حذف الاسم الموصول
يجوز حذف الاسم الموصول إذا علم وذلك إذا عطف على مثله وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم﴾ [العنكبوت: ٤٦]، أي والذي أنزل إليكم لأن المنزل إلينا ليس المنزل إليهم (١) وكقوله تعالى: ﴿بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦]، وقوله: ﴿ولله يسجد من في السماوات اولأرض﴾ [الرعد: ١٥]، فههنا اسم موصول مقدر لأن الذين في السماوات غير الذين في الأرض.
وقد يتكرر الموصول، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض﴾ [النحل: ٤٩]، وقوله: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الجمعة: ١].
وليس كل عطف بلا ذكر للاسم الموصول معناه إن الموصول محذوف، وإنما تقدير ذلك يعود إلى المعنى، فليس في قوله تعالى: ﴿هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة﴾ [البقرة: ٢ - ٣]، اسم موصول محذوف لأن الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة هم صنف واحد وليسوا صنفين.
ونحوه قوله تعالى: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: ٣٠]، فليس في هذه الاية حذف، لأن المقصود بمن يفسد في الأرض ويسفك الدماء واحد، وهو الانسان.
فالمعنى هو الذي يحدد ما إذا كان ثم حذف أولاً، فإذا امتنعت صحة المعنى بدون تقدير محذوف كان لابد من تقدير محذوف.
ومن هذا يتبين إنه يجوز ذكر الاسم الموصول وحذفه، إذا قام دليل على حذفه، وقد ذكر القرآن الكريم، الاسم الموصول في مواطن، وحذفه في مواطن أخرى، فقد قال مرة: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ [طه: ٦]، وقال مرة أخرى: ﴿له ما في السماوات
стр. 142
والأرض﴾ [البقرة: ١١٦]، وقال مرة: ﴿والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الحجرات: ١٦]، وقال مرة أخرى: ﴿يعلم ما في السماوات والأرض﴾ [العنكبوت: ٥٢]، وقال مرة: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الحشر: ١]، وقال مرة أخرى: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض﴾ [الحديد: ١]ـ وهذا يقتضينا المساءلة عن سبب ذكر ما ذكر، وحذف ما حذف، إذ من المعلوم أنه لابد في الكلام البليغ من سبب للذكر والحذف.
وذكر بعضهم أنه تأمل ما في التنزيل العزيز من قوله تعالى: ﴿من في السماوات والأرض﴾ و ﴿من في السماوات ومن في الأرض﴾ وقوله: ﴿ما في السماوات والأرض﴾ وقوله: ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ فوجد "أنه حيث قصد التنصيص على الأفراد ذكر الموصول، والظرف ألا ترى إلى المقصود في سورة يونس (١) من نفي الشركاء الذين اتخذوهم في الأرض وإلى المقصود في آية الكرسي (٢) من إحاطة الملك؟
وحيث قصد أمر آخر لم يذكر الموصول إلا مرة واحدة أشارة إلى قصد الجنس، وللإهتمام بما هو المقصود في تلك الآية، ألا ترى إلى سورة الرحمن (٣)، المقصود منها علو قدرة الله تعالى وعلمه وشأنه وكونه مسؤولا ولم يقصد أفراد السائلين" (٤).
وهذا صحيح فإه إذا قصد التنصيص على الأفراد ذكر الموصول وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوت ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]، فهنا قصد التنصيص على كل فرد من أفراد السماوات والأرض على وجه التخصيص فكرر (من) لذلك. ونحوه قوله تعالى: ﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [النمل: ٨٧].
стр. 143
غير أن هذا واحد من الأسباب التي تدعو إلى تكرار الاسم الموصول، وليس هو السبب الوحيد، وهناك أسباب أخرى للتكرار منها:
أنه إذا كان الموطن دالاً على التفصيل والإحاطة كرر الاسم الموصول بخلاف ما إذا كان الكلام مجملاً غير مفصل، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعًا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكن من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم﴾ [المجادلة: ٦ - ٧].
فكرر (ما) قائلا (يعلم ما في السموات وما في الأرض) وذلك لأن الموطن موطن إحاطة وتفصيل بخلاف قوله تعالى: ﴿قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدًا يعلم ما في السماوات والأرض والذين أمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون﴾ [العنكبوت: ٥٢]، فلم يكرر (ما) وأنت تحس الفرق واضحًا بين المواطنين، والسياقين، فإن في آية المجادلة من ذكر لسعة علم الله وشموله وإحاطته بالجزئيات والتفصيلات ما ليس في آية العنكبوت، فقد ذكر في آية المجادلة أنه لا يند عنه شيء ولا يغيب عنه مجلس قل أو كثر، ثم ينبيء الله أهله بكل ما قالوا وما تناجوا به أحصاه الله ونسوه، وهو بكل شيء عليم، فأنت ترى في آية المجادلة من التفصيل ما ليس في آية العنكبوت فلما فصل في آية المجادلة أعاد ذكر (ما)، ولما أجمل في العنكبوت أجمل في ذكر الموصول، فلم يعد ذكره.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى﴾ [طه: ٦]، فكرر (ما) لأن الموطن موطن شمول، وإحاطة، وتفصيل، فقد ذكر إنّ له (ما في السماوات) و (ما في الأرض) و (ما بينهما) و (ما تحت الثرى) بخلاف قوله تعالى: ﴿وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبًا أفغير الله تتقون﴾ [النحل: ٥٢]، فأنت ترى الفرق واضحًا بين السياقين في التفصيل، والإحاطة فكرر في موطن التفصيل وأجمل في موطن الإجمال.
стр. 144
ونحوه قوله تعالى: ﴿الحد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يعلم ما يلج في الأرض وما يخر منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور﴾ [سبأ: ١ - ٢]، فالتفصيل في هاتين الآيتين واضح ولذا كرر الاسم الموصول في كل موطن بخلاف قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦].
ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والأصال﴾ [الرعد: ١٥]، فلم يكرر الموصول في حين قال: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس﴾ [الحج: ١٨]، فكرر (من) ههنا بخلاف الآية الأولى، ومقام التفصيل واضح في آية الحج فقد ذكر الشمس، والقمر والنجوم، والجبال، والشجر والدواب، وكثيرا من الناس، بخلاف آية الرعد، ففي مقام التفصيل كرر وفصل وفي مقام الإجمال أجمل وأوجز.
وقد يكون أعاده ذكر الموصول لأمر آخر، وهو ذكر أمر يتعلق بصلته فمن الملاحظ مثلا في القرآن الكريم إنه إذا كرر الاسم الموصول فقال: ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ فإنه يريد أن يخص أهل الأرض بذكر أمر من الأمور وإذا لم يكرر (ما) فإنه لا يريد أن يذكرهم بأمر خاص بهم. وهذا في آيات التسبيح خاصة نحو قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض﴾ [الحديد: ١]، و ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الحشر: ١]، فحيث كرر (ما) في آيات التسبيح فإنه ذكر أهل الأرض بعدها وحيث أجمل لم يذكرهم.
وإليك أمثلة على ذلك:
قال تعالى في سورة الحديد: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ [الحديد: ١ - ٤].
стр. 145
وقال في سورة الحشر: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم ما نعتم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ [الحشر: ١ - ٢] فأنت ترى أنه في آيات الحديد لم يعقب التسبيح بالكلام على أهل الأرض بخلاف آية الحشر فقد قال بعدها ﴿هو الذي أخرج الذين كفروا .. ﴾ ويستمر في ذكر أحوالهم.
وبذلك على ذلك أنه في آخر سورة الحشر لم يكرر (ما) حين لم يذكر شيئا عن أهل الأرض بعد الآية فقد قال: ﴿هو الله الخالق الباريء المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ [الحشر: ٢٤]، فكرر في أول السورة وأجمل في آخرها لما ذكرناه والله أعلم ونحوه ما جاء في سورة الصف قال تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولى الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا االله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾ [الحشر: ١ - ٤]، ويمضى في الكلام على أهل الأرض، فكرر (ما) لأنه خص أهل الأرض بعدها بالذكر.
ونحوه قوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لقي ضلال مبين وآخرين منهم لما يحلقوا بهم وهو العزيز الحكيم﴾ [الجمعة: ١ - ٣]، ويمضى في الكلام على أهل الأرض ونحوه قوله تعالى: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد هو على كل شيء قدير هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير﴾ [التغابن: ١ - ٢]، ويمضى في الكلام على أهل الأرض.
стр. 146
فكل موطن كرر فيه (ما) أعقبه بالكلام على أهل الأرض، في حين قال في سورة النور: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار﴾ [النور: ٤١ - ٤٤].
فلم يكرر (من) إذ لم يعقب التسبيح بالكلام على أهل الأرض.
وهذه نماذج لأسباب الذكر والحذف، وليست حصرًا لأن مواطن الكلام لا تنحصر وإنما هي أمثلة يترقى بها إلى ما بعدها، فالمتكلم البليغ إذا فصل في موطن وأجمل في موطن فلا بد لذلك من سبب يقتضيه المقام.
حذف الصلة
يجوز قليلا حذف الصلة إذا علمت أو إذا أريد بها الإبهام فمن الأول قوله:
نحن الالى فأجمع جمو ... عك ثم وجههم إلينا
أي نحن الذين عرفوا بالشجاعة وعدم مبالاتهم بأعدائهم (١).
وقوله:
فإن أدع اللواتي من أناس ... أضاعوهن لا أدع الذي (٢)
стр. 147
أي أن أدع هجو هؤلاء النساء الضعاف اللاتي أضاعهن الرجال، لا أدع هجو الرجال الذين أضاعوهن وذمهم على فعلهم (١).
