← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وقد تكون للحقيقة غير مقيدة بزمن، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقوله: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشورى: ١١]. ما: تنفي الجمل الإسمية والفعلية. فإذا دخلت على الجمل الإسمية كان نفيها للحال عند الإطلاق، وإذا قيدت كانت بحسب القيد، تقول (ما هو مسافرًا) أي الآن، وتقول (ما هو مسافرا غدا) قال تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة: ١٦٧]، أي في الاستقبال. وقد تكون للمضي نحو (ما سعيد ظلمني حقي بل خالد). وقد تكون للحقيقة غير مقيدة بزمن، كقوله تعالى: ﴿ما هن أمهاتهم﴾ [المجادلة: ٢]. وهي آكد من (ليس) فإنها تقع جوابًا للقسم، تقول: (والله ما هو بمنطلق) بخلاف (ليس) وقد ذكرنا ذلك في بحث (ليس) والمشبهات بها. وهي أوسع استعمالا منها أيضا، فـ (ليس) مختصة بنفي الجمل الإسمية، وأما (ما) فتنفي الجمل الفعلية والإسمية. وإذا دخلت على الفعل المضارع خلصته للحال عند الجمهور (١). قال تعالى: ﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول﴾ [هود: ٩]. قال سيبويه: " وإذا قال (هو يفعل) أي هو في حال فعل فإن نفيه (ما يفعل)، وإذا قال (هو يفعل) ولم يكن الفعل واقعًا فنفيه (لا يفعل) (٢).

стр. 1297

فذكر أنها لنفي الحال إذا دخلت على المضارع، ورد ابن مالك ذلك بقوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقائ نفسي﴾ [يونس: ١٥]، وأجيب بأن شرط كونه للحال انتفاء قرينة خلافه (١). وهذا هو الحق فإنها تكون للحال كثيرا، وقد تكون لغير الحال أيضًا، فقد تدل على الاستمرار وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: ٧]، وقوله: ﴿وما الله يريد ظلما للعالمين﴾ [آل عمران: ١٠٨]، وقوله: ﴿وا يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ [النساء: ١٢٠]، وقوله: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ [الأنعام: ٥٩]. وهي تنفي الفعل الماضي نحو: (ما ذهبت إليه) وقد ذكر أنها عند ذاك تكون لنفي الماضي القريب من الحال (٢). والحقيقة أن الكثير فيها أن تكون كذلك، وقد تأتي لنفي الماضي البعيد، قال تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦]، وقال: ﴿ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقال: ﴿وماقتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [النساء: ١٥٧]. وقد تكون للاستقبال في جواب الشرط أو غيره قليلا، قال تعالى: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾ [النساء: ٦٦]، وقال: ﴿ولو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم﴾ [المائدة: ٣٦]، وقال: ﴿ولئت أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ [البقرة: ١٤٥].

стр. 1298

وفيها توكيد، فقد ذكر سيبويه أنها نفي لـ (لقد فعل) قال سيبويه: " وإذا قال (لقد فعل) فإن نفيه (ما فعل) لأنه كأنه قال: (والله لقد فعل) فقال: (والله ما فعل) (١)، فهي آكد من (لم). جاء في (الاتقان): " ومقتضي كلام سيبويه أن فيها معنى التأكيد لأنه جعلها في النفي جوابًا (٢). لقد (كذا) فكما أن (قد) فيها معنى التأكيد، فكذلك ما جعل جوابا لها (٣). وقد ذكرنا في بحث (لا النافية للجنس) أن (ما) قد تأتي ردًا على قول أو ما نزل هذه المنزلة، قال تعالى: ﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [النساء: ١٥٧]. الفرق بين ما ولم: تدخل (لم) على المضارع فتقلب زمنه إلى ماض، كما ذكرنا (وما) تنفي الفعل الماضي فتقول (لم أذهب) و (ما ذهبت) فيفيدان الدلالة على المضي، ولكن ثمة فروقا بينهما من نواح أهمها: ١ - ان الماضي المنفي بـ (ما) يكون في الغالب لنفي الماضي القريب من الحال، وأما (لم) فليست مقيدة بزمن من أزمنة المضي. ٢ - إن (ما) آكد من (لم) وذلك أنها تقع جوابًا للقسم كما ذكرنا بخلاف (لم). قال تعالى: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣]. وقال: ﴿يحلفون بالله ماقالوا﴾ [التوبة: ٧٤]، والقسم توكيد وكذلك جوابه. ويدل على ذلك أيضا أن منفيها كثيرا ما يقترن بـ (من) الإستغراقية المؤكدة، وهي التي يسميها النحاة زائدة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨].

стр. 1299

وقوله: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾ [المؤمنون: ٩١] وقوله: ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ [الأحزاب: ٤]. وأنا لا أذكر آية واحدة يمكن أن يقترن منفيها بـ (من)، ثم لم يقترن بها بخلاف (لم) فإنها لم يقترن منفيها بـ (من) ثم لم يقترن بها بخلاف (لم) فإنها لم يقترن منفيها بـ (من) ولو مرة واحدة على كثرة ما ترددت في القرآن الكريم، فدل ذلك دلالة واضحة على قوة نفي (ما) دون (لم). والظاهرة الجديرة بالتسجيل أنه لا ينافس (ما) في اقتران منفيها بـ (من) إلا (أن) النافية فإنها لم ترد في القرآن الكريم إلا مقترنة بـ (من)، حيث أمكن ذلك في اللغة. وأما (لا) النافية فإن منفيها لم يرد مقترنا بـ (من) هذه إلا في موطن واحد على كثرتها المستفيضة في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب: ٥٢]، قال تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٤٨]. ٣ - إن (ما) كثيرا ما تكون ردًا على كلام أو ما نزل هذه المنزلة، وذلك كأن يقول لك قائل: (لقد ذهب سالم إلى سعيد) فتقول له: (ما ذهب إليه)، قال تعالى: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ فكان الجواب ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٧]، وجاء على لسان النسوة في سورة يوسف ردًا على التهمة التي ألصقتها به امرأة العزيز ﴿حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ [يوسف: ٥١]، وجاء على لسان المكذبين ردًا على قول رسلهم، ﴿إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء﴾ [يس: ١٤ - ١٥]. وهذا يقع أيضا في غير الجمل الفعلية، فقد جاء ردًا على قول المنافقين ﴿إن بيوتنا عورة﴾ قوله تعالى: ﴿وما هي بعورة﴾ [الأحزاب: ١٣]، وعلى قولهم: ﴿قالوا آمنا﴾ قوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨].

стр. 1300

وهذا كثير وليس مطردًا. ٤ - يخيل إلي أن هناك فرقا بين دخول (ما) على الماضي، ودخول (لم) على المضارع من ناحية أخرى، وهي أن الماضي يدل على أن الأمر قد انقضي، وأما المضارع فإنه قد يدل على التكرار، والتجدد والتطاول، فقولك (كتب) يدل على انتهاء الحدث، وانقضائه وقولك (يكتب) يدل على تجدد الحدث واستمراره، فإذا دخلت (ما) على الماضي دل على انتفاء الحدث بصيغة المضي، وإذا دخلت (لم) على المضارع دل على انتفاء الحدث في المضي، لكن بصيغة التجدد والاستمرار، فدخلو (لم) يدل على أن الحدث لم يحصل في الماضي على تطاول المدة واستمرارها، قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] .. وقال: ﴿قالت أني يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا﴾ [مريم: ٢٠]. فقال في الآية الأولى (وما مسنا) وفي الثانية (ولم يمسسني). والسبب والله أعلم أن الآية الأولى رد على اليهود الذين يقولون إن الله تعب من خلق السماوات والأرض فاستراح في اليوم السابع (١).، تعالى الله عما يقولون، فرد عليهم بـ (ما) وجاء بـ (من) الاستغراقية للدلالة على أنه لم يحصل شيء من ذلك، بخلاف الثانية فإنها ليست ردًا على من قال إنها مسها بشر، ولكن إخبار عن نفسها بذلك. والأمر الثاني وهو الذي يعنينا هنا، أنه في الآية الأولى جاء بصيغة الماضي، لأن الأمر حدث وانقضي مرة واحدة، وهو خلق السماوات والأرض، وأما الآية الثانية فهي في مس الرجال للنساء، وهو أمر قد يتكرر ويتجدد حصوله، فذكرت أن ذلك لم يحصل فيما انقضي من عمرها، فثمة اختلاف بين الأمرين فإنه في الثانية كان من الممكن أن يتكرر المس في الماضي بخلاف التعب الذي يعقب العمل فإنه موقوت بذلك العمل،

стр. 1301

فما كان شأنه التجدد والاستمرار نفاه بـ (لم) مع المضارع، وما حدث مرة واحد نفاه بـ (ما) مع الماضي. وقال: ﴿حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا﴾ [الكهف: ٩٠]، ولم يقل (وما جعلنا لهم) لأن ذلك متكرر متطاول، إذ كل يوم تطلع عليهم الشمس وليس لهم ستر دونها، فجاء بالفعل المضارع مع (لم) بخلاف قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرءيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء: ٦٠]، فجاء بالفعل الماضي مع (ما) لأن الرؤيا وقعت مرة واحدة، ثم إن الآية هذه رد على الكفرة الذين سخروا من رؤياه بخلاف الآية الأولى، فإنها إخبار لا رد، فجاء في الأولى بـ (لم) والثانة بـ (ما) والله أعلم. ونحوه قوله تعالى: ﴿في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٠ - ٤٤]، فجاء بـ (لم) مع المضارع للدلالة على التكرر والتجدد، فإن الصلاة تتكرر وإطعام المسكين يتكرر. ويمكن أن يقال أيضا أنه قد ينفي بـ (ما) مع الماضي إذا أريد نفي الحدث بصورته المنقضية التامة، وينفي بـ (لم) مع المضارع إذا أريد نفي الحدث في الماضي بصورة التغير والتجدد فيشخص في الذهن بصورته المتجددة، ثم ينفيه بهذه الصورة في الماضي، فإذا قلت مثلا (ما استجاب لك خالد) أفاد نفي الاستجابة في الماضي بصورتها النهائية التامة، وإذا قلت (لم يستجب لك خالد) أفاد نفي الاستجابة في الماضي بصورتها التجددية، قال تعالى: ﴿فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه﴾ [البقرة: ٢٥٩]، فجاء بـ (لم) وذلك لأن تغير الشراب والطعام يحصل تدريجيا ويستمر وليس دفعة واحدة فجاء بـ (لم) للدلالة على أنه لم يحصل شيء من ذلك، ولو جاء بـ (ما) وقال (ما تسنه) لأفاد نفي التسنه وهو التغير بصورته النهائية التامة. وقال: ﴿ويوم يقوم نادوا شركاءي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم﴾ [الكهف: ٥٢]، فهنا أفاد نفي الاستجابة بصورة التجدد والتطاول، ولو قال (ما استجابوا لهم) لأفاد نفي الاستجابة بصورتها المنقضية التامة.

стр. 1302

ويبدو لي أن قوله تعالى: ﴿ورءا المجرمون النار فظنوا انهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا﴾ [الكهف: ٥٣]، يفيد تكرار البحث، وإدامة النظر للخروج من النار، فكأننا نراهم يبحثون غير أنهم لم يجدوا على كثرة ما بحثوا، ولو قال (ما وجدوا) لأفاد انتفاء الحدث بصورته المنقضية، لا بصورة البحث والتفتيش. والذي دعاني إلى هذا الفهم، هو صورة المضارع مع (لم)، وصورة الماضي مع (ما) وهما صورتان مختلفتان. ٥ - إذا عطف على المنفي بـ (لم) بالماضي، كان إثباتا للمعطوف، وإذا عطفت على المنفي بـ (ما) احتمل النفي والاثبات، وذلك نحو قولك: (لم اعط محمدًا واعطيت خالدا) فهذا نفي لاعطاء محمد وإثبات لاعطاء خالد، ولو قلت (ما أعطيت محمدا وأكرمت خالدًا) لا حتمل نفي اعطاء محمد ونفي إكرام خالد أي: وما أكرمت خالدا وأحتمل الاستئناف أيضا، أي نفي الإعضاء وإثبات الأكرام فلا يكون عطفاً. وقد تقول هذا مردود بقوله تعالى: ﴿ألم يجدك يتيما فأوي ووجدك ضالا فهدى﴾ [الضحي: ٦ - ٧]، فقد عطف (وجدك) على (ألم يجدك). والثاني مثبت، والأول منفي، ومعناهما واحد. والحق أنهما ليسا مختلفين، فإن الآية الأولى تقرير، أي إثبات وليس نفيا، فقوله تعالى ﴿ألم يجدك يتيما﴾ معناه: أنه وجدك يتيما، ونحو قوله تعالى: ﴿ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك﴾ [الإنشراح: ١، ٢]، فالمعنى أنه شرح له صدره ووضع عنه وزره، فهما ليسا مختلفين. ٦ - قد يحتمل أشتراك (ما) مع ما يشبه لفظها من اسم موصول، أو من حرف مصدري فيحتمل التعبير أكثر من معنى، ولا يكن ذلك مع (لم)، وذلك نحو قولك: (تركتهم وما يعبدون إلا الله) فقد يحتمل أن يكون المعنى، أنه تركهم وهم لا يعبدون إلا الله، أي تركهم يعبدون الله. ويحتمل أن يكون المعنى تركتهم وعبادتهم إلا الله، أي:

стр. 1303

ألا عبادة الله، فتكون (ما) مصدرية، وقد تحتمل الموصولية أي تركتهم والذي يعبدون إلا الله، وهذا المعنى الأخير نظير قوله تعالى: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ [الكهف: ١٦]. ونحو (ما أخبرتك ما أريد) فقد يحتمل أن تكون (ما) الأولى نافية، أي لم أخبرك الذي أريده، وقد يحتمل أن تكون اسما موصولا أي: الذي أخبرتك به هو الذي أريده. ولا يكون نحو هذا في (لم). من خصوصيات الاستعمال القرآني: ١ - لم يستعمل القرآن الكريم الاستفهام التقريري بـ (ما) قط، بل استعمل (لم) لذلك، قال تعالى: ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وقال: ﴿ألم نشرك لك صدرك﴾ [الإنشراح: ١]، وقال: ﴿ألم نربك فينا وليدًا﴾ [الشعراء: ١٨]. ٢ - لم يرد جواب (لو) منفيا بـ (لم)، بل بـ (ما) فقط، قال تعالى: ﴿ولو سمعوا ما استجابوا لكم﴾ [فاطر: ١٤]، وقال: ﴿لو شاء الله ما اقتتل﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]. ٣ - لم تقع (ما) النافية بعد الأسماء الموصولة، أي في صدر الصلة، وقد وقع غيرها من أدوات النفي، مثل (لم) و (لا) و (ليس)، قال تعالى: ﴿ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ [البقرة: ١٥١]، وقال: ﴿والذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [الأنعام: ١٥٠]، وقال: ﴿أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾ [هود: ١٦]. إن: تدخل على الجمل الإسمية والفعلية مثل (ما) فإن دخلت على الجمل الإسمية كانت لنفي الحال عند النحاة (١).

стр. 1304

والحق أنها تكون لغير الحال أيضًا، فهي للحال عند الإطلاق، ومن ورودها لغير الحال قوله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة﴾ [الإسراء: ٥٨]، وقوله: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]، وقوله: ﴿إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فهي هنا للاستقبال. وقد تكون للحقيقة غير مقيدة بزمن، وذلك كقوله تعالى: ﴿وإن أمهاتهم إلا التي ولدنهم﴾ [المجادلة: ٢]، وقوله: ﴿إن الكافرون إلا في غرور﴾ [الملك: ٢٠]. وقد تكون للمضي وذلك نحو قوله تعالى في عيسى ﵇: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل﴾ [الزخرف: ٥٩]ـ، وقوله: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤]، وقوله: ﴿إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب﴾ [ص: ١٤]. وقد تكون للاستمرار، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ [الإسراء: ٤٤]. فهي لنفي الحال عند الإطلاق، وإن قيدت كانت بحسب ذلك القيد. وتدخل على الفعل المضارع والماضي، فإن دخلت على الفعل المضارع كانت في الغالب لنفي الحال، وذلك كقوله تعالى: ﴿إن تتبعون إلا الظن﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقوله: ﴿وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٩]. وقد تكون لغير الحال، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿بل إن يعد الظالمين بعضهم بعضا إلا غرورا﴾ [فاطر: ٤٠]، فهي هنا للاستمرار. وتدخل على الفعل الماضي فتكون لنفي الماضي القريب من الحال في الغالب، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إن أردنا إلا إحسنا وتوفيقا﴾ [النساء: ٦٢]، وقوله: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وقد تكون لغير ذلك قليلا، نحو قوله تعالى: ﴿بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا﴾ [فاطر: ٤٠]، فهي هنا للاستمرار. وتدخل على الفعل الماضي فتكون لنفي الماضي القريب من الحال في الغالب، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إن اردنا إلا إحسانا وتوفيقا﴾ [النساء: ٦٢] وقوله: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وقد تكون لغير ذلك قليلا، نحو قوله تعالى: ﴿إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٥٣]، وقوله: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن

стр. 1305

زالتا إن أمسكهما من أحدمن بعده﴾ [فاطر: ٤١]، فالفعل للاستقبال في الآيتين. وهي آكد من (ما) يدل على ذلك اقترانها الكثير بـ (إلا) وهذا يعطيها قوة وتأكيدًا، فإن في القصر قوة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾ [إبراهيم: ١٠]، وقوله: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ [الإسراء: ٤٤]. وذهب بعضهم أنها لا تأتي إلا وبعدها (إلا) أو (لما) المشددة التي بمعناها، كقوله تعالى: ﴿إن لك نفس لما عليها حافظ﴾ [الطارق: ٤] (١). والصواب أنها قد تأتي بدونها (٢). قال الراغب في (إن) هذه: " وأكثر ما يجيء يتعقبه (لا) نحو: ﴿إن نظن إلا ظنا﴾ [الجاثية: ٣٢]، ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ [المدثر: ٢٥]، ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ [هود: ٥٤] (٣). وقد وردت (أن) النافية في القرآن الكريم في عشرة ومائة موضع، كلها مقترنة بـ (إلا) أو (لما) عدا سبع آيات، هي قوله تعالى: ﴿إن عندكم من سلطان بهذا﴾ [يونس: ٦٨]. وقوله: ﴿وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٩]. وقوله: ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ [الأنبياء: ١١١]، وقوله: ﴿ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾ [فاطر: ٤١]. وقوله: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾ [الأحقاف: ٢٦]. وقوله: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ [إبراهيم: ٤٦]، على رأي من جعلها نافية هنا.

стр. 1306

وقوله: ﴿قل إن أدري أقريب ما توعدون﴾ [الجن: ٢٥]. وورد في ثلاثة مواضع مع (لما) المشددة التي بمعنى (إلا) وهي قوله تعالى: ﴿وإن كل لما جميع لدينا محضرون﴾ [يس: ٣٢]. وقوله: ﴿وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا﴾ [الزخرف: ٣٥]. وقوله: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ [الطارق: ٤]. وليست (ما) ولا غيرها من حروف النفي كذلك، فدل على هذا قوتها في النفي. ومما يدل على ذلك أيضا الاستعمال القرآني، فإنه يستعمل (إن) فيما فيه زيادة توكيد في النفي. قال تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلوك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ [الأنعام: ٢٥]. وقال: ﴿والذي قال لوالديه اف لكما أتعدانني ان اخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا اساطير الأولين﴾ [الأحقاف: ١٧]، فقال في الآية الأولى: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ وقال في الثانية: ﴿ما هذا إلا أساطير الأولين﴾ والأولى آكد، يدل على ذلك السياق فقد قال فيها: ١ - وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه. ٢ - وفي آذانهم وقرا ٣ - وذكر أنهم إن يروا كل آية لا يؤمنوا بها. فأنت ترى أن درجة التكذيب أشد مما في الآية الأخرى، لأن الصفات التي تستدعي قوة التكذيب والإنكار كانت في المكذبين الأولين، أشد أكثر، ولذلك أكد النفي فيها بأن بخلاف الثانية.

стр. 1307

وقال تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون﴾ [الجاثية: ٢٤]. وقال: ﴿وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم ياكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرًا مثلكم إنكم إذا لخاسرون أيعدكم أنك إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون. هيهات هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين إن هو رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين﴾ [المؤمنون: ٣٣ - ٣٨]. فقال في الآية الأولى: ﴿ما هي إلا حياتنا الدنيا﴾. وقال في الثانية: ﴿إن هي إلا حياتنا الدنيا﴾. وواضح أن التكذيب في الآية الثانية أشد وأقوى من وجوه: ١ - فقد أسند التكذيب والإنكار في الآية الأولى إلى ضمير الكفرة (وقالوا) وأما في الثانية فقد أسنده إلى الكفرة صراحة، ضفيا عليهم صفات تزيد في تكذيبهم وإنكارهم ﴿الذين كفروا وكذوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا﴾ فهذه صفات تزيد في قوة التكذي بخلاف الآية الأولى التي قال فيها (وقالوا). ٢ - المجادلة في صدق الرسل: فقد ذكر هؤلاء الكفرة أن الرسل إنما هم بشر مثلهم يأكلون كما يأكل الناس، ويشربون كما يشربون، فلا ينبغي أن يطاعوا البتة. ٣ - السخرية من الوعد بالحياة الآخرة: ﴿أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون﴾. ٤ - الاستعباد المؤكدة في قولهم: ﴿هيهات هيهات لما توعدون﴾. ٥ - ثم ختموا تكذيبهم وإنكارهم بقولهم: ﴿إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين﴾.

стр. 1308

فكان طبيعيا أن يكون إنكارهم أشد وآكد مما في الآية الأولى، ولذا جاء بإن وإلا وهو المناسب للسياق، بخلاف الآية الأخرى، فإنه جاء بـ (ما) و (إلا) لأنه أقل توكيدًا، فدل ذلك على أن (إنْ) آكد من (ما). وقال تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا يكم إن أتبع إلا ما يوحي إلى وما أنا إلا نذير مبين﴾ [الأحقاف: ٩]. وقال: ﴿قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون قال وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون وما أنا بطارد المؤمنين إن أنا إلا نذير مبين قالوا لئن لم تنته يانوح لتكون من المرجومين قال رب إن قومي كذبون﴾ [الشعراء: ١١١ - ١٢١]. فقال في الآية الأولى: ﴿وما أنا إلا نذير مبين﴾ وقال في الثانية: ﴿إن أنا إلا نذير مبين﴾. ومن الواضح أن الآية الثانية في مقام المحاربة والمجادلة والجهاد في القول، والتنقيص من المؤمنين، بخلاف الآية الأولى، فإنها في مقام الدعوة الهادئة المبينة بالحجة، يدل على ذلك في الآية الثانية. ١ - وصفهم المؤمنين بالأرذلين. ٢ - طلبوا طردهم فرد عليهم بقوله: ﴿وما أنا بطارد المؤمنين﴾. ٣ - تحذيرهم نوحا، والطلب إليه الكف عن الدعوة، وإلا رجموه، ﴿لئن لم تنته يانوح لتكونن من المرجومين﴾. وأنت ترى أن المقام في الآية الأولى يختلف عنه في الثانية، فجاء في الثانية بـ (إن) و (إلا) وجاء في الأولى بـ (ما) و (إلا) فدل ذلك على أن (إن) آكد من (ما). ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف: ٩].

стр. 1309

وقوله: ﴿وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ [ا لأ نبياء: ١٠٩]، وقوله: ﴿قل أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدًا﴾ [الجن: ٢٥ - ٢٦]. فجاء بنفي الدراية الأولى بـ (ما) ونفي الدراية الثانية وما بعدها بـ (إن)، وذلك لأن الآية الثانية والثالثة أبعد في علوم الدراية، وأقعد من الأولى، فقد أطلع الله رسوله فيما بعد على ما سيفعله به، وبهم في الدنيا والآخرة، فقد وعده بالفتح والنصر والمغفرة، وكسر شوكة الكفر في الدنيا وأطلعه على ما سيفعل به وبهم في الآخرة، ولذلك قيل الاية منسوخة (١). في حين لم يطلع الله سبحانه رسوله ولا أحدًا من خلقه على موعد يوم القيامة، فإن هذا مما أختص الله به نفسه، ولم يظهره لأحد غيره، فأكد عدم العلم بالساعة بـ (إن)، والآخر بـ (ما)، وهذا واضح، وأظن أن في هذا كفاية، فدل ذلك على أن (إن) آكد في النفي من (ما) والله أعلم. لا: أقدم حروف النفي في العربية (٢). تدخل على الأسماء والأفعال. فمما يدخل على الأسماء (لا) النافية للجنس، نحو: (لا ريب فيه)، و (لا رجل في الدار) وهي تفيد التنصيص على نفي الجنس، وهي آكد من العاملة عمل ليس أو المهملة كما سبق ذكره. ومنها (لا) المشبهة بـ (ليس)، وغير العاملة أصلا نحو (لا رجل حاضرا) و (لا رجل حاضرٌ) وهما لنفي الجنس برجحان، وقد يراد بهما نفي الواحد. وتدخل على المعارف فيجب إهمالها وتكرارها، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ [يس: ٤٠]، ونحو (لا محمد حاضر

стр. 1310

ولا خالد مسافر) وذلك لأنها عند ذاك لا يراد بها ألا أشراك أكثر من طرف في النفي، كأن يقول لك قائل (خالد كاتب وإبراهيم شاعر) فتقول (لا خالد كاتب ولا إبراهيم شاعر). وهذا من باب دخولها على الجمل. وقد تخل على الأسماء المفردة لا الجمل، وهي (لا) العاطفة، نحو: (جاء محمد لا خالد). والداخلة على الخبر: نحو: (هو لا شاعر ولا كاتب). والنعت نحو قوله تعالى: ﴿وظل من يحموم لا بارد ولا كريم﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤]، وقوله: ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ [الواقعة: ٣٢، ٣٣]. والحال نحو (جئت لا مسرعا ولا مبطئًا) (١). ولا يقع غير (لا) من حروف النفي في هذه المواضع الأخيرة أعني كونها عاطفة أو داخلة على الخبر، أو النعت، أو الحال، فلا يقال: (محمد ما حاضر) ولا (جاء محمد ما خالد) ولا غير ذلك من الصور التي ذكرناها. وإذا دخلت على الخبر أو النعت أو الحال وجب تكرارها، لأنه يراد عند ذاك إشتراك أكثر من حالة في النفي، فيراد نفي أكثر من خبر أو نعت أو حال، ولا يصح نفي خبر واحد بها، أو نعت واحد، أو حال واحدة، وإذا أريد ذلك نفي بـ (غير) فقط، فتقول (هو ير مجيد) وتقول: (هو رجل غير كريم) وتقول: (رأيت محمدا غير راكب). وقد تقول: ولماذا (غير) فقط؟ ألا ينفي الخبر بـ (ليس) أيضًا، فيقال: (هو ليس كريما أو مجيدًا؟ ). والجواب أن (ليس) لم تنف الخبر وحده، وإنما نفت الجملة المؤلفة من الضمير المستتر الذي هو اسمها والخبر المنصوب الذي هو خبرها، ومن المعلوم أن (ليس) لا تنفي المفردات وإنما تنفي الجمل.

стр. 1311

وتدخل (لا) على الفعل المضارع، فلا تقيده بزمن على الأرجح، وإن كان النحاة يرون أنها تخلصه للاستقبال. قال سيبويه: " وإذا قال (هو يفعل) ولم يكن الفعل واقعًا فنفيه (لا يفعل) وإذا قال (ليفعلن) فنفيه (لا يفعل) كأنه قال: (والله ليفعلن) فقلت: (والله لا يفعل) (١). والحق أنها قد تكون للحال كقوله تعالى: ﴿ما لكم لا تنطقون﴾ [الصافات: ٩٢]، و ﴿مالي لا أرى الهدهد﴾ [النمل: ٢٠]. وقد تكون للاستقبال، نحو قوله تعالى: ﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ [البقرة: ١٧٤]. وقد تكون للاستمرار، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ [النساء: ١٤٨]. وتقع جوابًا للقسم، كما ذكر سيبويه في النص الذي نقلناه عنه آنفا، قال تعالى: ﴿فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥]. وتدخل على الفعل الماضي فيجب تكرارها نحو قوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: ٣١]، ونحو قولك: (لا جلب خيرا ولا دفع ضرا) إلا إذا كان دعاء، نحو: (لا فض الله فاك) أو الماضي الذي يراد به الاستقبال، كقولك: (والله لأفعلت ذاك أبدًا). والخلاصة أنه يجب تكرار (لا) في المواضع الآتية: ١ - إذا تقدم الخبر على المبتدأ، نحو: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ [الصافات: ٤٧].

стр. 1312

٢ - إذا دخلت على جملة إسمية صدرها معرفة كقوله تعالى: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار﴾ [يس: ٤٠]. وقد استثني من ذلك قولهم (لا نولك أن تفعل كذا) أي لا ينبغي أن تفعل كذا. ٣ - أذا دخلت على المفرد خبرا، أو حالا أو نعتا، نحو (هو لا طويل، ولا قصير) ﴿وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، و (جئت لا مسرعا ولا مبطئا). ٤ - إذا دخلت على ماضي اللفظ، والمعنى نحو (لاقرأ ولا كتب) (١). ومن أقسام (لا) النافية (لا) المعترضة بين الجار والمجرور، نحو: (جئت بلا زاد) و (غضبت من لا شيء) والجمهور يسمونها زائدة، وهي ليست زائدة في المعنى عندهم، بل في الإعراب، لأنها وقعت بين العامل والمعمول، ولذا لا يصح إسقاطها لأنها تفيد النفي. وهي عند الكوفيين اسم بمعنى (غير) (٢). والحق أنها لا تطابق (غيرا) فإن استعمال (غير) يمكن أن يعطينا أكثر من معنى، بخلاف استعمال (لا) فأنت تقول مثلا (جئت بلا سلاح) أي لا سلاح معك عند مجيئك وتقول: (جئت بغير سلاح) وهذا يحتمل معنيين: المعنى الأول: هو نفي وجود السلاح معك كالأولى، وهو نظير قوله تعالى: ﴿ليضل الناس بغير علم﴾ [الأنعام: ١٤٤]. والمعنى الآخر: أنك جئت بسلاح آخر غير ذلك السلاح. فالتعبير بـ (لا) لا يحتمل إلا معنى واحدًا، وأما التعبير بـ (غير) فقد يحتمل أكثر من معنى.

стр. 1313

ثم أن (لا) في نحو هذا لا تدخل إلا على النكرات، فلا تقول (جئت بلا السلاح) أي (بغير السلاح)، وأما (غير) فتدخل على المعارف والنكرات، وذلك كقوله تعالى: ﴿فاستكبروا في الأرض بغير الحق﴾ [فصلت: ١٥]. وسنعرض للخلاف بين (لا) و (غير) في بحث (غير) إن شاء الله تعالى: ومن أقسام (لا): المقترنة بحرف العطف، نحو (ما أقبل محمد ولا خالد) ويسميها النحاة زائدة، لأنها إذا أسقطت بقي معنى النفي، فإذا قلت (ما أقبل محمد وخالد) نفيت إقبالهما جميعًا، غير أن المعنى يختلف في ذكرها عنه في إسقاطها، فإذا اسقطتها احتمل المعنى نفي إقبالهما على كل حال مجتمعين أو متفرقين، واحتمل المعنى أيضا أنهما لم يقبلا مجتمعين، بل أقبل كل منهما على انفراد، فإذا جئت بـ (لا) صار الكلام نصا على المعنى الأول. جاء في (المغني): " وكذلك (لا) المقترنة بالعاطف في نحو (ما جاءني زيد ولا عمرو) ويسمونها زائدة، وليست بزائدة البتة، ألا ترى أنه إذا قيل (ما جاءني زيد وعمرو) احتمل أن المراد نفي مجي كل منهي على كل حال، وأن يراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء فإذا جيء بـ (لا) صار الكلام نصا في المعنى الأول. نعم هي في قوله سبحانه: ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ٢٢]، لمجرد التوكيد وكذا إذا قيل: لا يستوي زيد ولا عمرو (١). وجاء في (بدائع الفوائد) في قوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ أن المراد من زيادة (لا) " المغايرة الواقعة بين النوعين وبين كل نوع بمفرده، فلو لم يذكر (لا) وقيل (غير المغضوب عليهم والضالين) أو هم أن المراد ما غاير المجموع المركب من النوعين، لا ما غاير كل نوع بفرده، فإذا قيل (ولا الضالين) كان صريحا في أن المراد صراط غير هؤلاء وغير هؤلاء، وبيان ذلك أنك إذا قلت (ما قام زيد وعمرو).

стр. 1314

فإنما نفيت القيام عنهما، ولا يلزم من ذلك نفيه عن كل واحد منهما بمفرده" (١). ومن أقسامها أن تقع جوابا مناقضًا لنعم، ويكثر حذف الجمل بعدها، نحو (أحضر محمد.؟ ) فتقول: (لا)، والأصل: لا لم يحضر؟ (٢). مما تقدم يتبين لنا أن (لا) تنفي الجمل الإسمية، والفعلية المصدرة بفعل ماض، أو مضارع، وتقع جوابا مناقضا لنعم، وتنفي المفرد من خبر أو حال أو صفة، وتدخل بين الجار والمجرور، وبين المتعاطفين، كائنة حرف عطف، أو غير عاطفة، نحو (أقبل محمد لا خالد) و (ما أقبل محمد ولا خالد) ولا يقع غيرها من حروف النفي في المواقع الأخيرة، أعني نفي المفرد، من خبر، أو حال، أو صفة، أو الدخول بين الجار والمجرور، والتوسط بين المتعاطفين. ألا تفعل وألست تفعل: إن ثمة فرقًا بين قولنا (ألا تفعل) و (ألست بفعل) أي في دخول (لا) النافية على المضارع، ودخول (ليس) عليه بعد همزة الاستفهام، وذلك أن قولك (ألا تفعل) عرض للقيام بالفعل، نحو (ألا تذهب معي) ونحو قوله تعالى: ﴿ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم﴾ [التوبة: ١٣]، وقد تكون للاستفهام المجرد من العرض، نحو (ألا تنوي أخباره بما حدث)؟ وأما (ألستَ تفعل) فمعناه تحقق القيام بالفعل، وذلك نحو قولك: (ألست تذهب إليه)؟ أي أنك تذهب إليه، إلا ترى أنك تقول: (ألا أخبره أباه بما حصل) مستفهما ولا يحسن أن تقول: (ألست أخبره أباه بما حصل؟ ) على هذا المعنى. جاء في (تفسير الرازي): في قوله تعالى: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم﴾ " حكي الواحدي عن أهل المعاني أنهم قالوا: إذا قلت: (ألا تفعل كذا) فإنما يستعمل

стр. 1315

ذلك في فعل مقدر وجوده، وإذا قلت: (ألست تفعل) فإنما تقول ذلك في فعل تحقق وجوده، والفرق بينهما أن (لا) ينفي بها المستقبل، فإذا دخلت عليها الألف صار تخصيصا على فعل ما يستقبل، و (ليس) إنما تستعمل لنفي الحال، فإذا دخلت عليها الألف صار لتحقيق الحال (١). وقد ذكرنا سابقا أن (ليس) تكون لنفي الحال عند الإطلاق، وأما (لا) فليست مقيدة بزمن على الأرجح. لات: تستعمل لنفي الحين خصوصا، كقوله تعالى: ﴿ولات حين مناص﴾ [ص: ٣]، وكقول الشاعر: ندم البغاة ولات ساعة مندم وقد مر الكلام عليها بما فيه الكفاية. غير: اسم يفيد المغايرة يقع استثناء بمعنى (إلا) ويقع نفيا، وقد يكون اسما لمعنى المغايرة بلا دلالة على نفي أو استثناء. فمن دلالته على الاستثناء، قولك (أقبل الرجال غير رجل واحد). ونحو قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدين في سبيل الله﴾ [النساء: ٩٥]، في قراءة النصب، وقد مر هذا في باب الاستثناء. ومن دلالته على المغيرة فحسب، من غير دلالة على استثناء أو نفي، قوله تعالى: ﴿لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ [النساء: ٨٢]، وقوله: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣].

стр. 1316

وقد يكون اسما يفيد النفي، ينفي المضاف إليه، ويقع في المواطن الإعرابية المختلفة فيقع مبتدأ كقوله: غير مجد في ملتي واعتقادي ... نوح باك ولا ترنم شادي وقوله: غير مأسوف على زمن ينقضي بالهم والحزن. وصفه، كقوله تعالى: ﴿ذلك وعد غير مكذوب﴾ [هود: ٦٥]. وخبرًا، كقوله تعالى: ﴿وهو في الخصام غير مبين﴾ [الزخرف: ١٨]. وحالا، كقوله تعالى: ﴿أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة﴾ [النور: ٦٠]، وقوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وفاعلا: نحو: (رماك غير رام وهجاك غير شاعر). ومفعولا: نحو: (خاصمت غير كفء)، و (هجرت غير مستحق)، و (رميت غير عدوك). ومجرورًا بالحرف، كقوله تعالى: ﴿الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾ [الأعراف: ١٤٦]. وظرفا كقوله تعالى: ﴿فمكث غير بعيد﴾ [النمل: ٢]، وغير ذلك. إن (غيرا) كما ترى مختصة بنفي الاسم، وهي وظيفة تنفرد بها (غير) عن سائر أدوات النفي. وقد تقول: إن لا قد تشاركها في بعض المواضع، و (ما) أيضا، فما الفرق بينها وبينهما؟ والجواب: أن غيرا أوسع استعمالا في نفي الأسماء من (لا) أو (ما) أو غيرهما.

стр. 1317

وذلك أن (ما) تنفي الأفعال، وتنفي الجمل الإسمية، ولكنها لا تنفي الاسم المفرد، إلا بقيود وذلك أن لها صدر الكلام، فلا يصح أن تقول مثلا (محمد ما حاضر) ولا (أقبل محمد ما مسرعا) ولا (أكرمت ما محمدًا) بل تقدم (ما) مع منفيها إلى صدر الكلام، فتقول (ما حاضر محمد) و (ما مسرعا أقبل محمد) و (ما محمدًا أكرمت) والمعنى في التقديم يختلف عنه في التأخير، وأما (غير) فيصح تقديمها وتأخيرها، فتقول (محمد غير قائم) و (غير قائم محمد) و (أكرمت غير محمد) و (غير محمد أكرمت). ولا يمكن نفي الصفة مثلا بـ (ما) لأن الصفة لا تتقدم في أول الكلام كما هو معلوم. وكذلك (لا) فإنها تنفي الأفعال وتنفي الجمل الإسمية، وقد تنفي الاسم المفرد، ولكن لا تنفيه إلا بقيد أيضا، فهي لا تنفي الخبر المفرد، ولا الصفة، ولا الحال، إلا بشرط تكرارها كما مر، وذلك لأنه يراد بها إشراك أكثر من جهة في النفي، بخلاف (غير) فإنه لا يشترط أن تتكرر كما هو واضح من الأمثلة، فوظيفة (لا) تختلف عن وظيفة أدوات النفي الأخرى هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن (غيرا) اسم يفيد المغايرة، فقولك (غير محمد) يعني شخصا آخر مغايرا لمحمد، وأما (ما محمد) فيعني النفي عن محمد، ولا يعني شخصا آخر مغايرا لمحمد، وأما (ما محمد) فيعني النفي عن محمد، ولا يعني شخصا آخر، فإذا قلت مثلا (ما محمد حضر) فإنك نفيت الحضور عن محمد خصوصا، ولكن إذا قلت: (غير محمد حضر) فإنك أثبت الحضور لشخص آخر غير محمد. وكذلك إذا قلت (ما محمدًا أكرمت) فإنه يفيد نفي الإكرام عن محمد خصوصا، وينفي هذا الخصوص عن محمد، يدل التعبير استنتاجًا عن أنك أكرمت غير محمد، وأما قولك (غير محمد أكرمت)، فإنه يفيد إثبات الإكرام لشخص غير محمد، وبلفظ المغايرة دل التعبير على نفي الإكرام لمحمد، فهما طريقتان مختلفتان في النفي والإثبات، فالأولى أعني بالحرف هو نص على النفي، وقد يستفاد الإثبات لغير المنفي استنتاجًا.

стр. 1318

وأما النفي، بـ (غير) فهو يفيد الإثبات لغير المذكور، ويفيد النفي، عن المذكور، بلفظ المغايرة، فقولك (ما محمدا أكرمت) يفيد نفي الإكرام عن محمد خصوصا، وإثبات الإكرام لغيره استنتاجًا، وقولك (غير محمد أكرمت) يفيد إثبات الإكرام لغير محمد، وينفي عن محمد بلفظ المغايرة، والمعنى في التعبيرين نفي الاكرام عن محمد، ولكن بطريقتين مختلفتين. إن الأصل كما يبدو من لفظ (غير) أنها كانت تستعمل للمغايرة إطلاقا، وبتطور الدلالة اقتربت المغايرة من معنى الإستثناء، حتى أصبحت استثناء كما مر في باب الاستثناء. واقتربت من معنى النفي، عن طريق الإثبات لما غاير المذكور، حتى صارت نفيا عن المذكور، وربما أنمحى معنى المغايرة من الذهن في الاستثناء، والنفي فلا يفهم إلا بالتأويل والتأمل، فقولك (ما حضر غير علي) مثلا يفهم منه (ما حضر إلا علي) ولا يفهم منه أن الشخص الذي هو غير علي لم يحضر، وكذلك قوله تعالى: ﴿فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين﴾ [الذاريات: ٣٦]، فإن معنى المغايرة أنمحي أوكاد من هذا التعبير، ولم يفهم إلا بالتأويل وأعمال الفكر، لعقد الصلة بين الإستثناء والمغايرة. وكذلك النفي في نحو قوله تعالى: ﴿ويقتلون النبين بغير حق﴾ [آل عمران: ٢١]، وقوله: ﴿إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ [الزمر: ١٠]، فإنه لا يفهم منه إثبات غير الحق، وإثبات غير الحساب، إلا تأولا وتأملا، وإنما يفهم نفي الحق، ونفي الحساب بداهة وابتداء. قل وقلما وأقل: هذه ألفاظ تفيد القلةن والأصل أن تفيد وقوع الشيء قليلا، وقد تستعمل للنفي أي عدم وقوع الشيء، تقول (قلما رددت عليه) إذا عنيت أنك رددت عليه قليلا وقد يراد بها عدم الرد أي ما رددت عليه. وتقول: (أقل رجل يفعل ذاك) على معنى (مارجل يفعل ذاك).

стр. 1319

جاء في (الكتاب): وتقول (أقل رجل يقول ذاك إلا زيد) لأنه صار في معنى: ما أحد فيها إلا زيد (١). وقال: (قلما) نفي لقوله (كثر ما) (٢). وجاء في (الأصول) لابن السراج: اعلم إن (قل) فعل ماضي، و (أقل) اسم، إلا أن (أقل رجل) قد أجروه مجرى (قل رجل)، فلا تدخل عليه عليه العوامل، وقد وضعته العرب موضع (ما) لأنه أقرب شيء إلى المنفي القليل .. وتقول (قلما سرت حتى أدخلها) من قبل أن (قلما) نفي لقوله (كثر ما) كما أن (ماسرت) نفي لقوله (سرت) .. وتقول (قلما سرت) إذا عنيت سيرا واحدًا، أو عنيت غر سير، كأنك تنفي الكثير من السير الواحد كما تنفيه من غير سير (٣). وجاء في (معاني القرآن) للفراء في قوله تعالى: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ [البقرة: ٨٨]: " فيه وجهان من العربية: أحدهما ألا يكونوا آمنوا قليلا ولا كثيرا، ومثله مما تقوله العرب بالقلة على أن ينفوا الفعل كله قولهم (قل ما رأيت مثل هذا قط). وحكي الكسائي عن العرب: مررت ببلاد قل ما تنبت إلا البصل والكراث، أي ما تنبت إلا هذين .. والوجه الآخر أن يكونوا يصدقون بالشيء قليلا، ويكفرون بما سواه (٤).

стр. 1320

نفي الفعل مر بنا هذا في بحث الفعل وسنعرض له الآن بصورة موجزة. ١ - فَعل: نفيه (لم يفعل) فإذا قلت (حضر محمد) فإن نفيه: (لم يحضر) وذلك أن (فعل) غير مخصوص بزمن معين من أزمنة الماضي، ونفيه كذلك. ٢ - قد فعل: نفيه (لما يفعل) فإذا قلت (قد حضر محمد) فإن نفيه (لما يحضر محمد) وذلك إن (قد فعل) يفيد القرب من زمن التكلم، ويفيد التوقع والتحقيق، ونفيه كذلك فإن: (لما يحضر) متصل النفي بزمن التكلم، فلا يصح أن يقال (لما يحضر ثم حضر) بخلاف (لم يحضر) فإنه يصح أن يقال (لم يحضر ثم حضر)، ويفيد التوقع فإن (قد حضر) معناه أنه كان متوقع الحضور فحضر، وأما (لما يحضر) فإن معناه: لم يحضر وهو متوقع حضوره، ويفيد التحقيق وذلك أن الفعل الماضي المسبوق بـ (قد) لا ينصرف إلى المستقبل، لأنه تحقق وقوعه، وكذلك منفيه بخلاف المنفي بـ (لم)، فإنه قد ينصرف إلى الاستقبال كقولك (إن لم تأتني لم أكرمك). ٣ - لقد فعل: نفيه (ما فعل): قال سيبويه: لأنه كأنه قال: (والله لقد فعل) فقال: (والله ما فعل) (١). ٤ - يفعل: إذا كان للحال، فإن نفيه (ما يفعل) وإذا كان للاستقبال فإن نفيه (لا يفعل)، قال سيبويه: " وإذا قال (هو يفعل) أي هو في حال فعل، فإن نفيه (ما يفعل)، وإذا قال (هو يفعل)، ولم يكن الفعل واقعا فنفيه (لا يفعل) (٢). ٥ - ليفعلن: نفيه (لا يفعل) فإذا قلت (ليحضرن خالد) فنفيه: (لا يحضر خالد). قال سيبويه: وإذا قال (ليفعلن) فنفيه (لا يفعل) كأنه قال: (والله ليفعلن) فقلت: (والله لا يفعل). (٣).

стр. 1321

٦ - سوف يفعل أو سيفعل: نفيه (لن يفعل) (١). وذلك أن السين و (سوف) للاستقبال ومنفيهما كذلك، ثم إن السين (وسوف) يفيدان توكيد حصول الفعل في المستقبل (٢). ومنفيهما كذلك فإن لن تفيد توكيد النفي في المستقبل (٣). ولا يجمع بينهما فلا يقال سوف لن أفعل لأن سوف لتوكيد الإثبات في المسقبل و (لن) لتوكيد النفي في المستقبل. ٧ - كان سيفعل: نفيه (لم يكن ليفعل) فإذا قلت (كان سيحضر) أو (كان سوف يحضر)، فإن نفيه (لم يكن ليحضر) (٤). وذكر سيبويه أن نفيه (ما كان ليفعل (٥).) والصواب الأول، وذلك أن ما كان نفي لقولنا لقد كان كما ذكر سيبويه نفسه. دلالات النفي ١ - نفي العمدة: قد تنفي العمدة، وهي المسند أو المسند إليه، فمن نفي المسند، قولك (ما حضر خالد بل سافر)، وقولك (ما مسافر أخوك) فقد نفيت الحضور في الأولى، والسفر في الثانية، وهما مسندان وكقولك (هو لا كاتب ولا شاعر). وقد ينفي المسند إليه، نحو قوله تعالى: ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٣٨] فنفي الخوف، وقوله: ﴿لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فنفي الطاقة.

стр. 1322

وقد ينفي المسند إليه عن طريق إثباته، وذلك كأن تقول (شاعركم لا يحسن القول) فظاهر هذا، أن لهم شاعرا لا يحسن القول، وقد يراد بذالك أن ليس لهم شاعر أصلا، ونحو قولك: (شعرك أحسن من نثره) فظاهر هذا الكلام أن له شعرًا أحسن من نثر الغائب، وقد يقال هذا التعبير وليس للمخاطب شعر أصلا، فيراد به أنه لو كان لك شعر لكان أحسن من نثره، أو يقال على سبيل التهكم، ومنه قوله تعالى: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨]، والمعنى أنهم لا شافعين لهم أصلا فتنفعهم شفاعتهم، وليس المعنى أن الشافعين يشفعون لهم، ولكن لا تنفعهم شفاعتهم. ومنه قول الشاعر: على لا حب لا يهتدي بمناره أي على طريق لا منار به، فيهتدي به وليس المراد أن في الطريق منارا لا يهتدي به (١). ومنه قول علي بن أبي طالب ﵁ في وصف مجلس رسول الله ﷺ لا تنثي فلتاته. أي لا تذاع سقطاته، فظاهر هذا اللفظ أنه كان ثم فلتات غير أنها لا تذاع، وليس المراد أنه لم يكن ثم فلتات فتنثى (٢). فظاهر التعبير إثبات المسند إليه، غير أن المقصود نفيه أصلا. ٢ - نفي القيد: قد ينفي القيد من مفعول، أو متعلق أو حال، أو صفة، أو غير ذلك من القيود كقولك (ما أكرمت محمدًا) و (ما رأيت خالدًا يوم الجمعة) و (ما أقبل خالد راكبًا) ونحو ذلك.

стр. 1323

ونفي القيد له دلالات متعددة: أ - فقد يدل نفي القيد على أن القيد لم يحصل، أما ما عداه فلا يدري أحصل أم لا، وذلك نحو قولك (ما أكرمت محمدًا) فإنك نفيت الإكرام عن محمد، وسكت عن غيره فقد تكون أكرمت غيره، أو لا تكون. ومثله (ما رأيت محمدًا يوم الجمعة) فإنك نفيت رؤيته يوم الجمعة، وسكت عن رؤيته في الأيام الأخرى، فقد تكون رأيته في غير يوم الجمعة، ويحتمل أنك لم تره لا في يوم الجمعة ولا في غيره. ونحوه (ما ذهبت إلى خالد) فأنت نفيت الذهاب إلى خالد، وسكت عن الذهاب إلى غيره، فقد تكون ذهبت إلى غيره، أو لا تكون. ومثله الحال نحو (لم أسمع الطفل باكيا) فأنت نفيت سماعك الطفل باكيا، أما سماعه غير باك فأنت سكت عنه، فقد تكون سمعته أو لا تكون. وقد يدل نفي القيد على رجحان حدوث الأصل، نحو قولك (ما شر بنا اليوم ماء باردًا) فالراجح في نحو هذا أنك شربت ماء غير بارد، وقد يراد به أنك لم تشرب شيئا وذلك كأن يكون المتكلم صائمًا وقد كان معتادا على شرب الماء البارد، فيقول (ما شربنا اليوم ماء باردًا). ونحوه قولك (ما جاء اليوم أخوك راكبًا) فالراجح في نحو هذا أنه جاء غير راكب وإن كان من المحتمل أيضا احتمالا مرجوحًا، بأنه لم يجيء راكبا ولا غير راكب، وذلك كأن يكون من المعتاد أن يجيء أخوه راكبًا، فنفي هذه الهيئة بأكملها. ب - الدلالة على نفي القيد وحده مع القطع بحدوث الأصل، وذلك إذا علم حدوث الأصل، نحو قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ [الأنبياء: ١٦]، فهذا إثبات لخلق السماء والأرض ونفي للعيب، ونحو قولك: (ما ماشي عمر على الأرض مختالا) فإنه أثبت المشيء ونفي الاختيال، ومنه في غير النفي.

стр. 1324

قوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾ [لقمان: ١٨]، فإنه نهي عن الاختيال، ولم ينه عن المشي أصلا. وقد يفيد نفي القيد الدلالة على حدوث الأصل، وذلك بتقديم القيد على عامله نحو (ما محمدًا أكرمت) فإن هذا التعبير يفيد نفي الإكرام لمحمد خاصة، وإثباته لغيره، بخلاف ما لو قلت (ما أكرمت محمدًا) فإنه يفيد الإكرام عن محمد، أما بالنسبة إلى غير محمد، فهو سكوت عنه، ونحو قولك (ما إلى خالد ذهبت) فإنه يفيد نفي الذهاب إلى خالد خاصة، وإثبات الذهاب إلى غيره، بخلاف قولك: (ما ذهبت إلى خالد) فإنه يفيد نفي الذهاب إلى خالد، أما الذهاب إلى غيره فهو مسكوت عنه (١).، كما ذكرنا آنفا. ج - وقد يذكر القيد، والمراد نفي الأصل، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لا يستئلون الناس إلحافا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، والمراد نفي السؤال أصلا بالحاف، أو بغيره، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا﴾ [آل عمران: ١٩٩]، والمقصود نفي الشراء بآيات الله أصلا، لا ثمنا قليلا، ولا كثيرا، لأن كل ثمن هو قليل بالنسبة إلى آيات الله. جاء في (البرهان): "ومنه نفي الشيء مقيدا، والمراد نفيه مطلقا، وهذا من أساليب العرب يقصدون به المبالغة في النفي، وتأكيده كقولهم (فلان لا يرجى خيره) ليس المراد أن فيه خيرًا لا يرجي، وإنما غرضهم أنه لا خير فيه على وجه من الوجوه. ومنه ﴿ويقتلون النبيين بغير حق﴾ [آل عمران: ٢١]، فإنه يدل على أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق، ثم وصف القتل بما لا بد أن يكون من الصفة، وهي وقوعه على خلاف الحق .. وقوله تعالى: ﴿لا يسئلون الناس إلحافا﴾ فإن ظاهرة نفي الإلحاف في المسألة والحقيقة نفي المسألة البتة .. ومثله قوله تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر: ١٨]، ليس المراد نفي الشفيع بقيد الطاعة، بل نفيه مطلقًا (٢).

стр. 1325

ومنه قوله: لا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها بنجحر أي لا أرنب بها فتفزعها أهوالها (١)، وليس المقصود أن بها أرنبا لا تفزعها الأهوال، وكذلك قوله (ولا ترى الضب بها ينجحر) " فإن ظاهر المعنى من هذا البيت أنه كان هناك ضب، ولكنه غير منجحر، وليس كذلك، بل المعنى أنه لم يكن هناك ضب أصلا" (٢). وجاء في (دلائل الإعجاز): " أنه من حكم النفي، إذا دخل على كلام، ثم كان في الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه إلى ذلك التقييد وأن يقع له خصوصا. تفسير ذلك، أنك إذا قلت (أتاني القوم مجتمعين) فقال قائل: (لم يأتك القوم مجتمعين) كان نفيه ذلك متوجهًا إلى الإجتماع الذي هو تقييد في الإتيان، دون الاتيان نفسه، حتى أنه أراد أن ينفي الاتيان، أصله كان من سبيله أن يقول، أنهم لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك مجتمعين؟ هذا مما لا يشك فيه عاقل .. فإذا قلت: (جاءني زيد راكبا) و (ما جاءني زيد راكبا) كنت قد وضعت كلامك، لأن نثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك، لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا هذا ما لا سبيل إلى الشك فيه (٣). والصواب ما ذكرنا، ، فإن نفي القيد قد يفيد حصول الأصل، وقد يفيد نفي الأصل أيضا كما أوضحنا. د - وإذا تعددت القيود، احتمل أن يكون المراد نفي القيد الأخير، واحتمل أن يراد نفي القيود كلها، واحتمل أيضا أن يكون المراد نفي الأصل أيضا، فإذا قلت مثلا (ما رأيت رجلا غريبا طويلا) احتمل أن تكون رأيت رجلا غريبا فقط، وليس طويلا، وقد تكون رأيت رجلا لا غريبا ولا طويلا.

стр. 1326

وإذا قلت (ما جعلت مالي نصفين، وأعطيت محمدًا نصفا وخالدًا نصفا) احتمل أنك جعلت مالك نصفين، وأعطيت محمدًا نصفا، ولكنه لم تعط خالدا نصفا، واحتمل أيضا أنك جعلت مالك نصفين، غير أن لم تعط محمدًا نصفا، واحتمل أيضا أنك جعلت مالك نصفين غير أنك لم تعط محمدًا ولا خالدًا، أو أنك أعطيتهما غير النصف، ومن المحتمل أيضا أنك لم تفعل هذا الأمر أصلا لم تقسم مالك ولم تعط شيئا ونحوه قولك (ما ذهبت إلى محمد وخالد وقلت لهما: أنا معكما) فهذا يحتمل نفي القول، وإثبات الذهاب إليهما، ويحتمل أنك ذهبت إلى واحد منهما فقط، ويحتمل أنك نفيت الأمر كله، أي أن هذا الأمر لم يحصل كله ولا شيء منه. ونحوه أن تقول (ما أقبل محمد راكبا ضاحكا صباحا اليوم) فقد يراد بذلك نفي القيد الأخير، وهو صباح اليوم وإثبات ما قبله، وقد يراد بذلك نفي القيود كلها وقد يراد أن شيئا من ذلك لم يحصل، أي تنفي الهيئة كلها. هـ - التنصيص على نفي القيد دون غيره: إذا أردت التنصيص على نفي شيء من الأسماء أو القيود، وإثبات ما عداه نصا، جئت بـ (غير) أو (لا) أحيانًا، فتقول مثلا (أقبل محمد راكبًا غير ضاحك) و (أقبل محمد راكبًا لا ضاحكًا) إذا نفيت الضحك وحده وأثبت الإقبال، وتقول (اقبل محمد غير راكب ولا ضحك) إذا نفيت الركوب والضحك وأثبت الأقبال. وتقول (شربت الماء غير بارد) و (رأيت رجلا غير غريب ولا طويل) فإنك ههنا نصصت على ما أردت إثباته ونفيه، ففي الجملة الأولى أعني (أقبل محمد راكبًا غير ضاحك) نصصت على مجيء محمد راكبا، ونصصت على نفي الضحك، وهكذا شأن الجمل الأخرى. يتبين لنا من هذا أن النفي مع القيود يكون نفيا احتماليا في الغالب، وإن كان الأظهر أنه يفيد نفي القيد وحده، فإذا أردت التنصيص على نفي جئت بـ (غير) مع الإسم، وربما صح الاتيان بـ (لا) أيضا كما أسلفنا.

стр. 1327

٣ - نفي الشيء والمراد عدم كماله: قد ينفي الشيء أصلا، وليس المراد ذلك، بل المراد أنتفاء كماله، أو يكون المراد أنه لا ينبغي أن يوصف بهذا الوصف، وذلك كقولك (أن فلان ليس بحي) والمقصود أن حياته التي هو فيها لا ينبغي أن تسمى حياة، ونحو هذا قول الشاعر: ما عاش من عاش مذموما خصائله ... ولم يمت من يكن بالخير مذكورا ونحو هذا قوله تعالى في أهل النار: ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ [طه: ٧٤] " فنفي عنه الموت لأنه ليس بموت صريح، ونفي عنه الحياة، لأنها ليس بحياة طيبة ولا نافعة (١). ونحوه أن تقول لزائرك وقد هم بالانصراف (لم نرك بعد) أي لم تتم رؤيتنا لك فقد نفي الرؤية والمقصود عدم كمالها. ٤ - التقديم والتأخير: وله صورة أبرزها: أ - تقديم الاسم على الفعل ، فمن ذلك. تقديم المسند إليه على الفعل نحو (ما أنا أخبرته بهذا) فهذا يفيد أن الأخبار حصل ولكن لم تفعله أنت، بل فعله غيرك بخلاف ما لو قلت: (ما أخبرته بهذا) فهذا نفي للاخبار عن نفسك، أما بالنسبة لي غيرك فقد يكون أخبره أو لم يخبره. ومثله (ما ذهب إليه) والمقصود نفي الذهاب عن نفسك، أما بالنسبة إلى غيرك، فقد سكت عنه، فقد يكون ذهب أو لم يذهب، فإذا قدمت المسند إليه فقلت (ما أنا ذهبت إليه) أفدت نفيه عن نفسك، وإثباته لغيرك، ولذا لا يصح أن يقال (ما أنا ذهبت إليه ولا أحد غيري) فإن قولك (ما أنا ذهبت إليه) يعني أن غيرك ذهب إليه، فإذا قلت (ولا أحد غيري) ناقض آخر الكلام أوله.

стр. 1328

جاء في (دلائل الإعجاز): " إذا قلت (ما فعلت) كنت نفيت عنك فعلا لم يثبت أنه مفعول، وإذا قلت: (ما أنا فعلت) كنت نفيت عنك فعلا ثبت أنه مفعول .. وكذلك إذا قلت (ما ضربت زيدًا) كنت نفيت عنك ضربه، ولم يجب أن يكون قد ضرب، بل يجوز أن يكون قد ضربه غيرك، وأن لا يكون قد ضرب أصلا، وإذا قلت: (ما أنا ضربت زيدًا) لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت الضارب. وههنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق، ويصير العلم به كالضرورة: أحدهما أنه يصح لك أن تقول: (ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس) و (ما ضربت زيدًا ولا ضربه أحد سواي) ولا يصح ذلك في الوجه الآخر، فلو قلت (ما أنا قلت هذا ولا قاله أحد من الناس) و (ما أنا ضربت زيدًا ولا ضربه أحد سواي) كان خلفا من القول (١). ومن ذلك: تقديم القيد على الفعل: نحو تقديم المفعول به، والجار والمجرور، والظرف وغير ذلك وهو يفيد ما أفاده الأول من الإثبات والنفي، وذلك نحو قولك: (ما خالدًا أكرمت) فإنه يفيد نفي الإكرام لخالد خاصة، وإثباته لغيره، بخلاف ما لو قلت: (ما أكرمت خالدًا) فإنه يفيد نفي الاكرام لخالد ولم تعرض لغيره بإثبات أو نفي، فقد تكون أكرمته اولا تكون، ولذا يصح، أن تقول (ما أكرمت خالدًا ولا غيره) ولا يصح أن تقول (ما خالدا أكرمت ولا غيره) لأن تقديم المفعول به أفاد إثبات الفعل، وهو الإكرام فكيف تنقضه؟ وكذلك الجار والمجرور نحو (ما إلى جاء) فإنه نفي المجيء إليه، وأثبت المجيء إلى غيره، بخلاف ما لو قال (ما جاء إلي) فإنه نفي المجيء إليه، ولم يعرض للمجيء إلى غيره فقد يكون حصل أو لم يحصل.

стр. 1329

ونحوه الظرف، نحو (ما بين الإشجار، وجدت الكرة) فإنه يفيد أثبات وجدان الكرة، لكن نفي كونها بين الأشجار بخلاف ما لو قال: (ما وجدت الكرة بين الأشجار) فإنه نفي وجودها بين الأشجار، أما وجودها في محل آخر فلم يعرض له، فقد يكون وجودها أو لم يجدها، ونحو (ما يوم الجمعة سافر خالد) و (ما سافر خالد يوم الجمعة) وهكذا. جاء في (دلائل الإعجاز): " ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره، فإذا قلت: (ما ضربت زيدا) فقدمت الفعل كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثباتن وتركته مبهما محتملا، وإذا قلت (ما زيدا ضربت) فقدمت المفعول كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه، فلك أن تقول في الوجه الأول (ما ضربت زيدًا ولا أحدًا من الناس) وليس لك في الوجه الثاني، فلو قلت (ما زيدًا ضربت ولا أحدًا من الناس) كان فاسدًا على ما مضى في الفاعل. وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا، حكم المنصوب فإذا قلت: (ما أمرتك بهذا) كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر، وإذا قلت (ما بهذا أمرتك) كنت قد أمرته بشيء غيره (١). ب - وقوع الفعل في حيز النفي وعدمه ، إذا وقع الفعل في حيز النفي كان منفيا، وإن لم يقع في حيزه كان مثبتًا، وذلك نحو (عرفت أنه ليس مسافرًا) و (ما عرفت أنه مسافر) فالجملة الأولى إثبات للمعرفة، والثانية نفي لها، فقد عرف في الجملة الأولى أنه ليس بمسافر، وأما في الثانية، فقد معرفته بذلك فلم يعلم أنه مسافر: ونحو (سمعت أنك لم تترك عملك) و (ما سمعت أنك تركت عملك) فالأولى إثبات للسماع، والثانية نفي له، ونحو قولك: (قلت: إنه ليس بشاعر) و (ما قلت إنه شاعر) فقد أثبت القول في الأولى ونفاه في الثانية، فقد قال في الأولى (إنه ليس بشاعر) وفي الثانية لم يقل أنه شاعر.

стр. 1330

ونحو قولنا: (يجب أن لا تخبره بذلك) و (لا يجب أن تخبره بذلك) ففي الأولي أوجب عليه عدم الإخبار، وفي الثانية نفي وجوب إخباره، بل أجاز له أن يخبره وأن لا يخبره، ونحو (يجب أن لا تحضر) و (لا يجب أن تحضر) ففي الأولى ألزمه بعدم الحضور، وفي الثانية لم يوجب عليه الحضور، بل أجاز له الحضور وعدم الحضور، ومثله (يجوز أن لا تفعل) و (لا يجوز أن تفعل) ففي الجملة الأولى جوز له عدم الفعل، وجوز له الفعل، وفعله أولى، وفي الثانية منعه من الفعل، أي لم يجوز له الفعل. ونحو (أدركت أنه ليس غبيا) و (ما أدركت أنه غبي) ففي الأولى أدركت عدم غبائه وفي الثانية لم يدرك غباءه. ونحوه قولك (ما أصبحت تملك عقارًا) و (أصبحت لا تملك عقارًا) ففي الجملة الأولى لم يصبح وفي الثانية أصبح ومعنى العبارة الأولى أن المخاطب كان يأمل أن يكون من أصحاب العقار، ولم يتيسر له ذاك، وأما الثانية فتقولها لمن كان يملكه وهو الأن لا يملكه، فالعبارة الأولى لا تدل على أنه كان يملك العقار بخلاف الثانية. ونحوه قولك: (ما أصبحت تملك زرعا ولا ضرعا) و (أصبحت لا تملك زرعا ولا ضرعا) فالعبارة الأولى تفيد أنه يريد ذاك فلم يتحقق له ما أراد، والثانية تفيد أنه كان يملكها ففقدها، وهكذا. والخلاصة أنه إذا وقع الفعل في حيز النفي تسلط عليه، وإن لم يقع حيزه كان مثبتا ولم يتسلط عليه. ج - وقوع (كل) في حيز النفي وعدمه: قد مر بنا هذا في باب التوكيد، وذكرنا ثم أنه إذا وقعت (كل) في حيز النفي، أفادت الثبوت لبعض الأفراد، وإذا لم تقع حيزه اقتضي ذلك النفي عن كل فرد، فإذا قلت مثلا (ما أعانني كل الطلاب) كنت اثبت الإعانة لبعضهم، فلم يعنك كلهم، بل أعانك بعضهم، وإذا قلت (كل الطلاب لم يعينوني) نفيت الإعانة عن كل الطلاب.

стр. 1331

جاء في (دلائل الإعجاز) في قول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع برفع كل " أنه أراد أنها تدعى عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة، لا قليلا ولا كثيرا، ولا بعضا ولا كلا، والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي أدعته بعضه وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا أعمال الفعل في (كل) والفعل منفي لا يصلح أن يكون إلا حيث أن يراد أن بعضا كان، وبعضا لم يكن، تقول: ((لم ألق كل القوم))، و (لم آخذ كل الدراهم) فيكون المعنى: أنك لقيت بعضا من القوم، ولم تقل الجميع، وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي، ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدًا من القوم، ولم تأخذ شيئا من الدراهم. . وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى، على أنه قد صنع من الذنب بعضا، وترك بعضا، فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئا، وأتي منه قليلا أو كثيرا، وإنك إذا قلت: (كلهم لا يأتيك)، و (كل ذلك لا يكون) و (كل هذا لا يحسن) كنت نفيت أن يأتيه واحدٌ منهم، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه" (١). وقيل: وقد يشكل على الشق الأول من هذا القول نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ [لقمان: ١٨]، وقوله: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ [البقرة: ٢٧٦]، إذ يقتضي ذلك أن يحب الله بعض هؤلاء. وأجيب " أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو ههنا موجود إذ دل الدليل على تحريم الاختيال والفخر مطلقا" (٢).، وتحريم الكفر والإثم

стр. 1332

٥ - تكرير الفعل في النفي: تقول (ما مررت بمحمد وخالد) وتقول: (ما مررت بمحمد وما مررت بخالد) وقد فرق قسم من النحاة بين التعبيرين فقالوا: إذا نفيت مرورا واحدًا قلت (ما مررت بمحمد وخالد)، وإذا نفيت مرورين منقطعًا أحدهما عن الآخر، (ما مررت بمحمد وخالد) احتمل أنك مررت بهما مرورا واحدًا، واحتمل أنك مررت بكل واحد منهما مرورًا منقطعًا عن الآخر، واحتمل أن يكون مرورك بخالد أولاً، أو بمحمد أولاً، لأن الواو لا تفيد الترتيب على الأرجح. قال سيبويه: " يجوز أن تقول: (مررت بزيد وعمرو) والمبدوء به في المرور عمرو ويجوز أن يكون زيدًا، ويجوز أن يكون المرور وقع عليهما في حالة واحدة، فالواو يجمع هذه الأشياء على هذه المعاني .. وقد تقول: (مررت بزيد وعمرو) تعني أنك مررت بهما مرورين، وليس في لك دليل على المرور المبدوء به، كأنه يقول: ومررت أيضا بعمرو، فنفي هذا (ما مررت بزيد وما مررت بعمرو) (١). فتبين من قول سيبويه أنه إذا كان مر مرورين، فنفيه يكون بتكرير العامل (ما مررت بزيد وما مررت بعمرو) أما إذا كان المرور واحدًا فلا يتكرر العامل. قال سيبويه: " قولك (مررت برجل وحمار قبل) فالواو أشركت بينهما في الباء فجريا عليه، ولم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه، يكون بها أولى من الحمار، كأنك قلت: (مررت بهما) فالنفي في هذا أن تقول: (ما مررت برجل وحمار) أي ما مررت بهما" (٢).

стр. 1333

وجاء في (الكليات) لأبي البقاء: " إذا دخل حرف النفي في مثل (رأيت زيدًا وعمرا) فإن كانت الر ؤية واحدة تقول (ما رأيت زيدًا وعمرًا) وإن كانت قد مررت بكل منهما على حدة تقول: (ما مررت بزيد ولا مررت بعمرو) (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما لو كررت العامل فقلتك (ما جاءني زيد وما جاءني عمرو) فهو عند سيبويه نفي للمجيئين المنقطع. أحدهما عن الاخر. كأن المخاطب توهم أنه حصل مجيء كل واحد منهما، لكن منقطعًا عن مجيء الآخر، فرفعت بهذا الكلام وهمه. وعن المازني هو أيضا نفي للاحتمالات الثلاث (كذا) كما كان من دون تكرر العامل، وهذا القول أقرب، ويكون فائدة تكرير الفعل المنفي كفائدة زيادة (لا) بعد الواو وأكثر" (٢). ويبدو لي أن رأي المازني أرجح، فتكرار الفعل في نحو هذا يفيد التوكيد، ويفيد نفي احتمال الاجتماع في المجيء، فإذا قلت: (ما حضر محمد وخالد) احتمال أنك أردت نفي اجتماعهما في الحضور، أي حضر أحدهما ولم يحضرا كلاهما، واحتمل أنه لم يحضر محمد ولا خالد، فإذا قلت (ما حضر محمد وما حضر خالد) نفيت أن يكون حضر أي واحد على أي حال. وكذلك الأثبات، فإنك إذا قلت (حضر محمد وحضر خالد) فإنه يحتمل حضورهما معا، ويحتمل حضورهما منقطعًا أحداهما عن الآخر، كقولك (حضر محمد وخالد)، وإلا أن تكرار الفعل فيه تأكيد، والله أعلم. ٧

стр. 1334

٦ - نفي النفي . من العلوم أن نفي النفي إثبات، نحو (ماما محمد قائم) والمعنى: (محمد قائم) فهذا نفي للنفي، وذلك أن قائلا قال: (ما محمد قائم) فرددت عليه كلامه قائلا: (ما ما محمد قائم) أي ليس نفيك صحيحًا. وليس من نفي النفي قولنا (لا لم أذهب) و (لا لا أذهب) فإن هذا توكيد للنفي، لا نفض له، وذلك أن (لا) الأولى حرف جواب نقيض نعم، كأن يقال لك (أذهبت إلى سعيد؟ ) فتقول: (لا لم أذهب) أو (أتذهب إلى سعيد)؟ فتقول (لا لا أذهب) فليس هذا نقضا للنف، بل هو توكيد له. ومن نفي النفي قولنا: (لا أريد أن لا أذهب)، والمعنى أريد أن أذهب، لأن قولك (أريد أن لا أذهب) معناه تريد عدم الذهاب، فإن نفيت هذه الإرادة فقلت: (لا اريد أن لا أذهب) كان المعنى لا تريد عدم الذهاب، ونحوه أن تقول (لا أمانع ألا يحضر) والمعنى انك تمانع حضوره، لأن قولك (أمانع ألا يحضر) معناه أنك تمانع عدم حضوره، فهذا نفي للنفي، فكان إثباتا. وقريب من هذا ما هو نفي في المعنى، نحو (ما معنك أن لا تعتذر)؟ وهذا يدل على أنه اعتذر فقال له سائلا: ما منعك من عدم الاعتذار؟ ذلك لأن قولك (ما منعك أن تعتذر؟ ) معناه أنه لم يعتذر فقال له: ما منعك من الاعتذار؟ ثم نفي هذا المنفي، فقال: (ما منعك أن لا تعتذر)؟ أي: ما منعك من عدم الاعتذار؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، أي: ما منعك من السجود؟ وأما قوله تعالى: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف: ١٢] فـ (لا) زائدة ولابد، لأنها لو لم تكن زائدة، لكان المعنى أنه سجد، فحاسبه على السجود، وسيكون المعنى عند ذاك: ما منعك من عدم السجود؟ بعكس المعنى الأول وهذا باطل، وقد مر بحث

стр. 1335

هذا في باب الفعل، فلا داعي لتكراره. ومن هذا الضرب قولنا (أبي أن لا يحضر) والمعنى: أبي عدم الحضور، أي أراد الحضور، بعكس (أبي أن يحضر) ومعنا: أبي الحضور، وليس من هذا الضرب قولنا (أبي إلا أن يحضر) بمعنى أراد الحضور. فإن هذا انتقاض للنفي بـ (إلا)، كما تقول (ما محمد إلا شاعر) و (ما حضر إلا خالد) وليس نفيا للنفي، والنتيجة واحدة في كليهما، وهي الإثبات غير أن النقض بإلا يفيد الحضر، بخلاف نفي النفي، فإنه يفيد مجرد الإثبات بلا دلالة على القصر. أسماء وظروف مختصة بالنفي من الأسماء المختصة بالنفي، ولا تستعمل في الإيجاب (أحد) و (عريب) و (ديار) و (كراب) و (طوري) وكلها بمعنى واحد (١). تقول: (ما بالدار ديار) و (ما فيها عَريب) بمعنى ما فيها أحد. وقد مر بحث (أحد) في العدد، فلا نعيده ههنا. ومن الظروف المختصة بالنفي (قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة، و (عَوض) فالأولى لاستغراق الزمان الماضي، تقول: (ما رأيته قط) أي ما رأيته فيما مضى من عمري، ولا يقال: (لا أكلمه قط). والثانية لاستغراق الزمن المستقبل، مثل (أبدًا) إلا أنه لا يستعمل في الإثبات، بخلاف (أبدًا) فإنها تستعمل في النفي والإثبات قال تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبدًا بما قدمت أيديهم﴾ [الجمعة: ٧]، وقال: ﴿خالدين فيها أبدًا﴾ [المائدة: ١١٩].
следующие страницы →