← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقد يحتمل المعنى في بعض التعبيرات التشبيه وغيره، وذلك نحو قولك (هو ضربة وكذلك توعده) فإنه يحتمل أن يراد: وتوعده مثل ذلك أي وتوعده ضربًا كذلك الضرب، فيكون المعنى على التشبيه، وقد يراد: ضربه وتوعده أيضا أي لم يكتف بضربه بل توعده مع ذلك. أن كذلك التي يراد بها التشبيه تطابق المشار إليه فتقول: هي كتلك وهما كهذين وهم كأولئك. أما التي بمعنى أيضا فهي تجمد على صورة واحدة وهي: أن يبقى اسم الإشارة بصورة الأفراد والتذكير فلا يقال: كتلك، ولا كأولئك، يقال: جاءت هند وجاءت اختها كذلك" ولا يصح أن يقال كتلك. وتقول: جاءت النساء وأطفالهن كذلك ولا يقال كأولئك، وليس بعدها مشار إليه فيذكر بخلاف التي تفيد التشبيه. والظاهر أن معناها القديم يفيد التشبيه لأن طبيعة تركيب العبارة تدل على ذلك ثم انتقل إلى معنى (أيضا) والتراكيب قد تنتقل معانيها كما ذكرنا في بحث الجملة. والذي سهل انتقال معناها إن كثيرا مما يفيد التشبيه تتضمن معنى (أيضا). وذلك كقولك فعل محمد كذلك الفعل، أي أن أحدا فعل فعلا معينًا، وأن محمدًا فعل أيضا فلا شبيها بفعله. وقولك " أكرمت محمدًا وخالدا كذلك"، والمعنى أنك أكرمت محمدًا، وأكرمت خالدًا، أيضا مثل أكرام محمد، ثم انتقل معنى التركيب في قسم من العبارات إلى معنى: أيضا، وأنفك عن معنى التشبيه الذي كان يلازمه والله أعلم.

стр. 107

المعرف بأل أغراض التعريف بأل: للتعريف بأل أغراض أهمها: ١ - تعيين واحد من أفراد الجنس كقولك (أقبل الرجل) و (أشتريت الكتاب) ولا تقول ذلك إلاإذا كان المخاطب يعرف الرجل، أما أن يبكون رآه أو جرى حديث عنه، أو نحو ذلك، ولا تقول ابتداء فلا تقول لمخاطبك (أقبل الرجل) وهو لا يعرفه، ولم يجر له سابق ذكر. وكذلك قولك (اشتريت الكتاب) فإنه لا يجوز أن تقول ذلك لمخاطبك إذا كان لا يعرف شيئا عن الكتاب، ولم يجر له ذكر جاء في (الكتاب) إن المعرف بأل: " إنما صار معرفة لأنك أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته، لأنك إذا قلت (مررت برجلٍ) فإنك إنما زعمت أنك مررت بواحدٍ ممن يقع عليه هذا الاسم، لا تريد رجلا بعينه يعرفه المخاطب، وإذا أدخلت الألف واللام، فإنما تذكره رجلا قد عرفه فتقول: الرجل الذي من امره كذا وكذا ليتوهم الذي كان عهده بما تذكره من أمره" (١). ٢ - بيان الجنس كقولك (الفهد أسرع من الذئب) فأنت لا تقصد بالفهد واحدًا بعينه من أفراد الجنس ولا الذئب وإنما قصدت أن تقول: هذا الجنس أسرع من هذا الجنس. وليس معناه أن كل فرد من أفراد الفهد أسرع من كل فرد من أفراد الذئب، بل ربما وجد من أفراد الذئب ما تفوق سرعته سرعة بعض أفراد الفهد. ٣ - إستغراق كل أفراد الجنس وذلك نحو قوله تعالى ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]، فلا يشذ واحد من أفراد الجنس من هذا الضعف البشري.

стр. 108

٤ - الإشارة إلى واحد مما عرفت حقيقته في الذهن من دون قصد إلى التعيين وهو نحو قولك (ذاهب إلى السوق واشتر لنا كذا وكذا) لمن لم يدخل المدينة إلا هذه المرة ولم ير سوقها من قبل. فأنت هنا لا تقصد سوقا بعينه. وكقوله تعالى: ﴿وأخاف أن يأكله الذئب﴾ [يوسف: ١٣] فإنه لا يقصد ذئبا بعينه بل واحدًا من أفراد الجنس مما استقر في الذهن معرفته. ٥ - الدلالة على الكمال كقولك (هذا الرجل) و (هذا البطل) أي الكامل في هذا الوصف ومن ذلك قولنا (هذا الفتى كل الفتى) و (هذا الفتى حق الفتى) جاء في (الكتاب): " إذا قلت: (هذا الرجل)، فقد يكون أن تعني كماله ويكون أن تقول: (هذا الرجل) وأن تريد كل ذكر تكلم ومشى على رجلين فهو رجل". (١) وأنت تحس الفرق بين قولنا (هذا الرجل) و (هذا رجل) و (هذا البطل) و (هذا بطل) ففي التعريف من الدلالة على الكمال ما ليس في التنكير جاء في (دلائل الإعجاز): " ويبين ذلك أن تقول: (لك ف ي هذا غنى) فتنكر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغني به. فإن قلت: (لك فيه الغنى) كان الظاهر أنك جعلت كل غناه به" (٢). أي كما له، وأل ههنا تفيد الاستغراق. ٦ - القصر حقيقة أو تجوزًا بقصد المبالغة فمن الأول قولك (المؤمنون هم الأعلون في الآخرة) وقوله تعالى (وذلك الفوز العظيم) [النساء: ١٣]. ومن الثاني قولك (الشاعر البحتري) وقولك (حاتم هو الجواد) فقد قصرت الشعر على البحتري والجود على حاتم فكأن ما عدا البحتري ليس بشاعر وما عدا حاتما ليس بجواد.

стр. 109

٧ - إيضاح ما لم يكن واضحًا للمخاطب وتبيينه له وذلك نحو قولك لمن سمع بالدلدل مثلا ولم يعرفه " هذا هو الدلدل" تحضره أمام عينيه أو تصفه له. وكقولك (هذا هو الماس) لمن سمع به ولم يره بإحضاره أمام عينيه أو بوصفه له كأنه يراه. وقد يدق التفريق بين النكرة والمعرف بأل في بعض التعبيرات فيحتاج إلى فضل نظر وزيادة تأمل وذلك نحو قوله تعالى ﴿ويقتلون النبين بغير الحق﴾ [البقرة: ٦١] وقوله: ﴿ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ [آل عمران: ١١٢]، فعرف الحق في الأولى ونكره في الثانية. وكقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: ﴿فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف﴾ [البقرة: ٢٤٠]. وقوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب﴾ [الصف: ٦]، وقوله: ﴿ومن أظلم ممن افتر على الله كذبا﴾ [هود: ١٨]، وغير ذلك من المواضع. والأصل الذي يرجع إليه للتفريق بين النكرة والمعرفة، أن المعرفة لما هو محدد معلوم بخلاف النكرة وإليك إيضاح ذلك فيما مر ذكره من الآيات: إن كلمة الحق المعرفة في آية البقرة، تدل على إنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير الحق الذي يدعو إلى القتل، والحق الذي يدعو إلى القتل معروف معلوم وأما النكرة فمعناها أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق أصلا، لاحق يدعو إلى قتل ولا غيره، أي ليس هناك وجه من وجوه الحق يدعو إلى إيذاء الأنبياء، فضلا عن قتلهم، فكلمة (حق) ههنا نكرة عامة، وكلمة (الحق) معرفة معلومة. والقصد من التنكير الزيادة في ذمهم وتبشيع فعلهم أكثر مما في التعريف وذلك لأن التعريف معناه أنهم قتلوا الأنبياء بغير سبب يدعو إلى القتل، وأما التنكير فمعناه أنهم قتلوا الأنبياء بغير سبب أصلا لا سبب، يدعو إلى القتل ولا غيره، فمقام التشنيع والذم ههنا أكبر من ثم وكلاهما شنيع وذميم.

стр. 110

فجاء بالتنكير في مقام الزيادة في ذمهم وإليك سياق كل من الآيتين قال تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١]، فعرف الحق فيها. وقال: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءو بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [آل عمران: ١١٢]، فنكر الحق. ومن الواضح أن موطن الذم والتشنيع عليهم والعيب على فعلهم في آية آل عمران أكبر منه في آية البقرة، يدل على ذلك أمور منها: إنه في سورة البقرة جمع (الذلة والمسكنة) وأما آية آل عمران فقد أكد، وكرر، وعمم فقال ﴿ضربت عليم الذلة أين ما ثقفوا﴾ فجعلها عامة، ثم قال: ﴿وضربت عليهم المسكنة﴾ فأعاد الفعل، وحرف الجر للزيادة في التوكيد، فإن قولك (أنهاك عن الكبر وأنهاك عن الرياء) آكد من قولك (أنهاك عن الكبر والرياء). ثم إنه ذكر الجمع في آية البقرة بصورة القلة فقال ﴿ويقتلون النبين﴾ وذكره في آية آل عمران بصورة الكثرة، فقال: ﴿ويقتلون الأنبياء﴾ أي يقتلون العدد الكثير من الأنبياء بغير حق. فالتشنيع عليهم والعيب على فعلهم وذمهم في سورة آل عمران أشد، ومن هنا يتبين أن التعريف في آية البقرة أليق والتنكير في آية آل عمران أليق. وكذلك كلمتا (معروف) و (المعروف) اللتان وردتا في آيتي سورة البقرة ٢٣٤، ٢٤٠، قال تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فعرف (المعروف).