ومن الثاني قولهم (بعد اللتيا والتي) أي بعد الداهية التي وصلت إلى حد من العظم لا يمكن شرحه وتقاصرت العبارة عن كنهه (٢) واللتيا هي الداهية العظيمة.
فيجوز حذف الصلة إذا أردت إبهامها على السامع، ليذهب الذهن بها كل مذهب أو لأنك تدعي أن الصلة لعظمتها وفخامتها لا تدخل في حيز البيان ولا يحيط بها اللفظ.
стр. 148
المبتدأ والخبر
يحد النحاة المبتدأ بأنه الاسم العارى عن العوامل اللفظية غير الزائدة مخبرًا عنه أو وصفا رافعًا لمستغني به ..
فالاسم يشمل الصريح والمؤول نحو: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]، والعارى عن العوامل اللفظية مخر لنحو الفاعل واسم كان، وغير الزائدة لإدخال نحو (بحسبك درهم) و ﴿هل من خالق غير الله﴾ [فاطر: ٣] ومخبرا عنه أو وصفا مخرج لأسماء الأفعال والأسماء قبل التركيب.
ورافعًا لمستغني به يشمل الفاعل نحو: أقائم الزيدان؟ ونائبه نحو أمضروب العبدان .. أي المبتدأ نوعان: مبتدأ له خبر، ومبتدأ له مرفوع أغني عن الخبر". (١)
ومن هذا الحد نرى أن المبتدأ على قسمين:
١ - مبتدأ له خبر نحو: سعيد قائم.
٢ - مبتدأ له مرفوع سد مسد الخبر مثل أقائم الزيدان؟
وأورد قسم من النحاة على هذا الحد أنه غير جامع، إذ لا يشمل نحو: (أقل رجل يقول ذلك) ولا (غير قائم الزيدان) فأن (أقل) مبتدأ ليس مخبرًا عنه، ولا وصفا رافعًا لأن جملة (يقول ذلك) صفة، و (غير) ليست وصفا ولا مبتدأ مخبرًا عنه (٢).
وعلى أي حال فهذا الضرب الأخير قليل واستعمالاته محدودة.
стр. 149
التقديم والتأخير
تقول العرب: يجتهد زيد، وزيد يجتهد، وزيد مجتهد، ومجتهد زيد، وزيد في الدار، وفي الدار زيد، فما الغرض من ذلك ومتى نقول هذا التعبير أو ذاك؟ لقد ذكرنا في بحث تأليف الجملة العربية إن الأصل في الجملة التي مسندها فعل أن يتقدم الفعل على المسند إليه نحو (يقوم زيد) فأن تقدم المسند إليه على الفعل نظرنا في سبب هذا التقديم، كما إن الأصل في الجملة التي مسندها اسم أن يتقدم المسند إليه على الاسم أو بتعبير آخر أن يتقدم المبتدأ على الخبر نحو: زيد قائم، فأن تقدم الخبر على المبتدأ نظرنا في سبب ذلك، وهذا الأخير هو ما يعنينا الآن في هذا البحث، فما أسباب تقديم الخبر على المبتدأ:
١ - تقديم الخبر المفرد على المبتدأ:
الأصل كما ذكرنا قبل قليل أن يتقدم المبتدأ على الخبر (١) نحو (زيد قائم) و (أخوك نائم) و (محمد مسافر) فمتى نقول: قائم زيد ونائم أخوك ومسافر محمدٌ؟
إن تقدم الخبر على المبتدأ في نحو هذا إنما يكون لغرض من أغراض التقديم، وأشهر هذه الأعراض هي:
١ - التخصيص: إذا كان المخاطب خالي الذهن مما ستخبره، قدمت له المبتدأ فتقول: (زيد) و (محمد منطلق) فهذا إخبار أولى لا يعلمه السامع. ولكن إذا كان السامع يظن أن زيدًا قاعد لا قائم، انبغي أن تقدم له الخبر لإزالة الوهم من ذهنه فتقول له: قائم زيد. فجملة (زيد قائم) أخبار أولى ولكن جملة (قائم زيد) تصحيح للوهم الذي في ذهن المخاطب، إذ كان يظن أن زيدا قاعد فتقول له: (قائم زيد) أي لا قاعد.
стр. 150
جاء في (المثل السائر) في قولنا (زيد قائم) و (قائم زيد): "فقولك (قائم زيد) قد أثبت له القيام دون غيره وقولك (زيد قائم) أنت بالخيار في إثبات القيام له ونفيه عنه بأن تقول: ضارب أو جالس أو غير ذلك" (١).
وجاء في (الإيضاح): "وأما تقديمه - يعني المسند - فأما لتخصيصه بالمسند إليه كقوله تعالى: ﴿لكم دينكم ولي دين﴾، [الكافرون: ٦]، وقولك (قائم هو) لمن يقول: زيد أما قائم أو قاعد فيردده بين القيام والقعود من غير أن يخصصه بأحدهما، ومنه قولهم (تميمي أنا). وعليه قوله تعالى: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ [الصافات: ٤٧]، أي بخلاف خمور الدنيا فأنها تغتال العقول ولهذا لم يقدم الظرف في قوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، لئلا يفيد ثبوت الريب في سائر كتب الله تعالى" (٢).
وجاء في (الطراز): "فقولنا زيد منطلق إخبار لمن يجهل انطلاقه، وقولنا (منطلق زيد) إخبار لمن يعرف زيدًا وينكر إنطلاقه فتقديه إهتمام بالتعريف بإنطلاقه" (٣).
وجاء فيه أيضا في تقديم خبر المبتدأ عليه في "نحو قولك: (قائم زيد)، في (زيد قائم) فأنت إذا أخرت الخبر فليس فيه إلا الأخبار بأن زيدًا قائم لا غير من غير تعرض لمعنى من المعاني البليغة بخلاف ما إذا قدمته وقلت: (قائم زيد)، فأنك تفيد بتقديمه أنه مختص بهذه الصفة من بين سائر صفاته في الأكل والضحك أو تفيد تخصيصه بالقيام دون غيره من سائر أمثاله وتفيد وجها آخر، وهو أنه يكون كلامًا مع من يعرف زيدًا وينكر قيامه فتقول: (قائم زيد)، ردًا لأنكار من ينكره" (٤). ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ [الأنبياء: ٩٧] فقدم الخبر (شاخصة) على المبتدأ (أبصار) لقصد التخصيص جاء في (المثل السائر): "ومن غامض هذا الباب
стр. 151
قوله تعالى: ﴿واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾، فإنه إنما قال ذلك ولم يقل: فإذا أبصار الذين كفروا شاخصة لأمرين:
أحدهما: تخصيص الأبصار بالشخوص دون غيرها. أما الأول فلو قال: فإذا الأبصار الذين كفروا شاخصة لجاز أن يضع موضع شاخصة غيره فيقول: حائرة أو مطموسة أو غير ذلك فلما قدم الضمير أختص الشخوص بهم دون غيرهم. دل عليه بتقديم الضمير أولا ثم بصاحبه ثانيا" (١).
وجاء في (الطراز): "ومن رائق ذلك وبديعه قوله تعالى: ﴿واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ فإنما قدمه ولم يقل (أبصار الذين كفروا شاخصة) لأمرين:
أما أولاً: فلأنه إنما قدم الضمير في قوله (هي) ليدل به على أنهم مختصون بالشخوص دون غيرهم من سائر أهل المحشر.
أما ثانيا: فلأنه إذا قدم الخبر، أفادر إن الأبصار مختصة بالشخوص من سائر صفاتها من كونها حائرة، أو مطموسة أو مزورة إلى غير ذلك من صفات العذاب" (٢).
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وظنوا أنهم مانعتهم حضونهم من الله﴾ [الحشر: ٢]، فقد قام الخبر (مانعتهم) على المبتدأ (حصونهم) لنحو هذا الغرض. جاء في (المثل السائر): في هذه الآية: "فأنه إنما قال ذلك ولم يقل: وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم لأن في تقديم الخبر الذي هو (مانعتهم) على المبتدأ الذي هو (حصونهم) دليلا على فرط اعتقادهم في حصانتها وزيادة وثوقهم بمنعها أياهم. وفي تصويب ضميرهم اسما لأن إسناد الجملة إليه دليل على تقديرهم في أنفسهم أنهم في عزة وأمتناع لا يبالي معها بقصد قاصد ولا تعرض متعرض. وليس شيء من ذلك في قولك: وظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله " (٣).
стр. 152
٢ - الافتخار كقولهم: (تميمي أنا) فثمة فرق بين قولهم (أنا تميمي) و (تميمي أنا)، فالأولى أخبار عن نفسه، وأما الثانية فللفخر بنفسه، وقبيلته، جاء في (شرح الرضى على الكافية): "وإذا كان تقديم الخبر يفهم منه بمعنى لا يفهم بتأخيره، وجب التقديم نحو قولك (تميمي أنا) إذا كان المراد التفاخر بتميم، أو غير ذلك مما يقدم له الخبر" (١).
٣ - التفاؤل أو التشاؤم كقولك: ناجح زيد ومقتول إبراهيم. إلى غير ذلك من أغراض التقديم الكثيرة، (٢) وملاك ذلك أن العرب إنما يقدمون اللفظة لغرض الاهتمام وتتعدد صور هذا الاهتمام. قال سيبويه: "كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعني، وأن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم" (٣).
وعلى هذا فأنّ قولَ النحاة: يجوز تقديم الخبر على المبتدأ كقولك (تميم أنا) و (مشنوء من يشنؤك (٤)) ليس معناه أنك تقدم متى شئت ولكنك تقديم إذا اقتضى الأمر التقديم.
وينبغي أن نعلم أنّ التعبير الواحد قد تختلف أغراضه بحسب المقام، فيكون مرة للاختصاص ويكون مرة أخرى للفخر فقد يمكن أن تقول (تميمي أنا) بقصد التخصيص كما يمكن أن تطلقه في مقام آخر بقصد الفخر والذي يعيّن ذلك إنما هو المقام.
ب - تقديم الخبر الظرف والجار والمجرور:
وهو كثير الشبه بالموضوع السابق. تقول: في الدار زيد وزيد في الدار، فما الغرض من ذلك؟
стр. 153
نحن نعلم أن المبتدأ إذا كان نكرة ليس لها مسوغ في الابتداء وجب تقديم الخبر الظرف أو الجار والمجرور فتقول: (في الدار رجل) فتقديم الخبر هنا واجب، وليس لأمر بلاغي، ولا يسأل عن الغرض من هذا التقديم وإنما يسأل عن سبب تقديمه إذا كان المبتدأ صالحًا لأن يبتدأ به نحو: في الدار أخوك.
فالتعبير الطبيعي أن تقدم المبتدأ على الخبر، فتقول (زيد في الدار) فهذا إخبار أولى والمخاطب خالي الذهن، فإذا قلت (في الدار زيد) كان المعنى إن المخاطب ينكر أن يكون زيد في الدار، أو يظن أنه في المكتب مثلا فتقول له:
في الدار زيد أي لا في المكتب.
فهذا من باب الاختصاص.
إن أهم غرض من أغراض تقديم الظرف، هو الاختصاص، والحصر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿له الملك وله الحمد﴾ [التغابن: ١] قُدَّم الظرفان ليدل بتقديمهما على معنى اخصاص الملك والحمد بالله لا بغيره (١) ولو قال (الملك له) لكان إخبارا بأن الملك له دون نفيه عن غيره فتقديم الظرف أفاد حصره عليه وإختصاصه به دون غيره.
وتقديم الظرف للاختصاص لا ينحصر في باب المبتدأ والخبر بل أن تقديمه يفيد ذلك في غير هذا الباب جاء في (الطراز) في تقديم الظرف: "هو على وجهين: أحدهما أن يكون واردًا دلالة على الاختصاص، وهذا كقوله تعالى ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾، [الشورى: ٥٣]، لأن المعنى أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور إليه دون غيره ونحو قوله تعالى: ﴿إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾ [التغابن: ١]، فهذه الظروف لا وجه لتقديمها على عاملها إلا ما ذكرناه من الاخصاص.
стр. 154
وثانيهما أن يكون تقديمه من أجل مراعاة المشاكلة لرؤوس الآي في التسجيع، وهذا كقوله تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ليطابق قوله (باسرة) و (فاقرة) ونحو قوله: ﴿والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق﴾ [القيامة: ٢٩ - ٣٠].
أما الوجه الثاني الذي ذكره فلا أراه كذلك بلا هو من باب الاختصاص أيضًاـ، ففي الآية الأولى تخصيص النظر إلى الرب سبحانه. وفي الآية الثانية تخصيص المساق إلى الرب سبحانه لا إلى غيره.
وجاء في (البرهان): "لا تختص أفادة الحصر بتقديم الضمير المبتدأ، بل هو كذلك إذا تقدم الفاعل أو المفعول، أو الجار والمجرور المتعلقات بالفعل، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿قل هو الرحمن أمنا به وعليه توكلنا﴾ [الملك: ٢٩] (١)، فإن الإيمان لما لم يكن منحصرًا في الإيمان بالله بل لابد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وغيره، مما يتوقف صحة الإيمان عليه، بخلاف التوكل، فإنه لا يكون إلا على الله، وحده لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين قدم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره، لأن غيره لا يملك ضرًا ولا نفعا فيتوكل عليه" (٢).
وجاء في (الاتقان): "كاد أهل البيان يطبقون على أن تقديم المعمول يفيد الحصر سواء كان مفعولاً أو ظرفاً أو مجرورًا ولهذا قيل في: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، معناه نخصك بالعبادة والاستعانة وفي ﴿لإلى الله تحشرون﴾ [آل عمران: ١٥٨]، معناه إليه لا إلى غيره" (٣).
وقد يقدم الخبر الظرف للتنبيه من أول الأمر على أنه خبر لا نعت كقوله:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الكبرى أجل من الدهر (٤)
стр. 155
فلو قلت: همم له لا منتهى لكبارها، لكان الجار والمجرور صفة لا خبرًا، لأن المبتدأ نكرة ويكون الخبر "لا منتهى لكبارها" ولكن الشاعر أراد أن يجعل (له) هو الخبر فقدمه على المبتدأ ليعلم أن هذا هو الخبر لا قوله (لا منتهى لكبارها).
وقد يكون تقديمه لأمر يقتضيه المقام كقولك (زيد في الدار)، جوابًا عن سؤال (أين زيد؟ ) و (في الدار زيد) جوابًا عن سؤال (من في الدار)، فهذا ليس من باب الاختصاص أو غيره مما ذكرنا، وإنما قدمت الذي يعلمه المخاطب وأخرت الذي يجهله، ففي الأولى يجهل مكان زيد فأخبرت به، وفي الثانية يعلم أن في الدار أحدًا ولكنه يجهل من فيها فأخبرت بالذي يجهله، وابتدأت بما يعلم.
فإن كان الكلام منفيًا، نحو (لا ريب فيه)، و (لا فيه ريب)، كان تأخير الظرف، يفيد نفي الشيء عن المذكور فقوله تعالى ﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، يفيد نفي الريب عن القرآن. وأما تقديم الظرف فهو يفيد النفي عن المذكور، إثباته لغيره، فلو قال (لا فيه ريب) لنفي الريب عن القرآن وأثبته في غيره، فيكون تعريضًا بالكتب الأخرى، جاء في المثل السائر: "وأما الثاني وهو تأخير الظرف وتقديمه في النفي فنحو قوله تعالى: ﴿الم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ١ - ٢] وقوله تعالى: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ [الصافات: ٤٧]، فإنه إنما أخر الظرف في الأول، لأن القصد في إيلاء حرف النفي الريب، نفي الريب عنه، وأثباته أنه حق، وصدق لا باطل وكذب كما كان المشركون يدعونه، ولو أولاه الظرف لقصد أن كتابًا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في قوله تعالى: ﴿لا فيها غول﴾ فتأخير الظرف يقتضي النفي أصلا، من غير تفضيل، وتقديمه يقتضي تفضيل المنفي عنه، وهو خمر الجنة على غيرها من خمور الدنيا، أي ليس فيها ما في غيرها من الغول، وهذا مثل قولنا "لا عيب في الدار" وقولنا: " لا فيها عيب"، فالأول نفي للعيب عن الدار فقط والثاني تفضيل لها على غيرها أي ليس فيها ما في غيرها من العيب" (١).
стр. 156
وتقول " لا ضرر عليك" فتنفي الضرر عنه من دون إثباته لشخص آخر، وتقول " لا عليك ضرر" فتنفيه عنه وتثبته لغيره أي كأنك قلت: ليس عليك الضرر وإنما على غيرك. جاء في (البرهان): "وأما تقديم الظرف ففيه تفصيل فإن كان في الإثبات دل على الاختصال كقوله تعالى: ﴿ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٦]، .. وإن كان في النفي فإن تقديمه يفيد تفضيل المنفي عنه كما في قوله تعالى: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ [الصافات: ٤٧] (١).
والصواب ما أثبتناه، وهو أن تأخير الظرف يفيد نفي الشيء عن المذكور، وتقديمه يفيد النفي عن المذكور، وإثباته لغيره، ولا يفيد دائمًا تفضيل المنفي عنه وإلا فقولك: "لا عندك صواب" ذم لا مدح.
وربما قلت ألست تقول: إنه إذا تقدم الظرف وكان الاسم نكرة لم يسأل عن سبب تقديمه نحو: "في الدار رجل" فلماذا ذكرت هنا إن تقديمه لمعنى؟
والجواب واضح، وهو إنه إذا كان ذاك في حيز الإثبات لم يكن له غرض، لأن تقديمه واجب وأما إذا كان في حيز النفي، فليس الأمر كذلك، لأن النفي من مسوغات الابتداء بالنكرة، إذ إنه لا يجوز أن يبتدأ بالنكرة بعد النفي، نحو (ام رجل في الدار) ولذلك كان تقديم الظرف لغرض من الأغراض.
والتحقيق أن التقديم إنما يكون للإهتمام والعناية بالمقتدم، سواء كان لغرض الحصر أم غيره قال الإمام عبد القاهر: "واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم بشأنه أعني وإن كانا جميعًا يهمانهم ويعنيانهم" (٢).
стр. 157
حـ - تقديم المبتدأ على الفعل:
الأصل في الجملة التي مسندها فعل أن يتقد الفعل على المسند إليه أو بتعبير آخر إن يتقدم الفعل على الفاعل - كما ذكرنا - فإن تقدم المسند إليه على الفعل نظر في سبب ذلك. فالأصل أن يكون الكلام نحو (قدم سعيد) فإن قيل (سعيد قدم) نظر في سبب ذلك، أو بتعبير الكوفيين نظر في سبب تقديم الفاعل على الفعل.
