حرف نفي في العربية. جاء في (التطور النحوي): " ونرى (لا) مستعملة في كل الحالات إلا الماضي. وإذا راعينا أن (لم) ليست إلا (لا) بزيادة (ما) قلنا أن (لا) مستعملة في الجميع والسبب في ذلك أنها أقدم حروف النفي العربية، فكانت عامة ابتداء، والباقية كلها أحدث وأخص (١). بل لم يرد من أدوات النفي في الكتابات اللحيانية سوى لفظ (لا) (٢). وأدوات النفي التي نعرفها من الكتابات العربية الجنوبية هي (ال) و (لم)، وتدخل (لم) على الفعل المضارع غير أن ذلك نادر، ومعنى (ال) (لا) ويرد بعد الفعل سواء أكان ماضيا أم مضارعا (٣).

стр. 1094

فلا عجب أن تكون (لا) ممتدة النفي بهذا المعنى وبذلك تكون الملاحظة الطريفة في أن النفي بـ (لا) أطول من النفي بـ (لن) لأن آخرها ألف، وهو حرف يطول فيه النفس فناسب طول المدة بخلاف (لن) ملاحظة صحيحة. وأما اختلاف النفي في الآيتين الكريمتين اللتين سبق ذكرهما في ورود إحداهما بـ (لن) والأخرى بـ (لا) فهذا له سبب اقتضاه المقام، والآيتان هما: ١ - ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يمنوه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]. ٢ - ﴿قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولا يتمنونه أبدًا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين﴾ [الجمعة: ٦ - ٧]. فنفي الأول بـ (لن) (ولن يتمنوه) والثانية بـ (لا) و (ولا يتمنونه)، وسبب ذلك أن الكلام في الأولى على الآخرة ﴿قل إن كانت لكم الدار الآخرة﴾ [البقرة: ٩٤]، وهي استقبال فنفي بـ (لن) وهو حرف خاصة بالاستقبال. وإن الكلام في الثانية عام لا يختص بزمن دون زمن ﴿إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس﴾ [الجمعة: ٦]، فهذا امر مطلق فنفي بـ (لا)، وهو الحرف الذي يفيد الإطلاق والعموم، والله أعلم. أما ما ذهب إليه بعضهم من أن العرب تنفي المظنون بـ (لن) والمشكوك فيه بـ (لا) فهذا كلام لا يقوم عليه دليل، فقد قال تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له﴾ [الحج: ٧٣]، ولم يظن أحد أنهم يتمكنون من خلق ذبابة، وكذلك بالنسبة لـ (لا)، فقد قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقال: ﴿ولا يؤده حفظهما﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهذا ليس مشكوكا فيه، وقال ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقال: ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ [آل عمران: ٩]، وقال: ﴿إن الله لا يحب المعتدين﴾ [البقرة: ١٩٠]، وليس في هذا شك. فهذه - كما قلت - دعوى لا يقوم عليها دليل.

стр. 1095

حروف أخرى ينتصب بعدها الفعل وهي (أو) و (حتى) وفاء السببية، وواو المعية، وهذه الأحرف ليست حروف نصب عند الجمهور، بل هي حروف عطف (وحتى) حرف جر، ولذا يقولون أن النصب بـ (أن) مضمرة بعد هذه الأحرف، فقولنا (لا تأكل وتضحك) مثلا فيه الفعل (تضحك) منصوب بـ (ان) مضمرة بعد الواو، والواو عاطفة و (ان) والفعل في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد قبله، أي لا يكن منك أكل وضحك، وكذا قولنا: (أين بيتك فأزورك) يقدرون قبل الفاء مصدرا متوهما يعطفون المصدر عليه، والتقدير لتكن منك دلالة على بيتك فزيارة مني، وكذلك (لزمتك أو تقضيني حقي) أي ليكونن لزوم مني أو قضاء منك لحقي (١). وبهذا التقدير يزول قصد التنصيص على المعية والسببية وتحقيق الوقوع بعد (أو)، فقولنا (لا يكن منك أكل وضحك) ليس فيه تنصيص على المعية، بل يحتمل المعية وغيرها فقد يكون النهي عنهما مجتمعين أو مفترقين، بخلاف قولنا: (لا تأكل وتضحك) فإن فيه تنصيصا على المعية، وكذلك (لا تأكل كثيرا فتتخم) فإن فيه نصًا على السبب بخلاف قولنا: (لا يكن منك أكل كثيرا فتخمة) فإن هذا التعبير يختلف عن التعبير الأول. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر على مصدر متصيد من الفعل قبله، كما قال النحاة، أي ليكن منك قيام وقيام منى (٢). لم يكن فيه نصوصية على معنى الجمع كما لم يكن في تقديرهم في الفاء معنى السببية (٣). وقد ذهب قسم من النحاة إلى أن العامل هي هذه الأحرف، وذهب آخرون إلى أن العامل هو الخلاف أي مخالفة الفعل الثاني للأول، وذلك أنه لا يصح عطفه عليه من

стр. 1096

حيث إنه لم يكن له شريكا في المعنى فانتصب لذلك، وهذا القول أقرب إلى المعنى من القولين ال أو لين كما هو ظاهر. أو الأصل في (أو) أن تكون لأحد الشيئين، أو الأشياء نحو (هو يقرأ أو ينام) أي يفعل أحد هذين الشيئين، وهي حرف عطف يتبع المعطوف بها المعطوف عليه، نحو (لن أذهب إليه أو أخبره) أي لن أفعل أحد هذين الشيئين. وينصبون بعدها الفعل على إرادة معنى آخر غير معنى الأول، من حيث إنه لم يكن له شريكًا في الشك، بل على إرادة انه محقق الوقوع أو راجحه تقول: (سألزمه أو يكتب لي في امري)، فإن معنى هذه العبارة بالعطف، سيكون أحد هذين الأمرين، ومعناها بالنصب، سألزمه حتى يكتب لي في امري أي تبقي ملازمتي له حتى تحصل الكتابة. وهم يقدرون معناها إذا انتصب الفعل بعدها بـ (حتى) و (إلا أن) نحو: (لا لزمتك أو تقضيني حقي) و (لأضربنك أو تسبقني) فالمعنى لا لزمتك إلا أن تقضيني حقي ولأضربتك إلا ان تسبقني (١). ومنه قوله: وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما أي: ألا أن تستقيم، ولا يصح تقدير (حتى) في البيت. ومما يقدر بـ (حتى) قوله: لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى ... فما إنفادت الآمال إلا لصابر أي حتى أدرك المنى (٢).

стр. 1097

ويجوز رفع الفعل بعدها على الاستئناف، نحو (لن أذهب إليه أو أخبره) بالرفع، أي: (أو أنا أخبره)، والمعنى أنك نفيت الذهاب إليه، وأثبت الأخبار، فأضرب عن الأول وذكرت أنك تخبره. جاء في (المفصل): " وقال سيبويه في قول امرئ القيس: فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا ولو رفعت لكان عربيا جائزا على وجهين: على أن تشرك بين الأول والآخر، كأنك قلت إنما نحاول ملكًا إو إنما نموت، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول يعني أو نحن ممن يموت (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " إن معنى (أو) في الأصل أحد الشيئين أو الأشياء نحو (زيد يقوم أو يقعد) أي يعمل أحد الشيئين، ولابد له من أحدهما، فإن قصدت مع إفادة هذا المعنى الذي هو لزوم أحد الأمرين التنصيص على حصول أحدهما عقيب الآخر، وإن الفعل يمتد إلى حصول الثاني، نصبت ما بعد (أو)، فسيبويه يقدره بـ (إلا) وغيره بـ (إلى) والعنيان يرجعان إلى شيء واحد (٢). وقال ابن الناظم: فإن قلت: فلم نصبوا الفعل بعد (أو)، حتى أحتاجوا إلى هذا التأويل؟ قلت: ليفرقوا بين (أو) التي تقتضي مساواة ما قبلها لما بعدها في الشك فيه، وبين (أو) التي تقتضي مخالفة ما قبلها لما بعدها في ذلك، فإنهم كثيرا ما يعطفون الفعل المضاع على مثله بـ (أو) في مقام الشك في الفعلين تارة، وفي مقام الشك في الثاني منهما أخرى ففط، فإذا أرادوا بيان المعنى الأول رفعوا ما بعد (أو)، فقالوا (أفعل كذا

стр. 1098

أو أترك) ليؤذن لرفع بأن ما قبل (أو) مثل ما بعدا في الشك، وإذا أردوا بيان المعنى الثاني نصبوا ما بعد (أو) فقالوا: (لا نتظرنه أو يجيء) و (لأقتلن الكافر أو يسلم) ليؤذن النصب بأن ما قبل (او) ليس مثل ما بعدها، في الشك لكونه محقق الوقوع أو راجحه (١). وجاء في (معاني القرآن) للفراء: " ومن العرب من ينصب ما بعد (أو) ليؤذن نصبه بالإنقطاع عما قبله وقال الشاعر: لتقعدن مقعد القصي ... مني ذي القاذورة المقلي أو تحلفي بربك العلي ... أني أبو ذيالك الصبي فنصب (تحلفي) لأنه أراد إلا أن تحلفي .. وأنت قائل في الكلام (لست لأبي أن لم أقتلك أو تسبقني في الأرض) فتنصب (تسبقني) وتجزمها، كأن الجزم في جواب: لست لأبي أن لم يكن أحد هذين، والنصب على أن آخره منقطع عن أوله، كما قالوا: (لا يسعني شيء ويضيق عنك) فلم يصلح أن ترد (لا) على (ويضيق) فعلم أنها منقطعة من معناها (٢). من هذا يتبين أن ما بعد (أو) له ثلاثة أحوال: ١ - العطف وهو أن يكون ما بعد (أو) مثل ما قبلها في الشك أي هما بمنزلة واحدة، وحكمه الاتباع نحو (لست لأبي إن لم أضربك أو أشتمك أمام الناس)، أي لست لأبي إن لم أفعل أحد هذين، ونحو (لا أضربك أو أشتمك) أي: لا أفعل أحد هذين الشيئين. فالفعلان منفيان. ٢ - مخالفة ما بعدها لما قبالها فلا يشتركان في الشك بل يكون معنى (أو) (إلا أن) أو (حتى) وحكم الفعل بعدها النصب نحو (سأهجرك أو تكلمه في أمري) والمعنى سيستمر هجري لك حتى تكلمه في أمري، فقد جعلت الكلام سببا لعدم الهجر،

стр. 1099

ولو قلت (ستكلمه في أمري أو أهجرك) بالنصب تغير المعنى وصار: ستكلمه في أمري حتى أهجرك، أي: سيستمر تكليمه في أمري إلى وقت الهجر. جاء في (شرح ابن يعيش): " إذا قلت: (ستكلم زيدًا أو يقضي حاجتك) فتنصب (يقضي) على معنى إلا أن يقضي فقد جعلت قضاء حاجتك سببا لكلامه. وإذا عطفت فإنما تخبر بأنه سيقع أحد الأمرين، من غير أن يدخله هذا المعنى. ويوضح ذلك لك أن الفعلين اللذين في العطف نظيران أيهما شيئت قدمته فيصح به المعنى فتقول: سيقضي حاجتك زيد زيد أو تكلمه إذا عطفت، فأيهما قدمت كان كان المعنى واحدا، وإذا نصبت اختلف المعنى فدل على السبب كما بينت لك، ولا يصح على هذا (سيقضي حاجتك زيد أو تكلمه) إلا أن تريد أن تجعل الكلام سببا لابطال قضاء حاجته، فيجوز حيئنذ كأنه يكره كلامه فهو يقضي حاجته أن سكت وأن كلمه لم يقضها" (١). ٣ - استئناف ما بعدها وقطعه من الأول وحكمه الرفع وهو على تقدير مبتدأ محذوف عند النحاة نحو (لا تكلمه أو تخبره بما حصل) برفع (تخبره) ومعنى العبارة أنه ينهاه عن تكليمه ثم استأنف حكما آخر فقال (أو أنت تخبره بما حصل) أي أنك ممن يخبره، ولو عطف لكان منهيا عن التكليم والإخبار. حتى تدخل (حتى) على الفعل المضارع فينتصب بعدها ويرتفع، وهو ينصب بعدها إذا كان مستقبلا، ولا ينتصب إلا إذا كان كذلك (٢).، نحو (أطلع الله حتى يدخلك الجنة) ونحو (أنا سائر حتى أدخل البصرة)، ولها في هذه الحالا ثلاثة معان:

стр. 1100

١ - انتهاء الغاية بمعنى (إلى أن) نحو (سأسير حتى تطلع الشمس) ونحو قوله تعالى: ﴿قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه: ٩١]. ٢ - التعليل، مثل كي نحو (كلمته حتى يأمر لي بشيء) و (أطلع الله حتى يدخلك الجنة) ونحو قوله تعالى: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ [المنافقون: ٧] (١). ٣ - مرادفة (إلا أن) في الاستثناء نحو قوله: ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل وقوله: والله لا يذهب شيخي باطلا ... حتى أبير مالكا وكاهلا (٢). أي: إلا أن تجود إلا أن أبير. ويرتفع الفعل بعدها إذا كان حالا ولا يرتفع إلا إذا كان كذلك (٣). وذلك نحو قولك (سرت حتى أدخل المدينة) إذا قلت ذلك وأنت داخل فيها، وكذا أن كان الدخول قد وقع وقصد به حكاية الحال الماضية، نحو (كنت سرت حتى أدخلها) (٤). وكقولهم (مرض فلان حتى لا يرجونه) أي فهو الآن لا يرجى و (ضرب أمس حتى لا يستطيع اليوم أن يتحرك) ونحو (شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه) أي: فهو الآن يجر بطنه (٥).

стр. 1101

جاء في (شرح الرضي على الكافية): " إذا أردنا أن نبين متى يرفع المضارع بعدها ومتى ينصب؟ قلنا ذاك إلى قصد المتكلم فإن قصد الحكم بحصول مصدر الفعل الذي بعد (حتى) أما في حال الأخبار أو في الزمن المتقدم عليه، على سبيل حكاية الحال الماضية، وجب رفع المضارع، .. وإن قصد المتكلم أن مضمون ما بعد حتى سيحصل بعد زمان الأخبار، وجب النصب (١). وجاء في كتاب (الجمل) للزجاجي: " تقول (سرت حتى أدخل المدينة) بالنصب والرفع فللنصب وجهان: أحدهما: أنك أردت سرت إلى أن أدخل المدينة فجعلت دخولك غاية سيرك، والآخر أن تريد معنى (كي) كأنك قلت: سرت كي أدخلها. وللرفع أيضا وجهان: أحدهما أن يكون السير والدخول قد وقعا معا، كأنك قلت: سرت فدخلت فكل موضع صلح لك أن تقدر الفعل الذي بعد (حتى) بالماضي والفاء جميعا فارفعه. والوجه الثاني، أن يكون السير قد وقع وأنت تقول: أنك الآن تدخل كأنك قلت: سرت حتى أدخلها الآن لا أمنع، ومنه (مرض حتى لا يرجونه) أي: حتى هو الآن لا يرجى. وإذا كان الفعل منفيا غير موجب لم يجز فيما بعد حتى إلا النصب، كقولك: ما سرت حتى ادخل المدينة (٢). فخلاصة المسألة أنه إذا كان الفعل مستقبلا بعد حتى نصبت، وإذا كان حالا رفعت، فقولك (أسير حتى أدخل البصرة) إذا لم يتم الدخول نصبت الفعل فيه، وإذا حصل الدخول رفعت.

стр. 1102

فاء السببية ينتصب الفعل المضارع بعد فاء السببية بشرطين: الأول: أن تكون نصا في السبب. الثاني: أن يتقدمها نف طلب كالأمر، والنهي، والاستفهام، والتمنى، وما إلى ذلك نحو: (ما تأتينا فنكرمك) ونحو (لا تأكل كثيرا فتمرض). ويذكر النحاة للفعل المنصوب بعد فاء السبب في نحو قولهم (ما تأتينا فتحدثنا) معنيين يجمعهما التنصيص على السبب: أحدهما: ما تأتينا فكيف تحدثنا؟ أي: أنك لا تأتينا، ولهذا لا تحدثنا، ولو أتيتنا لحدثتنا. الثاني: أنك تأتينا ولكن لا تحدثنا أي: ما تأتينا إلا لم تحدثنا، والعنى أنه يقع منك اتيان كثير ولا حديث منك (١). وعلى الوجه الأولن جاء قوله تعالى: ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا﴾ [فاطمة: ٣٦]، أي: فيكيف يموتون، ويتنع أن يكون على الوجه الثاني إذ يمتنع أن يقضي عليهم ولا يموتون (٢). ويجز رفع الفعل بعدها على معنيين: العطف أي ما تأتينا فما تحدثنا، ونحو: (لا اذهب إليه فاشتمه) أي: لا اذهب إليه فلا اشتمه. والاستئناف: أي: أنك ما تأتينا، ولكنك تحدثنا، ونحوه: (أعطني فاشكرك) أي: فأنا ممن يشكرك على كل حال، والمعنى: أنك قائم بشكرك، وبالنصب يكون المعنى (أعطني لأشكرك) أي: أنت لاتشكره الآن، وإنما يكون الشكر مسببا عن العطاء.

стр. 1103

والخلاصة أن الفعل بعد الفاء له ثلاثة أحوال: ١ - النصب وذلك إذا قصد التنصيص على السبب نحو قلوه تعالى: ﴿ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾ [النساء: ٧٣]، و ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا﴾ و (لا تضرب خالدا فيهنيك). وفي هذه الحال يكون معنى الفعل مخالفا لما قبلها، فقولنا (لم تزرنا فنكرمك) بالنصب معناه أنك لم تزرنا فكيف نكرمك، والمقصود أنك لو زرتنا لأكرمناك، ولو ابتع لكان الفعلان منفيين، ولكان المعنى أنك لم تزرنا فلم نكرمك، ونحوه (هل يأتيك خالد فيعلمك) بالنصب والمعنى هل يجيئك ليعلمك؟ وقد يراد بالاستفهام النفي / أي: هو لا يأتيك فكيف يعلمك؟ وبالاتباع يكون الاستفهام عن الاتيان والتعليم جميعا أي فهل يعلمك؟ قال سيبويه: " تقول (لاتأتيني فتحدثني) لم ترد أن تدخل الآخر فيما دخل فيه الأول فتقول (لا تأتيني ولا تحدثني) ولكنك لما حولت المعنى عن ذلك تحول إلى الاسم كأنك قلت: ليس يكون منك اتيان فحديث (١). وجاء في (الأصول) لابن السراج: اعلم أن الفاء عاطفة في الفعل، كما يعطف في الاسم .. فإذا قلت (زيد يقوم فيتحدث) فقد عطفت فعلا موجبًا على فعل موجب، وإذا قلت (ما يقوم فيتحدث) فقد عطفت فعلا منفيا على منفي، فمتى جئت بالفاء وخالف ما بعدها ما قبلها لم يجز ان تحمل عليه، فحيئنذ تحمل الأول على معناه، وينصب الثاني بإضمار (أن) وذلك قولك: (ما تأتيني فتكرمني) و (ما أزورك فتحدثني) لم ترد ما أزورك وما تحدثني، ولو أردت ذلك لرفعت ولكنك لما خالفت في المعنى، فصار (ما أزورك فكيف تحدثني) وما أزورك إلا لم تحدثني حمل الثاني على مصدر الأول، وأضمر (أن) كي يعطف اسمًا على اسم (٢).

стр. 1104

٢ - العطف وذلك إذا كان الثاني بمعنى الأول فيتبعه في إعرابه نحو: (لا تأتيني فتحدثني) أي أنت لا تأتيني فلا تحدثني، ونحو (أتأتيني فتحدثني) والمعنى: أنك تستفهم عن الاتيان والحديث (وأريد أن تأتيني فتحدثني) أي تريد الاتيان والتحديث، ونحو (لا تقم فتصرب محمدا)، أي: لاتقم ولا تضرب محمدًا، ولو نصبت لكان المعنى لا تقم لأنك أن قمت ضربته، فإذا أردت هذا المعنى نصب، (١).، ونحو (لم يدرس فينجح) أي: هو لم يدرس فلم ينجح، ولو قلت (لم يدرس فينجح) بالنصب لكان المعنى أنه لم يدرس فكيف ينجح؟ ٣ - الاستئناف وحكم الفعل بعدها الرفع ومعناه يختلف عن المعنيين السابقين إذ هو على تقدير مبتدأ محذوف عندهم وذلك نحو (لا تكرم خالدا فيشتمك) أي فهو يشتمك والمعنى أنه يشتمك على كل حال أي هو قائم بشتمك، فلا تعطه ونحو (أتعطيني فأشكرك) بالرفع أي: أنا قائم بشكرك على كل حال، ولو نصبته لكان المعنى أنك أن أعطيتني شكرتك فتجعل العطاء سببا للشكر، و (أعطني فأشكرك) أي: أنا ممن يشكرك، فالشكر ثابت سواء أعطاك أم لم يعطك، ولو قلتها بالنصب لكان الشكر غير حاصل وإنما يكون بعد العطاء، ويوضح هذا أنك تقول (ما زيد قاسيا فيعطف على عبده) أي فهو لانتفاء القسوة عنه يعطف على عبده (٢). ولو قلت (ما زيد قاسيا فيضرب عبده) بالنصب لكان المعنى: ليس هو قاسيا فكيف يضرب عبده أي هو لا يضربه، ولا يصح الرفع لأن المعنى سيكون ما هو قاسيا فهو يضربه دوما. وتقول: (حسبته شتمني فأثب عليه) إذا لم يقع الوثوب ومعناه: لوشتمني لو ثبت عليه، وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع (٣).

стр. 1105

ومثله (ما تأتينا فتجهل أمرنا) أي: أنك لا تأتينا ولذا تجهل أمرنا والمقصود أنك تجهل أمرنا، ونحو (لم تقرأ فتنسى) والمعنى أنك لم تقرأ فأنت تنسي (١). ومنه قوله: غير أنا لم تأتنا بيقين ... فنرجى ونكثر التأميلا " كأنه قال فنحن نرجى، فهذا في موضع مبني على المبتدأ .. وقال: ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق لم يجعل سببا للآخر ولكنه جعله ينطق على كل حال كأنه قال: فهو مما ينطق كما قال (ائتني فأحدثك) فجعل نفسه ممن يحدثه على كل حال" (٢). وتقول: (أريد أن تأتيني فتشتمني) لم يرد الشتيمة ولكنه قال: كلما أردت اتيانك شتمتني، هذا معنى كلامه فمن ثم انقطع من (أنْ)، قال رؤبة: يريد أن يعربه فيعجبه أي فإذا هو يعجبه (٣). ولو عطف لكان المعنى في الأول أنه يريد أن يأتيه ويشتمه. ونحو (ما أنت بصاحبي فأكرمك) فالرفع على معنى، أنك لست بصاحبي، لكن أكرك، أي: أنت قائم بإكرامه، مع أنه ليس صاحبك

стр. 1106

والنصب على معى: أنك لست بصاحبي فكيف أكرمك؟ أي: أنت لا تكرمه ولا يجوز لأنه ليس قبله ما يصح عطفه عليه (١). قال تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]، " فإن قلت: فما له رفع، ولم ينصب جوابا للاستفهام؟ قلت: لو نصب لأعطي ما هو عكس الغرض، لأن معناه أثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت فتشكر؟ إن نصبته ناف لشكره، شاك تفريطه فيه. وإن رفعت فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الاعراب وتوقير أهله (٢). فاتضح بهذا أن لكل تعبير معنى، فقولك (لم تؤده فيرهبك) بالجزم معناه أنك لم تؤده فلم يرهبك، فالفعلان منفيان ماضيان في المعنى. وبالنصب، معناه أنك لم تؤذه، فكيف يرهبك؟ أي ليس ثة سبب لرهبتك فإنك لم تؤذه. وبالرفع معناه انك لم تؤذه وهو مع ذلك يرهبك أي هو يرهبك على كل حال. وقد يدل الاستئناف على السبب قليلا نحو قوله: فلقد تركت صبية مرحومة ... لم تدر ما جزع عليك فتجزه أي لو عرفت الجزع لجزعت، ولكنها لم تعرفه فلم تجزع، وهذا أحد وجهي النصب وهو انتفاء الثاني لانتفاء الأول (٣). وكقوله تعالى: ﴿ولا يؤذن لهم فيعتذرون﴾ [المرسلات: ٣٦]، فهذا يحتمل السبب.

стр. 1107

وبذلك يكون التعبير بالرفع تعبيرا احتماليا، أي قد يحتمل أحيانا السببية، وقد يحتمل غيرها، أما النصب فهو تعبير قطعي في الدلالة على السبب، وهذا شبيه بقولنا (أقبل محمد وخالد) فإنه بالرفع يحتمل المصاحبة وغيرها، وبالنصب يكون نصا في المعية وشبيه بقولنا (لا رجل في الدار) فإنه بالرفع يحتمل نفي الجنس والوحدة، وبالفتح هو نص في نفي الجنس. واو المعية ينتصب الفعل المضارع بعد الواو، للدلالة على المعية نصا، نحو (لا تأكل وتضحك) أي لا تجمع بين الأكل والضحك ونحو قوله: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم أي لا تجمع بينهما: ويصح الاتباع على معنى آخرـ هو النهي عن كل واحد منهما على حدة، فيكون معنى المثال الأول ولا تأكل ولا تضحك، ومعنى البيت (لا تنه عن خلق ولا تأت مثله) وهو غير مراد لأنه ليس المراد أن ينهاه عن أن ينهي عن خلق بل المراد أن يقول له: إذا نهيت عن خلق فلا تفعل مثله. ويجوز الرفع على قصد الاشتئناف، فإذا رفعت (تضحك) كان المعنى أنك أثبت له الضحك، أي (أنت تضحك) فهو ينهاه عن الأكل، ثم يقول له (انت تضحك) أي هذا شأنك، أو على معنى إباحة الضحك له، أو على معىن آخر سنذكره في موطنه. وإذا رفع (تأتي) كان المقصود أنه يفعل مثل ذلك الخلق، فيكون المعنى أنه ينهاه عن أن ينهي عن خلق، مع أنه مستمر على فعله. ومنه المثال النحوي المشهور (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) بنصب (تشرب) والمقصود النهي عن الجع بينهما، وإباحة أن يأكل السمك على حدة، وأن يشرب اللبن

стр. 1108

على حدة، وإذا جز كان المقصود النهي عن كل واحد منهما سواء، كانا منفردين أم مجتمعين، أي لا تأكل السمك، ولا تشرب اللبن. جاء في (الكتاب): " ومنعك أن تجزم في الأول لأنه إنما أراد أن يقول له، لا تجمع بين السمك واللبن، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدة، ويشرب اللبن على حدة، فإذا جزم فكأنه نهاة أن يأكل السمك على كل حال، أو يشرب اللبن على كل حال (١). وأما الرفع فعلى النهي عن أكل السمك وإباحة شرب اللبن على كل حال (٢). وعلى هذا فإن ما بعد الواو ثلاثة أحوال: ١ - الاتباع: ويكون حكمه حكم الأول أثباتا ونفيا وغير ذلك، نحو: (لا تضرب محمدًا وتشتم خالدا) أي لا تضرب محمدًا، ولا تشتم خالدًا، ونحو: (هل يأتي أخوك ويسافر أبوك)؟ إذا استفهمت عنهما جميعا، ونحو قول جرير: ولا تشتم المولى وتبلغ إذاته ... فإنك أن تفعل تشفه وجهل جاء في (المقتضب): " اعلم أن الواو في الخبر بمنزلة الفاء، وكذلك كل موضع يعطف فيه ما بعدها على ما قبلها فيدخل فيما دخل فيه، وذلك قولك: (أنت تاتيني وتكرمني) و (أنا أزورك وأعطيك) و (لم آتك وأكرمم) و (هل يذهب زيد ويجيء عمرو؟ ) إذا استفهمت عنهما جميعا، وكقولك (أين يذهب عمرو وينطلق عبد الله) و (لا تضربن زيدا وتشتم عمرا) لأن النهي عنهما جميعا. فإن جعلت الثاني، جوابا فليس له في جميع الكلام إلا معنى واحد، وهو الجمع بين الشيئين، وذلك قولك (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) أي: لا يكون منك جمع بين هذين (٣).

стр. 1109

٢ - النصب: ويفيد التنصيص على المصاحبة، نحو (ادع إلى الخير وافعله، ولا تنه عن الشر وتفعله) أي اجمع بين الأولين ولا تجمع بين الأخيرين. وهذه الواو نظيرة الواو التي ينتصب بعدها الاسم، في نحو (مشيت والجدار) أعني واو المعية، إن لم تكن إياها إذ يفيد كل منهما التنصيص، على مصاحبة ما بعده الواو لما قبلها. جاء في (معاني القرآن) للفراء: تأتي بالواو معطوفة على كلام في أوله حادثة لا تستقيم إعادتها على ما عطف عليه ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي قبله كقوله الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ألا ترى أنه لا يجوز إعادة (لا) في (تأتي مثله). فلذلك سمي صرفا إذا كان معطوفا ولم يستقم أن يعاد فيه الحادث الذي قبله، ومثله من الأسماء التي نصبتها العرب وهي معطوفة على مرفوع قولهم (لو تركت والأسد لأكلك) و (لو خليت ورأيك لضللت) تهيبوا أن يعطفوا حرفا لا يستقيم فيه ما حدث في الذي قبله (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وكذلك تقول في الفعل المنصوب بعد واو الصرف أنهم لما قصدوا فيها معنى الجمعية نصبوا المضارع بعدها، ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشدًا من أول الأمر أنها ليست للعطف، فهي إذن أما واو الحال وأكثر دخولها على الجملة الاسمية، فالمضارع بعدها في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوبا فمعنى (قم وأقوم) أي قم وقيامي ثابت، أي في حال ثبوت قيامي، وأما بمعنى (مع) وهي لا تدخل إلا على الاسم، قصدوا ههنا مصاحبة الفعل للفعل، فنصبوا ما بعدها فمعنى (قم وأقوم) أي قم مع قيامي، كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم، للاسم فنصبوا ما بعد الواو (٢).

стр. 1110

٣ - الرفع على الاستئناف: نحو (لم تأتني وأكرمك)، والمعنى أنك لم تأتني وأنا أكرمك على كل حال، أي أنني أكرمك وأنت لم تأتني، فأكرامك له ثابت وبذا يكون المعنى نفي الاتيان وإثبات الاكرام. ولو جزم لكان الاتيان والاكرام منفيين، ولو نصب لكان نفي الجمع بين الاتيان والاكرام، وقد يكون اتيان ولا اكرام أو أكرام، ولا اتيان. ومثله (دعني ولا أعود): " أي فأني ممن لا يعود، فإنما يسأل الترك وقد أوجب على نفسه أن لا عودة له البتة ترك، أو لم يترك، ولم يرد أن يسأل أن يجتمع له الترك، وأن لا يعود .. وتقول: (زرني وأزورك) أي: أنا ممن قد أوجب زيارتك على نفسه، ولم ترد أن تقول: لتجتمع منك الزيارة وأن أزورك تعني لتجتمع منك الزيارة فزيارة مني ولكنه أراد أن يقول: زيارتك واجبة على كل حال، فلتكن منك زيارة (١). قال تعالى: ﴿لنبين لكن، ونقر في الأرحام ما نشاء﴾ [الحج: ٥]، أي نحن ونقر في الأرحام (٢). ولم يرد العطف على التعليل. وربما جاء الرفع للدلالة على معنى المعية (٣). نحو: (قم ولا أقوم) ونحو (لا تأكل وتضحك) وهو قليل، فيكون النصب للدلالة على المصاحبة نصا بخلاف الرفع فإنه ليس نصا في المصاحبة، وهو نظير قولنا في الأسماء (أقبل محمد وسعيد)، فهذا يحتمل المصاحبة وعدمها، بخلاف النصب فإنه للتنصيص على المصاحبة.

стр. 1111

جزم المضارع يجزم المضارع بعد أدوات ظاهرة، وهي: لم، ولما، ولام الأمر، ولا الناهية، وبعد أدوات الشرط، وقد يجزم بغير أداة ظاهرة، نحو: ﴿قل لعبادي الذين أمنوا يقيموا الصلاة﴾ [إبراهيم: ٣١]. وإذا لاحظنا أدوات الجزم وجدناها على ثلاثة أقسام: ١ - القسم الأول: ما يقلب زمن المضارع إلى ماض، وهي لم ولما. ٢ - القسم الثاني: ما يقلبه إلى الأمر، وهي لام الأمر، ولا الناهية، إذ إن لا الناهية أمر بالترك فقولنا (افعل) أمر بالفعل، و (لا تفعل) أمر بالترك. ٣ - القسم الثالث: أدوات الشرط، وهي أدوات تقوم بربط الجمل، لغرض تعليق حصول شيء بحصول شيء آخر، نحو: (إن تأتني أذهب معك) فذهابك معلق بإتيانه. جاء في (نحو الفعل) للدكتور أحمد الجواري: " وإنما يكون الجزم في المضارع إذا تعين لواحد من المعاني الآتية: ١ - معنى المضي، وذلك إذا دخلت عليه لم، ولما، فإنهما تقلبان معناه، إلى معنى الفعل الماضي، كـ (لم يذهب ولما يذهب). ٢ - معنى الطلب، وذلك إذا تقدمته لام الأمر، نحو (ليذهب زيد) .. أو لا الناهية، نحو (لا تذهب). ٣ - معنى الشرط: والشرط صيغة فعلية مستقلة تخالف باقي الصيغ في مدلول الفعل، وهو الحدث والزمن، لأن الفعل في جملة الشرط معلق حدوثه، أو وقوعه فهو إذن ليس تام الدلالة، ففي قولك: (إن تذهب أذهب) تعلق ذهابك على ذهاب المخاطب فأنت لم يقع منك الذهاب، والمخاب كذلك لم يقع منه،

стр. 1112

ذلك وإنما علقت ذهابك على ذهابه بأداة الشرط" (١). ونحن نخالفه في القسم الثاني وهو معنى الطلب، إذ معنى الطلب عام يدخل فيه الاستفهام، والتمنى، والترجي، والعرض، والتحضيض وغير ذلك، وهو لا يجزم في كل هذه المواطن، بل يجزم إذا أدى معنى الأمر فعلا، أو تركا. يتبين من هذا أن أدوات الجزم - عدا أدوات الشرط - تخرج المضارع عن حقيقته إلى فعل آخر، ماضيا أو آمرا. ومما مر من دراسة الفعل المضارع تبين، لنا أن: ١ - النصب يفيد الدلالة على الاستقبال في الغالب، أو للعدول إلى معنى المصاحبة والسببية تنصيصا. ٢ - الجزم للدلالة على المضي أو الأمر - فيما عدا الشرط. ٣ - الرفع للدلالة على الزمن العام المطلق، حالا، واستقبالا، ومضيا، فالحال نحو (يرزق الله مخلوقاته) ونحو (هو يقرأ الآن). والاستقبال نحو: ﴿وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ [المائدة: ١٤]، ونحو: ﴿يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجًا﴾ [النبأ: ١٨]. والمضي، كقوله تعالى: ﴿ويصنع الفلك﴾ [هود: ٣٨]، وقوله: ﴿ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال﴾ [الكهف: ١٨]، وذلك في حكاية الحال. ونترك الشرط إلى باب الأساليب فهو ألصق به.

стр. 1113

الأدوات التي يجزم بعدها الفعل لام الأمر وتلزم فعل غير المخاطب للدلالة على الأمر، وذلك أمر المتكلم لنفسه، نحو: (لأذهب إليه)، ونحو قوله ﷺ : " قوموا فلأصل بكم" ومنه قوله تعالى: ﴿اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾ [العنكبوت: ١٢]. وأمر الغائب، نحو (ليخبره خالد بما حدث) وكقوله تعالى: ﴿ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك﴾ [النساء: ١٠٢]. ومن هذا الأخير المبني للمجهول، نحو: (لتخبر بما حدث) ونحو: (لأعط حقي) فإن الفاعل غائب. وقد وردت قليلا في أمر المخطاب، فإن الأصل في المخاطب أن يؤمر بفعل الأمر، لا باللام، وذلك نحو قوله ﷺ : لتزره ولو بشوكة" وقوله: " لتقوموا إلى مصافكم" وهذا في الشعر أكثر نحو قوله: لتقم أنت يا ابن خير قريش ... فتقضي حوائج المسلمينا (١). وقد يخرج المجزوم بلام الأمر إلى معنى آخر، كما يخرج الأمر عن معناه إلى معنى أخر، وذلك كالدعاء نحو (ليغفر الله لك). والتهديد: نحو: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ [الكهف: ٢٩]. والخبر نحو: ﴿من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا﴾ [مريم: ٧٥]، أي فيمد (٢).

стр. 1114

لا الناهية وهي موضوعة لطلب الترك (١). نحو: ﴿لا تفتروا على الله كذبا﴾ [طه: ٦١]، و ﴿ولا تبغ الفساد في الأرض﴾ [القصص: ٧٧]. ومن أساليب العربية أن ينهي الفاعل وا لم راد غيره، نحو: (لا أرينك ههنا) فقد جاءت (لا) لنهي المتكلم، والمنهي في الحقيقة هو المخاطب، أي لا تكن ههنا حتى لا أرك (٢). ونحو: ﴿ولا تعجبك أموالهم﴾ [التوبة: ٨٥]، فالنهي للأموال، إذ أسند الإعجاب إليها، والمنهي في الحقيقة هو المخاطب، أي لا تعجب يا محمد بأموالهم (٣). نحو قوله تعالى: ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٧]، فقد نهى الشيطان والمنهى في الحقيقة هم المخاطبون، وكذلك قوله تعالى: ﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ [فاطر: ٥]، فالنهي موجه لفظا للدنيا، وللغرور وهو الشيطان والمنهي في الحقيقة هم المخاطبون. والتمنى ومنه مخاطبة ما لا يعقل، نحو: (لا تخني أيها الصبر) و (يا عيني لا تجمدا) وغير ذلك من المعاني. لم تختص بنفي المضارع وتقلب زمنه ماضيا، نحو (لم أذهب أمس) قال تعالى: ﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾ [الأنفال: ١٧] وهي لنفي (فَعَل) (٤). فإذا قلت (حفظ) فنفيه (لم يحفظ).

стр. 1115

والمنفي بها قد يكون منقطعًا، نحو قوله تعالى: ﴿لم يكن شيئا مذكورا﴾ [الإنسان: ١]ـ، ونحو قولنا (لم يقم خالد أمس)، وقد يكون متصلا بالحال، نحو: ﴿ولم أكن بدعائك رب شقيا﴾ [مريم: ٤]، يعني إلى الآن، ونحو قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾ [التوبة: ٤]، وقد يكون مستمرا نحو قوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤] (١). وقوله: ﴿وأنهار من لبن لم يتغير طعمه﴾ [محمد: ١٥]. لما وتختص بنفي المضارع أيضا، وتقلب زمنه ماضيا، نحو قوله تعالى: ﴿ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [الحجرات: ١٤]، وقوله: ﴿بل لما يذوقوا عذاب﴾ [ص: ٨]، وقولنا: (لما يأت خالد)، وهي لنفي (قد فعل) فإذا قلت (قد حضر) فنفيه لمّا يحضر (٢). والفرق بين (لم) و (لما) من أوجه هي: ١ - أن المنفي بـ (لم) قد يكون منقطعًا، وقد يكون مستمرًا، في حين أن المنفي بـ (لما) مستمر النفي إلى حين التكلم، فإذا قلت (لما يحضر خالد) فمعناه أنه إلى الآن لم يحضر، في حين أن قولك (لم يحضر خالد) يحتمل أنه لم يحضر إلى الآن، ويحتمل أنه لم يحضر، في حين أن قولك (لم يحضر خالد) يحتمل أنه لم يحضر إلى الآن، ويحتمل أنه لم يحضر في وقت من أوقات المضي ثم حضر، ولذا يصح أن يقال (لم ينجح محمد في العام الماضي، وقد نجح هذا العام) ويمتنع أن يقال (لما ينجح ثم نجح) لأن قولنا (لما ينجح) يفيد استمرار النفي إلى وقت التكلم، وتقول (لم يق ثم قام) ويمتنع أن نقول (لما يقم ثم قام) (٣).

стр. 1116

جاء في (شرح الرضي على الكافية): " واختص (لمّا) أيضا بامتداد نفيها، من حين الانتفاء إلى حال التكلم، وهذا هو المراد بقوله (بالاستغراق) .. وأما (لم) فيجوز انقطاع نفيها دون الحال نحو: (لم يضرب زيد أمس لكنه ضرب اليوم) (١). ٢ - إن منفي (لما) لا يكون إلا قريبا من الحال، ولا يشترط ذلك في منفي (لم)، فقد يكون منفيها قريبا أو بعيدا، تقول: (لم يكن زيد في العام الماضي مقيما) ولا يجوز (لما يكن) (٢). وذلك أن (لم) لنفي (فعل) وهذا الفعل يحتمل القرب والبعد، فمن البعيد قوله: ﴿خلق الله السماوات والأرض﴾ [العنكبوت: ٤٤]، وقوله: ﴿ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ [الأعراف: ١١]، ومن القريب قولنا: (حضر الآن محمد)، وقوله: ﴿إني تبت الآن﴾ [النساء: ١٨]، في حين أن (لما) لنفي (قد فعل) و (قد) تفيد القرب كما سبق تقريره. ٣ - إن المنفي بـ (لما) فيه معنى التوقع، وليس كذلك المنفي بـ (لم)، فقولنا (لما يحضر خالد) معناه أنه لم يحضر، وهو متوقع حضوره، وليس في قولنا (لم يحضر خالد) معنى التوقع، قال تعالى: ﴿بل لما يذوقوا عذاب﴾ [ص: ٨]، ومعناه أنهم لم يذوقوه إلى الآن، وأن ذوقهم له متوقع (٣). وذلك أن (لما) لنفي (قد فعل)، و (قد) فيها معنى التوقع (٤).، و (لم) لنفي (فعل) وليس فيه معنى التوقع، فقولك (قد حضر محمد) معناه أنه كان متوقعًا حضوره فحضر و (لما يحضر) معناه أنه لم يحضر، وهو متوقع حضوره. قال في (المغنى): " وهذا الفرق بالنسبة إلى المستقبل، فأما بالنسبة إلى الماضي فهما سيان في نفي المتوقع وغيره، مثال المتوقع أن تقول: (مالي قمت ولم تقم).

стр. 1117

أو (ولما تقم). ومثل غير المتوقع أن تقول ابتداء: لم تقم أو لما تقم (١). وجاء في (شرح الرضي): " وقد تستعمل في غير المتوقع أيضا نحو: (ندم ولما ينفعه الندم) (٢). وذلك أن (قد) ربما جاءت في غير المتوقع كما أسلفنا. ٤ - أن (لما) لا تقترن بأداة الشرط بخلاف (لم)، قال تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ [المائدة: ٦٧]، وقال: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون﴾ [المائدة: ٤٥]، ولا يقال: (أن لما تفعل)، ولا (من لما يحكم). وذلك " لأن الشرط يليه مثبت (لم)، تقول: (إن قام زيد قام عمرو) ولا يليه مثبت (لما) لا تقول: أن قد قام زيد (٣). وسبب ذلك أن (لما) إذا نفت الفعل صرفته إلى المضي، ولا يحتمل أن يكون لغير المضي، مثل (قد) في الإثبات فإن (قد) إذا دخلت على الفعل الماضي تعين أنه للمضي، ولا يصح صرفه إلى الاستقبال، بخلاف (لم) فإنه يصح صرفه ما بعدها إلى الاستقبال كما في مثبتها، فإن فعل للمضي وقد يحتمل الدلالة على الاستقبال بقرينة نحو قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ [الزمر: ٦٨]، ومنفيه أعنى (لم يفعل) كذلك فهو للمضي، وقد يحتمل الدلالة على الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ [الأعراف: ٤٦]، وهذا في أصحاب الأعراف وهو من مشاهد القيامة. ولذا جاز اقتران (لم) بأداة الشرط، كما جاز اقتران مثبتها بها، لأن الشرط يصرف الفعل إلى الاستقبال، تقول: (إن زرتنا أكرمناك وإن لم تزرنا لم نكرمك)، ولم يجز اقتران (لما) بها كما لم يجز اقتران مثبتها بها، فلا تقول: (إن قد قام)، ولا (إن لما يقم).

стр. 1118

٥ - يجوز الاستغناء بـ (لما) عن ذكر منفيها إذا دل عليه دليل، تقول: (قاربت البلد ولما) أي: ولما أدخله، ولا يجوز حذف الفعل بعد (لم) فلا يقال: (قاربت البلد ولم (١).) وذلك أن (قد) يستغني بها فلا يذكر ما بعدها قال: أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد (٢). أي وكأن قد زالت. جواب الطلب ذكرنا أن الفعل المضارع قد يجزم بعد أدوات ظاهرة، وقد يجزم بغير أداة ظاهرة وهو الذي يسميه النحاة جواب الطلب نحو: (زرني أزرك) و (أين بيتك ازرك) و (ليتني أعرف بيتك أزرك) والمعنى كما يقول النحاة، أن تزرني أزرك، وإن دللتني على بيتك أزرك. جاء في (الكتاب): " هذا باب من الجزاء، ينجزم فيه الفعل إذا كان جوابًا لأمر، أو نهي، أو استفهام، أو تمن، أو عرض" فأما ما انجزم بالأمر فقولك (ائتني آتك) وما انجزم بالنهي فقولك (لا تفعل يكن خيرا لك) وأما ما انجز بالاستفهام فقولك (ألا تأتيني أحدثك) و (أين بيتك أزرك) وأما ما انجزم بالتمني فقولك (ألا ماء أشربه) و (ليته عندنا يحدثنا) وأما ما انجزم بالعرض، فقولك (ألا تنزل تصب خيرًا) وإنما انجزم هذا الجواب كما انجزم جواب (إن تأتني) بأن تأتني، لأنهم جعلوه معلقا بالأول، غير مستغن عنه، إذا أرادوا الجزاء كما أن (إن تأتني) غير مستغنية عن (آتك). وزعم الخليل أن هذه الأوائل كلها فيها معنى (إن) فلذلك انجزم الجواب، لأنه إذا قال (ائتني آتك) فإن معنى كلامه: إن يكن منك اتيان آتك، وإذا قال (أين بيتك أزرك) فكأنه قال: إن علم بيتك أزرك، لأن قوله (أين بيتك) يريد به (أعلمني)، وإذا قال

стр. 1119

(ليته عندنا يحدثنا) فإن معنى هذا الكلام: (إن يكن عندنا يحدثنا) وهو يريد ههنا إذا تمنى ما أراد في الأمر. وإذا قال (لو نزلت) فكأنه قال أنزل (١). وهذا الأسلوب كما هو ظاهر أسلوب شرطي، فيه جزاء مترتب على ما قبله، ومرتبط به ارتباط الجزاء بالشرط فقولك (زرني أكرمك) معناه أن أكرامك له، مرتبط بزيارته لك ارتباطا شرطيا، وكذلك (ألا تأتيني أحدثك) فإن التحديد مسبب عن الاتيان، ومرتبط به ارتباط الجزاء بالشرط، فإذا لم يترتبط الفعل بما قبله هذا الارتباط لم يجزم قال تعالى: ﴿وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني﴾ [القصص: ٣٤]، بالرفع ولم يجزم، لأنه ليس على إرادة معنى الشرط، إذ ليس معناه أن ترسله يصدقني، وإنما المعنى: أرسله ردءا فإنه يصدقني، ولذا ارتفع ولو أراد معنى الشرط لجزم، ونحوه، أن تقول (زرني أزورك) فإنك لم تقصد فيه ترتيب زيارتك على زيارته، وإنما المقصود أنا أزورك، فزرني، أي أنا ممن يزورك. ومثله قولك (دعه يضربه) و (دعه يضربه) فبالجزم معناه أن تدعه يضربه، وبالرفع معناه: دعه ضاربا له، فالضرب بالجزم غير حاصل وبالرفع هو حاصل، أو يكون على الاستئناف على معنى دعه إنه يضربه، وتقول: (تعال ينادك) و (تعال يناديك) فبالجزم معناه إن تأت ينادك، والمعنى أنه لا يناديك الآن، وإنما إذا جئت ناداك، وبالرفع معناه: أنه يناديك فتعال، ومعنى ذلك أن المناداة حاصلة. قال سيبويه: " وتقول (ائتني آتك) فتجزم على ما وصفنا، وإن شئت رفعت على أن لا تجعله معلقا بالأول، ولكن تبتدئه، وتجعل الأول مستغنيا عنه، كأنه يقول: ائتني أنا آتيك. مثل قول الشاعر: (وهو الأخطل): وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف امريء يمضي لمقدار

стр. 1120

وقال الأنصاري: يا مال والحق عنده فقفوا ... تؤتون فيه الوفاء معترفا كأنه قال أنكم تؤتون فيه الوفاء معترفا .. وتقول: (ذره يقل ذاك)، (ذره يقول ذاك) فالرفع من وجهين: فأحدهما الابتداء، والآخر على قولك ذره قائلا ذاك .. وتقول (قم يدعوك) لأنك لم ترد أن جعل دعاء بعد قيامه، ويكون القيام سببا له ولكنك أردت: قم أنه يدعوك. وإن أردت ذلك المعنى جزمت. (١). وجاء في (المفصل): " وإن لم تقصد الجزاء فرفعت كان المرفوع على أحد ثلاثة أوجه: إما صفة كقوله تعالى: ﴿فهب لي من لدنك ولي يرثني﴾ [مريم: ٥ - ٦]، أو حالا كقوله تعالى: ﴿فذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ (٢). أو قطعا واستئنافا كقولك (لا تذهب به تغلب عليه) و (قم يدعوك) ومنه بيت الكتاب: وقال ائدهم أرسوا نزاولها ومما يحتمل الأمرين الحال والقطع قولهم (ذره يقول ذاك) و (مرة يحفرها) وقول الأخطل: كروا إلى حرتيك تعرونهما وقوله تعالى: ﴿فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف دركا ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧] (٣).

стр. 1121

ويدلك على معنى الجزاء أنه إذا تخلف معنى الشرط لا يصح جزمه وذلك واضح في النهي، نحو (لا تدن من النار تحترق) فإنه لا يصح جزم (تحترق) هنا لأنه لا يصح أن تقول (إن لا تدن من النار تحترق) بخلاف قولك (لا تدن من النار تسلم) فإنه يصح القول (أن لا تدن من النار تسلم) ولذا يجزم الفعل (تسلم) ولا يجزم (تحترق). جاء في (شرح الأشموني): " وشروط جزم بعد نهي، فيما مر أن يصح أن تضع أن الشرطية قبل (لا) النافية، دون تخالف في المعنى يقع، ومن ثم جاز (لا تدن من الأسد تسلم) وامتنع (لا تدن من الأسد يأكلك) بالجزم (١). " ولكنك ترفع على القطع، كأنك قلت: لا تدن منه فإنه يأكلك" (٢). ومثاله من غير النهي قولك (اقتل العقرب تلدغك) فإنه لا يصح جزم (تلدغك) لأنه لا يصح تقدير الشرط، فلا تقول (إن تقتل العقرب تلدغك) بخلاف قولك (اقتل العقرب تنج منها) فإنه يصح جزمه، ونحو (تجنب النار تحرقك) فإنه لا يصح فيه الجزم، لأنه لا يصح تقدير الشرط وإنما هو مرفوع على القطع، أي أنها تحرقك بخلاف (تجنب النار تنج) فإنه يجزم. ومثله (هلا تحفظ ترسبُ) فإن هلا يصح الجزم فيه، بخلاف قولك: (هلا تحفظ دروسك تنجح) ونحو: (ليتني أجد ماء يهلكني العطش) فإنه لا يجوز فيه الجزم، لأنه لا يصح تقدير الشرط بل هو على تقدير أنه يهلكني العطش، بخلاف قولنا (ليتني أجد ماء أعطش) فإن الفعل فيه مجزوم لأنه مقدر بالشرط. ويدلك على ذلك أيضا - أي على معنى الجزاء - أن ما نصب بعد فاء السببية في الطلب إذا اسقطت منه الفاء جزمت، وذلك نحو قولك: (أين بيتك فأزورك) فإذا أسقطت الفاء منه، وبقي في الجملة معنى السبب جزمت، وهذا يدلك على أن معنى الجزم هو أن يكون الثاني مسببا عن الأول، وهو المقصود من الشرط.

стр. 1122

جاء في (التصريح): " وإذا سقطت الفاء من المضارع الواقع بعد الطلب المحض وقصد بالفعل الذي سقطت منه الفاء معنى الجزاء (١). للطلب السابق عليه، جزم الفعل، والمراد بقصد الجزاء، أنك تقدره مسببا عن ذلك الطلب المتقدم، كما أن جزاء الشرط مسبب عن فعل الشرط (٢). وهنا يبرز سؤال وهو؟ ما الفرق بين سقوط الفاء وبقائها في المعنى؟ ما الفرق مثلا بين قولك (هل تزورني أكرمك) و (هل تزورني فأكرمك)؟ المعنى واحد أم مختلف. الذي يبدو أنهما أسلوبان متغايران معناهما مختلف، وذلك أن التعليل بالفاء إنما هو لبيان السبب فقط، وليس الارتباط بها ارتباطا شرطيا، ولذا يصح أن تأتي بالفاء أحيانا ولكن لا يجوز اسقاطها وجزم الفعل بعدها، لأن معنى الشرط لا يصح، وذلك نحو قولنا (لا تدن من الأسد فيأكلك) فإن هذا التعبير صحيح، وهو بيان لعلة عدم الاقتراب من الأسد، بخلاف ما لو قلنا (لا تدن من الأسد يأكلك) فإنه لا يصح فيه الجزم، لأنه لا يصح تقدير الشرط فيه، إذ لا يقال: (إن لا تدن من الأسد يأكلك). قال تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [الأعراف: ١٩]، فأنت ترى أنه لا يصح اسقاط الفاء والجزم على الطلب، لأنه لا يصح في المعنى (إن لا تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين)، فالفاء لبيان علة النهي عن الاقتراب من الشجرة، ولكن ليس ارتباط ما قبلها بما بعدها اربتاطا شرطيا. ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وقوله: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقوله: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقوله: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ [يونس: ٩٥]، وقوله: ﴿لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا﴾ [يوسف: ٥].

стр. 1123

فأنت ترى في هذا ونحوه أنه لا يصح إسقاط الفاء منه وجزمه، لأنه لا يصح تقدير الشرط إذا حذفت. وكذلك النفي، فإنه لا يصح اسقاط الفاء فيه والجزم (١).، لأنه لا يحتمل جعله أسلوبا شرطيا، فلا يصح في نحو (ما تأتينا فتحدثنا) (ما تأتينا تحدثنا) ولا في نحو قوله تعالى: ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا﴾ [فاطر: ٣٦]، (لا يقضي عليهم يموتوا) لأن المعنى لا يصح، إذ لا يصح (أن لا يقض عليهم يموتوا). وبذلك يتضح الفرق بين ذكر الفاء واسقاطها، فالفاء إنما هي لمجرد بيان السبب، وأما إسقاطها فعلى إرادة الشرط والجزاء. هذا من ناحية، ون ناحية أخرى يكون الفرق بينهما في المعنى من غير هذا السبيل وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فأنت ترى أنه لا يحسن اسقاط الفاء من (فأطلع) والقول (لعلي أبلغ الأسباب أطلع) لأن المعنى سيختلف، وذلك أن الترجي في الاية مستمر إلى ما بعد الفاء، والمعنى لعلي اطلع، بخلاف ما لو جزمت وقلت (أطلع) لأن المعنى سيكون (إن بلغت الأسباب أطلعت إلى إله موسى) وهذا غير مراد ولا يصح لأن فرعون ينكر أن يكون لموسى إله غيره، قال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨]، فأنت ترى أن الجزم يختلف عن النصب بالفاء. ونحوه قوله تعالى: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فأنت ترى أنه لا يحسن إسقاط الفاء والقول (تخرجوه لنا) لأن المعنى سيتغير، وذلك أن الاستفهام مستمر إلى ما بعد الفاء، بخلاف ما لو جزمت فإن الاستفهام سينقطع قبلها، ويصبح أسلوبا شرطيا، فيكون (إن كان عندكم علم تخرجوه لنا) وهو مخالف للمقصود، وكذلك قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾ [البقرة: ١٦٧]، فإن التمني مستمر

стр. 1124

إلى ما بعد الفاء، فما بعد الفاء داخل في التمنى، وقوله: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧]، فإن الإنكار مستمر إلى ما بعد الفاء ولا يصح إسقاط الفاء والقول (الم تكن أرض الله واسعة تهاجروا فيها) لأن المعنى سيتغير، ثم لا يصح أن يقال: إن كانت واسعة تهاجروا فيها على المعنى السابق. وكذلك قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ [الحج: ٤٦]، فالاستفهام مستمر بخلاف ما لو اسقطت الفاء وجزمت، فإن المعنى لا يصح. ويوضحه أيضا قوله تعالى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨]، فأنت ترى أنك إذا أسقطت الفاء فقلت (يؤمنوا) تغير المعنى تغيرا كبيرا، وذلك أن قوله تعالى: ﴿فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ داخل في الدعاء وأن المقصود طلب عدم إيمانهم حتى يروا العذاب الأليم، بخلاف ما لو اسقطت الفاء فقلت (ربنا اطمس على أموالهم .. لا يؤمنوا) فعند ذلك يخرج قولك (لا يؤمنوا فتكون نتيجة الطمس عدم الإيمان، وليس فيه تنصيص على أن ذلك مراد له، وإنما هو تقرير حقيقة فقط. يتبين من ذا أن ثمة فرقا كبيرا بين ذكر الفاء واسقاطها، والجزم على الطلب، فإن لكل معنى، قال تعالى: ﴿وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠]، فأنت ترى أنه نصب الفعل بعد الفاء (فأصدق) ثم عطف عليه بالجزم، (وأكن من الصالحين)، والسبب، والله أعلم، أن قوله (وأكن من الصالحين) ليس على إرادة الفاء بل على نية اسقاطها، فيكون الثاني جزاء كأنه أراد (إن اخرتني أكن من الصالحين) فأسقط الفاء على إرادة الشرط، ولو عطف لكانا شيئا واحدا.

стр. 1125

ولا تقل كيف يصح عطف الجزاء على ما ليس جزاء، فهذا كثير فإنه معلوم أنه يصح العطف بفاء السبب، وواو المعية على الشرط والجزاء (١). فنقول: (إن تأتني فتكرمني أشكر لك صنيعك) وتقول: (من يزرني أكرمه فأشكر له صنيعه) وتقول (من يزرني أكرمه وأشكر له صنيعه) فهذا عطف سبب على جزاء، وذاك عطف جزاء على سبب. فاتضح بهذا أن ما يسمى بجواب الطلب، إنما هو إسلوب شرطي، غير أن هذا الأسلوب يختلف عن أسلوب الشرط المشهور، وهو الذي تذكر فيه أداة الشرط وفعله، وجزاؤه نحو (إن تزرني أزرك) وذلك أن الارتباط هنا ليس بأداة شرط، بل الارتباط بمعنى الجزاء، وأن الشرط في الإسلوب الشرطي المشهور يكون فعلا ماضيا، أو مضارعا، بخلاف هذا الإسلوب فإن الشرط فيه يكون طالبا دائما. ثم إن هذا التعبير يؤدي معنى لا يؤديه الأسلوب الشرطي المشهور، فمثلا أن قوله تعالى: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض﴾ [البقرة: ٦١]، لا يؤديه قولنا (إن تدع لنا ربك يخرج) وذلك أن قوله (ادع لنا ربك) يفيد أن الدعاء مطلوب مراد للقائلين بخلاف قولنا (إن تدع لنا يخرج) فإنه لا يدل على أن الدعاء مطلوب لهم، ومثله قوله تعالى: ﴿نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون﴾ [النمل: ٤١]، فهذا يختلف عن قولنا (إن تنكروا لها عرشها ننظر) فإن قوله تعالى: ﴿نكروا لها عرشها﴾ يفيد أن التنكير مأمور به مطلوب، بخلاف قولنا (إن تنكروا لها عرشها ننظر) فإن معناه إذا فعلتم ذلك نظرنا، ولا يفيد ان التنكير مطلوب. ومثله قوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ [التوبة: ١٤]، فإنه يدل على أن القتال مطلوب، بخلاف ما لو قلنا (إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) فإنه لا يفيد ان القتال مطلوب صراحة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]، يختلف عن قولنا (إن تدعوني استجب لكم) فإنه في الآية يفيد أن الدعاء مطلوب من العبد،
следующие страницы →