стр. 111

وقال: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف﴾ [البقرة: ٢٤٠]، فنكره. وذكر أن المقصود بـ (المعروف) ههنا الزواج خاصة، وأما غير المعروف فيراد به ما لم ستنكر فعله من خروج أو تزين، ونحوه. جاء في درة التنزيل: للسائل أن يسأل فيقول: ما الفائدة التي أوجبت اختصاص المكان الأول بالتعريف والباء فقال (بالمعروف) والمكان الثاني بالتنكير ولفظة (من)؟ والجواب عن ذلك أن يقال: إن الأول تعلق بقوله: " والذين يتوفون .. بالمعروف" أي لا جناح عليكم في أن يفعلن في أنفسهن بأمر الله، وهو ما أباحه لهن من التزوج بعد انقضاء العدة، فـ (المعروف) ههنا أمر الله المشهور، وهو فعله وشرعه الذي شرعه، وبعث عليه عباده. والثاني المراد به فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من جملة الأفعال التي لهن أن يفعلن من تزوج أو قعود فالمعروف ههنا فعل من أفعالهن، يعرف في الدين جوازه وهو بعض ما لهن أن يفعلنه، ولهذا المعنى خص بلفظة (من) ونكر، فجاء المعروف في الأول معرف باللفظ لما أشرت إليه، وهو الوجه الذي دل الله عليه وأبانه فعرف، إذ كان معرفة مقصودًا نحوه وكذلك خص بالباء وهي للإلصاق والثاني كان وجها من الوجوه التي لهن أن يأتينه فأخرج مخرج النكرة لذلك" (١). ومثله الكذب وكذب فقد استعمل القرآن الكريم (الكذب) بالتعريف لما هو خاص بأمر معين (وكذبا) لما هو عام. قال تعالى: ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فمن افترى على الله الكذب من

стр. 112

بعد ذلك فأولئك هم الظالمون﴾ [آل عمران: ٩٣ - ٩٤]، فجاء بالكذب ههنا معرفا لأنه مخصص بهذه المسألة أي مسألة الطعام. ومثله قوله تعالى: ﴿قالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه هو الغني له ما في السماوت وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ [يونس: ٦٨ - ٦٩]. فعرف الكذب لأنه مخصص بمسألة معينة وهي زعمهم اتخاذ الله ولدًا سبحانه. وقوله تعالى: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون﴾ [المائدة: ١٠٣]، فاستعمل (الكذب) معرفا لأنه مخصص بمسألة الأنعام. في حين، قال: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به، وهم على صلاتهم يحافظون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ [الأنعام: ٩٢ - ٦٣]، فالكذب ههنا عام ولم يخصص بمسألة معينة. ونحوه قوله تعالى: ﴿يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آيتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآيتنا واستكبرا عنها أولئك اصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [الأعراف: ٣٥ - ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرون﴾ [يونس: ١٦ - ١٧]. وقوله: ﴿أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل﴾ [الشورى: ٢٤]. وقوله: ﴿إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين﴾ [المؤمنون: ٣٨]. فأنت ترى انه استعمل المعرف لأمر مخصوص في حين استعمل المنكر لما هو عام.

стр. 113

أقسام أل يقسم النحاة (أل) المعرفة على قسمين: عهدية وجنسية. أل العهدية: وهي تدخل على واحد من أفراد الجنس بعينه، نحو (بعت البستان واشتريت الدار) فأنت تقصد بالبستان، بستانا معينا يعرفه المخاطب وكذلك الدار. ومعنى العهد المعرفة ومنه قولهم: عهدي بموضع كذا (١) تقول: عهدي بك إنك تركت كذا وكذا أي معرفتي بك. وتقول: عهدتك تفعل كذا، أي عرفتك وهي على ثلاثة أنواع: ١ - العهد الذكري: وهو أن يتقدم لمصحوبها ذكر في اللفظ نحو (زارنا رجل فأكرمت الرجل) والمعنى إنك أكرمت الرجل الذي تقدم ذكره في العبارة ومنه قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا إليكم رسولا شهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]، أي الرسول الذي تقدم ذكره بخلاف ما لو قلت: (زارني رجل فأكرمت رجلا) فإن ذلك يفيد أنك أكرمت رجلا غير الأول ففائدتها التنبيه على إن الثاني هو الأول إذ لو جيء به منكرًا لتوهم إنه غيره (٢). ٢ - العهد الذهني: وهو أن يتقدم لمصحوبها علم المخاطب به، وذلك كأن تقول لصاحبك (اشتريت الحصان) فلابد أن يكون للمخاطب علم المقصود أما أن يكون رآه أو سبق ذكره له. ومنه قوله تعالى: ﴿إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ [التوبة: ٤٠]، فالغار معلوم وقوله تعالى: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ [الفتح: ١٨]، فالشجرة معلومة للمسلمين وإن لم يكن جرى لها ذكر في اللفظ.

стр. 114

٣ - العهد الحضوري: وهو أن يكون مصحوبها حاضرًا مشاهدًا أو محسوسًا كأن تقول: (فاز هذا الغلام) وكقولك (اليوم نسافر) وتقول لشاتم رجل بحضرتك: لا تشتم الرجل ومنه قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣]. (١) وقيل أنه يعرض في العهدية الغلبة، ولمح الأصل " فالتي للغلبة كالبيت للكعبة والنجم للثريا دخلت لتعريف العهد ثم حدثت الغلبة بعد ذلك، والتي للمح لم تدخل أولاً على الاسم للتعريف، لأن الاسم علم في الأصل، لكن لمح فيه معنى الوصف فسقط تعريف العلمية فيه، وإنما أنت تريد شخصا معلومًا فلم يكن بد من إدخال أل العهدية عليه لذلك" (٢). أل الجنسية: وهي التي تدخل على الجنس، ولا يراد بها واحد معين من أفراد الجنس كما في العهدية، فإن أل العهدية يراد بمصحوبها واحد بعينه من أفراد الجنس كما ذكرنا، بخلاف (أل) هذه فإذا قلت مثلا (الغزال أسرع من الذئب) فأنت لا تقصد بع غزالا واحدًا معينا وكذا إذا قلت (الذئب مفترس) فأنت لا تريد واحدًا بعينه من أفراد الجنس بل كأنك تقول: هذا الجنس من الحيوان مفترس، فأل هذه تعرف الجنس بأسره وليست تعرف واحدًا بعينه من أفراد الجنس. وقسموا أل الجنسية على قسمين: ١ - أن تكون للاستغراق وهي على قسمين: الأولى وهي التي تفيد استغراق جميع أفراد الجنس، وهي التي تخلفها (كلّ) حقيقة وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]، أي كلُّ إنسان بلا استثناء.

стр. 115

وقولنا (خلق الله الإنسان من الطين) أي كل إنسان، وقولنا (الاس أثمن من الحصاة) فإن كل ماسة أثمنَ من كل حصاة. فأل ههنا استغرقت جميع أفراد الجنس. والأخرى وهي التي تفيد استغراق جميع خصائص الأفراد تجوزًا، مبالغة في المدح والذم فالمدح كقولك (هو الرجل علما) أي الكامل في هذه الصفة، ومعناه أنه اجتمع فيه ما تفرق في الجنس من هذه الصفة ونحوه (هو الشجاع) أي اجتمع فيه ما تفرق في الجنس من صفة الشجاعة وتسمى أل الكمالية. ومن الذم قولك (هو اللئيم) أي اجتمع فيه من هذه الصفة ما تفرق في غيره. ٢ - أن تكون لتعريف الحقيقة وهي التي لا تخلفها كل وذلك نحو قولنا (خلق الله آدم من الطين) فليس المقصود إن الطين كله استغرق في خلق آدم، بل معناه إنه خلقه من هذا الجنس وكقوله تعالى: ﴿وجلعنا من الماء كل شيء حي﴾ [الأنبياء: ٣٠] أي من حقيقة الماء وليس المقصود استغراق الماء كله في خلق الأحياء (١). ونحو قولنا (الحصان أسرع من الثور) فهذا ليس على سبيل الاستغراق بل ربما وجد ثور أسرع من حصان ولكن هذه حقيقة عامة. وقد فرقوا بين المعرف بأل هذه واسم الجنس النكرة، فذهب قس إلى أن تعريف الجنس تعريف لفظي، وهو في معنى النكرة فقولك (خلق الله الإنسان من الطين) هو بمعنى خلق الله الإنسان من طين وقولك " هو ما يعطيني إلا التمرة أو التمرتين" هو بمعنى قولك " ما يعطيني إلا تمرة أو تمرتين". (٢) وذهب قسم إلى إن الفرق بينهما هو فرق ما بين المقيد والمطلق، وذلك لأن المعرف بها يدل على الحقيقة بقيد حضورها في الذهن واسم الجنس النكرة يدل على مطلق الحقيقة لا باعتبار قيد. (٣)

стр. 116

والحق إن المعرف بأل الجنسية يختلف عن اسم الجنس النكرة، كما ذهب إليه القسم الثاني، وذلك أن المعرف بأل يقصد به استحضار الجنس وهيئته المعلومة في الذهن، فإذا قلت: (الأسد أجرأ من الثعلب) فكأنك قلت: الحيوان الذي أمره كذا أو المشهور بكذا أجرأ من الحيوان الذي من أمره كذا أو المعروف بكذا. ونحوه قولك (خلق الإنسان من الطين) فالطين ههنا جنس، وهو معروف بأل أي من هذه المادة المعروفة التي من أمرها كذا، فإذا قلت (من طين) كان المعنى أنه خلق من مادة هذا اسمها ولست تشير إلى استحضار صفاتها وإنما يكون عرضا غير مقصود. فتعريف الجنس القصد منه استحضار ما عرف عن الجنس في الذهن والتنكير ليس القصد منه ذلك جاء في (الكشاف) في قوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ " وهو تعريف الجنس ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من أن الحمد ما هو" (١). فأحالك إلى ما يعرفه الذهن عن حقيقة الحمد واستحضاره في الذهن فتعريف الجنس شبيه بعلم الجنس (٢) الذي سبق أن ذكرناه في باب العلم فقولك (الأسد المفترس) يراد به ما يراد بقولك (أسامة متفرس) فالفرق بين المعرف بأل الجنسية واسم الجنس النكرة كالفرق بين أسامة وأسد وقد مرّ ذلك بما فيه الكفاية. وقد يشار بأل هذه إلى واحدٍ غير معين من الجنس المعروف المعلوم، كما مر في نحو قولنا (أدخل السوق) فإن هذا الجنس معلوم للمخاطب، غير أنه لا يراد واحد بعينه من هذا الجنس فأل هذه جنسية (٣)، في حقيقتها، لأنه لا يراد بمدخولها شيء بعينه بل يراد به واحد من الجنس المعهود، فالجنس معهود معلوم وما دخلت عليه أل واحد غير معين من هذا الجنس ونحوه قوله:

стр. 117

ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمّت قلتُ لا يعنيني فالشاعر لا يريد لئيمًا بعينه بل يريد واحدًا غير معين من هذا الجنس المعلوم، فتعريف اللئيم ههنا يراد به الإشارة إلى استحضار خصائص هذا الجنس في الذهن بخلاف قولك (ولقد أمر على اللئيم) فلا يراد ههنا الإشارة إلى خصائص الجنس واستحضارها في الذهن جاء في (شرح الأشموني): " وقد يشار به إلى حصة غير معينة في الخارج بل في الذهن نحو قولك (ادخل السوق) حيث لا عهد بينك وبين مخاطبك في الخارج ومنه (وأخاف أن يأكله الذئب) والأداة فيه لتعريف العهد الذهني، ومدخولها أمر على اللئيم يسبني". (١) فذكر أن الأداة فيه لتعريف العهد الذهني، وهذا مذهب البيانيين، فقد ذهبوا إلى أنها للعهدالذهني " لعهدية الحقيقة التي لذلك البعض في الذهن، وأن كان هو مبهما (٢) ". فهي إذن ليست للعهد الذهني الذي سبق أن أوضحناه، وإنما تفيد أنّ الجنس بأسره معهود. على أن بعضهم يذهب إلى أنّ (أل) في جميع أحوالها لتعريف العهد ويقسم المعهود إلى قسمين: معهود شخص ومعهود جنس. أما المعهود الشخصي فهو ما ذكرناه في باب أل العهدية وذلك أنها تدل على واحد بعينه من أفراد الجنس وأما معهود الجنس فهو ما أدرجناه في "أل" الجنسية وحجته في ذلك، أن الأجناس أمور معهودة في الأذهان معلومة للمخاطبين متميز بعضها عن بعض (٣). ويبدو لي أن الخلاف لفظي بين الفريقين.

стр. 118

الاسم الموصول الموصول في الأصل اسم مفعول، من وصل الشيء بغيره، إذا جعله من تمامه (١) وسميت الأسماء الموصولة بذلك، لأنها توصل بكلام بعدها هو من تمام معناها، وذلك إن الأسماء الموصولة أسماء ناقصة الدلالة لا يتضح معناها، إلا إذا وصلت بالصلة فإذا قلت (جاء الذي) أو (رأيت التي) لم يفهم المعنى المقصود، فإذا جئت بالصلة اتضح المعني المقصود، وذلك كأن تقول (جاء الذي ألقى الخطبة) أو (رأيت التي فازت في مسابقة الشعر). ومن ذلك يتبين إن الأسماء الموصولة معناها: الأسماء الموصولة بصلة. جاء في (شرح ابن يعيش): "معنى الموصول أن لا يتم بنفسه، ويفتقر إلى كلام بعده، تصله به ليتم اسما فإذا تم بعده كان حكمه حكم سائر الأسماء التامة، يجوز أن يقع فاعلا ومفعولا ومضافا إليه" (٢)، وجاء فيه أيضا: "فالموصول وحده اسم ناقص أي ناقص الدلالة فإذا جئت بالصلة قيل موصول حينئذ" (٣). أغراض التعريف بالاسم الموصول: للتعريف بالأسم الموصول أغراض أهمها: ١ - عدم علم المخاطب بالأحوال المختصة به سوى الصلة (٤) كقولك (الذي كان معنا أمس رجل عالم) فالمخاطب لا يعرف من أحوال هذا الشخص إلا أنه كان معه أمس. ٢ - الإبهام، وذلك إذا كنت تريد إبهام الذات أو الشيء عن السامعين، فتذكره لمخاطبك بصلة يعرفها هو ولا يعرفها الآخرون فتقول له (أن الذي كان معنا أمس سافر) أو (الذي كلمك في شأن فلان حضر).

стр. 119

٣ - استهجان التصريح باسمه فيؤتى بالذي ونحوه موصولا بما صدر منه من فعل أو قول (١)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فبرأه الله مما قالوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، أي (آدر) فلم يذكر ذلك، وكقولك (لقد فعل فلان ما فعل) فلم تذكر الفعلة استهجانا لها. ٤ - التعظيم وذلك بأن تذكره بصلته المعظمة كقوله تعالى: ﴿تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى﴾ [طه: ٤]، وقوله: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به﴾ [الزمر: ٣٣]. ٥ - التحقير كقولك (هذا الذي شتم أباه) و (هذا الذي أهنته) ومثله قوله تعالى ﴿كذلك قال الذي لا يعلمون مثل قولهم﴾ [البقرة: ١١٣]. ٦ - التعريض بذكر الصلة كقوله تعالى: ﴿ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ [التوبة: ٤٩]، وقوله: ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت﴾ [الشعراء: ١٩]، ونحو أن يقال لشخص: أنت كذاب، أنت خائن، فيرد عليه بقوله: أنا لست كذابا، ولا خائنا، ولكن الكذب الخائن هو الذي كنا نظن فيه خيرًا، فأودعنا عنده مالا وذهبنا فأنكره علينا، معرضا به. ٧ - التفخيم كقوله تعالى: ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ [طه: ٧٨]، (٢) وقوله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]. ٨ - الاختصار نحو قوله تعالى: ﴿لا تكونوا كالذين أذوا موسى﴾ [الأحزاب: ٦٩]، إذ لو عدد أسماء القائلين بذلك لطال (٣)، ونحوه ﴿قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ [الأنفال: ٧٠]، وكقوله: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ [البقرة: ٢٧]، فإنه جاء به كذلك للإختصار.

стр. 120

٩ - إرادة العموم نحو قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠]، (١) وقوله ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]. ١٠ - أرادة واحد من الجنس غير معين وذلك كأن تقول: (أنت كالذي بني بنيانا حتى إذا أتمه وأكمله هدمه) فأنت لا تريد واحدًا بعينه من أفراد الجنس، بل أنت تفترض واحدًا هذا شأنه، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا﴾ [النحل: ٩٢]، وقوله ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم﴾ [البقرة: ١٧]، جاء في (دلائل الإعجاز) في (الذي: " يجيء كثيرًا على أنك تقدر شيئا في وهمك ثم تعبر عنه بالذي ومثال ذلك قوله: أخوك الذي أن تدعمه لملمة ... يجبك وأن تغضب إلى السيف يغضب. وقول الآخر: أخوك الذي إن ربته قال إنما ... أربت وإن عاتبته لان جانبه فهذا ونحوه على أنك قدرت إنسانًا هذه صفته، وهذا شأنه، وأحلت السامع على من يتعين في الوهم دون أن يكون قد عرف رجلا بهذه الصفة: فأعلمته أن المستحق لاسم الأخوة هو ذلك الذي عرفه. حتى كأنك قلت: أخوك زيد الذي عرفت أنك أن تدعه لملمة يجبك. ولكون هذا الجنس معهودًا من طريق الوهم والتخيل جرى على ما يوصف بالاستحالة كقولك للرجل وقد تمنى: هذا هو الذي لا يكون، وهذا ما لا يدخل في الوجود". (٢)

стр. 121

صلة الموصول توصل الأسماء الموصولة عدا (أل) بجملة خبرية، وهذه الجملة قد يكون معهودًا معناها أي معلومة للمخاطب، وذلك نحو (قدم الذي أكرم خالدًا) ولا تقول ذلك إلا إذا كان المخاطب يعلم أن هناك شخصًا أكرم خالدًا، ونحو قوله تعالى: ﴿وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فالصلة معهودة للمخاطب معلومة عنده، والمخاطب هو الرسول ﷺ . جاء في (شرح ابن يعيش): "وينبغي أن تكون الجملة التي تقع صلة معلومة عند المخاطب، لأن الغرض بها تعريف المذكور بما يعلمه المخاطب من حاله ليصح الأخبار عنه بعد ذلك .. فلذلك لا تقول (جاءني الذي قام) إلا لمن عرف قيامه وجهل مجيئه لأن جاء خبر وقام صلة، وكذلك لا تقول (أقبل الذي أبوه منطلق) إلا لمن عرف أنطلاقه وجهل أقباله" (١). فيكون الاسم الموصول ههنا كأل العهدية التي تعرف المفردات. وقد يراد به الجنس فلا تكون صلته معهودة وذلك نحو قوله تعالى: ﴿واللآتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]، فليس المقصود بذلك نساء معلومات بل المقصود الجنس. وقوله: ﴿الذين يأكلون الربى لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ [النساء: ١٧] فيكون هنا الاسم الموصول كأل الجنسية، إلا أن (أل) تدخل على المفردات وهذا يدخل على الجمل. وقد يراد تعظيم الموصول فتبهم صلته فلا تكون معهودة ولا تفيد الجنس وذلك نحو قوله تعالى ﴿فغشيهم من اليم ما غشيهم﴾ [طه: ٧٨]، وقوله: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ [النجم: ١٠]ـ، وقوله:

стр. 122

فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه. (١) وكذلك إذا أريد التحقير (٢) نحو: لقد فعل ما فعل. فيتبين من هذا إن الإسم الموصول شبيه بأل المعرفة، فقد يكون للعهد وقد يكون للجنس غير أن (أل) تدخل على المفردات، والإسم الموصول يدخل على الجمل ولا يمكن التعريف بالجملة، إلا عن طريق الإسم الموصول. الأسماء الموصولة يقسم النحاة الأسماء الموصولة على قسمين: مختص ومشترك. (٣) فالمختص ما استعمل لشيء واحد لا يتجاوز إلى غيره وهو "الذي، والتي" وما تفرع عنهما، فالذي للمفرد المذكر، والتي للمفردة المؤنثة، وهكذا ويسمى (النص) أيضًا. والمشترك هو ما كان لعدة معان بلفظ واحد كمن وما واي. فـ (من) مثلا تستعمل للمفرد، والمثني، والجمع المذكر، والمؤنث، فتقول: حضر من فاز، ومن فازا، ومن فازوا، ومن فازت، ومن فازتا، ومن فزن، فلفظ (من) اشترك في عدة معان. اشترك الآن لهذين القسمين: الذي: للمفرد المذكر، ويقول النحاة إن (الذي) وأخواته مما فيه أل، إنما وضع توصلا إلى وصف المعارف بالجمل (٤) وذلك أنه لا يمكن أن تصف معرفة بالجملة، وإنما تصف بالجملة النكرة فتقول: (رأيت رجلا يضرب أخاه) فإذا أردت أن تصف المعرفة بالجملة

стр. 123

جئت بـ (الذي) فقلت: (رأيت الرجل الذي يضرب أخاه) فتوصلت بالذي إلى وصف الرجل بكونه يضرب أخاه، وذلك أن نعت المعرفة يكون بأل إذا كان اسما فتقول (أقبل الرجل الكريم) فوصفت الرجل بالكريم، وقد أدخلت (أل) عليه. ولما كان لا يمكن ادخال (أل) على الجمل جيء بالذي لتقوم مقام أل، فكما إنّ (أل) تدخل على المفرد وتؤثر فيه التعريف تدخل (الذي) على الجملة فهي أداة يتوصل بها إلى التعريف بالجملة على إن العامة لا يزالون عندنا يعرفون الجملة بأل، فيدخلونها عليها فيقولون (رأيت الرجل الهرب) و (اليعطي أحسن من اليأخذ) بمعنى رأيت الرجل الذي هرب، و (الذي يعطي أحسن من الذي يأخذ) وال ههنا موصولة، واصل التعبير عربي قديم. وكما إنّ (أل) تكون عهدية وجنسية، تكون "الذي" كذلك، فهي للعهد في قولك "سافر الذي كان معنا أمس" وهي للجنس، في قولهم "الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" جاء في "دلائل الإعجاز": "والقول المبين في ذلك أن يقال: إنه إنما احتلت (يعني الذي) حتى إذا كان قد عرف رجل بقصته وأمر جرى له، فتخصص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع، ثم أريد القصد إليه ذكر (الذي). تفسير هذا أنك لا تصل (الذي) إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم بها، وأمر قد عرفه له، نحو أن ترى عنده رجلا ينشد شعرًا فتقول له من غد: ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟ هذا حكم الجملة بعد (الذي) إذا أنت وصفت به شيئا، فكان معنى قولهم: إنه أجتلب ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل، إنه إنما جيء به ليفصل بين أن يراد ذكر الشيء بجملة قد عرفها السامع، وبين أن لا يكون الأمر كذلك .. وعلى الجملة فكل عاقل يعلم بون ما بين الخبر مع الذي، وبينها مع غير الذي، فليس من أحد به طرق إلا وهو لا يشك أن ليس المعنى في قولك (هذا الذي قدم رسولاً

стр. 124

من الحضرة) كالمعنى إذا قلت (هذا الذي يسكن في محله كذا) كقولك (هذا يسكن محله كذا) وليس ذاك إلا إنك في قولك (هذا قدم رسولا من الحضرة) مبتديء خبرًا بأمر لم يبلغ السامع، ولم يبلغه ولم أصلا. وفي قولك (هذا الذي قدم رسولا) معلم في أمر قد بلغه أن هذا صاحبه. فلم يخل إذن من الذي بدأنا به في أمر الجملة مع (الذي) من أنه ينبغي أن تكون جملة قد سبق من السامع علم بها. فاعرفه" (١). ومن الواضح أن هذا الكل يخص العهدية. وقد ذكرنا أنها تكون غير عهدية أيضًا. اللذان: للمثنى المذكر قال تعالى: ﴿واللذان يأتيانها منكم فأذوهما﴾ [النساء: ١٦]. الذين: لجماعة الذكور ويختص بالعقلاء قال تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون﴾ [المؤمنون: ٤]، في حين أن مفرده وهو (الذي) يكون للعاقل (٢) وغيره تقول: (رأيت الرجل الذي زاركم) و (قرأت الكتاب الذي اشتريته منك). وقد تستعمل (الذين) لما ينزل منزلة العقلاء كقوله تعالى: ﴿إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم﴾ [الأعراف: ١٩٤]، فنزل الأصنام لما عبدوها، منزلة من يعقل (٣). الألى: تستعمل للجمع مطلقا عاقلا كان أو غيره (٤) مذكرًا أو مؤنثا غير أن استعماله لجماعة الأناث قليل. تقول: (رأيت الألى هربوا) و (رأيت الألى هربن) قال الشاعر: وتبلى الألى يستلئمون على الألى ... تراهن يوم الروع كالحدأ القبل

стр. 125

فـ (الألى يستلئمون) هم الفرسان وهو عقلاء، و (الألى تراهن) هن الخيل، فاستعملها مرة للعقلاء، واستعملها مرة أخرى لغير العقلاء، وقال المجنون: محا حبها حب الألى كن قبلها ... وحلت مكانا لم حل من قبل فاستعمل (الألى) لجماعة الأناث. فالذين لجماعة الذكور العقلاء خاصة و (الألى) عامة للذكور والإناث، العقلاء وغيرهم. التي: للمفردة المؤنثة عاقلاً أو غيره تقول (أقبلت البنت التي ربحت الجائزة) وتقول: (بعت البقرة التي اشتريتها) قال تعالى: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]. وتستعمل أيضًا لجماعة غير العقلاء نحو (بعت الكتب التي اشتريتها). قال تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾ [النساء: ٥]. ويبدو أنها تستعمل للكثرة في غير العاقل أما (اللاتي) فإنها تستعمل للقلة معه نظير ما مر في هي، وهن، وهذه وهؤلاء، تقول: " اشتريت الحقائب التي عرضتها في المعرض" و "اشتريت الحقائب اللاتي عرضتهن في المعرض" فالحقائب التي عرضتها أكثر عددا من الحقائب اللاتي عرضتهن. ويجوز استعمال أحدهما مكان الآخر لغرض بلاغي. اللتان: للمثنى المؤنث نحو (أقبلت البنتان اللتان القتا شعرًا في الحفل). اللاتي: وهي جمع التي وتكون للعاقل وغيره بخلاف (اللذين) فإنه مختص بالعقلاء خاصة، أو ما نزل منزلتهم كما ذكرنا، وذلك لشبهه بجمع المذكر السالم الذي هو مختص بالعقلاء،

стр. 126

أو ما نزل منزلتهم. وأما (ال لاتي) فإنه شبيه بلفظ جمع المؤنث السالم الذي يكون للعاقل وغيره فتقول: طالبات وشجرات. قال تعالى: ﴿وأمهاتكم التي أرضعنكم﴾ [النساء: ٢٣]، وتقول: "اشتريت الكتب اللاتي كانت عند محمد". اللائي: استعملت لجمع (التي) أيضًا فتقول: عادت اللائي ذهبن، واستعمال اللائي قليل بالنسبة إلى استعمال اللاتي، وقد وردت اللائي للذكور قليلاً قال ابن مالك (واللاء كالذين نزرا واقعًا) قال الشاعر (١): فما آباؤنا بأمن منه ... علينا اللاء قد مهدوا الحجورا فالفرق بين اللاتي واللائي إن اللاتي مختصة بالأناث واللائي قد ترد للذكور قليلا. أل: ذهب الجمهور إلى أن (أل) الداخلة على الصفة الصريحة اسم موصول، ويعنون بالصفة الصريحة اسم الفاعل، واسم المفعول وقيل الصفة المشبهة أيضًا، وذلك نحو قولك (القادم خالد) أي الذي قدم خالد، وأجمعوا على أن الداخلة على اسم التفضيل ليست موصولة (٢). واستدلوا على اسميتها بأمور أهمها: ١ - عود الضمير عليها في نحو (قد أفلح المتقى ربه) وهو أقوى ما يستندون إليه. ٢ - إعمال اسم الفاعل واسم المفعول معها إذ لو كانت حرفا لمنعت من إعمال اسمى الفاعل والمفعول، وذلك لأن الحرفية مختصة بالأسماء فتبعد الوصف عن شبهة بالفعل كما يبعده التصغير والوصف فلا يعمل.

стр. 127

٣ - دخولها على الفعل في نحو قوله: ما أنت بالحكم الترضى حكومته (١). وذهب الأخفش إلى أنها حرف تعريف (٢). وهذا هو الراجح فيما نرى وذلك لما يأتي: ١ - إن الإعراب يتخطاها (٣) ولو كانت اسما ما تخطاها الإعراب، فتقول (مررت بالضارب) و (جاء الضارب) فالأعراب يكون على (ضارب) لا على (أل). ٢ - قولهم أنه لو كانت حرف تعريف لمنعت أعمال اسم الفاعل والمفعول، لأنها من خصائص الأسماء، كما يمنع التصغير والوصف أعمالهما باطل، وذلك لأن النداء لا يمنع من أعمال اسم الفاعل والمفعول، مع أنه من خصائص الأسماء فتقول يا طالعًا جبلا. ٣ - استدلالهم بعود الضمير على أل في نحو (قد أفلح المقتي ربه) استدلال باطل، وذلك إنه إذا كان الضمير يعود على (إل) في الجملة السابقة فعلى من يعود في نحو قولنا (ما متق ربه مضيع) مما ليس فيه أل؟ فالضمير ههنا يعود على الموصوف المحذوف أو على المتقي نفسه وكذا في الجملة السابقة. ثم لماذا إذا قلنا (ما المتقي ربه مضيع) كان الضمير عائدًا على أل، وإذا حذفناها وقلنا (ما متق ربه مضيع) عاد على غير أل؟ ونحوه قولنا (ما المطيع خالقه خاسر) و (ما مطيع خالقه خاسر) فالضمير في الجملة الأولى يعود على ما يعود علىه في الجملة الثانية وليس فيها أل. ثم لماذا كان الضمير في قولنا (قد أفلح المتقى ربه) يعود على (أل) ولا يعود عليها في نحو قولنا (قدم القرشي نسبه) وقولنا (مررت بالأفضل أبوه) مما لا يعدونه اسمًا موصولاً؟

стр. 128

فهذا كما هو ظاهر استدلال باطل، وأن الضمير لا يعود على أل، وإنما يعود على الموصوف المحذوف أو على الاسم المذكور. فأل حرف تعريف وليست اسما موصولا. نعم إن (أل) الداخلة على الفعل، أو الجملة الإسمية، نحو (ما أنت بالحكم الترضي حكومته) هي اسم موصول بمعنى الذي وليست حرفا، ولا داعي لجعل الداخلة على الاسم نفسها، بل هما أداتان مختلفان، ألا ترى إن كان التشبيه تكون مرة حرفا، وتكون مرة اسمًا وكذلك عن وعلى وهكذا الأمر ههنا. من: وتختص بأولى العلم سواء كانت موصولة، أو استفهامية، أم شرطية، أم غير ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده﴾ [يوسف: ٧٩]، وقوله: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك﴾ [هود: ١١٢]، ولا يقع على غير العاقل إلا في مواضع: أحدهما أن ينزل غير العاقل منزلة العاقل، نحو قوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له﴾ [الأحقاف: ٥]، عبر عن الأصنام بـ (من) لتنزيلها منزلة العاقل لأنهم عبدوها. ونحوه قوله تعالى ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه﴾ [الإسراء: ٦٧]، ومن ذلك قول عباس بن الأحنف: أسرب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير الثاني أن يجتمع غير العاقل مع العاقل في عموم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ [النحل: ١٧]، فإن (من لا يخلق) عام في العاقل وغيره، وقوله: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض﴾ [النور: ٤١]، فاجتمع غير العاقل مع العاقل في التسبيح وعبر عن الجميع بـ (من).

стр. 129

الثالث: أن يقترن غير العاقل مع العاقل في عموم فصل بمن، نحو قوله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ما ء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع﴾ [النور: ٤٥] (١). وهي تقع على المفرد، والمثنى، والجمع، والمذكر، والمؤنث، فمن استعمالها للمفرد قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ [يوسف: ٧٢]، ولجماعة الذكور قوله تعالى ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس: ٤٢] وقوله: ﴿فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ [الزمر: ٦٨]، وللمفردة المؤنثة، قولك (نظرت إلى من أحببتها فوجدتها جديرة بالحب) ولجماعة الأناث قولك (جيء بمن أسرن كلهن). ما: وتقع على ذوات ما لا يعقل، وعلى صفات من يعقل، فمن الأول قولك (آكل ما تأكل) و (أعجبني ما قدمته لي) قال تعالى ﴿وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا﴾ [طه: ٦٩]، فما في يمينه هي العصا، وما صنعوه هو أفاعيهم المتخيلة وهذا لغير العاقل. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى﴾ [النساء: ٣]، قالوا أي الطيب منهن، وقال: ﴿والسماء وما بناها والأرضِ وما طحاها ونفسٍ وما سواها﴾ [الشمس: ٥ - ٧]، أي والباني (٢)، وكذا ما بعده، وقال: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ [الكافرون: ٣]، أي معبودي. فالفرق بين ما، ومن، إن (من) مختصة بالعقلاء، ولا تنفرد لغير العقلاء، إلا على سبيل تنزيله منزلة العاقل. وأما (ما) فهي تقع لذوات ما لا يعقل، ولصفات العقلاء.

стр. 130

ومن هذا يظهر إنّ (ما) أوسع استعمالاً مِنْ (مَنْ) وأكثر إبهامًا منها قال سيبويه: "ومن: وهي للمسألة عن الأناسيّ ويكون بها الجزاء للأناسي، وتكون بمنزلة الذي للأناسي. و (ما) مثلها إلا أن (ما) مثلها إلا أن (ما) مبهمة تقع على كل شيءٍ" (١). قالوا وبناء (ما) يوافق استعمالها المتسع فإن مدة الألف المتسعة في آخرها، تشاكل الأتساع في معناها، وأمّا (من) فهي مقيدة بالسكون، ولذا كان استعمالها مقيدًا بأولي العلم. جاء في (بدائع الفوائد) أن (ما) "لا تخلوا من الإبهام أبدًا، ولذلك كان في لفظها ألف آخرة لما في الألف من المد والاتساع، في هواء الفم، مشاكلة لإتساع معناها في الأجناس، فإذا أوقعوها على نوع بعينه، وخصوا به من يعقل، وقصروها عليه، أبدلوا الألف نونًا ساكنة فذهب امتداد الصوت فصار قصر اللفظ موازنًا لقصر المعنى" (٢). ومعنى هذا إنّ (من) أصلها (ما) وهو الذي أيدته الدراسات الحديثة، جاء في (التطور النحوي) "إن (من) و (ما) أصلهما واحد يعني (ما) وألحقت بها النون، وهي من العناصر الأشارية أيضًا وأن لم توجد في العربية بين أسماء الإشارة، فتدل (ما) على الأشخاص إذا وقعت مع هذا الحرف اللاحق وعلى الأشياء إذا وقعت بدونه (٣) ". و(ما) مثل (من) تقع على المفرد والمثنى والجمع نحو (أعجبني ما صنعته وما صنعتهما وما صنعتهن). ثم أن (ما) مع أنها اسم موصول يشترك في المفرد، والمثنى، والجمع، المذكر والمؤنث قد تشترك في أكثر من معنى في التعبير الواحد. فهي قد تحتمل الموصولية الإسمية والحرفية نحو قوله تعالى: ﴿فننبئهم بما عملوا﴾ [لقمان: ٢٣]، فهذا يحتمل أن المعنى ننبئهم بعملهم، وبالذي عملوه.

стр. 131

وقد تحتمل الموصولية والاستفهامية نحو قوله تعالى: ﴿قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حقٍ وإنك لتعلم ما نريد﴾ [هود: ٧٩]، فـ (ما) هنا تحتمل الموصولية الإسمية، أي الذي نريده، والحرفية أي إرادتنا، والاستفهامية. جاء في (البرهان): "أن وقعت بين فعلين سابقهما علم أو دراية أو نظر جاز فيها الخبر والاستفهام كقوله تعالى: ﴿وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾ [البقرة: ٣٣]، ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ [النحل: ١٩]، [وإنك لتعلم ما نريد]، [هود: ٧٩]، ﴿هل علمتم ما فعلتم﴾ [يوسف: ٨٩]، ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف: ٩]، ﴿ولتنظر نفس ما قدمت﴾ [الحشر: ١٨] " (١). وقد تحتمل الموصولة والنافية، نحو قولك (ما عندي ما تريده) فـ (ما) في الموضعين تحتمل النفي والموصولة، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء﴾ [العنكبوت: ٤٢]، فـ (ما) استفهامية وتحتمل أن تكون نافية أيضًا (٢). وقد تحتمل الموصولة والشرطية وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وقولك (ما أعطيتني أعطيتك). وقد تحتمل النكرة والمعرفة، فالمعرفة هي الموصولة والنكرة أن تكون بمعنى شيء نحو (أعطيته ما سُرّ به) أي شيئًا سُرّ به، أو الذي سرّ به وكقوله تعالى: ﴿هذا ما لدي عتيد﴾ [ق: ٢٣]، فهذا يحتمل المعرفة والنكرة (٣). وكذا (مَنْ) قد تحتمل أكثر من معنى، غير أنها أقل إبهامًا من (ما) فقد تحتمل الموصولة والإستفهامية في نحو قوله تعالى: ﴿فسوف تعلمون من يأتيه عذابٌ يخزيه﴾ [هود: ٣٩].

стр. 132

وتحتمل الشرطية والموصولة، في نحو قوله تعالى: ﴿ومن دخله كان أمنا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وتحتمل الموصولة والنكرة، في نحو قوله تعالى: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ومعنى (من) النكرة (أحد) كقولك (هل منكم من يساعدني؟ ) أي هل منكم أحد يساعدني؟ جاء في (دراسات لأسلوب القرآن الكريم): "تحتمل (من) أن تكون نكرة موصوفة واسم موصول في قوله تعالى: ﴿فمن الناس من يقول ربنا أتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق﴾ [البقرة: ٢٠٠] " (١). جاء في الكتاب: " (هذا باب ما يكون الاسم فيه بمنزلة الذي في المعرفة) إذا بني علي ما قبله وبمنزلة في الاحتياج إلى الحشو ويكون نكرة بمنزلة رجل وذلك قولك (هذا من اعرف منطلقا) و (هذا من لا أعرف منطلقا) أي هذا الذي قد علمت أني لا أعرفه منطلقا، وهذا ما عندي مهينًا، وأعرف ولا أعرف وعندي حشو لهما يتمان به فيصيران اسمًا، كما كان (الذي) لا يتم إلا بحشوه. وقال الخليل: إن شئت جعلت (مَنْ) بمنزلة إنسان وجعلت (ما) بمنزلة شيء نكرتين ويصير (منطلق) صفة لمن و (مهين) صفة لـ (ما) .. ويقوي لي أيضأ أن (من) نكرة قول عمرو بن قميئة: يارُب من يبغض أذوادنا ... رحنا على بغضائه واغتدين ورب لا يكون ما بعدها إلا نكرة" (٢).

стр. 133

الحمل على اللفظ والمعنى: مَنْ وما في اللفظ مفردان مذكران وقد عرفنا أنهما صالحان للمفرد، والمثنى، والجمع المذكر والمؤنث، فتقول: جاء من فاز، ومن فازت، ومن فازوا، ومن فزن، واشتريت ما باعه خالد، وما باعها، وما باعهن. ويجوز مراعاة لفظهما أعني الأفراد والتذكير كما يجوز مراعاة المعنى قال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول أمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨]، فقد أعاد الضمير على لفظ (من)، وهو الأفراد والتذكير فقال (من يقول) ثم أعاده فيما بعد على معناه، وهو الجمع فقال (وما هم بمؤمنين) فالمقصود بـ (مَنْ) في الآية الجمع، لكن حمل الكلام على لفظة في الأول ثم حمله على معناه فيما بعد. ونحوه قوله تعالى: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، فقد أعاد الضمير أولاً على لفظ (من)، وهو الأفراد، والتذكير، فقال (ومن يقنت) ثم أعاده على معناه وهو الإفراد، والتأنيث فيما بعد فقال (وتعمل صالحا نؤتها أجرها). غير أنه يجب مراعاة المعنى، إذا حصل لبس بمراعاة اللفظ فلا تقول (أعط من سألك) إذا كان السائل أنثى بل تقول (أعط من سألتك) لئلا يلتبس المذكر بالمؤنث، وتقول: (لقيت من أحبها) إذا كان المحبوب أنثى ولا تقول (من أحبه) إلا إذا كان هناك قرينة فإنه يجوز عند ذاك مراعاة اللفظ. وكذلك يجب مراعاة المعنى إذا حصل قبح بمراعاة اللفظ، وذلك كأن تقول (من هي كريمة سعاد) فإنه يقبح أن يقال (من هي كريم سعاد) لأنه يؤدي إلى الأخبار عن المؤنث بالمذكر وهذا لا يجوز لأن الخبر المشتق يطابق المبتدأ. وفيما عدا ذلك يوز مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، وقيل أن مراعاة اللفظ أحسن وأولى عند العرب. وإذا اجتمعت المراعاتان، فالأولى تقديم مراعاة اللفظ، ثم مراعاة المعنى كما هو شأن أكثر، ما ورد في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾ [الأنعام: ٢٥]، فقد بدأ بالحمل على اللفظ

стр. 134

ثم حمل على المعنى" (١). علما بأنه ورد في القرآن الكريم مراعاة المعنى ابتداء أيضا وذلك نحو قوله ﴿ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين﴾ [الأنبياء: ٨٢]، وقوله: ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس: ٤٢] (٢). والخلاصة أنه يجوز مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، إلا إذا اقتضي الموطن مراعاة المعنى للبس أو قبح. غير أنه لا بد أن يكون في الكلام البليغ مرجح لمراعاة اللفظ أو مراعاة المعنى وأن كان الأصل الجواز. فقد راعى القرآن الكريم اللفظ مرة وراعى المعنى مرة قال تعالى: ﴿منهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون﴾ [يونس: ٤٢ - ٤٣]، فقال مرة (يستمعون) ومرة قال: (ينظر). وقال: ﴿ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي أذانهم وقرا﴾ [الأنعام: ٢٥]، فقال ههنا (يستمع إليك) وقال ثم (يستمعون إليك) فما السبب؟ وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدًا فيها وله عذاب مهين﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، فقال مرة (خالدًا فيها) ومرة قال (خالدين فيها) فما سبب ذلك؟ فلا بد في الكلام البليغ من سبب يدعو إلى ترجيح أحد التعبيرين على الآخر، وقد ذكروا في التفريق بين هذه الاستعمالات، وأمثالها أوجهًا، فمما ذكروه في التفريق بين الاستماعين المذكورين آنفا، إن قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنه﴾ [الأنعام: ٢٥]، بالأفراد إن الآية نزلت في بضعة رجال من قريش، وهم أبو سفيان، والنضر بن الحارث، وعتبة وشيبة، وأمية، وأبي بن خلف، بخلاف آية يونس

стр. 135

فإن المراد بهم جميع الكفار ممن يستمعون إليه، فوحد الاستماع في الأنعام لقلة المستمعين، وجمعه في يونس لكثرتهم ففرق بين الجمعين، فجعل الأفراد للقلة والجمع للكثرة ليوافق اللفظ المعنى (١). ونحوه قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا﴾ [محمد: ١٦]، فجاء به بلفظ المفرد لأنهم بحضرته، بدليل قوله (حتى إذا خرجوا من عندك) أي هم قلة بخلاف آية يونس، فانظر أنه لما كان المستمعون في آية الأنعام وآية محمد قليلين، أفرد اللفظ ولما كانوا كثيرين في آية يونس حمل على المعنى فجمع. وأما أفراد النظر في قوله تعالى: (ومنهم من ينظر إليك) فهو للسبب نفسه، فإن المستمعين لما كانوا أكثر من الناظرين، لأنه يراد بالمستمعين جميع الكفار، كما ذكرنا جميع المستمعين، وأفرد الناظرين جاء في (روح المعاني): "ومنهم من يستمعون إليك: وجمع الضمير الراجع إليه رعاية لجانب المعنى، كما أفرد فيما بعد رعاية لجانب اللفظ ولعل ذلك للإيماء إلى كثرة المستمعين بناء على عدم توقف الاستماع على ما يتوقف عليه النظر من الشروط العادية أو العقلية" (٢). وأما قوله تعالى: ﴿يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ [النساء: ١٣] وقوله: ﴿يدخله نارًا خالدا فيها﴾ [النساء: ١٤]، فقالوا فيهما إنّ الحكمة في جمع الوصف أولا للأشعار بالاجتماع المستلزم لزيادة الأنس والسعادة عند أهل الجنة، فإن الوحدة لا تطاق، وأفرده لزيادة التعذيب عند أهل النار، فإنه تعذيب بالنار والوحدة جاء في (حاشية يس على التصريح) في هاتين الآيتين: "ولعل الحكمة في جمع الوصف أولاً بذلك، الاعتبار وإفراده ثانيا باعتبار اللفظ ما في صيغة الجمع من الأشعار بالاجتماع المستلزم للتأنس زيادة في النعيم، وما في الأفراد من الأشعار بالوحدة المستلزم للوحدة زيادة في التعذيب كما ذكره المولى أبو السعود".

стр. 136

وقيل: أنه "لما ذكر في الأول جنات متعددة لا جنة واحدة وقال (١) يدخله والضمير المنصوب في يدخله وإن كان مجموعًا في المعنى، فهو في اللفظ مفرد، من حيث هو مفرد والمفرد من حيث هو مفرد، لا يصح أن يكون في جنات متعددة معًا، فجاء خالدين لرفع هذا الإيهام اللفظي هو اعتبار لفظي ومناسبة لفظية وإن كان المعنى صحيحًا. أما الآية الثانية فذكر فيها نارًا مفردة فناسبها الأفراد في خالدًا" (٢). وعلى كل فلابد من سب يدعو إلى ذلك. من وما والذي: إن كلا من (ما) و (من) و (الذي) اسم موصول، غير أنها لا تتطابق في المعنى والاستعمال، فقد عرفنا أن (من) غير (ما) وأنهما غير (الذي) وقد تستعمل (الذي) في تعبير لا تستعمل فيه من أو ما والعكس صحيح. ١ - فقد عرفنا إن (الذي) وضع وصلة لوصف المعارف بالجملة، فهو في الأصل صفة بخلاف من وما بخلاف من وما فإنهما لا يقعان صفة (٣) لأن المراد بهما الذوات. وليس معنى قولنا السابق إن (ما) تقع على صفات من يعقل، أنها تقع نعتًا له، بل المعنى أنها تقع على ذات متصفة بوصف ما من صفات العقلاء، ولذا تقع (الذي) في تعبيرات لا يصح وقوع من وما فيها فلا يصح في قوله تعالى مثلا: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ [البقرة: ٤٠]، أن يقال: اذكروا نعمتي ما أنعمت عليكم ولا في قوله: ﴿وفعلت فعلتك التي فعلت﴾ [الشعراء: ١٩]، أن يقال: وفعلت فعلتك ما فعلت. ٢ - إن كلا من (مَنْ) و (ما) اسم موصول مشترك في المفرد، والمثنى، والجمع، المذكر والمؤنث، بخلاف الذي فإنه مختص بالمفرد والمذكر.

стр. 137

٣ - إن (الذي) تستعمل لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء كما مر، فإذا أردنا لأمر بلاغي أن ننزل غير العاقل منزلة العاقل فلابد أن نضرب صفحًا عن استعمال (الذي) إلى (مَنْ) لأنّ (الذي) إذا استعملت في العاقل وغيره، كان استعمالها حقيقيًا، وكذا إذا أردنا أن ننزل العاقل منزلة غير العاقل استعملنا (ما) لا (الذي). تقول (مَنْ الذي كنت تكلمه؟ ) فيقول: (مَنْ كنت أكلمه حصاني). وتقول: (مَنْ الذي أنجاك؟ ) فيقول: (مَنْ أنجاني فرسي) فقد نزل حصانه منزلة العاقل باستعمال (مَنْ). وتقول لصاحبك (أتحدث إلى ما ترى) منزلاً العاقل منزلة غير العاقل، لأنه لا يفهم عنك شيئًا. ولا يتأتي هذا القصد باستعمال الذي. ٤ - إنَ كلا من (ما) و (مَنْ) قد يحتمل أكثر مِنْ معني فقد تحتمل (مَنْ) الشرط والموصولية والاستفهام. وتحتمل (ما) الشرط والموصولية والاستفهام والنفي في كثير من التعبيرات بخلاف (الذي) التي هي نص في الموصولية. ومن هذا يتضح أن التعبير بـ (مَنْ) أو (ما) قد يكون محتملا عدة معان في آن واحدٍ بخلاف الذي. ٥ - أن (الذي) اخص من (ما) و (مَنْ) لطبيعة اشتراكهما في أكثر من معنى، ومعنى (أخص) أنها أكثر تحديدًا ووضوحًا من ذينك، فهي على هذا أعرف منهما، لتحديد معناها ووضوحه: جاء في (حاشية الصبان) إن الموصول "أعرفه ما كان مختصًا ثم ما كان مشتركًا. ويظهر إن أعرف كل منهما ما كان معهودًا معينًا، ثم ما للاستغراق، ثم ما للجنس لمجيء الموصول للثلاثة كأل والإضافة" (١). وكذا استعملها القرآن الكريم.

стр. 138

قال تعالى: ﴿ويقولون طاعةٌ فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون﴾ [النساء: ٨١]، فقال (غير الذي تقول) ثم قال (والله يكتب ما يبتون) فجاء في أحد الموضعين بـ (الذي) والآخر بـ (ما) وذلك أن أحد الموضعين أعرف من الآخر فالذي يقوله أعرف مما يبتون لأن الأول معلوم عند المخاطب متفق عليه بخلاف ما يبيتون فإنه مجهول عنده إذ هو لا يدري ماذا يبتون فجاء للأخص المعلوم بالذي والآخر بما. وقال: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقال: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فجاء في الآية الأولى بالذي والثانية بـ (ما) لأن الأولى في حقوق النساء وواجباتهن، وهي معلومة والثانية في المهر وهو غير محدد، ولا معلوم، فجاء للمحدد المعلوم بـ (الذي) ولما هو عام بـ (ما). وقال: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: ٩٧] وقال: ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ [العنكبوت: ٧]. فقد قال في آية النحل (بأحسن ما كانوا يعملون) وقال في آية العنكبوت (أحسن الذي كانوا يعملون) وكل منهما هو المناسب لموطنه. وذلك أن قوله (من عمل) عام لأن (مَنْ) شرطية وهي نكرة، فتشمل كل عامل وفسره بقوله: (من ذكر أو أنثى) وهو نكرة، ثم نكر العمل فقال (من عمل صالحا) فجعله عامًا أيضا ولذا جعل الجزاء عامًا فجاء بـ (ما) وقال (بأحسن ما كانوا يعملون). وأما آية العنكبوت فقد جاءت بـ (الذي) لا بـ (من) وهو اسم موصول معرفة، ثم عرف العمل الصالح فقال (وعملوا الصالحات) ولذا جعل الجزاء مخصصًا، فجاء بالذي

стр. 139

فقال: (أحسن الذي كانوا يعملون) فجاء للعام بـ (ما) وللخاص بـ (الذي). ونظير هذا قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المقتون لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥]. أي: وهي مبهمة ويتعين معناها بالمضاف إليه، فقد تستعمل للعاقل وغيره، فمن استعمالها للعاقل قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾ [مريم: ٦٩]. ومن استعمالها لغير العاقل قولك (كل أي الطعام يعجبك). و(أيّ) تكون استفهامية، وشرطية، وصفة، وموصولة، ويتميز كل منها عن الآخر بالاستعمال فإذا قلت مثلا (علمت أيهم هو قائم) بنصب (أي) كانت موصولة لا غير، وإذا قلت (علمت أيهم هو قائم) بالرفع كانت (أي) استفهامًا، لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله. وتقول: (أيهم سألت أجابك) فإن قلتها بالرفع كانت موصولة وكان مفعول (سألت) محذوفا والتقدير (أيهم سألته أجابك) وحذف مفعول الصلة كثير، وفعل الصلة لا ينصب الموصول، وأن قلتها بالنصب كانت شرطًا. وقد تحتمل (أيّ) أكثر من معنى، فقد تحتمل الموصولة، والشرطية، في نحو قولنا (أيّ الرجال سألته أجابك). وتحتمل الموصولة والاستفهامية في نحو قولنا: (علمت أيهم قائم) ونحو قوله تعالى: ﴿ولتعلمن أينا أشد عذابًا وأبقى﴾ [طه: ٧١]. ثم إن أيا ملازمة للإضافة في كل أحوالها التي ذكرناها، فإن كانت موصولة أضيفت إلى المعرفة، وإن كانت صفة أضيفت إلى النكرة نحو (مررت برجل أي رجل) وإن كانت شرطية أو استفهامية صحت إضافتها إلى النكرة والمعرفة، وقد ينوي المضاف إليه نحو (مررت بأي هو أفضل).

стр. 140

وهي معربة بخلاف سائر الأسماء الموصولة الأخرى وتبنى في حالة واحدة، وذلك إ ذا أضيفت وحذف صدر صلتها نحو (احترام أيهم أكبر) قال الشاعر: إذا ما لقيت بني مالك ... فسلم على أيهم أفضل وبعض العرب يعربها مطلقا (١) فبناؤها في هذه الحالة لغة وأعرابها مطلقا لغة: ذا: وتكون اسمًا موصولا بعدما ومن الاستفهاميتين نحو قولك: ماذا فعلت ومن ذا قابلت أمحمد أم سعيد؟ بمعنى ما الذي فعلت؟ ومن الذي قابلت؟ (٢) وسيرد لها مزيد من التفصيل في باب الاستفهام إن شاء الله تعالى: ذو: وترد اسما موصولا في لغة طيء يقولون: (هذا ذو قال ذاك) يريدون: هذا الذي قال ذاك (٣). وبقية العرب لا يستعملونها لهذا المعنى.

стр. 141

حذف الاسم الموصول يجوز حذف الاسم الموصول إذا علم وذلك إذا عطف على مثله وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم﴾ [العنكبوت: ٤٦]، أي والذي أنزل إليكم لأن المنزل إلينا ليس المنزل إليهم (١) وكقوله تعالى: ﴿بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦]، وقوله: ﴿ولله يسجد من في السماوات اولأرض﴾ [الرعد: ١٥]، فههنا اسم موصول مقدر لأن الذين في السماوات غير الذين في الأرض. وقد يتكرر الموصول، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض﴾ [النحل: ٤٩]، وقوله: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الجمعة: ١]. وليس كل عطف بلا ذكر للاسم الموصول معناه إن الموصول محذوف، وإنما تقدير ذلك يعود إلى المعنى، فليس في قوله تعالى: ﴿هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٢ - ٣]، اسم موصول محذوف لأن الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة هم صنف واحد وليسوا صنفين. ونحوه قوله تعالى: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: ٣٠]، فليس في هذه الاية حذف، لأن المقصود بمن يفسد في الأرض ويسفك الدماء واحد، وهو الانسان. فالمعنى هو الذي يحدد ما إذا كان ثم حذف أولاً، فإذا امتنعت صحة المعنى بدون تقدير محذوف كان لابد من تقدير محذوف. ومن هذا يتبين إنه يجوز ذكر الاسم الموصول وحذفه، إذا قام دليل على حذفه، وقد ذكر القرآن الكريم، الاسم الموصول في مواطن، وحذفه في مواطن أخرى، فقد قال مرة: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ [طه: ٦]، وقال مرة أخرى: ﴿له ما في السماوات

стр. 142

والأرض﴾ [البقرة: ١١٦]، وقال مرة: ﴿والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الحجرات: ١٦]، وقال مرة أخرى: ﴿يعلم ما في السماوات والأرض﴾ [العنكبوت: ٥٢]، وقال مرة: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الحشر: ١]، وقال مرة أخرى: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض﴾ [الحديد: ١]ـ وهذا يقتضينا المساءلة عن سبب ذكر ما ذكر، وحذف ما حذف، إذ من المعلوم أنه لابد في الكلام البليغ من سبب للذكر والحذف. وذكر بعضهم أنه تأمل ما في التنزيل العزيز من قوله تعالى: ﴿من في السماوات والأرض﴾ و ﴿من في السماوات ومن في الأرض﴾ وقوله: ﴿ما في السماوات والأرض﴾ وقوله: ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ فوجد "أنه حيث قصد التنصيص على الأفراد ذكر الموصول، والظرف ألا ترى إلى المقصود في سورة يونس (١) من نفي الشركاء الذين اتخذوهم في الأرض وإلى المقصود في آية الكرسي (٢) من إحاطة الملك؟ وحيث قصد أمر آخر لم يذكر الموصول إلا مرة واحدة أشارة إلى قصد الجنس، وللإهتمام بما هو المقصود في تلك الآية، ألا ترى إلى سورة الرحمن (٣)، المقصود منها علو قدرة الله تعالى وعلمه وشأنه وكونه مسؤولا ولم يقصد أفراد السائلين" (٤). وهذا صحيح فإه إذا قصد التنصيص على الأفراد ذكر الموصول وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوت ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]، فهنا قصد التنصيص على كل فرد من أفراد السماوات والأرض على وجه التخصيص فكرر (من) لذلك. ونحوه قوله تعالى: ﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [النمل: ٨٧].

стр. 143

غير أن هذا واحد من الأسباب التي تدعو إلى تكرار الاسم الموصول، وليس هو السبب الوحيد، وهناك أسباب أخرى للتكرار منها: أنه إذا كان الموطن دالاً على التفصيل والإحاطة كرر الاسم الموصول بخلاف ما إذا كان الكلام مجملاً غير مفصل، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعًا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكن من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة: ٦ - ٧]. فكرر (ما) قائلا (يعلم ما في السموات وما في الأرض) وذلك لأن الموطن موطن إحاطة وتفصيل بخلاف قوله تعالى: ﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا يعلم ما في السماوات والأرض والذين أمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون﴾ [العنكبوت: ٥٢]، فلم يكرر (ما) وأنت تحس الفرق واضحًا بين المواطنين، والسياقين، فإن في آية المجادلة من ذكر لسعة علم الله وشموله وإحاطته بالجزئيات والتفصيلات ما ليس في آية العنكبوت، فقد ذكر في آية المجادلة أنه لا يند عنه شيء ولا يغيب عنه مجلس قل أو كثر، ثم ينبيء الله أهله بكل ما قالوا وما تناجوا به أحصاه الله ونسوه، وهو بكل شيء عليم، فأنت ترى في آية المجادلة من التفصيل ما ليس في آية العنكبوت فلما فصل في آية المجادلة أعاد ذكر (ما)، ولما أجمل في العنكبوت أجمل في ذكر الموصول، فلم يعد ذكره. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى﴾ [طه: ٦]، فكرر (ما) لأن الموطن موطن شمول، وإحاطة، وتفصيل، فقد ذكر إنّ له (ما في السماوات) و (ما في الأرض) و (ما بينهما) و (ما تحت الثرى) بخلاف قوله تعالى: ﴿وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبًا أفغير الله تتقون﴾ [النحل: ٥٢]، فأنت ترى الفرق واضحًا بين السياقين في التفصيل، والإحاطة فكرر في موطن التفصيل وأجمل في موطن الإجمال.

стр. 144

ونحوه قوله تعالى: ﴿الحد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخر منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور﴾ [سبأ: ١ - ٢]، فالتفصيل في هاتين الآيتين واضح ولذا كرر الاسم الموصول في كل موطن بخلاف قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦]. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والأصال﴾ [الرعد: ١٥]، فلم يكرر الموصول في حين قال: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس﴾ [الحج: ١٨]، فكرر (من) ههنا بخلاف الآية الأولى، ومقام التفصيل واضح في آية الحج فقد ذكر الشمس، والقمر والنجوم، والجبال، والشجر والدواب، وكثيرا من الناس، بخلاف آية الرعد، ففي مقام التفصيل كرر وفصل وفي مقام الإجمال أجمل وأوجز. وقد يكون أعاده ذكر الموصول لأمر آخر، وهو ذكر أمر يتعلق بصلته فمن الملاحظ مثلا في القرآن الكريم إنه إذا كرر الاسم الموصول فقال: ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ فإنه يريد أن يخص أهل الأرض بذكر أمر من الأمور وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يريد أن يذكرهم بأمر خاص بهم. وهذا في آيات التسبيح خاصة نحو قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض﴾ [الحديد: ١]، و ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الحشر: ١]، فحيث كرر (ما) في آيات التسبيح فإنه ذكر أهل الأرض بعدها وحيث أجمل لم يذكرهم. وإليك أمثلة على ذلك: قال تعالى في سورة الحديد: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ [الحديد: ١ - ٤].

стр. 145

وقال في سورة الحشر: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ [الحشر: ١ - ٢] فأنت ترى أنه في آيات الحديد لم يعقب التسبيح بالكلام على أهل الأرض بخلاف آية الحشر فقد قال بعدها ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا .. ﴾ ويستمر في ذكر أحوالهم. وبذلك على ذلك أنه في آخر سورة الحشر لم يكرر (ما) حين لم يذكر شيئا عن أهل الأرض بعد الآية فقد قال: ﴿هو الله الخالق الباريء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الحشر: ٢٤]، فكرر في أول السورة وأجمل في آخرها لما ذكرناه والله أعلم ونحوه ما جاء في سورة الصف قال تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا االله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾ [الحشر: ١ - ٤]، ويمضى في الكلام على أهل الأرض، فكرر (ما) لأنه خص أهل الأرض بعدها بالذكر. ونحوه قوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لقي ضلال مبين وآخرين منهم لما يحلقوا بهم وهو العزيز الحكيم﴾ [الجمعة: ١ - ٣]، ويمضى في الكلام على أهل الأرض ونحوه قوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد هو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير﴾ [التغابن: ١ - ٢]، ويمضى في الكلام على أهل الأرض.
следующие страницы →