ثم إذا كان الاسم واللقب مفردين أو أولهما مفردًا، ولم يمنع مانع من الاضافة، وجبت إضافة الاسم إلى اللقب عند جمهور البصريين (١) فتقول فيمن اسمه (خالد) ولقبه (منشار) مثلا (خالد منشار).
ويجوز عند الكوفيين مع الإضافة، والإتباع، والقطع، إلى الرفع والنصب (٢)، فتقول عندهم:
هذا خالد منشار - بالأضافة.
وهذا خالد منشار - بالاتباع
وهذا خالد منشارا - بالقطع.
وهو الراجح فيما نرى. (٣)
وأما إذا لم يكونا مفردين أو كان الأول غير مفرد، أو كان مفردًا ولكنه ممتنع من الإضافة كأن يكون محلي بأل، امتنعت الإضافة وجاز لك في اللقب وجهان:
الاتباع على البدلية أو عطف البيان.
والقطع إلى الرفع على تقدير هو.
أو القطع إلى النصب على التقدير أعني (٤)، فنقول: مثلا
أقبل عبد الله فخر الدين - بالاتباع.
ومررت بعبد الله فخرُ الدين بالقطع إلى الرفع
ومررت بعبد الله فخر َ الدين بالقطع إلى النصب
стр. 72
الفرق بين هذه الأوجه:
تقول فيمن اسمه (خالد) ولقبه (قوس):
أقبل خالد قوس - بالإضافة.
وأقبل خالد قوسٌ بالاتباع.
ومررت بخالدٍ قوسٌ - بالقطع إلى الرفع.
ومررت بخالدٍ قوسا بالقطع إلى النصب.
فما الفرق بين هذه الأوجه في المعنى؟
١ - معنى الإضافة:
الذي يبدو أن إضافة الاسم إلى اللقب تفيد ان الاسم لا يتعين تماما، إلا بإضافته إلى لقبه، فهما معا يعينان الاسم بصورة محددة، فقولك: (خالد قوس) هو الذي يميز خالدا من غيره الذي قد يشترك معه في الاسم، فكأنك قلت: صاحب هذا اللقب كما تقول: خالدنا وخالدكم، وسعدنا وسعدكم، ولذلك إذا نكر اللقب أصبح الاسم نكرة، فإذا قلت (هذا خالد قفة) كان خالد معرفة لأن (قفة) - هو اللقب - معرفة، وإذا قلت (هذا خالد قفة) كان خالد نكرة لأن (قفة) - وهو لقبه نكرة، ويدل على تنكيره تنوينه كما تقول: رأيت إسماعيل وإسماعيلا آخر، فإن إسماعيل الأول معرفة، والثاني نكرة، أي رأيت شخصا من الشخوص اسمه إسماعيل.
فمعنى (رأيت خالد قفة) رأيت خالدا الملقب بهذا الاسم.
معنى رأيت خالد قفة، رأيت شخصا اسمه خالد، ولقبه قفة، وهذا الشخص لا يعرفه المخاطب، جاء في كتاب سيبويه، إذا لقبت مفردا بمفرد اضفته إلى الألقاب وهو قول أبي عمرو ويونس والخليل وذلك قولك: هذا سعيد كرز، وهذا قيس قفة قد جاء، وهذا زيد بطة، فإنما جعلت قفة معرفة لأنك أردت المعرفة، التي أردتها إذا قلت هذا قيسٌ فلو نونت قفة صار الاسم نكرة لأن المضاف إنما يكون معرفة ونكرة بالمضاف إليه. (١)
стр. 73
وجاء في (شرح ابن يعيش): فإذا اضيف الاسم إلى اللقب صار كالاسم الواحد وسلب ما فيه من تعريف العلمية، كما إذا أضفته إلى غير اللقب نحو (زيدكم) فصار التعريف بالإضافة، وجعلت الألقاب معارف لأنها قد جرت مجرى الاعلام، وخرجت عن التعريف الذي كان لها بالألف واللام قبل التلقيب، كما أنا إذا قلنا (الشمس) كان معرفة بالألف واللام وإذا قلنا (عبد شمس) كان من قبيل الاعلام.
قإن قيل: كيف جازت أضافة الاسم إلى اللقب وهما كشيء واحد وهل هو إلا إضافة الشيء إلى نفسه؟
فالجواب: إن العلم إذا أضيف إلى اللقب وابتزوا ما فيه من تعريف العلمية صار للمسمى لا غير، والمسمى يضاف إلى الاسم نحو ذات مرة وذا صباح. (١)
وجاء فيه: فأما إضافة الاسم إلى اللقب نحو سعيد كرز، وقيس بطة، فذلك جائز غير ممتنع وإن كانا لعين واحدة، وذلك من قبل إنه لما اشتهر باللقب حتى صار هو الاعرفوصار الاسم مجهولا كأنه غير المسمى بانفراده اعتقد فيه التنكير، واضيف إلى اللقب للتعريف، وجعلوا الاسم مع اللقب بمنزلة ما أضيف ثم سمي به نحو عبد الله وعبد الدار، وكان اللقب أولى أن يضاف إليه لأنه صار أعرف (٢).
فالإضافة تفيد أن المضاف والمضاف إليه معا يعينان الاسم ويوضحانه.
٢ - معنى القطع:
يفيد القطع أن المسمى قد اشتهر باللقب المذكور، بحيث يعلمه كل أحد، فإذا قلت (رأيت عليا زين العابدين) علم من ذلك اشتهار علي بهذا اللقب شهرة لا تخفى على أحد.
ولا يراد من اللقب المقطوع مجرد تمام توضيح العلم، لأن العلم إذا كان لا يتعين إلا باللقب، فإنه لا يجوز قطع لقبه لأنه لا قطع مع الحاجة، وهذا نظير الصفة المقطوعة، فإن النعت المقطوع، يفيد أن المنعوت أشتهر بهذه الخصلة، وأن المخاطب يعلم من
стр. 74
اتصافه بها ما يعلمه المتكلم، ولا يصح القطع في النعوت، إذا كان المنعوت لا يتضح إلا بالنعت (١) كما سنوضحه في باب النعت.
وللقطع دلالة أخرى هي الإشارة إلى معنى اللقب، وهو المدح، أو الذم، فإذا قلت (أقبل خالد سيف الله)، لم ترد تعريف العلم أو تخصيصه، بل الإشارة إلى مدحه أيضا، وقد ذكر هذا الرضي فقال: إن قطع اللقب إلى الرفع أو النصب، إنما هو لكونه متضمنا للمدح أو الذم. (٢)
فالقطع إذن يدل على أمرين:
الأول: اشتهار العلم باللقب اشتهارا بينا بحيث لا يخف على أحد.
الثاني: الألماح إلى معنى اللقب وهو المدح والذم.
ثم إن القطع إما أن يكون إلى الرفع أو إلى النصب، فتقول مررت بخالد وسيف الله. بالنصب أو سيفُ الله، بالرفع، والقطع إلى الرفع أقوى من القطع إلى النصب، لأن القطع إلى الرفع بتقدير اسم مبتدأ، وأما القطع إلى النصب قد يكون بتقدير فعل، والاسم اقوى من الفعل وأثبت. فإذا كنت مادحا باللقب كنت بالقطع إلى الرفع أمدح، وإذا كنت ذامًا كنت بالقطع إلى الرفع أذم.
فالقطع إلى الرفع يدل على زيادة اشتهار العلم بلقبه والزيادة في مدحه أو ذمه كما سنوضح ذلك في بابه.
٢ - معنى الاتباع:
وأما الأتباع فيراد به تمام التوضيح والتعيين. جاء في (شرح الرضي على الكافية) إن اللقب إنما يتبع الاسم عطف بيان لكونه أشهر. (٣)
стр. 75
وهذا نظير الصفة والموصوف، فإن الصفة إذا اتبعت لا تدل نصا على أن الصفة، عرف بها الموصوف، وأن المخاطب يعلمها كما يعلمها المتكلم، بل قد يؤتى بها لتوضيح الموصوف، ولولا هي لالتبس بشخص آخر فإن قولك (مررت بمحمد الخياط) قد يكون لفصل محمد هذا من شخص آخر اسمه محمد، وهو غير خياط، فلا يتعين محمد إلا بنعته، وفي مثل هذه الحال لا يجوز القطع، وكذلك اللقب فإنه قد لا يتضح العلم ويتميز من شخص آخر إلا بلقبه وفي هذه الحال لا يصح قطعه.
ثم إن معنى المدح والذم في اللقب التابع قد يأتي من معنى اللقب اللغوي لا من قصد المدح والذم وإيضاح ذلك أنك تقول: (مررت بمحمدٍ الفقيه) إذا أردت تمييز محمد هذا من محمد آخر غير فقيه، فيكون الفقيه نعتا لغرض التوضيح، ولا يجوز قطعه لأنه لا يتعين إلا به، ثم إنك ههنا لم ترم إلى مدح محمد، بل أردت تمييزه، ولكن النعت فيه مدح محمد بطريقة غير مقصودة، وذلك بدلالة النعت اللغوية وهي الفقه، أما إذا قلت مررت بمحمد الفقيه، بالقطع فأنك أردت مدحه بصورة مباشرة بهذه الخصلة وجعلته مشهورا بها، وكذلك اللقب فإن القطع يرمي إلى الإشارة إلى المدح، والذم ويدل أيضا على اشتهاره بهذا اللقب.
ولا يفهم من قولنا هذا أن الأتباع يفيد دائما أن الموصوف غير مشتهر بالصفة، أو أن الصفة تكون دوما للتوضيح والتمييز بين الأشخاص، بل يكون الموصوف مشهورًا بالصفة مع الأتباع، وقد يكون غير معروف به، وللنعت التابع أغراض أخرى غير التوضيح والتمييز بين المذكورين، كالمدح والذم، والتوكيد، وغير ذلك من الأغراض، مما سنوضحه في باب النعت، ولكنا نقول: أن القطع يفيد ذلك نصا بخلاف الأتباع فإنه قد يفيد وقد لا يفيده.
يتبين من هذا:
١ - أن القطع يدل على أن العلم أشتهر باللقب أكثر من الأتباع.
٢ - أن القطع يراد به الإشارة إلى معنى اللقب بصورة مقصودة وأما الأتباع فقد يراد به ذلك وقد يراد به غير ذلك كالتوضيح وغيره فلا يكون المدح هو القصد الأول.
стр. 76
٣ - علم الشخص وعلم الجنس .
العلم على قسمين: علم شخص، وعلم جنس.
فعلم الشخص هو ما وضع لواحد من أفراد الجنس نحو أحمد وإبراهيم وفاطمة وبغداد والنيل.
وعلم الجنس، هو ما وضع للجنس بأسره، كقولهم للأسد أسامة، أبو الحصين وثعالة للثعلب، فأسامة علم على كل أسد، وأبو الحصين وثعالة علم كل ثعلب. وربما لم يعرف للجنس من حيث الأحكام اللفظية فهو يصح الأبتداء به نحو (أسامة أشجع من الضبع) ويصح مجيء الحال منه نحو (هذا ثعالة مدبرا) ويمنع من الصرف إذا كان له سبب آخر من العلمية نحو أسامة وثعالة فهما ممنوعان من الصرف للعلمية وتاء التأنيث وغير ذلك من الأحكام (١).
وأما من حيث المعنى فإن علم الجنس كالنكرة من حيث دلالته على أفراد الجنس عامة، فأسامة يطلق على كل أسد وثعالة يطلق على كل ثعلب.
وفرقوا بين علم الجنس كأسامة، وأسم الجنس كأسد، بأن قالوا أن (أسامة) تعني كلمة (أسد) معرفة لا منكرة فهي بمعنى (الأسد)، لا بمعنى (أسد) فقولهم (أسامة أجرأ من ثعالة) معناه (الأسد أجرأ من الثعلب) وليس معناه (أسد أجرأ من ثعلب) فأسامة أذن كالمعرف بأل الجنسية، لأنها تطلق على الجس عموما، وربما أطلقت على واحد من أفراده فتقول (قتل أسامة) لأسد خاص يعرفه المخاطب.
جاء في شرح عمدة الحافظ وعدة اللافظ لابن مالك، وقد وضعوا لبعض الأجناس أعلاما أعطوها في اللفظ ما للأعلام الشخصية ..
стр. 77
فمن ذلك قولهم للأسد أسامة، فإنهم يعنون به ما يعني بالأسد العام، إذا قيل (الأسد مخوف) أو بالأسد الخاص إذا قيل (قتل الأسد) لأسد معلوم.
فأسامة صالح للمعنيين، إلا أن الأسد لا يدل على أحدهما إلا مقرونا بأل أو ما يقوم مقامها وأسامة يدل عليهما بنفسه. (١)
إن علم الجنس كالمعرف بأل قد يكون للجنس كقولهم (الحصان أسرع من الحمار) وقد يكون للعهد كقولك (بعت الحصان) لحصان معهود معلوم، وكذلك علم الجنس غير إن الأصل في علم الجنس أن يكون للجنس عموما، وربما استعمل لواحد من أفراد الجنس، ولذلك قالوا أن اسم الجنس كأسد وحمار وثعلب إنما هو موضوع لأحد أفراد الجنس، وأما علم الجنس .. فهو موضوع لحقيقة الجنس، جاء في (شرح الأشموني) قال بعضهم والفرق بين أسد وأسامة أن أسدا موضوع للواحد من آحاد الجنس لا بعينه في أصل وضعه. وأسامة موضوع للحقيقة المتحدة في الذهن. فإذا أطلقت أسدًا على واحد، أطلقته على أصل وضعه، وإذا أطلقت أسامة على واحد فإنما أردت الحقيقة. (٢)
وقد أوضح الفرق بينهما سيبويه فقال: " ومن ذلك ابن قترة، وهو ضرب من الحيات فكأنهم إذا قالوا (هذا ابن قترة) فقد قالوا هذا الحية الذي من أمره كذا وكذا، وإذا قالوا (بنات أوبر) فكأنهم قالوا هذا الضرب الذي من أمره كذا وكذا ومن الكمأة". (٣)
يريد بذلك أن يبين أن علم الجنس إنما يطلق على ما عرف واشتهر بأمر معين أو صفات معينة ويوضح ذلك قوله" فكأنهم قالوا هذا الضرب الذي من أمره كذا وكذا" أي هذا هو الحيوان المشهور بكذا وكذا. وكذا قولهم (هذا أسامة) فكأنهم قالوا هذا هو الحيوان المشهور المعروف بالجرأة، فهو - أي علم الجنس - يحيلك إلى ما تعرفه عن هذا الحيوان.
стр. 78
استخلاص الأوصاف من الأعلام
قد يشتهر علم من الأعلام بصفة من الصفات فيذكر بقصد استحضار صفته، لا بقصد ذكر المسمى وذلك كاشتهار حاتم بالجود، وفرعون بالتحبير، وقارون بالغنى، وعنترة بالشجاعة، فيقال (هو حاتم هذا العصر) أي هو جواد هذا العصر، ويقال: (هو فرعون الأمة) أي الظالم المتجبر فيها.
والنحاة في نحو هذا على تأولين:
الأول أن تقدر كلمة (مثل) فيكون المعنى في قولنا (هو حاتم جودا) هو مثل حاتم.
الثاني: أن تستخلص الصفة التي اشتهر بها صاحب العلم فيقال: هو جواد أو هو ظالم.
جاء في الخصائص في قول الشاعر:
أنا أبو المنهال بعض الأحيان ... ليس علي حسبي بضؤلان
يحتمل أمرين:
أحدهما أن يكون أراد: أنا مثل أبي المنهال ..
والآخر أن يكون قد عرف من أبي المنهال هذا الغناء والنجدة، فإذا ذكر فكأنهما قد ذكرا فيصير معناه إلى أنه كأنه قال: أنا المغني في بعض الأحيان. أفلا تراك كيف انتزعت من علم الذي هو (أبو المنهال) معنى الصفة والفعلية .. وقد مر بهذا الموضع الطائي الكبير فأحسن فيه واستوفى معناه فقال:
فلا تحسبن هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند
فقوله (كل غانية هند) متناه في معناه وآخذ لأقصى مداه. ألا ترى أنه كأنه قال: كل غانية غادرة أو قاطعة، أو خائنة أو نحو ذلك .. ومنه قول الآخر:
стр. 79
أن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا
أي إذا شبعوا تعادوا وتغادروا لأن بكرا هكذا فعلها. (١)
وجاء في شرح الرضى على الكافية في تأويل العلم بالنكرة، ولتأويله بالمنكر وجهان:
أما أن يقدر مضاف هو مثل فلا يتعرف بالاضافة لتوغله في الأبهام ..
وأما أن يجعل العلم لاستشهاره بتلك الخلة، كأنه اسم جنس موضوع لأفادة ذلك المعنى .. وهذا كما قالوا (لكل فرعون موسى) أي لكل جبار قهار فيصرف فرعون وموسى ل تنكيره ا بالمعنى المذكور. (٢)
والتقدير الثاني أرجح ألا ترى أنه لا يحسن تقدير (مثل) في كثير من التعبيرات فلا يقال في قولنا " هو حاتم هذا العصر " هو مثل حاتم هذا العصر، ولا في قولنا هو فرعون الأمة هو مثل فرعون الأمة، ولا في " لا عمر مثله " لا مثل عمر مثله.
تنكيره
قد ينكر العلم لأشتراك أكثر من واحد في اسمه، فيكون كسائر النكرات في قبوله أل والأضافة وغير ذلك ويدل على ذلك أمور أبرزها:
١ - تثنينه وجمعه: إذا ثني العلم أو جمع أصبح نكرة بعد أن كان معرفة ولهذا تدخل عليه الألف واللام فيقال (أقبل المحمدان) و (أقبل المحمدون) فإن قلت (أقبل محمدان) كان نكرة والمعنى أنه جاء رجلان اسم كل واحد منهما محمد، بخلاف قولك (جاء محمد) فإنه معرفة جاء في كتاب سيبويه " فإن قلت: هذان زيدان منطلقان،
стр. 80
وهذا عمران منطلقان، لم يكن هذا الكلام إلا نكرة من قبل أنك جعلته من أمة كل رجل منها زيد وعمرو، وليس كل واحد أولى به من الآخر .. ألا ترى أنك تقول: هذا زيدٌ من الزيدين أي هذا واحد من الزيدين فصار كقولك: هذا رجل من الرجال.
وأما قولهم أعطيكم سنة العمرين فإنما أدخلت الألف واللام على عمرين وهما نكرة فصارا معرفة بالألف واللام" (١).
٢ - تنوينه إذا كان لا يقبل التنوين كأن يكون مبنيا أو ممنوعا من الصرف، فإذا قلت (مررت بنفطويهٍ) كان نفطويه نكرة، أي مررت بشخص اسمه نفطويه بخلاف ما إذا قلت (مررت بنفطويه) بلا تنوين، ونحوه (أقبلت حذام وحذامٌ أخرى) فإن حذام المنونة نكرة. بخلاف غير المنونة ومعنى الكلام: أقبلت حذام وامرأة أخرى اسمها حذام، وكذا إذا قلت (أقبل إبراهيمٌ) جاء في شرح ابن يعيش: فإذا قلت: لقيت أحمدا، فقد أعلمته أنك مررت بالرجل الذي اسمه أحمد وبينك وبينه عهد فيه وتواضع. والتنوين هو الدال على ذلك (٢).
وليس معنى ذلك أن المنصرف لا ينكر، بل قد يكون نكرة ولكن المبني والممنوع من الصرف، يدل التنوين على تنكيرهما بخلاف المنصرف فإن التنوين لا يدل على ذلك وإنما يدل عليه السياق كما إذا قلت: رأيت محمدًا من المحمدين، ورأيت زيدًا من الزيدين (٣)، وما من زيد كزيد بن ثابت (٤).
٣ - الإضافة: قد يشترك في الاسم أكثر من شخص فيكون نكرة، فلا يتميز إلا بالإضافة نحو رأيت خالدكم وهذا خالدنا قال الشاعر:
لشتان ما بين اليزيدين في الندى ... يزيد سُليم والأغرّ بن حاتم
يزيد سليم سالم المال والفتى ... فتى الأزد للأموال غير مسالم
стр. 81
جاء في (شرح ابن يعيش): علم أن العلم الخاص لا يجوز إضافته ولا إدخال لام التعريف فيه لأستغنائه بتعريف العلمية عن تعريف آخر، إلا أنه ربما شورك في اسمه، أو اعتقد ذلك، فيخرج عن أن يكون معرفة ويصير من أمة كل واحد له مثل اسمه ويجري حينئذ مجرى الأسماء الشائعة، نحو رجل وفرس فحينئذ يجترأ على إضافته وأدخال الألف واللام عليه كما يفعل ذلك في الأسماء الشائعة: فالإضافة نحو قولك زيدكم وعمركم.
وقد أنشدوا أبياتًا تشهد بصحة الاستعمال ومن ذلك قول الشاعر:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض ماضي الشفرتين يمان. (١)
وذكر رضي الدين الأستراباذي أن العلم قد يضاف مع بقائه على تعريفه، نحو ربيعة الفرس، وزيد الخيل، جاء في شرح الرضي على الكافية: وعندي أنه يجوز إضافة العلم مع بقاء تعريفه إذ لا منع من اجتماع التعريفين كما ذكرنا في باب النداء، وذلك إذا أضيف العلم إلى ما هو متصف به معنى نحو (زيد الصدق) يجوز ذلك وأن لم يكن في الدنيا إلا زيد واحد ومثله قولهم: مضر الحمراء، وأنمار الشاء، وزيد الخيل، فإن الإضافة فيها ليست للإشتراك المتفق (٢).
وظاهر أن في الإضافة هذه معنى لا يؤديه الأفراد ففي الإضافة زيادة توضيح ألا ترى فرقا بين قولنا مضر، ومضر الحمراء، وزيد، وزيد الخيل، فإن الإضافة أكسبت العلم توضيحًا لا يؤديه القطع عن الإضافة كما هو ظاهر.
صحيح أن الإضافة قد تكون لغير التعريف، وذلك كما إذا كان العلم لا يشاركه فيه غيره، نحو قولنا عراق الخير وبغداد الرشيد، وليس في الدنيا غير عراق واحد، وبغداد واحدة، فالإضافة ههنا ليست لغرض التعريف، بل لتخصيص المضاف بأمر من الأمور، فالإضافة في الأكثر تكون للتعريف وقد تكون لغير التعريف أيضًا.
стр. 82
٤ - التعريف بأل: وهذا لا يكون في المثنى والجمع فقط، بل قد يكون في المفرد أيضا كقولهم: " إذا ذكر جماعة اسم واحد منهم زيد فيقول المجيب: فما بين الزيد الأول والزيد الآخر؟ وهذا الزيد أشرف من ذلك الزيد". (١)
وليس معنى ذلك أن كل ما دخل عليه (أل) من الأعلام هو نكرة بل ربما تدخل (أل) على العلم للأصل لا معرفة كما سنذكر ذاك.
٥ - وقوعه بعدما يختص بالنكرات، كلا النافية للجنس، ومن الاستغراقية الزائدة، ورب وذلك نحو قولك (ما من خالد كخالد بن الوليد) و (لا عمر أفضل من عمر بن الخطاب) و (رب زيد أحسن من زيد) و (كم من هيثم مثل هيثمكم عندنا) جاء في (الهمع): " قد ينكر العلم تحقيقا نحو رأيت زيدا من الزيدين وما من زيد كزيد ابن ثابت، أو تقديرًا كقول أبي سفيان (لا قريش بعد اليوم) وقول بعض العرب (لا بصرة لكم) وحينئذ يثني ويجمع وتدخله أل ويضاف" (٢).
وجاء في (شرح الرضى على الكافية): " وقد ينكر العلم قليلا فأما أن يستعمل بعد على التنكير (٣) نحو (رب زيد لقيته) وقولك (لكل فرعون موسى) لأن (رب) و (كل) من خواص النكرات. أو يعرف وذلك بأن يؤول بواحد من الجماعة المسماة به، فيدخل عليه اللام كقوله:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركًا ... شديدًا بأعباء الخلافة كأهله
أو الإضافة نحو قوله:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيديكم ... بأبيض ماضي الشفرتين يمان (٤).
стр. 83
لمح الأصل
قد تدخل (أل) على العلم المنقول للمح الأصل، ومعنى لمح الأصل، الإلتفات إلى المعنى الذي نقل عنه العلم، وذلك نحو قولك العباس، والحارث، والنعمان، والفضل، فالعباس يشير إلى معنى العبوس، والحارث إلى الحراثة، والنعمان إلى الدم، لأن النعمان هو الدم وهكذا. فقولك (جاء العباس) يشير إلى العلم لا إلى معناه، وأما قولك (جاء العباس) فإنه يشير إلى معنى العبوس كأنك قلت: جاء الذي يعبس كثيرًا، وقولك (أقبل حسن) لا تشير فيه إلى معنى العلم، وأما إذا قلت (أقبل الحسن) فإنك تشير إلى معنى العلم وهو الحسن وكذلك ما بعده. جاء في (شرح ابن عقيل): " وأشار بقوله " للمح ما قد كان عنه نقلا" إلى أن فائدة دخول الألف واللام الدلالة على الألتفات إلى ما نقلت عنه من صفة أو ما في معناها.
وحاصله أنك إذا أردت بالمنقول من صفة، ونحوه إنما سمي به تفاؤلا بمعناه أتيت بالألف واللام للدلالة على ذلك، كقولك (الحرث) نظرًا إلى أنه إنما سمي به للتفاؤل وهو إنه يعيش ويحرث، وكذا كل ما دل على معنى، وهو مما يوصف به في الجملة، كفضل ونحوه. وأن لم تنظر إلى هذا ونظرت إلى كونه علما لم تدخل عليه الألف واللام بل تقول فضل وحارث ونعمان. فدخول الألف واللام أفاد معنى لا يستفاد بدونهما فليستا بزائدتين خلافا لمن زعم ذلك، وكذلك أيضا. ليس حذفهما وأثباتهما على السواء كما هو ظاهر كلام المصنف، بل الحذف والأثبات ينزل على الحالتين اللتين سبق ذكرهما، وهو أنه إذا لمح الأصل جيء بالألف واللام وأن لم يلمح لم يؤت بهما (١).
والباب كله سماعي عند النحاة يقتصر على ما رود " فلا يجوز في نحو محمد وصالح ومعروف أن يقال فيها المحمد والصالح والمعروف حال العلمية لأنه لم يسمع (٢).
стр. 84
والذي يبدو لي أنه جائز في كل علم منقول إذا أردت لمح أصله، فتقول فيمن اسمه (صفوان) إذا أردت أن اسمه مطابق لمعناه: أقبل الصفوان بمعنى أقبل الضخر، وتقول فيمن اسمه (محمود) وقد حقق معنى اسمه، وأردت أن تلمح إلى ذلك (أقبل المحمود) أي الذي يحمده الناس، فإذا أردت لمح أصل المعنى، جاز ذلك في كل علم منقول اللهم إلا إذا كان منقولا عما لا يقبل أل كيزيد ويشكر (١)، فإنه لا يجوز أن تدخل عليه أل. وكذلك العلم المرتجل فإنه لا يجوز إدخال (أل) عليه لمحا للأصل لأنه ليس له أصل فيلمح.
العلم بالغلبة
قد يغلب المعرف بأل، أو المعرب بالإضافة على بعض المسمين به، فيصير علما له دون غيره، فإذا أطلق لم ينصرف الذهن إلى غيره، وذلك كالمدينة فإنها في الأصل معرف (مدينة) وهي اسم جنس يطلق على كل مدينة من مدن الأرض، ثم اختصت بمدينة الرسول ﷺ دون غيرها من المدن، وكالأعشى فإنه في الأصل لكل من لا يبصر ليلا ثم غلب على أعشى همدان (٢) " وكقولك " فلان بن الصعق والصعق في الأصل صفة تقع على كل من أصابه الصعق ولكنه غلب عليه حتى صار علما بمنزلة زيد وعمرو، وقولهم النجم صار علما للثريا (٣).
وكالجاحظ فإنه غلب على عمرو بن بحر دون غيره من الجحظة، والطبري فإنه غلب على محمد بن جرير دون غيره من أهل طبرية، والبخارى فإنه غلب على محمد بن إسماعيل دون غيره وهكذا.
ومن المعرف بالإضافة نحو ابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، فإنها غلبت على العبادلة دون غيرهم من إخواتهم (٤)، ونحو ابن الناظم، فإنه أصبح علما على محمد بن محمد بن مالك النحوي دون غيره من أبناء نظمة الشعر.
стр. 85
كنايات الأعلام
يكنى عن أعلام الأناسي بفلان للمذكر، وفلانة للؤنث، قال تعالى: ﴿ليتني لم اتخذ فلانا خليلا﴾ [الفرقان: ٢٨]، وقولهم أبو فلان وأم فلان كناية عن الكنى نحو أبي محمد وأم سليم، ولا يدخلهما الألف واللام. فإذا كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا الألف واللام فقالوا: الفلان والفلانة.
وهن وهنة، كنايتان عن اسم الجنس غير العلم، فهن بمعنى رجل، وهنة بمعنى امرأة تقول: يا هن اقبل ويا هنة أقبلي. (١)
ففلان كناية عن العلم وهن كناية عن النكرة.
الوصف بابن وابنة
إذا وصف العلم بـ (ابن) مضافا إلى علم حذف تنوينه سواء كان العلم اسما، أم كنية، أم لقبا، فتقول (أقبل محمدُ بن سعيد) و (أقبل محمدُ بن أبي حفصة) و (أقبل محمدُ بن نور الدين) بحذف التنوين من محمد (٢)، في كل هذه الجمل وتحذف ألف (ابن)، والحالة هذه خطأ (٣). فإن لم يل كلمة (ابن) علم، أو لم تل علما بقي العلم على تنوينه، ولم تحذف ألف (ابن في الخط) فتقول: (أقبل محمدٌ العالم ابن سعيد) و (أقبل محمدٌ ابن العالم سعيد) و (أقبل محمدٌ ابن أخيك).
فإن لم يوصف العلم بكلمة (ابن) لم يحذف التنوين، تقول إذا أخبرت (محمدٌ ابن سعيد)، وتقول: حسبت محمدًا ابن سعيد (٤) وقد ذكروا أن سبب حذف التنوين هو أن
стр. 86
العرب جعلوا الإسمين كالاسم الواحد جاء في (شرح الرضى على الكافية) " أن التنوين إنما حذف في الموصوف لكونه مع الصفة كاسم واحد، والتنوين علامة التمام، وليست هذه العلة موجودة في المبتدأ مع خبره. (١)
ومن هذا يتبين أن قولك (محمدُ بن سعيد) كالكلمة الواحدة ولا يتم الكلام به بخلاف قولك (محمدٌ ابن سعيد) فإنه جملة، وقد تم الكلام به وكذا قولك (حسبت محمدَ بن سعيد) فإنه ليس بجملة ولا يتم الكلام به حتى تقول مثلا: (حسبت محمد بن سعيد مسافرًا) بخلاف قولك (حسبت محمدًا ابن سعيد) فإنه جملة وتم الكلام به.
وحكم (ابنة) كحكم (ابن) دون كلمة (بنت) فتقول (أقبلت هندُ ابنة عتبة) بحذف التنوين و (أقبلت هندٌ بنت عبتة) فيمن صرف هندًا، قال سيبويه لأنه في ابن وابنة يلتقي ساكنان: التنوين والباء دون بنت. (٢)
والذي يبدو لي أن ليست هذه هي العلة لأنه يلتقي الساكنان في غير الوصف، نحو (خالداٌ ابن سعيد) قال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزيز ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، ولا يحذف التنوين، وإنما هو لجعل الاسمين كالاسم الواحد، كم أسلفنا ويدلك على ذلك حذف الألف من كلمة (ابن) وأما الحذف مع (ابنة) دون (بنت) فلأن (ابنة) تشاكل لفظ (ابن)، والله أعلم.
стр. 87
اسم الإشارة
الأصل في أسماء الإشارة أن يشار بها إلى الأشياء المشاهدة المحسوسة، نحو (هذا الفتى أكبر من هذا) واستعماله في غير المشاهد وفي غير ما يدركه الحس مجاز لتنزيله المنزلة المحسوس المشاهد (١) وذلك نحو ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ [الزخرف: ٧٢]، ونحو (أعجبني هذا الرأي) فالجنة غير مشاهدة والرأي غير محسوس ولا مشاهد.
أغراض الإشارة
أبرز أغراض الإشارة هي:
١ - تمييز الشيء المقصود أكمل تمييز بالإشارة المحسوسة إليه، نحو (أريد هذا) و (بكم ذاك)؟
٢ - تنزيل الأشياء المقعولة، أو غير المشاهدة منزلة الأشياء المحسوسة المشاهدة، نحو ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فالشيطان غير مشاهد ولا محسوس ولكن أشار إليه بقصد استحضار صفاته وعدواته للإنسان. ونحو ﴿وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ [آل عمران: ١٨٦]، فأشار إلى الصبر والتقوى، وهما غير محسوسين.
٣ - بيان حال المشار إليه في القرب والبعد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هذا الذي رزقنا من قبل﴾ [البقرة: ٢٥]، وقوله: ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ [البقرة: ٣٥]، فهذا للقرب: وأما البعد فنحو قوله تعالى ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقوله: ﴿أكفاركم خيرٌ من أولئكم﴾ [القمر: ٤٣].
стр. 88
٤ - التعظيم: وقد يكون التعظيم بلفظ القريب والبعيد، فالقريب يراد به استحضار عظمة المشار إليه أمام القلوب والعيون، نحو قوله تعالى: ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون﴾ [الصافات: ٦١]، وقول الشاعر:
هذا الذي للمتقين أمام
والبعيد يراد به بعد منزلة المشار إليه وارتفاع مكانته نحو قوله تعالى ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ [البقرة: ٥]، وقوله ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ [البقرة: ١٥٧]، وقوله ﴿أولئك الذي هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام: ٩٠].
٥ - التحقير ويكون بلفظ القريب والبعيد (١) أيضا. فلفظ القريب يراد به استحضار ضعف المشار إليه وحقارته، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذا رءاك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وقوله: ﴿قال أرءيتك هذا الذي كرمت علي﴾ [الإسراء: ٦٢]، ونحوه أن تقول: (أيقدر هذا الصعلوك على شيء)؟ و (هل يصلح هذا الشيء؟ ).
والبعد يقصد به بعده في الانحداد والانحطاط عن منزلة المشير أو الخاطب، نحو قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم﴾ [البقرة: ١٦]، وقوله ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ [آل عمران: ١٧٥].
والناس قد تصف الشخص الساقط الحقير بالبعد، فيقولون (قاتل الله الأبعد) و (البعيد قال مثل هذا القول الرديء وفعل هذا الفعل الشنيع).
٦ - التعريض بغباوة المخاطب ويعني ذلك أن المخاطب لا يتميز الشيء عنده، إلا بالحسن كأن تقول: هذا هو الشيء الذي لا أزال أذكره لك، هذا هو أنظره بعينك والمسه بيدك، وجعلوا منه قول الفرزدق.
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع (٢)
стр. 89
ألفاظ الإشارة
ذا:
وهو المفرد المذكر تلحقه هنا التنبيه في أوله فيكون للقرب نحو ﴿هذا ما لدي عتيدٌ﴾ [ق: ٢٣].
وتلحقه كاف الخطاب في آخره فيكون للبعيد نحو ﴿ذلك رجع بعيد﴾ [ق: ٦٣].
وأكثر النحاة على أن مراتب الإشارة ثلاث: القرب والوسط والبعد.
فللقربى (ذا) وتلحقها ها التنبيه كثيرا، وللوسطى ذا مع الكاف أي (ذاك)، وللبعدى الكاف مع اللام أي ذلك. (١)
وذهب آخرون إلى أن للإشارة مرتبتين فقط، قريبة ومتراخية، فإن أرادوا القرب جاؤا بذا، أو بهذا، وأن لم يريدوا القرب جاؤا بالكاف وحدها أو باللام معها فيقال: ذاك أو ذلك وقالوا أنه لا فرق بين ذاك وذلك وإنما هما لغتان فـ (ذلك) باللام لغة الحجاز و (ذاك) بلا لام لغة تميم (٢)، ولم يذكر سيبويه إلا مرتبتين: القرب والتراخي فقال: " وذاك بمنزلة هذا إلا أنك إذا قلت: ذاك فأنت تنبهه لشيء متراخ" (٣).
وأنا أميل إلى ما ذهب إليه الجمهور، من أن مراتب الشارة ثلاث وذلك لأمور منها أن زيادة أحرف الكلمة توحي بزيادة التراخي، فذا للقرب وذاك للمتوسط، وذلك للبعد، ثم أن (ها) التنبيه قد تقترن بذي الكاف فيقال:
هذاك كقوله:
رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد
стр. 90
ولا تلحق ذا اللام (١) فلا يقال (هذلك) مما يدل على أن (ذلك) للبعد، لأن التنبيه والعبد يتنافيان، ولا مان من اقتران التنبيه بالمتوسط.
ويجوز أن ينوب اسم الإشارة الدال على القرب عن الدال على البعد وبالعكس فتنوب هذا عن ذلك وذلك عن هذا (٢)، وذلك لما ذكرناه من قصد التعظيم أو التحقير.
وذكروا موضعا لا تجوز فيه نيابة هذا عن ذلك ولا ذلك عن هذا، وذلك أنك لو رأيت رجلين تنكر أحدهما لقلت للذي تعرف: من هذا الذي معك؟ ولا يجوز ههنا، من ذلك لأنك تراه بعينه" (٣).
ذه وتلك:
ويشار إلى المؤنث القريب بذي، وذه، وتي، وتا، وتلحقها ها التنبيه كثيرًا، فيقال: هذي وهذه وهاتي وهاتا قال تعالى: ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ [الأعراف: ٧٣].
ويشار إلى البعيد بتلك، قال تعالى ﴿تلك إذا كرة خاسرة﴾ [النازعات: ١٢]ـ وقال ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ [الأعراف: ٢٢].
وتكون للجمع أيضا نقول (هذه جذوع منكسرة) و (تلك النوافذ محطمة).
وللمثنى المذكر ذان، والمؤنث تان، وتلحقهما ها التنبيه، فيكونان للقرب نحو هذين وهاتين قال تعالى: ﴿إن هذا لساحرن﴾ [طه: ٦٣]، وقال: ﴿إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين﴾ [القصص: ٢٧]
وللبعد ذانك وتانك قال تعالى: ﴿فذانك برهانان من ربك﴾ [القصص: ٣٢]، ويقال (تانك الشجرتان مثمرتان).
стр. 91
وللجمع (أولاء) ممدودة أو مقصورة. وتلحقها ها التنبيه، فتكون للقرب نحو ﴿ثم أنتم هؤلاء﴾ [البقرة: ٨٥]، وتلحقها الكاف، فتكون للبعد نحو ﴿أولئك الذين هدى الله﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأكثر ما تستعمل للعاقل، وقد تستعمل لغيره قليلا وذلك نحو قوله: (١)
ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام
ويراد به عند ذاك القلة فإذا أريدت الكثرة جيء بهذه أو تلك " قال الله ﵎ ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك﴾ [الإسراء: ٣٦]، لقلتهن، ولم يقل (تلك) ولو قيلت لكان صوابًا". (٢)
و هنا وثم:
وهما ظرفان يشار بهما إلى المكان، ولا يشار بهما إلى غير المكان، أما أسماء الإشارة الأخرى، أعني ذا وما تفرع منها بها إلى المكان وغيره. (٣) جاء في (حاشية الخضري): " واعلم أن المكان والزمان لا يشار إليهما من حيث كونهما ظرفين إلا بهذه الأدوات [هنا. ثم. هنا] فهي في محل نصب على الظرفية، أما من غير تلك الحثيثة فلا يشار بها بل بغيرها نحو هذا مكان طيب، وذاك زمان الربيع" (٤).
يعني إن المكان إذا كان ظرفا فيشار إليه بههنا، أو ثم، ولا يشار بغيرهما، فيقال (هنا أقام الجيش) ولا يقال (هذا أقام الجيش) إما إذا لم يكن المكان ظرفا، فيشار إليه بالأسماء الأخرى نحو (هذا مكان طيب) فهذا مبتدأ وليس ظرفا فإذا قلت (هنا مكان طيب) كان (هنا) ظرفا.
стр. 92
فهنا للقريب وقد تلحقها ها التنبيه فيقال ههنا، قال تعالى: ﴿إنا ههنا قاعدون﴾ [المائدة: ٢٤]، وهناك للمتوسط، وهناك للبعيد نظير ذا، وذاك، وذلك، قال تعالى ﴿هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ [الأحزاب: ١١]، وذكروا أنه قد يراد بهنا وهنا الإشارة إلى الزمان (١) قال تعالى: ﴿فإذا جاء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون﴾ [غافر: ٧٨]، أي في يوم القيامة.
ويبدو لي أن الإشارة إلى المكان لا تفارقها، فقوله (وخسر هناك المبطلون) يختلف عن قولنا: وخسر عند ذاك المبطلون، أو يو ذاك ونحوه، فهناك أشارة إلى مكان القضاء لا إلى الزمان وحده.
وأما ثم بفتح الثاء فإنها يشار بها إلى المكان البعيد (٢) قال تعالى: ﴿وأزلفنا ثم الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤]، أي هناك وقال: ﴿مطاع ثم أمين﴾ [التكوير: ٢١]، أي هناك في السماء.
ومن الطرافة تقارب (ثُمَّ) العاطفة و (ثَمَّ) اسم الإشارة من حيث اللفظ والمعنى، فالعاطفة لتراخي المعطوف عن المعطوف عليه، وبالفتح لتراخي المشار إليه عن المشير أي بعده عنه
ها التنبيه
يجاء بـ (ها) التنبيه في أوائل أسماء الإشارة لتنبيه المخاطب على حضور المشار إليه وقربه وللمبالغة في إيضاحه، فيقال (هذا أخي) و (هؤلاء أصدقاؤنا) جاء في (شرح الرضي على الكافية): " فجيء في أوائلها بحروف ينبه المتكلم المخاطب حين يلتفت إليه وينظر إلى أي شيء يشير من الأشياء الحاضرة، فلا جرم لم يؤت بها إلا فيما يمكن مشاهدته وأبصاره من الحاضر والمتوسط، لا في البعيد الغائب، وكان مجيئها في الحاضر أكثر منه في المتوسط، فـ (هذا) أكثر استعمالا من (هذاك)، لأن تنبيه المخاطب
стр. 93
لابصار الحاضر الذي يسهل ابصاره أولى من تنبيه لأبصار المتوسط الذي ربما يحول بينه وبينه حائل، ولم يدخل في البعيد الذي لا يمكن أبصاره، إذ لا ينبه العاقل أحدًا ليرى ما ليس في مرأى، فلذلك قالو لا يجتمع ها مع اللام (١) ". فلا يقال هذلك ولا هاتك.
وإذا اجتمع الضمير واسم الإشارة فذكروا أن العرب تقد التنبيه على الضمير فتقول: ها أناذا، وها أنت ذا، وها نحن أولاء، قال سيبويه: " وزعم الخليل أن (ها) هنا هي التي مع (ذا)، إذا قلت هذا، وإنما أرادوا أن يقولوا هذا أنت، ولكنهم جعلوا (أنت) بين (ها) و (ذا)، وأرادوا أن يقولوا (أنا هذا) و (هذا أنا) فقدموا (ها) وصارت أنا بينهما". (٢)
وذكر أبو الخطاب الأخفش الأكبر ويونس أن العرب الموثوق بهم يقولون أنا هذا، وهذا أنا، وها أناذا. (٣)
وهذا لا شك فيه، فقد ورد في القرآن الكريم تقديم التنبيه على الضمير وتأخير الإشارة فقال: ﴿فأنتم أولاء تحبونهم﴾ [آل عمران: ١١٩]، وورد دخوله على اسم الإشارة مع تأخيره عن الضمير، فقال: ﴿ثم أنتم هؤلاء﴾ [البقرة: ٨٥]، وورد تكراره فمرة أدخله على الضمير، ومرة أدخله على اسم الإشارة فقال:
﴿هأنتم هؤلاء﴾ [آل عمران: ٦٦]، ومرة جرد الضمير واسم الإشارة معا من التنبيه فقال: ﴿هم أولاء﴾ [طه: ٨٤].
وههنا يحسن بيان سر هذا الاختلاف في التعبير، وأثر ذلك على المعنى، فما الفرق بين قولنا: أنت هذا، وهذا أنت، وها أنت ذا، وها أنت هذا، وأنت ذا؟
فنقول: أن تقديم الضمير أو الإشارة إنما هو بحسب الغرض والقصد وسيأتي بحث ذلك مفصلا في باب المبتدأ والخبر.
стр. 94
وكذلك التنبيه فإنه يؤتى به بحسب الحاجة، وفي المكان الذي يؤدي المعنى المقصود فقولك (هذا أنت) يختلف عن قولك (أنت هذا) وهكذا. وسأوضح ذلك بما يليق به المقام.
هذا أنت:
في هذه الجملة أخبار عن اسم الإشارة بالضمير بخلاف ما لو قلت (أنت هذا) فأن هذه الثانية أخبار عن الضمير باسم الأشارة. ونحوه في الأسماء الظاهرة أن تقول: (هذا خالد) و (خالد هذا) فالأولى في تقدير جواب عن سؤال:
من هذا؟ فيقال: هذا خالد.
والثانية في تقدير جواب عن سؤال: من خالد؟
وإيضاح ذلك أنك قد ترى شخصا منطلقا فتقول: من هذا؟ فيقال: هذا خالد. وقد تسأل عن خالد إذا كانت تعرف اسمه ولا تعرفه فتقول: من خالد؟ فيقال: خالد هذا.
وقد ترى شخصا منطلقا ثم تأتي سائلا بعد: من هذا الشخص الذي كان منطلقا، أو من ذاك الشخص الذي كان منطلقا؟ فتقول: هذا أنا. أو ذلك أنا. أي الشخص الذي رأيته هو أنا.
وقد يقال: من هذا الذي فعل كذا وكذا؟ وأنت ترى أن الذي فعله هو السائل وإنما يقولها متجاهلا فتقول له: هذا أنت أي هذا الشخص الذي ذكرته هو أنت.
وقد يقال هذا التعبير على نحو آخر وذلك مثلا أنك رأيت شخصا منطلقا أو يفعل شيئا ولم تعرفه ثم رأيته بعد ذلك الانطلاق أو الفعل ورأيت هيئته فتقول: هذا أنت. على معنى هذا الشخص الذي رأيته قبل قليل هو أنت. جاء في (الكتاب): " وحدثنا يونس أيضا تصديقا لقول أبي الخطاب أن العرب تقول: (هذا أنت تقول كذا وكذا) لم يرد بقوله (هذا أنت) أن يعرفه نفسه كأنك تريد أن تعلمه أنه ليس غيره. هذا محال ولكنه أراد أن ينبه كأنه قال: الحاضر عندنا أنت، والحاضر القائل كذا وكذا أنت (١).
стр. 95
أنت هذا:
وأما (أنت هذا) فهو أخبار عن الضمير واسم الإشارة، ومن ذلك أن تقول:
أنت ذلك الرجل الكريم.
أنت ذلك الشاعر الفحل.
أنت ذلك الشخص الذي نعلم، مخبرا عن الضمير بما تعلم عنه.
وتقول: (أنت هذا تفعل كذا وكذا) منكرا عليه فعله أو مستغربا منه. والمعنى أن المتوقع منك كان غير ذلك. ونحو ذلك أن تقول: (كنت قد أعنتك حين لم يكن لك معين وأخذت بيدك حين تنكر لك أهلك ثم أنت هذا تحاربني وتسعى في هلاكي) فأنت تعجب من فعله وتنكره لك إذا ينبغي أن يعرف لك فضلك وحسن صنيعك.
وتقول: (كنت تفعل وتفعل فأمكن الله منك وأعطيت العهود والمواثيق على ألا تعود إلى ما كنت عليه ثم أنت هذا تعيث وتفسد) ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٥]، ينكر عليهم فعلهم بعد إعطاء المواثيق، جاء في (الكشاف) في هذه الآية: ثم أنتم هؤلاء، استبعاد لما اسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم.
والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلا لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت منه" (١).
стр. 96
ها أنت ذا وها أنا ذا:
ويستعمل هذا التعبير للأفصاح عن الشخص ومكانه، كأنه يقال: أين فلان؟ فيقال: ها أنا ذا وها وهو ذا، قال عنترة:
أحولي تنقض استك مذرويها ... لتقتلني فها أنذا عمارا
وقال الشاعر:
أن الفتى من يقول ها أنذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي
أي إن الفتى الحق من يفصح عن نفسه ومكانته هو، لا أن يدل على مكانة أبيه. جاء في (شرح السيرافي على الكتاب) " " إنما يقول القائل ها أنا ذا إذا طلب رجل لم يدر أحاضر هو أم غائب فقال المطلوب: ها أنا ذا أي الحاضر عندك أنا. وإنما يقع جوابا لقول القائل: أين من يقوم بالأمر؟ فيقول له الآخر: أنا ذا أو ها أنت ذا. أي أنا في الموضع الذي ألتمست فيه من التست. أو أنت في ذلك الموضع ولو ابتدا الإنسان على غير هذا الوجه فقال (هذا أنت) و (هذا أنا) يريد أن يعرفه نفسه، كان محالا لأنه إذا أشار له إلى نفسه، فالأخبار عنه ثابت لا فائدة فيه لأنك إنما تعلمه أنه ليس غيره، ولو قلت (ما زيد غير زيد) كان لغوا لا فائدة فيه". (١)
وقد يقال " ها أنت ذا تعنيه ولا يعنيك " تخبره عن نفسه بحقيقة ربما كانت خافية عليه فتنبه عليها وتحذره أمره كما قال تعالى: ﴿هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾ [آل عمران: ١١٩].
وأما موقع التنبيه ابتداء أو أخيرًا فله دلالته ايضا، فإن التنبيه يقدم أو يؤخر ويكرر بحسب الحاجة إليه، وقد يحذف إذا لم يكن له داع، فتقول (ها أنت ذا) مقدما التنبيه وتؤخره قائلا (أنت هذا)، والتنبيه في الخطاب الأول أهم، والقائل به أعني، تقول: (ها هو ذا) إذا أردت أن تنبه السامعين على المشار إليه قال تعالى ﴿هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم﴾.
стр. 97
فقدم التنبيه لأنه تحذير لعباده المؤمنين على ما هم فيه، وأنهم ينبغي لهم أن يحذروا وينتبهوا.
وقال: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾ فأخر التنبيه لأنه أراد أن يحضر أنفسهم أمام أعينهم هم ليشهدوا أعمالهم وصفاتهم، أي أنتم هؤلاء المشاهدون الحاضرون، بصورتكم الواضحة البينة التي لا تخفي، فهو لم يرد تخذيرهم من أمر كما كان في الآية الأولى. فالتنبيه في الأولى لتنبيه المؤمنين ولفت انتباهم إلى أمر قد يكونون غافلين عنه وأما الثانية فلا حضار صورتهم أمام أعينهم ليشاهدوها.
وقد يتكرر التنبيه إذا استدعى الأمر زيادة التنبيه فيقال: ها أنت هذا تفعل كذا، وكذا إذا أنكرت عليه أنكارا شديدا ما لا يليق به، أو أردت الزيادة في تنبيه على أمر من الأمور وعند النحاة، إن ها التنبيه في نحو إنما كرر توكيدًا. (١)
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم، والله يعلم وأنت لا تعلمون﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٦].
فأنت ترى أن يقرعهم ويزيد في تنبيههم ولومهم لأنهم جادلوا بالباطل وهم يعلمون، فكرر التنبيه مرة قبل الضمير ومرة قبل اسم الإشارة فقال: ﴿هأنتم هؤلاء حاججتم﴾.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم أذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يقول عليهم وكيلا﴾ [النساء: ١٠٧ - ١٠٩]، فكرر تنبيههم ولومهم ليتعظوا فلا يقفوا مثل هذا الموقف، وأنت ترى أن الموقف يتطلب الزيادة في تنبههم ووعظهم بخلاف قوله تعالى: ﴿هأنتم أولاء تحبونهم﴾ فإن الموقف لا يحتاج إلى زيادة
стр. 98
في التنبيه واللوم فإنه خطاب للمؤمنين قال تعالى: ﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون يأيها الذين أمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾ [آل عمران: ١١٧ - ١١٨]، فأنت أن الموقف مختلف عما في الآيتين السابقتين وهو ليس موقف تقريع ولوم كما كان.
وقد لا يحتاج الموقف إلى التنبيه فلا يذكره وذلك نحو قوله تعالى على لسان موسى ﵇ مخاطبا ربه: ﴿وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على اثري وعجلت إليك ربي لترضى﴾ [طه: ٨٣ - ٨٤]، فلم يأت بالتنبيه لأنهم غير مشاهدين.
فأنت ترى أن التنبيه يؤتى به في المكان المناسب بالقدر الذي يحتاج إليه، فقد يقدم او يؤخر، او يكرر، أو لا يذكر البتة، بحسب الحاجة إلى ذلك.
كاف الخطاب
تلحق اسم الإشارة كاف تسمى كاف الخطاب وفيها وجهان (١):
مطابقة الكاف للمخاطب إفرادا، وتثنية وجمعا، تذكيرا وتأنيثا، فتقول: ذلك بفتح الكاف إذا كنت مخاطبا ذكرا وذلك بكسر الكاف لخطاب الأنثى، وذلكما وذلكم وذلكن وهكذا. قال تعالى: ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة﴾ [الإسراء: ٣٩]، وقال: ﴿كذلك قال ربك﴾ [مريم: ٢١]، قال: ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة﴾ [الأعراف: ٢٢]، وقال: ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾ [الأعراف: ١٤١] وقال: ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢].
والوجه الثاني إفراد الخطاب وتذكيره على كل حال فتقول: ذلك بفتح الكاف للمفرد والمثنى والجمع للمذكر والمؤنث، وقد استعملها القرآن الكريم أيضا فقال تعالى:
стр. 99
﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم﴾ [البقرة: ٨٥]، وقال: ﴿كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال مخاطبًا نساء النبي ﴿وكان ذلك على الله يسيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٠].
ومع أن الوجهين جائزان على سبيل السعة والكثرة، فالمتكلم البليغ لابد أن يرجح أحدهما على الآخر في موطن من مواطن الاستعمال لسبب يقتضيه المقام، فيستعمل الأفراد في موطن، والمطابقة في موطن آخر، بل أننا نرى في القرآن الكريم المطابقة والأفراد في الآية الواحدة أحيانا فقد قال تعالى: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فقد قال (ذلك) ثم قال (ذلكم).
وقد ذكر بعض النحاة إن " لأفراد الكاف إذا خوطب به جماعة تأويلين: أحدهما أن يقبل بالخطاب على واحد من الجماعة لجلالته والمراد له ولهم، والثاني أن يخاطب الكل ويقدر اسم مفرد من أسماء الجموع يقع على الجماعة تقديره: ذلك يوعظ يا فريق ويا جمع" (١).
وهناك أكثر من سبب بلاغي يدعو إلى المطابقة، أو إلى الأفراد، ومن هذه المواطن.
١ - ما ذكرناه آنفا من أنه قد يقصد أحد من الجماعة بالخطاب لجلالته والمراد له ولهم ويحتمل أن منه قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين﴾ [البقرة: ١٩١]، فالخطاب للرسول ﷺ ، لأنه رأس الأمة وعليه يتنزل الوحي، والأمة مقصودة بالخطاب أيضًا.
٢ - قد يراد بالمفرد مخاطب غير معين، وهذا كثير في اللغة فإنك قد تقول كلاما ولا تخاطب به معينًا، وإنما تقصد به كل سامع وذلك نحو قوله:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
стр. 100
فهنا المخاطب غير معين ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد﴾ [ق: ١٩ - ٢٠]، جاء في (البحر المحيط) في قوله تعالى: ﴿ذلك يوعظ به من كان منك يؤمن بالله واليوم الآخر﴾: " خطاب النبي ﷺ وقيل لكل سامع". (١)
٢ - وقيل قد يراد بإفراد الكاف البعد فقط دون الخطاب، وذلك أن الأصل في الكاف أن يؤتى بها للخطاب والبعد، وقد تعرى من قصد الخطاب، فيراد بها البعد وحده.
وللكاف في ذلك نظائر نحو (إذا) فهي تكون ظرفية شرطية وقد تعري من الشرط فتكون ظرفية فقط. ونحو (ما) المصدرية الظرفية وقد تعرى عن الظرفية فتكون مصدرية فقط.
فإذا جئت بالكاف مطابقًا أريد الخطاب قطعا إضافة إلى البعد جاء في (درة التنزيل) أن الكاف " لما قصد بها معنيان: الخطاب والتبعيد جاز أن يعري من أحدما وهو الخطاب ويقتصر على معنى التبعيد على حسب قصد القاصد. وإذا جاءت مثناة اللفظ أو مجموعة على حسب حال المخاطبين فهي على المعنيين". (٢)
والذي يبدو لي أن القول بانها ليست الخطاب واحد معين بل هي لكل سامع أولى من نزع معنى الخطاب عنها، لأنك أبقيت لها معناها الأول ولم تفسد المعنى. وما دام المعنى يحتمل ذلك كان بقاؤها على أصلها أولى والله أعلم.
٤ - وقد يؤتى بالكاف مطابقًا إذا كان الأمر يعم الجميع على قدر واحد كما في قوله تعالى: ﴿ذلكما مما علمني ربي﴾ [يوسف: ٣٧]، فالخطاب للفتيين السجينين مع يوسف ﵇، وقوله ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢]، والخطاب موجه من امرأة العزيز للنسوة اللاتي نلن منها، وهو خطاب على قدم المساواة للجميع.
стр. 101
٥ - وقد جاءت الكاف مطابقة للجمع في القرآن الكريم إذا كان السياق يقتضي الإطالة والتوسع في الكلام وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبًا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون﴾ [الأنعام: ٩٩]، بخلاف قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ [النحل: ١٢]، فجاء بالخطاب في الآية الأولى على صورة الجمع، لأن الموقف موقف إطالة وتوسع في الكلام بخلاف آية النحل.
ونحوه قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسك في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾ [التوبة: ٤١]، بخلاف قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء: ٥٩].
فجمع في آية التوبة وأفرد في آية النساء ويوضح السياقان الفرق بينهما، فإن الكلام في سورة التوبة على الجهاد وهو يبدأ بقوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثقالتم إلى الأرض .. ٣٨ .. ٣٩ .. إلى الآية ٤٩﴾ بخلاف آية النساء فالمقام مقام إطالة وتوسع في التوبة فجاء بـ (ذلكم) فيها بخلاف آية النساء.
وهناك سبب آخر لأفراد الخطاب في آية النساء، وهو أنه التفت إلى خطاب المفرد بعد هذه الآية فقال: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ [النساء: ٦٠]، بخلاف آية التوبة فإن الكلام فيها كله إلى المخاطبين ولم يلتفت إلى المخاطب المفرد.
٦ - وقد استعمل القرآن الكريم مطابقة الجمع للزيادة في التوكيد، فإنه إذا كان موقفان وكان أحدهما أكد من الآخر جاء في الموطن المؤكد بمطابقة الجمع دون الآخر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ذلكم توعظون به﴾ [المجادلة: ٣]، وقوله: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم
стр. 102
يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فجاء في الآية الأولى بالجمع، وفي آية البقرة بالأفراد مع أن الخطاب للجميع في الآيتين وسبب ذلك - والله أعلم - أن الوعظ في آية المجادلة أشد وآكد، وهو في حكم الظهار وسبب نزول هذه الآيات حادثة الظهار التي وقعت لخولة بنت ثعلبة قال تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللآئي ولدنهن وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور والذين يظهارون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكفرين عذاب أليم﴾ [المجادلة: ١ - ٤]، وآية البقرة في الطلاق قال تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منك يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكي لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢٣٢].
وإذا قرات السياقين رأيت أن التشديد كبير في سياق الظهار من مثل قوله: ﴿وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا﴾ والطلب من قائله تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا، بخلاف الطلاق، ولذا أكد الواعظ فيه وشدد على منعه، فقال في الظهار ﴿ذلكم توعظون به﴾ وقال في الطلاق ﴿ذلك يوعظ به﴾.
ومن ذلك قوله تعالى ﴿ذلكم أزكي لكم وأطهر﴾، [البقرة: ٢٣٢]، وقوله: ﴿ذلكم خير لكم وأطهر﴾ [المجادلة: ١٢]، فجمع في آية البقرة وأفرد في سورة المجادلة وذلك لأن مقام التزكية في سورة البقرة آكد وأشد ويوضح ذلك السياقان.
فإن الكلام في البقرة على ضمان حقوق المرأة وكبح جماح الرجل في العدوان عليها وهضم حقوقها، وهي أمور قلبية ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله﴾ [البقرة: ٢٨٨]، وقوله: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٩٩]، وقوله: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا
стр. 103
لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه، ولا تتخذوا آيات الله هزوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقوله: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: ٢٣٢].
وغير ذلك من الأمور القلبية التي مبعثها شدة الغضب، وحدته والرغبة في الانتقام، فأكد تزكية القلوب وطهارتها فقال: ﴿ذلكم أزكى لكم وأطهر﴾ في حين قال في سورة المجادلة: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم﴾ [المجادلة: ١٢].
والفرق واضح بين المقامين، فإن الآيات الأولى في أمر إنساني عام، وحكم خالد باق في تطهير القلوب وزكاتها مما يشتعل فيها من نار الغضب، والحقد، والرغبة في الانتقام في حين أن المقام في آية المجادلة يتعلق بدفع صدقة عند مناجاة الرسول ﷺ وقد نسخ هذا الحكم وشيكًا. فالفرق كبير بين المقامين والحكمين.
فأنت ترى إنه لما كان (الوعظ) في آيات المجادلة أشد، وآكد، وأكدهـ، وجاء به بصورة الجمع بخلاف الوعظ في آية البقرة، ولما كانت الزكاة وتطهير القلوب في آية البقرة أشد وأكد جاء به بصورة الجمع بخلاف آية المجادلة، وهذا أمر دقيق جليل.
٧ - وقد استعمل القرآن الكريم الخطاب بالجمع، وبالأفراد للتمييز بين مجموعتين، فقد تكون مجموعة أكبر من مجموعة فيستعمل لخطاب الجمع الكثير بصورة الجمع، وللقليل بصورة الأفراد، وذلك نحو ما مر في قوله تعالى: ﴿ذلكم أزكي لكم وأطهر﴾ [البقرة: ٢٣٢]، وقوله: ﴿ذلك خير لكم وأطهر﴾ [المجادلة: ١٢]، فإن الآية الأولى لخطاب المؤمنين عامة وتكليفهم إلى قيام الساعة، وأما الآية الأخرى فلخطاب الصحابة وحدهم، ولا يشمل غيرهم من المسلمين ثم أنه حكم ما لبث أن نسخ، فجاء لما هو عام شامل بصيغة الجمع، ولما هو خاص بصيغة الأفراد.
ونحوه قوله تعالى: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنةالله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكان وأضل عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٦٠]، وقوله: ﴿قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير﴾ [الحج: ٧٢]
стр. 104
فإن الجماعة الثانية أكبر من الأولى، لأنه لم يجعل من الكفرة كلهم قردة وخنازير ولكن الكفرة جميعهم يدخلون النار فلما كان الفريق الثاني أكبر وأعم جمع الخطاب والله أعلم.
وعلى كل فالأمور التي يفرق السياق بينها لا تكاد تنحصر وإنما هذه أمثلة ضربتها للتدرج إلى ما فوقها.
دخول كاف التشبيه على اسم الإشارة
هكذا:
هذا التعبير مركب من (ها) التنبيه، والكاف الذي يفيد التشبيه، (وذا) اسم الإشارة ومعناه: مثل هذا، وهو عند النحاة بمعنى (هكذا) إعرابا، ومعنى ـ غير ان كاف الجر قدمت في كهذا وقدم التنبيه في هكذا.
وحقيقة الأمر أنهما لا يتطابقان في الاستعمال، ولا في المعنى مع أن مفردات تركيبهما واحدة.
فمن الفرق بينهما أنه لا يذكر المشار إليه بعد (هكذا) بخلاف (كهذا) فتقول: هذا الطير كهذا الطير، وهذا الأمر كهذا الأمر، ولا تقول: هذا الطير هكذا الطير ولا هذا الأمر هكذا الأمر.
ثم أن المعنى يختلف أيضا فإن قولك (أن الطير كهذا الطير) يفيد تشبيه طير بطير، وأما قولك (أن هذا الطير هكذا) فإن معناه إن هذا الطير على هذه الصورة، أو هو على هذه الحال، أو هذه الهيئة.
وتقول: هكذا يفعل الأبطال، وهكذا يفعل الرجال، وهو تعبير يفيد التشبيه ومعناه هذه صورة فعل الرجال، ولا يجوز ذكر المشار إليه فلا يقال: هكذا الفعل يفعل الأبطال ولا هكذا الفعل، يفعل الرجال بخلاف ما لو قالت: هكذا يفعل الرجال، فإنه يصح ذكر المشار إليه بعد كهذا.
وتقول: ما بال فلان يفعل كذا وكذا، ؟ فيقال: هو هكذا أي هذا شأنه وهذا أمره ولا تقول: هو كهذا.
стр. 105
ثم أنت تدرك الفرق بينهما في المعنى أيضا فقولك: (هو كهذا) معناه أنه شبيه بهذا ولا يفيد (هو هكذا) هنا هذا المعنى.
إن هكذا كالمصطلح يلزم صورة واحدة في التعبير فلا يصح تغير اسم الإشارة عن الأفراد والتذكير فلا يقال: هكذي ولا هكذين ولا هكأولاء تقول: مثلا: كانت أمها تقرأ وتؤلف وهكاذ هي ولا تقول: وهكذي هي.
وتقول: وهكذا نحن وهكذا هما ولا تقول: وهكأولاء نحن بخلاف كهذا فإن اسم الإشارة يتغير بحسب المشار إليه فيقال: كهذه وكهذين وكهؤلاء.
فهكذا، وكهذا لا يتطابقان وإن كانا أحيانا يتقاربان.
كذلك:
هذا التركيب يفيد التشبيه ومعناه (مثل ذلك) تقول (هذا الرجل كذلك الرجل) و (هذه المرأة كتلك المرأة) ثم إن المشار إليه قد يذكر كما مثلنا وقد يحذف وذلك نحو قوله تعالى: ﴿بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ [الشعراء: ٧٤]، أي مثل ذلك الفعل يفعلون.
وقد تكون بمعنى (أيضا) وذلك نحو قولك: (أنت ضربت خالدا وسرقت ماله كذلك) فلا أرى ههنا معنى للتشبيه، إذ لا يصح إن يراد، وسرقت ماله كذلك الضرب وإنما هو بمعنى أيضًا.
ومن هذا فيما يبدو لي قوله تعالى: ﴿إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٤].
فلا أرى في هذا المعنى للتشبيه وإنما المعنى كما يبدو، وزوجناهم بحور عين أيضًا، وإن كان المفسرون يرون إن المعنى على التشبيه، وإن المعنى يحتمل أن يكون: الأمر كذلك وزوجناهم بحور عين (١).
стр. 106
وقد يحتمل المعنى في بعض التعبيرات التشبيه وغيره، وذلك نحو قولك (هو ضربة وكذلك توعده) فإنه يحتمل أن يراد: وتوعده مثل ذلك أي وتوعده ضربًا كذلك الضرب، فيكون المعنى على التشبيه، وقد يراد: ضربه وتوعده أيضا أي لم يكتف بضربه بل توعده مع ذلك.
أن كذلك التي يراد بها التشبيه تطابق المشار إليه فتقول: هي كتلك وهما كهذين وهم كأولئك.
أما التي بمعنى أيضا فهي تجمد على صورة واحدة وهي: أن يبقى اسم الإشارة بصورة الأفراد والتذكير فلا يقال: كتلك، ولا كأولئك، يقال: جاءت هند وجاءت اختها كذلك" ولا يصح أن يقال كتلك. وتقول: جاءت النساء وأطفالهن كذلك ولا يقال كأولئك، وليس بعدها مشار إليه فيذكر بخلاف التي تفيد التشبيه.
والظاهر أن معناها القديم يفيد التشبيه لأن طبيعة تركيب العبارة تدل على ذلك ثم انتقل إلى معنى (أيضا) والتراكيب قد تنتقل معانيها كما ذكرنا في بحث الجملة. والذي سهل انتقال معناها إن كثيرا مما يفيد التشبيه تتضمن معنى (أيضا). وذلك كقولك فعل محمد كذلك الفعل، أي أن أحدا فعل فعلا معينًا، وأن محمدًا فعل أيضا فلا شبيها بفعله. وقولك " أكرمت محمدًا وخالدا كذلك"، والمعنى أنك أكرمت محمدًا، وأكرمت خالدًا، أيضا مثل أكرام محمد، ثم انتقل معنى التركيب في قسم من العبارات إلى معنى: أيضا، وأنفك عن معنى التشبيه الذي كان يلازمه والله أعلم.
стр. 107
المعرف بأل
أغراض التعريف بأل:
للتعريف بأل أغراض أهمها:
١ - تعيين واحد من أفراد الجنس كقولك (أقبل الرجل) و (أشتريت الكتاب) ولا تقول ذلك إلاإذا كان المخاطب يعرف الرجل، أما أن يبكون رآه أو جرى حديث عنه، أو نحو ذلك، ولا تقول ابتداء فلا تقول لمخاطبك (أقبل الرجل) وهو لا يعرفه، ولم يجر له سابق ذكر. وكذلك قولك (اشتريت الكتاب) فإنه لا يجوز أن تقول ذلك لمخاطبك إذا كان لا يعرف شيئا عن الكتاب، ولم يجر له ذكر جاء في (الكتاب) إن المعرف بأل: " إنما صار معرفة لأنك أردت بالألف واللام الشيء بعينه دون سائر أمته، لأنك إذا قلت (مررت برجلٍ) فإنك إنما زعمت أنك مررت بواحدٍ ممن يقع عليه هذا الاسم، لا تريد رجلا بعينه يعرفه المخاطب، وإذا أدخلت الألف واللام، فإنما تذكره رجلا قد عرفه فتقول: الرجل الذي من امره كذا وكذا ليتوهم الذي كان عهده بما تذكره من أمره" (١).
٢ - بيان الجنس كقولك (الفهد أسرع من الذئب) فأنت لا تقصد بالفهد واحدًا بعينه من أفراد الجنس ولا الذئب وإنما قصدت أن تقول: هذا الجنس أسرع من هذا الجنس. وليس معناه أن كل فرد من أفراد الفهد أسرع من كل فرد من أفراد الذئب، بل ربما وجد من أفراد الذئب ما تفوق سرعته سرعة بعض أفراد الفهد.
٣ - إستغراق كل أفراد الجنس وذلك نحو قوله تعالى ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]، فلا يشذ واحد من أفراد الجنس من هذا الضعف البشري.
стр. 108
٤ - الإشارة إلى واحد مما عرفت حقيقته في الذهن من دون قصد إلى التعيين وهو نحو قولك (ذاهب إلى السوق واشتر لنا كذا وكذا) لمن لم يدخل المدينة إلا هذه المرة ولم ير سوقها من قبل. فأنت هنا لا تقصد سوقا بعينه.
وكقوله تعالى: ﴿وأخاف أن يأكله الذئب﴾ [يوسف: ١٣] فإنه لا يقصد ذئبا بعينه بل واحدًا من أفراد الجنس مما استقر في الذهن معرفته.
٥ - الدلالة على الكمال كقولك (هذا الرجل) و (هذا البطل) أي الكامل في هذا الوصف ومن ذلك قولنا (هذا الفتى كل الفتى) و (هذا الفتى حق الفتى) جاء في (الكتاب): " إذا قلت: (هذا الرجل)، فقد يكون أن تعني كماله ويكون أن تقول: (هذا الرجل) وأن تريد كل ذكر تكلم ومشى على رجلين فهو رجل". (١)
وأنت تحس الفرق بين قولنا (هذا الرجل) و (هذا رجل) و (هذا البطل) و (هذا بطل) ففي التعريف من الدلالة على الكمال ما ليس في التنكير جاء في (دلائل الإعجاز): " ويبين ذلك أن تقول: (لك ف ي هذا غنى) فتنكر إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغني به. فإن قلت: (لك فيه الغنى) كان الظاهر أنك جعلت كل غناه به" (٢). أي كما له، وأل ههنا تفيد الاستغراق.
٦ - القصر حقيقة أو تجوزًا بقصد المبالغة فمن الأول قولك (المؤمنون هم الأعلون في الآخرة) وقوله تعالى (وذلك الفوز العظيم) [النساء: ١٣].
ومن الثاني قولك (الشاعر البحتري) وقولك (حاتم هو الجواد) فقد قصرت الشعر على البحتري والجود على حاتم فكأن ما عدا البحتري ليس بشاعر وما عدا حاتما ليس بجواد.
стр. 109
٧ - إيضاح ما لم يكن واضحًا للمخاطب وتبيينه له وذلك نحو قولك لمن سمع بالدلدل مثلا ولم يعرفه " هذا هو الدلدل" تحضره أمام عينيه أو تصفه له. وكقولك (هذا هو الماس) لمن سمع به ولم يره بإحضاره أمام عينيه أو بوصفه له كأنه يراه.
وقد يدق التفريق بين النكرة والمعرف بأل في بعض التعبيرات فيحتاج إلى فضل نظر وزيادة تأمل وذلك نحو قوله تعالى ﴿ويقتلون النبين بغير الحق﴾ [البقرة: ٦١] وقوله: ﴿ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ [آل عمران: ١١٢]، فعرف الحق في الأولى ونكره في الثانية.
وكقوله تعالى: ﴿فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وقوله: ﴿فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف﴾ [البقرة: ٢٤٠].
وقوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب﴾ [الصف: ٦]، وقوله: ﴿ومن أظلم ممن افتر على الله كذبا﴾ [هود: ١٨]، وغير ذلك من المواضع.
والأصل الذي يرجع إليه للتفريق بين النكرة والمعرفة، أن المعرفة لما هو محدد معلوم بخلاف النكرة وإليك إيضاح ذلك فيما مر ذكره من الآيات:
إن كلمة الحق المعرفة في آية البقرة، تدل على إنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير الحق الذي يدعو إلى القتل، والحق الذي يدعو إلى القتل معروف معلوم وأما النكرة فمعناها أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق أصلا، لاحق يدعو إلى قتل ولا غيره، أي ليس هناك وجه من وجوه الحق يدعو إلى إيذاء الأنبياء، فضلا عن قتلهم، فكلمة (حق) ههنا نكرة عامة، وكلمة (الحق) معرفة معلومة.
والقصد من التنكير الزيادة في ذمهم وتبشيع فعلهم أكثر مما في التعريف وذلك لأن التعريف معناه أنهم قتلوا الأنبياء بغير سبب يدعو إلى القتل، وأما التنكير فمعناه أنهم قتلوا الأنبياء بغير سبب أصلا لا سبب، يدعو إلى القتل ولا غيره، فمقام التشنيع والذم ههنا أكبر من ثم وكلاهما شنيع وذميم.
стр. 110
فجاء بالتنكير في مقام الزيادة في ذمهم وإليك سياق كل من الآيتين قال تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [البقرة: ٦١]، فعرف الحق فيها.
وقال: ﴿ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءو بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ [آل عمران: ١١٢]، فنكر الحق.
ومن الواضح أن موطن الذم والتشنيع عليهم والعيب على فعلهم في آية آل عمران أكبر منه في آية البقرة، يدل على ذلك أمور منها:
إنه في سورة البقرة جمع (الذلة والمسكنة) وأما آية آل عمران فقد أكد، وكرر، وعمم فقال ﴿ضربت عليم الذلة أين ما ثقفوا﴾ فجعلها عامة، ثم قال: ﴿وضربت عليهم المسكنة﴾ فأعاد الفعل، وحرف الجر للزيادة في التوكيد، فإن قولك (أنهاك عن الكبر وأنهاك عن الرياء) آكد من قولك (أنهاك عن الكبر والرياء).
ثم إنه ذكر الجمع في آية البقرة بصورة القلة فقال ﴿ويقتلون النبين﴾ وذكره في آية آل عمران بصورة الكثرة، فقال: ﴿ويقتلون الأنبياء﴾ أي يقتلون العدد الكثير من الأنبياء بغير حق.
فالتشنيع عليهم والعيب على فعلهم وذمهم في سورة آل عمران أشد، ومن هنا يتبين أن التعريف في آية البقرة أليق والتنكير في آية آل عمران أليق.
وكذلك كلمتا (معروف) و (المعروف) اللتان وردتا في آيتي سورة البقرة ٢٣٤، ٢٤٠، قال تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فعرف (المعروف).