ويذكر البلاغيون أغراضا لتقديم المسند إليه على الفعل أهمها:
١ - التخصيص أو الحصر: إذا قلت (أعانني سعيد) كان إخبارا ابتدائيًا، والمخاطب خالي الذهن، فإن قلت (سعيد أعانني)، فقد خصصت سعيدًا بالإعانة وقصرتها عليه وذلك بأن كان المخاطب يظن إن الذي أعانك خالد مثلا، فترد عليه بهذا القول قال عبد القاهر: " فإذا عمدت إلى الذي أردت أن تحديث عنه بفعل، فقدمت ذكره ثم بنيت الفعل عليه فقلت: زيد قد فعل، وأنا فعلت، وأنت فعلت، اقتضى ذلك أن يكون القصد إلى الفاعل إلا أن المعنى في هذا المقصد ينقسم قسمين:
أحدهما جلي لا يشكل، وهو أن يكون الفعل فعلا قد أردت أن تنص فيه على واحد، فتجعله له، وتزعم أنه فاعله دون واحد آخر أو دون كل أحد. ومثال ذلك أن تقول أنا كتبت في معنى فلان وأنا شفعت في بابه، تريد أن تدعي الأنفراد بذلك والاستبداد به وتزيل الاشتباه فيه، وترد على من زعم أن ذلك كان من غيرك، أو أن غيرك قد كتب فيه كما كتبت. ومن البين في ذلك قولهم: أتعلمني بضب أنا حرشته" (١).
ومنه قوله تعالى: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ [البقرة: ٤]، أي هم أهل اليقين المختصون به، وكأن غيرهم ليس من أصحاب اليقين جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "وفي تقديم الآخرة وبناء (يوقنون) على (هم) تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر
стр. 158
الآخر على خلاف حقيقته وأن قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك" (١).
٢ - تحقيق الأمر وإزالة الشك من ذهن السامع كقولك (هو يغيث الملهوف) لمن يظن أنه لا يفعل ذاك فأنت لا تريد أن تقصر أغاثة الملهوف عليه وتحصرها فيه، ولكنك أردت أن تزيل الشك من ذهن السامع، قال الإمام عبد القاهر: "والقسم الثاني أن لا يكون القصد إلى الفاعل على هذا المعنى، ولكن على أنك أردت أن تحقق على السامع أنه قد فعل، وتمنعه من الشك فأنت لذلك تبدأ بذكره وتوقعه أولاً، ومن قبل أن تذكر الفعل في نفسه لكي تباعده بذلك من الشبهة وتمنعه من الإنكار أو من أن يظن بك الغلط أو التزيد ومثاله قولك: هو يعطي الجزيل، وهو يحب الثناء، لا تريد أن تزعم أنه ليس ههنا من يعطي الجزيل ويحب الثناء غيره، ولا أن تعرض بإنسان وتحطه عنه وتجعله لا يعطي ولا يرغب كما يرغب، ولكنك تريد أن تحقق على السامع أن إعطاء الجزيل وحب الثناء دأبه وأن تمكن ذلك في نفسه" (٢).
ثم قال: "ويشهد لما قلنا أن تقديم المحدث عنه يقضي تأكيد الخبر وتحقيقه له أنا إذا تأملنا وجدنا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار من منكر نحو أن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول ولكنك تميل إلى خصمي .. أو يجيء فيما اعترض فيه شك، نحو أن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك، فيقول: أنا أعلم، ولكني إدارية. أو في تكذيب مدع كقوله : ﴿وإذا جاءوكم قالوا أمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾ [المائدة: ٦١]، وذلك أن قولهم (آمنا) دعوى منهم أنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به، فالموضع موضع تكذيب. أو فيما القياس في مثله أن لا يكون كقوله تعالى: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون﴾ [الفرقان: ٣].
стр. 159
وكذلك في كل شيء كان خبرًا على خلاف العادة وعما يستغرب من الأمر نحو أن تقول: ألا تعجب من فلان؟ يدعى العظيم وهو يعيا باليسير .. ومما يحسن ذلك فيه ويكثر الوعد والضمان كقول الرجل: أنا أعطيك، أنا أكفيك .. وذلك إن من شأن من تعده وتضمن له أن يعترضه الشك في تمام الوعد، وفي الوفاء به، فهو من أحوج شيء إلى التأكيد ..
وكذلك يكثر في المدح كقولك: أنت تعطي الجزيل .. وكذلك المفتخر. ويزيدك بيانا أنه إذا كان الفعل مما لا شك فيه، ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتي به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت. قد خرج، ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج. ذاك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع، فتحتاج إلى أن تحققه وإلى أن تقدم فيه ذكر المحدث عنه" (١).
٣ - لتعجيل المسرة أو المساءة نحو (أبوك عاد) لمن كان أبوه غائبًا. "السفاح حضر".
٤ - لإظهار تعظيمه أو تحقيره نحو قوله تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ [البقرة: ١٥]. ونحو السلطان حضر، الغبي جاء.
٥ - لغرابته نحو: المقعد مشى، الأخرس نطق. أو لغير ذلك (٢).
فإن كان المسند إليه نكرة وتقدم على الفعل كان المراد تخصيص الجنس، أو الواحد تقول: (حضر رجل) إذا كان المخاطب خالي الذهن فإن قلت: (رجل حضر) كان السامع يعلم أن حضورًا حصل، ولكنه يجهل جنس الحاضر، أو كان يظن أنه امرأة فيقال
стр. 160
له: رجل حضر أي لا امرأة. أو كان يظن أنه رجلان فيقال له: رجل حضر أي لا رجلان. جاء في (دلائل الإعجاز): "إذا قلت: أجاءك رجل؟ فأنت تريد أن تسأله: هل كان مجيء من أحد الرجال إليه؟ فإن قدمت الاسم فقلت: أرجل جاءك؟ فأنت تسأله عن جنس من جاءه أرجل هو أم امرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت علمت إنه قد أتاه آت ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي .. وإذا كان كذلك كان محالا أن تقدم اسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس ..
وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام، فابن الخبر عليه فإذا قلت: (رجل جاءني) لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من عرف أن قد أتاك آت. فإن لم ترد ذاك كان الواجب أن تقول: (جاءني رجل) فتقدم الفعل" (١).
وجاء في (الإيضاح): "فإن بني الفعل على منكر أفاد ذلك تخصيص الجنس، أو الواحد بالفعل كقولك: رجل جاءني أي لا امرأة ولا رجلان. وذلك لأن أصل النكرة أن تكون للواحد من الجنس فيقع القصد بها تارة إلى الجنس فقط كما إذا كان المخاطب بهذا الكلام قد عرف أن قد أتاك آت ولم يدر جنسه أرجل هو أو امرأة أو اعتقد انه امرأة. وتارة إلى الوحدة فقط، كما إذا عرف أن قد أتاك من هو من جنس الرجال، ولم يدر أرجل هو أم رجلان أو اعتقد أنه رجلان" (٢).
وجاء في (معترك الأقران): "أن يكون المسند إليه نكرة مثبتا نحو "رجل جاءني" فيفيد التحصيص أما بالجنس أي لا امرأة، أو الوحدة أي لا رجلان" (٣).
إلى غير ذلك كالتعجب، نحو قولهم: أخرس نطق سمكة طارت (٤). وبالجملة فإنه يقدم للإهتمام والعناية به.
стр. 161
فإن سبق المسند إليه حرف نفي كان المراد نفي الحدث عن المسند إليه، وإثباته لغيره. تقول: (ما تكلمت): فأنت نفيت التكلم عن نفسك ولم تثبته لغيرك أي أنت لم تتعرض لغيرك بسلب، أو إيجاب فإن قلت: (ما أنا تكلمت)، فأنت قد نفيت التكلم عن نفسك وأثبته لغيرك. فإن المخاطب يعلم أن شخصًا ما قد تكلم فكان يظنك أنت، فقلت له: ما أنا تكلمت. أي أن المتكلم غيري.
جاء في (البرهان): "فإذا قلت: ما ضربت زيدًا كنت نافيًا للفعل الذي هو ضربك إياه وإذا قلت: ما أنا ضربته كنت نافيًا لفاعليتك للضرب. فإن قلت: الصورتان دلتا على نفي الضرب فما الفرق بينهما؟ قلت من وجهين:
أحدهما أنّ الأولى نفت ضربًا خاصًا إياه، ولم تدل على وضع ضرب غيرك، ولا عدمه إذ نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، ولا ثبوته.
والثانية نفت كونك ضربته ودلت على أن غيرك ضربه بالمفهوم" (١).
وجاء في (معترك الأقران): "أن يلي المسند عليه حرف النفي فيفيده، نحو: (ما أنا قلت هذا) أي لم أقله مع إنّ غيري قاله" (٢).
ونحو ذلك الاستفهام فإن قلت: أضربت زيدًا؟ كان السؤال عن أصل الفعل أحصل منك أم لم يحصل؟ فإن قلت: أأنت ضربت زيدًا؟ كان السؤال عمن أوقع الفعل بزيد فالسائل يعلم أنّ الفعل قد وقع على زيد، ولكنه يسأل عن الفاعل له.
جاء في (دلائل الإعجاز): "وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها وترك تقديمه. ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة، فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت: أفعلت؟ فبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده. وإذا قلت: أأنت فعلت؟ فبدأت بالاسم كان
стр. 162
الشك في الفاعل من هو؟ وكان التردد فيه. ومثال ذلك أنك تقول: أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟
أقلت الشعرَ الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ تبدأ في هذا ونحوه بالفعل، لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه، لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه مجوز أن يكون قد كان، وأن يكون لم يكن، وتقول: أأنت بنيت هذه الدار؟ أأنت قلت هذا الشعر؟ أأنت كتبت هذا الكتاب؟ فتبدأ في ذلك كله بالاسم.
ذلك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان، كيف وقد أشرت إلى الدار مبنية والشعر مقولاً والكتاب مكتوبًا؟ وإنما شككت في الفاعل من هو؟ فهذا من الفرق لا يدفعه دافع ولا يشك فيه شاكّ، ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر. فلو قلت: أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ خرجت من كلام الناس. وكذلك لو قلت: أبنيت هذه الدار؟ أقلت هذا الشعر؟ أكتبت هذا الكتاب؟ قلت ما ليس يقول" (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله: ﴿أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧]، "فإن قلت: ما فائدة: (أنتم)، و (هم)، وهلا قيل: أضللتم عبادي هؤلاء أن هم ضلوا السبيل؟ قلت: ليس السؤال عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه فلابد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم إنه المسؤول عنه .. والمعنى أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق أم هم ضلوا عنه بأنفسهم" (٢).
стр. 163
مثل وغير:
ومما استعمل مقدمًا بكثرة لفظتا (مثل) و (غير) إذا أريد بهما الكناية من غير تعريض تقول: (مثلك يرعى الحق والحرمة) فلا يقصد به إنسانًا غير المخاطب ولكنه عادل من الضمير إلى لفظة (مثل) لإفادة أن من كان مثله في المنزلة والصفة يفعل مثل هذا الفعل أو لا يفعله في نحو قولك (مثلك لا يقول هذا).
وكذلك قوله (غيري يقول الباطل) وهو هنا لم يرد التعريض بأحد، وإنما صرف قول الباطل عن نفسه بلفظة (غير) والفرق بين قولك (أنا لا أقول الباطل) و (غيري يقول الباطل) أنك في الجملة الأولى نفيت الأمر عن نفسك مباشرة، وفي الثانية أسندت هذا الفعل إلى غيرك، ولا تقصد بـ (غير) إنسانًا معينًا فكأن معنى الجملة الثانية: إن الذي يغايريني فيخلقي وحالي، هو الذي يقول الباطل، فنفي الفعل عن نفسه بطريق غير مباشر. وقد التزمت العرب، أو كادت في مثل هذا التعبير تقديم (مثل) و (غير) فلا تقول (يرعى الحرمة مثلك) ولا (يقول الباطل غيري) بالقصد الذي ذكرناه.
جاء في (دلائل الإعجاز): "ومما يرى تقديم الاسم فيه كاللازم (مثل) و (غير) في نحو قوله:
مثلك يثني المزن عن صوبه ... ويسترد الدمع عن غربه
وقول الناس: مثلك رعى الحق والحرمة .. وما أشبه ذلك مما لا يقصد فيه بـ (مثل) إلى إنسان سوى الذي أضيف إليه ولكنهم يعنون أن كل من كان مثله في الحال والصفة كان مقتضى القياس، وموجب العرف والعادة أن يفعل ما ذكر أو أن لا يفعل ..
وكذلك حكم (غير) إذا سلك به هذا المسلك فقيل: غيري يفعل ذاك على معنى أني لم أفعله لا أن يومئ بـ (غير) إلى إنسان فيخبر عنه بأن يفعل كما قال:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع
وذلك أنه معلوم أنه لم يرد أن يعرض بواحد كان هناك فيستنقصه ويصفه بأنه مضعوف يغر ويخدع ..
стр. 164
فأنت الآن إذا تصفحت الكلام وجدت هذين الأسمين يقدمان ابدا على الفعل، إذا نحي بهما هذا النحو الذي ذكرت لك ونرى هذا المعنى لا يستقيم فيهما إذا لم يقدما، أفلا ترى أنك لو قلت: يثني المزن عن صوبه مثلك ورعي الحق والحرمة مثلك.
وينخدع غيري بأكثر هذا الناس .. لرأيت كلامًا مقلوبًا عن جهته ومغيرًا عن صورته ورأيت اللفظ قد نبا عن معناه ورأيت الطبع يأبى بأن يرضاه" (١).
المبتدأ الذي له مرفوع أغني عن الخبر
هذا هو الضرب الثاني من المبتدأ وهو أن تكون المبتدأ وصفا اعتمد على نفي، أو استفهام واكتفي بمرفوعه (٢) نحو (أقائم الزيدان)، ويبحث النحاة في هذا الموضوع صورًا متعددة للمبتدأ جاء في (التصريح): "وإذا رفع الوصوف ما بعده فله ثلاثة أحوال وجوب الخبرية وجواز الأمرين، وذلك إنه أن لم يطابق الوصف ما بعده تعينت ابتدائيه نحو (أقائم أخواك؟ ) فـ (قائم) مبتدأ و (أخواك) فاعله سد مسد خبره ولا يجوز أن يكون (أخواك) مبتدأ مؤخرًا و (قائم خبرًا مقدمًا لأنه لا يخبر عن المثنى بالمفرد.
وأن طابقه، أي طابق الوصف ما بعده في غير الأفراد وهو التثينة والجع، تعينت خبريته نحو (أقائمان أخواك وأقائمون أخوتك؟ ) .. فالوصف فيهن خبر مقدم والمرفوع بعده مبتدأ مؤخر، ولا يجوز أن يكون الوصف فيهن مبتدأ والمرفوع فاعلاً سد مسد الخبر لأن الوصف إذا رفع ظاهرًا كان حكمه حكم الفعل في لزوم الأفراد على اللغة الفصحى ..
وأن طابقه أي الوصف ما بعده في الأفراد .. احتملهما أي الإبتدائية والخبرية على السواء نحو: أقائم أخوك وأقائمة أختك؟ " (٣).
والخلاصة إن الصور المستعملة هي نحو هذه:
стр. 165
أقائم زيد، أقائم الزيدان، أقائمان الزيدان فما الفرق بين هذه الاستعمالات؟
١ - أن جملة (أقائمان الزيدان) و (أقائمون الزيدون) مما طابق فيه الوصف ما بعده في المثى والجمع يكون الوصف فيها خبرًا مقدمًأ وما بعده مبتدأ مؤخرًا وهذا أصله: الزيدان قائمان والزيدون قائمون فقدم الخبر على المبتدأ لغرض من أغراض التقديم التي سبق أن ذكرناها كالاختصاص والافتخار والتفاؤل ونحوها.
تقول: (الزيدان قائمان) إذا كان المخاطب خالي الذهن، فإن كان السامع يظن أنهما قاعدان لا قائمان، قدمت له الخبر وقلت: قائمان الزيدان. إلى غير ذلك من الأغراض التي بيناها.
٢ - وأما جملة (أقائم الزيدان) مما لا يطابق الوصف فيه ما بعده فيعرب النحاة وإنما هذه الجملة هي أشبه شيء بالجملة الفعلية. والوصف في مكانه التعبيري، وهو واقع موقع الفعل كما تقول: قام الزيدان ويقوم الزيدان فهو ليس مقدمًا من تأخير، وإنما هو في مكانه وقد جيء به اسما للدلالة على الثبوت كما ذكرنا سابقًا. جاء في (شرح الرضى على الكافية) في هذا النوع من التعبير: "فقالوا أن خبره محذوف لسد فاعله مسد الخبر وليس بشيء بل لم يكن لهذا المبتدأ أصلا من خبر حتى يحذف ويسد غيره مسده، ولو تكلفت له تقدير خبر لم يتأت إذ هو في المعنى كالفعل، والفعل لا خبر له فمن ثم تم بفاعله كلامًا من بين جميع اسم الفاعل، والمفعول، والصفة المشبهة، ولهذا أيضًا لا يصغر، ولا يوصف ولا يعرف ولا يثني ولا يجمع إلا على لغة أكلوني البراغيث" (١).
وقال ابن يعيش: "واعلم إن قولهم: أقائم الزيدان إنما أفاد نظرًا إلى المعنى إذ المعنى أيقوم الزيدان فتم الكلا به لأنه فعل وفاعل و (قائم) هنا اسم من جهة اللفظ وفعل من جهة المعنى .. ولو قلت: (قائم الزيدان) من غير استفهام لم يجز عند الأكثر وقد أجازه ابن السراج وهو مذهب سيبويه لتضمنه معى الفعل" (٢).
стр. 166
وأما قولك: (أقائم زيد) فيحتمل معنيين:
المعنى الأول أن تقصد أنك قدمت الخبر كما مر في قولنا (قائم زيد).
وأصل الكلام: (زيد قائم) فقدمنا الخبر لغرض من أغراض التقديم، كالتخصيص ونحوه وكما مر في قولنا (قائمان الزيدان) و (قائمون الزيدون) وكما قالوا: (تميمي أنا) ونحوها فهو من باب التقديم الذي سبق أن شرحناه.
ويحتمل أن يكون نحو قولنا (أقائم الزيدان) أي ليس من باب تقديم الخبر على المبتدأ وإنما هو تعبير أشبه بالتعبير الفعلي فهو يشبه: قام زيد ويقوم زيد إلا إنه عدل به من الفعلي إلى الاسم للدلالة على الثبوت فإن أريد به هذا القصد وجب عند الجمهور سبقه بنفي أو استفهام، وأن أريد به التقديم لم يشترط ذلك وإنما يصح أن تقول: (قائم زيد). جاء في (كتاب سيبويه): "وزعم الخليل أنه يستقبح أن يقول: (قائم زيد)، وذلك إذا لم تجعل قائمًا مقدمًا مبنيًا على المبتدأ كما تؤخر وتقدم فتقول: ضرب زيدًا عمرو وعمرو على ضرب مرتفع. وكان الحد أن يكون مقدمًا ويكون زيدٌ مؤخرا وكذلك هذا الحد فيه أن يكون الابتداء فيه مقدمًا وهذا عربي جيد وذلك قولك: تميمي أنا ومشموء من يشنؤك ورجل عبد الله وخز صفتك فإذا لم يريدوا هذا المعنى وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقوله (يقوم زيد) و (قام زيد) قبح لأنه اسم وإنما حسن عندهم أن يجري مجرى الفعل إذا كان صفة جرى على موصوف أو جرى على اسم قد عمل فيه" (١).
فهو - كما ترى - يقول أن هذا التعبير يحتمل معنيين أن يكون (قائم) مقدمًا مبنيًا على المبتدأ أي خبرًا مقدمًا فيكون هذا عربيًا جيدًا كقولك: تميمي أنا، ومشنوء من يشنؤك ورجل عبد الله.
فإن لم يريدوا هذا وأرادوا أن يجعلوه فعلا كقوله: يقوم زيد وقام زيد قبح إلا بأن يتقدمه نفي أو استفهام أو أي مسوغ آخر.
стр. 167
تعريف المبتدأ والخبر
الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة كما إنّ الأصل في الخبر أنْ يكون نكرة نحو: سعيد قائم ولكنهما قد يجيئان معرفتين نحو سعيدٌ القائم، والقائم سعيد، وإبراهيم أخوك، وأخوك إبراهيم، فأيّ منهما هو المبتدأ وما دلالة التعريف؟
١ - اختلف النحاة في المعرفتين أيّهما المبتدأ وأيهما الخبر فقد جاء في (المغنى): "يجب الحكم بابتدائية المقدم من الأسمين في ثلاث مسائل:
أحدها أن يكونا معرفتين تساوت رتبتهما نحو: " الله ربنا" أو اختلف نحو: "زيد الفاضل" و "الفاضل زيد" هذا هو المشهور، وقيل يجوز تقدير كل منهما مبتدأ وخبرًا مطلقا وقيل: المشتق خبر، وأن تقدم نحو: القائم زيد والتحقيق أن المبتدأ ما كان أعرف كزيد في المثال أو كان هو المعلوم عند المخاطب كأن يقول: من القائم؟ فتقول: زيدٌ القائم. فإن علمهما وجهل النسبة فالمقدم المبتدأ" (١).
وجاء في (المفصل): "وقد يقع المبتدأ والخبر معرفتين معًا كقولك: (زيد المنطلق) و (الله إلهنا) و (محمد نبينا) ولا يجوز تقديم الخبر هنا بل أيهما قدمت فهو المبتدأ" (٢).
والتحقيق أن المبتدأ ما كان معلومًا عند المخاطب والمجهول هو الخبر. فتأتي بالأر الذي يعلمه المخاطب فتجعله مبتدأ ثم تأتي بالمجهول عنده فتجعله خبرًا عن المبتدأ. وذلك نحو أن يعرف المخاطب زيدًا ولكنه يجهل أنه أخوك وأردت أن تعرفه بأنه أخوك قلت له (زيدٌ أخي). وإذا عرف أن لك أخا، وعرف زيدًا ولكنه يجهل إنه أخوك، وأردت أن تعلمه بأن أخاك هو زيد قلت له: (أخي زيد) فكأن الأولى جواب عن سؤال: من زيد؟ والثاني جواب عن سؤال: مَنْ أخوك؟ ونحو هذا قولك (زيد القائم) و (القائم زيد)
стр. 168
فإذا رأى شخص ما رجلاً قائمًا ولكنه يجهل أنه زيد وهو يعرف زيدًا في الأصل، فأردت أن تعرفه بأن القائم هو زيد قلت له: (القائم زيد)، وإذا كان لايعرف زيدًا في الأصل فأردت أن تعرفه له بأنه هو القائم قلت له: (زيد القائم).
جاء في (الإيضاح): "قد يكون للشيء صفتان من صفات التعريف ويكون السامع عالمًا باتصافه بأحدهما دون الأخرى فإذا أردت أن تخبره بأنه متصف بالأخرى، تعمد إلى اللفظ الدال على الأولى وتجعله مبتدأ وتعمد إلى اللفظ الدال على الثانية، وتجعله خبرًا فتفيد السامع ما كان يجهله من اتصافه بالثانية كما إذا كان السامع أخ يسمى زيدًا وهو يعرفه بعينه واسمه، ولكن لا يعرف أنه أخوه وأردت أن تعرفه أنه أخوه فتقول له (زيد أخوك) سواء عرف أن له أخا ولم يعرف أن زيدًا أخوه أو لم يعرف أن له أخا أصلا. وأن عرف أن له أخًا في الجملة وأردت أن تعينه عنده قلت: أخوك زيد.
أما إذا لم يعرف أن له أخا أصلا، فلا يقال ذلك لامتناع الحكم بالتعيين على من لا يعرفه المخاطب أصلا فظهر الفرق بين قولنا (زيد أخوك) وقولنا (أخوك زيد).
وكذا إذا عرف السامع إنسانًا يسمى زيدًا بعينه واسمه، وعرف أنه كان من إنسان انطلاق ولم يعرف أنه كان من زيد أو غيره فأردت أن تعرفه أن زيدًا هو ذلك المنطلق فتقول (زيد المنطلق)، وإن أردت أن تعرفه أن ذلك المنطلق هو زيد، قلت (المنطلق زيد).
وكذا إذا عرف السامع إنسانًا يسمى زيدًا بعينه وهو يعرف معنى جنس المنطلق، وأردت أن تعرفه أن زيدًا متصف به فتقول: (زيد المنطلق)، وأن أردت أن تعين عنده جنس المنطلق قلت: (المنطلق زيد).
لا يقال: زيدٌ دال على الذات فهو متعين للابتداء تقدم أو تأخر، والمنطلق دال على أمر نسبي فهو متعين للخبرية تقدم أو تأخر، لأنا نقول (المنطلق) لا يجعل مبتدأ إلا بمعنى الشخص الذي له الإنطلاق، وأنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون خبرًا، و (زيد) لا يجعل خبرًا إلا بمعنى صاحب اسم (زيد) وأنه بهذا المعنى لا يجب أن يكون مبتدأ" (١).
стр. 169
وجاء في (شرح المختصر): "والضابط في التقديم إنّه إذا كان للشيء صفتان من صفات التعريف، وعرف السامع إتصافه بأحداهما دون الأخرى، فأيهما كان بحيث يعرف السامع اتصاف الذات به، وهو كالطالب بحسب زعمك أن تحكم عليه بالآخر فيجب أن تقدم اللفظ الدال عليه أن تحكم بثبوته للذات أو انتفائه عنه يجب أن تؤخر اللفظ الدال عليه وتجعله خبرًا. فإذا عرف السامع زيدًا بعينه واسمه، ولا يعرف اتصافه بأنه أخوه وأردت أن تعرفه ذاك قلت: زيد أخوك. وإذا عرف أخا ولا يعرفه على التعيين، وأردت أن تعينه عنده قلت (أخوك زيد) ولا يصح (زيد أخوك) ويظهر ذلك في نحو قولنا (رأيت أسودًا غابها الرماح)، ولا يصح: رماحها الغاب" (١)، لأن الأسود لابد لها من الغاب فيكون معلومًا (٢).
وجاء في (التصريح): "ويختلف المعنى باختلاف الغرض فإذا عرف السامع زيدًا بعينه ولا يعرف المخاطب اتصافه بأنه أخو المخاطب، وأردت أن تعرفه ذلك قلت: (زيد أخوك)، ولا يصح لك أن تقول: (أخوك زيد). وإذا عرف أخا له ولا يعرفه على التعيين باسمه وأردت أن تعينه عنده قلت: (أخوك زيد) ولا يصح لك أن تقول: زيد أخوك". (٣)
" ومن هنا اعتراض ابن الطراوة قول المتنبي:
ثياب كريم ما يصون حسانها ... إذا أنشرت كان الهبات صوانها
قال فذمه وهو يرى أنه مدحه، ألا يرى انه أثبت الصون ونفي الهبات كأنه قال: الذي يقوم لها مقام الهبات أن تصان، انتهى.
وإيضاحه أن الواجب في مثل هذا كون الخبر ما يراد إثباته ولهذا قال عبد الملك بن مروان: كان عقوبتك عزلك، ولو قال: كان عزلك عقوبتك كان معاقبًا لا مغرورًا (٤) ".
стр. 170
وذكر ابن الخباز إنّ الفرق بين قولنا زيد أخوك وأخوك زيد من وجهين: "أحدهما أن (زيد أخوك) تعريف للقرابة و (أخوك زيد) تعريف للاسم. والثاني أنّ (زيد أخوك) لا ينفي أن يكون له أخ غيره، لأنك أخبرت بالعام عن الخاص (وأخوك زيد) ينفي أن يكون له أخ غيره لأنك أخبرت بالخاص عن العام، وهذا ما يشير إليه الفقهاء في قولهم: زيد صديقي وصديقي زيد" (١).
فأنت ترى إن تقديم إحدى المعرفتين على الأخرى يتبعه اختلاف في المعنى فقولك (زيد المنطلق) يختلف عن معنى (المنطلق زيد) قال تعالى: ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ [طه: ٥٩]، ولم يقل: (يوم الزينة موعدكم) فإنه لما كان الغرض تحديد الموعد أخر عنه بأجل جعله لهم فإن هذا جواب عن قولهم: ﴿فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت﴾ [طه: ٥٨]، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن موعدهم الصبح﴾ [هود: ٨١]، فهو أخبار عن الموعد ايضا. ومنه قوله: ﴿قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون﴾ [الحجر: ٦٨]، فهو أخبار عن المشار إليهم ولو قال (إن ضيفي هؤلاء) لاختلف المعنى فكان الأولى جواب عن سؤال: من هؤلاء؟ والثاني جواب عن سؤال: من ضيفك؟ ونحوه قوله تعالى في أزواج النبي ﷺ ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾ [الأحزاب: ٦]، ولا يصح أن يقال: (وأمهاتهم أزواجه) كما لا يخفى. ونحوه قوله: ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ [يوسف: ٦٥]، وقوله: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ [الأنعام: ٢٥]، ولو عكس فقال (إن أساطير أولين إلا هذا) لتغير المعنى ونحو هذا قوله تعالى ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، ولو قال: هل الإحسان إلا جزاء الإحسان لتغير المعنى، ولو كان معنى التقديم والتأخير في غير الحصر واحدًا ما اختلف معناه في الحصر.
стр. 171
٢ - القصر الحقيقي: تقول (زيد منطلق)، وتقول (زيد المنطلق) فما الفرق بين التعبيرين؟
إن التعبير الأول يفيد ثبوت الإنطلاق لزيد من دون نفيه عن غيره، وأما التعبير الثاني فإنه يفيد قصر الإنطلاق على زيد دون غيره، وهذا حين يظن ظان أن المنطلق هو غير زيد كأن يظن أنه خالد أو سعيد، فقد عرف أن ثمة انطلاقا ولكنه كان يظن أن المنطلق غير زيد فقدمت زيدًا وقصرت الإنطلاق عليه دون غيره. جاء في (دلائل الإعجاز): "ومن فروق الإثبات أنك تقول: زيد منطلق، وزيد المنطلق، والمنطلق زيد، فيكون في كل واحد من هذه الأحوال غرض خاص، وفائدة لا تكون في الباقي وأنا أفسر لك ذلك:
اعلم أنك إذا قلت: (زيد منطلق) كان كلامك مع من لم يعلم أن إنطلاقا كان لا من زيد، ولا من عمرو، فأنت تفيده ذلك ابتداء، وإذا قلت: (زيد المنطلق) كان كلامك مع من عرف أن إنطلاقا كان، إما من زيد، وأما من عمرو، فأنت تعلمه أنه كان زيد دون غيره. والنكتة أنك تثبت في الأول الذي اهو قولك (زيد منطلق) فعلا لم يعلم السامع من أصله أنه كان، وتثبت في الثاني الذي هو (زيد المنطلق) فعلا قد علم السامع أنه كان، ولكنه لم يعلمه لزيد، فأفدته ذلك فقد وافق الأول في المعنى الذي كان له الخبر خبرا، وهو إثبات المعنى للشيء وليس يقدح في ذلك أنك كنت قد علمت إن إنطلاقا كان من أحد الرجلين لأنك إذا لم تصل إلى القطع على أنه كان من زيد دون عمرو، كان حالك في الحاجة إلى من كان يثبته لزيد كحالك إذا لم تعلم أنه كان من أصله.
وتمام التحقيق إن هذا كلام يكون معك، إذا كنت قد بلغت أنه كان من إنسان إنطلاق من موضع كذا، في وقت كذا، لغرض كذا فجوزت أن يكون ذلك كان من زيد، فإذا قيل لك (زيد المنطلق) صار الذي كان معلوًا على جهة الجواز، معلومًا على جهة الوجوب. ثم إنهم إذا أرادوا تأكيد هذا الوجوب أدخلوا الضمير المسمى فصلا، بين الجزءين فقالوا: زيد هو المنطلق" (١).
стр. 172
وجاء في نهاية الإيجاز: "إذا قلنا: زيد منطلق أفاد ثبوت الإنطلاق لزيد .. وإذاا قلت: زيد المنطلق أو زيد هو المنطلق فاللام في الخبر تفيد انحصار الخبر به في المخبر عنه، مع قطع النظر عن كونه مساويا أو إخص منه" (١).
وجاء في دلائل الإعجاز: "وأما قلونا: : (المنطلق زيد)، والفرق بينه وبين (زيد المنطلق)، فالقول في ذلك أنك وإن كنت ترى في الظاهر أنهما سواء من حيث كون الغرض في الحالين إثبات إنطلاق قد سبق المعلم به، لزيد فليس الأمر كذلك، بل بين اللكلامين فصل ظاهر.
وبيانه أنك إذا قلت: (زيد المنطلق)، فأنت في حديث إنطلاق قد كان، وعرف السامع كونه إلا إنه لا يعلم أمن زيد كان أم عمرو؟
فإذا قلت: (زيد المنطلق)، أزلت عنه الشك وجعلته يقطع بأنه كان من زيد، بعد أن كان يرى ذلك على سبيل الجواز، وليس كذلك إذا قدمت (المنطلق) فقلت: (المنطلق زيد) بل يكون المعنى حينئذ على رأيت إنسانًا ينطلق بالبعد منك، فلم يثبت ولم تعلم أزيد هو أم عمرو، فقال لك صاحبك: (المنطلق زيد)، أي هذا الشخص الذي تراه من بعد هو زيد" (٢).
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿إنك أنت الأعلى﴾ [طه: ٦٨]، جاء في (المثل السائر) في هذه الآية: "الأعلى: لام التعريف في قوله (الأعلى)، ولم يقل (أعلى)، ولا (عال)؛ لأنه لو قال ذلك لكان قد نكره وكان صالحا لك واحد من جنسه كقولك (رجل)، فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال. وإذا قلت (الرجل)، فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف وجعلته علمًا فيهم وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿إنك أنت الأعلى﴾. (٣) ".
стр. 173
ومما يدل على الاختصاص والقصر الحقيقي قوله تعالى: ﴿وأنا التواب الرحيم﴾ [البقرة: ١٦٠]، وقوله: ﴿وهو العلى العظيم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾، [آل عمران: ٦]، وقوله: ﴿هو الذي خلقكم من طين﴾ [الأنعام: ٢]، وقوله ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض﴾. [الأنعام: ٧٣]، وقوله: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقوله: ﴿هو الذي أيدك بنصره﴾ [الأنفال: ٦٢]، وقوله: ﴿ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون﴾ [المؤمنون: ١٠٣]، وقوله: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ [الحديد: ٣]، وقوله: ﴿والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة﴾ [البلد: ١٩]، وقوله: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩]، ونحوه كثير.
٣ - القصر مبالغة: وذلك كأن تقول: "زيد الشجاع"، و "سعيد الشاعر"، و (محمد الأديب)، فكأنك قصرت الشجاعة على زيد والشعر على سعيد، والأدب على محمد، كما فعلت في (زيد المنطلق) إلا إنا لفرق بينهما أن ذلك قصر حقيقي، وهذا قصر مبالغة وادعاء جاء في (الطراز): "أن تقصد المبالغة في الخبر فتقصر جنس المعنى على المخبر عنه كقولك: زيد هو الجواد، وعمرو هو الشجاع، تريد إنه هو المختص بالمعنى دون غيره وأنت إذا قصدت هذا المعنى فلا يجوز العطف عليه على جهة الاشتراك، فلا يجوز أن تقول: زيد هو الجواد، وعمرو لأنه يبطل المعنى، ومن هذا قوله تعالى ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقوله تعالى: ﴿أولئك هم المؤمنون حقًا﴾: [الأنفال: ٤] يريد إنهم المختصون بهاتين الصفتين دون غيرهم". (١)
وجاء في (دلائل الإعجاز): "أن تقصر جنس المعنى على المخبر عنه لقصدك المبالغة وذلك قولك: زيد هو الجواد وعمرو هو الشجاع تريد أنه الكامل إلا أنت تخرج الكلام في صورة توهم أن الجود أو الشجاعة لم توجد إلا فيه" (٢).
стр. 174
وجاء في (الإيضاح) أن المعرف بلام الجنس قد يفيد القصر تحقيقا "وأما مبالغة لكمال معناه في المحكوم عليه كقولك (عمرو الشجاع) أي الكامل في الشجاعة فتخرج الكلام في صورة توهم أن الشجاعة لم توجد إل فيه لعدم الاعتداد بشجاعة غيره لقصورها عن رتبة الكمال" (١).
ومن هذا النوع قوله تعالى: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [الرعد: ٥]، هذا صنف من أصحاب النار، وهناك أصناف أخرى غيرهم، ، ولكن لكون إنكار اليوم الآخر كبيرة جعل منكريه هم أصحاب النار وقصرها عليهم مبالغة ..
وقال تعالى: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون﴾ [النحل: ١٠٦ - ١٠٩]، فالغافلون كثيرون والذين طبع على قلوبهم من غير هؤلاء من غير أصناف والخاسرون غير هؤلاء كثير ولكن لعظم جرم هؤلاء حصرها عليهم مبالغة.
٤ - قصر جنس المعنى على المبتدأ على دعوى إنه لا يوجد إلا منه وذلك حين يكون مقيدًا بحال، أو وقت، وذلك كقولك: هو النصير إذا عز النصير، جاء في (دلائل الأعجاز).
" أن تقصر جنس المعنى الذي تفيده بالخبر على المخبر عنه لأعلى معني المبالغة .. بل على دعوى أنه لا يوجد إلا منه ولا يكون ذلك إلا إذا قيدت المعنى بشيء يخصصه ويجعله في حكم نوع برأسه وذلك كنحو أن يقيد بالحال والوقت كقولك:
стр. 175
هو الوفي حين لا تظن بنفس خيرًا" (١).
٥ - أن تورده على وجه اتضح أمره وعرف فتقول: (سعيد الجواد) لا على وجه القصر وإنما على وجه أنّ هذا شائع معروف بين الناس، لا يخفى على أحد كقوله تعالى في المنافقين: ﴿هم العدو فاحذرهم﴾ [المنافقون: ٤]، فهذا ليس من باب القصر الحقيقي وإلا فقد ذكر القرآن اليهود وقال فيهم: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وإنما أورده على وجهٍ أتضح أمره وعرف شأنه، أي هم المتضح أمرهم المنكشف سرهم في العداوة وربما دل على كمالهم في العداوة.
وعليه قول الخنساء:
إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا
"لم ترد أن ما عدا البكاء عليه فليس بحسن ولا جميل .. ولكنها أرادت أن تقره في جنس ما حسنه الحسن الظاهر الذي لا ينكره أحد، ولا يشك فيه شاك. ومثله قول حسان:
وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت خزوم ووالدك العبد
ولو قال ووالدك عبد لم يكن قد جعل حاله في العبودية حالة ظاهرة متعارفة" (٢).
٦ - أن تورده على وجه ثبت عند المخاطب وعلمه أووجه تعلمه به وذلك نحو قولك (هو الشاعر) تقول هذا لأعلى وجه من الأوجه المذكورة وإنما كأنك تقول له: هل عرفت الشاعر وخبرت حقيقته وتمثلته في نفسك؟ فهذا هو.
وهذا النوع على ضربين:
أ - الإعتماد على المعرفة السابقة والعلم بالشيء كما ذكرت من قولنا (هو الشاعر) جاء في (دلائل الإعجاز): "واعلم أن للخبر المعرف بالألف واللام معنى غير ما ذكرت لك .. وذلك قولك هو البطل المحامي وهو المتقي المرتجي، وأنت لا تقصد شيئًا
стр. 176
مما تقدم .. ولكنك ترد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي وهل حصلت معنى هذه الصفة، وكيف ينبغي أن يكون الرجل، حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علمًا وتصورته حق تصوره فعليك صاحبك واشدد بد يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك" (١).
وجاء في (الطراز): "أن تقصد به مقصد التعريف بحيقة عقلها المخاطب في ذهنه لا في الخارج، أو توهمت إنه لم يعرفها فتقول له تصور كذا فإذا تصورته في نفسك فتأمل فلانًا فإنه يحصل ما تصورته على الكمال، ويأتيك به تامًا ومثاله قولنا: هو الحامي لكل حقيقة، وهو المرتجى لكل ملمة، هو الدافع لكل كريهة، كأنك قلت: هل تعقل الحامي والمرتجي وتسمع بهما؟ فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته فاعلم أنه فلان" (٢).
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ [البقرة: ٢٥]، اعتمادًا على معرفتهم السابقة. وقوله: ﴿ما جئتم به السحر﴾ [يونس: ٨١]، وقوله: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ [يس: ٥٢]، وقوله: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٢]، فبعد أن عرفهم بالله وصفاته التي يجلونها قال لهم: ذلكم الله ربكم.
стр. 177
ومنه: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]، ونحوه: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠]، ومنه: ﴿إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور: ٦٢].
ومنه: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: ٦٣].
وهذا من باب التعريف بالكلام.
ومن التعريف في المقام قول امرأة العزيز للنسوة اللاتي لمنها في يوسف بعد أن أخرجته عليهن وقطعن أيديهن حين رأينه ﴿فذالكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ونحوه ﴿هذا الذي كنتم تستعجلون﴾ [الذاريات: ١٤]، وقوله: ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون﴾ [الطور: ١٤].
٧ - الدلالة على الكمال: وذلك كقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، أي الكتاب الكامل وكقوله تعالى: ﴿وهو الحكيم الخبير﴾ [الأنعام: ١٨]، أي الكامل فيهما وكقوله ﴿وهو الحي﴾ [غافر: ٦٥]، ونحوه قوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]، و ﴿هو السميع البصير﴾ [الإسراء: ١]، ليس معنى ذلك أنه لا يسمع أحد غيره، ولا يعلم أحد غيره، ولا يبصر أحد غيره، بل سبحانه وصف الإنسان بالسمع والبصر فقال: ﴿فجعلنه سمعيا بصيرا﴾ [الإنسان: ٢]، ووصفه بالعلم فقال: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]، بل معناه أن الله سبحانه هو الكامل في هذه الصفات. جاء في حاشية السيد الشريف الجرجاني على الكشاف: "أن الخبر المعرف بلام الجنس قد يقصده به تارة حصره على المبتدأ أما حقيقة أو ادعاء نحو (زيد الأمير)، إذا انحصرت الإمارة فيه أو كان كاملاً فيها كأنه قيل كل الأمير وجميع أفراده فيظهر الوجه في إفادة الجنس الحصر" (١)، وأحرى أن يدخل هذا الجنس في قصر المبالغة.
стр. 178
إعادة المبتدأ
قد يعاد المبتدأ بلفظه وأكثر ما يقع ذلك في مقام التهويل والتفخيم تقول: زيدٌ ما زيد؟ أي أيّ شيء هو تفخيمًا له وتعظيمًا، قال تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، وقال: ﴿القارعة ما القارعة﴾ [القارعة: ١ - ٢]، تفخيمًا لأمرها وتهويلاً، وقال: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال﴾ [الواقعة: ٤١]، تعظيمًا وتهويلا لأمرهم.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأما وضع الظاهر مقام الضمير فإن كان في معرض التفخيم جاز قياسًا كقوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ أي ما هي؟ وإن لم يكن فعند سيبويه يجوز في الشعر بشرط أن يكون بلفظ الأول قال:
لعمرك ما معن بتارك حقه ... ولا منسيء معن ولا متيسر
بجر (منسئ) فإذا رفعته فهو خبر مقدم على المبتدأ" (١).
وجاء في (الخصائص): "إنما يعاد لفظ الأول في مواضع التعظيم والتفخيم" (٢).
وجاء فيه: "وأما قول ذي الرمة:
ولا الخُرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا
فيجوز أن تكون (هي)، الثانية فيه إعادة للفظ الأول كقوله ﴿القارعة ما القارعة﴾ وهو الوجه.
стр. 179
ويجوز أن تكون (هي)، الثانية ضمير هي الأولى، كقولك: هي مررت بها، وإنما كان الوجه الأول لأنه إنّما يعاد لفظ الأول في مواضع التعظيم والتفخيم وهذا من مظانه" (١).
وجاء في (الكشاف) في قولنا: زيد ما زيد: "جعلته لانقطاع قرينه، وعدم نظيره، كأنه شيء خفي عليك جنسه فأنت تسأل عن جنسه، وتفحص عن جوهره كما تقول: ما القول وما العنقاء؟ تريد أي شيء هو من الأشياء؟ هذا أصله ثم جرد للعبارة عن التفخيم" (٢).
وجاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، " والأصل الحاقة ما هي؟ أي، أي شيء هي؟ تفخيمًا لشأنها، وتعظيمًا لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر، لأنه أهول لها ومثله قوله: ﴿القارعة ما القارعة﴾. (٣)
وقد يكرر المبتدأ لقصد الدلالة على الشهرة، أو عدم التغير تقول: (زيدٌ زيد) أي هو على ما تعهد أي لم يتغير عن حاله الأولى، رفعة أو ضعة، ودناءة قال تعالى: ﴿والسابقون السابقون﴾ [الواقعة: ١٠]، جا في (الكشاف): " يريد والسابقون من عرفت حالهم، وبلغك وصفهم كقولهم: وعبد الله عبد الله. وقول أبي النجم: وشعري شعري.
كأنه قال: وشعري ما انتهي إليك، وسمعت بفصاحته وبراعته" (٤)
قال سيبويه: "وتقول: (قد جربتك فوجدتك أنت أنت) فأنت الأولى مبتدأ والثانية مبنية عليها، كأنك قلت: (فوجدتك وجهك طليق)، والمعنى أنك أردت أن تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف. ومثل ذلك (أنت أنت) و (أن فعلت هذا فأنت أنت) أي فأنت الذي أعرف أو أنت الجواد والجلد كما تقول (الناس الناس)، أي الناس بكل مكان، وعلى كل حال كما تعرف (٥) ".
стр. 180
قال ابن يعيش: "وأما قولهم: (أنت أنت)، فظاهر اللفظ فاسد، لأنه قد أخبر بما هو معلوم، وأنه قد اتحد الخبر والمخبر عنه لفظًا، ومعنى، وحكم الخبر أن يكون فيه من الفائدة ما ليس في المبتدأ. وإنما جاز ههنا، لأن المراد من التكرير بقوله (أنت أنت) أي أنت على ما عرفته من الوتيرة، والمنزلة لم تتغير. ومعنى تكرير الاسم بمنزلة أنت على ما عرفته. وهذا معنى يتضمن ما ليس في الجزء الأول، وعليه قول أبي النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري
معناه وشعري، شعري المعروف الموصوف كما بلغت وعرفت وهذا قياس الباب" (١).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " الذي لا يغاير المبتدأ لفظًا يذكر للدلالة على الشهرة أو عدم التغير كقوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي هو المشهور المعروف بنفسه، لا بشيء آخر كما يقال مثلا: شعري مليح، وتقول: (أنا أنا) أي ما تغيرت عما كنت قال:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وانكرت الوجوه هم هم" (٢).
وجاء في (المثل السائر) في قول أبي تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار
" فقوله (لا أنت أنت ولا الديار ديار) من المليح النادر في هذا الموضع، لأنه هو هو والديار ديار، وإنما البواعث التي كانت تبعث على قضاء الأوطار زالت، فبقي ذلك الرجل وليس هو هو على الحقيقة، ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار، وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي: