← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

جاء في (المقتضب): " و (ما) تكون لغير الآدميين، نحو (ما تركب أركب)، و (ما تصنع أصنع) فإن قلت: (ما يأتني آته) تريد الناس لم يصلح .. لأن (ما) تكون لذوات غير الآدميين، ولصفات الآدميين، تقول: من عندك؟ فيقول: زيد، فتقول: ما زيد؟ فيقول: جواد أو بخيل، أو نحو ذلك، فإنما هو لسؤال عن نعت الآدميين (١). وجاء في (الكتاب): " و (ما) مثلها - يعني مثل من - إلا أن (ما) مبهمة تقع على كل شيء (٢). متى وهي ظرف زمان، تقول: (متى تأتني آتك). ويفرق النحاة بين (إذا) و (متى)، فيقولون: إن (إذا) للوقت المحدود، و (متى) للوقت المبهم (٣). وهذا التفريق ناتج عن قولهم إن (إذا) مضافة إلى شرطها، فهي معينة و (متى) غير مضافة، فهي إذن مبهمة. قال سيبويه: إن (إذا) تجيء وقتا معلومًا، ألا ترى أنك إذا قلت: (آتيك إذا أحمر البسر) كان حسنا ولو قلت: (آتيك إن احمر البسر)، كان قبيحا، فـ (إنْ) أبدًا مبهمة وكذلك حروف الجزاء (٤). ومتى من حروف الجزاء (٥). وقالوا أيضا في التفريق بينهما أن (إذا) تقع شرطًا في الأشياء المحققة الوقوع، ونحوها. وأما (متى) فلما يحتمل الوجود والعدم (٦).

стр. 1192

جاء في (الأشباه والنظائر): " قال الخوارزمي: الفرق بينهما، الواجبة الوجود وما جرى ذلك المجرى مما علم أنه كائن، و (متى) لما لم يترجح بين أن يكون وبين أن لا يكون، تقول: (إذا طلعت الشمس خرجت) ولا يصح فيه (متى). وتقول: (متى تخرج أخرج) ل من لم يتيقن أنه خارج (١). ويفرق بينها وبين (إن) أن (إنْ) أداة تعليق لا زمن فيها، و (متى) زمان. جاء في كتاب (النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة) إن قولنا (إن أكرمتني أكرمتك) معناه تعليق الإكرام على الإكرام، وقولنا (متى أكرمتني أكرمتك) تعليق الاكرام على زمان يقع فيه الاكرام " فـ (متى) تدل على الزمان بدليل أنه إذا قيل: (متى أجيئك) صح أن يقال في الجواب متى أكرمتني، ولا يصح أن يقال (إن أكرمتني) لأن (إن) لا تدل على الزمان والسؤال عن الزمان، وإنما يصح أن يجاب بها إذا سئل عن الفعل فقيل: هل أجيئك؟ (٢). وإذا لحقتها (ما) زادتها إبهاما وعموما. جاء في (الكليات): " و (متى ما) أعم من ذلك وأشمل [يعني من متى] وربما يجري في (متى) من التخصيص ما لا يجري في (متى ما) (٣). من وتكون شرطا للعاقل، قال تعالى: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ [البقرة: ١٥٨]. قال سيبويه: (مَنْ): وهي للمسألة عن الأناسي، ويكون بها الجزاء للأناسي،

стр. 1193

وتكون بمنزلة (الذي) للأناسي (١). ولو قال للعقلاء، أو لذوي العلم لكان أجود، فإنها تستعمل لغير الأناسي من العقلاء، فقد تستعمل للملائكة، قال تعالى: ﴿ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا﴾ [النساء: ١٧٢]. واستعمالها للجن: قال تعالى: ﴿فمن يستمع الآن يجد لها شهابا رصدا﴾ [الجن: ٩]. وجاء في (المقتضب): " تقول في (من) (من يأتني آته) فلا يكون ذلك إلا لما يعقل فإن أردت بها غير ذلك، لم يكن. فإن قال قائل: فقد قال الله : ﴿والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه﴾ [النور: ٤٥]، فهذا لغير الآدميين، وكذلك ﴿ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشي على اربع﴾ [النور: ٤٥]، قيل إنما جاز هذا، لأنه قد خلط مع الآدميين غيرهم بقوله: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ وإذا اختلط المذكوران جرى على أحدهما ما هو للآخر إذا كان في مثل معناه" (٢). مهما قالوا هي بمعنى (ما) وقيل أعم منها (٣)، وقد ذكر أن أصلها (ما) ألحقت بها (ما) على وزن (كيفما) و (أينما). قال سيبويه: " وسألت الخليل عن (مهما) فقال: هي (ما) أدخلت معها (ما) لغوا بمنزلتها مع (متى) إذا قلت: (متى ما تأتني آتك) وبمنزلتها مع (إنْ) إذا قلت: (إنْ ما تأتني آتك)، وبمنزلتها مع (أين) كما قال : ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: ٧٨].

стр. 1194

وبمنزلتها مع (أيّ) إذا قلت: ﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا، فيقو لو ن (ماما) فأبدلوا الهاء من الألف التي في الأولى، وقد يجوز أن يكون (مه) كـ (إذن) ضم إليها (ما) (١). وجاء في (التطور النحوي): " وقد تضاعف (ما) لتأدية معنى الابهام والتنكير فتصير (مهما) بدل mama وتلحق (ما) بغيرها أيضا، مثل (أيما) و (متى ما) و (كيفما) و (أينما) و (حيثما) (٢). لو وهي من أدوات الشرط، ثم هي قد تكون: ١ - امتناعية: نحو: قوله تعالى: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله: ﴿ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة﴾ [المائدة: ٤٨]. وتسمى حرف امتناع لامتناع، ومعناه امتناع وقوع الجزاء لامتناع الشرط، نحو (لو زرتني لأكرمتك) فامتنع الاكرام لامتناع الزيارة. ٢ - شرطية غير امتناعية نحو، قوله تعالى: ﴿ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٣]، إذ لا يصح أن يقال: امتنع التولي لامتناع الاسماع، بل هم متولون على كل حال أسمعهم أم لم يسمعهم، وقوله ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧]، وقوله: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقوله: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣]، ونحو قولنا: (لز أتيته بالدنيا أجرها بحذافيرها لزهد فيها).

стр. 1195

٣ - وقد تأتي للتمني وذلك نحو قوله تعالي: ﴿وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقوله: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو اءوى إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]. وقال بعضهم: هي قسم برأسه، ليست شرطية ولا تحتاج إلى جواب، وذهب آخرون إلى أنها هي (لو) الشرطية أشربت معنى التمنى (١). والحق أنها قد تكون شرطية مشربة معنى التمنى فيكون لها جواب، نحو: (لو أن لنا رجالا أمثال صلاح الدين إذن ما ضاعت فلسطين) تقول ذلك متمنيا، ونحو قوله: (٢): فلو نبش المقابر عن كليب ... فيخبر بالذنائب أي زير بيوم الشعثمين لقر عينا ... وكيف لقاء من تحت القبور وقد تكون للتمنى برأسها نحو قوله تعالى: ﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقوله: ﴿لو أن لي كرة فأكون من المحسنين﴾ [الزمر: ٥٨]. ٤ - قالوا وقد تأتي بمعنى (إنْ) نحو قوله تعالى: ﴿وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين﴾ [يوسف: ١٧]. والحق أنها لا تطابق (إن) فإن شرط (لو) بعيد الوقوع، وهو أبعد من (إنْ). جاء في الكليات: والأصل في فرض المحالات كلمة (لو)، دون (إنْ) لأنها لما لا جزم بوقوعه، ولا وقوعه، والمحال مقطوع بلا وقوعه (٣). ويدل على ذلك الاستعمال، قال تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدًا لأصفطى مما يخلق ما يشاء﴾ [الزمر: ٤].

стр. 1196

وقال ﷺ : " لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري .. " وتقول: (لو كلمة الموتى لم يؤمن) و (لو أجريت الأرض له ذهبا لرغب عني) ولا تحسن (إن) لذلك، ونحوه ما ذكروا أنها بمعنى (إنْ). فإن قوله تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾ [النساء: ٧٨]، جاء فيه بـ (لو) دون (إن) لأن الإنسان قصارى ما يستطيع حفظ نفسه، أن يكون في برج مشيدة فجاء بـ (لو) الدالة على البعد. وكذلك قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم﴾ [النساء: ١٣٥]، جاء فيه بـ (لو) التي تفيد البعد، لأن الإنسان أبعد شيء عن أن يشهد على نفسه. وقوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى﴾ [التوبة: ١١٣] / فأولو القربى هم أولى بالاستغفار من غيرهم فإذا كان منهيا عن ذلك معهم، فالنهي مع غيرهم أولى، وهذا أبعد شيء في النهي. وهكذا كل ما ذكر على أنه أولى من غيره. فهي لا تطابق (إنْ) في ذلك تمامًا. ٥ - وذكر أنها تأتي لمعنى التقليل، نحو: (تصدقوا ولو بظلف محرق) (١). ومعنى التقليل، إنما جاء مما ذكرناه آنفا، وهو أن شرطها بعيد الوقوع، فقوله ﷺ (تصدقوا ولو بظلف محرق) يعلمنا ألا نحقر من المعروف شيئا، فالظلف المحرق أبعد شيء عن أن يتصدق به، لكونه قليلا مرغوبا عنه، ومع لك علينا ألا نحقر الصدقة به. ونحوه: (تصدق ولو بترة)، فإن التمرة بعيدة عن أن يتصدق بها، لزهادتها. ونحوه (التمس ولو خاتمًا من حديد) فخاتم الحديد أبعد شيء عن ان يكون مهرًا لامرأة لزهادة قيمته، ومن هنا دخلها معنى التقليل.

стр. 1197

وقوع اللام في جوابها تقع اللام في جواب (لو)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا﴾ [الفتح: ٢٥]، وقوله: ﴿ولو يشاء الله لانتصر منهم﴾ [محمد: ٤]. وهذه اللام تلحق جوابها المثبت كثيرًا، وأما المنفي بـ (لم) فلا تلحقه والنفي بـ (ما) يجوز أن تلحقه إلا أنه قليل (١). ولم ترد في القرآن لاحقة لجوابها المنفي. واختلف في هذه اللام على أقوال: ١ - فقسم ذهب إلى أنها تفيد التسويف. جاء في (التصريح): " قال ابن عبد اللطيف ف باب اللامات: هذه اللام تسمى لام التسويف، لأنها تدل على تأخير وقوع الجواب، من الشرط، وتراخيه عنه، كما إن استقاطها يدل على التعجيل، لأن الجواب يقع عقيب الشرط بلا مهلة، ولهذا دخلت في ﴿لو نشاء لجعلناه حطاما﴾ [الواقعة: ٦٥]، وحذفت في ﴿لو نشاء جعلناه أجاجا﴾ [الواقعة: ٧٠]، أي لوقته في المزن من غير تأخير والفائدة في تأخير جعله حطاما وتقديم جعله أجاجا تشديد العقوبة، أي إذا استوى الزرع على سوقه وقويت به الأطماع، جعلناه حطاما كما قال الله تعالى: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها﴾ [يونس: ٢٤]، الآية: أهـ. (٢). ٢ - وقسم ذهب إلى أنها لتأكيد ارتباط إحدى الجملتين بالأخرى (٣). ٣ - وقسم ذهب إلى أنها اللام الواقعة في جواب القسم فقولك: (لو زرتني لأكرمتك)، في تقدير (والله لو زرتني لأكرمتك) (٤).

стр. 1198

٤ - وقسم ذهب إلى أنها زائدة مؤكدة وذلك لجواز سقوطها (١). أما التسويف فلا اراه صحيحا بدليل عدم صحة تقديره في تعبيرات كثيرة، من ذلك قوله تعالى: ﴿ولو أمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم﴾ [آل عمران: ١١٠]، وليس في هذا معنى التسويف. وقوله: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا انفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾ [النساء: ٦٤]، وهو تواب رحيم، في الحال والاستقبال والمضي ولا يراد به تسويف التوبة عليهم. ونحوه: ﴿ولو أن أهل الكتاب أمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم﴾ [المائدة: ٦٥]، وليس المقصود تسويف التكفير. ونحوه: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا﴾ [الأنعام: ٩]. وقوله: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، وقوله: ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ [الأنفال: ٣١]. وقوله: ﴿ولو أرادوا الخروجلأعدوا له عدة﴾ [التوبة: ٤٦]. وقوله: ﴿لو شئت لتخذت عليه أجرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. وقوله: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض﴾ [المؤمنون: ٧١]. فهذا كله لا يحتل التسويف. وكونها جوابا للقسم، رده ابن هشام بقوله: لو كانت اللا بعد لو أبدا في جواب قسم مقدر، لكثر مجيء الجواب بعد لو جملة إسمية: نحو (لو جاءني لأنا أكرمه) كما يكثر ذلك في باب القسم (٢).

стр. 1199

والذي يبدو أنها مؤكدة، ويدل على ذلك أن اللام التي تفيد التوكيد تقع في الأثبات ولا تقع في النفي، إلا نادرا وذلك نحو لام الابتداء، سواء كانت وحدها، أم مع (إنّ)، واللام الواقعة في جواب القسم، وهي لا تدخل على المنفي. وهذه كذلك تدخل في الاثبات، ولا تدخل على المنفي إلا قليلا. ويدل على ذلك أيضا الاستعمال القرآني، فالمنزوع اللام اقل توكيدًا من المذكورة فيه وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي﴾ [الأعراف: ١٥٥]، بلا (لام)، وقوله: ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ [الأنعام: ١٤٩]، باللام، وذلك لأن هداية الناس أجمعين أصعب وأعسر من الإهلاك، فاهلاك الألوف، والوف الألوف، ممكن بوسائل الفتك والتدمير، والظواهر الطبيعية، ولكن هادتيهم عسيرة، فجاء باللام لما هو شاق عسير ونزعها مما هو أيسر. ونحوه قوله تعالى: ﴿أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم﴾ [الأعراف: ١٠٠]، وهذه نظيرة الآية السابقة، بخلاف قوله تعالى: ﴿لو نشاء لجعلنا منكم ملائكة﴾ [الزخرف: ٦٠]. فالفرق واضح بين الافتراضين. وقوله تعالى: ﴿لو شاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون﴾ [يس: ٦٧]، وهكذا. والخلاصة أن اللام مؤكدة، فإذا أردت أن تؤكد شيئا ما، جئت بها وإلا تدخلها عليه. وهذا القول ليس بعيدًا عن قول من قال، هي واقعة في جواب القسم، فكلتاهما تفيد التوكيد فإن القسم توكيد، وجوابه مؤكد. وهي في قول الزمخشري أيضا لا تخلو من التوكيد.

стр. 1200

ما الزائدة تدخل (ما) بعد أدوات الشرط، نحو (إذا ما) و (إما) و (متى ما) وقد ذهب النحاة فيها إلى أنها تؤدي غرضين: الأول: إفادة الإبهام اولعموم - كما سبق أن ذكرنا - فإذا قلت مثلا: (سأزورك إذا جن الليل)، فالراجح أن يكون القصد ليل يومكم ذاك، فإذا قلت: (سأزورك إذا ماجن الليل) فإنه لا يتعين ليل ذلك اليوم، بل أصبح الكلام يحتمل الليالي الأخرى القابلة، وذلك لأن ما أبهمتها. جاء في (المفصل): " تقول (متى كان ذاك؟ ) و (متى يكون؟ ) و (متى تأتني أكرمك) و (أين كنت؟ ) و (أين تجلس أجلس) ويتصل بهما (ما) المزيدة فتزيدهما إبهاما (١). وجاء في (الكليات): (إذا ما) فيه إبهام في الاستقبال ليس في (إذا) بمعنى انك إذا قلت (آتيك إذا طلعت الشمس) فإنه ربما يكون لطلوع الغد حتى يستحق العتاب بترك الاتيان في الغد، بخلاف (إذا ما طلعت) فإنه يخص (٢). ذلك ولا يستحق العتاب (٣). وكذلك بقية أدوات الشرط، مثل (إذ ما) و (حيثما) و (أينما) غير أن (ما) في (حيثما) و (إذ ما) ليست زائدة عند النحاة، كالداخلة على (أين) و (متى) و (إذا) و (أي) وغيرها، بل هي في (إذ ما) و (حيثما) لازمة لا يكونان للمجازاة إلا بها (٤). وذلك لأنهما من دون (ما) ظرفان يضافان إلى الجمل، فهما مخصصان بسبب الإضافة، فدخلت عليهما (ما) فكفتهما عن الإضافة، ليكونا مبهمين، فأصبحت (إذ ما) حرفا في رأي، وإسما مبهما في رأي آخر، وأصبحت (حيثما) ظرفا مبهما أبهمتها (ما) كماسبق أن ذكرنا.

стр. 1201

جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما (حيثما) فنقول (ما) فيها كافة لـ (حيث) عن الإضافة، لا زائدة كما في (متى ما) و (إما) وذلك أن (حيث) كانت لازمة للإضافة، فكانت مخصصة بسبب المضاف إليه، فكفتها (ما) عن طلب الإضافة لتصير مبهمة كسائر كلمات الشرط (١). وجاء في (الأشباه والنظائر): " باب الشرط مبناه على الابهام، وباب الإضافة مبناه على التوضيح، ولهذا لما أريد دخول (إذ) و (حيث) في باب الشرط لزمتهما (ما)، لأنهما لازمان للإضافة، والإضافة توضحهما، فلا يصلحان للشرط حينئذ، فاشترطنا (ما) لتكفهما عن الإضافة، فيبهمان فيصلح دخولهما في الشرط حينئذ (٢). ثم إن (ما) هذه لا تختص بأسماء الشرط، بل قد تدخل على أسماء غيرها فتعطيها إبهاما وعموما أيضا، وذلك نحو قولك: (حدثني حديثا ما) أي أيا كان الحديث. جاء في (الكليات): (ما) في مثل (اعطني كتابا ما) إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما، وزادته شياعا، وعموما، أي (أي كتاب كان) (٣). والخلاصة أن (ما) تدخل على أدوات الشرط، فتبهم ما ليس مبهما وتزيد إبهاما ما كان مبهما. الغرض الثاني إفادة التوكيد: جاء في (الكتاب): " وتكون [يعني ما] توكيدًا لغوا وذلك قولك (متى ما تأتني آتك) وقولك (غضبت من غير ما حرم) وقال الله عز جل: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ [النساء: ١٥٥]، فهي لغو .. وهي توكيد للكلام (٤). وجاء في (المقتضب): " فـ (ما) تدخل على ضربين:

стр. 1202

أحدهما أن تكون زائدة للتوكيد، فلا يتغير الكلام بها عن عمل ولا معنى فالتوكيد ما ذكرته في هذه الحروف سوى (حيثما) و (إذ ما). واللازم ما وقع فيهما ونظيرهما قولك: (إنما زيد أخوك) منعت (ما) (إن) عملها" (١). وجاء في (شرح ابن يعيش): " قد تزاد (ما) مع (إنْ) الشرطية مؤكدة، نحو قولك: (إما تأتني آتك) والأصل: إن تأتني آتك، زيدت (ما) على (إنْ) لتأكيد معنى الجزاء، ويدخل معها نون التوكيد، وإن لم يكن الشرط من مواضعها، لأن موضعها الأمر والنهي، وما أشبههما، مما كان غير موجب، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى﴾ [البقرة: ٣٨]، وقال سبحانه: ﴿فإما ترين من البشر أحدا﴾ [مريم: ٢٦]، وقال: ﴿وإما تعرضن عنهم﴾ [الإسراء: ٢٨]. والعلة في دخولها أنها لما لحقت أول الفعل بعد (إن) اشبهت اللام في (والله ليفعلن) فجامعتها نونا التوكيد، كما تكون مع اللام في (ليفعلن) وجهة التشبيه بينهما أن (ما) هنا حرف تأكيد، كما أن اللام مؤكدة .. وقد يجوز أن لا تأتي بهذه النون مع فعل الشرط، وذلك نحو قولك: إما تأتني آتك (٢). وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم﴾ [فصلت: ٢٠]، " فإن قلت: (ما) في قوله (حتى إذا ما جاؤها) ما هي؟ قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها أن وقت مجيئهم النار لا محالة، أن يكون وقت الشهادة عليه، ولا وجه لأن يخلو منها، ومثله قوله تعالى: ﴿أثم إذا ماوقع آمنتم به﴾ [يونس: ٥١]، أي لابد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به (٣).

стр. 1203

والظاهر من أقوال النحاة أن (ما) تؤدي معني الإبهام والتوكيد معا، وإن كان يصرح أحيانا بالإبهام، وأحيانا بالتوكيد، وقد جمع بينهما ابن يعيش فقال: " وقد تدخل (ما) (أين ومتى) للجزاء، زائدة مؤكدة، نحو متى ما تقم أقم، وأينما تجلس أجلس معك. قال الشاعر: متى ما ير الناس الغني وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد. وقال الله تعالى: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: ٧٨]، وقال: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [البقرة: ١١٥]، فإذا دخلت عليهما (ما) زادتهما إبهاما وازدادت المجازاة بهما حسنا" (١). فذكر أنها زائدة مؤكدة، ثم قال: زادتهما إبهاما. ومعنى التوكيد أظهر من الابهام في الاستعمال القرآني، والاستعمال العربي، فإنا لا أرى إبهاما في قوله تعالى: ﴿حتى إذا ماجاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم﴾ [فصلت: ٢٠]، وتخصيصا في قوله: ﴿حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها﴾ [الزمر: ١٧]، فالكلام في الحالتين على أهل النار، ومجيئهم إياها، فلم كانت (إذا) الأولى مبهمة، والثانية غير مبهمة. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحلهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩٢]، فهذه الآيات نزلت في جماعة مخصوصين، في حادثة معينة مخصوصة، فكيف تكون (إذا) ههنا مبهمة؟ أما التوكيد فهو ظاهر واضح يدل عليه الاستعمال والقياس، فإن (ما) تزاد غير كافة تزاد كافة، وذلك نحو زيادتها بعد الأحرف المشبهة بالفعل، وبعد طائفة من حروف الجر وبعد المضاف، نحو (غضبت من غير ما جرم) فهي إذا زيدت غير كافة كانت للتوكيد في كل مواطنها، وقد مر بنا هذا في أكثر من موطن.

стр. 1204

وإذا كانت كافة كان لها غرض آخر، كما سبق أن ذكرنا في بحث الأحرف المشبهة بالفعل وحروف الجر. وهي هنا زيدت غير كافة، ولا مغيرة من طبيعة الأداة، فهي مؤكدة، ويدل على ذلك أيضا الاستعمال القرآني، فحيثما زيدت (ما) مع (إنْ) الشرطية أكد شرطها بالنون، ولم يتخلف من ذلك موطن واحد، وقد وردت في أربعة عشر موضعا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى﴾ [الأنعام: ٦٨]. وقوله: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]. وقوله: ﴿وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك﴾ [الرعد: ٤٠]. وهذا التوكيد كثير غالب في كلام العرب، وهذا يدل على أنها تفيد التوكيد، ألا ترى أن (إنّ) لما كانت مؤكدة قد يؤتى معها باللام زيادة في التوكيد، وأن القسم لما كان مؤكدا كان جوابه أيضا مؤكدا، فهو قد يجاب بـ (إنّ) واللام، أو يجاب باللام ونون التوكيد في الفعل المضارع، او يجاب باللام و (قد) في الفعل الماضي. فهذا دليل ظاهر على أنها تفيد التوكيد، إذ لم يؤكد شرطها مع (ما)، ولا يؤكد من دونها؟ ثم إن مواطن الاستعمال تدل على التوكيد. جاء في (درة التنزيل وغرة التأويل) للخطيب الإسكافي: قوله تعالى: ﴿حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم﴾ وجلودهم بما كانوا يعملون﴾ [فصلت: ٢٠]، وقال في سورة الزخرف: ﴿حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين﴾ [الزخرف: ٣٨]، وقال قبله: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧١]، يعني أبواب جهنم، وقال بعدها: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣] يعني أبواب الجنة.

стр. 1205

للسائل أن يسأل عن زيادة (ما) بعد (إذا) في سورة السجدة (١) وحذفها من الموضع الاخر. الجواب أن يقال: أنه إذا قصد توكيد معنى الشرط الذي تضمنته (إذا) لقوة معنى الجزاء، استعملت (ما) بعدها فقوله تعالى: ﴿حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم﴾ شهادة السمع وسائر الجوارح، من المعاني القوية التي لا يقتضيها الشرط الذي هو المجيء، ألا ترى استنكارهم لها حتى قالوا لجلودهم (لم شهدتم علينا) فأجابوا بأن قالوا: ﴿أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ وليس كذلك: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ لأن المجيء يقتضي فتح الأبواب .. وكذلك: ﴿حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك﴾ [الزخرف: ٣٨]، أي قال الآدمي لقرينه من الجن اللذين اشتركا في الدنيا في معصية الله، ثم اشتركا في العذاب في الاخرة: ليتني لم أتبعك وكان بعد ما بين المشرقين بيني وبينك. وهذا أيضا مما يتوقع كونه منهما، ثم يتبرى بعض من بعض، فليس في الجزاء ما يوجب قوة الشرط الذي لا يتوقع، ولا يستفاد إلا به ومنه (٢). ثم إن شهادة السمع والأبصار والجلود أمر مستغرب، بخلاف فتح الأبواب ونحوه فأكده لذلك. وقال تعالى: ﴿ولا يأب الشهداء إذا مادعوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، زيدت (ما) مؤكدة على الشهداء حضور الشهادة عند الدعوة إليها، بخلاف قوله تعالى: ﴿إذ تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقوله: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وذلك لأن الشهيد قد يتباطأ، ويتكاسل، أو ينكص، عن الشهادة، لأنه ليست له مصلحة خاصة به أو قد تلحق به ضررا فحتاج إلى التوكيد.

стр. 1206

وقال تعالى: ﴿ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون﴾ [الأنبياء: ٤٥]، أي وإن تطاول الإنذار وتكرر، وأكد، بخلاف قوله تعالى: ﴿ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾ [النمل: ٨٠]، فتوليتهم مدبرين، لا تحتاج إلى توكيد كالانذار. وقال: ﴿أث إذا ما وقع آمنتم به﴾ [يونس: ٥١]، أي أنهم لا يؤمنون إلا إذا حل العذاب يقينا، لا حدسا، ولا تخمينا، ولا استنتاجًا يدل على ذلك سياق الآية، قال تعالى: قبل هذه الآية: ﴿قل أريتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون، أثم إذا ما وقع آمنتم به آلان وقد كنتم به تستعجلون﴾ [يونس: ٥٠ - ٥١]. وقال تعالى: ﴿ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فزاد (ما) بعد (إذا) توكيدًا للتقوى، يدلك على ذلك تكرارها ثلاث مرات في الآية ﴿إذا ما اتقوا .. ثم اتقوا وأمنوا ثم اتقوا وأحسنوا﴾. وهكذا كل ما ورد واضح فيه معنى التوكيد. وكذلك زيادتها بعد (إنْ) قال تعالى: ﴿فإما ترين من البشر أحدًا فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ [مريم: ٢٦]، واحتمال الرؤية احتمال قوي جدًا، فأكدها وقت وقعت. وقال: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما ياتينكم مني هدي فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقي﴾ [طه: ١٢٣]، وهذا الكلام في آدم وإبليس، واحتمال إنزال الهدى، أي الرسالات السماوية مؤكد، فأكده وقد حصل. وقال: ﴿قل رب إما تريني ما يوعدون رب فلا تجعلني في القوم الظالمين﴾ [المؤمنون: ٩٣ - ٩٤]. واحتمال إراءته ما يوعدون احتمال قوى فأكده، وقد أراه الله ذلك فيما بعد في بدر وغيرها. وهكذا سائر ما ورد من الآيات مما يدل على ان (ما) إنما زيدت للتوكيد، والله أعلم.

стр. 1207

تقديم الاسم على فعل الشرط تقول العرب (إذاجاءك محمد فأكرمه)، وتقول: (إذا محمد جاءك فأكرمه)، قال تعالى: ﴿إن ترك خيرًا الوصية﴾ [البقرة: ١٨٠]، وقال: ﴿إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال: ﴿إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت﴾ [الانفطار: ١ - ٢]. وهذا عند الجمهور من باب حذف فعل الشرط، الذي يفسره الفعل المذكور بعده، والتقدير: إن هلك امرؤ هلك، وإذا انفطرت السماء انفطرت، وذلك لأن أداة الشرط لا تليها إلا الأفعال (١). وعند الكوفيين أنه مرفوع بالفعل بعده، وهو فاعل متقدم على فعله (٢). أو مبتدأ خبره ما بعده (٣). إن تقدير الجمهور بعيد عن المعنى، مفسد لصحة الكلام، مؤد إلى ركة بالغة فيه، إذ ما الغرض من هذا الحذف، والذكر مع العلم بأن المفسر والمفسر لفظ واحد بعينه، لا يزيده إيضاحا ولا بيانا ولا تفسيرا؟ فلو كان المفسر يعطينا معنى زائدا على المفسر، وإيضاحا لم يكن فيه، لكان مقبولا، ولكن الفعل المذكور هو نفس المحذوف، فما الغرض إذن من الذكر والحذف؟ إن التفسير مقبول في نحو قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوي الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ [الأنبياء: ٣]، فإنه فسر النجوى، ووضحها بقوله: (هل هذا إلا بشر مثلكم) وفي قوله: ﴿هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم

стр. 1208

وأنفسكم﴾ [الصف: ١٠، ١١] ففسر التجارة بقوله: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون﴾. ولكن أين الإيضاح في قولنا: (إذا جاءك محمد جاءك فأكرمه)؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنه بموجب هذا التقدير لا فرق بين قولنا (إذا جاءك محمد فأكرمه) و (إذا محمد جاءك فأكرمه) وقوله (إذا السماء انشقت) و (إذا انشقت السماء) فيكون تقديم الاسم وتأخيره واحدًا، ولا غرض لذلك سوى التقدير المفسد لجمال التعبير وفصاحته. كان ينبغي للنحاة أن يقولوا: إنه قد يلى الفعل أداة الشرط في كلام العرب، نحو: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ [المنافقون: ١]، وقد يليها الاسم ثم فعل الشرط، نحو: ﴿إذا السماء انفطرت﴾ [الانفطار: ١]، والفرق بين التعبيرين في المعنى هو كذا وكذا. وهذا أمثل من التقدير الذي يفسد المعنى ويضيعه ويذهب بجمال الكلام وفصاحته. وعلى أي حال فالمعنى في التعبيرين مختلف ولا شك. وإن تقديم الاسم على فعل الشرط إنما هو للعناية والاهتمام الذي هو الغرض من التقديم عمومًا، وتختلف أوجه العناية هذه، فقد يكون التقديم للتخصيص، وهو أهم غرض للتقديم، وذلك نحو قولنا (إذا محمد جاءك فأكرمه) و (إذا جاءك محمد فأكرمه) فإن الجملة الأولى تفيد التخصيص، ومعناه أن الاكرام مختص بمحمد دون غيره، فإذا جاءك غيره فلا تكرمه، أما الثانية فهو طلب الاكرام لمحمد من غير تخصيص له به والمعنى أكرم محمدًا عند مجيئه، هو أي الخاطب، غير منهي عن إكرام غيره، وهو كقولنا (أكرم محمدا) و (محمدا أكرم) فإن في الثانية تخصيصا دون الأولى. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿لو أنتم تملكون خزائن رحمةِ ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾ [الإسراء: ١٠٠]. جاء في (الكشاف) في هذه الآية: " إن (تملكون) فيه دلالة على الاختصاص، وإن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ، ونحوه قول حاتم، (لو ذاتُ سوار لطمتني)

стр. 1209

وقول المتلمس: ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر (١). وقد يكون التقديم للتهويل، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الإنشقاق: ١]، وقوله: ﴿إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت وإذا البحار فجرت وإذا القبور بعثرت﴾ [الانفطار: ١ - ٤]. فهذه من مواطن التهويل، وذلك أن انفطار السماء، وانتثار الكواكب، وتفجير البحار وبعثرة القبور، كل ذلك مما يؤدي إلى الهول الكبير والرعب، فقدمها لهذا الغرض، ألا ترى أنه قال: ﴿إذا زلزلت الأرض زلزالها﴾ [الزلزلة: ١]، فلم يقدم الاسم وذلك لأن مشهد الزلازل واقع متكرر على الأعوام والأيام، وإن كانت هذه الزلزلة أعظم منها جميعا بخلاف المشاهد التي ذكرها، فإنه لم يحدث أن انشقت السماء، أو انفطرت أو انتثرت النجوم أو تفجرت البحار، فالهول والفزع ههنا أكبر، وأكبر، فقدم ما قدم للتهويل. وقد يكون للتعظيم، نحو: (إذا الحبر أفتى بذاك، فقد كفانا مؤونة البحث والتنقير) و (إذا ابن حجر صحح الخبر فكيف نرده) ونحو ذاك. وقد يكون لتعجيل المسرة أو المساءة، نحو (إذا الحبيب حضر وهبت لك ما تريد) و (إذا ولدك عاد من سفره فماذا تعطيني) أو تقول: (إذا السفاك ملك البلاد، فلا خير في الحياة).وقد يكون للتحقير، نحو (إذا الجاهل الغبي أصبح سيدا علينا فبطن الأرض خير لنا من ظاهرها) و (إذا هذا الجبان الذليل أهانك فتعسا لك) إلى غير ذلك من أغراض التقديم الأخرى.

стр. 1210

اقتران جواب الشرط بالفاء وإذا الفجائية اقترانه بالفاء قد يرتبط جواب الشرط بالفاء نحو قوله تعالى: ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾ [الحج: ١٨]، ويجب ذلك إذا كان الجواب لا يصلح أن يقع شرطًا، فإن صلح وقوعه شرطا فلا يجب ربطه بالفاء، ويذكر النحاة المواطن التي يجب فيها اقتران الجواب بالفاء، وهي على وجه الإيجاز: ١ - أن يكون الجواب فعلا مقترنا بـ (قد) أو كان زمنه ماضيًا، وإن لم يقترن بـ (قد) لفظًا نحو قوله تعالى: ﴿وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت﴾ [يوسف: ٢٧]، وقوله: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ [المائدة: ١١٦]. فإذا دل على وعد أو وعيد، جاء ارتباطه بالفاء، وذلك على تنزيل المستقبل منزلة الماضي، لأنه محقق الوقوع، وذلك كقوله تعالى: ﴿ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار﴾ [النمل: ٩٠]، أي كأن الأمر قد حصل. ٢ - أن يكون طلبيا، نحو قوله تعالى: ﴿فإذا استئذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم﴾ [النور: ٦٢]. ٣ - أن يكون جامدًا، نحو: ﴿إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك﴾ [الكهف: ٣٩ - ٤٠]. ٤ - أن يكون مقترنا بحرف استقبال كالسين وسوف نحو قوله: ﴿من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم﴾ [المائدة: ٥٤]. ٥ - أن يكون مقترنا بـ (لن) أو (لما) نحو: (إن جاءني فلن أفرط في حقه). ٦ - أن يكون جملة إسمية، نحو قوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم﴾ [البقرة: ٢٣٤]، ونحو: (من جد فالمستقبل له) (١).

стр. 1211

هذه أهم المواطن التي تقترن بها الفاء. هذه المواطن لا يصح أن تقع شرطًا، فإذا وقعت جوابًا اقترنت بالفاء. وسبب اختيار الفار للربط، هو أنها (أي الفاء) تفيد السبب عموما في الشرط وغيره، تقول: (الطفل يبكي فيضحك أخوه) و (يقوم خالد فيقوم محمد)، قال تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ١، ٢]، فجيء بها في الشرط للدلالة على السبب. جاء في (التصريح): " وخصت الفاء بذلك لما فيها من معنى السببية (١). وقال أبو حيان: " وهذه الفاء هي فاء السبب الكائنة في الإيجاب، في نحو قولك: (يقوم زيد فيقوم عمرو)، وكما يربط بها عند التحقيق يربط بها عند التقدير (٢). وقال ابن يعيش: " فأتوا بالفاء لأنها تفيد الاتباع، وتؤذن بأن ما بعدها مسبب عما قبلها" (٣). وليست هذه مهمة الفاء فقط، بل هي قد تفيدنا أيضا في تعيين الجزاء، وإيضاح المعنى وإن حذفها قد يؤدى إلى الالباس، أو على عدم اكتمال المعنى في تعبيرات عديدة، وذلك نحو قولنا: (من أحسن فلنفسه، ومن أساء فعليها) ألا ترى أنا لو حذفنا الفاء وقلنا (من أحسن لنفسه) كان (لنفسه) متعلقا بـ (أحسن)، وبقي الكلام غير تام، فلما جئنا بالفاء اتضح القصد وتم المعنى. ونحو قوله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فلأنفسكم﴾ [البقرة: ٢٧٢]، فلو قلت: (وما تنفقوا من خير لأنفسكم) لم يكتمل المعنى، لأن المجرور ارتبط بالشرط فأصبح في حيزه ولم يصبح في حيز الجزاء، وكذا لو قلت: ﴿وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم﴾ [الشوري: ٤٨]، كان الجزاء (فبما قدمت أيديهم)، وكان المعنى أنه إذا أصابتهم سيئة،

стр. 1212

فإنه بسبب ما اكتسبته أيديهم، ولو حذفنا الفاء لم يتم المعنى. ومثله (إذا استعنت فبالله) أي فاستعن بالله، ولو حذفت الفاء لم يتم المعنى، لأن المجرور يرتبط بالفعل. ثم إن المعنى قد يتغير بتغير موضع الفاء في الجملة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فإذا قلت (فإن ارادا فصالا فعن تراض منهما) كان المعنى أنهما إذا أرادا الطلاق فإنما أراداه عن تراض، أي أن التراض على الطلاق، وقع وحصل. وانظر إلى قولنا: (إن تركه لك عن طيب نفس تأخذه) فإن الجوابهو: (تأخذه) والمعنى إذا تركه طيبة نفسه أخذته، ولكن لو قلنا (إن تركه لك فعن طيب نفس تأخذه) كان المعنى أنه إذا تركه فأخذك له عن طيب نفس، أو يكون: إن تركه لك، فقد تركه عن طيب نفس (وتأخذه) استئناف أي أنت تأخذه، ولو قلنا (إن تركه فلك عن طيب نفس تأخذه) كان المعنى إذا تركه فهو لك، تأخذه عن طيب نفس. ونحو ذلك أن تقول: (إن أكرمت كريما أعاده عليك بخير مما فعلت) فالجواب هنا (أعاده)، ولكن إذا قلت (إن أكرمت فكريما أعاده عليك بخير مما فعلت) كان المعنى: إن أكرمت فقد أكرمت كريمًا، وجملة (أعاده عليك) صفة، ولو قلت (إن أكرمت كريما أعاده عليك بخير فمما فعلت) كان المعنى إذا أكرمت كريما هذه صفته فهذا من فعلك. ونحوه: (إذا مشيت إلى مكرمة فلي أجرها) و (إذا مشيت فإلى مكرمة لي أجرها) فالجواب في الثانية (إلى مكرمة) و (لي أجرها) نعت لها، والجواب في الأولى (فلى أجرها). وانظر إلى قوله تعالى: ﴿إن كان قميصه قد من قبل﴾ [يوسف: ٢٦]، فلو قلت (إن كان قميصه قد فمن قبل) كان المعنى أن قميصه قد من قبل. وكذا قوله تعالى: ﴿إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا﴾ [هود: ٨٨]، والجواب في الآية محذوف، ولو قلت (إن كنت على بينة فمن ربي) كان المعنى أنى إذا

стр. 1213

كنت على بينة، فذاك من ربي، وكان (فمن ربي) هو الجواب. وتقول: (إذا أرسلنا لهم قاضيًا بينهم بالعدل)، فالجواب: (قضى) فإذا جئت بالفاء كان الجزاء حيثما وضعتها فيه، فإن قلت: (إذا أرسلنا لهم قاضيا قضى بيهم فبالعدل) كان الجواب (بالعدل) أي بالعدل كان حكمه، أو فبالعدل فعلنا، وتقول: (إذا أرسلنا لهم فقاضيا قضي بينهم بالعدل) أي إذا أرسلنا أحدًا، فإنا أرسلنا قاضيا، وكان (قاضيا) هو الجزاء وجملة (قضى بينهم) نعت له. ونحوه أن تقول (إذا قضيت أمرًا فلا راد له)، والجواب (فلا راد له)، ولو قلت (إذا قضيت فأمر لا راد له) كان المعنى فقضاؤك أمر لا راد له، وكانت (لا راد له) صفة، أو تقول (فأمرًا) أي فقد قضيت أمرًا. وانظر إلى هذه الجملة كيف يتغير المعني بتغير موضع الفاء: إذا رأيت إبراهيم حاد عني. إذا رأيت إبراهيم حاد فعني. إذا رأيت فإبراهيم حاد عني. فالفاء ليست لمجرد الربط، بل لها غرض آخر، لا يتضح المعنى إلا بها أحيانا. دخول الفاء جوازا على الجواب: قد يقترن جواب الشرط بالفاء جوازا، وذلك إذا كان الفعل ماضيًا وقصد به وعد أو وعيد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار﴾ [النمل: ٩٠]، أو كان مضارعًا مجردًا، أو منفيًا، بـ (لا) وقيل بـ (لم) أيضًا (١). وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ومن كفر فأمتعه قليلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، وقوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ [البقرة: ٢٣٠]

стр. 1214

أما الماضي الذي قصد به وعد أو وعيد، فاقترانه بالفاء يدل على أنه نزل منزلة ماضي المعنى مبالغة في تحقق وقوعه (١)، أي كأن الأمر حصل وتم. وأما المضارع المجرد أو المنفي بلا، فهو عند الأكثرين على تقدير مبتدأ بعد الفاء قالوا ولذا يرتفع الفعل بعدها. جاء في (الهمع): " ويرفع الجواب وجوبًا إن قرن بالفاء سواء كان فعل الشرط ماضيا نحو: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ [المائدة: ٩٥]، أم مضارعًا، نحو: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا﴾ [الجن: ١٣]، رفع لأنه حينئذ من جملة إسمية، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه، فهو لا يخاف (٢). وقال الرضي: " مذهب سيبويه تقدير المبتدأ في الأخير، ليكون جملة إسمية في التقدير، وقال المبرد لا حاجة إليه .. وإن ثبت نحو قولك: (إن غبت فيموت زيد) لم يكن لمذهب سيبويه وجه، إذ لا يمكن في مثله تقدير مبتدأ إلا ضمير الشأن، ولا يجوز إلا بعد المخففة قياسًا، وبعد إن وأخواتها ضرورة (٣). وهذا الافتراض الذي ذكره الرضي ثابت في فصيح الكلام، ولا داعي للتوقف فيه، قال تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون﴾ [القصص: ٨٤]، فلا يصح تقدير مبتدأ ههنا. والذي يبدو لي أن هذه الفاء لها غرض في الكلام، وليس دخلوها كخروجها. أما دخولها على الفعل الماضي، فقد ذكر النحاة الغرض منه، وهو الاشعار بأن الحدث وقع فعلا، أو هو بمنزلة الواقع تحقيقا وتأكيدًا له.

стр. 1215

وأما في المضارع فالذي يبدو أنها تفيد التوكيد، فقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، آكد من قولنا (فإن طلقها لا تحل) بلا (فاء). وقوله: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾ [طه: ١١٢]، آكد من قولنا (لا يخف ظلما ولا هضما). ويدل على ذلك أمور منها: إن الفاء قد تكون زائدة للتوكيد. جاء في (المغنى) في معاني الفاء: " الثالث أن تكون زائدة دخولها في الكلام كخروجها" (١). وجاء في (حاشية الدسوقي على المغنى) تعليقا على هذا القول: " فلا ينافي أنها تفيد توكيد المعنى وتقويته لقولهم: إن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى، وقد ينضم لذلك تزيين اللفظ تحسينه، وإلا كان ذلك عبثا" (٢). ويدل على ذلك استعمالها في غير الشرط، فهي قد تفيد التوكيد، قال تعالى: ﴿وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٣ - ٥]. يذكر النحاة أن الفاء دخلت هنا لمعنى الشرط " كأنه قيل: وما كان فلا تدع تكبيره" (٣). والحق أنا لا نشم رائحة للشرط هنا، بل هو زيادة في التأكيد والتخصيص، فقدم المفعول للتخصيص، وجاء بالفاء زيادة في التوكيد، ونحوه قوله تعالى: ﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ [الزمر: ٦٦]، وقوله: ﴿وإياي فارهبون﴾ [البقرة: ٤٠]، فجاء بالفاء زيادة في التوكيد.

стр. 1216

وقد ذهب أبو الفتح إلى أنها زائدة، في نحو (وربك فكبر) ونحوه أن يقال: زيدًا فاضرب وعمرًا فاشكر (١). والفاء لا تزال تستعمل عندنا في لغتنا الدارجة في العراق لتوكيد الكلام، تقول: (والله ما أروح) فإذا أكدناه قلنا (والله فلا أروح). وإذا كانت تستعمل في الفعل الماضي، للدلالة على تأكيد وقوع الفعل، فما المانع من أن تكون كذلك في المضارع؟ ويدلك على ذلك الاستعمال القرآني، فقد جاءت الفاء في المواطن التي فيها زيادة في التوكيد، قال تعالى: ﴿إذا جاء أجلهم فلا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [يونس: ٤٩]. وقال: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [النحل: ٦١]، وقال في سورة الأعراف أيضا: ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤]. فأنت ترى أنه أتى بالفاء في آية يونس، ولم يأت بها في الآيتين الأخريين، وسبب ذلك - والله أعلم - إن الموطن في سورة يونس آكد، يدل على ذلك سياق الآيات: قال تعالى في سورة يونس قبل هذه الآية: ﴿ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرًا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [يونس: ٤٧ - ٤٩]. وقال في سورة الأعراف: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ولكل أمة أجل، فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٣ - ٣٤].

стр. 1217

وقال في سورة النحل: ﴿للذين لا يؤمنون بالأخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم، ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستئخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [النحل: ٦٠ - ٦١]. فالكلام في سورة يونس هو في آجال الأمم وحسابها يوم القيامة، فقد ذكر أن كل أمة إنما تدعي وتحاسب بأجلها المحدد لها، والمشركون ينكرون هذا ويسخرون منه قائلين، ﴿أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد﴾ [ق: ٣]، ويقول بعضهم لبعض: ﴿هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد﴾ [سبأ: ٧] وفي هذا الموطن أيضا يسخرون قائلين: ﴿متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [يونس: ٤٨]، فأنكارهم هذا يستدعي التوكيد، ولذا قال بعد هذه الآيات: ﴿ويستنبئونكأحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾ [يونس: ٥٣]، فيأمر الرسول أن يقسم لهم على ذلك، فموطن التوكيد واضح في آية يونس، بخلاف المواطنين الآخرين. أما آية الاعراف فإذا ذكر الأجل يأتي فيها عرضا كما هو ظاهر من السياق. وآية النحل كذلك، فإنها جاءت تعليقا على معتقدهم بأن الملائكة بنات الله مع أنهم يكرهونهن لأنفسهم، قال: ﴿ويجعلون الله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم يتواري من القوم من سوء ما بشر به ايمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ [النحل: ٥٧ - ٥٩]، فرد الله عليهم بقوله: ﴿للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم﴾ [النحل: ٦٠]. ثم قال: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم .. الآية﴾ [النحل: ٦١]، أي أن هؤلاء ظلموا وجاروا في قولهم فنسبوا إلى الله ما لا يليق به، فلو يؤاخذهم بذلك لعجل لهم العذاب، ولكنه يؤخرهم إلى أجل مسمى لا يتعدونه، ثم يعود بعد هذه الآية إلى حكاية معتقدهم الباطل، فيقول: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾ أي البنات لأنهم يكرهونهن، كما حكي عنهم ذلك.

стр. 1218

فأنت ترى أن ذكر الأجل جاء عرضا في اثناء الكلام على الاعتقادات الباطلة، وليس كذلك الأمر في سورة يونس، فإن السياق فيها إنما هو في آجال الأمم وحسابها في اليوم الآخر، الذي ينكره المتحدث عنهم من الكفرة، فاحتاج الكلام إلى زيادة توكيد بخلاف المواطنين الآخرين. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا﴾ [الجن: ١٣]، " فلا يخاف -فهو لا يخاف أي فهو غر خائف، ولأن الكلام في تقدير مبتدأ وخبره دخلت الفاء ولولا ذاك لقيل (لا يخف). فإن قلت: أي فائدة في رفع الفعل، وتقدير مبتدأ قبله، حتى يقع خبرا له، ووجوب إدخال الفاء، وكان ذلك كله مستغني عنه بأن يقال: لا يخف؟ قلت: الفائدة فيه، أنه إذا فعل ذلك، فكأنه قيل فهو لا يخاف، فكان دالا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره (١). فقد ذكر أن الفاء دلت على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، ولكنه لم يخرج من دائرة النحاة في تقدير مبتدأ ليكون الكلام من باب التخصيص، وهذا ما لا داعي له، ولا يصدق على كثير من التعبيرات، فأين التخصيص في قوله تعالى مثلا: ﴿قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا﴾ [الأحقاف: ٨]. فإن تقديره كما يذهب النحاة (فأنتم لا تملكون لي من الله شيئا) وعلى هذا التقدر يفيد الكلام تخصيصا، ولكن المعنى يأباه، فهم لا يملكون له من الله شيئا، كما لا يملك غيرهم له من الله شيئا فليسوا هم مختصين بهذا الأمر. ويرد هذا ايضا أنه لا يصح تقدير مبتدأ أحيانا بعد الفاء، كما ذكرنا فينتفي هذا المعنى، إن صاحب الكشاف لو اقتصر على معنى التحقيق، لكان كلامه اسلم، ومذهبه أسد، والله أعلم.

стр. 1219

وجاء في (أنوار التنزيل) في قوله تعالى: ﴿فمن اتقي وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [الأعراف: ٣٥ - ٣٦]، قوله: " وإدخال الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد" (١). فقد ذكر أن ادخال الفاء أفاد المبالغة في الوعد، ومعنى المبالغة ههنا التوكيد، بخلاف عدم ذكرها، فدل ذلك على صحة ما ذكرناه، والله أعلم. اقترانه بـ إذا الفجائية قد يقترن جواب (أنْ) و (إذا) من بين أدوات الشرط بـ (إذا) الفجائية، وذلك إذا كان الجواب فيه شروط معينة يذكرها النحاة. جاء في (التصريح): " ويجوز أن تغني (إذا) الفجائية عن الفاء في الرابط، لأنها أشبهت الفاء في كونها لا يبتدأ بها، ولا تقع إلا بعد ما هو معقب بما بعدها، فقامت مقامها إن كانت الأداة الجازمة (أن) .. أو كانت الأداة غير الجازمة (إذا) الشرطية، لأنها تشبه (إن) في كونها إم باب الشروط غير الجوازم، والجواب فيها جملة إسمية موجبة غير طلبية، وغير مقرونة بـ (إن) التوكيدية (٢). وعلى هذا فإن الجواب ليصلح اقترانه بـ (إذا) الفجائية، يجب أن تكون فيه الشروط الآتية: ١ - أن يكون جملة إسمية، فإن كان فعلية، لم يجز اقترانها به، فلا يجوز اقترانها في نحو (إن كان قميصه .. فصدقت). ٢ - أن تكون الجملة مثبتة فإن كانت منفية، لم يصح اقترانه بها، فلا يجوز (أن يسافر إذا ما أنا مسافر).

стр. 1220

٣ - أن تكون الجملة خبرية فإذا كانت غير خبرية لم يصح اقترانه بها، فلا يجوز (إن عصيت إذا ويل لك). ٤ - أن تكون غير مقرونة بـ (أن) المؤكدة فلا يصح أن تقول: (إن تذهب إذا إني معك). ومثال ما اجتمعت فيه الشروط، قوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾ [الزمر: ٤٥]، وقوله: ﴿إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا انتم تخرجون﴾ [الروم: ٢٥]. وهناك شرط أغفله النحاة، وهو أن يحتمل الكلام معنى المفاجأة، وإلا لم يحسن دخولها وإن وجدت الشروط، فلا يحسن مثلا أن يقال في نحو قوله تعالى: ﴿وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، (إذا هو خير لكم) فإنه ليس فيها معنى المفاجأة. ولا يحسن في نحو قوله تعالى: ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أن يقال: (إذا رجل وامرأتان) أو (إذا هما رجل وامرأتان) ولا في نحو قوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النساء: ١١]، أن يقال (إذا لها النصف) ولا في نحو قوله: ﴿إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾ [النساء: ١٣٥]، أن يقال (إذا الله أولى بهما) ولا في قوله: ﴿وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير﴾ [الأنعام: ١٧]، أن يقال: (إذا هو على كل شيء قدير). بل لابد من توفر عنصر المفاجأة، ليصح الكلام، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات فإنأعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [التوبة: ٥٨]، أي يسخطون فجأة، وقوله: ﴿إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ [الروم: ٢٥]، أي تخرجون فجأة استجابة لأمر الله.

стр. 1221

فلا يسن وضع (إذا) في المواطن التي يذكرها النحاة، إذا لم يكن الموطن صالحًا للمفاجأة. إن الفاء تفيد السبب، ولا تفيد المفاجأةن وهناك فرق بين السبب والمفاجأة، ألا تحس فرقا في المعنى بين قوله ﴿وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ والقول (فهم يسخطون)؟ ألا ترى أن في الأول سرعة تغير ومفاجأة في الموقف، وأما الثاني فسبب محض وليس فيه معنى المفاجأة. تقول: (من سلم فله الجنة) (ومن فتن المؤمنين في دينهم فله عذاب شديد) فالفاء أفادت السبب ولم تفد المفاجأة والسرعة، فالعذاب قد يكون في الآخرة. وعلى هذا فإن (إذا) لا تغني عن الفاء، ولا الفاء تغني عن (إذا) ـ، بل لكل منهما غرض ومعنى. قالوا: " وقد يجمع بين الفاء وإذا الفجائية تأكيدًا، خلافا لمن منع ذلك، قال تعالى: ﴿فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا﴾ [الأنبياء: ٧٩]. قال الزمخشري: (إذا) هذه هي الفجائية وقد تقع في المجازاة سادة مسد الفاء، فإذا جاءت الفاء معها، تعاونتا على وصل الجزاء، فيتأكد ولو قيل: إذا هي شاخصة، أو (فهي شاخصة) كان سديدًا. أهـ (١). ولا شك أنه قد يجمع بينهما كما ورد في القرآن الكريم، ولكن ليس توكيدا إذ ليسا هما بمعنى واحد، حتى يفيد اجتماعهما التوكيد، بل لجع معني الفاء و (إذا) فيراد باجتاعهما السببية والمفاجأة، قال تعالى: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين﴾ [الأنبياء: ٩٦ - ٩٧]، فجمع بين الفاء و (إذا) لإرادة معنى السبب والمفاجأة، وليس حذف أحدهما يغني الآخر عن ذكره، كما هو ظاهر كلام الزمخشري، بل إذا حذف أحدهما لم يؤد الآخر معناه، والله أعلم.

стр. 1222

رفع جواب الشرط بغير الفاء إذا وقع جواب الشرط مضارعًا، والشرط ماضيًا، جاز في جواب الشرط وجهان: الرفع والجزم، نحو (إن جئتني أزرك) و (إن جئتني أزورك) (١). قال تعالى: ﴿وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، فما الفرق بين التعبيرين في المعنى؟ الذي يبدو ان رفع الفعل اقوى وأدل على الامضاء من جزمه، وذلك لأن أصل الكلام في الرفع تقديم المتأخر والتقدير في الجملة السابقة (أزورك إن جئتني) فيكون الكلام في الرفع قد بني على امضاء الحدث، ثم أدرك المتكلم الشرط مؤخرا (٢). وأما في الجزم فقد بني الكلام على الشرط ابتداء، ولذلك جزم الجواب. قال سيبويه: وقد تقول (إن آتيتني آتيك) أي آتيك إن أتيتني .. ولا يحسن أن تأتني آتيك من قبل أن (إن) هي العاملة (٣). فبالحزم يكون الكلام مبنيا على الشرط، وبالرفع يكون الكلام مبنيا على الامضاء ولو كان مبنيا على الشرط لجزم. العطف على الشرط والجواب إذا جئت بفعل مضارع مقرون بالواو أو الفاء بعد فعل الشرط، جاء فيه وجهان: الجزم على الاتباع، والنصب، تقول: (إن تضرب خالد وتهنه اغضب عليك) وتقول: (إن تضرب خالدا وتهينه اغضب عليك) فالجزم على العطف والنصب على المعية.

стр. 1223

وتقول: (إن تعنف أخاك فتغضبه لا أكلمك) بالجزم، تقول: (إن تعنف أخاك فتغضبه با أكلمك) بالنصب على السببية. فإن جئت بالفعل بعد الجواب، جاز فيه الرفع على الاستئناف زيادة على الوجهين السابقين (١). نحو (إن تكرم سالما أكرمك وأساعدك) فالجزم على العطف، والنصب على المعية، والرفع على الاستئناف، ومعنى الاستئناف أنك تساعده، سواء فعل ذلك أم لا. فمعنى الجزء أنك تساعده أن أكرم سالمًا، ومعنى الرفع أنك تساعده على كل حال وليست مساعدتك له مرتبطة بالشرط ومثله قوله تعالى: ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ [آل عمران: ١١١]، فجاء بالفعل مرفوعا، والمعنى أنهم لا ينصرون وليس ذلك مشروطًا بالقتال، وإنما هو أخبار مستأنف، ولو جزم لكان مشروطا بالقتال. اجتماع الشرط والقسم إذا اجتمع شرط وقسم، فالجواب للسابق منهما، فإن تقدمهما ذو خبر، جاز جعل الجواب لأي منهما (٢). وذلك لأن المتقدم يكون الكلام مبنيا عليه، فإذا قلت (والله إن زرتني لأكرمنك) فقد بنيت الكلام على القسم، وكان الشرط مقيدًا له، وإن قلت (إن زرتني والله أكرمك) كنت بنيت الكلام على الشرط وجعلت القسم عترضا. جاء في (أمالي ابن الشجري): " والله إن قمت لأقومن - لأقومن جواب القسم والشرط معترض .. وإن تقدم الشرط كان القسم معترضا، والجواب للشرط، مثل: إن قمت والله قمت (٣).

стр. 1224

فإن تقدمهما ذو خبر نحو (إنا والله إن تأتني أكرمك) جاز جعل الجواب للقسم أو للشرط، باعتبار أن الكلام بني على اسم متقدم غير الشرط والقسم، وهو يحتاج إلى خبر فيمكن جعل كل من القسم أو الشرط معترضا، فإذا قلت: (أنا والله إن تاتني آتك) جعلت القسم اعتراضا بين المبتدأ والخبر، وإن قلت (أنا والله إن اتيتني لآتينك) جعلت الشرط قيدًا للقسم. هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية يبدو أن اطلاق لفظ (معترض)، أو (اعتراض) على الشرط غير موفق أحيانا، لأنه قد يفهم أن أهميته ثانوية في الكلام، في حين أنه قد يكون الكلام قسما على الشرط وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين﴾ [البقرة: ١٤٥]، فإنه ليس من السداد أن تقول: إن أصل الكلام: والله إنك لمن الظالمين ثم اعترض بالشرط، كيف وقد أقسم الله على الشرط ونحوه قوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: ١٢١]، فإن القسم مضمر عند النحاة، وتقدير الكلام (ولئن أطعتموهم) بدليل أن الجواب للقسم، ولم يقترن بالفاء. جاء في (الكتاب): " فلو قلت: (إن اتيتني لأكرمتك) وإن لم تأتني لأغمنك. جاز لأنه فيمعنى لئن أتيتني لأكرمنك، ولئن لم تأتني لأغمنك، ولابد من هذه اللام مضمرة أو مظهرة، لأنها لليمين كأنك قلت: والله لئن اتيتني لأكرمتك (١). وهو كما ترى قسم على الشرط، فالشرط هو المقصود بالكلام، وقد أقسم الله عليه، فتسميه الشرط معترضا، في نحو هذا تسمية غير موفقة، لا تناسب أهميته في الكلام، ولا في أداء المعنى، وعلى أي حال فهو مصطلح نحوي، وهو نظير التسمية بالفضلة، مع أن المعنى يتوقف عليها أحيانًا، فإذا حذفت ذهب معنى الكلام، وذلك نحو قوله تعالى:

стр. 1225

﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾ [لقمان: ١٨]، وقوله: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ [النساء: ١٤٢]، وقوله: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقوله الشاعر: إنما الميت من يعيش كئيبا ... كاسفًا باله قليل الرجاء ونحو (ضربي العبد مسيئا) فإذا حذفت الفضلة في نحو هذا، اختل الكلام وفسد المعنى ومع ذلك فالمنصوبات ههنا تسمى فضلة في الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح. حذف جواب الشرط أ - حذفه وجوبا: يحذف جواب الشرط وجوبًا، وذلك إذا تقدم عليه أو اكتنفه ما يدل علىه، وكان فعل الشرط ماضيا، نحو: (أزورك إن زرتني) ونحو: (أنت مفلح إن صدقت) و (أنت إن صدقت مفلح) قال تعالى: ﴿وإنا إن شاء الله لمهتدون﴾ [البقرة: ٧٠] (١). وعند الكوفيين إن جواب الشرط هو المتقدم، ففي نحو (أزورك إن زرتني) (أزورك) هو الجواب عندهم (٢). وقد رد البصريون ذاك، بأنه لو كان الجواب هو المتقدم، لجزم إذا كان فعلا، وللزمته الفاء إذا كان جملة إسمية (٣). فكان يصح أن يقال (أزرك إن رزتني) و (فأنت مفلح إن صدقت) ويرده أيضا أننا نقول (إذا أمطرت السماء نبت الزرع) ولا تقول: نبت الزرع إذا أمطرت السماء" بل تقول (ينبت الزرع)، وتقول: (إذا فارقته الحمي خرج)، ولا تقول: (زرتك إن زرتني) بل نقول (أزورك) فدل على أن المتقدم ليس جوابا للشرط.

стр. 1226

وذهب جماعة من البصريين إلى أن ثمة فرقا في المعنى بين التقديم والتأخير، فإن قولنا (أزورك إن زرتني) الكلام فيه مبني على الوعد غير المشروط، ثم بدا للمتكلم أن يشترط بخلاف ما إذا بدأ بالشرط، فقال (إن زرتني زرتك) فإنه بناه على ابتداء على الشرط. قال ابن السراج" " فأما قولهم (أجيئك إن جئتني) و (آتيك إن تأتني) فالذي عندنا إن هذا الجواب محذوف كفي عنه الفعل المقدم، وإنما يستعمل هذا على جهتين: أما إن يضطر إليه شاعر، فيقدم الجزاء للضرورة، وحقه التأخير. وأما إن تذكر الجزاء بغير شرط، ولا نية فيه، فتقول: (أجيئك) فيعدك بذلك على كل حال، ثم يبدو له إلا يجيئك بسبب، فتقول: إن جئتني، ويستغني عن الجواب بما قدم (١). قيل: وليس كذلك بل الكلام مبني على الشرط وإن تأخر. جاء في (البرهان): " ففي التقدم بني الكلام على الخبر، ثم طرأ التوقف، وفي التأخير بني الكلام من أوله على الشرط، كذا قاله ابن السراج وتابعه ابن مالك وغيره. ونوزعا في ذلك، بل مع التقديم مبني على الشرط، كما لو قال: (له على عشرة إلا درهما) فإنه لم يقر بالعشرة، ثم أنكر درهما، ولو كان كذلك لم ينفع الاستثناء. ثم زعم ابن السراج أن ذلك لا يقع إلا في الضرورة، وهو مردود بوقوعه في القرآن، كقوله: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [البقرة: ١٧٢] (٢). أما قوله: أن ابن السراج زعم أن ذلك لا يقع إلا في الضرورة، فهو وهم على ابن السراج، فإنه لم يقل ذاك، وإنما قال: إن هذا التعبير إما أن يقع في ضرورة شعر، وإن الشاعر لم يقصد منه ما يقصد في اختيار الكلام، وإما أن يكون على نية ذكر الجزاء بغير شرط، ثم بدا له أن يذكر الشرط فيما بعد، وهذا حق.

стр. 1227

وأما ما ذكره صاحب البرهان، فلا أراه ينهض دليلا على رد ابن السراج، فهناك فرق بين القولين، فقولهم (له علي عشرة إلا درهما) جملة واحدة، والجملة الواحدة، تؤخذ بكل قيودها، وأما (أجيئك إن جئتني) فجملتان. وأيا كان الأمر فإنه يبدو على كل حال، أن الحدث المتقدم آكد وأكثر تحقيقا من المتأخر، فعلى ما ذكره ابن السراج أن الكلام مبني على الوعد واليقين، ولم يبن على الشرط ولو بناه على الشرط لجزمه. وعلى مذهب الكوفيين أن هذا مقدم من تأخير فقدم للاهتمام والعناية، ومعنى ذلك أن حدوثه آكد وأقوى. وأما إذا اكتنفه ما يدل عليه، نحو قولنا (أنت إن درست ناجح) فالشرط في نحوه اعتراض من غير شك، فأنت بنيت كلامك على اليقين، ثم اعتراضك الشرط قبل أن تتم الكلام، ونحوه (حمد ظننت مسافر) فإنك أردت أن تخبر عن سفر محمد باليقين ثم اعتراضك الظن. وعلى هذا نحن نقول: إن درست فأنت ناجح أنت إن درست ناجح أنت ناجح إن درست فالجملة الأولى مبنية على الشرط ابتداء، والثانية مبنية على اليقين، والشرط معترض، والثالثة مبنية على اليقين، حتى إذا مضى الكلام على اليقين، أدركك الشرط، فاستأنفته في الكلام، فالنجاح في الجملة الأخيرة آكد، لأن الأخبار مضى على اليقين، أما الشرط فمتأخر، ثم الثانية لأن الشرط اعترض الخبر، ثم الأولى، لأن الكلام فيها مبني على الشرط ابتداء.

стр. 1228

أما الاشتراط للحذف، أن يكون فعل الشرط ماضيا في كل ما مر مع القسم، أو مع غيره فإنه يبدو أن العرب لا تجزم بعد أداة الشرط إلا إذا أرادت بناء الكلام على الشرط فإن الجزم بها يعني أن الكلام مبني على الشرط فلا تحذف لأن الكلام سيتناقض إذ كيف يكون الكلام مبنيا على الشرط، واليقين في وقت واحد؟ فإنك إذا قلت (أزورك إن تزرني) كان الكلام مبنيا على الشرط، بدلالة الجزم، وكان مبنيا على اليقين، بدلالة ما تقدم عليه وارتفاعه، إذ لو كان جوابا لجزم فيكون الكلام مبنيا على الشرط واليقين في آن واحد، وهو باطل. قال سيبويه: " وقبح في الكلام أن تعمل (إنْ) أو شيء من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمه في اللفظ ثم لا يكون لها جواب ينجزم بما قبله، ألا ترى أنك تقول (آتيك إن أتيتني) ولا تقول (آتيك إن تأتني) إلا في شعر (١). وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن السراج ب - حذفه جوازاً: وهو على ضربين: الأول: أن يحذف اختصارا، نحو قوله تعالى: ﴿قالوا طائركم معكم أين ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون﴾ [يس: ١٩]، أي (تطيرتم) بدليل قوله تعالى: ﴿قالوا إنا تطيرنا﴾ ونحو قوله: ﴿وإذا قيل لهم أتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون﴾ [يس: ٤٥]، أي (أعرضوا) (٢). جاء في (المقتضب): " فأما حذف الخبر، فمعوف جيد، من ذلك قوله: ﴿ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا﴾ [الرعد: ٣١].

стр. 1229

قال الراجز: لو قد حداهن أو الجودي يرجز مستحنفر الروي مستويات كنوي البرني لم يأت بخبر لعلم المخاطب، ومثل هذا الكلام كثير، ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلومًا بما يدل عليه من متقدم خبر أو مشاهدة حال (١). الثاني: للدلالة على التفخيم والتعظيم. جاء في (البرهان): " قالوا: وحذف الجواب يقع في مواقع التفخيم والتعظيم، ويجوز حذفه لعلم المخاطب به وإنما، يحذف لقصد المبالغة السامع مع أقصى تخيله، يذهب منه الذهن كل مذهب، ولو صرح بالجواب لوقف الذهن عند المصرح به، فلا يكون له ذلك الوقع، ومن ثم لا يحسن تقدير الجواب مخصوصا، إلا بعد العلم بالسياق (٢). وجاء في (الإيضاح) للقزويني: " أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور مطلوبا، أو مكروها، إلا يجوز أن يكون الأمر أعظم منه، ولو عين شيء اقتصر عليه، وربما خف امره، كقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فاخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣]، وكقوله: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾ [الأنعام: ٣٠]، ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم﴾ [السجدة: ١٢] (٣). وقال ابن يعيش: " وقال أصحابنا إن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك إذا قلت لعبدك: (والله لئن قمت إليك) وسكت عن الجواب

стр. 1230

ذهب فكره إلى أشياء من أنواع المكروه، فلم يدر أيها يبقي، ولو قلت: لأضربتك فأتيت بالجواب، لم تبق شيئا غير الضرب (١). وجاء في (الاتقان): " إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفي بدلالة الحال، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفي بالحال عن ذكرها، قال ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهول على النفس، ومنه قوله في وصف أهل الجنة: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣]، فحذف الجواب إذا كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهي، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شاءته، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك، وكذا قوله: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ [الأنعام ٢٧]، أي لرأيت أمرًا فظيعًا لا تكاد تحيط به العبارة" (٢). قال تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الزمر" ٧١]. وقال: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا، حتى إذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣] فقال في أهل جهنم: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ فجعل جواب الشرط (فتحت أبوابها) وقال في أهل الجنة: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ فجاء بالواو (وفتحت) وحذف الجواب. قالوا: لأن جهنم سجن لأصحابها، والسجون مغلقة الأبواب، لا تفتح إلا لداخل فيها أو خارج منها، كما قال تعالى: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ [الهمزة: ٨]، في حين قال في أهل الجنة (وفتحت أبوابها) لأن أبوابها مفتحة، لأنها دار الكرامة، قال تعالى: ﴿جنات عدن
следующие страницы →