وتلزم النون الفعل إذا كان جوابا لقسم مثبتا مستقبلا، غير مفصول عن لامه بفاصل (١). نحو (والله لأسعين في الخير) قال تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم﴾ [مريم: ٦٨].
وذكر الخليل أن الثقيلة آكد من الخفيفة جاء في (الكتاب): " وزعم الخليل أنهما توكيد كما التي تكون فصلا، فإذا جئت بالخفيفة فأنت مؤكد، وإذا جئت بالثقيلة فأنت اشد توكيدًا" (٢). وذلك لأن تكرير النون بمنزلة تكرير التأكيد (٣). وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢]، فجاء بالثقيلة في قوله: ﴿ليسجنن﴾ [يوسف: ٣٢]، وبالخفيفة، في قوله: ﴿وليكونا من الصاغرين﴾ [يوسف: ٣٢]، قالوا لأن " امرأة العزيز كانت أشد حرصا على سجنه من كونه صاغرا (٤). فأكدت السجن لذلك بالثقيلة بخلاف الصغار.
ونون التوكيد تخلص الفعل للاستقبال فلا تدخل على فعل للحال قال تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين﴾ [الفتح: ٢٧]، فإذا كان الفعل للحال، لم تدخل عليه النون نحو (والله لأحسبك كاذبا).
جاء في (الكتاب): " وإن كان الفعل قد وقع وحلفت عليه لم تزد على اللام وذلك قولك والله لفعلت .. فالنون لا تدخل على فعل قد وقع وإنما تدخل على غير الواجب (٥).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " اعلم أن هاتين النونين الشديدة والخفيفة، من حروف المعاني، والمراد بهما التأكيد، ولا تدخلان إلا على الأفعال المستقبلة خاصة، وتؤثران فيها تأثيرن: تأثيرا في لفظها وتأثيرا في معناها، فتأثير اللفظ اخراج الفعل إلى البناء،
стр. 1262
بعد أن كان معربًا، وتأثير المعنى اخلاص الفعل للاستقبال، بعد أن كان يصلح لهما (١). "إذ لو قلت (إن زيدا لقوم) جاز أن يكون للحال والاستقبال، بمنزلة مالا لام فيه، فإذا قلت (إن زيدًا ليقومن)، كان هذا جواب قسم والمراد الاستقبال لا غير" (٢).
وهذه النون كثيرا ما تدخل على الشرط المسبوق بـ (ما) الزائدة، ولا سيما شرط (إنْ) نحو قوله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨]، وقوله: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا﴾ [الإسراء: ٢٨]، وذلك لأن (ما) للتوكيد فجيء بالنون التي هي للتأكيد أيضا ولذلك قالوا أن دخولها هنا قريب من الواجب (٣). ولم ترد في القرآن الكريم إلا مؤكدة.
قال سيبويه: ومن مواضعها حروف الجزاء إذا وقعت بينها وبين الفعل (ما) للتوكيد وذلك لأنهم شبهوا (ما) باللام التي في (لتفعلن) لما وقع التوكيد قبل الفعل، الزموا النون آخره، كما ألزموا هذه اللام وإن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بها، فأما اللام فهي لازمة في اليمين فشبهوا (ما) هذه إذ جاءت توكيدًا قبل الفعل بهذه اللام التي جاءت لأثبات النون فمن ذلك قولهم: إما تأتني آتك" (٤).
فذكر أن (ما) شبيهة بلام القسم في التوكيد.
وتدخل كثيرا أيضا على الطلب، كالأمر والنهي والاستفهام والتمنى، وما إلى ذلك (٥). قال تعالى: ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ [البقرة: ١٤٧].
وقال الأعشى:
وهل يمنعني ارتيادي البلا ... دمن حذر الموت أن يأتين
стр. 1263
القسم
الغرض من القسم توكيد الكلام وتقويته (١). فإذا أقسمت على شيء فقد أكدته ويطلق على القسم اليمين والحلف أيضا، ولفظهما يفيد معنى القوة
فاليمين: من معانيه القوة والقدرة، جاء في (لسان العرب): واليمين القوة والقدرة وفي التنزيل العزيز: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ [الحاقة: ٤٥].
قال الزجاج: أي بالقدرة" (٢).
فلعل اليمين التي هي القسم أخذت من هذا المعنى، لأنها تقوية للكلام، وقيل بل سميت اليمين يمينا لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امريء منهم يمينه على يمين صاحبه .. وقال بعضهم: قيل للحلف يمين باسم يمين اليد وكانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا وتحالفوا وتعاقدوا وتبايعوا (٣).
وفي هذا المعنى أيضا معنى القوة، لأن يمين الإنسان أقوى من شماله.
الحلف: وأما الحلف فلا يخلو معناه من القوة أيضا، فمن هذه المادة اللغوية نفسها (الحِلْف) بالكسر وهو " العهد يكون بين القوم، وقد حالفه أي عاهده، وتحالفوا أي تعاهدوا .. قال ابن الأثير: " أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق" (٤).
فالمعاقدة، والمعاهدة، والمحالفة قوة ولا شك، ولعل الحلف الذي هو القسم مأخوذ من هذا المعنى لأنه تقوية للكلام.
وقيل بل المخالفة التي هي المعاهدة مأخوذة من (الحلف) الذي هو (اليمين)،
стр. 1264
فقد قال الليث: " حالف فلان فلانا فهو حليفه، وبينهما حلف، لأنهما تحالفا بالأيمان أن يكون أمرهما واحدًا بالوفاء، فلما لزم ذلك عندهم في الأحلاف التي في العشائر والقبائل صار كل شيء لزم شيئا فلم يفارقه، فهو حليف حتى يقال: فلان حليف الجود وفلان حليف الإكثار وفلان حليف الإقلال (١).
وجاء في (أساس البلاغة): " حلف بالله على كذا حلفا .. وحالفه على كذا وتحالفوا عليه واحتلفوا عليه ..
ومن المجاز: بينهم حلف أي عهد. وهم حلفاء بني فلان وأحلافهم، وهذا حليفي وهذا حليف الندى، وحليف السهر (٢).
فجعل الحلف بالله هو المعنى الأول ونقل منه معنى الحلف الذي هو العهد والمخالفة نحوها.
وأيا كان الأمر، ففي الحلف معنى التقوية، إذ كلش شيء يدخله الحلف يكون قوة له. وكذلك القسم، فمن اشتقاقه ما يعطي بمعنى معنى القوة، فالقسم بفتح فسكون هو " أن يقع في قلبك الشيء، فتظنه ثم يقوي ذلك الظن فيصير حقيقة (٣).
وأما لفظ (القسم) فيدل على أن أصله من القسم وهو النصب، وذلك أن الشخص كان يحلف على قسمه، أي نصيبه فأخذه، فكان القسم باديء بدء يستعمل في الحلف على النصيب خاصة، ثم عم استعماله في كل موضع والله أعلم.
جاء في (لسان العرب) " وأقسمت حلفت وأصله من القسامة .. والقسامة الذين يحلفون على حقهم ويأخذون .. والقسامة الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون" (٤).
стр. 1265
وقيل أن كل قسم ورد في القرآن الكريم بلفظ (الحلف) ففيه معنى الحنث أو الحلف الكاذب، والأمر كما ذكر، قال تعالى: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾ [المائدة: ٨٩]، وهو في حنث اليمين: وقال ﴿ويحلفون على الكذب وهم يعلمون﴾ [المجادلة: ١٤]، وقال ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ [التوبة: ١٠٧].
وأما القسم، فهو عام استعمله القرآن في الكذب والصدق، قال تعالى على لسان إبليس: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١]، وهو كذب، وقال: ﴿أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال﴾ [إبراهيم: ٤٤]، وقال: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة﴾ [النور: ٥٣].
وهذا كله حنث وكذب.
وأما ما ورد في غير ذلك، فنحو قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦].
وقال: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون﴾ [المعارج: ٤٠].
أنواع القسم
القسم نوعان:
أ - ظاهر أو صريح: ويستدل عليه بحرف القسم، مثل قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك إنكم لفي قول مختلف﴾ [الذاريات: ٧، ٨]، أو يستدل عليه بفعل القسم كقول الشاعر:
وأقسم لا أنساك ما ذر شارق ... وما هب آل في ملمعة قفر
أو يستدل عليه بالحرف والفعل معا، كقوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾ [الأنعام: ١٠٩].
أو يستدل عليه بلفظ من ألفاظ القسم، اسما كان أو مصدرًا، كقول امريء القيس:
стр. 1266
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي (١).
ب - مضمر أو غير صريح: وهو ما دلت عليه اللام، نحو: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾ [آل عمران: ١٨٦]، ونحو: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم﴾ [الحشر: ١٢]، وقوله: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ [آل عمران: ١٥٢].
جاء في (الكتاب): " وسألته [يعني الخليل] عن قوله (لتفعلن) إذا جاءت مبتدأة ليس قبلها ما يحلف به، فقال، إنما جاءت على نية اليمين، وإن لم يتكلم بالمحلوف به (٢).
أو دل عليه المعنى، نحو ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] (٣).
وكقولهم: (علم الله) و (شهد الله) و (عمرك الله) و (عاهدت الله) لأفعلن، و (عليّ عهد الله لأفعلن) (٤).
أحرف القسم
أشهر أحرف القسم: الواو والباء والتاء واللام.
الواو: وهي أكثرهن استعمالا في القسم (٥). وهي والتاء تختصان به من بين حروف الجر. ولا يذكر فعل القسم معها فلا يقال: أقسم والله، ولا تدخل على الضمير فلا يقال: وك يقال: بك (٦).
стр. 1267
وتدخل على كل مقسم به: قال تعالى: ﴿والفجر وليال عشر﴾ [الفجر: ١ - ٢]، وقال: ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١]، ولا تختص بلفظ الله تعالى.
الباء: ويجوز ذكر فعل القسم معها وحذفه، تقول: أقسم بالله لأقولن الصدق، قال تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرءان كريم﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٧]، ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن﴾ [النور: ٥٣].
وتقول: (بالله لأقولن الصدق). قال تعالى: ﴿فبعزتك لأغوينهم أجمعين﴾ [ص: ٨٢]، وقال الشاعر:
بربك هل ضممت إليك ليلى
وتدخل على الظاهر والمضمر، فتقول: (بالله عليك أفعل هذا ولا تفعل هذا) و (هل فعلت هذا؟ ) و (إلا فعلت هذا) ولا يجوز ذلك في غيرها، فلا تقول: (والله أفعل هذا أو لا تفعل هذا أو هل فعلت هذا).
جاء في (الهمع): " إختص بها [أي باء القسم] الطلب والاستعطاف، فلا يقسم فيهما بغيرها نحو بالله استخبرني؟ وبالله هل قام زيد؟ أي أسألك بالله مستحلفا (١).
التاء: وتكاد تختص بلفظ الله تعالى/ ولم ترد في القرآن الكريم إلا معه، قال تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقال: ﴿تالله إن كدت لتردين﴾ [الصافات: ٥٦].
وفيها معنى التعجب والتفخيم. قال تعالى على لسان أخوة يوسف لأبيهم: ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ [يوسف: ٩٥]، متعجبين من بقاء أبيهم على حاله لم يتغير ولم يتبدل مع طول العهد، وقال أيضا على لسان أخوة يوسف لأخيهم يوسف: ﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾ [يوسف: ٩١]، متعجبين مما حصل له، من علو منزلة ورفعة مكانة وما جرت له فعلتهم من الخير على غير ما كانوا يتوقعون ويؤملون.
стр. 1268
جاء في (الكشاف): في قوله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧]، " فإن قلت: ما الفرق بين الباء والتاء؟
قلت: إن الباء هي الأصل، والتاء بدل من الواو المبدلة منها، وإن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده، وتأتيه لأن ذلك كان أمرًا مقنوطًا منه لصعوبته وتعذره (١).
ومن التفخيم قوله تعالى: ﴿تالله لتسئلن عما كنتم تفترون﴾ [النحل: ٥٦]، وقوله: ﴿تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك﴾ [النحل: ٦٣].
ويبدو أن القسم بها آكد وأفخم من الواو، لاختصاصها باسم الله سبحانه.
اللام: وهي مختصة بلفظ (الله) تعالى، ولا تستعمل في القسم إلا إذا أريد به معنى التعجب، قال سيبويه: " ولا يجيء إلا أن يكون فيه معنى التعجب، قال أمية بن عائذ:
لله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " قوله وبمعنى (الواو) في القسم للتعجب، نحو (لله لا يؤخر الأجل) قولهم (في التعجب) يعنون في الأمر العظيم الذي يستحق أن يتعجب منه، فلا يقال: لله لقد قام زيد، بل يستعمل في الأمور العظام، نحو: لله لتبعثن (٣).
وقال أيضا: ولام الجر تجيء بمعنى الواو، كما ذكرنا مختصة أيضا بلفظ (الله) في الأمور العظام (٤).
стр. 1269
وقد يعوض عن النطق بحرف القسم مع اسم الله تعالى (ها) التنبيه أو همزة الاستفهام فيقال (ها الله ذا) أي (والله ذا) و (لاها الله ذا) " فإذا جئت بها التنبيه بدلا، فلابد أن تجيء بلفظة (ذا) بعد القسم به، نحو: (لاها الله ذا) (١). وفي (ذا) قولان.
القول الأول: أنها من جملة المقسم به صفة الله تعالى: والمعنى (لا والله الحاضر) لحضوره في لك مكان أو على تقدير (هذا قسمي).
والقول الثاني: أنها من جملة الجواب أي: الأمر ذا.
والقول الأول أرجح، لأن الجواب يؤتى به بعد (ذا) فيقولون (ها الله ذا لأفعلن) ولو كان جوابا لاكتفي به (٢).
وقد يعوض عنه بهمزة الاستفهام منكرًا أو مستفهما، فتقول (آلله كان كذا؟ )
جاء في (شرح الرضي على الكافية) " وأما همزة الاستفهام فأما أن تكون للإنكار كقول الحجاج في الحسن البصري رحم: آلله ليقومن عبيد من العبيد فيقولون كذا وكذا؟ أو للاستفهام كما قال ﷺ لعبد الله بن مسعود (رض) لما قال: هذا رأس أبي (آلله الذي إله غيره)؟
فإذا دخلت همزة الاستفهام على (الله) فإما أن تبدل الثانية ألفا صريحة وهو الأكثر، أو تسهل كما هو القياس، في (الرجل) ونحوه" (٣).
وربما أسقط حرف القسم مع لفظ (الله) تعالى من غير تعويض نحو (الله لأفعلن) أي (بالله) فينتصب المقسم به، قال الشاعر:
إلا رب من قلبي له الله ناصح (٤).
стр. 1270
ألفاظ تستعمل في القسم
لعمرك:
هذا اللفظ يستعمل في القسم ومعنى (العَمْر) الحياة، وهو (العُمْر) و (العُمٌر) شي واحد، يقال قد طال عمره وعمره، ويستعمل في القسم المفتوح ليس غير فيقال: (١).
(لعمرك) ولا يقال: (لُعمرك)، ولا يقال (لُعمرك) واللام الداخلة عليه هي لام الابتداء، فمعنى لعمرك: لحياتك، فهو مبتدأ وخبره محذوف تقديره: (قسمي)، فيكون الكلام حياتك قسمي والمراد أقسم بحياتك.
وكذلك (لعمر الله) أي أقسم ببقاء الله ودوامه (٢). قال تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر: ٧٢]، فأقسم بحياة الرسول ﷺ .
أيمن الله:
تستعمل (أيمن الله) في القسم، يقال: (أيمن الله لا ردن عليه قوله) وهمزتها همزة وصل وقد اختلف في (أيمن) هذه فقيل " هو مفرد مشتق من (اليمين) وهو البركة، أي بركة الله يمين (٣).
وعند الكوفيين هو جمع (يمين) جعلت همزة القطع فيه وصلا، لكثرة الاستعمال (٤). وقد تصرفوا بهذه الكلمات لكثرة الاستعمال، فقالوا: (أيمن الله) و (أيم الله) بحذف النون و (مُ الله) و (من ربي) وغير ذلك لأن كثرة دوران الكلمة على الألسنة مدعاة إلى التصرف فيها تخفيفا.
стр. 1271
جاء في (شرح ابن يعيش): " اعلم أن اللفظ إذا كثر في السنتهم وأستعمالهم، آثروا تخفيفه، وعلى حسب تفاوت الكثرة يتفاوت التخفيف، ولما كان القسم مما يكثر استعماله ويتكرر دوره، بالغوا في تخفيفه من غير جهة واحدة (١).
عمرك الله:
هذا التعبير يستعمل قسما وغير قسم، فمن استعماله في القسم قولك (عمرك الله) لأفعلن بفتح الهاء، وقد يستعمل في قسم السؤال، فيقال (عمرك الله لا تفعل) قال:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني (٢).
قالوا: ومعنى - عمرك الله، استحلفك بتعميرك الله، أي: باقرارك له بالبقاء (٣). فيكون (العمر) على هذا مصدرا والأصل عمرك الله تعميرا، فحذفت الزوائد من المصدر.
وقد يكون على غير هذا المعنى، فلا ينتصب على المصدر، ولا يكون قسما، وذلك نحو قولك: (عمرك الهل ما فعل فلان) فيكون التقدير في نحو هذا (اسأل عمرك الله) أي أسأل الله أن يعمرك، فيكون (عمرك) مفعولا أول، و (الله) مفعولا ثانيا، والمعنى (اسأل الله أن يطيل عمرك).
جاء في (لسان العرب): " وقول عمر بن أبي ربيعة:
عمرك الله كيف يجتمعان.
يريد سألت الله أن يطيل عمرك (٤).
стр. 1272
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وعلى تأويلهما [يعني عمرك الله و قعدك الله] بـ (أسأل تعميرك وتقعيدك) ليس معنى القسم ظاهرا فيهما، مع أنهما لا يستعملان إلا في القسم كما ذكرنا، إلا أن يقال: لما كانا للدعاء للمخاطب جريا مجرى قسم السؤال، لأنه قد يبتدأ السؤال بالدعاء للسمؤول، كأنه قيل: طول الله عمرك أفعل لي كذا وكذا (١).
وربما قيل (عمرك الله) بضم الهاء فيكون لفظ الجلالة فاعلا، أي: عمرك الله تعميرًا (٢).
والذي يبدو لي أنه دعاء على كل حال على المعنى الثاني، أي الدعاء باطلة العمر ولكنه قد يضمن معنى القسم فيستعمل استعماله، كما في (علم الله) و (على عهد الله) ونحو ذلك، أولا يضمن بل يراد به الدعاء المحض.
قعدك الله:
يستعمل هذا في القسم فيقال: (قعدك الله لتفعلن) ويقال أيضا: (قعيدك الله)
وقد اختلف في معنى (قعدك الله) فقيل إن معناها اسألك بحق قعدك الله، أي بحق نسبتك إياه إلى القعود أي الدوام والتمكن.
وقيل: المعنى (اسألك بحق قعيدك الذي هو الله) ومعنى (قعدك) قعيدك، أي: " ملازمتك، العالم بأحوالك، وهو الله، فـ (الله) عطف بيان لقعدك، ويؤيد هذا التأويل قولهم: (قعيدك الله) بمعناه فالقعد والقعيد، بمعنى المقاعد، كالحلف والحليف (٣).
وقيل معنى (قعدك الله وقعيدك): الله معك، أي رقيب عليك وحفيظ، وقيل: مقاعدك، وهو بمعناه وضمن معنى القسم، قال في الصحاح: على معنى يصاحبك الله الذي هو صاحب كل نجوى، وقيل هما مصدران بمعنى المراقبة، والتقدير:
стр. 1273
أقسم بمراقبتك الله، ونصب الجلالة في الجميع على إسقاط الجار (١).
وجاء في (لسان العرب): " وقيل (قعدك الله) و (قعيدك الله) أي كأنه قاعد معك يحفظ عليك قولك، وليس بقوي.
قال أبو عبيد: قال الكسائي: يقال قعدك الله أي الله معك ..
وقال ثعلب: قعدك الله وقعيدك الله نشدتك الله .. والقسم قعيدك الله لأكرمنك ..
قال الجوهري: هي يمين للعرب، وهي مصادر استعملت منصوبة بفعل مضمر، والمعنى يصاحبك الذي هو صاحب كل نجوي، كما يقال: نشدتك الله (٢).
وقيل إن معناها أسأل الله قعدك، كما في (أسأل الله عمرك) أي: أسأله تقعيدك وتمكينك، فلا تكون على هذا قسما، بل هي كما ذكر الرضي فيها، وفي (عمرك الله) " لما كانا للدعاء للمخاطب جريا مجرى قسم السؤال لأنه قد يبتدأ السؤال بالدعاء للمسؤول كأنه قيل: طول الله عمرك افعل لي كذا وكذا (٣).
والذي يبدو أن معنى (قعدك الله): (قعيدك الله) أي: (الله مقاعدك، وملازمك، ورقيب عليك) ثم يضمن هذا التعبير معنى القسم أحيانًا، فيكون حلفا، أو استحلافا بمراقبة الله له وملازمته إياه، فتقول (قعدك الله لتفعلن) على معنى استحلفك برقابة الله عليك، وحضوره معك لتفعلن، وتقول: (قعدك الله لأفعلن) على معنى أحلف بمراقبة الله وحضوره معك فأنت لست وحدك الآن، بل الله معك مطلع على ما أقول لأفعلن
ونصب لفظ الله أما على عطف البيان من قعدك، كما ذكر الرضي، أي أستحلفك قعيدك الله، أي: أستحلفك قعيدك الذي هو الله.
стр. 1274
وأما على المفعول به، أي: أجعل الله قعيدك، أي: تذكر أن الله معك، كما يقال في الدارجة: (أجعل الله بين عينك إذا تكلمت) فيكون الغرض من هذا التعبير، تحذير المخاطب وتخويفه الله الذي لا يفارقه، وليس مرادا به القسم.
هذا إذا كانا منصوبين.
أما إذا كانا مرفوعين، أي (قعدك الله) و (قعيدك الله) فهما مبتدأ وخبر، والمعنى: الله مقاعدك، وهذا دعاء محض، ليس فيه قسم، والمعنى: جليسك الله، أي الله قاعد معك يحفظك ويرعاك.
جاء في (القاموس المحيط): " وقعدك الله ويكسر، وقعيدك الله ناشدتك الله وقيل كأنه قاعد معك بحفظه عليك أو معناه بصاحبك، الذي هو صاحب كل نجوي (١).
أو قد يكون أخبارا القصد منه تحذيره المخاطب، وتخويفه الله الذي لا يفارقه، فيكون المعنى: الله معك، وهو مقاعدك، فراقبه فيما تقول: أو تفعل، على ما ذكرناه في النصب، والله أعلم.
وقوع (لا) قيل القسم:
تقع (لا) قبل فعل القسم كثيرا وحصوصا قبل الفعل (أقسم) فيقال (لا أقسم) قال تعالى: ﴿فلا أقسم بالشفق﴾ [الأنشقاق: ١٦]، وقال: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١]، كما تقع قبل القسم من غير فعل القسم، وذلك كقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٤].
وحيثما أقسم الله في القرآن الكريم ذاكرا فعل القسم (أقسم)، جاء بـ (لا) قبله فلم يقل مرة: أقسم بكذا، بل كل ما ورد (لا أقسم) قال تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرءان كريم﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٧].
стр. 1275
وقال: ﴿فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٤٠].وقال: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين﴾ [المعارج: ٤٠ - ٤١]. وقال: ﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة: ١ - ٢].
وال: ﴿فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس إنه لقول رسول كريم﴾ [التكوير: ١٥ - ١٩].
وقال: ﴿فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبن طبقا عن طبقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٦ - ١٩]. وقال: ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ [البلد: ١ - ٢].
وأما بغير فعل القسم فلم يرد ذلك إلا في قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٤].
والنحاة في ذلك على مذاهب:
فمنهم من ذهب إلى أن (لا) قبل القسم زائدة، تفيد التوكيد، فمعنى (لا أقسم بيوم القيامة): أقسم بيوم القيامة.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ "ادخال (لا) النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم. قال امرؤ القيس:
لا وأبيك أبنة العامري ... لا يدعى القوم أني افر
وقال غوية بن سلمى:
ألا نادت أمامة باحتمال ... لتحزنني فلا بك ما بالي
وفائدتها توكيد القسم، وقالوا أنها صلة مثلها في ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩].
стр. 1276
وفي قوله:
في بئر لا حور سرى وما شعر
وأعترضوا عليه بأنها تزاد في وسط الكلام لا في أوله.
وأجابوا بأن القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض.
والاعتراض صحيح، لأنها لم تقع مزيدة، ألا في وسط الكلام، ولكن الجواب غير سديد ألا ترى إلى امريء القيس كيف زادها في مستهل قصيدته (١).
وقيل إنها زيدت على نية الرد على المكذبين.
جاء في (تأويل مشكل القرآن): " وأما زيادة (لا) في قوله: ﴿لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة﴾ [القيامة: ١ - ٢]. وقوله: ﴿فلا أقسم بالشفق والليل وما وسق﴾ [الأنشقاق: ١٦]، فإنها زيدت في الكلام على نية الرد على المكذبين، كما تقول في الكلام: (لا والله ما ذاك كما تقول) ولو قلت: (والله ما ذاك كما تقول) لكان جائزا أن (إدخالك) (لا) في الكلام، أولا، أبلغ في الرد (٢).
وقيل: أن (لا) نافية، واختلفوا في هذا النفي، فمنهم من ذهب إلى أنه يفيد نفي أمر سابق قبل القسم، ففي قوله: ﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾ [القيامة: ١]، كأنهم أنكروا البعث فقيل: لا، أي: ليس الأمر على ما ذكرتم ثم قيل: اقسم بيوم القيامة (٣).
وفي قوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]، : والتقدير ليس الأمر كما يزعمون، أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنفت القسم (٤).
стр. 1277
وذهب الزمخشري إلى أنها للنفي، والمقصود بذلك إعظام المقسم به، فكأنه قال: أنا لا أعظمه بالقسم، فهو معظم بغير القسم، قال: والوجه أن يقال: هي للنفي، والمعنى في ذلك أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاماً له، يدلك عليه قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] فكأنه بغدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي له بأقسامي به كلا إعظام يعني أن يستأهل فوق ذلك (١).
وقيل: إنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد (٢).
جاء في (الكشاف): " فإن قلت: قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]، والأبيات التي أنشدتها المقسم عليها فيها منفي، فهلا زعمت أن التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده ومؤكدة له، وقدرت المقسم عليه المحذوف هنا منفيا، كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركون سدى.
قلت: لو قصر الأمر على النفي دون الإثبات لكان لهذا القول مساغ ولكنه لم يقصدر، ألا ترى كيف لقي: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١]، بقوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ [البلد: ٤]، وكذلك ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ بقوله: أنه لقرآن كريم (٣).
وجاء في (بدائع الفوائد) أن (لا): " أقحمت أول القسم إيذانا بنفي المقسم عليه وتوكيدًا لنفيه كقول الصديق (لاها الله لا تعمد إلى أسد من أسد الله) الحديث" (٤).
وقال محمد عبده في تفسير جزء عم: " أن (لا أقسم) عبارة من عبارات العرب في القسم، يراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم، ويقال إنه يؤتي
стр. 1278
بها في القسم إذا أريد تعظيم المقسم به، كأن القائل يقول: إني أعظمه بالقسم لأنه عظيم في نفسه (١).
وذهبت بنت الشاطئ إلى أن القصد من ذلك التأكيد " والتأكيد عن طريق النفي ليس بغريب من مألوف استعمالنا، فأنت تقول لصاحبك: لا أوصيك بفلان تأكيدًا للوصية ومبالغة في الاهتمام بها كما تقول: لن ألح عليك في زيارتنا، فتبلغ بالنفي، مالا تبلغه بالطلب المباشر الصريح (٢).
ولابد هنا من أن نفرق بين ذكر (لا) مع فعل القسم (لا أقسم) وذكرها من دون فعل القسم (لا والله) فإنهما ليسا أمرًا واحدا خلافا للزمخشري فقد عدهما أمرًا واحدًا.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿فلا وربك لايؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]: " إن قلت: قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥]، والأبيات التي أنشدتها المقسم عليها منفي فهلا زعمت أن (لا) التي قبل القسم زيدت موطئة للنفي بعده، ومؤكدة له، وقدرت المقسم عليه المحذوف هنا منفيا كقولك: لا أقسم بيوم القيامة لا تتركون سدى.
قلت: لو قصر الأمر على النفي دون الأثبات لكان لهذا القول مساغ ولكنه لم يقصر، ألا ترى كيف لقي ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ [البلد: ١]، بقوله: ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ [البلد: ٤]، وكذلك، ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥]، ـ بقوله: إنه لقرآن كريم" (٣).
فرد على من قال إن (لا) في قوله تعالى: (فلا وربك) إنما زيدت لتظاهر النفي فيما بعد، أي (لا يؤمنون) بأن ذلك مردود باستواء النفي والإثبات فيه، وذلك قوله، ﴿فلا أقسم﴾ [الواقعة: ٧٥]، فرد بما فيه الفعل على ما لا فعل فيه.
وهذا فيما نرى غير سديد، فإن الاستعمال يدل على أنهما مختلفان.
стр. 1279
أما (لا والله) فتستعمل على ضربين:
الأول: أن تكون ردًا لكلام سابق، مثبتا أو منفيا، أو طلبا، وذلك نحو قولك لمن قال لك (أراك قد ملت إليه)، لا والله ما ملت إليه.
ونحو قولك لمن قال لك: (لا أراك ذاهبا معه) لا والله ليس الأمر كما ترى بل إني ذاهب معه. وكقولك لمن قال لك: (أكرم فلانا) ـ، لا والله لا أكرمه وكقولك لمن قال لك: (ألا تذهب إليه) لا والله لا أذهب إليه.
وقد يكون جوابها مثبتا، فتقول لمن قال لك: (أرى فلانا كاذبا). لا والله إنه لصادق.
والضرب الآخر، وهو المقصود أن تقع ابتداء من غير كلام سابق، والغرض من هذا النفي، الإيذان بنفي المقسم عليه، وتوكيد النفي الذي يجيء فيما بعد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ وكقول امريء القيس:
لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر
فلا يكون جوابها إلا منفيا، والأمر فيها كما قال، من قال إنها إيذان بالنفي، وتوكيد له، وأما (لا أقسم) فالأمر فيها مختلف، فإن جوابها يكون مثبتا ومنفيا، ولم يرد في القرآن الكريم إلا مثبتا.
وهذا التعبير- أي القسم - لون من ألوان الأساليب في العربية، تخبر صاحبك عن أمر يجهله أو ينكره، وقد يحتاج إلى قسم لتوكيده، لكنك تقول له: لا داعي لأن أحلف لك على هذا، أو لا أريد أن أحلف لك أن الأمر على هذه الحال، ونحوه مستعمل في الدراجة عندنا نقول: ما أحلف لك أن الأمر كيت وكيت، أو ما أحلف لك بالله، لن الحلف بالله عظيم أن الأمر على غير ماتظن، أو ما أكول والله إن الأمر كذا وكذا (أي لا أقول والله).
стр. 1280
فأنت تخبره بالأمر، وتقول له لا داعي للحلف بالمعظمات، على هذا الأمر، فأنت أخبرته ما أردت أن تخبره به، وعظمت له ما أردت أن تعظمه، مما يستحق أن يقسم به، ثم تقول له: إنني لا أريد أن أقسم لك بما هو عظيم على هذا الأمر.
فهذا من هذا الضرب، والله أعلم.
جواب القسم .
جملة جواب القسم، أما إسمية، أو فعلية، فإن كانت إسمية أجيب القسم في الإثبات باللام المفتوحة، أو (إن) واللام، أو (إن) وحدها مشددة أو مخففة (١).
تقول: (والله لهو أفضل منك) أو (إنه أفضل منك) أو (إنه لأفضل منك) قال تعالى: ﴿فورب السماء والأرض إنه لحق﴾ [الذاريات: ٢٣].
وقال: ﴿حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾ [الدخان: ١ - ٣]. وقال: ﴿قال تالله إن كدت لتردين﴾ [الصافات: ٥٦].
وقال: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: ١٠٧].
وإذا كان الجواب جملة فعلية، فعلها مضارعن كان باللام المفتوحة مع النون، أو من دون نون، قال تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقال: ﴿ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾ [آل عمران: ١٥٨].
وذلك إنه إذا كانت جملة الجواب مصدرة بفعل مضارع، مثبت، مستقبل، غير مفصول عن لامه، بفاصل وجب توكيد بالنون (٢). وإن فقد شرط واحد من هذه الشروط إمتنعت النون.
стр. 1281
فإن كانت الجملة منفية، امتنعت النون، قال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ [النحل: ٣٨]، وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء: ٦٥].
وإن كان الفعل للحال، امتنعت النون أيضا، وذلك لأن نون التوكيد تخلص الفعل للاستقبال، فلا تدخل على ما كان للحال، تقول: (والله لأذهب إليه الآن)، وتقول: (لعمرك لأحسبه صادقا) فتكتفي باللام وتمتنع النون (١). ومن هنا فرقوا بين قولهم: (إن محمدًا ليضربن خالدا) و (أن محمدا ليضرب خالدا) فقالوا إن ما فيه نون التوكيد مخصوص بالاستقبال، وما فيه اللام وحده ليس كذلك، بل ذهب أكثرهم إلى أنه مخصوص بالحال، لأن لام الابتداء تخلص الفعل المضارع للحال عند الأكثرين (٢).
وقد بحثنا هذا في باب (إن وأخواتها) ورجحنا أنها لا تخلص المضارع للحال، بل قد تفيده، وتفيد الاستقبال، قال تعالى: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ [النحل: ١٢٤]، وعلى هذا. فالتعبير بالنون مخصوص بالاستقبال، والتعبير باللام يحتمل الحال والاستقبال، وهو للحال برجحان، إلا إذا دل على غير ذلك دليل.
جاء في (شرح ابن يعيش): "فإذا قلت: (إن زيدًا ليضربن عمرا) كان تقديره: إن زيدًا والله ليضربن عمرا، فاللام واقعة موقعها لأنها جواب للقسم فهي بعده، وإذا قلت: (إن زيدًا ليضرب عمرا) فهذه اللام تقديرها أن تكون داخلة على (أن) فبين هذه اللام واللام التي معها النون فصل من وجهين:
أحدهما أن اللام التي معها النون لا تكون إلا للمستقبل، والتي ليس معها النون تكون للحال وقد يجوز أن يراد بها المستقبل.
والوجه الآخر أن المفعول به لا يجوز تقديمه على الفعل الذي فيه النون، ويجوز تقديمه على الذي لا نون فيه (٣).
стр. 1282
وتمتنع النون أيضا، إذا فصل اللام عن الفعل، تقول: (والله لسوف أكرمك) قال تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥].
وعلى آية حال لابد من اللام مع المضارع المثبت.
أما إذا كانت جملة الجواب مصدرة بفعل ماض غير جامد، فيكون الجواب باللام مع قد، كقوله تعالى: ﴿قالوا تالله لقد آثرك الله علينا﴾ [يوسف: ٩١]، وربما حذفت اللام، إذا كان في الكلام طول، قال تعالى: ﴿والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقوها قد أفلح من زكاها﴾ [الشمس: ١ - ٩] (١).
وقيل بل هو ليس بجواب القسم، بل هو تابع لقوله تعالى: ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ على سبيل الاستطراد (٢). وهو الراجح فيما هو ظاهر.
وأما الفعل الجامد فيجاب باللام دون (قد) لأن (قد) لا تدخل إلا على المتصرف، تقول: (والله لنعم الرجل أنت). قال:
يمينا لنعم السيدان وجدتما (٣).
وأما في النفي فيجاب القسم بـ (ما)، أو (لا)، أو (إنْ) في الجمل الإسمية، أو الفعلية، قال تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾ [التوبة: ٧٤]، وقال: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣]، فتلقاه بـ (ما).
وقال: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ [النحل: ٣٨]. وقال: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى﴾ [المائدة: ١٠٧]، فتقلاه بـ (لا).
وقال: ﴿ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾ [فاطر: ٤١].
стр. 1283
وقال: ﴿ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانًا وتوفيقا﴾ [النساء: ٦٢]، فتلقاه بـ (أن) النافية.
وتقول في الجمل الإسمية (والله ما محمد سافرًا) أو إن محمدٌ مسافر.
قال تعالى: ﴿والسماء والطارق وماأدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ [الطارق: ١ - ٤]، أي ما كل نفس إلا عليها حافظ.
وتقول: والله لا أحد في الدار، أو والله لا إبراهيم ولا محمود في الدار (١).
وأما في القسم الطلبي والإستعطافي، فيتلقي بالأمر والنهي والاستفهام، تقول: (بالله عليك أرحم ضعفي) وتقول: (بالله عليك لا تردني خائبًا) وقال:
بربك هل ضممت إليك ليلى
ويجاب بإلا (ولما) تقول: (بالله عليك ألا فعلت ولما فعلت) (٢).
حذف (لا) النافية من جملة الجواب:
يجوز حذف (لا) النافية من جواب القسم قياسًا، إذا كان فعلا مضارعًا، تقول: (والله أرغب عنك) أي لا أرغب عنك، فإذا أريد الإثبات جيء باللام، ولابد إذ لا يجوز أن يتلقي القسم في الإثبات بغير اللام، فإن لم تذكر اللام علمت أنه منفي لا محالة، قال تعالى: ﴿تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾ [يوسف: ٨٥]، والمعنى لا تفتأ، ولو أريد الاثبات لقيل (لتفتأن) في الاستقبال أو (لتفتأ) إذا أريد الحال. قال الشاعر:
آليت حب العراق الدهر أطعمه ... والحب يأكله في القرية السوس
أي: لا أطعمه .. وقال:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي
стр. 1284
أي: لا أبرح. وقال: تالله يبقى على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس (١).
وقال صفوان بن أمية في الخمر:
رأيت الخمر صالحة وفيها ... مناقب تفسد الرجال الكريما
فلا والله أشربها حياتي ... ولا أشفي بها أبدًا سقيما
أي: لا أشربها.
وقال عمر بن الظرب فيها أيضا:
سآلة للفتي ما ليس في يده ... ذهابة بعقول القوم والمال
أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى يفرق ترب القبر أوصالي
مورثة القوم أضغانا بلا أحن ... مزرية بالفتي ذي النجدة الحالي
أي: لا أسقيها ولا أشربها
جاء في (الكتاب): " وقد يجوز ذلك وهو من كلام العرب أن تحذف (لا) وأنت تريد معناها وذلك قولك (والله أفعل ذاك أبدًا) تريد: والله لا أفعل، وقال
فحالف فلا والله تهبط تلعة ... من الأرض إلا أنت للذل عارف (٢).
وجاء في (معاني القرآن) للفراء في قوله تعالى: (تالله تفتأ): " (تالله تفتأ): معناه لا تزال تذكر يوسف و (لا) قد تضمر مع الإيمان، لأنها إذا كانت خبرًا لا يضمر فيها (لا) لم تكن إلا بلام. ألا ترى أنك تقول: (والله لآتينك) ولا يجوز أن تقول: (والله آتيك) إلا أن تكون تريد (لا)، فلما تبين موضعها وقد فارقت الخبر أضمرت" (٣).
стр. 1285
الاستغناء بالجواب عن القسم:
يقول النحاة إنه قد يستغني بجواب القسم عن القسم، فيكون الجواب دليلا على القسم المحذوف، وذلك كأن يؤتى باللام الواقعة في جواب القسم، كقولك: (لأذهبن إليه) وقولك (لقد رددت عليه) فاللام واقعة في جواب قسم محذوف، والتقدير: والله لأذهبن إليه، أو لقد رددت عليه، قال تعالى: ﴿كلا لينبذن في الحطمة﴾ [الهمزة: ٤]، وقال: ﴿ولقد صدقكم الله وعده﴾ [آل عمران: ١٥٢].
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ويستغني كثيرا عن القسم بجوابه، إن أكد بالنون نحو: (لأضربنك) (١).
وجاء في (الكتاب): " وسألته - يعني الخليل - عن قوله (لتفعلن) إذا جاءت مبتدأة ليس قبلها ما يحلف به، فقال: إنما جاءت على نية اليمين، وإن لم يتكلم بالمحلوف به" (٢).
وقد يؤتى باللام الموطئة للقسم قبل الشرط للتنبيه، على القسم المحذوف، كقولك (لئن لم تأتني لأقطعن عنك العون) أي: والله إن لم تأتني. قال تعالى: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن﴾ [يوسف: ٣٢]، وقال: ﴿لئن لم تنته لأرجمنك﴾ [مريم: ٤٦]، فهذه اللام نبهت على القسم المقدر.
وربما حذفت اللام الموطئة قبل الشرط (٣).، واكتفي بجواب القسم للدلالة على القسم المحذوف، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: ١٢١] فثمة قسم مقدر قبل الشرط والتقدير: لئن أطعتموهم بدلالة الجواب، إذ لو كان الجواب للشرط لقيل (فإنكم مشركون) فالجواب ههنا دليل على القسم المقدر، ونحو قوله تعالى: ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: ٢٣]، فهنا قسم مقدر قبل
стр. 1286
الشرط بدلالة الجواب (لنكونن) ولو لم يكن جوابًا للقسم لقيل (نكن من الخاسرين) كما قال تعالى في موطن آخر: ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ [هود: ٤٧].
والذي يبدو لي أن ليس ثمة قسم مقدر، وإنما هو توكيد، كتوكيد القسم، وهو نظير قولنا (إنه لمنطلق) فهذا ليس بقسم، ولكنه مؤكد كتوكيد القسم، إذ لو أقسمت فقلت (والله أنه لمنطلق) لم يختلف التوكيد في الجملتين، مع إن الأولى ليست قسمًا، كما هو رأي الجمهور.
وكذلك قولك (لقد ذهبت إليه) أو (لأذهبن إليه) ليس بقسم، وإنما هو توكيد للإثبات، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ [آل عمران: ١٥٢].
وقوله: ﴿ولقد كنتم تمنون الوت من قبل أن تلقوه﴾ [آل عمران: ١٤٣]. وقوله: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ [البقرة: ٦٥]. وقوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ [التوبة: ٢٥].
وقوله: ﴿ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها﴾ [الفرقان: ٤٠]. فهذا كله ليس بقسم فيما أرى، وإنما هو توكيد فحسب، وهل يحتمل المعنى القسم في قوله تعالى: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ والمخاطبون يعلمون ذلك مقرون به وليسوا منكرين له؟ وهل يحتمله قوله تعالى: ﴿ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء﴾ وهم يأتونها في أسفارهم وليسوا منكرين لذلك؟
يخيل: إلي أن المعنى على التوكيد وحسب، والله أعلم.
وكذلك ما فيه نون التوكيد، نحو قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾ [المائدة: ٩٤].
стр. 1287
وقوله: ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا﴾ [الأعراف: ٨٨]، فهل في قوله تعالى: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ قسم؟ وهل يستقيم الكلام إذا قلت: والله لتعودن في ملتنا؟ وهل يدل ذلك على المعنى المراد؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿ثم بدا لهم من بعدا ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥]، فمن هذا الذي أقسم على ذلك؟
وهل نحس في هذا معنى القسم؟ أفيصح التقدير: ثم بدا لهم من بعد ما رأو الآيات والله ليسجننه حتى حين؟ أترى أن ذلك موافق للمعنى؟
ونحوه قوله تعالى: ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾ [التوبة: ١٠٧]، فهذا على مقتضي قول النحاة حلف على الحلف، لأن (ليحلفن) عندهم جواب لقسم مقدر، وهو حلف أيضا جوابه إن أردنا إلا الحسنى.
ونحوه قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين﴾ [الإسراء: ٤]، فإن هذا ليس حلفا بل وعدا وحسب والله أعلم.
والحق أن هذا توكيد للإثبات فقط، وليس بقسم، فإنك كما تؤكد الأمر والنهي والاستفهام، والنفي بالنون، تؤكد الأثبات، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وقوله: ﴿هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ [الحج: ١٥]، وقوله: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥]، وإلا فكيف نؤكد الأثبات من دون قسم إذا أردنا ذلك؟
ألا ترى أننا نؤكد الجملة الإسمية المثبتة من دون قسم، فنقول: (إن محمدًا قادم) و (أنه لقادم) وكذلك يقتضي القياس أن نؤكد الجملة الفعلية من دون قسم، نحو (لأذهبن إليه) و (لقد ذهبت إليه).
وليس كل ما يصلح أن يقع جوابًا لقسم يكون جوابا للقسم بالضرورة، ألا ترى أن النحاة لا يقولون أن قولنا: (لا أذهب إليه) جواب قس مع أنه يصح أن يقع جوابًا للقسم فتقول (والله لا أذهب إليه). قال تعالى: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشترى به ثمنا ولو كان
стр. 1288
ذا قربى﴾ [المائدة: ١٠٦]، فلماذا يكون المثبت جوابا للقسم دائما، ولا يكون النفي كذلك؟ فإننا نقول في الاثبات (والله لأذهبن إليه) ونقول في النفي: (والله لا أذهب إليه) فالثانية نفي للأولى فلماذا يجعلونها في المثبت قسما دائمًا، ولا يجعلونها في النفي كذلك؟ ألا ترى أنه تمحل فحسب؟
ومثل ذلك ما فيه اللام التي يسمونها موطئة فهي ليست قسما فيما أرى بل هي لزيادة التوكيد فحسب، فليس ثمة قسم فيما أحسب في قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ [الزخرف: ٨٧]، إذ هو لا يحتاج إلى قسم فيما يبدو، ومثله قوله: ﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة﴾ [يوسف: ٦٤]، وقوله: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ [التوبة: ٦٥].
وهل في قوله: ﴿ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله﴾ [العنكبوت: ٦٣]، قسم؟ وهل هو في حاجة إلى قسم؟
إن هذا زيادة في التوكيد فحسب، فما جاءت فيه اللام الموطئة مع الشرط آكد مما لم تكن فيه اللام فقولك (لئن جاءني لأكرمنه) آكد من قولك (إن جاءني لأكرمنه) بإضمار اللام، وآكد منهما القسم الصريح، فإذا قلت (والله إن جاءني لأكرمنه) كان آكد من قولك (إن جاءني لأكرمنه) أو (لئن جاءني لأكرمنه) يدلك على ذلك الاستعمال القرآني.
قال تعالى: ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ [هود: ٤٧]، من دون توكيد وقال: ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقال: ﴿لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: ١٤٩]، بتوكيد الجواب وباللام الموطئة قبل الشرط.
فالثالثة آكد من الثانية، والثانية آكد من الأولى، ويدلك على ذلك السياق، قال تعالى: في سياق الآية الثالثة: ﴿ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾ [الأعراف: ١٤٩].
стр. 1289
وهذا في بني إسرائيل بعد ما عبدوا عجل الذهب، واتخذوه إلها لهم، وهو كفر صريح وضلال مبين، ولذلك عند توبتهم أكدوا قولهم باللام الموطئة، زيادة على توكيد الجواب: ﴿لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين﴾.
وأما الآية الثانية التي هي (وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) فهي على لسان آدم وزوجه، بعد ما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها.
وهذه المعصية أقل من معصية بني إسرائيل، فإن معصية قوم موسى كفر، لأنها عبادة لغير الله، ولم يفعل مثل ذلك آدم، بل هو مقر بربوبية الله، ومقر بعبوديته لربه، وإنما هي لحظة ضعف أدركته، كما تدرك الكثير من الناس من غير أن تخرجهم عن دينهم، ثم يتوبون عنها. ألم ترى كيف وصف بني إسرائيل بالضلال فقال: (ورأو أنهم قد ضلوا) ولم يصف آدم بذلك.
فلما كانت المعصية أقل، حذف اللام الموطئة التي تفيد التوكيد، فالأولى آكد لأن المعصية أكبر، فالتوبة وطلب المغفرة يكونان على قدر المعصية.
وأما الآية الثالثة، وهي قوله تعالى: ﴿وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ فهي على لسان نوح ﵇، وذلك أنه سأل ربه أن ينجي ابنه من الغرق، لأن الله وعده ان ينجي معه أهله فقال: ﴿رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق﴾ فقال له الله: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ [هود: ٤٦].
فطلب نوح من ربه بالمغفرة، والعفو لسؤاله هذا، فقال: ﴿قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين﴾ فهذا ليس بمعصية كمعصية آدم، وإنما فهم نوح أن ابنه يدخل مع أهله الناجين، فبين له الله أنه ليس من أهله لأنه كافر، فطلب من ربه المغفرة لما سأل، ولذلك لم يأت الكلام مؤكدا، فأنت ترى أن التوكيد يتناسب هو وحجم المعصية، فلما لم يكن سؤال نوح معصية، لم يؤكد ترى أن التوكيد يتناسب هو وحجم المعصية، فلما لم يكن سؤال نوح معصية، لم يؤكد كلامه، ولما كان فعل آدم معصية لربه أكده بالنون، ولما كان فعل بني إسرائيل كفرًا
стр. 1290
وضلالا أكده بالنون وباللام الموطئة، فالخسران إنما يكون على قدر المعصية ولاشك.
ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصاري حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ [البقرة: ١٢٠]، فجاء باللام الموطئة، في حين قال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ [الأنعام: ١٢١].
فقال في الأولى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾، وقال في الثانية: ﴿وإن أطعتموهم﴾. فأكد الأولى باللام الموطئة، أما الثانية فلم يذكر فيها اللام، وذلك لأن الأولى تستدعي قدرا زائدًا من التوكيد، فإنها تحذير لرسول الله ﷺ من ملة الإسلام وأتباع اليهود، أو النصارى وهو من أكبر المعاصي، إذ كيف يصح من رسول يتنزل عليه الوحي من ربه أن يترك أمر الله إلى ملة أخرى لا يرضاها ربه؟ فأحتاج ذلك إلى قدر من الوعيد أكبر.
وأما الثانية فهي في الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، وقد جاء الشرط تعقيبًا على ذلك، فأنت ترى أن المعصية الأولى أكبر وأكبر لأنه تحذير من انسلاخ رسول من رسل الله ينزل عليه الوحي عن الدين الذي ارتضاه له ربه وأتباع ملة ضالة، فأحتاج ذلك إلى قدر من التوكيد أكبر.
فإن سبق الكلام بقسم صريح، كان آكد لأنك بدأت بذكر ما تعظمه، قاطعًا على نفسك أنك ستفعل أو لا تفعل، وقد ذكرت هذا المعظم تقوية للعهد والميثاق، ففي القسم الصريح توكيد وزيادة بخلاف ما لم يذكر فيه القسم الصريح.
وعلى أية حال فإن القسم الصريح يختلف عن المؤكد بالنون، أو باللام الموطئة من نواح أهمها:
١ - إن ما ذكر فيه القسم الصريح آكد مما لم يذكر فيه القسم صراحة، وذلك لأنه توكيد وزيادة كما أسلفنا.
стр. 1291
٢ - إنه في القسم الصريح يقصد لفظ المقسم به، ويراد كما يقصد جوابه فالقول (والله) أو (ورب الكعبة) أو (والضحى) أو (والذاريات) أو (والمرسلات) وغير ذلك مما يقسم به، يراد لفظ المقسم به لأمور بلاغية، أو تعظيمية، أو غيرها كما يراد جوابه.
وأما ما لم يذكر القسم به فالمراد منه هو الجملة المؤكدة فحسب.
٣ - ينبني على ذكر المقسم به صراحة أحكام شرعية، كالبر، والحنث، والصحة والبطلان، مما لا يكون فيما يسمونه بالقسم المضمر، فالقسم بغير الله باطل، ومن أقسم بالله ولم يبر بقسمه فهو حانث، وعليه كفارة اليمين، بخلاف المؤكد توكيد القسم، فإنه لا يجري عليه حكم اليمين، فإذا قلت: والله لأزورنه الليلة، ثم لم تزره كنت حانثا في يمينك، وعليك كفارة اليمين، وإن قلت: لأزورنه الليلة ولم تزره، لم تلزمك الكفارة وإنما أكدت الوعد توكيد اليمين.
فتبين مما ذكرت أن ما أكد باللام أو ما سبق باللام الموطئة، ليس قسمًا والله أعلم.
حذف جواب القسم
يحذف جواب القسم وجوبا وجوازا.
فيجب حذفه إذا تقدم القسم أو أكتنفه ما يدل عليه (١). فمن الأول قولك: (أنت مخلص والله) ومن الثاني قولك: (أنت والله مخلص).
ففي الجملة سبق ما يغني عنه، وقد بني الكلام على غير القسم ابتداء، حتى إذا انتهي الكلام جيء بالقسم بعد ذلك.
وأما في الجملة الثانية فقد اعترض القسم بين الكلام، فقد بني الكلام ابتداء على غير القسم ثم رأيت أن تقسم في أثناء الكلام، فلا يحتاج القسم إلى جواب لأن الكلام في
стр. 1292
كلتا الحالتين غير معقود عليه، وقد أغني عن الجواب الكلام المتقدم على القسم، أو المكتنف له.
وهذا نظير حذف جواب الشرط إذا تقدمته أو أكتنفه ما يدل على عليه.
وأما إذا وقع القسم ابتداء فلابد له من جواب ظاهر أو مقدر، لأن الكلام مبني عليه.
جاء في (معاني القرآن) للفراء: " وكذلك اليمن يكون لها جواب إذا بديء بها فيقال: والله إنك لعاقل، فإذا وقعت بين الاسم وخبره قالوا: أنت والله عاقل، وكذلك إذا تأخرت لم يكن لها جواب لأن الابتداء بغيرها (١).
وقد يحذف جواب القسم جوازًا إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وذلك نحو قولك: لمن قال لك: (أذهبت إليه)؟ : (نعم والله)، أو (لا والله) أي نعم والله لقد ذهبت إليه، أو لا والله ما ذهبت إليه.
ويحذف أيضا جوازا، إذا كان بعده ما يدل عليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿والنازعات غرقا والناشطات نشطا والسابحات سبحا فالسابقات سبقا فالمدبرات أمرًا يوم ترجف الراجفة﴾ [النازعات: ١ - ٦]، والتقدير لتبعثن بدليل ما بعده (٢).
وقد يكون القصد من حذف الجواب، أن لا يراد جواب بعينه، وإنما يراد كل ما يحتمله السياق والمقام من جوابات.
فقد يكون الجواب مقصودًا بعينه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين﴾ [مريم: ٦٨]، وقد يكون غير مقصود بعينه، وإنما يتسع لكل ما يحتمله المقام فلا نصرف الذهن إلى شيء بعينه، بل يدعه يذهب كل مذهب مما يحتمله سياق
стр. 1293
الكلام ومقامه فيكون كله مرادا أو محتملا مراده، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ق والقراءن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ﴾ [ق: ١ - ٤] فيحتمل الجواب أن يكون (إنك لمنذر) بدليل قوله: ﴿بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم﴾ (١). ويحتمل أن يكون (ليبعثن) بدليل: ﴿أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد﴾، ويحتمل أن يكون ﴿قد علمنا ما تنقص الأرض منهم﴾ ويحتمل غير ذلك، مما يتناسب هو والمقام.
ونحو قوله تعالى: ﴿ص والقرءان ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق كما أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ص: ١ - ٥].
فيحتمل أن يكون الجواب (لنهلكنهم) بدليل قوله تعالى: ﴿كم أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ ويحتمل أن يكون (لقد عجبوا من إنذارك) أو (ليعجبن) بدليل قوله: ﴿وعجبوا ان جاءهم منذر منهم﴾، ويحتل أن يكون الجواب (إنه لذكر لهم) أي شرف لهم، بدليل قوله (والقرآن ذي الذكر) ويحتل أن يكون الجواب (ما الذي كفروا نازلين على حكم الحق بل الذين كفروا في عزة وشقاق) كل ذلك يحتمله السياق، ويحتمل غيره.
وهذه المعاني كلها مرادة، أو محتملة المراد فيكون المعنى قد اتسع بحذف الجواب وشمل أبعادا لم يكن يشملها بالذكر.
وعلى هذا فالغرض من الذكر، هو القصد إلى جواب بعينه.
وأما الحذف فيحتمل أن يكون الراد منه الإيجاز، ويحتمل أن يكون المراد منه سعة المعنى وشموله وذهاب الذهن كل مذهب، والله أعلم.
стр. 1294
النفي
أدوات النفي
سبق لنا أن بحثنا أدوات النفي في أماكن متفرقة، فقد بحثنا (ليس، وما، ولا، وإن، ولات) في بحث (ليس وا لم شبهات بها)، وبحثنا: (لم، و لما ، ولن، ولا) في نصب الفعل المضارع وجزمه وسنتعرض لها الآن تعرضا موجزا.
لم:
تنفي الفعل المضارع وتجزمه، وتقلب زمنه إلى المضي وهي لنفي (فعل) (١). فإذا قلت: (حضر محمد) فإن نفيه (لم يحضر)، وقد يكون النفي بها منقطعًا أي انتفي حدوث الفعل في وقت ما، ثم انقطع النفي، وذلك نحو قولك: (لم يحفظ محمد القصيدة أمس وإنما حفظها اليوم) وقد يكون النفي متصلا إلى زمن المتكلم، نحو (لم يعد خالد من سفره إلى اليوم) وقد يكون مستمرًا لم ينقطع ولا ينقطع وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤]، وكقوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه﴾ [محمد: ١٥].
لما:
وهي تنفي الفعل المضارع وتجزمه، وتقلب زمنه إلى المضي المتصل بالحال، وذلك نحو (لما يحضر سعيد) أي لم يحضر إلى وقت المتكلم، وهي لنفي (قد فعل (٢). فإذا قلت (قد رجع) فإن نفيه (لما يرجع).
стр. 1295
والفرق بينها، وبين (لم) أن ا لن في بـ (لم) يكون متصلا ومنقطعًا في حين أن النفي بـ (لما) لا يكون إلا متصلا بزمن التكلم، وأن المنفي بـ (لما) فيه معنى التوقع، وذلك لأنها نفي لـ (قد فعل) و (قد) فيها معنى التوقع، وكذلك منفيها، فإنك إذا قلت (لما يحضر) فإن المعنى: لما يحضر بعد وهو متوقع حضوره، وأما (قد حضر) فإن معناه كان متوقعًا منه الحضور فحضر.
وقد سبق الكلام عليها وعلى (لم) بما فيه الكفاية، فلا داعي لإعادته ههنا.
لن:
تدخل على الفعل المضارع فتنفيه نفيا مؤكدا وتخلصه للاستقبال، تقول: (لن أكلمه بعد اليوم)، وهي نفي لـ (سوف يفعل) أو سيفعل (١).، فإذا قلت (سوف أذهب إليه) أو (سأذهب إليه) ولا يجمع بينهما، فلا يقال: (سوف لن أذهب إليه) فإن (سوف) للإثبات و (لن) للنفي.
وهي لا تفيد التأبيد، بدليل قوله تعالى: ﴿فلن أكلم اليوم إنسيا﴾ [مريم: ٢٦]، فقد قيد عام الكلام بيوم واحد، وهو ينافي التأبيد (٢).
ليس:
تدخل على الجمل الإسمية فتنفيها، وتكون لنفي الحال عند الإطلاق، نحو: (ليس أخوك حاضرا) أي الآن، وإن قيدت كانت بحسب ذلك القيد (٣).، وقد تكون للمضي نحو (ليس أخي قد سافر أمس) وقد تكون للاستقبال، وذلك نحو قولك: (لست ذاهبًا إليه غدا) قال تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم﴾ [هود: ٨].
وقد تكون للاستمرار، وذلك كقوله تعالى: ﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ [آل عمران: ١٨٢].
стр. 1296
وقد تكون للحقيقة غير مقيدة بزمن، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١].
ما:
تنفي الجمل الإسمية والفعلية.
فإذا دخلت على الجمل الإسمية كان نفيها للحال عند الإطلاق، وإذا قيدت كانت بحسب القيد، تقول (ما هو مسافرًا) أي الآن، وتقول (ما هو مسافرا غدا) قال تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي في الاستقبال.
وقد تكون للمضي نحو (ما سعيد ظلمني حقي بل خالد).
وقد تكون للحقيقة غير مقيدة بزمن، كقوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ [المجادلة: ٢]. وهي آكد من (ليس) فإنها تقع جوابًا للقسم، تقول: (والله ما هو بمنطلق) بخلاف (ليس) وقد ذكرنا ذلك في بحث (ليس) والمشبهات بها.
وهي أوسع استعمالا منها أيضا، فـ (ليس) مختصة بنفي الجمل الإسمية، وأما (ما) فتنفي الجمل الفعلية والإسمية.
وإذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للحال عند الجمهور (١). قال تعالى: ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول﴾ [هود: ٩].
قال سيبويه: " وإذا قال (هو يفعل) أي هو في حال فعل فإن نفيه (ما يفعل)، وإذا قال (هو يفعل) ولم يكن الفعل واقعًا فنفيه (لا يفعل) (٢).
стр. 1297
فذكر أنها لنفي الحال إذا دخلت على المضارع، ورد ابن مالك ذلك بقوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائ نفسي﴾ [يونس: ١٥]، وأجيب بأن شرط كونه للحال انتفاء قرينة خلافه (١).
وهذا هو الحق فإنها تكون للحال كثيرا، وقد تكون لغير الحال أيضًا، فقد تدل على الاستمرار وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧]، وقوله: ﴿وما الله يريد ظلما للعالمين﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقوله: ﴿وا يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ [النساء: ١٢٠]، وقوله: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ [الأنعام: ٥٩].
وهي تنفي الفعل الماضي نحو: (ما ذهبت إليه) وقد ذكر أنها عند ذاك تكون لنفي الماضي القريب من الحال (٢).
والحقيقة أن الكثير فيها أن تكون كذلك، وقد تأتي لنفي الماضي البعيد، قال تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقال: ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقال: ﴿وماقتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [النساء: ١٥٧].
وقد تكون للاستقبال في جواب الشرط أو غيره قليلا، قال تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ [النساء: ٦٦]، وقال: ﴿ولو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾ [المائدة: ٣٦]، وقال: ﴿ولئت أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ [البقرة: ١٤٥].
стр. 1298
وفيها توكيد، فقد ذكر سيبويه أنها نفي لـ (لقد فعل) قال سيبويه: " وإذا قال (لقد فعل) فإن نفيه (ما فعل) لأنه كأنه قال: (والله لقد فعل) فقال: (والله ما فعل) (١)، فهي آكد من (لم).
جاء في (الاتقان): " ومقتضي كلام سيبويه أن فيها معنى التأكيد لأنه جعلها في النفي جوابًا (٢). لقد (كذا) فكما أن (قد) فيها معنى التأكيد، فكذلك ما جعل جوابا لها (٣).
وقد ذكرنا في بحث (لا النافية للجنس) أن (ما) قد تأتي ردًا على قول أو ما نزل هذه المنزلة، قال تعالى: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [النساء: ١٥٧].
الفرق بين ما ولم:
تدخل (لم) على المضارع فتقلب زمنه إلى ماض، كما ذكرنا (وما) تنفي الفعل الماضي فتقول (لم أذهب) و (ما ذهبت) فيفيدان الدلالة على المضي، ولكن ثمة فروقا بينهما من نواح أهمها:
١ - ان الماضي المنفي بـ (ما) يكون في الغالب لنفي الماضي القريب من الحال، وأما (لم) فليست مقيدة بزمن من أزمنة المضي.
٢ - إن (ما) آكد من (لم) وذلك أنها تقع جوابًا للقسم كما ذكرنا بخلاف (لم).
قال تعالى: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقال: ﴿يحلفون بالله ماقالوا﴾ [التوبة: ٧٤]، والقسم توكيد وكذلك جوابه.
ويدل على ذلك أيضا أن منفيها كثيرا ما يقترن بـ (من) الإستغراقية المؤكدة، وهي التي يسميها النحاة زائدة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨].
стр. 1299
وقوله: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾ [المؤمنون: ٩١] وقوله: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ [الأحزاب: ٤].
وأنا لا أذكر آية واحدة يمكن أن يقترن منفيها بـ (من)، ثم لم يقترن بها بخلاف (لم) فإنها لم يقترن منفيها بـ (من) ثم لم يقترن بها بخلاف (لم) فإنها لم يقترن منفيها بـ (من) ولو مرة واحدة على كثرة ما ترددت في القرآن الكريم، فدل ذلك دلالة واضحة على قوة نفي (ما) دون (لم).
والظاهرة الجديرة بالتسجيل أنه لا ينافس (ما) في اقتران منفيها بـ (من) إلا (أن) النافية فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مقترنة بـ (من)، حيث أمكن ذلك في اللغة.
وأما (لا) النافية فإن منفيها لم يرد مقترنا بـ (من) هذه إلا في موطن واحد على كثرتها المستفيضة في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب: ٥٢]، قال تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٤٨].
٣ - إن (ما) كثيرا ما تكون ردًا على كلام أو ما نزل هذه المنزلة، وذلك كأن يقول لك قائل: (لقد ذهب سالم إلى سعيد) فتقول له: (ما ذهب إليه)، قال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ فكان الجواب ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧]، وجاء على لسان النسوة في سورة يوسف ردًا على التهمة التي ألصقتها به امرأة العزيز ﴿حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ [يوسف: ٥١]، وجاء على لسان المكذبين ردًا على قول رسلهم، ﴿إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء﴾ [يس: ١٤ - ١٥].
وهذا يقع أيضا في غير الجمل الفعلية، فقد جاء ردًا على قول المنافقين ﴿إن بيوتنا عورة﴾ قوله تعالى: ﴿وما هي بعورة﴾ [الأحزاب: ١٣]، وعلى قولهم: ﴿قالوا آمنا﴾ قوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨].
стр. 1300
وهذا كثير وليس مطردًا.
٤ - يخيل إلي أن هناك فرقا بين دخول (ما) على الماضي، ودخول (لم) على المضارع من ناحية أخرى، وهي أن الماضي يدل على أن الأمر قد انقضي، وأما المضارع فإنه قد يدل على التكرار، والتجدد والتطاول، فقولك (كتب) يدل على انتهاء الحدث، وانقضائه وقولك (يكتب) يدل على تجدد الحدث واستمراره، فإذا دخلت (ما) على الماضي دل على انتفاء الحدث بصيغة المضي، وإذا دخلت (لم) على المضارع دل على انتفاء الحدث في المضي، لكن بصيغة التجدد والاستمرار، فدخلو (لم) يدل على أن الحدث لم يحصل في الماضي على تطاول المدة واستمرارها، قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] ..
وقال: ﴿قالت أني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا﴾ [مريم: ٢٠].
فقال في الآية الأولى (وما مسنا) وفي الثانية (ولم يمسسني).
والسبب والله أعلم أن الآية الأولى رد على اليهود الذين يقولون إن الله تعب من خلق السماوات والأرض فاستراح في اليوم السابع (١).، تعالى الله عما يقولون، فرد عليهم بـ (ما) وجاء بـ (من) الاستغراقية للدلالة على أنه لم يحصل شيء من ذلك، بخلاف الثانية فإنها ليست ردًا على من قال إنها مسها بشر، ولكن إخبار عن نفسها بذلك.
والأمر الثاني وهو الذي يعنينا هنا، أنه في الآية الأولى جاء بصيغة الماضي، لأن الأمر حدث وانقضي مرة واحدة، وهو خلق السماوات والأرض، وأما الآية الثانية فهي في مس الرجال للنساء، وهو أمر قد يتكرر ويتجدد حصوله، فذكرت أن ذلك لم يحصل فيما انقضي من عمرها، فثمة اختلاف بين الأمرين فإنه في الثانية كان من الممكن أن يتكرر المس في الماضي بخلاف التعب الذي يعقب العمل فإنه موقوت بذلك العمل،