← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

ويدلك على معنى الجزاء أنه إذا تخلف معنى الشرط لا يصح جزمه وذلك واضح في النهي، نحو (لا تدن من النار تحترق) فإنه لا يصح جزم (تحترق) هنا لأنه لا يصح أن تقول (إن لا تدن من النار تحترق) بخلاف قولك (لا تدن من النار تسلم) فإنه يصح القول (أن لا تدن من النار تسلم) ولذا يجزم الفعل (تسلم) ولا يجزم (تحترق). جاء في (شرح الأشموني): " وشروط جزم بعد نهي، فيما مر أن يصح أن تضع أن الشرطية قبل (لا) النافية، دون تخالف في المعنى يقع، ومن ثم جاز (لا تدن من الأسد تسلم) وامتنع (لا تدن من الأسد يأكلك) بالجزم (١). " ولكنك ترفع على القطع، كأنك قلت: لا تدن منه فإنه يأكلك" (٢). ومثاله من غير النهي قولك (اقتل العقرب تلدغك) فإنه لا يصح جزم (تلدغك) لأنه لا يصح تقدير الشرط، فلا تقول (إن تقتل العقرب تلدغك) بخلاف قولك (اقتل العقرب تنج منها) فإنه يصح جزمه، ونحو (تجنب النار تحرقك) فإنه لا يصح فيه الجزم، لأنه لا يصح تقدير الشرط وإنما هو مرفوع على القطع، أي أنها تحرقك بخلاف (تجنب النار تنج) فإنه يجزم. ومثله (هلا تحفظ ترسبُ) فإن هلا يصح الجزم فيه، بخلاف قولك: (هلا تحفظ دروسك تنجح) ونحو: (ليتني أجد ماء يهلكني العطش) فإنه لا يجوز فيه الجزم، لأنه لا يصح تقدير الشرط بل هو على تقدير أنه يهلكني العطش، بخلاف قولنا (ليتني أجد ماء أعطش) فإن الفعل فيه مجزوم لأنه مقدر بالشرط. ويدلك على ذلك أيضا - أي على معنى الجزاء - أن ما نصب بعد فاء السببية في الطلب إذا اسقطت منه الفاء جزمت، وذلك نحو قولك: (أين بيتك فأزورك) فإذا أسقطت الفاء منه، وبقي في الجملة معنى السبب جزمت، وهذا يدلك على أن معنى الجزم هو أن يكون الثاني مسببا عن الأول، وهو المقصود من الشرط.

стр. 1122

جاء في (التصريح): " وإذا سقطت الفاء من المضارع الواقع بعد الطلب المحض وقصد بالفعل الذي سقطت منه الفاء معنى الجزاء (١). للطلب السابق عليه، جزم الفعل، والمراد بقصد الجزاء، أنك تقدره مسببا عن ذلك الطلب المتقدم، كما أن جزاء الشرط مسبب عن فعل الشرط (٢). وهنا يبرز سؤال وهو؟ ما الفرق بين سقوط الفاء وبقائها في المعنى؟ ما الفرق مثلا بين قولك (هل تزورني أكرمك) و (هل تزورني فأكرمك)؟ المعنى واحد أم مختلف. الذي يبدو أنهما أسلوبان متغايران معناهما مختلف، وذلك أن التعليل بالفاء إنما هو لبيان السبب فقط، وليس الارتباط بها ارتباطا شرطيا، ولذا يصح أن تأتي بالفاء أحيانا ولكن لا يجوز اسقاطها وجزم الفعل بعدها، لأن معنى الشرط لا يصح، وذلك نحو قولنا (لا تدن من الأسد فيأكلك) فإن هذا التعبير صحيح، وهو بيان لعلة عدم الاقتراب من الأسد، بخلاف ما لو قلنا (لا تدن من الأسد يأكلك) فإنه لا يصح فيه الجزم، لأنه لا يصح تقدير الشرط فيه، إذ لا يقال: (إن لا تدن من الأسد يأكلك). قال تعالى: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ [الأعراف: ١٩]، فأنت ترى أنه لا يصح اسقاط الفاء والجزم على الطلب، لأنه لا يصح في المعنى (إن لا تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين)، فالفاء لبيان علة النهي عن الاقتراب من الشجرة، ولكن ليس ارتباط ما قبلها بما بعدها اربتاطا شرطيا. ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وقوله: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقوله: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقوله: ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين﴾ [يونس: ٩٥]، وقوله: ﴿لا تقصص رءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا﴾ [يوسف: ٥].

стр. 1123

فأنت ترى في هذا ونحوه أنه لا يصح إسقاط الفاء منه وجزمه، لأنه لا يصح تقدير الشرط إذا حذفت. وكذلك النفي، فإنه لا يصح اسقاط الفاء فيه والجزم (١).، لأنه لا يحتمل جعله أسلوبا شرطيا، فلا يصح في نحو (ما تأتينا فتحدثنا) (ما تأتينا تحدثنا) ولا في نحو قوله تعالى: ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا﴾ [فاطر: ٣٦]، (لا يقضي عليهم يموتوا) لأن المعنى لا يصح، إذ لا يصح (أن لا يقض عليهم يموتوا). وبذلك يتضح الفرق بين ذكر الفاء واسقاطها، فالفاء إنما هي لمجرد بيان السبب، وأما إسقاطها فعلى إرادة الشرط والجزاء. هذا من ناحية، ون ناحية أخرى يكون الفرق بينهما في المعنى من غير هذا السبيل وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فأنت ترى أنه لا يحسن اسقاط الفاء من (فأطلع) والقول (لعلي أبلغ الأسباب أطلع) لأن المعنى سيختلف، وذلك أن الترجي في الاية مستمر إلى ما بعد الفاء، والمعنى لعلي اطلع، بخلاف ما لو جزمت وقلت (أطلع) لأن المعنى سيكون (إن بلغت الأسباب أطلعت إلى إله موسى) وهذا غير مراد ولا يصح لأن فرعون ينكر أن يكون لموسى إله غيره، قال: ﴿ما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٣٨]، فأنت ترى أن الجزم يختلف عن النصب بالفاء. ونحوه قوله تعالى: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فأنت ترى أنه لا يحسن إسقاط الفاء والقول (تخرجوه لنا) لأن المعنى سيتغير، وذلك أن الاستفهام مستمر إلى ما بعد الفاء، بخلاف ما لو جزمت فإن الاستفهام سينقطع قبلها، ويصبح أسلوبا شرطيا، فيكون (إن كان عندكم علم تخرجوه لنا) وهو مخالف للمقصود، وكذلك قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾ [البقرة: ١٦٧]، فإن التمني مستمر

стр. 1124

إلى ما بعد الفاء، فما بعد الفاء داخل في التمنى، وقوله: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧]، فإن الإنكار مستمر إلى ما بعد الفاء ولا يصح إسقاط الفاء والقول (الم تكن أرض الله واسعة تهاجروا فيها) لأن المعنى سيتغير، ثم لا يصح أن يقال: إن كانت واسعة تهاجروا فيها على المعنى السابق. وكذلك قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها﴾ [الحج: ٤٦]، فالاستفهام مستمر بخلاف ما لو اسقطت الفاء وجزمت، فإن المعنى لا يصح. ويوضحه أيضا قوله تعالى: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ [يونس: ٨٨]، فأنت ترى أنك إذا أسقطت الفاء فقلت (يؤمنوا) تغير المعنى تغيرا كبيرا، وذلك أن قوله تعالى: ﴿فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾ داخل في الدعاء وأن المقصود طلب عدم إيمانهم حتى يروا العذاب الأليم، بخلاف ما لو اسقطت الفاء فقلت (ربنا اطمس على أموالهم .. لا يؤمنوا) فعند ذلك يخرج قولك (لا يؤمنوا فتكون نتيجة الطمس عدم الإيمان، وليس فيه تنصيص على أن ذلك مراد له، وإنما هو تقرير حقيقة فقط. يتبين من ذا أن ثمة فرقا كبيرا بين ذكر الفاء واسقاطها، والجزم على الطلب، فإن لكل معنى، قال تعالى: ﴿وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين﴾ [المنافقون: ١٠]، فأنت ترى أنه نصب الفعل بعد الفاء (فأصدق) ثم عطف عليه بالجزم، (وأكن من الصالحين)، والسبب، والله أعلم، أن قوله (وأكن من الصالحين) ليس على إرادة الفاء بل على نية اسقاطها، فيكون الثاني جزاء كأنه أراد (إن اخرتني أكن من الصالحين) فأسقط الفاء على إرادة الشرط، ولو عطف لكانا شيئا واحدا.

стр. 1125

ولا تقل كيف يصح عطف الجزاء على ما ليس جزاء، فهذا كثير فإنه معلوم أنه يصح العطف بفاء السبب، وواو المعية على الشرط والجزاء (١). فنقول: (إن تأتني فتكرمني أشكر لك صنيعك) وتقول: (من يزرني أكرمه فأشكر له صنيعه) وتقول (من يزرني أكرمه وأشكر له صنيعه) فهذا عطف سبب على جزاء، وذاك عطف جزاء على سبب. فاتضح بهذا أن ما يسمى بجواب الطلب، إنما هو إسلوب شرطي، غير أن هذا الأسلوب يختلف عن أسلوب الشرط المشهور، وهو الذي تذكر فيه أداة الشرط وفعله، وجزاؤه نحو (إن تزرني أزرك) وذلك أن الارتباط هنا ليس بأداة شرط، بل الارتباط بمعنى الجزاء، وأن الشرط في الإسلوب الشرطي المشهور يكون فعلا ماضيا، أو مضارعا، بخلاف هذا الإسلوب فإن الشرط فيه يكون طالبا دائما. ثم إن هذا التعبير يؤدي معنى لا يؤديه الأسلوب الشرطي المشهور، فمثلا أن قوله تعالى: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض﴾ [البقرة: ٦١]، لا يؤديه قولنا (إن تدع لنا ربك يخرج) وذلك أن قوله (ادع لنا ربك) يفيد أن الدعاء مطلوب مراد للقائلين بخلاف قولنا (إن تدع لنا يخرج) فإنه لا يدل على أن الدعاء مطلوب لهم، ومثله قوله تعالى: ﴿نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون﴾ [النمل: ٤١]، فهذا يختلف عن قولنا (إن تنكروا لها عرشها ننظر) فإن قوله تعالى: ﴿نكروا لها عرشها﴾ يفيد أن التنكير مأمور به مطلوب، بخلاف قولنا (إن تنكروا لها عرشها ننظر) فإن معناه إذا فعلتم ذلك نظرنا، ولا يفيد ان التنكير مطلوب. ومثله قوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ [التوبة: ١٤]، فإنه يدل على أن القتال مطلوب، بخلاف ما لو قلنا (إن تقاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) فإنه لا يفيد ان القتال مطلوب صراحة، وكذلك قوله تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠]، يختلف عن قولنا (إن تدعوني استجب لكم) فإنه في الآية يفيد أن الدعاء مطلوب من العبد،

стр. 1126

مراد لله تعالى بخلاف الثانية، وكذلك قوله: ﴿ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل﴾ [إبراهيم: ٤٤]، فإن التأخير مطلوب لهم مراد بخلاف ما لو قلنا: (إن تؤخرنا نجب دعوتك) فإنه لا يفهم هذا المعنى بل هو أسلوب اشتراطي مع الله سبحانه وهو كما ترى يختلف عن الأول. وكذلك بقية أنواع الطلب، فالجزاء هنا يكون جوابا للتمنى، والاستفهام، والعرض والتحضيض، والنهي، مما لا يمكن أن يؤدي بالشرط، تقول (ليت محمدا هنا يدافع عني) فيدافع جواب للتمنى، ولا يؤدي هذا المعنى بالشرط فيما إذا قلت (أن يكن محمد هنا يدافع عني) إذ ليس في هذا معنى التمنى، وكذلك قولنا (ألا تأتينا تصب خيرا) فإن هذا عرض (وتصب) جواب العرض، ولا يؤدي هذا المعنى بالشرط فيما إذا قلنا (إن تأتنا تصب خيرا) لأنه ليس فيه عرض. جاء في (بدائع الفوائد) أن الفرق بين قولنا (قم أكرمك) و (إن تقم أكرمك) أنه " في قوله: (قم أكرمك) فائدتان ومطلوبان: أحدهما جعل القيان سببا للإكرام، ومقتضيا له اقتضاء الأسباب لمسبباتها. والثاني كونه مطلوبا للآمر مرادا له، وهذه الفائدة لا يدل عليها الفعل المستقبل فعدل عنه إلى لفظ الأمر تحقيقا له، وهذا واضح جدًا (١). ففي الشرط فائدة واحدة، وهو اقتضاء الأسباب لمسبباتها، وفي هذا التعبير فائدتان هما فائدة الشرط المذكورة، والثانية إفادة معنى الطلب من أمرن ونهي، واستفهام، وتمن، ونحوه مما لا يتحقق بالشرط.

стр. 1127

إضمار اللام: ذهب بعض النحاة إلى أن لام الأمر قد تضمر بعد قول هو أمر، نحو قوله تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقوله: ﴿قل لعبادي الذين أمنوا يقيموا الصلاة﴾ [إبراهيم: ٣١]، والعنى: قل لهم ليقولوا وليقيموا (١). وذهب الجمهور إلى أن الجزم هو مثله في قولنا (ائتني أكرمك) أي على تقدير إن تقل لهم يقيموا الصلاة " وابطل ابن مالك بالآية أن يكون الجزم في جواب شرط مقدر لأن تقديره يستلزم أن لا يتخلف أحد من المقول له ذلك، عن الامتثال ولكن التخلف واقع وأجاب ابنه بأن الحكم مسند إليهم على سبيل الاجمال، لا إلى كل فرد فيحتمل، أن الأصل (يقم أكثرهم) ثم حذف المضاف وأنيب عنه المضاف إليه، فارتفع واتصل بالفعل، وباحتمال أنه ليس المراد بالعباد الموصوفين بالإيمان مطلقا بل المخلصين منهم. (٢). والذي يبدو لنا أن الرأي الأول أصوب، لأن العنى على تقدير الشرط قد يبعد بخلاف تقدير اللام فقولنا (قل له يحفظ القصيدة) معناه: قل له ليحفظها، وليس معناه (إن تقل له يحفظها) وقد أبطل ذلك ابن مالك. وأما جواب ابنه ففيه نظر، وذلك أنه قد يؤتى بهذا التعبير فيما لا يصح فيه الشرط، فقد نقول هذا التعبير عمن لم نتيقن من استجابته، فيصح أن نقول عن شخص لم نتيقن من استجابته (قل له ينته عن الخمر) فلا يصح تقدير: (إن تقل له ينته عن شرب الخمر) وكذلك أن تقول (قل له ينته عن القول بالرجعة) وأنت تعلم أنه لا ينتهي، أو غير متيقن من استجابته، وأن تقول (قل لهم يكفوا عن التخريب) لمن لا تعلم أنهم سينتهون بمجرد القول، فلا يصح تقدير (إن تقل لهم يكفوا عن التخريب) بخلاف تقدير اللام، فإنه موافق للقصد.

стр. 1128

وليس معنى ذلك أنه بعد كل قول هو أمر يكون المحذوف لامًا، بل قد يكون أسلوبا شرطيا، فإن المعنى هو الحاكم ففي قولك (قل الحق يعصمك الله) معناه أن تقل الحق يعصمك الله، وليس معناه ليعصمك الله، ونحوه قوله تعالى: ﴿يآيها الذين أمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، فإن معناه الشرط، وليس الأمر. وقد يحتمل التعبير المعنيين، الشرط والأمرن وذلك نحو قولنا (قل له يفعل ذاك) فهذا يحتل الأمر، ويحتمل الشرط، فإذا أردت أنك إن تقل له يفعل ذاك، كان شرطا، وإلا كان أمرًا، كما أن حذف اللام ليس محصورا بالقول، بل قد يكون مع غيره حسبما يقتضي المعنى وذلك نحو قوله: ﴿ادعوا ربك يخفف عنا يوما من العذاب﴾ [غافر: ٤٩]، فإن المعنى الأظهر له (ادعوا ربكم ليخفف عنا يوما من العذاب)، وليس (إن تدعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب). وكذلك قوله تعالي: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها﴾ [البقرة ٦٩]، فالأرجح أنه على تقدير أدع ليبين لنا ما لونها، وليس على تقدير إن تدع يبين. ونحوه قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم﴾ [المنافقون: ٥] فإنه ليس المعنى إن تأتوا يستغفر لكم، رسول الله، إذ ليس الاستغفار حاصلا من مجرد الاتيان، بل الراجح أن المعنى تعالوا ليستغفر لكم رسول الله. ومثله قوله تعالى: ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين أمنوا انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣]، فإنه ليس المقصود: إن تنظرونا نقتبس من نوركم، بل هو طلب النظر لاقتباس النور، أي على معنى (انظرونا لنقتبس من نوركم) ومثله: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ [الأعراف: ١٤٣]، فإن الراجح أن المعنى أرني لأنظر إليك، وليس: إن ترني أنظر إليك. وربما احتمل بعض هذه التعبيرات الشرط من وجه بعيد إلا أن تقدير اللام أظهر.

стр. 1129

ولو قال قائل إن المعنى على تقدير لام التعليل في نحو قوله تعالى: ﴿تعالوا يستغفر لكم رسول الله﴾ وقوله: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ لكان أشبه بالمعنى والله أعلم. وقد تقول: ما الفرق بين التصريح باللام وإضمارها، فما الفرق بين قولنا (قل له يفعْل) و (قل له ليفعْل)؟ الذي يبدو أن ثمة فرقًا بين التعبيرين، وذلك أن القائل استغنى بفعل الأمر عن أمر جديد باللام، وهذا ألطف إذ لا يحسن أحيانًا مواجهة المعنى بالأمر الصريح، فتستغني عنه بالأمر السابق الموجه إلى المخاطب، لا إلى الشخص المطلوب منه الفعل، فقوله: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا﴾ [البقرة: ٦١]، يختلف عن قولنا (ادع لنا ربك ليخرج لنا) فإن المخاطب في التعبير الأول موسى ﵇ فاستغني بخطابه عن ذكر لام الأمر مع الله تعالى في حين أنه في العبارة الثانية تكون لام الأمر صراحة لله تعالى. أنه بذكر اللام يكون الشخص المعنى مأمورا صراحة بخلاف إضمارها وهذا أرق وألطف، فقولك (قل له يفعل) أرق وألطف من قولك (قل له ليفعل) لما في اللام من تنصيص على الأمر، وهذا نظير قولنا ((تذهب إلى فلان وتخبره)) بمعنى اذهب إليه وأخبره فهذا ألطف من (اذهب إلى فلان وأخبره) لأنك عدلت عن لفظ الأمر الصريح إلى الخبر إذ لا تريد أن تجعل هذا الشخص مأمورا لك صراحة. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية أن المعنى بإضمارها قد يتسع، ويحتمل أكثر من وجه بخلاف ذكرها فإن ذكرها تنصيص على الأمر، بخلاف حذفها، فإنه يحتمل الأمر والشرط وربما التلعيل، وذلك نحو قولنا ((قل له يحفرها) فهذا يحتمل الأمر، أي قل له ليحفرها ويحتمل الشرط، أي إن تقل له يحفرها، بخلاف قولنا (قل له ليحفرها) فهذا نص في الأمر. وقد يكون المعنيان صحيحين مرادين للمتكلم، فيكون قد كسب معيين بتعبير واحد فيكون الحذف أولى، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قل للذين أمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله﴾ [الجاثية: ١٤]، فإن هذا يحتمل الشرطن أي: إن قلت لهم فعلوا ذلك.

стр. 1130

وهو تهييج لطاعة ربهم، وامتثال أوامره، لما فيه من حسن الظن بهم، تعالى الله عن الظن، ويحتمل الأمر أي قل لهم ليفعلوا، ففي هذا التعبير فائدتان: الأمر والشرط، فإنه بدل أن يقول لهم (قل لهم ليغفروا، فإنك إن قلت لهم يغفروا) قال: (قل لهم يغفروا) فأفاد المعنيين من أوجز طريق وأيسره، بخلاف ذكر اللام فإنه لا يفيد إلا معنى واحدا. ونحوه قوله تعالى: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم﴾ [الحديد: ١٣]، فإن هذا قد يحتمل الشرط، ولو من وجه بعيد أي إن تنظرونا نقتبس من نوركم، ويحتمل التعليل أي: (انظرونا لنقتبس من نوركم)، وربما احتمل الأمر من وجه أبعد، والمعنى (لنقتبس) فيكونون قد أمروا أنفسهم بالاقتباس. ونحوه قوله تعالى: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض﴾ [البقرة: ٦١]، فإن هذا قد يحتمل الشرط، والمعنى إن تدع ربك يخرج لنا بخلاف ما لو دعوناه نحن، والمعنى: أنه يستجيب لك ولا يستجيب لنا، ويحتمل التعليل، أي ادعه ليخرج لنا مما تنبت الأرض، والمعنى: ادعه لهذا الغرض، ويحتمل الأمر، أي: ليخرج ولكنه حذف اللام إكبارا وإجلالا للذات العلية من أن يصرح معها بلام الأمر، وهذا شأن كثير مما حذف فيه اللام والله أعلم.

стр. 1131

حرفا الاستقبال السين وسوف من المناسب بحث حرفي الاستقبال سوف والسين هنا، لاختصاصهما بالفعل المضارع، إن سوف والسين حرفا استقبال (١). قال تعالى: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿سأصليه سقر﴾ [المدثر: ٢٦]. ولفظ (السوف) يدل على البعد عمومًا، فمن معانيه الموت، ومثله السواف، ومنه قولهم: ساف المال يسوف إذا هلك، ويقال: رماه الله بالسواف أي الموت، والسوف الصبر. ومنه المسافة والسيفة وهو بعد المفازة والطريق (٢). والسوف الشم، وقيل بل هو لشم رائحة ما ليس حاضرًا. جاء في (بدائع الفوائد): " وأما سوف فحرف، ولكنه على لفظ السوف الذي هو الشم لرائحة ما ليس بحاضر، وقد وجدت رائحته كما أن سوف هذه تدل، على أن ما بعدها ليس بحاضر، وقد علم وقوعه وانتظر إيابه، ولا غرو أن يتقارب معنى الحرف من معنى الاسم المشتق المتمكن في الكلام (٣). فلفظ السوف عموما يفيد البعيد. وحرف الاستقبال (سوف) موافق للفظ السوف، ومعناه فإن الاستقبال بـ (سوف) فيه بعد وتراخ، وربما أخذ منه وجرد لمعنى الاستقبال، كما أخذ حرف (على) من العلو، وحرف (خلا) من الخلو.

стр. 1132

قالوا: و (سوف) أكثر تنفيسا من السين: فإن لفظها أكثر فهو يؤذن بالبعد. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وسوف أكثر تنفيسا من السين .. وقيل أن السين منقوص من سوف دلالة بتقليل الحرف على تقريب الفعل (١). وقال ابن أياز في (شرح الفصول) أن التراخي في سوف أشد منه في السين، بدليل استقراء كلامهم، قال تعالى: ﴿وسوف تسئلون﴾ [الزخرف: ٤٤]، وطال الأمد والزمان، وقال تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس ماولاهم﴾ [البقرة: ١٤٢]، فتعجل القول (٢). وقال: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا﴾ [النساء: ٥٦]. قال: ﴿وسف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾ [المائد: ٥٤]، وقال: ﴿ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم﴾ [النساء: ٩١]، وقال: ﴿سنراود عنه أباه﴾ [يوسف: ٦١]، وقال: ﴿سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا﴾ [الكهف: ٧٨]. فاستعمل (سوف) للبعيد، والسين للقريب. ومما يدل على ذلك قوله تعالى على لسان يعقوب ﵇ لابنائه: ﴿قال سوف استغفر لكم ربي﴾ [يوسف: ٩٨]، وقوله على لسان إبراهيم ﵇ لأبيه: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي﴾ [مريم: ٤٧]، فجاء بوعد يعقوب بسوف، ووعد إبراهيم بالسين، لأن وعد يعقوب أطول من وعد إبراهيم، وذلك لما فعلوه به وبأخيهم يوسف، فهو وعدهم بالاستغفار في المستقبل حين طلبوا ذلك منه، قال تعالى: ﴿قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨]، بخلاف آية إبراهيم فإنه دعاه أباه إلى الإسلام، فلم يستجيب وفي نهاية الحديث قال له: ﴿سلام عليك سأستغفر لك ربي﴾ [مريم: ٤٧]، فجاء بالسين الدالة على القرب، يدل على ذلك بدؤه بقوله: ﴿سلام عليك﴾ فالفرق واضح.

стр. 1133

ومما يدل على إفادة (سوف) للبعد والتراخي، أنه يؤتى بها للتبعيد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وهذا في طلب موسى ﵇، من ربه أن يريه ذاته: ﴿قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ فجاء بـ (سوف) ولم يأت بالسين الدالة على القرب، للدلالة على بعد هذا الأمر، وأن وقوعه بعيد المنال مستحيل الحصول. ونحوه قوله تعالى: ﴿ويقول الإنسان أءنا ما مت لسوف أخرج حيا﴾ [مريم: ٦٦]، وهذا للتبعيد، وذلك أن هذا القائل يعتقد أن الحياة بعد الموت أمر بعيد الوقوع، لا يكون فجاء بـ (سوف) الدالة على البعد، ولم يأت بالسين. وقالوا هما حرفان مؤكدان، إذا دخلا على فعل أفادا أنه واقع لا محالة. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾ [النساء: ١٥٥٢]، " معناه إن ايتاءها كائن لا محالة وإن تأخر، فالغرض به توكيد الوعد وتثبيته، لا كونه متأخرًا (١). وجاء فيه في قوله: ﴿أولئك سيرحمهم الله﴾ [التوبة: ٧١]، " السين مفيدة وجود الرحمة لا محالة فهي تؤكد الوعد، كما تؤكد الوعيد في قولك: (سأنتقم منك) تعني أنك لا تفوتني وأن تباطأ ذلك (٢). وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة: ١٣٧]، " ضمان من الله لإظهار رسول الله ﷺ .. ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى حين" (٣). والذي يبدو أن (سوف) أكثر توكيدًا من السين، لزيادة حروفها عليها، ويدل على ذلك الاستعمال القرآن لها، قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ [النساء: ١٠].

стр. 1134

وقال: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا﴾ [النساء: ٢٩ - ٣٠]، فجاء بـ (سوف) هنا بخلاف آية الايتام، وذلك أن المقام يقتضي الزيادة في التهديد، لأنه في عقوبة قتل النفس عدوانا وظلما، بخلاف الآية السابقة فإنها في كل أموال اليتامى، والقتل أشد ولا شك، فزاد لهم في التهديد والتوكيد لما زاد الفعل سوءا ونكرا، ثم إنه لما قال (عدوانا وظلما) فزاد العدوان على الظلم، زاد لهم التهديد، فجاء بـ (سوف) التي هي آكد من السين، ونسب الاصلاء إلى نفسه فقال (فسوف نصليه نارا) بخلاف الآية السابقة فإنه قال (وسيصلون سعيرا) فنسبه إليهم. ومن الطريف أن يؤتى بلفظ (السوف) الذي يفيد الهلاك والموت مع فعلة القتل بخلاف آية الايتام. ونحو ما مر قوله تعالى: ﴿فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله﴾ [غافر: ٤٤]. وقوله: ﴿الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون، إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون، في الحميم ثم في النار يسجرون﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٢]. وذلك أنه في الآية الأولى لم يزد التهديد على ما ذكر، وهو قوله: ﴿فستذكرون ما أقول لكم أما في الآيات التالية فإ التهديد يطول ويستمر إلى الآية ٧٦﴾، فلما طال التهديد، وازداد جاء بـ (سوف) التي هي أطول من السين، وأكثر توكيدًا. وقد يكون المقام مقام إطالة فيؤتى بـ (سوف)، أو مقام إيجاز فيؤتى بالسين، وذلك لزيادة حروف الأولى على الثانية، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا﴾ [النساء: ٥٦]، وقوله: ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾ [النساء: ٥٧]. فجاء في الأولى بـ (سوف) وفي الثانية بالسين وذلك أن المقام يقتضي أن يكون كل

стр. 1135

في موضعه، فإن الآيات التي قيلت في الكافرين تسع آيات. تبدأ بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨ - ٥٦]، بخلاف آية المؤمنين، فإنها آية واحدة وهي الآية المذكورة، فجاء في مقام اللإطالة بـ (سوف) وفي مقام الإيجاز بالسين. ونحوه قوله تعالى: ﴿ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيما﴾ [النساء: ٧٤]. وقوله: ﴿فأما الذين أمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل﴾ [النساء: ١٧٥]. فأنت ترى أنه في الآية الأولى قال (فسوف نؤتيه) وفي الثانية قال: (فسيدخلهم في رحمة منه) وذلك للسبب نفسه، فإن الآية الأولى في سياق القتل والشهادة الذي يبدأ بالإيماء إلى الشهادة في قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول .. والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩]. ويستمر بالتحريض على القتال: ﴿يأيها الذين أمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا﴾ [النساء: ٧١]، وتستمر آيات القتال، ومقدارها عشر آيات، بخلاف آية المؤمنين فإنها آية واحدة وهي الآية المذكورة وتأتي بعدها آية المواريث. فاقتضي المقام أن يؤتي بـ (سوف) الكثيرة الحروف في مقام الإطالة، والسين في مقام الإيجاز. وقد يكون القصد إظهار أن ما يدعدون به قريب فيؤتى لذلك بالسين وذلك نحو قوله تعالى: ﴿سأصليه سقر﴾ [المدثر: ٢٦]، وقوله: ﴿سندع الزبانية﴾ [العلق: ١٨]، وقوله: ﴿سنفرغ لكم أية الثقلان﴾ [الرحمن: ٣١]، فجاء بالسين للدلالة على أن ذلك قريب الوقوع وهو نظير قوله تعالى: ﴿إنا أنذرناكم عذابا قريبًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وقوله: ﴿أتي أمر الله فلا تستعجلوه﴾ [النحل: ١]. فأنت ترى أنه يستعمل كلا منهما حسبما يقتضيه المقام.

стр. 1136

فعل الأمر وهو طلب الفعل بصيغة مخصوصة (١).، وصيغته (افعل) نحو (اذهب)، ويكون بحذف حرف المضارعة من الفعل المضارع، ولا يكون بصيغته المعلومة إلا للمخاطب، وإما غير المخاطب فيؤمر باللام نحو ﴿ليقض علينا ربك﴾ [الزخرف: ٧٧]، و (لأذهب معكم). وقد يخرج الأمر عن معناه الحقيقي إلى المجاز، ومن أشهر معانيه المجازية: ١ - الإباحة، نحو: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]. ٢ - الدعاء، نحو: ﴿رب اغفر لي ولوالدي﴾ [نوح: ٢٨]. ٣ - التهديد، نحو: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]، وكأن تقول لابنك مهددا (العب ولا تدرس). ٤ - التوجيه والإرشاد، نحو: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥]، و (احفظ الله يحفظك). ٥ - الإكرام، نحو: ﴿ادخلوها بسلام آمنين﴾ [الحجر: ٤٦]. ٦ - الإهانة، نحو: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]. ٧ - الاحتقار، نحو: ﴿فاقض ما أنت قاض﴾ [طه: ٧٢]. ٨ - التسوية: نحو: (افعل أو لا تفعل) ونحو قوله: ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ [الطور: ١٦]. ٩ - الامتنان، نحو: (كل مما أنفق عليك)، ونحو: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ [الملك: ١٥].

стр. 1137

١٠ - العجب، نحو: (انظر ماذا يصنع)، و ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾ [الإسراء: ٤٨]. ١١ - التكذيب، نحو: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ [آل عمران: ٩٣]، إذ القصد إظهار كذب ادعائهم. ١٢ - التعجيز، نحو: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]، إذ ليس المراد طلب ذلك منهم، بل إظهار عجزهم، ونحو قوله: ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ٣١]. ١٣ - الإذلال، نحو: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥]، فليس المخاطب مكلفا أن يفعل شيئا. ١٤ - اظهار القدرة وفي هذا يكون المخاطب غير مأور بأن يحدث فعلا، نحو: ﴿قل كووا حجارة أو حديدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]، : " يعني لو كنتم حجارة أو حديدًا، لأعدناكم، الم تسمع إلى قوله حاكيا عنهم، ومجيبا لهم (فسيقولون من يعيدنا؟ قل الذي فطركم أول مرة) فهذا يبين لك أن لفظ الأمر في هذا الموضع، تنبيه على قدرته سبحانه" (١). إلى غير ذلك من المعاني. زمنه: يقول النحاة: " والأمر مستقبل أبدًا، لأنه مطلوب به حصول ما لم يحصل، أو دوام ما حصل نحو: ﴿يأيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: ١]. قال ابن هشام: إلا أن يراد به الخبر، نحو: (إرم ولا حرج)، فإنه بمعنى رميت، والحالة هذه وإلا لكان أمرًا بتجديد الرمي وليس كذلك (٢).

стр. 1138

من هذا القول يتبين أن زمن فعل الأمر كما يرى النحاة، هو الاستقبال، وقد يراد به دوام ما حصل. والحق أن تحديد زمن فعل الأمر بما هو مذكور في هذا القول فيه نظر، إذ هو أوسع من ذلك. ١ - فقد يكون فعل الأمر دالا على الاستقبال المطلق، سواء كان الاستقبال قريبًا أم بعيدًا، فمن المستقبل القريب أن تقول مثلا (أغلق النافذة) و (افتح الباب) وكقوله تعالى: ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ [البقرة: ٦٨]، وقوله: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ [الحجر: ٩٤]. ومن البعيد قوله تعالى: ﴿ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما﴾ [الفرقان: ٦٥]، وقوله: ﴿وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾ [آل عمران: ١٩٤]، وكقولك: (رب ادخلني الجنة). ٢ - وقد يكون دالا على الحال وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩]، فزم الذوق مصاحب لصب الحميم، ومثله قوله تعالى: ﴿يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ [الذاريات: ١٣ - ١٤]، فزمن الذوق هو زمن تعذيبهم في النار. ومثله قوله تعالى: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر﴾ [القمر: ٤٨]. وهذا كله واضح في أنه للحال، ونحو ذلك أن تقول لمن لا يعلم ماذا خبئ لع، وماذا يراد به وهو يضحك ويصخب (أضحك قبل أن تبكي) ونحوه قوله تعالى: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا﴾ [التوبة: ٨٢]، فالضحك للحال، والبكاء في الاستقبال. ٣ - الأمر الحاصل في الماضي، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فلما دخلوا على يوسف آوي إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين﴾ [يوسف: ٩٩]، فقوله: (ادخلوا مصر) كان بعد دخولهم إياها فهو أمر يفيد المضي.

стр. 1139

ونحوه قوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات وعيون ادخلوها بسلام آمنين﴾ [الحجر: ٤٥ - ٤٦]، فقوله (ادخلوها) كان بعد دخلوهم الجنة، يدل على ذلك قوله ﴿إن المتقين في جنات وعيون﴾. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر﴾ [القمر: ٣٨ - ٣٩]، فقوله: (فذوقوا عذابي ونذر كان بعد تصبيحهم العذاب وذوقه. وهذا له نظائر في الكلام، فقد تقول لشخص قتل بسبب فعلة سوء فعلها: (ذق عاقبة ما فعلت) وتقول: (اشرب من الكأس التي جرعتها لغيرك). وهذا كله أمر واقع في الزمن الماضي. ومن ذلك قول المنصور بعد ما قتل أبا مسلم. اشرب بكأس كنت تسقي بها ... أمر في الحلق من العلقم زعمت أن الدين لا يقتضي ... كذبت فاستوف أبا مجرم ومن دلالة فعل الأمر على المضي قوله ﷺ لشخص رمي في الحج بعد الذبح (ارم ولا حرج) فليس القصد امره بالمرمي في المستقبل، لأن الرمي قد حصل في الماضي وإنما المعنى هو الموافقة على ما فعل، ونحوه قوله ﷺ لرجل قال له: رميت بعدها أمسيت، (افعل ولا حرج) فهذا من باب الاقرار على ما حصل، والموافقة عليه، وليس من باب طلب القيام بالفعل مرة أخرى، فقد دل فعل الأمر على المضي كما هو ظاهر. ونحو هذا أن يقول لك شخص: إني هجوت فلانًا وسببته. فتول له: اهجه وسبه، موافقا على ما فعل، وليس القصد تكرار الهجاء والسبب، ومثله قولك لمن شرب دواء أو شرابا: (اشرب بالهناء والشفاء) وهو قد شربه، فالفعل دل ههنا على المضي وليس القصد الأمر بالشرب.

стр. 1140

ومن دلالة فعل الأمر على المضي أن تقول: (كن قد اطعت وسمعت لفلان) و (كن قد نفذت وصيتي) و (لتكن قد فعلت الخير) فهذا كله من باب الأمر الواقع في الزمن الماضي وهو مقابل النهي عن امر حدث في الزمن الماضي في نحو قولك: (لا تكن قد أسألت إليه) و (لا تكن قد غششت أحدًا). والحق أنه ليس في يدي شاهد على نحو قولنا (كن قد أطعت له) ولكن مؤدي قول النحاة جواز ذلك، فإنهم جوزوا وقوع الفعل الماضي خبرا لكان، وشواهده كثيرة من القرآن وغيره، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل﴾ [الأحزاب: ١٥]، وقوله: ﴿عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون﴾ [النمل: ٧٢]، وقوله: ﴿وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقوله: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها لو تكن آمنت من قبل﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: ٢٣]. قال امرء القيس: وإن تك قد ساءتك مني خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل ولم يستثنوا وقوعه خبرا لأمر " كان"، مع أنهم ذكروا ما لا يصح وقوعه خبرا للأفعال الناقصة، فقد ذكروا أن خبر الأفعال الناقصة لا يكون جملة طلبية، ولا يكون خبر صار وما بمعناها ماضيا (١). وعلى آية حال فالشواهد كثيرة على دلالة الأمر على الماضي، وذكرنا ما فيه الكفاية. ٤ - الأمر المستمر: وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ [البقرة: ٨٣]، قوله: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]، وقوله في معاملة الأبوين: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ [لقما: ١٥]، وقوله: ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾ [الملك: ١٥] وقوله: ﴿وأوحي ربك إلى النخل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما

стр. 1141

يعرشون﴾ [النحل: ٦٨]، وقوله: ﴿فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم﴾ [طه: ٥٣ - ٥٤]، فهذا الأمر كله مطلوب استمراره والعمل به على وجه الدوام. وقد يكون الأمر مستمرًا إلى أجل، أو مشروطًا بشرط، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾ [التوبة: ٤]، وقوله: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ [التوبة: ٧]، فالاستقامة لهم مشروطة باستقامتهم هم، ونحو قوله ﷺ : " اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله" فالسمع والطاعة مشروطان بإقامة كتاب الله. والأمر المستمر له صورتان: أ - الأمر باستمرار ما هو حاصل، وذاك نحو قوله تعالى: ﴿يأيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: ١]، فالمطلوب هو الاستمرار على التقوى، لأن الرسول ﷺ متقٍ الله قبل نزول الآية. ونحو قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا بالله ورسوله﴾ [النساء: ١٣٦]، فقد طلب منهم الاستمرار والثبات على الإيمان لا أن يحدثوا إيمانا جديدًا لم يكن في قلوبهم، فإنهم مؤمنون قبل نزول هذه الآية، ألا ترى أنه خاطبهم بقوله (يا أيها الذين آمنوا)؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فإنهم مقيمون للصلاة محافظون عليها قبل نزول هذه الآية، ومثله قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك﴾ [هود: ١١٢]، وقوله: ﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ [البقرة: ٧٢]، فقد طلب منهم الاستمرار على اختيار الطيبات من الرزق، فإنهم ولا شك كانوا يأكلون مما رزقهم الله قبل نزول هذه الآيةن وإلا فمن أي شيء كانوا يأكلون؟ فهذا كله من باب الأمر بالاستمرار على ما هو حاصل وطلب الثبات والمداومة عليه. وقد يكون الأمر تهديدا لمن كان على حالة غير مرضية، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون﴾ [الحجر: ٣]، وقوله: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين﴾ [المؤمنون: ٥٤]، فيقول له: اترك هؤلاء مستمرين على ما هم عليه فسوف يرون جزاءهم.

стр. 1142

ب - الأمر بفعل لم يكن حاصلا وطلب الاستمرار عليه، وذلك نحو قولك: (حافظ على ما سأعطيك ولاتفرط فيه أبدًا)، ونحو قولك (اكتم ما سأخبرك به ولا تخبر به أحدا) قال تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فقد طلب الله من المسلمين أن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وليس ذلك موقوتا بزمن، بل الأمر مستمر لا ينقطع، ونحوه قوله: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤]، وهذا الأمر مستمر من حيث الأمر به إلى قيام الساعة، ونحو قوله: ﴿يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٢٧٨]، فقوله: ﴿وذروا ما بقي من الربا﴾ أمر بالانتهاء عن الربا بصورة دائمة، ونحوه قوله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله: ﴿قال أنظرني إلى يوم يبعثون﴾ [الأعراف: ١٤]، وقوله: ﴿يآيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ١ - ٥]. فقد أمره بالإنذار على وجه الدوام. فكل ذلك مما يفيد طلب الفعل في المستقبل، ثم الاستمرار والمداومة عليه. ثم إن الأمر المستمر له صورتان تعبيريتان شائعتان: أحدهما: أن يؤمر بالفعل نفسه، نحو ما مر من قوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفا﴾ وقوله: ﴿قم فأنذر﴾. والأخرى: أن يؤتى بأمر (كان) ويؤتى بالخبر اسما للدلالة على طلبه الانصاف بالحدث على وجه الثبوت، وذلك نحو قولنا (كن حافظًا للعهد) ونحو قوله تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط شهداء لله﴾ فالفرق بين قولك (احفظ العهد) و (كن حافظا للعهد) هو ما مر من الفرق بين الاسم والفعل من أن الفعل يفيد الحدوث والتجدد والاسم يفيد الثبوت، فمعنى (كن حافظا للعهد) لتكن هذه صفتك الثابتة، واظنك ترى الفرق واضحا بين قولنا (اطلع) و (كن مطلعا) و (تعلم) و (كن متعلما) وقد مر في مثل هذا ما فيه الكفاية.

стр. 1143

والقياس يجيز أن يكون خبر أمر (كان) فعلا مضارعًا، نحو (كونوا تحافظون عل العهد) و (كونوا تقولون الحق) وهو نوع من أنواع الأمر المستمر، غير أني لم أحفظ شاهدًا عليه. وقد ورد خبر النهي فعلا مضارعًا، والنهي مقابل للأمر، وذلك نحو قول المغيرة ابن جبناء: خذ من أخيك العفو واغفر ذنوبه ... ولا تكفي كل الأمور تعاتبه فإذا جاز وقوع خبر النهي فعلا مضارعا جاز وقوع خبر الأمر مضارعًا أيضا. وأما الأخبار عن أمر (كان) بأمر، فقد منعه النحاة وشذذوا ما ورد من نحو قوله: وكوني بالمكار ذكريني فقد ذكروا أن خبر الأفعال الناقصة لا يكون جملة طلبية كما أسلفنا. ٥ - وربما كان فعل الأمر مطلقا غير مقيد بزمنن لكونه دالا على الحقيقة أو لكونه دالا على التوجيه والحكم أو لغير ذاك، وذلك كقوله: كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب فهو لا يأمرك بأن تكون ابن من شئت على وجه الحقيقة، فليس بمقدورك ذاك وإنما القصد أن يأمرك باكتساب الأدب ولا يهم بعد ذلك أن تكون ابن من ممن خلق الله. فقوله (كن ابن من شئت) لا يدل على زمن ما وإنما هو ذكر لحقيقة من حقائق الحياة، وهي أن الأدب يغني عن النسب، ونحوه قوله (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهذا لا يقصد به التعرف إلى الله والالتجاء إليه في وقت دون وقت، وإنما هو من باب التوجيه للالتجاء إليه في كل وقت، إذ من المعلوم أن أغلب الناس تبطرهم الراحة وينسيهم الرخاء، فهم لا يلتجئون إلى الله إلا في وقت الشدة والضيق، ونزول المكروه، فيقول لهم إذا أردتم ان يعينكم الله ويخلصكم مما تقعون فيه من محن وكروب، فالتجئوا إليه واعرفوا له حقه في كل وقت.

стр. 1144

ومن باب الحقائق أن تقول مثلا: (احترم الناس يحترموك وتواضع لهم يرفعوك) فهذه قاعدة عامة وحقيقة مطلقة غير مقيدة بزمن، فمن احترم الناس احترموه، ومن تواضع لهم رفعوه. وقد يكون فعل الأمر غير مطلوب حصوله، بل إنما يذكر للتحذير منه، وذلك كأن تقول: (تواضح للناس يحبوك واستعل عليهم يبغضوك) فانت لا تأمره بالاستعلاء على الناس، وإنما تحذره منه فتقول له: إذا استعليت على الناس أبغضوك، ونحوه أن تقول: (اكذب مرة تفقد ثقة الناس ولو صدقت بعدها ألف مرة)، فأنت لا تأمره بالكذب وإنما تحذره منه. ونحوه أن تقول: (اعمل خيرا تلق خيرا، واعمل شرا تلق شرا) وأن تقول: (ازرع شوكا تجن شوكا) ومنه المثل المشهور (سمن كلبك يأكلك). فأنت لا تأمره بعمل الشر، ولا بزرع الشوك وإنما أنت تحذره من مغبة فعل السوء، وهذا كله من باب الحقائق المطلقة غير المقيدة بزمن. وقد يكون استعمال فعل الأمر في الدلالة على الحقيقة على نحو آخر، وذلك نحو ما روي في الحديث أن رسول الله ﷺ رأي رجلا مبيضا (١). يزول به السراب، فقال رسول الله ﷺ (كن أبا خيثمة) فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري. فقوله ﷺ : (كن أبا خيثمة) ليس أمرا بأن يكون الشخص على غير حقيقة، بل أراد أن يكون هذا الشخص القادم هو من ذكر، أو وقع في روعه ذاك. ونظير هذا أن تقول على جهة الحدس، أو التمنى، أو نحوهما (كن فلانا) أو (كن كذا وكذا) فتطلب أن يصدق حدسك أو متمناك وذلك كأن تسمع خشخشة شخص، أو حركة ويقع في نفسك أنه (محمود) مثلا، فتقول: (كن محمودا) فأنت لا تأمر الشخص أن يكون على غير حقيقته، وإنما تطلب أن يصدق حدسك وما وقر في نفسك.

стр. 1145

وقد تقوله على جهة التمنى، فقد تسمع حركة أو نأمة، وتتمنى أن يكون صاحب هذه الحركة، خالدا فتقول (كن خالدا) ونحوه أن تري شخصا قادمًا من بعيد، وأنت جائع عطشان، فتقول: (كن شخصا يحمل الماء والطعام)، وقد يأتي أحد أقاربك بظرف مليء فتتمني أن يكون ما فيه عسلا مثلا، فتقول (كن عسلا) أو ليكن ما فيه عسلا، تقول ذلك متمنيا. فهذا ونحوه ليس أمرًا بشيء، وإنما تطلب أن تكون الحقيقة على ما تذكر. وقد نستعمل فعل الأمر بطريقة اخرىن فقد تقول مثلا (أخفق ثم أخفق، ولكن لا تيأس) فأنت ههنا لا تأمره بالإخفاق، ولا تحذره منه، ولكنك تقول إذا أخفقت فلا تيأس، فأنت توجهه إلى عدم اليأس عند الاخفاق. وهو كما ترى أيضا خال من الدلالة على زمن معين. قد تبين أن زمن الفعل الأمر لا ينحصر فيما ذكره النحاة.

стр. 1146

أسماء الأفعال وهي ألفاظ تؤدي معاني الأفعال، ولا تقبل علاماتها وليست هي على صيغها فسماها النحاة أسماء الأفعال. وهي عند جمهور النحاة أسماء لأن قسما منها يقبل بعض علاماته، كالتنوين وذلك نحو صهٍ وأفٍّ والألف واللام، نحو (النجاءك) وليست هي عند النحاة بمنزلة بين الأسماء والأفعال أي قسما رابعا من أقسام الكلام، ولذلك سموها بأسماء الأفعال، كما ذهب إليه بعضهم (١). بل هي أسماء حقيقية (٢). عندهم. قال سيبويه: "واعلم أن هذه الحروف التي هي أسماء للفعل، لا تظهر فيها علامة المضمر، وذلك لأنها أسماء (٣). وقال ابن مالك: والأمر إن لم يك للنون محل ... فيه هو اسم نحو صه وحيهل وسميت (أسماء الأفعال) بهذا الاسم، لأنها أسماء تؤدي معاني الأفعال، كما تؤدي المصادر أحيانا معاني الأفعال، في نحو قولك (سكوتا) بمعنى (اسكت) و (انكفافا) بمعنى (انكف)، و (صبرا) بمعنى (اصبر) غير أن هذه مصادر معربة وأسماء الأفعال مبنية غير متصرفة، وذلك نحو (صه) اسم للفعل اسكت، فهو بمعنى (سكوتا) و (مه) اسم للفعل (انكفف)، بمعنى (انكفافا). وهكذا بقية أسماء الأفعال، والذي حملهم على أن قالوا إن هذه الكلمات وأمثالها ليست بأفعال، مع تأديتها معاني الأفعال، أمر لفظي وهو أن صيغها مخالفة لصيغ الأفعال، وأنها لا تتصرف تصرفها ويدخل اللام على بعضها والتنوين في بعض، وظاهر كون بعضها ظرفا وبعضها جارا ومجرورًا (٤).

стр. 1147

وذهب الكوفيون إلى أنها أفعال، لدلالتها على الحدث والزمان، وذهب ابن صابر إلى أنها قسم رابع زائد على أقسام الكلام الثلاثة سماه الخالفة (١). ومذهب الكوفيين بعيد، في نحو (رويد خالدا) و (بله زيدا) و (النجاءك)، ومكانك وعليك، فإن رويد وبله مصدران معلومان يستعملان مصدرين، نحو (رويد خالد) و (بله محمد) يجر ما بعدها. ويستعملان اسمي فعل، نحو (رويد خالدا) و (بله محمدا) بنصب ما بعدهما (٢). و(النجاءك) مصدر محلي بأل، ومكانك ظرف، وعليك جار ومجرور، فجعل أسماء الأفعال أفعالا فيه نظر. وعلى أي حال لا خلاف بين النحاة في أنها تؤدي معاني الإفعال سواء قلنا باسميتها أم بفعليتها. التنوين الداخل عليها: يدخل التنوين على قسم من هذه الألفاظ، وذلك نحو صهٍ وايهٍ وافٍ، وهذا التنوين عند الجمهور يفيد التنكير، فإذا قلت (صه) بالتسكين كان أمرا له بالسكوت عن حديث معين وإذا قلت (صهٍ) بالتنوين كان أمرًا له بالسكون عن كل حديث، فيكون معنى (صه) السكوت، و (صهٍ) سكوتا، وهكذا (إيهِ) و (إيهٍ) فإن (إيهِ) بلا تنوين طلب الاستزادة من حديث معين (وايهٍ) طلب الاستزادة من أي حديث يشاء المتكلم، ومعنى (مهٍ) بالتنوين انكفافا، ومعنى (مهْ) بالتسكين الانكفاف. قال سيبويه: وزعم - أي الخليل - أن بعضهم قال (صهٍ) ذلك أرادوا النكرة، كأنهم قالوا سكوتًا" (٣).

стр. 1148

وجاء في (الأمالي الشجرية): " ومن نونه أراد به التنكير، لأن تنوين هذا الضرب علم للتنكير كقولهم في المسزادة من الحديث (إيهٍ) إذا أرادوا حدثني حديثا ما، و (ايهِ) من حديث يعرفه المحدث، والمحدث ومثله صهٍ وصه، ومهٍ ومه، فمن نون فكأن قال: افعل سكوتا واكفا، ومن لم ينون فكأنه قال افعل السكوت وكذلك من قال (اف) فنون أراد أتضجر تضجرا، ومن لم ينون فهو بمنزلة اتضجر التضجر المعروف (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما التنوين اللاحقة لبعض هذه الأسماء فعند الجمهور للتنكير، .. فصهٍ بمعنى سكوتا، وايه بمعنى زيادة فيكون المجرد من التنوين مما يلحقه التنوين كالمعرف، فمعنى (صه) اسكت السكوت المعهود المعين، وتعيين المصدر بتعيين متعلقه أي المسكوت عنه، أي إفعل السكوت عن هذا الحديث المعين، فجاز على هذا أن لا يسكت المخاطب عن غير الحديث المشار إليه، وكذا (مه) أي كف عن هذا الشيء و (ايه) أي هات الحديث المعهود، فالتعريف في المصدر راجع إلي تعريف متعلقه. وأما التنكير فكأنه للإبهام والتفخيم، كما في قوله: ألا أيها الطير المربة بالضحى ... على خالد لقد وقعت على لحم أي لحم وأي لحم، فكان معنى صه اسكت سكوتا، واي سكوت، أي سكوتا بليغا أي اسكت عن كل كلام (٢). وذهب ابن السكيت والجوهري إلى أن التنوين فيما يدخل عليه منها، دليل الوصول وحذفه دليل القطع، فإذا وصلت في الكلام نونت، وإذا وقفت حذفت، فتقول صه صه بتنوين الأول وسكون الثاني (٣).

стр. 1149

وذهب الرضي إلى التنوين الداخل عليها تنوين الحاق، وتنوين مقابلة، كما قيل في تنوين مسلمات، قال: ونستريح إذن بما تكلفناه لتوجيه التنوين (١). وقال الدكتور سليم النعيمي: " ولا نعتقد أن لديه دليلا يؤيد ما يقولون من أن (صه) بلا تنوين تدل على طلب السكوت عن حديث معين، وأن (صه) بالتنوين تدل على طلب السكوت عن كل حديث وأن الذي يقول (اف) بغير تنوين يريد التضجر المعروف ومن يقل (افٍّ) بالتنوين يريد تضجرا غير معروف. بل الذي نراه أن (صهٍ) بالتنوين أبلغ في الزجر وطلب السكوت، من التي لم تنون لزيادة لفظها، وكذل الذي يقول (افٍّ) بالتنوين، فإنه يعبر عن ضجر بلغ في نفسه درجة يحتاج للترفيه عنها صوتا أطول من صوت (اف) غير منونة" (٢). وما ذهب إليه النحاة في التفريق بينهما مقبول من ناحية مردود، من ناحية، وذلك أن التنوين هنا يفيد العموم والشمول، فما نون يكون اعم وأشمل مما لم ينون، فإذا قلت صه أردت السكوت التام المطبق، وكذلك أيه فإنه يراد به الحديث العام الشامل لأن التنكير قد يفيد العموم نحو (عنده مال) و (هو ذو علم ومعرفة ونشاط وقوة). أما قولهم أن (صهٍ) معناه سكوتا، و (صه) معناه السكوت، وكذلك الباقي فهذا مردود ومغاير لتفسيرهم، فإن السكوت ليس معناه: اسكت عن حديث معين، وإنما هو تعريف للسكوت لا للمسكوت عنه، أي اسكت السكوت المعهود، فقولك (افعل سكوتا) لا يفيد نصا أن المسكوت عنه عام، ولا (افعل السكوت) يدل على أن المسكوت عنه خاص، بل يصح أن يقال (سكوتا عن هذه المسألة) فيكون خاصا، كما يصح أن يقال (السكوت عن كل حديث) فيكون عامًا.

стр. 1150

ثم إننا لا نقول - كما يقولون - إن كل ما لم يدخله التنوين يكون معرفة فيكون نزال معرفة وهيهات معرفة، إذ لا معرفة لتعريف نزال وهيهات وأشباههما، وإنما نقول فقط أن ما دخله التنوين منها يفيد العموم والشمول، بخلاف ما لم يدخله والله أعلم. فائدتها إن فائدة أسماء الأفعال الدالة على الطلب هي المبالغة والتوكيد، فـ (صه) مثلا آكد وأبلغ في الزجر من (اسكت) و (مه) آكد وأبلغ من انكفف، و (حي) آكد وأبلغ من (أقبل) وذلك لأنه يراد بها الحدث المجرد، ألا ترى أنها لا تتصل بالضمائر صاحبة الحدث، فلا يقال صها ولا صهوا، كما يقال اسكتا واسكتوا، بل يقال بلفظ الأفراد دوما وذلك اكتفاء بالحدث. ويدل استعمالنا لها في اللغة الدارجة على ذلك، فـ (اص) أو (هص) مقلوب (صه) أبلغ في الزجر من اسكت وأشد، وقد نستعملها في المواقف التي تستوجب الصمت المطبق كأن يكون موقف رعب، أو موقف يستدعي الصمت لسماع شيء مهم. وكذلك (مكانك) أبلغ من (اثبت مكانك) و (عليك نفسك) أبلغ من (الزم عليك نفسك) لما فيه من الاختصار والسرعة. وما كان بمعنى الخبر يفيد التعجب إضافة إلى المبالغة والتوكيد، وذلك نحو (هيهات الأمل) أي ما أبعده، قال تعالى: ﴿هيهات لما توعدون [المؤمنون: ٣٦]﴾ وشتان زيد وخالد أي ما أشد الافتراق بينهما و (وي لخالد) أي ما أعجب أمره. واستعمالنا في الدارجة يؤكد هذا المعنى، فنحن نقول هيهات لما كان بعيدًا جدًا، ونستعمل (وي) مكررة ومفردة للتعجب، فنقول (وي وي) إذا كان ثمة أمر يدعو إلى العجب، ونستعمل (اف) للتضجر الشديد.

стр. 1151

قال ابن يعيش: " والغرض منها الإيجاز والاختصار ونوع من المبالغة .. ووجه الاختصار فيها، مجيئها للواحد والواحدة، والتثنية، والجمع، بلفظ واحد وصورة واحدة، ألا ترى أنك تقول في الأمر للواحد: صه يا زيد، صه يا زيدان، وفي الجماعة صه يا زيدون، وفي الواحدة: صه يا هند وصه يا هندان وصه يا هندات. ولو جئت بمسمى هذه اللفظة وهو اسكت، واسكتا للاثنين، واسكتوا للجماعة، واسكتي للواحدة المخاطبة، واسكتن لجماعة المؤنث، فتركهم اظهار علامة التأنيث والتثنية والجمع .. دليل على ما قلناه من قصد الإيجاز والاختصار. وأما المبالغة فإن قولنا (صه) أبلغ في المعنى من اسكت وكذلك البواقي (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): ومعاني أسماء الأفعال، أمرًا كانت أو غيره أبلغ وآكد من معاني الأفعال التي يقال أن هذه الأسماء بمعناها. أما ما كان مصدرًا في الأصل، والأصوات الصائرة مصادر ثم أسماء الأفعال فلما تبين في المفعول المطلق فيما وجب حذف فعله قياسا. وأما الظروف والجار والمجرور، فلأن نحو أمامك، ودونك زيدًا بنصب (زيدًا) كان في الأصل: أمامك زيد ودونك زيد فخذه فقد أمكنك، فاختصر هذا الكلام الطويل لغرض حصول الفراغ منه بالسرعة، ليبادر المأور إلى الإمتثال قبل أن يتباعد عنه. وكذا كان أصل (عليك زيدا) وجب عليك أخذ زيد، و (إليك عني) أي ضم رحلك وثقلك إليك واذهب عني، و (وراءك) أي تأخر وراءك، فجرى في كلها الاختصار لغرض التأكيد. وكل ما هو بمعنى الخبر ففيه معنى التعجب، فمعنى هيهات أي ما أبعده، وشتان أي ما أشد الافتراق، وسرعان ووشكان أي: ما أسرعه، وبطآن أي ما أبطأه، والتعجب هو التأكيد المذكور (٢).

стр. 1152

أقسامها يقسم النحاة أسماء الأفعال إلى مرتجلة ومنقولة: فالمرتجلة ما وضع من أول الأمر كذلك، نحو صه، ومه، ووي، وره، وحي. والمنقولة: ما نقل عن ظرف أو جار ومجرور، أو مصدر، نحو مكانك، بمعنى اثبت، وإليك، بمعنى ابتعد، ورويدك بمعنى أمهل (١). وأسماء الأفعال على أقسام، منها ما هو أصوات تشير إلى أحداث، وذلك نحو (صه، ومه واف (٢). ووى، وآه، وايه، وبس) فهذه في الحقيقة أصوات تشير إلى أحداث معينة فالمتكل يصدر هذه الأصوات يرمز بها إلى حدث متعارف عليه، ومنها ما هو ظرف وجار ومجرور، كان في الأصل يستعمل مع متعلقه، أو جزءا من جملة وبكثرة الاستعمال حذف متعلقه أو الجزء الآخر، وأصبح الاكتفاء به يدل على معنى معين، وذلك العنى هو معنى الفعل. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما الظروف والجار، فلأن نحو أمامك ودونك زيدا بنصب زيدا، كان في الأصل: أمامك زيد ودونك زيد، فخذه فقد أمكنك، فاختصر هذا الكلام الطويل لغرض حصول الفراغ منه بالسرعة ليبادر المأمور إلى الإمتثال قبل أن يتباعد عنه. وكذا كان أصل (عليك زيدًا) وجب عليك أخذ زيد، وإليك عني، أي ضم رحلك وثقلك إليك واذهب عني، ووراءك أي تأخر وراءك، فجرى في كلها الاختصار لغرض التأكيد (٣).

стр. 1153

ومنها ماله مادة لغوية معلومة، سواء كانت مصدرا أم غيره، فالمصدر نحو (رويد) تصغير (إرواد) تصغير ترخيم ومعناه الإمهال، ونحو (حذرك) بمعنى احذر، و (بله) بمعنى دع (والنجاءك) بمعنى انج، و (فرطك) بعنى تقدم. وغير المصدر نحو (بطأن) من البطء، و (سرعان) من السرعة، و (شتان) من الشت، وهو التفرق والتباعد. وقسم منها مختلف في أصله ومادته، أو مجهول، وذلك نحو (هيت وهلم، وآمين وهيهات) (١). وأيا كان الأصل فهي تؤدي معاني معلومة. فعال يصاغ من الفعل الثلاثي على وزن (فَعالِ) بفتح الفاء وكسر اللام، قياسا عند بعضهم، وسماعا عند بعضهم (٢). لقصد الأمر نحو (سَماعِ) بمعنى اسمع (وكَتابِ) بمعنى اكتب و (حَفاظِ) بمعنى احفظ، و (حذار) بمعنى احذر. وهذه الصيغة يراد بها التوكيد والمبالغة (٣). فـ (سماع) آكد من اسمع، و (حذار) آكد وأبلغ في الأمر من احذر، يدلك على ذلك أن هذه الصيغة تدل على المبالغة عمومًا في اسم الفعل، أو في غيره نحو (يا خباث) ويا (فساقِ) ونحو (حَلاقِ) للمنية، و (أَزامِ) للسنة، و (صَرامِ) للحرب، وغيرها. والخلاف في هذه الصيغة في كونها فعلا أو اسمًا، هو الخلاف في عموم أسماء الأفعال، وعلى آية حال فدلالتها معلومة، سواء قلنا هي اسم أم فعل.

стр. 1154

وعلى هذا يكون للأمر أربع صيغ: ١ - فعل الأمر، نحو اذهب، وقم. ٢ - الفعل المضارع المتصل بلام الأمرن نحو ليقم وليذهب. ٣ - أسماء الأفعال، سواء ما كان منها قياسيًا، وهو ما كان على وزن (فعال) بفتح الفاء وكسر اللام، أم ما كان مسموعًا، نحو صه، ومه، وحي، وهي كلها تفيد المبالغة والتأكيد (١). ٤ - المصدر النائب عن فعل الأمر نحو صبرا وإقدامًا وهو يفيد المبالغة أيضًا. وقد يفيد الخبر الدلالة على الأمر، كما مر في قوله تعالى: ﴿والوالدت يرضعن أولادهن﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي ليرضعن أولادهن. أسماء الأصوات أسماء الأصوات هي كل لفظ حكي به صوت، أو صوت به للبهائم، ولما لا يعقل عموما، فالأول نحو (قب) حكاية وقع السيف، و (طق) لوقع الحجارة، والثاني كـ (عدس) لزجر البغل، و (هيد) لزجل الإبل (٢). وهي كما نرى مما مر على قسمين. الأول: حكاية صوت صادر عن الحيوانات أو عن الإنسان أو عن الجمادات وشرطها أن تكون مشابهة للمحكي فمن ذلك (غاق) حكاية صوت الغراب، و (ماء) صوت الظبية إذا دعت ولدها، و (طيخ) حكاية صوت الضاحك، و (عيط) حكاية صوت

стр. 1155

الفتيان إذا تصايحوا في اللعب، و (طق) حكاية صوت وقع الحجارة بعضها على بعض، و (قب) لوقع السيف (وقاش ماش) للقماش كأنه سمي باسم صوته (١). ونحوه (طب) حكاية لوقع الكرة على الأرض، و (دُم) حكاية صوت الطبل، و (قيق) حكاية صوت الدجاجة. الثاني: أصوات يصوت بها للحيوانات، عند طلب شيء منها، أما المجيء وأما الزجر نحو (عاه) و (هاب) لزجر الإبل، و (عوه) و (عه) للضأن والجحش، أو لأمر آخر كالشرب والتسكين والأمر بالسين وذلك كـ (سأ) للشرب، و (هدع) للتسكين (٢). وعندنا في عامية أهل العراق (هوش) لتسكين الحمار، و (ده) لأمره بالسير. وأصلها: أن الشخص كان يقصد انقياد بعض الحيوانات لشيء من هذه الأفعال، فيصوت لها، إما بصوت غير مركب من الحروف، كالصفير للدابة عند إيرادها الماء وغير ذلك، إما بصوت معين مركب من حروف معينة لا معنى تحته، ثم يحرضه مقارنًا لذلك التصويت على ذلك الأمر، إما بضربه وتأديبه وإما بايناسه وإطعامه .. فلما كان الأفعال المطلوبة من الحيوانات مختلفة، أرادوا اختلاف العلامات الدالة عليها (٣). وذكر الرضي من أسماء الأصوات قسمًا ثالثا، وهي الأصوات الخارجة عن فم الإنسان غير موضوعة وضعا، بل دالة طبعا على معان في أنفسهم، كـ (أف) و (تف) فإن المتكره لشيء يخرج من صدره صوتا شبيها بلفظ (اف)، ومن يبزق على شيء مستكره يصدر منه صوت شبيه بـ (تف). وكذلك (آه) للمتوجع، أو المتعجب، فهذه وشبهها أصوات صادرة منهم طبعا، كـ (اح) لذي السعال، إلا أنهم لما ضمنوها كلامهم لاحتياجهم إليها، نسقوها نسق

стр. 1156

كلامهم وحركوها تحريكه وجعلوها لغات مختلفة، كما مر من لغات (أ) و (اوه) (١). التنوين الداخل عليها: ذهب الجمهور إلى أن التنوين الداخل عليها، تنوين تنكير، فما نون منها نكرة، وما لم ينون معرفة. جاء في (الكتاب): " وزعم الخليل أن الذين يقولون غاق غاقِ، وعاء وحاءِ، فلا ينونون فيها ولا في أشبهاهها، أنها معرفة وكأنك قلت في عاءِ وحاءِ الاتباع، وكأنه قال الغراب هذا النحو، وأن الذين قالوا عاءٍ وحاءٍ جعلوها نكرة (٢). وجاء في (شرح ابن يعيش): " وكذلك إذا قلت في حكاية صوت الغراب (غاق غاق) إذا نونت كان نكرة، ومعناه بعدًا بعدًا، أو فراقا فراقا لأن صوت الغراب يؤذن بالفراق عندهم، ولذلك سموه غراب البين، وكأنهم فهموا ذلك من لفظه، إذ كان الغراب من الغربة والاغتراب، وإذ أريد به المعرفة ترك منه التنوين نحو غاق وغاق (٣). وقال الرضي أن التنوين الداخل عليها تنوين الحاق ومقابلة، قال في شرحه على الكافية: " والتنوين فيما دخلته تنوين الحاق ومقابلة، كما قيل في تنوين (مسلمات) وليس ما قاله بعضهم من أن تنوين غاق للتنكير بشيء إذ لا معنى للتعريف والتنكير فيه (٤). ولعل التنوين الداخل عليها للوصل، فإذا وقف قطع نحو قولك غاق غاق وعاء وحاء والله أعلم.

стр. 1157

الأساليب

стр. 1158

الشرط معنى الشرط أن يقع الشيء لوقوع غيره (١). أي أن يتوقف الثاني على الأول (٢). فإذا وقع الأول وقع الثاني، وذلك نحو: (إن زرتني أكرمك) فالاكرام متوقف على الزيارة، ونحو قوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]. هذا هو الأصل، وقد يخرج الشرط عن ذلك فلا يكون الثاني مسببا عن الأول، ولا متوقفًا عليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ [الأعراف: ١٧٦]، فلهث الكلب ليس متوقفًا على الحمل عليه، أو تركه، فهو يلهث على كل حال، وإنما ذكر صفته فقط، ونحو قوله: ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [آل عمران: ٣٢]، والله لا يحب الكافرين سواء تولوا أم آمنوا، فليس الثاني مشروطا بالأول ولا مسببا عنه، ونحو قوله تعالى: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرا﴾ [النساء: ١٩]، وقوله: ﴿قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله﴾ [يونس: ١٠٤]، فهو لا يعبد غير الله سواء شكوا أم آمنوا، وقوله: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ [النحل: ٣٧]، وقوله: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾ [فاطر: ١٤]، فهم لا يسمعون الدعاء سواء دعوهم أم لم يدعوهم، وقوله: ﴿فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾ [فصلت: ٢٤]، والنار مثواهم صبروا أم لم يصبروا، وقوله: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾ [البقرة: ٩٧]، وهو قد أنزله على قلبه سواء عادوه أم والوه، وقوله: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما﴾ [النساء: ١٢٧]. وهو عليم بالأفعال خيرًا أو شرًا.

стр. 1159

فليس الشرط على هذا، من باب السبب والمسبب دومًا، وإنما الأصل فيه أن يكون ذلك. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " قد لا يكون مضمون الشرط والجزاء متعقبا لمضمون الشرط، بل يكون مقارنا له في الزمان نحو: (إن كان هناك نار كان احتراق) و (إن كان احتراق فهناك نار) و (إن كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق) لكن التعقب المذكور هو الأغلب" (١). وجاء في (حاشية الصبان): " الجزاء قسمان: أحدهما: أن يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط، نحو (إن جئتني أكرمتك). والثاني: أن لا يكون مضمون الجزاء مسببا عن مضمون الشرط، وإنما يكون الإخبار به مسببا نحو (إن تكرمني فقد أكرمتك أمس) والمعنى إن اعتددت علي بإكرامك إياي، فأنا أيضا أعتد عليك بإكرامي إياك (٢). وجاء في (البرهان): " وققال صاحب المستوفي: اعلم أن المجازاة لا يجب فيها أن يكون الجزاء موقوفا على الشرط أبدًا، ولا أن يكون الشرط موقوفا على الجزاء أبدًا بحيث يمكن وجوده، ولا أن تكون نسبة الشرط دائما إلى الجزاء نسبة السبب إلى المسبب، بل الواجب فيها أن يكون الشرط بحيث إذ فرض حاصلا لزم مع حصوله حصول الجزاء، سواء كان الجزاء قد يقع لا من جهة وقوع الشرط كقول الطبيب (من استحم بالماء البارد احتقنت الحرارة باطن جسده) لأن احتقان الحرارة قد يكون لا عن ذلك، أو لم يكن كذلك كقولك: (إن كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا). وسواء كان الشرط ممكنا في نفسه، كالأمثلة السابقة، أو مستحيلا كما في قوله تعالى ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١].

стр. 1160

وسواء كان الشرط سببًا في الجزاء ووصلته إليه، كقوله تعالى: ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم﴾ [محمد: ٣٦] أو كان الأمر بالعكس، كقوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسن فمن الله﴾ [النساء: ٧٩]، أو كان لا هذا ولا ذاك، فلا يقع إلا مجرد الدلالة على اقتران أحدهما بالآخر، كقوله تعالى: ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدًا﴾ [الكهف: ٥٧]، إذ لا يجوز أن تكون الدعوة سببا للضلال ومفضية إليه، ولا أن يكون الضلال مفضيا إلى الدعوة (١). فاتضح بهذا أن الشرط والجواب، ليسا دائمًا بمنزلة السبب والمسبب ولا ارتباطهما بهذه المنزلة دومًا. فعل الشرط يقع فعل الشرط ماضيا ومضارعًا، نحو قوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾ [إبراهيم: ١٩]، وقوله: ﴿وإن عدتم عدنا﴾ [الإسراء: ٨]. قالوا والماضي يفيد الاستقبال في الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١]، ونحو: (إن زرتني أكرمتك) والمقصود أن تزرني. ومن المعلوم أن الفعل الماضي يخرج إلى الاستقبال في غير باب الشرط، كما أسلفنا في باب الفعل كما يخرج المضارع إلى المضي، فإنه قد يؤتى بالماضي مرادا به الاستقبال وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]، وقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ [الزمر: ٧٣]. وقد يؤتى بالفعل المضارع مرادا به المضي، نحو قوله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت﴾ [فاطر: ٩]، وقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢] أي ما تلت.
следующие страницы →