وذهب جماعة من البصريين إلى أن ثمة فرقا في المعنى بين التقديم والتأخير، فإن قولنا (أزورك إن زرتني) الكلام فيه مبني على الوعد غير المشروط، ثم بدا للمتكلم أن يشترط بخلاف ما إذا بدأ بالشرط، فقال (إن زرتني زرتك) فإنه بناه على ابتداء على الشرط.
قال ابن السراج" " فأما قولهم (أجيئك إن جئتني) و (آتيك إن تأتني) فالذي عندنا إن هذا الجواب محذوف كفي عنه الفعل المقدم، وإنما يستعمل هذا على جهتين:
أما إن يضطر إليه شاعر، فيقدم الجزاء للضرورة، وحقه التأخير.
وأما إن تذكر الجزاء بغير شرط، ولا نية فيه، فتقول: (أجيئك) فيعدك بذلك على كل حال، ثم يبدو له إلا يجيئك بسبب، فتقول: إن جئتني، ويستغني عن الجواب بما قدم (١).
قيل: وليس كذلك بل الكلام مبني على الشرط وإن تأخر.
جاء في (البرهان): " ففي التقدم بني الكلام على الخبر، ثم طرأ التوقف، وفي التأخير بني الكلام من أوله على الشرط، كذا قاله ابن السراج وتابعه ابن مالك وغيره.
ونوزعا في ذلك، بل مع التقديم مبني على الشرط، كما لو قال: (له على عشرة إلا درهما) فإنه لم يقر بالعشرة، ثم أنكر درهما، ولو كان كذلك لم ينفع الاستثناء.
ثم زعم ابن السراج أن ذلك لا يقع إلا في الضرورة، وهو مردود بوقوعه في القرآن، كقوله: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [البقرة: ١٧٢] (٢).
أما قوله: أن ابن السراج زعم أن ذلك لا يقع إلا في الضرورة، فهو وهم على ابن السراج، فإنه لم يقل ذاك، وإنما قال: إن هذا التعبير إما أن يقع في ضرورة شعر، وإن الشاعر لم يقصد منه ما يقصد في اختيار الكلام، وإما أن يكون على نية ذكر الجزاء بغير شرط، ثم بدا له أن يذكر الشرط فيما بعد، وهذا حق.
стр. 1227
وأما ما ذكره صاحب البرهان، فلا أراه ينهض دليلا على رد ابن السراج، فهناك فرق بين القولين، فقولهم (له علي عشرة إلا درهما) جملة واحدة، والجملة الواحدة، تؤخذ بكل قيودها، وأما (أجيئك إن جئتني) فجملتان.
وأيا كان الأمر فإنه يبدو على كل حال، أن الحدث المتقدم آكد وأكثر تحقيقا من المتأخر، فعلى ما ذكره ابن السراج أن الكلام مبني على الوعد واليقين، ولم يبن على الشرط ولو بناه على الشرط لجزمه.
وعلى مذهب الكوفيين أن هذا مقدم من تأخير فقدم للاهتمام والعناية، ومعنى ذلك أن حدوثه آكد وأقوى. وأما إذا اكتنفه ما يدل عليه، نحو قولنا (أنت إن درست ناجح) فالشرط في نحوه اعتراض من غير شك، فأنت بنيت كلامك على اليقين، ثم اعتراضك الشرط قبل أن تتم الكلام، ونحوه (حمد ظننت مسافر) فإنك أردت أن تخبر عن سفر محمد باليقين ثم اعتراضك الظن.
وعلى هذا نحن نقول:
إن درست فأنت ناجح
أنت إن درست ناجح
أنت ناجح إن درست
فالجملة الأولى مبنية على الشرط ابتداء، والثانية مبنية على اليقين، والشرط معترض، والثالثة مبنية على اليقين، حتى إذا مضى الكلام على اليقين، أدركك الشرط، فاستأنفته في الكلام، فالنجاح في الجملة الأخيرة آكد، لأن الأخبار مضى على اليقين، أما الشرط فمتأخر، ثم الثانية لأن الشرط اعترض الخبر، ثم الأولى، لأن الكلام فيها مبني على الشرط ابتداء.
стр. 1228
أما الاشتراط للحذف، أن يكون فعل الشرط ماضيا في كل ما مر مع القسم، أو مع غيره فإنه يبدو أن العرب لا تجزم بعد أداة الشرط إلا إذا أرادت بناء الكلام على الشرط فإن الجزم بها يعني أن الكلام مبني على الشرط فلا تحذف لأن الكلام سيتناقض إذ كيف يكون الكلام مبنيا على الشرط، واليقين في وقت واحد؟ فإنك إذا قلت (أزورك إن تزرني) كان الكلام مبنيا على الشرط، بدلالة الجزم، وكان مبنيا على اليقين، بدلالة ما تقدم عليه وارتفاعه، إذ لو كان جوابا لجزم فيكون الكلام مبنيا على الشرط واليقين في آن واحد، وهو باطل.
قال سيبويه: " وقبح في الكلام أن تعمل (إنْ) أو شيء من حروف الجزاء في الأفعال حتى تجزمه في اللفظ ثم لا يكون لها جواب ينجزم بما قبله، ألا ترى أنك تقول (آتيك إن أتيتني) ولا تقول (آتيك إن تأتني) إلا في شعر (١).
وهذا يؤيد ما ذهب إليه ابن السراج
ب - حذفه جوازاً:
وهو على ضربين:
الأول: أن يحذف اختصارا، نحو قوله تعالى: ﴿قالوا طائركم معكم أين ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون﴾ [يس: ١٩]، أي (تطيرتم) بدليل قوله تعالى: ﴿قالوا إنا تطيرنا﴾ ونحو قوله: ﴿وإذا قيل لهم أتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون﴾ [يس: ٤٥]، أي (أعرضوا) (٢).
جاء في (المقتضب): " فأما حذف الخبر، فمعوف جيد، من ذلك قوله: ﴿ولو أن قرءانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا﴾ [الرعد: ٣١].
стр. 1229
قال الراجز:
لو قد حداهن أو الجودي
يرجز مستحنفر الروي
مستويات كنوي البرني
لم يأت بخبر لعلم المخاطب، ومثل هذا الكلام كثير، ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلومًا بما يدل عليه من متقدم خبر أو مشاهدة حال (١).
الثاني: للدلالة على التفخيم والتعظيم.
جاء في (البرهان): " قالوا: وحذف الجواب يقع في مواقع التفخيم والتعظيم، ويجوز حذفه لعلم المخاطب به وإنما، يحذف لقصد المبالغة السامع مع أقصى تخيله، يذهب منه الذهن كل مذهب، ولو صرح بالجواب لوقف الذهن عند المصرح به، فلا يكون له ذلك الوقع، ومن ثم لا يحسن تقدير الجواب مخصوصا، إلا بعد العلم بالسياق (٢).
وجاء في (الإيضاح) للقزويني: " أن يحذف للدلالة على أنه شيء لا يحيط به الوصف أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور مطلوبا، أو مكروها، إلا يجوز أن يكون الأمر أعظم منه، ولو عين شيء اقتصر عليه، وربما خف امره، كقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فاخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣]، وكقوله: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ [الأنعام: ٢٧]، ﴿ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾ [الأنعام: ٣٠]، ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم﴾ [السجدة: ١٢] (٣).
وقال ابن يعيش: " وقال أصحابنا إن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره، ألا ترى أنك إذا قلت لعبدك: (والله لئن قمت إليك) وسكت عن الجواب
стр. 1230
ذهب فكره إلى أشياء من أنواع المكروه، فلم يدر أيها يبقي، ولو قلت: لأضربتك فأتيت بالجواب، لم تبق شيئا غير الضرب (١).
وجاء في (الاتقان): " إنما يحسن الحذف لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء فيكون في تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفي بدلالة الحال، وتترك النفس تجول في الأشياء المكتفي بالحال عن ذكرها، قال ولهذا القصد يؤثر في المواضع التي يراد بها التعجب والتهول على النفس، ومنه قوله في وصف أهل الجنة: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣]، فحذف الجواب إذا كان وصف ما يجدونه ويلقونه عند ذلك لا يتناهي، فجعل الحذف دليلا على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، وتركت النفوس تقدر ما شاءته، ولا تبلغ مع ذلك كنه ما هنالك، وكذا قوله: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ [الأنعام ٢٧]، أي لرأيت أمرًا فظيعًا لا تكاد تحيط به العبارة" (٢).
قال تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الزمر" ٧١].
وقال: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا، حتى إذا جاءوها وفتحت ابوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣]
فقال في أهل جهنم: ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ فجعل جواب الشرط (فتحت أبوابها) وقال في أهل الجنة: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ فجاء بالواو (وفتحت) وحذف الجواب.
قالوا: لأن جهنم سجن لأصحابها، والسجون مغلقة الأبواب، لا تفتح إلا لداخل فيها أو خارج منها، كما قال تعالى: ﴿إنها عليهم مؤصدة﴾ [الهمزة: ٨]، في حين قال في أهل الجنة (وفتحت أبوابها) لأن أبوابها مفتحة، لأنها دار الكرامة، قال تعالى: ﴿جنات عدن
стр. 1231
مفتحة لهم الأبواب﴾ [ص: ٥٠]، وحذف الجواب، لأن الكلام يضيق عن وصف الكرامة التي أعدتلهم.
جاء في (الكشاف): في هذه الأية: " وإنما حذف [يعني الجزاء] لأنه في صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف .. وقيل أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها، بدليل قوله: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ فلذلك جيء بالواو، وكأنه قيل حتى إذا جاؤها، وقد فتحت أبوابها (١).
وجاء في (البرهان): في هذه الآية أن أبا علي قال: " إنما تركت الواو في النار لأنها مغلقة، وكان مجيئهم شرطًا في فتحها، فقوله (فتحت) فيه معنى الشرط، وإما قوله (وفتحت) في الجنة فهذه واو الحال، كأنه قال: جاؤها وهي مفتحة الأبواب أو هذه حالها.
وهذا الذي قاله أبو علي هو الصواب ويشهد له أمران:
أحدهما: إن العادة مطردة شاهدة في إهانة المعذبين بالسجون، من إغلاقها حتى يردوا عليها، وإكرام المنعمين بإعداد فتح الأبواب لهم مبادرة واهتماماً.
والثاني: النظير في قوله: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ (٢).
ومن الحذف للدلالة على التهويل والتعظيم، قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ [الأنعام: ٢٧]، وقوله: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ [الأنعام: ٣]، ويقولون: لو رأيت فلانا والسياط تأخذ منه، قالوا: وهذا الحذف أفخم وأعظم، لأن على هذا التقدير يذهب خاطر المخاطب إلى كل ضرب من الوعيد، فيكون الخوف على هذا التقدير أشد مما إذا كان عين له ذلك الوعيد (٣).
стр. 1232
تشبيه الاسم الموصول بالشرط
قد يشبه الاسم الموصول بالشرط فتدخل في جوابه الفاء، نحو (الذي يدخل الدار فله مكافأة) فإن دخول الفاء معناه أن المكافأة تترتب على دخول الدار، ترتب الجزاء على الشرط، فيكون دخول الدار سببا للحصول على المكافأة وأما حذفها فيحتمل السببية وغيرها، أي يحتمل أن المكافأة مترتبة على الدخول كالجملة السابقة، ويحتمل أن المكافأة ليست مترتبة على الدخول، بل هي له قبل أن يدخل، كأنك تقول: انظر إلى ذلك الذي يدلخل الدار، فإن له مكافأة فليس دخول الدار سببًا للحصول عليها.
وعلى هذا فدخول الفاء يفيد التنصيص على السبب، وحذفها لا يفيد التنصيص على شيء، بل يحتمل السببب وغيره.
جاء في (الكامل) في قولهم (الذي يأتيني فله درهم) " فدخلت الفاء، لأنه استحق الدرهم بالاتيان، فإن لم ترد هذا المعنى قلت: الذي يأتيني له درهم" (١).
وقال سيبويه: " وسألته عن قوله (الذي يأتيني فله درهمان) لم جاز دخول الفاء ههنا و (الذي يأتيني) بمنزلة (عبد الله) وأنت لا يجوز لك أن تقول (عبد الله فله درهمان؟
فقال: إنما يحسن في (الذي)، لأنه جعل الآخر جوابًا للأول، وجعل الأول به يجب له الدرهمان، فدخلت الفاء ههنا، كما دخلت في الجزاء إذا قال (إن يأتني فله درهمان)، وإن شاء قال (الذي يأتيني له درهما)، كما تقول: (عبد الله له درهمان) غير أنه إنما دخل الفاء لتكون العطية مع وقوع الاتيان، فإذا قاله (له درهمان) فقد يكون أن لا يوجب ذلك بالاتيان، فإذا أدخل الفاء فإنما يجعل الاتيان سبب ذلك، فهذا جزاء، وغن لم يجزم لأنه صلة (٢).
ولا يفيد حذف الفاء تنصيصا على عدم السبب، كما ذهب إليه المبرد وجماعة من النحاة. جاء في (المقتضب): " ألا ترى أنك تقول: (الذي يأتيك فله درهم) فلولا أن الدرهم يجب الاتيان، لم يجز دخول الفاء كما لا يجوز (زيد فله درهم) و (عبد الله فمنطلق) .. فإذا
стр. 1233
قلت (الذي يفتح الصندوق له خمسة دراهم) - لا وفاء - فإن قولك هذا يحتمل السببية وغيرها، أي يحتمل أن الحصول على الدراهم يكون بسبب فتح الصندوق، ويحتمل أن الشخص الذي يفتح الصندوق له مبلغ خمسة دراهم، وليست هذه الدراهم يستحقها بسبب فتح الصندوق، بل هي له قبل أن يباشر فتح النصدوق، فكأنك قلت: انظر إلى هذا الشخص الذي يفتح الصندوق، فإن له خمسة دراهم.
ولكن إذا قلت (الذي يفتح الصندوق فله خمسة دراهم) فقد جعلت استحقاق الدراهم بسبب فتح الصندوق.
قال ابن هشام: " كما تربط الفاء الجواب بشرطه، كذلك تربط شبه الجواب بشبه الشرط، وذلك في نحو (الذي يأتيني فله درهم) وبدخولها فهم ما أراده المتكلم من ترتب لزوم الدرهم على الاتيان، ولو لم تدخل احتمال ذلك وغيره (١).
وهذا ما أشار إليه سيبويه في قوله الذي ذكرناه " غير أنه إنما أدخل الفاء لتكون العطية مع وقوع الاتيان، فإذا قال (له درهمان) فقد يكون أن لا يوجب ذلك بالاتيان" أي يحتمل ذلك وغيره.
قال تعالى: ﴿والآتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]، فالاستشهاد مترتب على اتيان الفاحشة.
وقال: ﴿والذان يأتيانها منكم فآذوهما﴾ [النساء: ١٦]، فالايذاء مترتب على اتيان الفاحشة ترتب الجزاء على الشرط.
ويبدو لي أن الفاء ليست لمجرد السبب، بل تفيد التوكيد أيضا، كما ذكرنا ذلك سابقا يدلك على ذلك الاستعمال القرآني.
قال تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٦٢].
وقال: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٧٤].
стр. 1234
فجاء في الثانية بالفاء دون الأولى، وذلك لأن الحالة الثانية أمثل، وأكمل من الأولى، يدلك على ذلك كثرة الانفاق وعمومه، والإخلاص فيه في الثانية، فقد قال: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية﴾ ولم يقل مثل ذلك في الأولى، فهؤلاء أمثل ممن قبلهم، فأكد لهم الجزاء وربطه بالفاء.
وقال: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾ [آل عمران: ٩٠]. وقال: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ [آل عمران: ٩١].
فجاء في الثانية بالفاء دون الأولى، وذلك لما في الثانية من توكيد، وذلك أنهم ماتوا وهم كفار بخلاف الأولى. ومثله قوله تعالى:
﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم﴾ [محمد: ٣٢].
وقوله: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم﴾ [محمد: ٣٤].
وهو نظير ما مر، فقد جرد الأولى من الفاء، وجاء في الثانية بالفاء توكيدًا، وذلك لأنهم ماتوا وهم كفار. وقال: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق﴾ [البروج: ١٠].
وقال: ﴿إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير﴾ [البروج: ١١]. فجاء في الأولى بالفاء دون الثانية، وذلك لأن المقام والسياق يقتضيان توكيد الأولىن وذلك أنها جاءت تعقيبا على الذين فتنوا المؤمنين عن دينهم وجعلوهم في الأخاديد وأضرموا عليهم النار ﴿قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود﴾ [البروج: ٤ - ٦].
стр. 1235
فأكد لهم العذاب بسبب فتنتهم المؤمنين عن دينهم.
ويحتمل أن يكون حذف الفاء من أصحاب الجنة إشارة إلى أن دخول الجنة ليس بالعمل وحده، بل هو برحمة من الله، وفضل كما ذكر الرسول ﷺ لأن العمل الصالح لا يبلغ أن يكون مقابلا للجنة، فيكون دخولها برحمة الله واقتسامها بالعمل، قال ﷺ : " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل، فحذف الفاء في أهل الجنة، لأنها ليست السبب للدخول وجاء بها في أهل النار، لأن أعمالهم هي السبب في دخولها والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون﴾ [التين: ٦]، فإنه ورد بالفاء، لأن الإيمان والعمل الصالح هما سبب الأجر، فالفرق بين هذه الآية، والتي قبلها، أن تلك في الجنة والعمل ليس مقابلا للجنة، وهذه في الأجر وهو سبب له، والله أعلم.
ولا يقتصر التشبيه بالشرط على الاسم الموصول، بل النكرة الموصوفة إذا كانت صفتها جملة فعلية، أو ظرفا بشرط قصد العموم، فقد تتضمن معنى الشرط، ويكون في جوابها الفاء نحو (كل رجل يأتيني فله دينار) و (كل رجل في الدار فله درهم) (١). و (رجل يسألني فله أجر) و (رجل في المسجد فله بر) (٢).
وكذلك المبتدأ أو اسم (أن) إذا كان معرفة موصوفا بالاسم الموصول نحو قوله تعالى: ﴿والقواعد من النساء التي لا يرجون نكاحًا فليس عليهن جناح﴾ [النور: ٦٠]، وقوله: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ [الجمعة: ٨]، (السعي الذي تسعى فستلقاه) (٣).
وغير ذلك (٤).
стр. 1236
التوكيد
التوكيد يفيد تقوية المؤكد وتمكينه في ذهن السامع وقلبه، جاء في (المفصل): " وجدوى التأكيد أنك إذا كررت فقد قررت المؤكد، وما علق به في نفس السامع، ومكنته في قلبه وأمطت شبهة ربما خالجته، أو توهمت غفلة وذهابا عما أنت بصدده فأزلته (١).
والعرب تؤكد كل شيء تراه في حاجة إلى التوكيد، فهي قد تؤكد الحكم كله أو تؤكد جزءا منه، وقد تؤكد لفظة بعينها، أو تؤكد مضمون الحكم، أو مضمون اللفظة أو غير ذلك، فتقول (إن محمدًا مريض) و (محمد مريض محمد مريض) فهذا تأكيد للحكم.
وتقول: (محمد نفسه مريض) فهذا تأكيد لكلمة واحدة.
