← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

كلامهم وحركوها تحريكه وجعلوها لغات مختلفة، كما مر من لغات (أ) و (اوه) (١). التنوين الداخل عليها: ذهب الجمهور إلى أن التنوين الداخل عليها، تنوين تنكير، فما نون منها نكرة، وما لم ينون معرفة. جاء في (الكتاب): " وزعم الخليل أن الذين يقولون غاق غاقِ، وعاء وحاءِ، فلا ينونون فيها ولا في أشبهاهها، أنها معرفة وكأنك قلت في عاءِ وحاءِ الاتباع، وكأنه قال الغراب هذا النحو، وأن الذين قالوا عاءٍ وحاءٍ جعلوها نكرة (٢). وجاء في (شرح ابن يعيش): " وكذلك إذا قلت في حكاية صوت الغراب (غاق غاق) إذا نونت كان نكرة، ومعناه بعدًا بعدًا، أو فراقا فراقا لأن صوت الغراب يؤذن بالفراق عندهم، ولذلك سموه غراب البين، وكأنهم فهموا ذلك من لفظه، إذ كان الغراب من الغربة والاغتراب، وإذ أريد به المعرفة ترك منه التنوين نحو غاق وغاق (٣). وقال الرضي أن التنوين الداخل عليها تنوين الحاق ومقابلة، قال في شرحه على الكافية: " والتنوين فيما دخلته تنوين الحاق ومقابلة، كما قيل في تنوين (مسلمات) وليس ما قاله بعضهم من أن تنوين غاق للتنكير بشيء إذ لا معنى للتعريف والتنكير فيه (٤). ولعل التنوين الداخل عليها للوصل، فإذا وقف قطع نحو قولك غاق غاق وعاء وحاء والله أعلم.

стр. 1157

الأساليب

стр. 1158

الشرط معنى الشرط أن يقع الشيء لوقوع غيره (١). أي أن يتوقف الثاني على الأول (٢). فإذا وقع الأول وقع الثاني، وذلك نحو: (إن زرتني أكرمك) فالاكرام متوقف على الزيارة، ونحو قوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]. هذا هو الأصل، وقد يخرج الشرط عن ذلك فلا يكون الثاني مسببا عن الأول، ولا متوقفًا عليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ [الأعراف: ١٧٦]، فلهث الكلب ليس متوقفًا على الحمل عليه، أو تركه، فهو يلهث على كل حال، وإنما ذكر صفته فقط، ونحو قوله: ﴿فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [آل عمران: ٣٢]، والله لا يحب الكافرين سواء تولوا أم آمنوا، فليس الثاني مشروطا بالأول ولا مسببا عنه، ونحو قوله تعالى: ﴿فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرا﴾ [النساء: ١٩]، وقوله: ﴿قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله﴾ [يونس: ١٠٤]، فهو لا يعبد غير الله سواء شكوا أم آمنوا، وقوله: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل﴾ [النحل: ٣٧]، وقوله: ﴿إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾ [فاطر: ١٤]، فهم لا يسمعون الدعاء سواء دعوهم أم لم يدعوهم، وقوله: ﴿فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين﴾ [فصلت: ٢٤]، والنار مثواهم صبروا أم لم يصبروا، وقوله: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك﴾ [البقرة: ٩٧]، وهو قد أنزله على قلبه سواء عادوه أم والوه، وقوله: ﴿وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما﴾ [النساء: ١٢٧]. وهو عليم بالأفعال خيرًا أو شرًا.

стр. 1159

فليس الشرط على هذا، من باب السبب والمسبب دومًا، وإنما الأصل فيه أن يكون ذلك. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " قد لا يكون مضمون الشرط والجزاء متعقبا لمضمون الشرط، بل يكون مقارنا له في الزمان نحو: (إن كان هناك نار كان احتراق) و (إن كان احتراق فهناك نار) و (إن كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق) لكن التعقب المذكور هو الأغلب" (١). وجاء في (حاشية الصبان): " الجزاء قسمان: أحدهما: أن يكون مضمونه مسببا عن مضمون الشرط، نحو (إن جئتني أكرمتك). والثاني: أن لا يكون مضمون الجزاء مسببا عن مضمون الشرط، وإنما يكون الإخبار به مسببا نحو (إن تكرمني فقد أكرمتك أمس) والمعنى إن اعتددت علي بإكرامك إياي، فأنا أيضا أعتد عليك بإكرامي إياك (٢). وجاء في (البرهان): " وققال صاحب المستوفي: اعلم أن المجازاة لا يجب فيها أن يكون الجزاء موقوفا على الشرط أبدًا، ولا أن يكون الشرط موقوفا على الجزاء أبدًا بحيث يمكن وجوده، ولا أن تكون نسبة الشرط دائما إلى الجزاء نسبة السبب إلى المسبب، بل الواجب فيها أن يكون الشرط بحيث إذ فرض حاصلا لزم مع حصوله حصول الجزاء، سواء كان الجزاء قد يقع لا من جهة وقوع الشرط كقول الطبيب (من استحم بالماء البارد احتقنت الحرارة باطن جسده) لأن احتقان الحرارة قد يكون لا عن ذلك، أو لم يكن كذلك كقولك: (إن كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا). وسواء كان الشرط ممكنا في نفسه، كالأمثلة السابقة، أو مستحيلا كما في قوله تعالى ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١].

стр. 1160

وسواء كان الشرط سببًا في الجزاء ووصلته إليه، كقوله تعالى: ﴿وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم﴾ [محمد: ٣٦] أو كان الأمر بالعكس، كقوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسن فمن الله﴾ [النساء: ٧٩]، أو كان لا هذا ولا ذاك، فلا يقع إلا مجرد الدلالة على اقتران أحدهما بالآخر، كقوله تعالى: ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدًا﴾ [الكهف: ٥٧]، إذ لا يجوز أن تكون الدعوة سببا للضلال ومفضية إليه، ولا أن يكون الضلال مفضيا إلى الدعوة (١). فاتضح بهذا أن الشرط والجواب، ليسا دائمًا بمنزلة السبب والمسبب ولا ارتباطهما بهذه المنزلة دومًا. فعل الشرط يقع فعل الشرط ماضيا ومضارعًا، نحو قوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد﴾ [إبراهيم: ١٩]، وقوله: ﴿وإن عدتم عدنا﴾ [الإسراء: ٨]. قالوا والماضي يفيد الاستقبال في الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١]، ونحو: (إن زرتني أكرمتك) والمقصود أن تزرني. ومن المعلوم أن الفعل الماضي يخرج إلى الاستقبال في غير باب الشرط، كما أسلفنا في باب الفعل كما يخرج المضارع إلى المضي، فإنه قد يؤتى بالماضي مرادا به الاستقبال وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]، وقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ [الزمر: ٧٣]. وقد يؤتى بالفعل المضارع مرادا به المضي، نحو قوله: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت﴾ [فاطر: ٩]، وقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ [البقرة: ١٠٢] أي ما تلت.

стр. 1161

ومن المعلوم أن الفعل المضارع المسبوق بـ (لم) و (لما) يفيد المضي، فخروج الفعل من باب إلى باب آخر غير منكور في اللغة. وهو في الشرط كذلك فإن الماضي في الشرط يفيد الاستقبال كثيرا واستعمال الفعل الماضي في الشرط للدلالة على المستقبل، ليس مختصا بالعربية وحدها بل هو كثير في اللغات السامية أيضا، كالاكدية، والعبرية والحبشية، وأكثر اللغات السامية تستعمل الماضي في الشرط والحاضر أو المستقبل في الجزاء (١). غير أن العربية تستعمل الماضي والمضارع للشرط والجواب. وقد ذهب النحاة إلى أن القصد من مجئ الشرط ماضيا، وإن كان معناه الاستقبال، هو إنزال غير المتيقن منزلة المتيقن، وغير الواقع منزلة الواقع وهذا ما فسروا به التعبير عن الأحداث المستقبلة بأفعال ماضية، في غير الشرط أيضا، نحو قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور﴾ وقوله: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا﴾ [الكهف: ٤٧]، قالوا جيء بهذه الأفعال على صيغة الماضي، وإن كانت مستقبلة للدلالة على أنها متيقنة الحصول، وأنها بمنزلة الفعل الماضي في التحقق. فهو تفسير عام للتعبير عن الأحداث المستقبلة بأفعال ماضية. جاء في (الخصائص): " وكذلك قولهم (إن قمت قمت) فيجيء بلفظ الماضي والمعنى معنى المضارع وذلك أنه أراد الاحتياط للمعنى، فجاء بمعنى المضارع المشكوك في وقوعه بلفظ الماضي المقطوع بكونه، حتى كأن هذا قد وقع واستقر، لا أنه متوقع مترقب، وهذا تفسير أبي علي عن أبي بكر وما أحسنه (٢). قالوا وقد يكون ذلك لأسباب أخرى، كالتفاؤل أو لاظهار الرغبة في وقوعه نحو (إن ظفرت بحسن العاقبة فهو المرام) فإن الطالب إذا تبالغت رغبته في حصول أمر يكثر تصوره إياه فربما يخيل إليه حاصلا (٣).

стр. 1162

أو يكون للتعريض " بأن يخاطب واحدا ومراده غيره، كقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] (١). وذهب الدكتور مصطفى جواد إلى أن الفعل إذا كثر عبر عنه بالمضي، بخلاف ما لم يكثر، قال: " إن الفعل المعبر عنه بلفظ الشرط إذا كثر حدوثه استعمل الماضي، وإذا قل حدوثه استعمل المضارع، فالماضي أولي بالكثير لأنه كالحادث، والمضارع أولى بالقليل لأنه لم يحدث، فهما متشابهان، تقول (من صبر ظفر) و (من سار وصل)، و (من جد وجد) و (من يكذب منكم يعاقب) و (من يفعل كذا وكذا أكافئه مكافأة حسنة) و (من يخالف منهم يطرد) و (إن تكن وزيرا تكن كبيرا) ورغبة القائل كالكثرة (٢). ويبدو أن استعمال الشرط بصيغة الماضي أو المضارع قد يكون لغير ذلك. ١ - فإن التعبير بالفعل الماضي قد يفيد افتراض حصول الحدث مرة، في حين أن المضاعر قد يفيد افتراض تكرر الحدث وتجدده، قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، فجاء بالفعل المضارع وذلك لأن هذه الأحداث تتكرر وتتجدد. وقال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فجاء بالفعل الماضي، وذلك لأن الطلاق لا يتكرر تكرر الصدقات، وقال: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء﴾ [البقرة: ٢٣٦]. ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن﴾ [البقرة: ٢٣٧]، لما ذكرت. وقال تعالى: ﴿ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد﴾ [لقمان: ١٢]، فجاء بـ (يشكر) بصيغة المضارع و (كفر) بصيغة المضي، وذلك لأن الشكر

стр. 1163

يتجدد ويكثر، وليس كذلك الكفر، فإن الكفر يحصل ابتداء ويبقى صاحبه عليه إلا إذا شاء الله، فالشكر عمل يومي متجدد بخلاف الكفر الذي هو الاعتقاد. جاء في (تفسير الرازي) في هذه الآية: " قال في الشكر (ومن يشكر) بصيغة المستقبل وفي الكفران (ومن كفر فإن الله غني) وإن كان الشرط يجعل الماضي والمستقبل في معنى واحد كقول القائل: من دخل داري فهو حر، ومن يدخل داري فهو حر، فنقول فيه إشارة إلى أمر هو أن الشكر ينبغي أن يتكرر في كل وقت لتكرر النعمة، فمن شكر ينبغي أن يكرر، والكفر ينبغي أن ينقطع، فمن كفر ينبغي أن يترك الكفران، ولأن الشكر من الشاكر لا يقع بكماله، بل ابدا يكون منه شيء في العدم يريد الشاكر ادخاله في الوجود كما قال: ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك﴾ [النمل: ١٩]، وكما قال: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]، فأشار إليه يصيغة المستقبل تنبيها على أن الشكر بكماله لا يوجد وأما الكفران فكل جزء يقع منه تام قال بصيغة الماضي (١). وقال تعالى: ﴿وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه﴾ [البقرة: ٢٧٠]. وقال: ﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال: ﴿وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وقال: ﴿وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم﴾ [البقرة: ٢٧٣]. فإنه جاء في الاية الأولى بالفعل الماضي، (وما أنفقتم .. ). والآيات الأخرى بالمضارع، وذلك لأن الآية الأولى إخبار بأن ما فعلته أو نذرته فقد علمه الله، أي ما حصل منك فقد علمه الله. وقال: ﴿بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ١١٢].

стр. 1164

وقال: ﴿فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا﴾ [الجن: ١٤]. وقال: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾ [لقمان: ٢٢]. فقد جاء في الآيتين الأوليين بالفعل الماضي (أسلم) والأخيرة بالمضارع (يسلم) وذلك لأن (أسلم) في الآيتين الأوليين معناه الدخول في الإسلام، يدلك على ذلك في الاية الأولى موازنته باليهودية والنصرانية، قال تعالى قبل هذه الآية: ﴿وقالوا لن تدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم﴾ [البقرة: ١١١]، فرد عليهم الله بقوله [بلى من أسلم وجهه لله .. ] أي بلي من يدخل الجنة المسلم، وكذلك الآية الثانية. في حين أن قوله: ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله.﴾ معناه الخضوع والانقياد لله، وهو عمل يومي يفيد الاستمرار والتجدد، بخلاف الآيتين الأوليين اللتين معناهما الدخول في الإسلام. وقال تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة﴾ [النساء: ٩٢]، وقال: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها﴾ [النساء: ٩٣]. فجاء في القتل الخطأ بالفعل الماضي، لأنه خطأ لا يتكرر، وهو قليل بخلاف القتل العمد هو الاصرار على قتل المؤمن، فقد جاء به بصيغة المضارع الدالة على الاستمرار والتجدد لأنه يتكرر وقوعه. وقال تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال: ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الاخرة نؤتها منها﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وذلك لأن إراد الآخرة أمر واحد، فجاء بالفعل الماضي بخلاف (إرادة الثواب)، فإن إرادة الثواب تتجدد، لأن الثواب يتجدد بخلاف الآخرى فإنها واحدة، وهذا السر في إنه قال (ومن أراد الآخرة) بالفعل الماضي، لكنه قال (ومن يرد ثواب الآخرة) بالمضارع.

стр. 1165

وكذلك بالنسبة إلى الدنيا، فإرادة الثواب مستمرة متجددة، فكل عمل له ثواب. وقال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١]. وقال فيمن يفعل الزنى: ﴿فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: ١٦]. فجاء بالآيتين بالفعل الماضي، لأن المقصود بالتوبة هي التوبة العامة، فالتوبة الأولى معناها الدخول في الإسلام، والثانية معناها الإنخلاع عن الفاحشة. في حين قالك: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: ٤]، والكلام موجه إلى زوجي النبي ﷺ ، والمقصود بالتوبة هنا التوبة الجزئية العارضة التي يتكرر أمثالها من الوقع في اللمم والصغائر. وقال: (وإن تعودوا نعد) [الأنفال: ١٩]. وقال: ﴿وإن عدتم عدنا﴾ [الإسراء: ٨]. فجاء في الآية الأولى بالمضارع (تعودوا) وفي الآية الثانية بالماضي عدتم وذلك أن الآية الأولى نزلت بعد معركة بدر في كفار قريش، وهو تهديد للمشركين وإشعار للمؤمنين بأن المشركين سيكررون العودة إلى القتال وهو ما حصل، وأخبرهم بأن الله سيعود إلى نصر المؤمنين ومحق باطل الكافرين. وأما الأية ففي بني إسرائيل، وقد ذكر أنهم يفسدون في الأرض مرتين، فأخبر بأن لهم عودة بعد تلك المرة. فجاء بالمضارع للدلالة على الاستمرار والتجدد، بخلاف الثانية. وقال: ﴿يأيها الذين أمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].

стр. 1166

فجاء بالشرط ماضيا (فإن لم تفعلوا) و (إن تبتم) وذلك لأنه خروج عن الربا والخروج عنه يكون دفعة واحدة، في حين قال: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم﴾ [التوبة: ٣٩]، فجاء الشرط مضارعا ﴿إلا تنفروا﴾ وذلك لأنه في الجهاد هو ماض إلى يوم القيامة، يتكرر حصوله فجاء في الربا بالفعل الماضي ﴿فإن لم تفعلوا﴾ وذلك لأن لم والمضارع يفيدان المضي، وجاء في الجهاد بالفعل المضارع. ونحوه قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا اله واحد وإن لم تنهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ [المائدة: ٧٣]. وذلك لأن الانتهاء هنا دفعة واحدة لكنه قال في الجهاد والتناصر بين المؤمنين ﴿إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ [الأنفال: ٧٣]. فلما كان التناصر مستمرا متجددا، جعله بصيغة المضارع بخلاف ما قبله. وقال: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير﴾ [الأنفال: ٣٩]. وقال: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين﴾ [البقرة: ١٩٣]. فجاء بالفعل الماضي في الآيتين (فان انتهوا) وذلك لأن القصد هنا الانتهاء الكامل عن الحرب والدخول في الإسلام بدليل قوله ﴿حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله﴾ وذلك يكون بالانتهاء الكامل، والكف التام عن القتال، لكنه قال: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد﴾ [الأنفال: ١٩]. فقال (إن انتهوا) بخلاف الآيتين السابقتين وذلك لأن الانتهاء هنا ليس انتهاء عاما بل قد تتكرر الحروب بينهما بعد، كما حصل فعلا، فجاء بالمضارع للدلالة على التجدد، وهذه الآية نزلت بعد وقعة بدر.

стр. 1167

وقال: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني﴾ [الكهف: ٧٦]، لأنه سيحصل الفراق بعد سؤال واحد. وقال: ﴿إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم﴾ [محمد: ٣٧]. وهذا في سؤال الأموال وهو يتجدد بتجددها فجاء في المتجدد بالفعل المضارع، وفي غيره بالفعل الماضي، والله أعلم. ٢ - وقد يؤتى بالفعل الماضي مع الشرط للدلالة على وقوع الحدث جملة واحدة، وإن كان مستقبلا، ويؤتى بالمضارع لما كان يتقضي ويتصرم شيئا فشيئا، أي مستمرا وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى﴾ [البقرة: ١٩٦]، أي إذا حصل هذا ولذا عبر عنه بالماضي، بخلاف قوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وذلك أن المخالطة مستمرة متطاولة ليست كالاحصار فعبر عنها بالمضارع. ونحو قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي لا تؤاخذنا إذا حصل منا نسيان، أو خطأ، أي وقع. وقوله: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم﴾ [البقرة: ٢٣٩]ـ فإن معناه إذا وقع الخوف أو إذا حصل الأمن، بخلاف قوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ [الأنفال: ٥٨]، فإن فيه معنى الاستمرار والتحسب، بخلاف ما قبلها ونحو قوله تعالى: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ [الكهف: ١٧]. فالطلوع والغروب يقعان جملة واحدة، فعبر عنهما بالماضي، بخلاف قوله تعالى: ﴿والليل إذا يسر﴾ [الفجر: ٤]، فإنه يفيد الاستمرار والتطاول. ونحو قوله تعالى: ﴿ولا يسمع الصم الدعاء إذا ماينذرون﴾ [الأنبياء: ٤٥]، أي وإن تطاول عليهم الانذار وتكرر واستمر، بخلاف قوله تعالى: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [النمل: ٨٠]، أي إذا ادبروا عنك.

стр. 1168

وقال: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]، ولا يحسن في هذا (إن عددتم) وذلك لأن هذا الفعل لا يفرغ منه، لأن نعم الله كثيرة فجاء فيه بالفعل المضارع، لأنه متطاول. وقال: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥]، أي إذا صدر منهم هذا الأمر، ولا يحن (إذا يفعلون فاحشة) لأن فيه معنى الاستمرار وعدم الانتهاء بعد من الفاحشة، فيكون المعنى أنهم يذكرون الله حين يفعلون ذلك. فإن أردت انقضاء الحدث وتمامه جئت بالفعل الماضي، وإن كان الحدث مستقبلا وإن لم تقصد ذلك جئت بالمضارع. ٣ - ويكثر التعبير بالفعل الماضي عن الحكم الثابت القائم على المشاهدة والتجربة الماضية، وهو ما يكون في الحكم ونحوها، نحو (من تهور ندم ومن حذر سلم) ونحو (من صبر ظفر)، ومن (رام العلا سهر الليالي) و (من خاف أدلج) بخلاف ما لم يكن كذلك نحو (من يعمل يأكل) فهذه قاعدة تضعها للمستقبل، فلا يحسن فيها (من عمل أكل). ويمكن رجع هذه إلى النقطة السابقة. ٤ - وقد يؤتى بالشرط ماضيا، للدلالة على الزمن الماضي، نحو (إن كنت ضربته فأخبرني) و (إن كنت عصيت ربك فتب) و (إن كنت رأيته قبل هذه المرة فلا شك في أنك ستعرفه الآن)، وهو أمر ينكره جمهور النحاة. هل يأتي الشرط للمضي: ذهب النحاة إلى أن الشرط يفيد الاستقبال، وإن كان فعله ماضيا، فإن هذه الأدوات تقلب الماضي إلى الاستقبال (١). وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإن قاتلوك فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿أفإين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ولا يفيد الشرط المضي، وما ورد من ذلك مؤول.

стр. 1169

والصواب أن الشرط قد يأتي للمضي، يدل على ذلك الاستعمال الفصيح بما لا يقبل التأويل. فقد يأتي الشرط للدلالة على المضي، وذلك إذا كان بلفظ (كان) بعدها فعل ماض، نحو قوله تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته﴾ [المائدة: ١١٦]. والمعنى أنك تعلم ذلك، إذا كان قد صدر منى، والنحاة يؤولون ذلك على أنه: إن ثبت إني كنت قلته، أو إن يثبت في المستقبل أني كنت قلته، في الماضي فأنا أعلم أنك علمته (١). وهو تأول بعيد، فكيف يقول لربه أن يثبت في المستقبل وهو في خطاب الله ، وهل الله جاهل ذلك وقت الخطاب، حتى يثبت له في المستقبل؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت﴾ [يوسف: ٢٧]، والنحاة يتأولون ذلك كما أسلفنا. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ثم أعلم أن (إنْ) يكون شرطها في الأغلب مستقبل المعنى فإن أردت معنى الماضي جعلت الشرط لفظ (كان)، كقوله تعالى: ﴿إن كنت قلته﴾ و (إن كان قميصه). ثم إن (كان) إذا كان شرطا، قد يكون بمعنى فرض الوقوع في الماضي، نحو: ﴿إن كنت قلته﴾ ﴿وإن كان قميصه﴾ وقد يكون متحقق الوقوع فيه نحو: زيد وإن كان غنيا إلا أنه بخيل (٢). وجاء في (بدائع الفوائد): " قال تعالى عن عيسى ﵊: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ وهو ماضي المعنى قطعا، لأن المسيح

стр. 1170

إما أن يكون صدر هذا الكلام منه بعد رفعه إلى السماء أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة، وعلى التقديرين فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي .. وليت شعري ما يصنعون بقول النبي ﷺ : (إن كنت الممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه) هل يقول عاقبل أن الشرط هنا مستقبل؟ وإنه لم يقصد أنه إن يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي، ولا قصد هذا المعنى، وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام: إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة (١). وهذا هو الحق، قال تعالى: ﴿وإن كان كبر عليك اعراضهم فإن استطعت ان تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية﴾ [الأنعام: ٥٥]. فهل المعنى: أن يثبت أنه كبر عليك إعراضهم؟ ونحوه قوله: ﴿ياقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيت اللهف فعلي الله توكلت﴾ [يونس: ٧١].فهل المعنى: أن يثبت في المستقبل أنه كان كبر عليكم مقامي؟ ونحوه قوله: ﴿وإن كان طائفة منكم أمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا﴾ [الأعراف: ٨٧]. ونحوه أن تقول لصاحبك: (إن كنت عاهدته على ذلك فافعل) وليس المقصود أن يثبت أنك عاهدته فافعل بل هو ماضي المعنى قطعا. وربما دل الشرط على المضي بغير (كان). جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقد يستعمل الماضي في الشرط متحقق الوقوع، وإن كان بغير لفظ (كان) لكنه قليل بالنسبة إلى (كان) كقوله:

стр. 1171

أتغضب إن أذنا أذينه حزتا ونحو قولك (أنت وإن أعطيت مالا بخيل) و (أنت وإن صرت أميرا لا أهابك) (١). وهذا هو الحق، وقد ورد ذلك في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قل إن افتريته فعلى إجرامي﴾ [هود: ٣٥]، وو ماضيا لمعنى، وقال: ﴿قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا﴾ [الأحقاف: ٨]، وقال: ﴿قالوا طائركم معكم أين ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون﴾ [يس: ١٩]، وهذا رد على أحاب القرية: ﴿إنا تطيرنا بكم﴾ بعد ان ذكروهم بالله، فهو ماضي المعنى. وقال: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وهذا في معركة أحد، وهو ماضي المعنى. وقال: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ماأحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩٢]، وهذه الآية نزلت بعد وقوع الحادثة وقال في فرعون: ﴿حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله الذي آمنت به بنو إسرائيل﴾ [يونس: ٩٠]. وقال: ﴿حتى إذا ركبنا في السفينة خرقها﴾ [الكهف: ٧١]. وقال: ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]، والآية نزلت بعد وقوع الحادثة. وقد أخرج بعض النحاة (إذا) المسبوقة بـ (حتى) من الشرطية (٢). والصواب أنها شرطية، بدليل اقتران جوابها بالفاء، قال تعالى: ﴿حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق﴾ [محمد: ٤].

стр. 1172

وقال: ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا﴾ [مريم: ٧٥]. وقال: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦]. ومما يدل على المضي مع غير (إن) و (إذا) من أدوات الشرط، قوله تعالى: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾ [آل عمران: ١٦٦.] وقوله تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ [سبأ: ٤٧]. وقوله: ﴿ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا من النار﴾ [ص: ٦١]. وقوله: ﴿ما قطتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله﴾ [الحشر: ٥]، بل قد يرد فعل الشرط دالا على المضي، وإن لم يكن فعلا ماضيا مع فعل الكون وغيره فمن ذلك أن يرد خبر (يكون) فعلا ماضيا وذلك نحو قوله: فإن تكن الأيام أحسن مرة ... إلى فقد عادت لهن ذنوب وقول الأبيرد بن المعذر الرياحي يرثي أخاه بريدا: فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد عذرتنا في صحابته العذر وقول حريث بن سلمة: إن تك درعي يوم صحراء كلية ... أصيبت فماذا كم علي بعار وقول امريء القيس: وإن تك قد ساءتك منى خليقة ... فسلي ثيابك من ثيابك تنسل فهذا كله يفيد المضي ولا شك. ومن وردوه دالا على المضي مع غير فعل الكون قول عمارة بن عقيل: فإن تصبح الأيام شيبن مفرقي ... وأذهبن أشجاعي وفللن من غربي.

стр. 1173

فيا رب يوم قد شربت بمشرب ... شفيت به غيم الصدى بارد عذب وقول العتبي يرثي نيه: فإن يهلك بني فليس شيء ... على شيء من الدنيا يدوم وقول ثابت بن قطنة يرثي يزيد بن المهلب. إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارا عليك ورب قتل عار وهذا كله يفيد المضي. فهل هناك دليل أوضح من ذلك على أن الشرط قد يأتي للمضي بـ (كان) وبغيرها بلفظ الماضي وغيره؟ دلالته على الحال: وقد يدل الشرط على الحال فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣]، وهذا افتراض لحالتهم آنذاك. ونحو قوله تعالى: ﴿قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله﴾ [يونس: ١٠٤]. وقوله: ﴿يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب﴾ [الحج: ٥]. وقوله: ﴿أريت الذي ينهى عبدا إذا صلى أريت إن كان على الهدى﴾ [العلق: ٩ - ١١]، ومما يفيد الحال كثيرا أسلوب الالهاب والتهييج، نحو قوله تعالى: ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٩٣]. وقوله: ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ١١١]. وقوله: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقوله: ﴿قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾ [آل عمران: ١١٨].

стр. 1174

مع ان ي أدوات الشرط إن تستعمل (إنْ) في المعاني المحتملة الوقوع والمشكوك في حصولها، والموهومة والنادرة (١). والمستحيلة وسائر الافتراضات الأخرى، فهي لتعليق أمر بغيره عمومًا. فمن المعاني المحتملة الوقوع، قوله تعالى: فإن قاتلوكم فاقتلوهم﴾ [البقرة: ١٩١]، وقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾. [المائدة: ٦]. ومن المعاني المشكوك في حصولها نحو قوله تعالى: ﴿ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ومن المعاني المفترضة التي لا وقوع لها في المشاهدة، قوله: ﴿قل أرءيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء﴾ [القصص: ٧١]، وقوله: ﴿وإن يروا كسفا من السماء ساقطًا يقولوا سحاب مركوم﴾ [الطور: ٤٤]. ومن المعاني المستحيلة قوله: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١]، وقوله: ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣]، ونحو قولنا: (إن استطعت فاخرج من ملك الله). جاء في (الكليات): " (إنْ) الشرطية تقتضي تعليق شيء، ولا تستلزم تحقق وقوعه ولا إمكانه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلا، كما في قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: ٨١]، وعادة كما في قوله تعالى: ﴿فإن استطعت ان تبتغي نفقا في الأرض﴾ [الأنعام: ٣٥] (٢).

стр. 1175

وجاء في (شرح ابن يعيش): " ولا تستعمل (إنْ) إلا في المعاني المحتملة المشكوك في كونها، ولذلك قبح (إن أحمر البسر كان كذا)، و (إن طلعت الشمس آتك)، إلا في اليوم المغيم (١). وربما ورد بعدها المتيقن قليلا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣] وقوله: ﴿أفأين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وهو ميت لا محالة. جاء في (شرح ابن يعيش): " وتقول من ذلك: (إن مت فاقضوا ديني) وإن كان موته كائنا لا محالة فهو من مواضع (إذا)، إلا أن زمانه لما لم يكن متعينا، جاء إستعمال (إن) فيه، قال تعالى: ﴿أفأين مات او قتل أنقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: ١٤٤] (٢). وجاء في (الطراز) في (إن) " لا تقع إلا في المواضع المحتملة المشكوك فيها، قال الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ [الأنفال: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك﴾ [فاطر: ٤]. فإن استعملت في مقام القطع، فأما أن يكون على جهة التجاهل، وأنت قاطع بذلك الأمر ولكنك ترى أنك جاهل به، وأما على أن المخاطب ليس قاطعا بالأمر، وإن كنت قاطعًا به، كقولك لمن يكذبك فما تقوله وتخبر به: (إن صدقت فقل لي ماذا تفعل؟ ) وأما لتنزيل المخاطب منزلة الجاهل، لعدم جريه على موجب العلم، وهذا كما يقول الأب لابن لا يقوم بحقه: (إن كنت أباك فاحفظ لي صنيعي فيك) (٣). وجاء في (مختصر المعاني) للتفتازاني: " وقد تستعمل (إن) في مقام الجزم بوقوع الشرط تجاهلا، كما إذا سئل العبد عن سيده هل هو في الدار، وهو يعلم أنه فيها فيقول:

стр. 1176

(إن كان فيها أخبرك) يتجاهل خوفا من السيد، أو لعدم جزم المخاطب، بوقوع الشرط فيجري الكلام على سنن اعتقاده، كقولك لمن يكذبك (إن صدقت فم اذا تفعل؟ ) مع علمك بأنك صادق. أو تنزيله، أي لتنزيل المخاطب العالم بوقوع الشرط منزلة الجاهل، لمخالفته مقتضي العلم، كقولك لمن يؤذي أباه: إن كان اباك فلا تؤذه. أو التوبيخ .. أو تغليب غير المتصف به، أي بالشرط على المتصف به، كما إذا كان القيام قطعي الحصول لزيد، غير قطعي لعمرو، فتقول: إن قمتما كان كذا (١). وجاء في (الإيضاح) للقزويني: " ومجيء قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾ [البقرة: ٢٣]، بـ (إن) يحتمل أن يكون للتوبيخ على الريبة لاشتمال المقام على ما يقلعها عن أصلها، ويحتمل أن يكون لتغليب غير المرتابين منهم، فإن كان فيهم من يعرف الحق وإنما ينكر عنادًا (٢). إذا الأصل في (إذا) أن تكون للمقطوع بحصوله، وللكثير الوقوع، فمن المقطوع بحصوله قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ [البقرة: ١٨٠]، فإن كل واحد منا سيحضره الموت، وقوله: ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٢٥]، وقوله: ﴿حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا﴾ [النساء: ٦]، وقوله: ﴿وإذاا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، فإن المحرم لا بد أن يتحلل، وقوله: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]، وقوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥]، فإنه لابد أن تنسلخ الأشهر الحرم، وقوله: ﴿وقالوا أءذا كنا عظما

стр. 1177

ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا﴾ [الإسراء: ٤٩]، وقوله: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال﴾ [الكهف: ١٧]، وقوله: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا﴾ [النور: ٥٩]، وقوله: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠]، فإن الصلاة لابد أن تنقضي. وأما ما يقع كثيرا، فنحو قوله تعالى: ﴿إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقوله: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦]. وقوله: ﴿وإذا قريء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وقوله: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما﴾ [يونس: ١٢] , والنحاة يفرقون بين إن وإذا بما ذكرنا فيقولون إن الأصل في (إنْ) أن تستعمل للمشكوك فيه و (إذا) للمقطوع بوجوده. وذكر سيبويه أن (ذا) تاجيء وقتا معلومًا، ألا ترى أنك لو قلت: آتيك إذا احمر البسر كان حسنا، ولو قلت: (آتيك إن احمر البسر) كان قبيحا، فـ (إن) أبدا مبهمة، وكذلك حروف الجزاء (١). وجاء في (المقتضب): " وإنما مع (إذا) من أن يجازي بها (٢). لأنها مؤقتة وحروف الجزاء مبهمة، ألا ترى أنك إذا قلت: (إن تأتني آتك) فأنت لا تدري أيقع منه إتيان، أم لا؟ وكذلك: من أتاني أتيته، إنما معناه، أن يأتني واحد من الناس، آته. فإذا قلتك (إذا اتيتني .. ) وجب أن يكون الاتيان معلوما ألا ترى إلى قوله الله : ﴿إذا السماء انقطرت﴾ [الانفطار: ١]، و (إذا الشمس كورت) [التكوير: ١]، و ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الإنشقاق: ١]، إن هذا واقع لا محالة؟

стр. 1178

ولا يجوز أن يكون في موضع هذا (إنْ) لأن الله يعلم، و (إنْ) إنما مخرجها الظن والتوقع فيما يخبر به المخبر، لويس هذا مثل قوله: ﴿إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]، لأن هذا راجع إليهم. وتقول: (آتيك إذا احمر البسر) ولو قلت (آتيك إن احمر البسر) كان محالا، لأنه واقع لا محالة (١). وجاء في (الاتقان): " تختص (إذا) بدخولها على المتيقن، والمظنون، والكثير الوقوع، بخلاف (إنْ) فإنها تستعمل في المشكوك والموهوم والنادر، ولهذا قال تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦]، ثم قال: ﴿وإن كنتم جنبا فاطهروا﴾ [المائدة: ٦]، فأتى بـ (إذا) في الوضوء، لتكرره وكثرة أسبابه، وبـ (إنْ) في الجنابة لندرة وقوعها بالنسبة إلى الحدث. وقال تعالى: ﴿فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه، وإن تصبهم سيئة يطيروا﴾ [الأعراف: ١٣١]، ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها، وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ [الروم: ٣٦]، أتى في جانب الحسنة بـ (إذا) لأن نعم الله على العباد كثيرة ومقطوع بها، و (إنْ) في جانب السيئة لأنها نادرة الوقوع، ومشكوك فيها (٢). وجاء في (شرح ابن يعيش): " وحق ما يجازي به أن لا تدري أيكون أم لايكون، فعلى هذا تقول: (إذا احمر البسر فائتني). وقبح: (إن احمر البسر)، لأن احمرار البسر كائن، وتقول: (إذا أقام الله القيامة عذب الكفار)، ولا يحس: (إن أقام الله القيامة، لأنه يجعل ما أخبر الله تعالى بوجوده مشكوكا فيه) (٣).

стр. 1179

وجاء في (الإيضاح) للقزويني: " أما (إنْ) و (إذا) فهما للشرط في الاستقبال، لكنهما يفترقان في شيء وهو أن الأصل في (إن) أن لا يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه، كما تقول لصاحبك (إن تكرمني أكرمك) وأن لا تقطع بأنه يكرمك. والأصل في (إذا) أن يكون الشرط فيها مقطوعا بوقوعه، كما تقول (إذا زالت الشمس آتيك) ولذلك كان الحكم النادر موقعا لـ (إن) لأن النادر غير مقطوع به في غالب الأمر (١). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي في قوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض﴾ [الزلزلة: ١]. " قالوا كلمة (إن) في المجوز، و (إذا) في المقطوع به، تقول: (إن دخلت الدار فأنت طالق) لأن الدخول يجوز، أما إذا أردت التعليق بما يوجد قطعا لا تقول (إنْ) بل تقول (إذا) نحو: إذا جاء غد فأنت طالق، لأنه يوجد لا محالة، هذا هو الأصل، فإن استعمل على خلافه فمجاز، فلما كان الزلزال مقطوعا به قال (إذا زلزلت) (٢). وجاء في (الطراز) إن (إنْ) إنما يكن ورودها في الأمور المحتملة المشكوك في وقوعها، كقوله: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أغرض عنهم﴾ [المائدة: ٤٢]. وأما (إذا) فإنما تستعمل في الأمور المحققة، كقوله تعالى: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ وقوله: ﴿إذا الشمش كورت﴾ .. فهذه الأمور كلها محققة، فلهذا حسن دخول (إذا) فيها (٣). وقال الدكتور علي فودة: " أن (إذا) تستعمل في معظم الحالات لمعنى غير المعنى الذي تستعمل له (إن)، أنها تستعمل في الأمور المتيقنة، أو التي يكثر وقوعها على حين تستعمل (إنْ) فيما يحتمل الوقوع وعدمه، أو في الذي يحدث قليلا، وخير ما يؤيد ذلك

стр. 1180

هو الآيات التي اجتمعت فيها (إنْ) و (إذا) معا، فقد اجتمعتا في آيات يدرك القاريء لها بحسه وضوح هذه الحقيقة في أكثرها (١). وما ذكره النحاة صحيح على وجه العموم، فإن (إذا) تستعمل للمقطوع بحصوله والكثير الوقوع بخلاف (إنْ) التي أصلها الشك والابهام أو ما هو أقل مما يستعمل بـ (إذا) ويبدو ذلك واضحا في استعمال القرآن الكريم، ولا سيما الآيات التي اجتمعت فيها (إن) و (إذا) معا، كما ذكر الدكتور علي، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي .. فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦] وذلك لأن الاحصار طاري عارض، والأمن هو الأصل فجاء فيما هو الأصل بـ (إذا)، بخلاف ما هو عارض طاريء. وقال في الحفاظ على الصلاة: ﴿فإذا خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم﴾ [البقرة: ٢٣٩]، فجاء في حالة الخوف بـ (إن) وهي حالة طارئة، بخلاف حالة الأمن، فإنه جاء فيها بـ (إذا) وهي نظيرة الآية السابقة. وقال: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾ [النساء: ١٠١]، فجاء بـ (إذا) في الضرب في الأرض وهو السفر، لأنه كثير بخلاف الفتنة فإنها قليلة. وقال: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ [التوبة: ٥]، فإن انسلاخ الأشهر الحرم محتوم، فجاء فيه بـ (إذا) بخلاف التوبة، فإنها مشكوك فيها فجاء فيها بـ (إنْ). وقال: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت

стр. 1181

به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠]. فجاء في ذلك بـ (إنْ) لأنه أندر حالات الطلاق، وهو الطلاق الثالث، ثم زواج المطلقة من شخص آخر ثم طلاقها منه، وقال بعد هذه الآية: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن﴾ [البقرة: ٢٣١]. وقال: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن﴾ [البقرة: ٢٣٢]. فإن هاتين الحالتين هما حالتا الطلاق العادي، بخلاف الحالتين الأوليين. وقال: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد﴾ [الرعد: ٥]، فإن صيرورتهم ترابا أمر محتوم، بخلاف العجب، فإن الأمور التي تستدعي العجب نادرة على العموم. وقال: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف﴾ [البقرة: ١٨٠]، فجاء في حضور الموت بـ (إذا) لأنه واقع ولابد، وأما ترك الخير وهو المال فهو أقل فجاء معه بـ (إن). وقال: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه .. وليملل الذي عليه الحق .. فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فإن حالات الاستدانة أكثر من الحالة التي بعدها، وهي أن يكون المدين سفيها أو ضعيف العقل. وقال: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾ [النساء: ٢٥]، وهذا في الإماء، فإن كل أمة أو غير أمة تبلغ الإحصان، أي البلوغ، فجاء فيه باذا لأنه مقطوع بحصوله، أما إتيان الفاحشة فهو قليل فجاء فيه بـ (إن). يدلك على ذلك أيضا أن (إذا) على كثرة استعمالها في القرآن الكريم - فقد وردت في أكثر من ثلاثمائة وستين موضعا - لم ترد في موضع واحد غير محتمل الوقوع، بل هي كلها إما مقطوع بوقوعها، أو كثير الوقوع بخلاف (إنْ).

стр. 1182

قالوا ولما كانت (إذا) تفيد الجزم بالوقوع، غلب معها لفظ الماضي، لكونه أدل على الوقوع باعتبار لفظه، بخلاف (إنْ) التي تستعمل في المعاني المحتملة، والمشكوك فيها، فإن غلب معها الفعل المضارع (١). والملاحظ في الاستعمال ان (إذا) يكثر معها الفعل الماضي حقا، إذا ما قيست بـ (إنْ). وقد عمل الدكتور علي فودة إحصاء (٢). لاستعمال الفعل الماضي والمضارع مع إن الشرطية في القرآن الكريم، وقد كانت نتيجة الإحصاء أن استعمال (إنْ) الشرطية مع الفعل الماضي، أكثر من استعمالها مع المضارع، فقد ذكر أنها وردت في القرآن الكريم في (٥٥٤) أربعة وخمسين وخمسمائة موضع، جاء فيها بصيغة الماضي في نحو (٣٧٠) سبعين وثلاثمائة موضع، ومعنى ذلك أنه استعمل الماضي معها أكثر من المضارع. وعندنا على إحصاء الدكتور ملاحظتان: الأولى: إن الشرط بـ (إنْ) ورد في القرآن الكريم محذوف الجواب، في زهاء مائتي موضع، لقسم أو لغيره، ويتحتم في هذه الحالة أن يكون الشرط ماضيا، نحو قوله تعالى: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٩١] ﴿إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ٢٣]، ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر: ١٢]، فهذا ينبغي أن يسقط من الاحصاء لأنه لا اختيار فيه فتكون نتيجة الاحصاء ما يأتي: ١٨٤ موضع، استعمل معها المضارع ١٧٠ موضع، استعمل معها الماضي. فيكون استعمال المضارع أكثر من الماضي

стр. 1183

وأما الملاحظة الثانية، فإنه لم يحص مواضع ورود الفعل الماضي والمضارع مع (إذا) حتى يتبين صدق قول النحاة أو عدمه، فإنهم قالوا إن (إذا) يستعمل معها المضارع أكثر من (إنْ). وملاحظة النحاة هذه صحيحة، فقد وردت (إذا) في القرآن الكريم - شرطية وظرفية - في ٣٦٢ اثنين وستين وثلاثمائة موضع، منها ثمانية عشر موضعا فقط، وردت بالفعل المضارع، والبقية وردت بالفعل الماضي، مما يؤيد ملاحظة النحاة. ولعله يدور في خلدك أن هذا يخالف ما ذكرناه في بحث (فعل الشرط)، وهو إنه إذا كان الشرط وقع فعلا ماضيا، فإنه قد يفيد افتراض حصول الحدث مرة، أو وقوعه جملة، في حين أن المضارع قد يفيد افتراض تكرر الحدث، أو يفيد تطاول الحدث. والحق أنه لا تناقض فيما ذهبنا إليه هنا، وهاك، فإن الأمر الذي ذكرناه هناك ينطبق هنا. فمثلا قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فقد ذكرنا فيه أنه جاء بالفعل الماضي، لأن الطلاق لا يتكرر كثيرا كسائر الأعمال اليومية، أو لأن معناه: إذا حصل الطلاق، أي تم. وعندما جاء بـ (إذا) فقال: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن﴾ [البقرة: ٢٣١]، فقد جاء بها لأن حالات الطلاق الأخيرة أكثر، والفعلان ماضيان. وعندما قال: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠]، فإن الحدثين لا يتكرران، لا حضور الموت، ولا ترك الميراث، ولكن حضور الموت أمر واقع ولابد، فجاء فيه بـ (إذا) بخلاف ترك المال، فإنه أقل وقوعا، فجاء فيه بـ (إنْ) والفعلان ماضيان. وقوله: ﴿وإن تعجب فعجب قولهم أءذا كنا ترابا﴾ [الرعد: ٥]، فجاء بـ (إنْ) مع الفعل المضارع (تعجب)، لأن العجب يتكرر في الحياة، أو لأنه حدث لم ينقطع بعد،

стр. 1184

وجاء بـ (إذا) مع الفعل الماضي، (كنا ترابا) لأنه يكون مرة واحدة وهو واقع ولابد. أو قد يفيد المضارع مع (إذا) تكرر الحدث أو استمراره، وتطاوله، كما ذكرنا ذلك في موضعه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله﴾ [يونس: ١٥]، فالتلاوة تتطاول، وهي تنقضي شيئا فشيئا، بخلاف قوله تعالى: ﴿فإذا جاء رسولهم﴾ [يونس: ٤٧] وقوله: ﴿إذا جاء أجلهم﴾ [يونس: ٤٩]، وقوله: ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا﴾ [الرعد: ١١]. فجاء بالفعل المضارع لما يحدث تدريجيا، ويقع جزءا جزءا، بخلاف ما جاء بالفعل الماضي. وقد تقول ألم يرد في القرآن الكريم: ﴿وإذا تليت عليهم آياته﴾ [الأنفال: ٢]، بالماض]؟ والجواب أنه ورد، ولكن القصد مختلف، فإذا أردت وقوع الحدث جملة، جئت بالماضي وإذا أردت أن الحدث مستمر لم ينقطع جئت بالمضارع، فقوله تعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾ [الأنفال: ٢]، معناه إذا قرئت عليهم، فهو يشير إلى انقضاء الحدث وتمامه، بخلاف الآيات التي وردت بالمضارع نحو قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هذا أو بدله﴾ [يونس: ١٥]، فإن معناها أنهم في اثناء القراءة يقولون: ائت بقرآن غير هذا، يقولون ذلك والقراءة لم تكتمل بعد، لضيق ذرعهم بسماعه، والله أعلم. إذ ما هي إذ و (ما) ركبتا، فأصبحتا أداة شرط، تقول: (إذ ما تقم أقم) و (إذ) وحدها ظرف زمان يفيد المضي غالبا، قال تعالى: ﴿واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم﴾ [الأعراف: ٨٦]، وأما (إذ ما) فهي حرف عند الأكثرين يفيد الشرط وغيرته (ما) من المضي إلى الاستقبال (١)، تقول إذ ما تأتني آتك، واستدل النحاة بتغير زمانها على حرفيتها (٢).

стр. 1185

وذهب قسم من النحاة إلى أنها باقية على ظرفيتها، غير أن (ما) كفتها عن الإضافة (١)، فإذا لم تنضم إليها (ما) لم تكن حرف جزاء (٢). وأنا لا أرى حرفيتها، بل لا تزال ظرفا وأن زمانها لم يتغير، بل تخصص بـ (ما)، وذلك أن (إذ) للمضي كثيرا، وقد تكون للاستقبال، كقوله تعالى: ﴿فسوف تعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١]، وقوله: ﴿وجائ يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ [الفجر: ٢٣]، بل هي قد تكون للاستقبال، مع دخولها على الفعل الماضي، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة﴾ [مريم: ٣٩]، وهذا يكون يوم القيامة، فعند دخول (ما) عليها جعلتها شرطية، وخصتها بالاستقبال، وأما كفها عن الإضافة، فهذا أمر قاله النحاة بسبب أنهم يرون أن أداة الشرط لابد أن تكون مبهمة (٣). فإذا كانت موقتة أي معلومة لم تجزم، وهذا هو سبب عدم الجزم بإذا وذلك لأنها مضافة إلى ما بعدها، فتعرفت. أو تخصصت به، فليس فيها إبهام فلم تجزم. جاء في (الكتاب): " وسألته عن (إذا) ما منعهم أن يجازوا بها؟ فقال: الفعل في (إذا) بمنزلة في (إذ)، إذا قلت (أتذكر إذ تقول) فـ (إذا) فيما يستقبل بمنزلة (إذ) فيما مضى، ويبين هذا، أن (إذا) تجئ وقتا معلوما، ألا ترى أنك لو قلت (آتيك إذا احمر البسر) كان حسا، ولو قلت: (آتيك إن احمر البسر) كان قبيحا، فـ (إنْ) أبدًا مبهمة، وكذلك حروف الجزاء، و (إذا) توصل بالفعل، فالفعل في (إذا) بمنزلته في: حين (٤).

стр. 1186

وعلى أية حال، فالذي نراه أن (إذ ما) أداة شرط، وهي ظرف و (ما) خصصتها بالاستقبال بعد أن كانت تستعل للمضي كثيرا، وللاستقبال قليلا. وقد تعامل (إذ) من دون (ما) معاملة أدوات الشرط، فتقترن بجوابها الفاء، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم﴾ [الأحقاف: ١١]، وقوله: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة﴾ [المجادلة: ١٣] وقوله: ﴿فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ [النور: ١٣]. أنى وهي ظرف للمكان (١). يفيد العموم، نحو (أنى تذهب أذهب) ويبدو أنها أكثر عموما من (اين) لمكان المدة فيها، فإن إطلاق الألف قد يدل على سعة المكان فيها، والملاحظ في العربية أن الكلمة يتقارب معناها ومبناها فـ (لا) مثلا أوسع في النفي من (لن)، أي أن زمنها أطول لأنها تكون للحال، والاستقبال والمضي، نحو: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١]، و (لن) مختصة بنفي المستقبل، و (لا) مطلقة، أي أن صوتها محدود، و (لن) مقيدة بالسكون. و(إذا) أوسع زمنا من (إذ) فإنها تكون ظرفا للاستقبال، وزمنه أطول من المضي لأن المستقبل دائما أطول وأفسح من الماضي الذي انتهى، وتكون للاستمرار والمضي أيضا نحو: ﴿حتى إذا أدركه الغرق﴾ [يونس: ٩٠]، و (إذا) مطلقة. و(منْ) مخصصة بالعقلاء، استفهاية، أو شرطية، أو موصولة، أو غيرها، وما لغير العقلاء، من ذوات ومعان، وهم أكثر من العقلاء، وتكون لصفة من يعقل أيضا نحو ﴿فانكحوا ماطاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]، و (من) مقيدة، و (ما) مطلقة. فمدة الألف في (أني) تطلق المكان إطلاقا بعيدًا، بخلاف (أين) التي لا يمتد الصوت بها امتدادا بعيدًا.

стр. 1187

أي ان ظرف زمان، يستعمل فيما يراد تفخيم أمره وتعظيمه (١). قال الرضي: " وأيان مختص بالأمور العظام نحو قوله تعالى: ﴿أيان مرساها﴾ [النازعات: ٤٢]، و ﴿أيان يوم الدين﴾ [الذاريات: ١٢]، ولا يقال: أيان نمت (٢). وقد يستعمل للاستبعاد نحو قوله تعالى: ﴿يسئل أيام يوم القيامة﴾ [القيامة: ٦]. وهذا كما هو ظاهر في الاستفهام، والراجح انها في الشرط كذلك ولفظها يوحي بذلك، وذلك لمكان مدة الألف فيها، نحو (أيان تهرب أهرب معك). أين ظرف مكان مبهم، نحو (أين تذهب أذهب) وقد تنظم (ما) إليها فتزيديها إبهامًا (٣) وعموما، قال تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: ٧٨] , وقال: ﴿أينما يوجهه لا يأت بخير﴾ [النحل: ٧٦]، وقال: ﴿أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ [الأحزاب: ٦١]. أي وهي أكثرهن إبهامًا، إذ هي بحسب ما تضاف إليه، تقول (أي رجل تكرم أكرم) و (أي كتاب تأخذ آخذ) و (أي مذهب تقل به أقل به) و (أي وقت تسافر أسافر). وقد تضم إليها (ما) فتزيدها إبهاماً، قال تعالى: ﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]

стр. 1188

حيثما اسم مكان مبهم، جاء في (المقتضب): " وحيث اسم من أسماء المكان مبهم يفسره ما يضاف إليه .. فلما وصلتها بـ (ما) امتنعت من الإضافة، فصارت كـ (إذ) إذا وصلتها بماء (١). وتلزمها (ما) إذا استعملت للشرط. جاء في (الأشباه والنظائر): " باب الشرط مبناه على الابهام، وباب الإضافة مبناه على التوضيح، ولهذا لما أريد دخول (إذ) و (حيث) في باب الشرط، لزمتهما (ما) لأنهما لا زمان للإضافة، والإضافة توضحهما، فلا يصلحان للشرط حينئذ، فاشترطنا (ما) لتكفهما عن الإضافة فيبهمان، فيصلح دخولهما في الشرط حينئذ (٢). قال تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤]. والفرق بين (حيثما) و (أينما) كما يبدو، أن (أينما) أكثر إبهاما وعموما، وسبب ذلك أن (أين) أكثر إبهاما من (حيث)، وذلك أن (حيث) لازمة للإضافة، فهي مخصة أو معرفة بما بعدها، تقول: (أجلس حيث جلس أخوك) أي في مكان جلوسه، ولذا لا تكون جزاء إلا إذا ضمت إليها (ما) لتكون مبهمة. قال سيبويه: وإنما منع (حيث) أن يجازي بها أنك تقول (حيث تكون أكون) فـ (تكون) وصل لها كأنك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون .. فإذا ضممت إليها (ما) صارت بمنزلة (إنْ) وما أشبهها، ولم يجز فيها ما جاز فيها قبل أن تجيء بـ (ما) (٣). وأما (أين) فلا تضاف أصلا، ولذلك فهي مبهمة، فإذا دخلت عليها (ما) زادتها إبهاما وعمومًا، وإذا دخلت على (حيث) أبهمتها، وذلك أن (ما) تفيد الابهام والعموم في غير الشرط ايضا، قال تعالى: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة: ٢٦]، وتقول: (دعوتك لأمر ما).

стр. 1189

فـ (أينما) أكثر إبهاما وعموما من (حيثما) يدلك على ذلك الاستعمال القرآني علاوة على القياس، فقد وردت (حيثما) في تعبير واحد تردد في مكانين، وهو قوله تعالى ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤، ١٥٠]. وترددت (أينما) في أربعة مواضع، هي قوله تعالى: ﴿أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقوله: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء: ٧٨]. وقوله: ﴿أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا﴾ [الأحزاب: ٦١]. وقوله: ﴿وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير﴾ [النحل: ٧٦] فأنت تحس بالشمول والعموم مع (أينما) أكثر من (حيثما)، وذلك أنها استعملت لمقدار قوة الله، وأنه لا يعجزه شيء ﴿أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعًا﴾ ولامتداد يد الموت وسطوته إلى كل مكان لا يحجزه عن شيء: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾. ويوضح ذلك أيضا الآية الأخيرة ﴿أينما يوجهه لا يأت بخير﴾ [النحل: ٧٦]، فلو قال: ﴿حيثما يوجهه لا يأت بخير﴾ لتعين ذلك في المكان المادي المحسوس، ولكن قوله: ﴿أينما يوجهه﴾ [الأحزاب: ٧٦]، يوحي بالسعة والشمول وهو يشمل الوجهات المادية والمعنوية. ثم أن قوله ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ [البقرة: ١٤٤]، ليس فيه شمول للأمكنة، فهناك أماكن لا تصح فيها الصلاة، وأزمنه لا يصح فيها الصلاة، أيضا وهناك حالات لا يصح فيها استقبال البيت الحرام، بخلاف ما ورد في (أينما) فإنها تستغرق الحالات المذكورةن فدل ذلك على أن الشمول والعموم في (أينما) أوسع من (حيثما) والله أعلم.

стр. 1190

كيف ما وهي لبيان الحال، نحو (كيفما تصنع أصنع) و (كيف تفعل أفعل)، ولا تلزمها (ما) في الشرط، واستعمالها في الشرط قليل. ما وهي نوعان: غير زمانية: نحو: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله﴾ [البقرة: ١١٠]، وقوله: ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله﴾ [آل عمران: ١٦٦]. وزمانية: نحو قوله تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ [التوبة: ٧]، أي استقيموا لهم مدة استقامتهم لكم، ونحو قولنا: (ما تجلس أجلس) أي ما تجلس من الزمان أجلس (١). وهي أعم من (مَنْ) كما سبق أن ذكرنا، فإنها مطلقة و (مَنْ) مقيدة إن (مَنْ) مختصة بالعقلاء قال تعالى: ﴿ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب﴾ [البقرة: ٢١١]، ولا تكون لغيرهم، إلا أن يكونوا مختلطين بالعقلا. وأما (ما) فهي لغير العاقل، نحو (ما تصنع أصنع) قال تعالى: ﴿وما يفعلوا من خير فلن يكفروه﴾ [آل عمران: ١١٥]. ولصفات العقلاء في الشرط، نحو قوله: ﴿فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن﴾ [النساء: ٢٤]، وفي غير الشرط، نحو قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني﴾ [آل عمران: ٣٥].

стр. 1191

جاء في (المقتضب): " و (ما) تكون لغير الآدميين، نحو (ما تركب أركب)، و (ما تصنع أصنع) فإن قلت: (ما يأتني آته) تريد الناس لم يصلح .. لأن (ما) تكون لذوات غير الآدميين، ولصفات الآدميين، تقول: من عندك؟ فيقول: زيد، فتقول: ما زيد؟ فيقول: جواد أو بخيل، أو نحو ذلك، فإنما هو لسؤال عن نعت الآدميين (١). وجاء في (الكتاب): " و (ما) مثلها - يعني مثل من - إلا أن (ما) مبهمة تقع على كل شيء (٢). متى وهي ظرف زمان، تقول: (متى تأتني آتك). ويفرق النحاة بين (إذا) و (متى)، فيقولون: إن (إذا) للوقت المحدود، و (متى) للوقت المبهم (٣). وهذا التفريق ناتج عن قولهم إن (إذا) مضافة إلى شرطها، فهي معينة و (متى) غير مضافة، فهي إذن مبهمة. قال سيبويه: إن (إذا) تجيء وقتا معلومًا، ألا ترى أنك إذا قلت: (آتيك إذا أحمر البسر) كان حسنا ولو قلت: (آتيك إن احمر البسر)، كان قبيحا، فـ (إنْ) أبدًا مبهمة وكذلك حروف الجزاء (٤). ومتى من حروف الجزاء (٥). وقالوا أيضا في التفريق بينهما أن (إذا) تقع شرطًا في الأشياء المحققة الوقوع، ونحوها. وأما (متى) فلما يحتمل الوجود والعدم (٦).

стр. 1192

جاء في (الأشباه والنظائر): " قال الخوارزمي: الفرق بينهما، الواجبة الوجود وما جرى ذلك المجرى مما علم أنه كائن، و (متى) لما لم يترجح بين أن يكون وبين أن لا يكون، تقول: (إذا طلعت الشمس خرجت) ولا يصح فيه (متى). وتقول: (متى تخرج أخرج) ل من لم يتيقن أنه خارج (١). ويفرق بينها وبين (إن) أن (إنْ) أداة تعليق لا زمن فيها، و (متى) زمان. جاء في كتاب (النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة) إن قولنا (إن أكرمتني أكرمتك) معناه تعليق الإكرام على الإكرام، وقولنا (متى أكرمتني أكرمتك) تعليق الاكرام على زمان يقع فيه الاكرام " فـ (متى) تدل على الزمان بدليل أنه إذا قيل: (متى أجيئك) صح أن يقال في الجواب متى أكرمتني، ولا يصح أن يقال (إن أكرمتني) لأن (إن) لا تدل على الزمان والسؤال عن الزمان، وإنما يصح أن يجاب بها إذا سئل عن الفعل فقيل: هل أجيئك؟ (٢). وإذا لحقتها (ما) زادتها إبهاما وعموما. جاء في (الكليات): " و (متى ما) أعم من ذلك وأشمل [يعني من متى] وربما يجري في (متى) من التخصيص ما لا يجري في (متى ما) (٣). من وتكون شرطا للعاقل، قال تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]. قال سيبويه: (مَنْ): وهي للمسألة عن الأناسي، ويكون بها الجزاء للأناسي،

стр. 1193

وتكون بمنزلة (الذي) للأناسي (١). ولو قال للعقلاء، أو لذوي العلم لكان أجود، فإنها تستعمل لغير الأناسي من العقلاء، فقد تستعمل للملائكة، قال تعالى: ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا﴾ [النساء: ١٧٢]. واستعمالها للجن: قال تعالى: ﴿فمن يستمع الآن يجد لها شهابا رصدا﴾ [الجن: ٩]. وجاء في (المقتضب): " تقول في (من) (من يأتني آته) فلا يكون ذلك إلا لما يعقل فإن أردت بها غير ذلك، لم يكن. فإن قال قائل: فقد قال الله : ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه﴾ [النور: ٤٥]، فهذا لغير الآدميين، وكذلك ﴿ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشي على اربع﴾ [النور: ٤٥]، قيل إنما جاز هذا، لأنه قد خلط مع الآدميين غيرهم بقوله: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ وإذا اختلط المذكوران جرى على أحدهما ما هو للآخر إذا كان في مثل معناه" (٢). مهما قالوا هي بمعنى (ما) وقيل أعم منها (٣)، وقد ذكر أن أصلها (ما) ألحقت بها (ما) على وزن (كيفما) و (أينما). قال سيبويه: " وسألت الخليل عن (مهما) فقال: هي (ما) أدخلت معها (ما) لغوا بمنزلتها مع (متى) إذا قلت: (متى ما تأتني آتك) وبمنزلتها مع (إنْ) إذا قلت: (إنْ ما تأتني آتك)، وبمنزلتها مع (أين) كما قال : ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: ٧٨].

стр. 1194

وبمنزلتها مع (أيّ) إذا قلت: ﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا، فيقو لو ن (ماما) فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى، وقد يجوز أن يكون (مه) كـ (إذن) ضم إليها (ما) (١). وجاء في (التطور النحوي): " وقد تضاعف (ما) لتأدية معنى الابهام والتنكير فتصير (مهما) بدل mama وتلحق (ما) بغيرها أيضا، مثل (أيما) و (متى ما) و (كيفما) و (أينما) و (حيثما) (٢). لو وهي من أدوات الشرط، ثم هي قد تكون: ١ - امتناعية: نحو: قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ [المائدة: ٤٨]. وتسمى حرف امتناع لامتناع، ومعناه امتناع وقوع الجزاء لامتناع الشرط، نحو (لو زرتني لأكرمتك) فامتنع الاكرام لامتناع الزيارة. ٢ - شرطية غير امتناعية نحو، قوله تعالى: ﴿ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٣]، إذ لا يصح أن يقال: امتنع التولي لامتناع الاسماع، بل هم متولون على كل حال أسمعهم أم لم يسمعهم، وقوله ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧]، وقوله: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقوله: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣]، ونحو قولنا: (لز أتيته بالدنيا أجرها بحذافيرها لزهد فيها).

стр. 1195

٣ - وقد تأتي للتمني وذلك نحو قوله تعالي: ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقوله: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو اءوى إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]. وقال بعضهم: هي قسم برأسه، ليست شرطية ولا تحتاج إلى جواب، وذهب آخرون إلى أنها هي (لو) الشرطية أشربت معنى التمنى (١). والحق أنها قد تكون شرطية مشربة معنى التمنى فيكون لها جواب، نحو: (لو أن لنا رجالا أمثال صلاح الدين إذن ما ضاعت فلسطين) تقول ذلك متمنيا، ونحو قوله: (٢): فلو نبش المقابر عن كليب ... فيخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعثمين لقر عينا ... وكيف لقاء من تحت القبور وقد تكون للتمنى برأسها نحو قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقوله: ﴿لو أن لي كرة فأكون من المحسنين﴾ [الزمر: ٥٨]. ٤ - قالوا وقد تأتي بمعنى (إنْ) نحو قوله تعالى: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [يوسف: ١٧]. والحق أنها لا تطابق (إن) فإن شرط (لو) بعيد الوقوع، وهو أبعد من (إنْ). جاء في الكليات: والأصل في فرض المحالات كلمة (لو)، دون (إنْ) لأنها لما لا جزم بوقوعه، ولا وقوعه، والمحال مقطوع بلا وقوعه (٣). ويدل على ذلك الاستعمال، قال تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لأصفطى مما يخلق ما يشاء﴾ [الزمر: ٤].
следующие страницы →