وتقول: (محمد ساع إلى الخير سعيا) فهذا تأكيد للحدث الذي تضمنه اسم الفاعل. وتقول: (أدلجت ليلا) فهذا تأكيد للزمن الذي تضمنه الدلج، لأن الدلج هو السير في الليل خاصة، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ [الإسراء: ١] فـ (ليلا) تأكيد للزمن الذي تضمنه الإسراء.
وتقول (لك علي مائة دينار اعترافا) فهذا تأكيد لمضمون الجملة، لأنه اعتراف بالدين ولو لم تقل (اعترافا).
وقد أفتنت العرب في ذلك افتنانا واسعا، فجاءت بالتوكيد على صور متعددة فهناك:
١ - ألفاظ تفيد التوكيد حيثما وقعت، مثل أن ولام الابتداء ونوني التوكيد الثقيلة والخفيفة.
٢ - ألفاظ تفيد التوكيد في مواطن دون أخرى، وهي الحروف الزائدة مثل: ما، ولا، والباء، وإن، وذلك نحو قوله: ﴿حتى إذا ما جاءوها﴾ [فصلت: ٢٠]، و ﴿عما قليل ليصبحن
стр. 1237
نادمين﴾ [المؤمنون: ٤٠] فـ (ما) هنا حرف زائد أفاد التوكيد ونحو: ﴿قال ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢] فـ (لا) هنا حرف زائد، أي ما منعك أن تسجد وهي تفيد التوكيد، وكالباء في الخبر، نحو: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦].
٣ - ثم قد يكون التوكيد على صور إعرابية وتركيبية مختلفة، فقد يكون على صورة مفعول مطلق، سواء كان مؤكدا لمصدر عاملة، نحو: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ [النساء: ١٦٤]، أم كان مؤكدا لمضمون الجملة، وهو المؤكد لنفسه أو لغيره نحو ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، و (أنت أخي يقينا).
وقد يكون بصورة ظرف مؤكد لزمن عامله، نحو: ﴿سبحان الله أسرى بعبده ليلا﴾ [الإسراء: ١] و (تكلم حينا) فإن التكلم لا يكون إلا في حين.
وقد يكون على صورة حال، نحو (أقبل الطلاب كافة). و ﴿ولي مدبرًا﴾ [القصص: ٣١].
وقد يكون على صورة نعت، نحو (أمس الدابر لا يعود) لأن كل أمس دابر، ونحو: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾ [الحاقة: ١٣]، و (أقبل رجلان اثنان).
وقد يكون على صورة معطوف، نحو (هذا كذب وافتراء) و (هذا ضلال وغي).
وقد يكون على صورة جار ومجرور، نحو قوله تعالى: ﴿فخر عليهم السقف من فوقهم﴾ [النحل: ٢٦] لأن السقف لا يكون إلا فوقا، ونحو: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾ [الأنعام: ٣٨]، والطيران لا يكون إلا بالجناحين.
وغير ذلك من الصور.
٤ - ثم قد يكون بصورة تابع متجرد للتوكيد، وهو الذي يسميه بعضهم التوكيد الصناعي (١). وأكثر ما ذكرت مر في بابه الذي هو ألصق به.
ثم إن العرب لم تكتف بمؤكد واحد، بل هي تتكلم على حسب الحاجة، فإذا كان
стр. 1238
المخاطب لا يحتاج إلى توكيد تركت توكيد الكلام، وإذا كان يحتاج إلى مؤكد واحد جاءت له بمؤكد واحد، وإذا احتاج إلى أكثر جاءت له على قدر حاجة المخاطب إليه، وقد تسفع ذلك بالقسم زيادة في التوكيد، فتقول (محمد سابق)، فإذا كان المخاطب في شك من ذلك قالت (إن محمدا سابق)، فإذا كان منكرا لهذا الخبر، جاءت باللام زيادة على إن، فتقول (إن محمدًا لسابق) وقد تأتي بالقسم مع كل ذلك فتقول (والله إن محمدًا لسابق) جاء في (الإيضاح): " وإذا كان غرض المخبر بخبره إفادة المخاطب أحد الأمرين، فينبغي أن يقتصر من التركيب على قدر الحاجة.
فإن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر، والتردد فيه استغنى عن مؤكدات الحكم، كقولك (جاء زيد وعمرو ذاهب) فيتمكن في ذهنه لمصادفته إياه خاليًا.
وإن كان متصور الطرفين، مترددا في إسناد أحدهما إلى الآخر، طالبا له حسن تقويته بمؤكد كقولك (لزيد عارف) أو (إن زيدًا عارف).
وإن كان حاكمًا بخلافه، وجب توكيده بحسب الإنكار، فتقول (إني صادق) لمن ينكر صدقك، ولا يبالغ في إنكاره و (إني لصادق) لمن يبالغ في إنكاره (١).
وجاء في (الاتقان): " ويتفاوت التأكيد بحسب قوة الإنكار وضعفه، كقوله تعالى حكاية عن رسل عيسى إذ كذبوا في المرة الأولى: ﴿إنا إليكم مرسلون﴾ [يس: ١٤]، فأكد بأن واسمية الجملة، وفي المرة الثانية: ﴿ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون﴾ [يس: ١٦]، فأكد بالقسم و (إن) واللام، واسمية الجملة، لمبالغة المخاطبين في الإنكار، حيث قالوا: ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون﴾ [يس: ١٥] (٢).
стр. 1239
أغراض التوكيد
التوكيد على قسمين:
أ - التوكيد المعنوي .
ب - التوكيد اللفظي.
التوكيد المعنوي.
يعرف النحاة التوكيد المعنوي بأنه التابع الرافع احتمال غير إرادة الظاهر (١).، أو هو التابع الرافع احتمال تقدير إضافة إلى المتبوع، أو إرادة الخصوص بما ظاهره العموم (٢).
ويظهر من الحد أن للتوكيد المعنوي غرضين هما:
١ - رفع احتمال إرادة مضاف، أو بعبارة أخرى رفع احتمال إرادة غير المذكور، فترفع هذا الاحتمال بذكر النفس والعين ومشتقاتهما، مضافين إلى ضمير المؤكد وذلك كما إذا قلت (رضيت البنت بالمهر) فقد يحتمل أن المراد: رضي أبوها أو وكيلها أو نحو ذلك. فإذا قلت (رضيت البنت نفسها بالمهر) فقد رفعت كل احتمال آخر عدا البنت، وكان المعنى أن البنت هي التي رضيت بالمهر، فكلمة (نفس) هنا أزالت احتمال إرادة غير المذكور وقررت أن المذكور هو المعنى بالحكم، ونحو (حد القاضي السارق) فهذا يحتمل أن غلام القاضي هو الذي حد السارق بأمر القاضي فإذا قلت (حد القاضي نفسه السارق) فقد دل ذلك على أن القاضي هو الذي قام بالحد، وليس شخصا آخر، قال ابن الناظم: تقول: (جاء زيد نفسه) فترفع بذكر النفس احتمال كون الجائي رسول زيد، أو خبره، أو نحو ذلك، ويصير به الكلام نصا على ما هو الظاهر منه، وكذا إذا قلت: لقيت زيدًا عينه (٣).
стр. 1240
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " والثاني أن يظن السامع به تجوزا في ذكر المنسوب إليه المعين، فربما نسب الفعل إلى الشيء، والمراد ما يتعلق بذكر المنسوب إليه كما تقول (قطع الأمير اللص) أي قطع غلامه بأمرهن فيجب أذن إما تكرير لفظ المنسوب إليه نحو (ضرب زيد زيد) أي ضرب هو لا من يقوم مقامه، أو تكريره معنى وذلك بالنفس والعين ومتصرفاتهما لا غير (١).
ألفاظه:
ذكرنا أن ألفاظ هذا التوكيد هي (النفس) و (العين) ومشتقاتهما مضافة إلى ضمير المؤكد، ويستعمل في التثنية والجمع وزن (أفعل)، فتقول (حضرت البنتان أنفسهما) (وحضرت البنات أعينهن) و (حضر الطالبان أنفسهما أو أعينهما) و (حضر الطلاب أنفسهم أو أعينهم).
والمقصود بلفظ (النفس) و (العين) حقيقة الشيء (٢). جاء في (بدائع الفوائد): " وأما النفس فعلى أصل موضوعها، إنما هي عبارة عن حقيقة الوجود دون معنى زائد (٣).
" والعين: يراد بها حقيقة الشيء المدركة بالعيان، أو ما يقوم مقام العيان.
وليست اللفظة على أصل موضوعها، لأن أصلها أن يكون مصدرا وصفة لمن قامت به ثم عبر عن حقيقة الشيء بـ (العين) كما عبر عن الوحش بـ (الصيد)، وإنما (الصيد) في أصل موضوعه مصدر من صاد يصيد، ومن ههنا لم يرد في الشريعة عبارة عن نفس الباري : لأنه نفسه سبحانه غير مدركة بالعيان في حقنا اليوم (٤).
وجاء في (لسان العرب): " والعين عند العرب حقيقة الشيء .. وعين الشيء نفسه
стр. 1241
وشخصه وأصله والجمع (أعيان)، وعين كل شيء نفسه وحاضره وشاهده، وفي الحديث: أوه عين الربا أي ذاته ونفسه، ويقال: هو هو عينا وهو هو بعينه، وهذه أعيان دراهمك، ودراهمك بأعيانها .. ويقال: إن فلان لكريم عين الكرم، ولا أطلب أثرًا بعد عين أي بعد معاينة" (١).
وإذا اجتمعت النفس والعين قدمت النفس على العين، فتقول (قدم محمد نفسه عينه) وليس العكس، قالوا لأن الأصل في الإطلاق على الحقيقة هي النفس، والعين منقولة إليها: (جاء في شرح الرضي على الكافية): " وأما تقديم النفس على العين فلأن النفس لفظ وضوع لماهيتها حقيقة ولفظ العين مستعار لها مجازًا من الجارحة المخصصة كالوجه في قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: ٨٨]، أي ذاته (٢).
ويبدو أن لفظ (العين) أطلق تجوزًا على حقيقة الشيء، فأام أن يكون لفظ (العين) في الأصل مصدرًا أطلق على (المعين) أي المرئي، وهو الذي تدركه العين كما ذكر ابن القيم ثم اتسع استعمالها لغير المرئي فتقول (هو الربا بعينه) و (هو عين الحق) أو (الحق بعينه) و (هو عين الكذب) أو (الكذب بعينه) والربا والحق والكذب ونحوها مما لا يدرك بالعين.
أو تكون في الأصل مستعارة من العين التي هي الجارحة، فأطلق الجزء على الذات كما ذكر الرضي، وكما نقول الآن في لغتنا الدارجة (أقبل أخوك برأسه) و (أقبل بعينه) فالرأس هو جزء وكذلك العين، وقد أطلقا على الكل، ثم أصبح المقصود بالرأس والعين الذات، أو الحقيقة.
ثم توسع في الاستعمال فأصبح التعبير يطلق على ما ليس جارحة، وعلى أي حال فهي تستعمل في التوكيد بمعنى حقيقة الشيء وذاته.
стр. 1242
ويبدو أن الرأي الثاني أرجح، إذ أن هناك نظيرا لهذا الاستعمال في اللغات السامية الأخرى فبعضها يستعمل (الرأس) بمعنى الشخص، جاء في (التطور النحوي) " وتقارب النفس في العربية العين، وهي تضاف أكثر مما تبدل نحو (عين الأمر) وقد تؤخر مع الحاق الباء نحو (الأمر بعينه)، وهي في هذا المعنى خاصة بالعربية.
ويوجد في سائر اللغات السامية أسماء أخر مرادفة لها، نحو (الرأس) أو gnoma في السريانية ومعناها (الشخص) (١).
ولا تزال في لغتنا الدارجة نستعمل الرأس للتوكيد، فتقول (رأيته برأسه) أو (حتى يأتيني هو برأسه) أي بنفسه.
وتختص (النفس) و (العين) بجواز جرهما بالباء الزائدة، زيادة في التوكيد، نحو (أقبل الأمير بنفسه) و (أقبلت هند بعينها) ولا يجوز ذلك في غيرهما من ألفاظ التوكيد (٢).
ويبدو أن هذه الباء ليست زائدة، بمعنى أن حذفها وذكرها سيان، فليس قولنا (أقبل أخوك بنفسه) مثل (أقبل أخوك نفسه) وإنما تفيد الباء أن المؤكد فعل ذلك، وما كان متوقعًا منه أن يفعل، أو بعارة أخرى أنها يؤتى بها للاهتمام الزائد، فقولك (أقبل أخوك بنفسه) معناه أقبل وما كان متوقعًا أن يقبل، أما لأن أخاك بمنزلة عالية لا تناسب مجيئه أو لغير ذلك.
ولا نزال نحن نستعمل هذه الباء، فنقول (ذهبت إليه بنفسي فلم يفعل) بمعنى أن هذا أقصى ما أستطيع أن أفعله، وتقول (كلمته أنا بنفسي فرد كلامي).
ومثله ما تقوله العامة (ذهب إليه برجلي) وهو كناية عن الاهتمام الكثير بالشيء.
٢ - والغرض الثاني هو رفع الاحتمال عدم إرادة الشمول، وذلك نحو أن تقول،
стр. 1243
(أقبل الطلاب) فإن هذا القول يحتمل أن المقبلين هم أكثر الطلاب، وليس فيه تنصيص على قصد العموم، والإحاطة، فإذا أردت التنصيص على قصد العموم، رفعت هذا الاحتمال فتقول: جاء الطلاب كل هم أو جميعهم، أو أجمعون، أو نحو ذلك فيفيد الإحاطة والشمول.
ألفاظ هذا التوكيد:
يؤكد لهذا الغرض بالألفاظ الدالة على العموم، وأشهرها هي:
كل:
وهو اسم يفيد الاستغراق والإحاطة بالأفراد والإجزاء، تقول (كل ظالم مبغوض) فإنه يفيد الاستغراق أفراد الظالمين، قال تعالى: ﴿كل أمريء بما كسب رهين﴾ [الطور: ٢١]، فهذا استغراق وإحاطة بجميع الأفراد وتقول: (كل البشر محاسب) فهذا استغراق لأفراد البشر.
فإذا أضيفت إلى نكرة أفادت استغراق كل فرد الجنس، وإذا أضيفت إلى معرفة، فإن كانت المعرفة عامة استغرقت كل الأفراد، كما في قولنا (كل البشر محاسب) وإذا كانت معهودة استغرقت كل الأفراد المعهودين، نحو (أقبل كل الطلاب) فهو استغراق لطلاب مخصوصين.
وقد تستغرق الإجزاء نحو قولك (أكلت كل تفاحتك) أي كل أجزائها، فإذا قلت (أكلت كل تفاحك) كان المعنى أنك أكلت كل أفراده.
جاء في (المغنى) في هذه اللفظة " اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر، نحو ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [آل عمران: ١٨٥]، والمعرف المجموع نحو: ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا﴾ [مريم: ٩٥]، وإجزاء المفرد نحو (كل زيد حسن) فإذا قلت (أكلت كل رغيف لزيد) كانت لعموم الأفراد، فإن أضفت الرغيف إلى زيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد (١).
стр. 1244
و (كل) تضاف إلى النكرات وإلى المعارف، وقد تقطع عن الإضافة لفظا وينوي معناها فإذا أضيفت إلى نكرة روعي معناها، إن كان مؤنثا أو مذكرا مفردا أو غيره، تقول (كل رجل اهداني كتابا) فعاد الضمير عليها مفردًا مذكرا (وكل امرأة أهدت قرطا) فعاد الضمير عليها مفردًا مؤنثا، وتقول (كل رجلين ذهبا في طريق) و (كل فريق ذهبوا في واد).
جاء في (المغني): " واعلم أن لفظ (كل) حكمه الأفراد والتذكير، وأن معناها بحسب ما تضاف إليه، فإن كانت مضافة إلى منكر وجب مراعاة معناها، ولذلك جاء الضمير مفردًا مذكرا في نحو ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ [القمر: ٥٢]، ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣] .. ومفردا مؤنثا في قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]. ومجموعا مذكرا في قوله تعالى: ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ [المؤمنون: ٥٣] (١).
وإذا أضيفت إلى معرفة فقالوا يصح مراعاة اللفظ والمعنى، فتقول (كل أخوتك ذاهب) والمعنى كل منهم ذاهب. (وكل أخوتك ذاهبون) جاء في (المخصص): " إن (كلا) لفظ واحد ومعناه جميع، ولهذا يحمل مرة على اللفظ ومرة على المعنى، فيقال كلهم ذاهب وكلهم ذاهبون (٢).
وقيل بلا يعود الضمير عليها من خبرها إلا مفردًا مذكرًا (٣).
فإن قطعت عن الإضافة لفظًا جاز مراعاة اللفظ والمعنى، قال تعالى: ﴿كل آمن بالله﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال: ﴿كل كذب الرسل﴾ [ق: ١٤]، وقال: ﴿كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦]، وقال: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠]، فأفرد مراعاة للفظ (كل)، وجمع مراعاة لمعناها قال ابن هشام: " والصواب أن المقدر يكون مفردا نكرة،
стр. 1245
فيجب الأفراد كما لو صرح بالمفرد، ويكون جمعًا معرفًا فيجب الجمع وإن كانت المعرفة لو ذكرت لوجب الأفراد، ولكن فعل ذلك تنبيها على حال المحذوف فيهما، فالأول، نحو: ﴿كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤]، ﴿كمن آمن بالله﴾ [التوبة: ١٩]، ﴿كل قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور: ٤١]، إذ التقدير كل أحد.
والثاني نحو ﴿كل له قانتون﴾ [البقرة: ١١٦]، ﴿كل في فلك يسبحون﴾ [الأنبياء: ٣٣]، و ﴿وكل أتوه داخرين﴾ [النمل: ٨٧]، ﴿وكل كانوا ظالمين﴾ [الأنفال: ٥٤]، أي كلهم (١).
وجاء في (بدائع الفوائد) أن الأخبار بالجمع معناه أنهم مجتمعون في الحدث، وإن الأفراد معناه أن كل واحد قام به على انفراد، فإذا قلت (كل حضر) كان المعنى أن كل واحد منهم حضر، وإذا قلت (كل حضروا) كان المعنى أنهم اجتمعوا في الحضور، وكذا إذا كانت مضافة لفظًا نحو (كلهم حضروا) و (كلهم حضر) غير أنه في الجملة الأولى، أي (كلهم حضروا) أفاد التعبير احتمال اجتماعهم في الحضور، واحتمال حضورهم فرادي، بخلاف الثانية، فإنها تفيد حضور كل واحد منهم على رسله، جاء في (بدائع الفوائد): " (كل أخوتك ضربني) يقتضي أن أكل واحد منهم ضربك، فلو قلت (كل أخوتك ضربوني) و (كل القوم جاؤوني) أحتمل ذلك، واحتمل أن يكونوا اجتمعوا في الضرب والمجيء، لأنك أخبرت عن جملتهم بخبر واقع عن الجملة، بخلاف قولك (كل أخوتك جاءني) فإنما هو إخبار عن كل واحد منهم، وإن الأخبار بالمجيء عم مجيئهم.
فتأمل على هذا قوله تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء: ٨٤]، كيف أفرد الخبر، لأنه لم يرد اجتماعهم فيه، قال تعالى: ﴿كل إلينا راجعون﴾ [الأنبياء: ٩٣]، فجمع لما أراد الاجتماع في المجيء .. ولا يرد على هذا قوله تعالى: ﴿وله من في السماوات والأرض كل له قانتون﴾ [الروم: ٢٦]، بل هو تحقيق له وشاهد، لأن القنوت هنا هو العبودية العامة التي يشترك فيها أهل السماوات والأرض، ولا يختص بها بعضهم
стр. 1246
عن بعض .. وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦]، أفرد لما لم يجتمعوا في الفناء ..
ومما جاء مجموعًا لإجتماع الخبر، قوله تعالى: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ [يس: ٤٠]، وما أفرد لعدم اجتماع الخبر، قوله تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب﴾ [ص: ١٢ - ١٤]، فأفرد، لما لم يجتمعوا في التكذيب (١).
وذكروا مسألة أخرى في (كل) وهي أنها إذا وقعت في حيز النفي، أفادت ثبوت الفعل لبعض الأفراد، وإذا لم تقع في حيزه أقتضي النفي عن كل فرد، فإذا قلت (لم يجيء كل الطلاب) كان معناه أنه جاء قسم منهم، وإذا قلت (كل الطلاب لم يجيء) كان المعنى أنه لم يأت منهم أحد.
قيل: وقد يخرج عن هذا نحو قوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وأجيب عن ذلك، بأن ذلك حاصل إذا لم يدل دليل على خلافه، فإن دل دليل كان بحسبه. جاء في (المغنى): " قال البيانيون: إذا وقعت (كل) في حيز النفي كان النفي موجهًا إلى الشمول خاصة، وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد، كقولك (ما جاء كل القوم) و (لم آخذ كل الدراهم) وكل الدراهم لم آخذ، وقوله:
ما كل رأي الفتي يدعو إلى رشد
وقوله:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
وإن وقع النفي في حيزها، أقتضى السلب عن كل فرد، كقوله ﵊ لما قال ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ كل ذلك لم يكن.
стр. 1247
وقول ابن النجم:
قد أصبحت أم الخيار تدعي ... على ذنبا كل لم أصنع
وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل مختار فخور﴾ [الحديد: ٢٣].
والجواب عن الآية أن دلالة المفهوم، إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود إذ دل الدليل على تحريم الأختيال والفخر مطلقًا (١).
وهذا كله إذا لم تقع تأكيدًا.
فإن وقعت تأكيدًا أضيفت لفظًا إلى الضمير المؤكد، نحو (الطلاب كلهم حاضرون) فإذا كان المؤكد جنسا عامًا كان التوكيد يشمل كل أفراد الجنس، نحو (الخلق كلهم عيال الله) و (الناس كلهم ميتون)، وإذا كان معهودًا كان يشمل كل أولئك الأفراد المعهودين نحو (حضر طلاب الصف كلهم).
جاء في (بدائع الفوائد): " (إن كلا) إذا تقدمت تقتضي الإحاطة بالجنس، وإذا تأخرت وكانت توكيدًا اقتضت الإحاطة بالمؤكد خاصة، جنسًا شائعًا كان أو معهودًا (٢).
وقد تقول: ما الفرق بينها إذا تقدمت، أو كانت مؤكدة، نحو (كل الطلاب حضر) أو (حضر الطلاب كلهم)؟
والجواب هو أنها إذا تقدمت أفادت العموم ابتداء، ولم تدع احتمالا لغير الإحاطة، وإذا تأخرت وكانت مؤكدة احتمل الكلام العموم وغيره، ثم جئت بما يرفع احتمال عدم العموم.
стр. 1248
ثم أنها مع التقدم يمكن التعبير بها للدلالة على الإحاطة والشمول بصورة أوسع مما تقع مؤكدة، فإنها إذا وقعت مؤكدة أفادة العموم في المعارف فقط، أما إذا تقدمت، فإنها تفيد العموم، في النكرات والمعارف، مفردًا أو غيره مما لا يصح أن يقع مؤكدًا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾ [المدثر: ٣٨]، ولا يقال: (نفس كلها بما كسبت رهينة)، وقال: ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ولا يقال (تدمر شيئا كله) وقال: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها﴾ [النحل: ١١١]، ولا يقال: (يوم تأتي نفس كلها).
وحتي إذا قيل نحو ذلك على مذهب الكوفيين، فإن المعنى يختلف، فإنه يصح على مذهب الكوفيين أن تقول (صمت شهرًا كله) لأن النكرة محدودة (١). ولكن إذا قدمت (كلا) وقلت (صمت كل شهر) تغير المعنى، وأصبحت تفيد أستغراق الشهور.
جميع:
وهي مأخوذة من الإجتماع، وتستعمل لعدة معان:
فقد يكون بمعنى مجتمع يوصف بها المفرد، يقال (هو رجل جميع)، بمعنى مجتمع الخلق أي قوي ورجل جميع السلاح أي مجتمع السلاح (٢).
ويوصف بها الجمع فيقال (هؤلاء جميع) أي مجتمعون، قال تعالى: ﴿وإنا لجميع حذرون﴾ [الشعراء: ٥٦]ـ، أي مجتمعون، وقال ﴿أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر﴾ [القمر: ٤٤ - ٤٥]، أي مجتمعون، وقال: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٣٢]، ومعناها كلهم مجموعون، جاء في (الكشاف) في هذه الآية: " والمعنى أن كلهم محشورون مجموعون محضورن للحساب يوم القيامة، وقيل محضرون معذبون.
стр. 1249
فإن قلت: كيف أخبر عن (كل) بـ (جميع) ومعناها واحد.؟
قلت: ليس بواحد، لأن (كلا) يفيد معنى الإحاطة، وإن لا يتفلت منهم أحد، والجميع معناه الإجتماع، وإن الحشر يجمعهم، والجميع (فعيل) بمعنى (مفعول) يقال: حي جميع وجاؤا جميعا" (١).
وقال تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا﴾ [النور: ٦١]، أي مجتمعين أو متفرقين، وقال: ﴿تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى﴾ [الحشر: ١٤]، أي تحسبهم مجتمعين، وهم متفرقون.
وأما (جميع) المضاف إلى الضمير فتكون توكيدًا بمعنى (كل) فإذا قلت (أقبل الرجال جميعهم) كان المعنى أقبلوا كلهم، وليس معناه أقبلوا مجتمعين، فقد يكونون مجتمعين أو متفرقين.
فهناك فرق بين قولنا (أقبل الرجال جميعا) و (أقبل الرجال جميعهم)، فـ (أقبل الرجال جميعا) تحتمل معنيين:
الأول أن يكون معناه أقبلوا كلهم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعًا﴾ [النور: ٣١]، والمعنى توبوا كلكم، وليس معناه توبوا مجتمعين، وقوله: ﴿قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، أي كلكم، وليس معناه مجتمعين:
الثاني: أن يكون معناه أقبلوا مجتمعين، كقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعًا أو أشتاتًا﴾ [النور: ٦١].
وأما (أقبل الرجال جميعهم) فلا يكون إلا بمعنى كلهم. (٢).
والخلاصة أن الفرق بين (جميع) إذا اتصلت بالضمير (جميعهم، جميعنا .. )
стр. 1250
و (جميع) المفردة أن المتصلة به، لا تكون إلا توكيدًا بمعنى (كل)، والمفردة قد تكون بمعنى (كل) وقد تكون بمعنى (مجتمع).
وقد تحتمل العنيين معًا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ويوم نحشرهم جميعًا﴾ [الأنعام: ٢٢]، فهذا يحتمل معنيين:
الأول: أن يكون بمعنى (كل) فيكون المعنى: ويوم نحشرهم كلهم.
والثاني: أن يكون بمعنى (مجتمع) فيكون المعنى، ويوم نحشرهم مجتمعين.
وقد يراد المعنيان معًا، أي يحشرهم كلهم مجتمعين، فبعدوله إلى المفردة كسب المعنيين معًا، ولو قال (ويوم نحشرهم جميعهم) لأفاد معنى واحدًا فقط.
فـ (جميع) المفردة أوسع استعمالا ومعنى من المضافة، إلا ترى أنك لو قلت: (اللهم اكفني شر مخلوقاتك جميعا) كان المعنى محتملا جميع الشر، وجميع المخلوقات ولو قلت (أكفني شر مخلوقاتك جميعه) لكان نصا في الشر، ولو قلت (جميعها) لكان نصا في المخلوقات.
وهذا من أوجه الفرق بين (كل) و (جميع) فإن (كلا) تفيد العموم حيث وقعت، وكيفما كانت وليست كذلك (جميع).
وفرقوا بين (كل) و (جميع) أيضا، فقالو: " أن (كل) تدل على كل فرد بطريق النصوصية، بخلاف (جميع) فإنه يدل على كل الأفراد، وهو الذي يراد من قولهم، وإن (جميع) للعموم الأحاطي.
وفرقت الحنفية بينهما، بأن (كل) تعم الأشياء على الانفراد، و (جميع) تعمها على سبيل الاجتماع، ومثلوا لذلك بقولهم: إن القائد إذا قال لجنده: (من دخل هذا الحصن فله ألف دينار) فدخل واحد أستحق الألف وإن دخله جماعة لم يستحق أحد منهم شيئا، وإذا قال (كل من دخل هذا الحصن أولا فله ألف دينار) فدخله واحد أستحق الألف وإن دخله جميعًا استحق كل واحد منهم ألفا.
стр. 1251
وإذا قال لهم: (جميع من دخل هذا الحصن أولا فله ألف دينار) فدخله واحد أستحق الألف وإن دخله جماعة أستحقوا ألفا فقسم بينهم (١).
أجمع:
وهي من لفظ (الإجتماع) أيضًا: ولها استعمالات عدة:
فقد تكون اسم تفضيل، نحو (رأيك أجمع للشمل)، و (هذا الحد أجمع من غيره) وقد تكون صفة مشبهة بمعنى (مجتمع) على وزان (أفعل) الذي مؤنثه (فعلاء) مثل أحمر حمراء، فيقال: (أجمع جمعاء) و (أجمع) معناه مجتمع، ومعنى (جمعاء) مجتمعة فيقال فرع أجمع، وبهيمة جمعاء، أي مجتمعة الخلق، جاء في (عمدة الحافظ): " وفي الحديث (كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء) أي مجتمعة الخلق وعلى هذا يتخرج قول الراجز:
يرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرع وأصبع
فـ (أجمع) هنا صفة لـ (فرع) بمعنى مجتمع كما كانت (جمعاء) صفة لهيمة" (٢).
وقد تكون من ألفاظ الإحاطة فتستعمل توكيدًا بمعنى (كل)، تقول: جاء الرجال أجمعون ومعناها: جاءوا كلهم، وهذه ليست اسم تفضيل ولا صفة مشبهة، بل هي وصف مرتجل للتوكيد.
يدلك على أنها ليست اسم تفضيل أن تأنيثها على وزن (فعلاء) أي جمعاء، واسم التفضيل تأنيثه (فعلى) مثل كبرى وصغري.
ثم إن اسم التفضيل يضاف ويحلي بـ (أل)، فيقال أحسنهم، والأحسن، وهذه لا تضاف ولا تحلي، بـ (أل)، فلا يقال أجمعه، ولا أجمعهم، ولا الأجمع، تقول (قضيت
стр. 1252
الشهر أجمع) ولا تقول أجمعه، لأنها هي معرفة (١). من غير إضافة ولا حرف تعريف.
ويدلك على أنها ليست صفة مشبهة، أن (أفعل فعلاء) لا يجمع جمع مذكر سالما، بل تجمع على (فعل)، وهذه يجمع مذكرها جمع مذكر سالما، فيقال (أجمعون) قال تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [الحجر: ٣٠]، ويجمع مؤنثها على (فعل)، فيقال (جُمَع) مثل جمع اسم التفضيل نحو الكبر والصغر، ثم أن (أفعل فعلاء) نكرة وهذه معرفة.
فهي صفة جمعت شيئا من اسم التفضيل، وشيئا من الصفة المشبهة، وتمحضت للتوكيد. فتأنيثها كالصفة المشبهة، وجمعها كاسم التفضيل، وتباعدت عنهما معا، بإنها لا تضاف ولا تعرف بـ (أل) ولا يستعمل منها إلا جمع المذكر السالم، فلا يقال الأجامع، كالأكابر والأصاغر، بل لا يقال إلا (أجمعون).
ويدلك على أنها صفة أنها لا تنصرف، ولو كانت أسما غير وصف لانصرفت مثل أرنب وأفعى.
فهي إذن وصف استعمل للإحاطة، بمعنى (كل)، والفرق بينهما أن (أجمع) من لفظ الجماعة، والمجموع والإجتماع، و (كلا) للدلالة على كل فرد حتى تستغرق جميع الأفراد، فقولك (رضوا بذلك أجمعون) يفيد أن مجموعهم رضي بذلك، وأما قولك (رضوا بذلك كلهم) فيفيد أن أفرادهم رضوا بذلك، والنتيجة واحدة لأنه إذا رضي كل أفرادهم فقد رضي مجموعهم، فـ (أجمعون) تشير إلى العموم ابتداء، و (كل) تشير إلى الأفراد حتى تستغرقهم، و (كلهم أجمعون) للجمع بين المعنيين فتكون زيادة في التوكيد.
стр. 1253
وقد ذهب بعض النحاة إلى أنها تفيد الإتحاد في الوقت (١). فيكون معنى قولنا: (جاء الرجال أجمعون) جاءوا مجتمعين.
والحق أنها لا تفيده، قال تعالى: ﴿ولأغوينهم أجمعين﴾ [الحجر: ٣٩] (٢). ومعناها (كلهم) وليس معناها (مجتمعين) وقال: ﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ [البقرة: ١٦١]، ومعناها (كلهم) وليس معناها مجتمعين.
قال ابن يعيش: " واعلم أنه قد ذهب قوم إلى أن في (أجمع) فائدة ليست في (كل) وذلك إنك إذا قلت (جاءني القوم كلهم)، جاز ان يجيئوك مجتمعين، ومفترقين، فإذا قلت (أجمعون) صارت حال القوم الإجتماع لا غير، وذلك ليس بسديد، والصواب أن معناها واحد من قبل أن أصل التأكيد، أعاده اللفظ وتكراره، وإنما كرهوا تواليهما بلفظ واحد، فأبدلوا من الثاني لفظًا يدل على معناه، فجاءوا بـ (كل) و (أجمع) ليدلوا بهما على معنى الأول، ولو كان في الثاني زيادة فائدة، لم يكن تأكيدًا، لأن التأكيد تمكين معنى المؤكد .. مع هذا لو أريد معنى الإجتماع لوجب نصبه، لأنه يكون حالا لأن التقدير فعل ذلك في هذه الحال" (٣).
وظاهر أن (أجمع) لا يفارقها معنى الإحاطة البتة، ولا تفيد غيره، أما إذا احتمل الكلام الاتحاد في الوقت، إضافة إلى الإحاطة كما في قوله تعالى: ﴿وأتوتي بأهلكم أجمعين﴾ [يوسف: ٩٣]، وقوله: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [الحجر: ١٥]، فهذا لا يستفاد من (أجمع) بل أن الكلام يحتمله، ولو لم تذكر (أجمع)، ألا ترى أنه يجوز أن يكون هذا الإحتمال مع (كل) أيضًا؟
فإذا قلت (جاء أفراد الإسرة كلهم) أحتمل أن يكونوا جاؤا مجتمعين، وأحتمل غير
стр. 1254
ذلك وكذلك بالنسبة للآية، فقد يحتمل أنهم سجدوا في وقت واحد، ولكن (أجمعون) لا تدل عليه ولا تفيده، بل الآمر كما ذكرنا آنفا في معنى (كل) و (أجمع).
ويدلك على ذلك أيضا أنه يجوز أن تقول (يموت الناسكلهم أجمعون) وليس معناه أنهم يموتون في وقت واحد.
فهي تختلف عن (جميع) فإن جميعا قد تتجرد للدلالة على الاجتماع، فلا يراد بها معنى الإحاطة، وأما هذه فلا تتجرد لهذا المعنى، ولا يفارقها معنى العموم والشمول.
الأعداد من ثلاثة إلى عشرة إذا أضيفت إلى ضمير ما تقدمها:
تقول العرب (أقبل الرجال ثلاثتهم) و (رأيت الأولاد خمستهم) وفيها لغتان: لغة الحجاز، وهي النصب ولغة تميم وهي الأتباع، قال سيبويه: " هذا باب ما جعل من الأسماء مصدرا كالمضاف في الباب الذي يليه) وذلك قولك (مررت به وحده) و (مررت بهم وحدهم) و (مررت برجل وحده).
ومثل ذلك في لغة أهل الحجاز (مررت بهم ثلاثتهم وأربعتهم) وكذلك إلى العشرة وزعم الخليل أنه إذا نصب (ثلاثتهم) فكأنه يقول: مررت بهؤلاء فقط، ولم أجاوز هؤلاء كما إذا قال (وحده) فإنما يريد مررت به فقط لم أجاوزه.
وأما بنو تميم فيجرونه على الاسم الأول، إن كان جرا فجرا، وإن كان نصبا فنصبا، وإن كان رفعًا فرفعًا.
وزعم الخليل أن الذين يجرون كأنهم يريدون أن يعملوا كقولك: مررت بهم كلهم أي لم أدع منهم أحدًا (١). وظاهر من كلام سيبويه أن النصب يكون على الحالية، والاتباع على التوكيد (٢).
стр. 1255
ومع أنهما لغتان فمعنى النصب لا يطابق معنى الاتباع، فإن الاتباع يفيد الإحاطة والشمول، فإذا قلت (أقبل الرجال ثلاثتهم) بالرفع، كان المعنى: أقبلو كلهم، وذلك إذا كان العدد معلومًا.
وإن النصب يفيد اجتماعهم، في المجيء، أي أقبلوا مجتمعين، فكأنك قلت: أقبوا حال كونهم ثلاثة، وقد يفيد النصب ما يفيده الاتباع من شمول، فيكون من باب الحال المؤكدة كما تقول (أقبل الطلاب جميعهم وجميعًا). وقد مر بنا في (جميع) أن الإتباع يفيد الإحاطة والنصب، يحتمل الإجتماع، ويحتمل الإحاطة، وهذا شبيه بذاك.
فالإتباع يكون للدلالة على الإحاطة والشمول من غير نظر إلى اجتماعهم، أو عدمه والنصب يحتمل معنى الاجتماع والإحاطة
قال الرضي: وهذه الأسماء الثمانية (يعني من الثلاثة إلى العشرة) إذا أضيفت إلى ضمر ما، تقدم منصوبة عند أهل الحجاز على الحال، لوقوعها موقع النكرة، أي (مجتمعين في المجيء) وبنو تميم يتبعونها ما قبلها في الإعراب على أنها توكيد (١).
وقال: " وبعضها يستعمل مرة تابعًا على التأكيد، ومرة حالا، وذلك من الثلاثة فما فوقها كما مر في باب الحال، نحو: (جاءني القوم ثلاثتهم) و (جاءووني ثلاثتهم). ولا يؤكد بـ (ثلاثة) وأخواتها إلا بعد أن يعرف المخاطب كمية العدد، قبل ذكر لفظ التأكيد وإلا لم يكن توكيدًا بخلاف الوصف، في نحو: جاءني رجال ثلاثة (٢).
والظاهر أن تميم تريد بهذا الاستعمال الدلالة على الإحاطة، مثل (كل) و (أجمع) من دون نظر إلى افتراق، أو اجتماع، فاتبعت لذلك.
стр. 1256
وأما الحجازيون فيستعملونه حالا مؤكدة، مثل (كافة)، و (قاطبة) في قولنا (أقبل أهل البلد كافة).
وإذا أريدت الدلالة على اجتماع العدد، فلابد من نصبه، ولا يصح الاتباع لأنه سيكون حالا والحالة هذه.
التوكيد اللفظي
ويكون بإعادة اللفظ الأول أو تقويته بمرادفة معنى (١). وقد يؤتى بموازنة مع اتفاقهما في الحرف الأحير ويسمى أتباعًا. (٢).
فمن أعادة اللفظ الأول قولنا (أقبل محمد محمد) و (أقبل أقبل محمد) ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكادكا﴾ [الفجر: ٢١].
ومن تقويته بمرادفه معنى، قولنا (جاء قدم محمد) ومنه قوله تعالى: ﴿فجاجا سبلا﴾ [الأنبياء: ٣١]، لأن الفجاج هي السبل، وقوله: ﴿وغرابيب سود﴾ [فاطر: ٢٧] (٣). لأن معنى (غرابيب) سود، ومفردها غربيب، أي أسود فكأنه قال: سود سود.
ومن الإتيان بموازنة لفظا قولهم: جائع نائع، عطشان نطشان، حسن بسن، ويسمى أتباعا سواء كان للكلمة المتبعة معنى أم لم يكن (٤).
جاء في (تأويل مشكل القرآن): " وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية، لأنها كلمة واحدة، فغيروا منها حرفا، ثم أتبعوا الأولى كقولهم: عطشان نطشان، كرهوا أن يقولوا: عطشان عطشان، فأبدلوا من العين نونا، وكذلك قولهم، حسن بسن كرهوا أن يقولوا: حسن حسن فأبدلوا من الحاء باء، وشيطان ليطان في أشباه له كثيرة (٥).
стр. 1257
وجاء في (فقه اللغة) للثعالبي: " وهو - أي الإتباع - من سنن العرب، وذلك أن تتبع الكلمة الكلمة على وزنها ورويها إشباعًا وتوكيدًا كقولهم: جائع نائع، وساغب لأغب وعطشان نطشان (١).
وهذا التوكيد أي التوكيد اللفظي أوسع أستعمالا من التوكيد المعنوي، لأنه يكون في الأسماء النكرات والمعارف، ويكون في الأفعال والحروف والجمل، بخلاف التوكيد المعنوي، فإنه يكون في الأسماء المعارف فقط، تقول (قتل قتل رجل) و (هرب سجين سجين) و (أقبل محمد محمد) و (أن محمدًا أن محمدا مسافر) و (أن محمدًا فاز أن محمدًا فاز) وفي الحديث (والله لأغزون قريشًا) ثلاث مرات (٢).
وقد تقترن الجملة المؤكدة بعاطف، نحو: (والله ثم والله) ونحو قوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ١٨٨]، فقوله (فلا تحسبنهم) توكيد لقوله (لا تحسبن) (٣).
ويجب ترك العاطف " عند إيهام التعدد نحو (ضربت زيدًا ضربت زيدًا) ولو قيل (ثم ضربت زيدًا) لتوهم أن الضرب تكرر منك مرتين، تراخت أحداهما عن الأخرى، والغرض أنه لم يقع منك إلا مرة واحدة (٤).
الغرض من هذا التوكيد:
أهم أغراض التوكيد اللفظي وهي:
١ - أن يدفع المتكلم ضرر غفلة السامع أو عدم الإصغاء، فإذا ظن المتكلم أن السامع غافل عن سماع اللفظ، فلابد من أن يكرر له اللفظ ليدفع هذا الضرر، ولا ينفع هنا التوكيد المعنوي، فإذا قلت (أقبل محمد) وكان المتكلم غافلا من سماع لفظة (محمد)، أو لم يكن مصغيا فلا ينفع أن تقول (نفسه) أو عينه، لأنه لم يسمع الكلمة المؤكدة نفسها، فلابد من أن تعيد له اللفظة ليسمعها.
стр. 1258
٢ - أن يدفع عن السامع ظنه بالمتكلم الغلط: فإذا كان المتكلم ظن أن السامع يعتقد أن المتكلم قد غلط في ذكر اللفظ، فقد ذكر (خالدًا) مثلا وهو يريد (محمدًا) فلابد من أن يكرر اللفظ ليزيل هذا الظن من ذهن السامع، ولا ينفع هنا التوكيد المعنوي أيضا وذلك كما إذا قلت لمحدثك (زارنا خالد الليلة) ثم سبق إلى ظنك أن المخاطب يعتقد أنك غلطت في ذكر خالد، وأنك تاعني (محمدًا) لأسباب كأن يظن أن خالدًا لا يزورك، أو هو غير موجود في البلد، أو نحو ذلك، فلابد لرفع هذا الوهم من التكرار اللفظي.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " فإذا قصد المتكلم أحد هذين الأمرين فلابد أن يكرر اللفظ الذيظن غفلة السامع عنه، أو ظن أن السامع ظن به الغلط فيه، تكريرًا لفظيا نحو (ضرب زيد زيد) و (ضرب ضرب زيد) ولا ينجح ههنا التكير المعنوي، لأنك لو قلت (ضرب زيد نفسه) فربما ظن بك أنك أردت (ضرب عمرو) فقلت (نفسه) بناء على أن المذكور (عمرو).
وكذا إن ظننت به الغفلة عن سماع لفظ (زيد) فقولك (نفسه) لا ينفعك، وربما يكرر غير المنسوب والمنسوب إليه، لظنك غفلة السامع أو لرفع ظنه بك الغلط، أما في الحرف نحو (أن أن زيدًا قائم) أو في الجملة نحو قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرا﴾ [الشرح: ٥ - ٦] (١).
وليس من ذلك ما ذكره الرضي في قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾ [الإنشراح: ٥ - ٦]، إذ لا يريد الله سبحانه من التكرير رفع غفلة السامع، ولا دفع ظن الغلط عن نفسه، تعالى الله عن ذلك، وإنما هو لتقوية الحكم وتمكينه في نفوس المؤمنين وتطمينهم به.
٣ - الغرض الثالث أن يدفع المتكلم ظن التجوز: فقد يذكر المتكلم حكما فيظن السامع أن المتكلم لم يقصد الحكم حقيقة، وإنما أراده تجوزًا ومبالغة، فيكرر اللفظ
стр. 1259
لإزالة هذا الظن، وليثبت في ذهنه أن الحكم كما ذكر ليس فيه تجوز، وذلك كما إذا قلت (عدا الأمير) فربما ظن السامع أن الأمير مشي سريعًا، فسميته عدوًا فلابد في نحو هذا من إزالة التجوز تكرير اللفظ، أو بالمجيء بالمصدر، فتقول (عدا عدا الأمير) أو (عدا الأمير عدوا) جاء في (شرح الرضي على الكافية): " والغرض الثالث أن يدفع المتكلم عن نفسه ظن السامع به تجوزًا وهو ثلاثة أنواع:
أحدهما: أن يظن به تجوزًا في ذكر المنسوب، فربما تنسب الفعل إلى شيء مجازًا وأنت تريد المبالغة لا أن عين الفعل منسوب إليه، كما تقول (قتل زيد) وأنت تريد (ضرب ضربًا شديدًا) أو تقول (هذا باطل) وأنت تريد (غير كامل) فيجب أيضا تكرير اللفظ حتى لا يبقى شك في كونه حقيقة، نحو قوله ﵇: (أيما امرأة نكحت بغير أذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل) (١).
٤ - وقد تكون المقصود تقوية الحكم وتمكينه في ذهن السامع وقلبه، كما في قوله تعالى: ﴿فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا﴾.
٥ - وقد يكون للتهويل والتعظيم، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الانفطار: ١٧ - ١٨]، فقد كرر الآية لتهويل ذلك اليوم، وتفخيمه ومثله: ﴿كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون﴾ [التكاثر: ٣ - ٤]، ومنه قوله ﷺ : (إلا أخبركم بأكبر الكبائر) فعد من ذلك الشرك بالله وعقوق الوالدين، قال الراوي: وكان متكئا فجلس فقال: (ألا وشهادة الزور ألا وشهادة الزور) وظل يكررها حتى قلنا: ليته سكت أو كما قال فهنا التكرار قصد به تفظيع أمر شهادة الزور.
٦ ٦ - ثم إن طال الكلام وخشى المتكلم على السامع نسيان أوائل الكلام كرر له اللفظ ليجعل ذلك اللفظ قائمًا في نفسه متمكنًا من ذهنه، لئلا ينسيه ذلك طول الكلام، وذلك نحو قولك: (لا تظني أنني إذا ذهبت إلى قوم في امر وردوني ردًا غير جميل،
стр. 1260
لا تظن أنني عائد إليهم) فكررت (لا تظن أنني) خوفًا على السامع من أن ينسى أول الكلام، ولذا يحسن إذا طال الكلام توكيد أوله توكيدًا لفظيًا، لتمكين الحكم في ذهنه وعدم فتوره عنه قال تعالى: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مخرجون﴾ [المؤمنون: ٣٥]، فأكد (أنكم) لما طال الكلام لتقويته في ذهن السامعين.
وقال: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ويحيبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم﴾ [آل عمران: ١٨٨]، فأكد (لا تحسبن) بقوله (فلا تحسبنهم) لأن الكلام قد طال وأراد تمكين الحكم وتقريره في أذهان المخاطبين، والله أعلم.
توكيد الفعل بالنون
يؤكد الفعل المضارع، وفعل الأمر، بنوني التوكيد الثقيلة والخفيفة، نحو: (لأقومن بواجبي) و (لأقومن بواجبي) قال تعالى: ﴿لينبذن في الحطمة﴾ [الهمزة: ٤]، وقال: ﴿لنسفعا بالناصية﴾ [العلق: ١٥]، ويدل على أنهما حرفا توكيد انه يجاب بهما القسم، قال تعالى: ﴿تالله لتسئلن عما كنتم تفترون﴾ [النحل: ٥٦].
ويبدو أن النون حرف يؤكد الأسماء والأفعال، غير أنها تدخل في أول الإسم، آخر الفعل فـ (أن) هي نون ثقيلة مسبوقة بالهمزة، ولما كانت تدخل في أول الإسم، بدئت بهمزة توصلا إلى النطق بالساكن، وجعلت الهمزة من بناء الكلمة.
وهناك تشابه بين (أن) والنون، فكلتاهما حرف توكيد، غير أن إحداهما تؤكد الأسماء والأخرى تؤكد الأفعال، وكلتاهما ثقيلة وخفيفة، وكلتاهما تدخل الفتح على ما دخلت عليه فـ (أن) تدخل على الأسماء وتنصبها، والنون تدخل على الفعل وتبنيه على الفتح.
تقول: (أن محمدًا ليسافرن)، وكلتاهما يجاب بها القسم في الإثبات، تقول: (والله لأذهبن) و (والله إني لمعكم) قال تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقال: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ [الذاريات: ٢٣].
стр. 1261
وتلزم النون الفعل إذا كان جوابا لقسم مثبتا مستقبلا، غير مفصول عن لامه بفاصل (١). نحو (والله لأسعين في الخير) قال تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم﴾ [مريم: ٦٨].
وذكر الخليل أن الثقيلة آكد من الخفيفة جاء في (الكتاب): " وزعم الخليل أنهما توكيد كما التي تكون فصلا، فإذا جئت بالخفيفة فأنت مؤكد، وإذا جئت بالثقيلة فأنت اشد توكيدًا" (٢). وذلك لأن تكرير النون بمنزلة تكرير التأكيد (٣). وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢]، فجاء بالثقيلة في قوله: ﴿ليسجنن﴾ [يوسف: ٣٢]، وبالخفيفة، في قوله: ﴿وليكونا من الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢]، قالوا لأن " امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه من كونه صاغرا (٤). فأكدت السجن لذلك بالثقيلة بخلاف الصغار.
ونون التوكيد تخلص الفعل للاستقبال فلا تدخل على فعل للحال قال تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧]، فإذا كان الفعل للحال، لم تدخل عليه النون نحو (والله لأحسبك كاذبا).
جاء في (الكتاب): " وإن كان الفعل قد وقع وحلفت عليه لم تزد على اللام وذلك قولك والله لفعلت .. فالنون لا تدخل على فعل قد وقع وإنما تدخل على غير الواجب (٥).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " اعلم أن هاتين النونين الشديدة والخفيفة، من حروف المعاني، والمراد بهما التأكيد، ولا تدخلان إلا على الأفعال المستقبلة خاصة، وتؤثران فيها تأثيرن: تأثيرا في لفظها وتأثيرا في معناها، فتأثير اللفظ اخراج الفعل إلى البناء،
стр. 1262
بعد أن كان معربًا، وتأثير المعنى اخلاص الفعل للاستقبال، بعد أن كان يصلح لهما (١). "إذ لو قلت (إن زيدا لقوم) جاز أن يكون للحال والاستقبال، بمنزلة مالا لام فيه، فإذا قلت (إن زيدًا ليقومن)، كان هذا جواب قسم والمراد الاستقبال لا غير" (٢).
وهذه النون كثيرا ما تدخل على الشرط المسبوق بـ (ما) الزائدة، ولا سيما شرط (إنْ) نحو قوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقوله: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾ [الإسراء: ٢٨]، وذلك لأن (ما) للتوكيد فجيء بالنون التي هي للتأكيد أيضا ولذلك قالوا أن دخولها هنا قريب من الواجب (٣). ولم ترد في القرآن الكريم إلا مؤكدة.
قال سيبويه: ومن مواضعها حروف الجزاء إذا وقعت بينها وبين الفعل (ما) للتوكيد وذلك لأنهم شبهوا (ما) باللام التي في (لتفعلن) لما وقع التوكيد قبل الفعل، الزموا النون آخره، كما ألزموا هذه اللام وإن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بها، فأما اللام فهي لازمة في اليمين فشبهوا (ما) هذه إذ جاءت توكيدًا قبل الفعل بهذه اللام التي جاءت لأثبات النون فمن ذلك قولهم: إما تأتني آتك" (٤).
فذكر أن (ما) شبيهة بلام القسم في التوكيد.
وتدخل كثيرا أيضا على الطلب، كالأمر والنهي والاستفهام والتمنى، وما إلى ذلك (٥). قال تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ [البقرة: ١٤٧].
وقال الأعشى:
وهل يمنعني ارتيادي البلا ... دمن حذر الموت أن يأتين
стр. 1263
القسم
الغرض من القسم توكيد الكلام وتقويته (١). فإذا أقسمت على شيء فقد أكدته ويطلق على القسم اليمين والحلف أيضا، ولفظهما يفيد معنى القوة
فاليمين: من معانيه القوة والقدرة، جاء في (لسان العرب): واليمين القوة والقدرة وفي التنزيل العزيز: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ [الحاقة: ٤٥].
قال الزجاج: أي بالقدرة" (٢).
فلعل اليمين التي هي القسم أخذت من هذا المعنى، لأنها تقوية للكلام، وقيل بل سميت اليمين يمينا لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امريء منهم يمينه على يمين صاحبه .. وقال بعضهم: قيل للحلف يمين باسم يمين اليد وكانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا وتحالفوا وتعاقدوا وتبايعوا (٣).
وفي هذا المعنى أيضا معنى القوة، لأن يمين الإنسان أقوى من شماله.
الحلف: وأما الحلف فلا يخلو معناه من القوة أيضا، فمن هذه المادة اللغوية نفسها (الحِلْف) بالكسر وهو " العهد يكون بين القوم، وقد حالفه أي عاهده، وتحالفوا أي تعاهدوا .. قال ابن الأثير: " أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق" (٤).
فالمعاقدة، والمعاهدة، والمحالفة قوة ولا شك، ولعل الحلف الذي هو القسم مأخوذ من هذا المعنى لأنه تقوية للكلام.
وقيل بل المخالفة التي هي المعاهدة مأخوذة من (الحلف) الذي هو (اليمين)،
стр. 1264
فقد قال الليث: " حالف فلان فلانا فهو حليفه، وبينهما حلف، لأنهما تحالفا بالأيمان أن يكون أمرهما واحدًا بالوفاء، فلما لزم ذلك عندهم في الأحلاف التي في العشائر والقبائل صار كل شيء لزم شيئا فلم يفارقه، فهو حليف حتى يقال: فلان حليف الجود وفلان حليف الإكثار وفلان حليف الإقلال (١).
وجاء في (أساس البلاغة): " حلف بالله على كذا حلفا .. وحالفه على كذا وتحالفوا عليه واحتلفوا عليه ..
ومن المجاز: بينهم حلف أي عهد. وهم حلفاء بني فلان وأحلافهم، وهذا حليفي وهذا حليف الندى، وحليف السهر (٢).
فجعل الحلف بالله هو المعنى الأول ونقل منه معنى الحلف الذي هو العهد والمخالفة نحوها.
وأيا كان الأمر، ففي الحلف معنى التقوية، إذ كلش شيء يدخله الحلف يكون قوة له. وكذلك القسم، فمن اشتقاقه ما يعطي بمعنى معنى القوة، فالقسم بفتح فسكون هو " أن يقع في قلبك الشيء، فتظنه ثم يقوي ذلك الظن فيصير حقيقة (٣).
وأما لفظ (القسم) فيدل على أن أصله من القسم وهو النصب، وذلك أن الشخص كان يحلف على قسمه، أي نصيبه فأخذه، فكان القسم باديء بدء يستعمل في الحلف على النصيب خاصة، ثم عم استعماله في كل موضع والله أعلم.
جاء في (لسان العرب) " وأقسمت حلفت وأصله من القسامة .. والقسامة الذين يحلفون على حقهم ويأخذون .. والقسامة الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون" (٤).
стр. 1265
وقيل أن كل قسم ورد في القرآن الكريم بلفظ (الحلف) ففيه معنى الحنث أو الحلف الكاذب، والأمر كما ذكر، قال تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩]، وهو في حنث اليمين: وقال ﴿ويحلفون على الكذب وهم يعلمون﴾ [المجادلة: ١٤]، وقال ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ [التوبة: ١٠٧].
وأما القسم، فهو عام استعمله القرآن في الكذب والصدق، قال تعالى على لسان إبليس: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١]، وهو كذب، وقال: ﴿أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾ [إبراهيم: ٤٤]، وقال: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة﴾ [النور: ٥٣].
وهذا كله حنث وكذب.
وأما ما ورد في غير ذلك، فنحو قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦].
وقال: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون﴾ [المعارج: ٤٠].
أنواع القسم
القسم نوعان:
أ - ظاهر أو صريح: ويستدل عليه بحرف القسم، مثل قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف﴾ [الذاريات: ٧، ٨]، أو يستدل عليه بفعل القسم كقول الشاعر:
وأقسم لا أنساك ما ذر شارق ... وما هب آل في ملمعة قفر
أو يستدل عليه بالحرف والفعل معا، كقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾ [الأنعام: ١٠٩].
أو يستدل عليه بلفظ من ألفاظ القسم، اسما كان أو مصدرًا، كقول امريء القيس: