← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

جاء في (دلائل الإعجاز) في قول أبي النجم: قد أصبحت أم الخيار تدعى ... علي ذنبا كله لم أصنع برفع كل " أنه أراد أنها تدعى عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتة، لا قليلا ولا كثيرا، ولا بعضا ولا كلا، والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي أدعته بعضه وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا أعمال الفعل في (كل) والفعل منفي لا يصلح أن يكون إلا حيث أن يراد أن بعضا كان، وبعضا لم يكن، تقول: ((لم ألق كل القوم))، و (لم آخذ كل الدراهم) فيكون المعنى: أنك لقيت بعضا من القوم، ولم تقل الجميع، وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي، ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدًا من القوم، ولم تأخذ شيئا من الدراهم. . وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى، على أنه قد صنع من الذنب بعضا، وترك بعضا، فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئا، وأتي منه قليلا أو كثيرا، وإنك إذا قلت: (كلهم لا يأتيك)، و (كل ذلك لا يكون) و (كل هذا لا يحسن) كنت نفيت أن يأتيه واحدٌ منهم، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه" (١). وقيل: وقد يشكل على الشق الأول من هذا القول نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾ [لقمان: ١٨]، وقوله: ﴿والله لا يحب كل كفار أثيم﴾ [البقرة: ٢٧٦]، إذ يقتضي ذلك أن يحب الله بعض هؤلاء. وأجيب " أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو ههنا موجود إذ دل الدليل على تحريم الاختيال والفخر مطلقا" (٢).، وتحريم الكفر والإثم

стр. 1332

٥ - تكرير الفعل في النفي: تقول (ما مررت بمحمد وخالد) وتقول: (ما مررت بمحمد وما مررت بخالد) وقد فرق قسم من النحاة بين التعبيرين فقالوا: إذا نفيت مرورا واحدًا قلت (ما مررت بمحمد وخالد)، وإذا نفيت مرورين منقطعًا أحدهما عن الآخر، (ما مررت بمحمد وخالد) احتمل أنك مررت بهما مرورا واحدًا، واحتمل أنك مررت بكل واحد منهما مرورًا منقطعًا عن الآخر، واحتمل أن يكون مرورك بخالد أولاً، أو بمحمد أولاً، لأن الواو لا تفيد الترتيب على الأرجح. قال سيبويه: " يجوز أن تقول: (مررت بزيد وعمرو) والمبدوء به في المرور عمرو ويجوز أن يكون زيدًا، ويجوز أن يكون المرور وقع عليهما في حالة واحدة، فالواو يجمع هذه الأشياء على هذه المعاني .. وقد تقول: (مررت بزيد وعمرو) تعني أنك مررت بهما مرورين، وليس في لك دليل على المرور المبدوء به، كأنه يقول: ومررت أيضا بعمرو، فنفي هذا (ما مررت بزيد وما مررت بعمرو) (١). فتبين من قول سيبويه أنه إذا كان مر مرورين، فنفيه يكون بتكرير العامل (ما مررت بزيد وما مررت بعمرو) أما إذا كان المرور واحدًا فلا يتكرر العامل. قال سيبويه: " قولك (مررت برجل وحمار قبل) فالواو أشركت بينهما في الباء فجريا عليه، ولم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه، يكون بها أولى من الحمار، كأنك قلت: (مررت بهما) فالنفي في هذا أن تقول: (ما مررت برجل وحمار) أي ما مررت بهما" (٢).

стр. 1333

وجاء في (الكليات) لأبي البقاء: " إذا دخل حرف النفي في مثل (رأيت زيدًا وعمرا) فإن كانت الر ؤية واحدة تقول (ما رأيت زيدًا وعمرًا) وإن كانت قد مررت بكل منهما على حدة تقول: (ما مررت بزيد ولا مررت بعمرو) (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما لو كررت العامل فقلتك (ما جاءني زيد وما جاءني عمرو) فهو عند سيبويه نفي للمجيئين المنقطع. أحدهما عن الاخر. كأن المخاطب توهم أنه حصل مجيء كل واحد منهما، لكن منقطعًا عن مجيء الآخر، فرفعت بهذا الكلام وهمه. وعن المازني هو أيضا نفي للاحتمالات الثلاث (كذا) كما كان من دون تكرر العامل، وهذا القول أقرب، ويكون فائدة تكرير الفعل المنفي كفائدة زيادة (لا) بعد الواو وأكثر" (٢). ويبدو لي أن رأي المازني أرجح، فتكرار الفعل في نحو هذا يفيد التوكيد، ويفيد نفي احتمال الاجتماع في المجيء، فإذا قلت: (ما حضر محمد وخالد) احتمال أنك أردت نفي اجتماعهما في الحضور، أي حضر أحدهما ولم يحضرا كلاهما، واحتمل أنه لم يحضر محمد ولا خالد، فإذا قلت (ما حضر محمد وما حضر خالد) نفيت أن يكون حضر أي واحد على أي حال. وكذلك الأثبات، فإنك إذا قلت (حضر محمد وحضر خالد) فإنه يحتمل حضورهما معا، ويحتمل حضورهما منقطعًا أحداهما عن الآخر، كقولك (حضر محمد وخالد)، وإلا أن تكرار الفعل فيه تأكيد، والله أعلم. ٧

стр. 1334

٦ - نفي النفي . من العلوم أن نفي النفي إثبات، نحو (ماما محمد قائم) والمعنى: (محمد قائم) فهذا نفي للنفي، وذلك أن قائلا قال: (ما محمد قائم) فرددت عليه كلامه قائلا: (ما ما محمد قائم) أي ليس نفيك صحيحًا. وليس من نفي النفي قولنا (لا لم أذهب) و (لا لا أذهب) فإن هذا توكيد للنفي، لا نفض له، وذلك أن (لا) الأولى حرف جواب نقيض نعم، كأن يقال لك (أذهبت إلى سعيد؟ ) فتقول: (لا لم أذهب) أو (أتذهب إلى سعيد)؟ فتقول (لا لا أذهب) فليس هذا نقضا للنف، بل هو توكيد له. ومن نفي النفي قولنا: (لا أريد أن لا أذهب)، والمعنى أريد أن أذهب، لأن قولك (أريد أن لا أذهب) معناه تريد عدم الذهاب، فإن نفيت هذه الإرادة فقلت: (لا اريد أن لا أذهب) كان المعنى لا تريد عدم الذهاب، ونحوه أن تقول (لا أمانع ألا يحضر) والمعنى انك تمانع حضوره، لأن قولك (أمانع ألا يحضر) معناه أنك تمانع عدم حضوره، فهذا نفي للنفي، فكان إثباتا. وقريب من هذا ما هو نفي في المعنى، نحو (ما معنك أن لا تعتذر)؟ وهذا يدل على أنه اعتذر فقال له سائلا: ما منعك من عدم الاعتذار؟ ذلك لأن قولك (ما منعك أن تعتذر؟ ) معناه أنه لم يعتذر فقال له: ما منعك من الاعتذار؟ ثم نفي هذا المنفي، فقال: (ما منعك أن لا تعتذر)؟ أي: ما منعك من عدم الاعتذار؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، أي: ما منعك من السجود؟ وأما قوله تعالى: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾ [الأعراف: ١٢] فـ (لا) زائدة ولابد، لأنها لو لم تكن زائدة، لكان المعنى أنه سجد، فحاسبه على السجود، وسيكون المعنى عند ذاك: ما منعك من عدم السجود؟ بعكس المعنى الأول وهذا باطل، وقد مر بحث

стр. 1335

هذا في باب الفعل، فلا داعي لتكراره. ومن هذا الضرب قولنا (أبي أن لا يحضر) والمعنى: أبي عدم الحضور، أي أراد الحضور، بعكس (أبي أن يحضر) ومعنا: أبي الحضور، وليس من هذا الضرب قولنا (أبي إلا أن يحضر) بمعنى أراد الحضور. فإن هذا انتقاض للنفي بـ (إلا)، كما تقول (ما محمد إلا شاعر) و (ما حضر إلا خالد) وليس نفيا للنفي، والنتيجة واحدة في كليهما، وهي الإثبات غير أن النقض بإلا يفيد الحضر، بخلاف نفي النفي، فإنه يفيد مجرد الإثبات بلا دلالة على القصر. أسماء وظروف مختصة بالنفي من الأسماء المختصة بالنفي، ولا تستعمل في الإيجاب (أحد) و (عريب) و (ديار) و (كراب) و (طوري) وكلها بمعنى واحد (١). تقول: (ما بالدار ديار) و (ما فيها عَريب) بمعنى ما فيها أحد. وقد مر بحث (أحد) في العدد، فلا نعيده ههنا. ومن الظروف المختصة بالنفي (قط) بفتح القاف وتشديد الطاء المضمومة، و (عَوض) فالأولى لاستغراق الزمان الماضي، تقول: (ما رأيته قط) أي ما رأيته فيما مضى من عمري، ولا يقال: (لا أكلمه قط). والثانية لاستغراق الزمن المستقبل، مثل (أبدًا) إلا أنه لا يستعمل في الإثبات، بخلاف (أبدًا) فإنها تستعمل في النفي والإثبات قال تعالى: ﴿ولا يتمنونه أبدًا بما قدمت أيديهم﴾ [الجمعة: ٧]، وقال: ﴿خالدين فيها أبدًا﴾ [المائدة: ١١٩].

стр. 1336

وأما (عَوض) فهي مختصة بالنفي، ولا تقع في الإثبات، تقول: (لا أفعله عوض) أي لا أفعله أبدًا، وهو ظرف مبني على الضم، وإذا أضيف أعرب، تقول: (لا أفعله عوض العائضين) أي دهر الداهرين، ومعنى الداهر، أو العائض، الذي يبقى على وجه الدهر، فيكون المعنى: لا أفعله ما بقي في الدهر داهر، أي ما بقي على وجه الدهر باق. وربما أستعمل (عوض) لمجرد الزمان، لا لاستغراق الزمن المستقبل، وذلك كقوله: فلولا نيل عوض في خطاي واوصالي أي: فلولا نيلي الزمان مني (١). وقد مر بحث (قط) و (عوض) في باب الظرف، وحسبنا ههنا ما ذكرناه الآن عنهما. الحروف المؤكدة للنفي يؤكد النفي بحروف أشهرها الباء و (من) و (إن) و (لا) الزائدات، فالباء نحو (ما هو بمنطلق) ونحو ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]. و(من) نحو ﴿وما من إله إلا الله﴾ [آل عمران: ٦٢]، ونحو: ﴿وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨]. و(إن) نحو: (ما إن أخوك معنا) وكقوله: بني غدانة ما إن أنتم ذهب ... ولا صريف ولكن أنت الخزف و(لا) نحو: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾. [فصلت: ٣٤]. وقد مر بحثها كلها في مواضعها، فلا نعيد القول فيها مرة أخرى.

стр. 1337

الاستفهام أدوات الاستفهام ١ - الهمزة الهمزة أوسع أدوات الاستفهام استعمالا: فهي تستعمل للتصور والتصديق. والتصور هو ما يجاب عنه بالتعيين، نحو (أمحمد عندك أم خالد) فتجيب (محمد) أو (خالد). والتصديق هو ما يجاب عنه بـ (نعم)، أو (لا) نحو: (أحضر القاضي)؟ فتجيب بـ (نعم) أو (لا) بخلاف أدوات الاستفهام الأخرى، فإنها تستعمل للتصور خاصة، إذ هي لا يجاب عنها بـ (نعم) أو (لا) بل بالتعيين، تقول: من حضر؟ فيقال: سعيد، وتقول: كيف أصبحت؟ فيقال: بخير، ما عدا (هل) و (أم) المنقطعة فإنها تستعملان للتصديق خاصة (١). ولا تستعملان للتصور، تقول: هل أعددت الطعا؟ فيقال: نعم، ولا يجوز أن يقال: هل محمد مسافر أم خالد؟ قد تخرج الهمزة عن الاستفهام الحقيقي إلى معان أخرى أشهرها: ١ - التسوية: نحو قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ٦]، وقوله: ﴿سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون﴾ [الأعراف: ١٩٣]. ولا تختص بها الهمزة الواقعة بعد كلمة (سواء) " " بل كما تقع بعدها تقع بعد (ما أبالي) و (ما أدري) و (ليت شعري)، ونحوهن، والضابط أنها الهمزة الداخلة على جملة،

стр. 1338

يصح حلول المصدر محلها، نحو: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم﴾ [المنافقون: ٦]، ونحو: (ما أبالي أقمت أم قعدت) (١). وهمزة التسوية لا يراد بها الاستفهام الحقيقي، بل هي وما بعدها على معنى الخبر، لا الإنشاء، فإنك إذا قلت: (سواء علي أحضرت أم غبت) كان المعنى سواء علي حضورك وغيابك، فهي لا تستحق جوابًا" لأن المعنى معها ليس على الاستفهام، وأن الكلام معها قابل للتصديق والتكذيب لأنه خبر" (٢). والذي يبدو لي أن ثمة فرقا في المعنى، بين قولنا (سواء علي أحضرت أم غبت) و (سواء علي حضورك وغيابك)، وأنهما لا يتطابقان تماماً، فإن قولك (سواء علي أحضرت أم غبت) معناه أنك لا تهتم بجواب هذا الاستفهام، ولا تعني به، فإن الجواب بأحد الأمرين مستو عندك، ونقيضه بخلاف قولك (سواء علي حضورك وغيابك) فإنك ذكرت الاستواء على سبيل الخبر أيضا. فما بعد همزة التسوية خبر تأولا لا نصا لأنه تساوي عندك جواب الأمرين، ومن هنا دخل معنى الخبر، وأما الثانية فهي خبر نصا، لأنها أخبار بتساوي الأمرين أنفسهما، ونحوه قولك (لا أبالي أفاز أم خسر) أي أنك لا تبالي بجواب هذا الاستفهام على آية حال كان فلا داعي للإجابة عنه. ولا يصح وقوع (أو) بعد همزة التسوية، بل لا تقع إلا (أم) (٣). فلا تقول (سواء علي أحضرت أو غبت) بل لابد أن تقول (سواء علي أحضرت أم غبت). قال تعالى: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ [إبراهيم: ٢١] وذلك لأن المعنى يقتضي (أم) لا (أو)، وذلك أن جواب قولك: (أكتب أو قرأ؟ ) هو: (نعم) أو (لا)، والمعنى أفعل أحدهما؟

стр. 1339

وجواب (أكتب أم قرأ) هو التعيين، فتقول: (كتب) أو تقول: (قرأ). وبهذا تعلم أن في قولنا (أكتب أم قرأ) أمرين متعادلين يسأل عنهما. وأما قولك (أكتب أو قرأ).؟ فليس فيه أمرانن بل هو أمر واحد يسأل عنه أي أفعل أحدهما؟ والتسوية لا تكون إلا بين أمرينن لا في أمر واحد، ولذا أمتنع أن يساوي بـ (أو) بعد الهمزة. ٢ - الإنكار: وذلك كقوله تعالى: ﴿أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا﴾ [الإسراء: ٤٠]، والإنكار الواقع بعد الهمزة على قسمين: إنكار إبطالي وهو إنكار على من ادعى وقوع الشيء، والحق أنه غير واقع، وذلك كالآية السابقة، فإنهم ادعوا أن الملائكة بنات الله، فأنكر ذلك عليهم وأبطل قولهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿فاستفتهم الربك البنات ولهم البنون﴾ [الصافاتك ١٤٩]. الثانية: الإنكار التوبيخي: ويقتضي أن الخاطب، فعل فعلا يستلزم توبيخه عليه وتقريعه، فالأمر واقع في الإنكار التوبيخي، بخلاف الإبطالي، ومن الإنكار التوبيخي قوله تعالى: ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ [الصافات: ٩٥]، ﴿أتأتون الذكران من العالمين﴾ [الشعراءك ١٦٥]. وهذان الإنكار مختصان بالهمزة. ٣ - التقرير: وهو أثبات المستفهم عنه، قيل ويختص بالوقوع بعد النفي، " سواء كان بما، أو لم، أو ليس، أو لما" (١). نحو: ﴿أل أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ [الكهف: ٧٥]، ﴿أل يجدك يتيما فأوي﴾ [الضحى: ٦]، ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: ٣٦].

стр. 1340

وقيل لا يختص بالنفي، بل يقع بعد الإثبات والنفي، لأن المقصود بالتقرير " حملك المخاطب على الإقرار، والاعتراف بأمر قد استقر ثبوته، أو نفيه (١). فالنفي نحو ما ذكرنا، والإثبات نحو (أضربت محمدًا)؟ أو (أأنت ضربته؟ ) إذا استقر عندك أنه الضارب. ٤ - التهكم: نحو قوله تعالى: ﴿أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا﴾ [هود: ٨٧]. ٥ - الأمر: نحو قوله تعالى: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم﴾ [آل عمران: ٢٠]، أي: أسلموا. ٦ - التعجب: وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قالت ياويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب﴾ [هود: ٧٢]، وقوله: ﴿أجعل الآلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾ [ص: ٥]. ٨ - الاستبطاء: نحو: قوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد: ٦] (٢). ٨ - الاستبعاد: وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون﴾ [البقرة: ٧٥].

стр. 1341

٩ - التحذير وذلك كقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلتا من قبله الرسل أفاين مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ١٠ - التنفير. نحو قوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا﴾ [الحجرات: ١٢]. ١١ - التشكيك: وذلك كقوله تعالى: ﴿أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري﴾ [ص: ٨] يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿بل هم في شك من ذكري﴾. ١٢ - التشويق: كقوله تعالى: ﴿قل أونبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات﴾ [آل عمران: ١٥]. ٣ - النفي: كقوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول﴾ [ق: ١٥]، أي لم نعي به، وقوله: ﴿أفإين مت فهم الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وقوله: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ [البقرة: ١٣] أي لا نؤمن كما آمنوا. وهي ليست للنفي المحض، بل مشوبة بإنكار أو تعجب ونحوه، إلى غير ذلك من المعاني.

стр. 1342

حذف الهمزة يجوز حذف همزة الاستفهام إذا دل عليها دليل، وذلك نحو قول عمر بن أبي ربيعة: فوالله ما أدري وإن كنت داريًا ... بسبع رمين الجمر أم بثمان أي: أبسبع رمين الجمر. وقول الكميت: طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب أراد: أوذو الشيب يلعب (١). ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١١٤] أي: أإن لنا لأجرا. وقد صرح بالهمزة في موطن آخر، فقال: ﴿قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين﴾ [الشعراء: ٤١ - ٤٢]. وقد تقول: ولم حذف الهمزة في آية الأعراف، وذكرها في آية الشعراء؟ والجواب أن سياق كل من السورتين يقتضي ما فعل، ومن عادة القرآن في التعبير أن يرصد للسياق كل ما هو إليق به، وإليك إيضاح ذلك: إن الموقف في سورة الشعراء موقف تحد كبير، ومحاجة شديدة طويلة، أشدوأطول مما هي في سورة الأعراف، فقد سأل فرعون موسى فيها عن رب العالمين، وأجابة جوابا طويلا ثم رمي فرعون فيها موسى بالجنون، قائلا: ﴿إن رسولك الذي أرسل إليكم لمجنون﴾ [الشعراء: ٢٧]، وهدده بالسجن قائلا: ﴿لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين﴾ [الشعراء: ٢٩]. وليس الأمر كذلك في سورة الأعراف.

стр. 1343

ومن نماذج الإختلاف في التعبير بين السياقين: ١ - أنه قال في سورة الأعراف: ﴿قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم﴾ [الأعراف: ١٠٩]، فنسب القول إلى ملأ فرعون، في حين نسب هذا القول في سورة الشعراء إلى فرعون نفسه: ﴿قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم﴾ [الشعراء: ٣٤]. ومن المحتمل أن كلا منهم قال ذلك، فقد قاله فرعون وملؤه، ولكن نسبة القول إلى فرعون نفسه في هذا الموقف دلالة على ضيق فرعون وبرمه، بصورة أشد مما في الموقف الأول. ٢ - قال في سورة الأعراف: ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون﴾ [الأعراف: ١١٠]. وقال في سورة الشعراء: ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون﴾ [الشعراء: ٣٥] فزاد لفظ (بسحره). ٣ - قال في سورة الأعراف: ﴿يأتوك بكل ساحر عليم﴾ [الأعراف: ١١٢]، بصيغة اسم الفاعل (ساحر). وقال في سورة الشعراء: ﴿يأتوك بكل سحار عليم﴾ [الشعراء: ٣٧]، بصيغة المبالغة (سحار)، وذلك لأحتدام الموقف وشدته، وللمبالغة في الخصومة والمحاجة. ٤ - قال في سورة الأعراف: ﴿وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين﴾ [الأعراف: ١١٣]. وقال في الشعراء: ﴿فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ائن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين﴾ [الشعراء: ٤١]، فلم يصرح في الآية الأولى أنهم قالوا لفرعون، وفي الثانية صرح بأنهم قالوا لفرعون، ثم إنه في الأولى حذف همزة الاستفهام، وفي الثانية ذكرها (أإن لنا لأجرا) مما يدل على قوة الاستفهام، وشدة اللهفة إلى استماع الجواب من فرعون نفسه.

стр. 1344

ولما كان المقام مقام إطالة، ومبالغة في المحاجة، جيء بهمزة الاستفهام لتشترك في الدلالة على قوة الاستفهام، والتصريح به. ففي الآية الأولى أضمر المقول له، وأضمر همزة الاستفهام، وفي الثانية صرح بالمقول له وبهمزة الاستفهام. ٥ - قال في سورة الأعراف: ﴿قال نعم وإنكم لمن المقربين﴾ [الأعراف: ١١٤]، وقال في سورة الشعراء: ﴿قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين﴾ [الشعراءك ٤٢]، بإضافة (إذن) إلى الجواب، وهي إضافة مناسبة للجو والسياق. ٦ - قال في سورة الشعراء: ﴿فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون﴾ [الشعراء: ٤٤]، فأقسموا بعزة فرعون، وهو ما لم يذكر في الأعراف، وذلك لأن الموقف إعزاز لفرعون صراحة، فأنت ترى أن كل لفظة في سياقها تسهم في تصوير الجو المناسب للموقف. ٧ - قال في سورة الأعراف: ﴿إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون﴾ [الأعراف: ١٢٣]. وقال في سورة الشعراء: ﴿إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون﴾ [الشعراء: ٤٩]، بزيادة اللام على سوف فلسوف زيادة في التوكيد في الوكيد، وهي نظيرة ذكر الهمزة ههنا، وحذفها ثم. ٩ - قال في سورة الأعراف: ﴿قالوا إنا إلى ربنا منقلبون﴾ [الأعراف: ١٢٥]، وقال في سورة الشعراء: ﴿قالوا لا ضير لنا إلى ربنا منقلبون﴾ [الشعراء: ٥٠]، بزيادة (لا ضير) زيادة في التبكيت، وعدم الاهتمام بعذاب فرعون، وهذه الزيادة تناسب الجو والسياق. هذه نماذج من الفروق بين السياقين، فأنت ترى أن ذكر الهمزة في آية الشعراء هو المناسب لسياقها، وحذفها من الأعراف هو المناسب لسياقها، فسياق الشعراء سياق إطالة، وتحد ومحاجة، ومبالغة في الخصومة، أكثر مما هو في الأعراف، فرصد لكل سياق ما يناسبه من الألفاظ. ٢

стр. 1345

٢ - هل وهي مختصة بالتصديق، فيجاب عنها بنعم، أو لا، كما سبق ذكر ذلك، وتخرج (هل) عن الاستفهام الحقيقي إلى معان أخرى أشهرها: ١ - الأمر، نحو: قوله تعالى: ﴿هل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩١]، أي انتهوا، والأمر هنا ليس أمرا محضا، بل هو أمر مصحوب باستفهام، أي: ألا يكفي ذلك لأن تنتهوا ففيه تهييج للانتهاء، ونحو: ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ [هود: ١٤]. ٢ - التمني: نحو: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾ [الأعراف: ٥٣]، ﴿فهل إلى خروج من سبيل﴾ [غافر: ١١]. ٣ - العرض: نحو قوله تعالى: ﴿قال هل أنتم مطلعون فاطلع فرءاه في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٤ - ٥٥]، بمعنى: ألا تطلعون. ونحو ﴿هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات: ١٨]، ونحو: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن ما علمت رشدًا﴾ [الكهف: ٦٦]. ٤ - التشويق: نحو: ﴿هل أدلك على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ [الصف: ١٠]. ٥ - التعليم والإرشاد: نحو: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ [الكهف ١٠٣ - ١٠٤]. ٦ - التبكيت: نحو ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا﴾ [الأعراف: ٤٤]، ونحو: ﴿فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ [الحج: ١٥].

стр. 1346

٧ - الالزام، نحو: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، ونحو (هل من خالق غير الله يرزقكم) [فاطر: ٣]. ٨ - النفي: نحو: ﴿هل كنت إلا بشرا رسولا﴾ [الإسراء: ٩٣]، و ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]. وسنتكلم عن النفي بـ (هل) عما قريب. ٩ - التهويل والتعظيم، نحو: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ [الغاشية]، و ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ [ق: ٣٠]. ١٠ - التحذير: نحو: هل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم [محمد: ٢٢]، ونحو ﴿قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. ١١ - بمعنى قد: نحو قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١]، وسنتكلم على هذا المعنى بعد قليل. إلى غير ذلك من المعاني. ونود أن نذكر هنا أن هذه المعاني ليست معاني مجردة من الاستفهام، بل يشوبها كلها معنى الاستفهام، فالتمنى والنفي والأمر، وغير ذلك من المعاني، مشوبة بالاستفهام، فلا تكون للنفي المجرد، أو الأمر المجرد، أو التمنى المجرد، وسنعرض لبعض المعاني موضحين الفرق بين المعنى الأصلي، والمعنى المشوب باستفهام.

стр. 1347

هل والهمزة: تفترق (هل) عن الهمزة من وجوه، أهمها: ١ - اختصاصها بالتصديق في حين أن الهمزة تكون للتصور والتصديق، وعلى هذا لا تأتي (أم) المعادلة مع (هل) بخلاف الهمزة، فلا تقول (هل محمد مسافر أم خالد)؟ بل (امحمد مسافر أم خالد؟ ). ٢ - اختصاصها بالاثبات، فلات تدخل على النفي، تقول: (هل حضر أخوك؟ ) و (هل أخوك مسافر؟ ) ويمتنع أن تقول (هل لم يحضر أخوك) و (هل ليس أخوك حاضرا) بخلاف الهمزة، قال تعالى: ﴿ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٣٣]، وقال: ﴿أليس منكم رجل رشيد﴾ [هود: ٧٨]، وقال ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وقال: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾. [الملك: ١٤]. ٣ - تخصيصها الفعل المضارع بالاستقبال، نحو (هل تسافر؟ ) ويمتنع أن تقول: (هل يقرأ الآن)؟ و (هل تظنه قائمًا) لأن ذلك للحال، بخلاف الهمزة، فإنها تكون للحال والاستقبال تقول (أيكتب الآن؟ ) و (أتظنه قائمًا)؟ و (أيسافر غدًا؟ ). ٤ - أنها لا تدخل على الشرط، فلا تقول (هل إن سافر سافرت معه؟ ) بخلاف الهمزة فإنه يصح أن تقول (أإن سافر سافرت معه)؟ قال تعالى: ﴿أفإين مات أو قيل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقال: ﴿أءذا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد﴾ [الرعد: ٥]، وقال: ﴿أين ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون﴾ [يس: ١٩]. ٥ - أنها لا تدخل على (أن) فلا تقول (هل أنه شاعر؟ ) بخلاف الهمزة، قال تعالى: ﴿أءنك لأنت يوسف﴾ [يوسف: ٩٠]، وقال: ﴿أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى﴾ [الأنعام: ١٨].

стр. 1348

٦ - أنها لا تدخل على اسم بعده فعل اختيارا، فلا تقول (هل خالد يرجع؟ ) و (هل خالدًا أكرمت؟ ) بخلاف الهمزة، قال تعالى: ﴿قل ءالله أذن لكم أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩]، وقال: ﴿أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون﴾ [يونس: ١٢]، وقال: ﴿أفغير دين الله بغون﴾ [آل عمران: ١٨٣]. ٨ ٧ - أنها تقع بعد العاطف لا قبله، تقول (وهل) أو (فهل) أو (ثم هل)، قال تعالى: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ [يونس: ١٠٢]، بخلاف الهمزة فإنها تقع قبل العاطف، قال تعالى: ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ [البقرة: ٧٥]، وقال: ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا﴾ [المائدة: ١٠٤]، وقال: ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به﴾ [يونس: ٥١]. ٩ - أنها تأتي نافية، ولذلك تقع بعدها (إلا) قال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله﴾ [الأعراف: ٥٣]، أي ما ينظرون إلا تأويله: وقال: ﴿هل يهلك إلا القوم الظالمون﴾ [الأنعام: ٤٧]، و ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ [الرحمن: ٦٠]، أي: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، بخلاف الهمزة فإنها لا تأتي لهذا المعنى، فلا يقال: (أحضر إلا محمد). النفي بـ (هل): وهنا مسألة جديرة بالبحث وهي: هل تكون (هل) حرف نفي كبقية أدوات النفي وهل قوله تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ مماثل لقولنا ﴿ما جزاء الإحسان إلا الإحسان﴾ أنمح فيه عن (هل) معنى الاستفهام وأصبحت الجملة خبرًا؟ الذي يبدو راجحًا أن معنى النفي المستفاد، من (هل) لا يطابق النفي بحرف النفي، بل المعنى مختلف من جهتين: الأولى: أن النفي بـ (هل) ليس نفيا محضا بل هو استفهام أشرب معنى النفي، فقد يكون مع النفي تعجب أو استنكار، أو غير ذلك من المعاني، فقوله تعالى مثلا: ﴿هل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنين﴾ [التوبة: ٥٢]، يختلف عن قولنا (ما تربصون بنا

стр. 1349

إلا إحدى الحسنين) فإن الأولى ليست نفيا خالصا، فإن فيها من التحدي والإستخفاف ما لا يؤديه النفي المحض، ونحوه قوله تعالى ردًا على طلب الكفار حين طلبوا من الرسول أن يفجر لهم من الأرض ينبوعا، أو يسقط السماء كسفا، أو أن يأتي بالله والملائكة وما إلى ذلك، فقال: ﴿قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولا﴾ [الإسراء: ٩٣]ـ، فأنت ترى أن المعنى مختلف عن النفي المحض، وأنه لو جاء بالنفي فقال (قل سبحان ربي ما كنت إلا بشرًا رسولا) ما كان يؤدي ما أداه الاستفهام من استنكار قولهم، والتعجب من طلبهم، فهو يسألهم (هل كنت إلا بشرًا رسولا) وسيكون الجواب حتما (لا لست إلا بشرًا) ومن هنا يكون التعجب والإستنكار، وهو أنه إذا كنتم تعلمون إني بشر فكيف تطلبون مني مثل هذا؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم﴾ [يونس: ١٠٢]، فهو يختلف عن قولنا (فما ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) فأنت ترى أن النفي بطريق الاستفهام ليس نفيا محضا، بل هو مشوب بمعان أخرى لا يؤديها النفي المحض. والجهة الثانية: أن النفي الصريح إنما هو اقرار من المخبر، فإذا قال: (ما جزاء الإحسان إلا الإحسان) أو قال (ما على الرسول إلا البلاغ) كان هذا إخبارًا من المتكلم. أما إذا قال ذلك بطريق الاستفهام. فإن المقصود أشراك المخاطب في الأمرن فهو يريد الجواب منه، فإذا قال مثلا (هل على الرسول إلا البلاغ) كان المخاطب مدعوا لأن يجيب، وسيكون جوابه المنتظر: لا ليس على الرسول إلا البلاغ. وإذا قال: (هل جزاء الإحسان إلا الإحسان) كان المخاطب مدعوا لأن يجيب وسيكون جوابه: لا، ما جزاء الإحسان إلا الإحسان. فالنفي ابتداء يفيد أن المتكلم يقول الأمر من نفسه، وأما في الاستفهام فإنه يدع ذلك للمخاطب ليقوله.

стр. 1350

ونحو هذا قوله تعالى: ﴿وهل نجزي إلا الكفور﴾ [سبأ: ١٧]، فإن عرض المسألة بصيغة النفي معناه أن المتكلم يقررها ابتداء، وإن عرضها بصورة الاستفهام معناه أن المخاطب هو الذي يصدر الحكم، فإذا قلت مثلا (ما نعاقب إلا المعتدي) كنت أنت الذي ذكرت الأمر وقررته بنفسك، ولكن إذا قلت (هل يعاقب إلا المعتدي؟ ) فأنت تريد منه الجواب، تريد منه أن يصدر الحكم، على نفسه هو، فهناك فرق واضح بين الأمرين. ١٠ - أنها تأتي بمعنى (قد) بخلاف الهمزة وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾ [الإنسان: ١] (١). وقد احتلفوا في تقريرها هذا المعنى. فقد ذكر سيبويه أنها بمنزلة (قد) قال: " وكذلك (هل) إنما تكون بمنزلة (قد) ولكنهم تركوا الألف إذ كانت (هل) لا تقع إلا في الاستفهام (٢). يعني أن أصل الاستعمال (أهل) ولكنهم تركوا ألف الاستفهام لأن (هل) لا تقع إلا في الاستفهام. وذهب الزمخشري إلى أنها بمعنى (قد) على معنى التقدير والتقريب، جاء في الكشاف في قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر﴾: " هل بمعنى قد، في الاستفهام خاصة، والأصل (أهل) بدليل قوله: أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم فالمعنى (أقد) على التقرير والتقريب جميعا، أي أتى على الإنسان قبل زمان قريب حين من الدهر (٣).

стр. 1351

وذهب بعضهم إلى أنها بمعنى (قد) على معنى التحقيق، وقال بعضهم: معناها التوقع. وذهب آخرون إلى أنها لا تأتي بمعنى (قد) أصلا (١). قال ابن هشام " وهذا هو الصواب عندي" (٢). وهذا هو الصواب فيما أحسب، فغنها ليست بمعنى (قد) تمامًا بل هي لا تزال استفهامية فلا يصح أن نبدلها بـ (قد) وأن نبدل (قد) بها، فلا يصح أن تقول مثلا في قوله تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك﴾ [المجادلة: ١]، هل سمع الله قول التي تجادلك، ولا في ﴿رب قد آتيتني من الملك﴾ [يوسف: ١٠١]، (رب هل آتيتني من الملك)، ولكنها قد تخرج إلى معنى قريب من الأخبار. إن المقصود من أمثال هذا التعبير أشراك المخاطب في الأمر، ليقرر ويجيب بنفسه في حين لو ذكره بصورة الخبر لكان إخبارا من قبل المتكلم نفسه، فقوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ يشرك المخاطبين في الأمر ويطلب منهم الإجابة عن هذا السؤال، ولو أجابوا لقالوا: نعم أتي ذلك على الإنسان فالفرق بين (قد أتي على الإنسان حين من الدهر) و (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) أن المتكلم في الأولى قرر هذا الأمر ابتداء وأخبر به، وفي الثانية عرضه بصيغة السؤال ليقرره المخاطب بنفسه، فبدل أن يقولها المتكلم ابتداء، يكون المخاطب مشاركا في إصدار الحكم. ونحو هذا أن تقول لمخاطبك (هل أكرمتك يا فلان؟ هل أعطيتك ما وعدتك؟ ) وأنت كنت فعلت ذلك له، فيقول: نعم قد أكرمتني وأعطيتني، فبدل أن تقول ذلك بصورة الخبر تقولها مستفهما لتسمع الجواب منه، فيكون أبلغ في التقرير. وهذا الضرب من التعبير شبيه بما مر من مجيء (هل) نافية، فالتكلم ثم يجيب بالسلب، وههنا يجيب بالإيجاب.

стр. 1352

١٠ - أن الهمزة تكون للإنكار بخلاف (هل)، وقد مر بنا هذا في باب الهمزة وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أتعبدون ما تنحتون﴾ [الصافات: ٩٥]، وكقوله لمن ضرب أخاه: أتضربه وهو أخوك؟ فليس المقصد هو الاستفهام الحقيقي، بل المقصود توبيخ المخاطب على فعله والإنكار عليه، فهذا الضرب من الاستفهام مخصوص بالهمزة ولا يصح بـ (هل). جاء في (المغنى): " وقد يكون الإنكار مقتضيا لوقوع الفعل .. وذلك إذا كان بمعنى: ما كان ينبغي لك أن تفعل نحو: أتضرب زيدًا وهو أخوك؟ (١). وذكر أن هذا النوع من الإنكار مختص بالهمزة. وقال سيبويه: وذاك أن (هل) ليست بمنزلة ألف الاستفهام، لأنك إذا قلت (هل تضرب زيدًا) فلا يكون ان تدعي أن الضرب واقع، وقد تقول: (أتضرب زيدًا) فأنت تدعى أن الضرب واقع، ومما يدلك على أن الألف ليست بمنلزتها أنك تقول: أطربا وأنت قنسري فقد علمت أنه قد طرب، ولكن قلت لتوبخه، أو تقرره، ولا تقول هذا بعد (هل) (٢). فهو يبين أنك إذا قلت (أتضرب زيدًا؟ ) فمعناه ان الضرب واقع، وأنت تنكر عليه ضربه، ونحوه قوله (أطربا وأنت قنسري) فالشاعر ينكر عليه طربه، وذلك يقتضي أنه طرب فأنكر عليه طربه، ثم ذكر أن ذلك لا يكون بـ (هل). فالفرق بين قولك (أتضرب محمدًا)؟ و (هل تضرب محمدًا) أن الضرب في الأولى واقع، وأنت تنكر عليه ضربه له، وأما الثانية فهي استفهام محض، أي: (أستضرب محمدًا؟ ولا يدل على أن الضرب واقع. ١١ - وهناك فارق آخر بين الهمزة و (هل)، فقد ذكر أنه يستفهم بالهمزة إذا هجس في النفس إثبات ما يستفهم عنه، بخلاف (هل) فإنه لا ترجح عنده بنفي ولا إثبات،

стр. 1353

"فإذا قلت: (أعندك زيد؟ ) فقد هجس في نفسك أنه عندك فأردت أن تستثبته بخلاف (هل) (١). وإذا سبق إلى ظنك أن خالدًا حضر، وأردت أن تستوثق من ظنك قلت: أحضر خالد؟ وإذا لم يقع في نفسك شيء، وإنما أردت الاستفهام المجرد قلت: هل حضر خالد؟ وقد ألمح سيبويه إلى أن الاستفهام بالهمزة إنما يكون لما توقع فيه الإثبات بخلاف (هل) فإنها ليست كذلك. قال سيبويه في (باب الحروف التي لا يليها إلا الفعل) " فمن تلك الحروف (قد) لا يفصل بينها وبين الفعل بغيره، وهو جواب لقوله (أفعل؟ ) كما كانت (ما فعل) جوابًا لـ (هل فعل) إذا أخبرت أنه لم يقع ولما يفعل وقد فعل إنما هما لقوم ينتظرون شيئا؟ (٢). فذكر أن (أَفَعل؟ ) جوابه (قد فعل) و (قد) للتوقع والإنتظار، ومعنى ذلك أن السائل كان يتوقع حصول الشيء، فجاء الجواب بـ (قد) بخلاف (هل) فإذا قلت: (اكتب خالد في هذا الأمر)؟ فإن السائل كان يتوقع انه كتب أو هجس في نفسه ذلك، وجوابه إذا كان إيجابًا (نعم قد كتب)، وإذا قلت: (هل كتب خالد في هذا الأمر؟ ) فإن السائل لم يكن يتوقع أنه كتب، بل ربما كان عدم الكتابة أقرب إلى ذهنه، وذكر برجشتراسر أن (هل) تشير إلى أن السائل كان يتوقع الجواب بالنفي. جاء في (التطور النحوي): " فأدوات الاستفهام عن الجملة العربية اثنتان: (هل) والهمزة، ولا توجدان في غير العربية من اللغات السامية إلا أن ha في العبرية والآرامية العتيقة تقارب الهمزة العربية، والهمزة هي المألوفة الكثيرة الاستعمال، أو (هل) أشد قوة في الاستفهام وقد ترمز إلى أن السائل يتوقع الجواب بـ (لا)، ولذلك قد تقع بعدها (من) الخاصة بالسلب، مثاله من القرآن الكريم (هل من مزيد) فكأن معناها: ما من مزيد.

стр. 1354

فتقارب هل لـ nam اللاتينية التي لا يستفهم بها إلا إذا توقع السائل النفي، نحو venitre أي أجاء يعني، لا أعرف أجاء، أم لم يجيء، و namvenil أي هل جاء؟ يعني: أظن أنه لم يجيء وإن كان على ضد ذلك فخالفني؟ (١). والذي يبدو ان الكثير في جواب (هل) أن يكون لما يتوقع أن يجاب بالنفي، وليس ذلك على سبيل الإطلاق، قال تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ [الأنعام: ٥٠]، والجواب متوقع أن يكون بالنفي، وقال: ﴿هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال: ﴿نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد﴾ [التوبة: ١٢٧]، وقال: ﴿مثل الفريقين كالأعمي والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا﴾ [هود: ٢٤]، وقال: ﴿فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ [إبراهيم: ٢١] وقال: ﴿هل تعلم له سميا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال: ﴿هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء﴾ [الروم: ٤٠]، وقال: ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم﴾ [فاطر: ٣]، وقال: ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾ [الحاقة: ٨]، وكلها مما يتوقع جوابه بالنفي. إلا أنه قد يكون السائل بها لا يتوقع الجواب بالنفي، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا﴾ [الكهف: ٦٦]ـ، وقوله: ﴿هل أدلكم على من يكفله﴾ [طه: ٤٠]، وقوله: ﴿وقيل للناس هل أنتم مجتمعون﴾ [الشعراء: ٣٩]. ويمكن أن يقال في كل ذلك إنه خرج عن الاستفهام الحقيقي إلى العرض. وعلى أيه حال فإن كثيرا من جواب (هل) لما يتوقع جوابه بالنفي، بخلاف الهمزة فإن الأصل فيها أن يكون لما توقع حصوله. ١٢ - إن (هل) أقوى وآكد من الهمزة، وقد ذكر ذلك برجشتراسر قال: " وهل أشد قوة في الاستفهام" (٢).

стр. 1355

وهذا صحيح، يدل على ذلك اقترانها بـ (من) الزائدة المؤكدة الدالة على الاستغراق نحو: ﴿فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧]، ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم﴾ [فاطر: ٣]، بخلاف الهمزة، فإنها لا تقترن بها. ويشهد لذلك الاستعمال القرآني: قال تعالى: ﴿أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا﴾ [الحج: ٧٢]، وقال: ﴿هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله﴾ [المائدة: ٦٠]. وقال: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]. وقال: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ [الكهف: ١٠٣]. فأستعمل الهمزة و (هل) مع الفعل (نبأ)، وعند النظر في الاستعمالين نرى أن (هل) أقوى وآكد في الاستفهام من الهمزة، ويبين ذلك السياق. قال تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأننبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير﴾ [الحج: ٧٢]. فأستعمل الهمزة. وقال: ﴿يآيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينك هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لايعقلون قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن أمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون قل هل أننبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾ [المائدة: ٥٧ - ٦٠]، وما بعدها. فاستعمل هل.

стр. 1356

والفرق واضح بين السياقين، فأنت ترى أن السياق الثاني قوة وتبكيتا لا تجده فيما قبله، فذكر أن الكفار اتخذوا الدين والنداء والصلاة هزوا ولعبا، وقد وصفهم بالفسق وعدم العقل، وأنهم لعنهم الله وغضب عليهم، ومسخ منهم قردة وخنازير، وأنهم عبدوا الطواغيت، ثم قال (أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل)، ويمضي في تبكيتهم ووصفهم بأقبح الوصف. وليس الأمر كذلك في الآية التي قبلها، ولذا جاء في الأولى بالهمزة، (قل أفأنبئكم بشر من ذلك) وفي الثانية بـ (هل) (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عندالله)؟ ونحوه ما جاء في آية الشعراء: ﴿وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنهم عن السمع لمعزولون﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢]، إلى أن يقول: ﴿هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم يلقون السمع وأكثرهم كاذبون﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٣٢]. فأنت ترى في السياق قوة، وشدة بالغة في الرد على الكفرة المفترين، فأستعمل لذلك هل. ونحوه ما جاء في سورة الكهف، فقال قال: ﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخوا آياتي ورسلي هزوا﴾ [الكهف: ١٠٠ - ١٠٦]. فإن قوة التبكيت، وشدة التقريع واضحة في السياق، فأستعمل لذلك (هل) ولم يستعمل الهمزة. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]، فإن فيها من شدة التشويق والرحمة بالمؤمنين، والأخذ بيدهم ما ليس في حاجة إلى بيان.

стр. 1357

ونحوه قوله تعالى على لسان أخت موسى: ﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾ [القصص: ١٢]، فإن فيها من اللهفة في العرض، ما لا يخفي، فدل ذلك على أن (هل) أقوى من الهمزة، والله أعلم. أم وأو: مر هذا البحث في باب العطف، وسنذكر منه الآن بصورة موجزة ما يتعلق بالاستفهام: تقول: (أمحمد عندك أم خالد؟ ) والجواب يكون بالتعيين فتقول (محمد)، أو تقول: (خالد)، وتقول: (أمحمدٌ عندك أوخالد)؟ فتجيب بـ (نعم) أو (لا)، والمعنى: أعندك أحدهما؟ ومن هنا يتبين أنه لا يجوز استعمال (أم) المعادلة بعد لأنها لا تستعمل للتصور بخلاف (أو)، فإنه يجوز استعمالها بعدها وبعد الهمزة، قال تعالى: ﴿هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزًا﴾ [مريم: ٩٨]، والجواب: لا، وقال: ﴿هل ينصرونكم أو ينتصرون﴾ [الشعراء: ٩٣]، والجواب: (لا). جاء في (كتاب سيبويه): " يقول " ألقيت زيدًا أو عمرًا أو خالدًا؟ أو تقول: (أعندك زيد أو خالد، أو عمرو؟ ) كأنك قلت: أعندك أحد من هؤلاء، وذلك لأنك لما قلت: أعندك أحدُ هؤلاء، لم تدع أن أحدًا منهم ثم ألا ترى أنه إذا أجابك قال: (لا) كما يقول إذا قلت: أعندك أحد من هؤلاء .. فإذا قلت: (أزيد أفضل أم خالد) لم يجز ههنا إلا (أم) لأنك إنما تسأل عن صاحب الفضل، ألا ترى أنك لو قلت: (أزيد أفضل) لم يجز كما يجوز: (أضربت زيدًا؟ ) فذلك يدلك أن معناه: أيهما (١). و(أم) خاصة بالعربية، ابتدعتها لهذا المعنى، بخلاف (أو) كما ذكر برجشتراسر (٢).

стр. 1358

ومن الاستعمالات المختلفة بين (أم) و (أو) قولك (ما أدري أأكل أم شرب) و (ما أدري أأكل أو شرب) فإن معنى الأولى أنك لا تدري أيهما فعل، وأما الثانية فمعناها أنك لا ترى فرقا بين أكله وشربه، والمعنى أنه أكل وشرب، لكنه لم يستكمل واحدًا منهما فلا يصح أن يعد أكله أكلا ولا شربه شربًا. جاء في (الكتاب): " وتقول (ما أدري أقام أم قعد) إذا أردت: ما أدري أي ذاك كان. وتقول (ما أدري أقام أو قعد) إذا أردت أنه لم يكن بين قيامه وقعوده شيء كأنه قال: لا أدعي أنه كان منه في تلك الحال قيام ولا قعود، أي لم أعد قيامه قيامًا، ولم يستن لي قعوده بعد قيامه، وهو كقوله الرجل: (تكلم ولم يتكلم) (١). ومنه قولهم: (ما أدري أأذن أو أقام) (اوما أدري أأذن أم أقام) فإذا قالها بـ (أو) كان معناه أنه فعلهما، ولم يستكمل واحدا منهما، وإذا قالها بـ (أم) فإنك لا تدري ماذا فعل (٢). وأما (أم) المنقطعة فتقع بعد (هل) نحو قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمي والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور﴾ [الرعد: ١٦]، ومعناها ههنا (بل)، وقد مر بحثها في باب العطف فلا داعي لاعادته. ٣ - أم ونعني بها ههنا (أم) المنقطعة، وقد مرت في باب العطف، وسنوجز القول فيها هنان (أم) المنقطعة تفيد الإضراب على أية حال، ثم هي قد تتجرد له، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور﴾ [الرعد: ١٦]، والمعنى: بل هل تستوي الظلمات والنور.

стр. 1359

وقد تتضمن معه استفهامًا فتكون بمعنى (بل) والهمزة (١). وهذه التي تعنينا هنا، ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون﴾ [الطور: ٣٧]، والمعنى: بل أعندهم خزائن ربك، وقوله: ﴿أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة﴾ [القلم: ٣٩]، والمعنى: بل ألكم أيمان علينا. وقد يكون الاستفهام بها حقيقا، ولك كقولك: (هذا المنطلق أحمد أم هو إبراهيم) فقد ذكرت اولا أنه أحمد غير شاك في ذلك وقد بنيت كلامك على اليقين، ثم أدركك الشك، فأضربت عن كلامك الأول وسألت: بل هو إبراهيم؟ وقد يكون الاستفهام بها غير حقيقي، فيراد به الإنكار والتوبيخ ونحوهما، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أم له البنات ولكم البنون﴾ [الطور: ٣٩]، وقوله: ﴿أم عندهم الغيب فهم يكتبون﴾ [الطور: ٤١]. وللزومها معنى الإضراب، لا تكون في أول الكلام مثل بقية أدوات الاستفهام، بل لابد أن يسبقها كلام، فلا تقول ابتداء (أم أنت فقير)، ولا (أم فعل هذا)، بل لابد أن يكون المتكلم ابتدأ بشيء، ثم أضرب عنه إلى شيء آخر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون أم لكم كتاب فيه تدرسون﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٧]. ٤ - أنّى لها معنيان: المعنى الأول: أن تكون بمعنى (من أين) وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قال يا مريم أني لك هذا قالت هو من عند الله﴾ [آل عمران: ٣٧]، أي: من أين لك هذا؟ وقوله ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران: ١٦٥]. والمعنى: من أين هذا؟ ولذلك كان الجواب: هو من عند أنفسكم. والمعنى الآخر: أن تكون بمعنى (كيف)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قال أني يحي

стр. 1360

هذه الله بعد موتها﴾ [البقرة: ٢٥٩]، والمعنى: كيف يحييها بعد موتها، وقوله: ﴿قال رب أني يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾ [آل عمران: ٤٠]، والمعنى: كيف يكون لي غلام وهذه حالي؟ وهي تختلف عن (من أين) و (كيف) لأنها لاشتراكها في أكثر من معنى، قد تحتمل عدة معان في آن واحد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أني لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون﴾ [الدخان: ١٣ - ١٤]، فإنها تحتمل أن يراد بها (من أين لهم الذكرى) وتحتمل أن يراد (كيف لهم الذكرى) أي كيف لهم أن يتذكروا؟ أستعبادا لحالتهم عن التذكر، واحسب أن المعنيين مرادان، فإنه يراد السؤال عن الموضع الذي تأتي منه الذكري، وعن حالتهم التي هي فيها، وكلاهما استفهام غير حقيقي، ولو قال (من أين لهم الذكرى) أو (كيف لهم الذكرى) أو (كيف لهم الذكرى) لأدي ذلك معنى وحدًا فجاء بـ (أني) ليجمع المعنيين معا. وهي كذبك في غير الاستفهام، فقد قالوا في قوله تعالى: ﴿نساؤكحرث لكم فأتوا حرثكمأنى شئتم﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أنه يحتمل عدة معان، فقد يحتمل أن المراد: من أين شئتم ومتى شئتم (١). والمراد والله أعلم جميع هذه المعاني، فلك أن تأتي إمرأتك من أين شئت، وكيف شئت، ومتى شئت مادام ذلك لا يخالف شرع الله. فالغرض من العدول إلى (أنى) توسيع المعنى، وزيادته فبدل أن يكرر عدة تعبيرات لإفادة هذه المعاني جميعها جمعها بلفظ واحد والله أعلم. ويبدو لي أنها تختلف عن كيف وأين، من ناحية أخرى، هي القوة في الاستفهام وبناؤها اللغوي يوحي بذلك، فالتشديد، الذي فيها والمدة الطويلة التي في آخرها يجرحان ذلك، وقد لوحظ في كثير من الألفاظ في العربية أن بناءها اللغوي مشاكل لمعناها،

стр. 1361

وذلك كما مر في (من)، و (ما)، و (لن)، و (لا) فـ (من) مقيدة، و (ما) مطلقة، وقد عرفنا أن (ما) أوسع استعمالا من (من) لأن (من) تكاد تكون مختصة بالعقلاء، و (ما) تكون لغير العقلاء ولصفات من يعقل، كما مر تقرير ذلك، و (لن) مقيدة و (لا) مطلقة، وقد عرفنا أن (لا) أطول زمنا من (لن) و (أنى) في آخرها مدة طويلة، بخلاف (أين) و (كيف) وقد عرفنا أنها أوسع استعمالا منهما، فهي تجمع معنييهما، وربما زادت على ذلك معنى (متى) أو غيره، وهي أقوى استفهاما منهما، فإن في قوله تعالى: ﴿أنى لك هذا﴾ من العجب ما ليس في قولنا (من أين لك هذا) وفي قوله تعالى: ﴿أنى يكون لي غلام﴾ من التعجب ما ليس في (كيف). وعلى هذا فهمي تختلف عن (من أين) و (كيف) من ناحيتين هما: ١ - السعة في أدائها المعنى. ٢ - القوة في الاستفهام. والله أعلم ٥ - أين للسؤال عن المكان سواء كان استفهامًا حقيقا، نحو (أين أخوك)؟ أم مجازيًا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أين شركاءى الذين كنتم تزعمون﴾ [القصص: ٧٤]، فإنه لا يسأل عن مكانهم حقيقة وإنما هو لتبكيتهم. ٦ - أي وهي بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى مكان كانت مكاناً، وإن أضيفت إلى زمان كانت زمانا، وإن أضيفت إلى غيرهما كانت بحسب ما أضيفت إليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أيكم زادته هذه إيمانا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقوله: ﴿وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤]، وقوله: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ [الشعراء: ٢٢٧]، ونحو (أي يوم سافر خالد) وما إلى ذلك

стр. 1362

٧ - أيّان يسأل بها عن الزمان المستقبل بمعنى (متى) غير أن (متى) تستعمل للماضي والمستقبل، وأيان تختص بالإستقبال (١). يقال: متى قدمت؟ ولا يقال أيان قدمت؟ وأيان لا تستعل إلا للتفخيم والتعظيم، جاء في (شرح ابن يعيش): " وأيان لا تستعمل إلا فيما يراد تفخيم أمره وتعظيمه، نحو قوله تعالى: ﴿أيان مرساها﴾ [النازعات: ٤٢]، أي: متى مرساها؟ وقال تعالى: ﴿يسئل أيان يوم القيامة﴾ [القيامة: ٦] (٢). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأيان مختص بالأمور العظام، نحو قوله تعالى: ﴿أيان مرساها﴾ و ﴿أيام يوم الدين﴾ [الذاريات: ١٢]، ولا يقال: أيان نمت" (٣). ٨ - كم للسؤال عن العدد، نحو (كم يوما قضيت في مصر؟ ) ونحو قوله تعالى: ﴿قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ٩ - كيف هي للسؤال عن الحال، نحو (كيف أنت) وكيف جئت؟ قال سيبويه: " وكيف على أي حال" (٤). والنحاة يعربونها خبرًا للمبتدأ، في نحو (كيف أنت) وخبرًا للفعل الناقص في نحو (كيف كنت)، ومفعولا ثانيًا في نحو (كيف ظننت محمدًا)، وفيما عدا ذلك يعربونها حالا نحو: (كيف جئت) (٥). و (كيف نمت).

стр. 1363

قال: ابن هشام: " وعندي أنها تأتي في هذا النوع مفعولا مطلقا، أيضا، وإن منه (كيف فعل ربك) إذ المعنى أي فعل فعل ربك؟ ولا يتجه أن يكون حالا من الفاعل (١). إن ابن هشام يبدو مصيبا في اعتراضه، فإنه يبدو من المستبعد أن تعرب (كيف) حالا في كثير من التعبيرات، وذلك نحو قولك (كيف تضربه وهو أخوك) ونحو قوله تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١]، وقوله: ﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب﴾ [النساء: ٥٠]، وقوله: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله﴾ [الأنعام: ٨١]، وقوله: ﴿فكيف آسى على قوم كافرين﴾ [الأعراف: ٩٣]، وقوله: ﴿ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا﴾ [نوح: ١٥]، فالظاهر أنه لا يسأله في نحو هذا عن حال الفاعل. غير أنه مما يرد ابن هشام أننا نستطيع أن نذكر المفعول المطلق مع (كيف) في نحو هذا التعبير، فتقول مثلا (ألا ترى كيف يضرب خالد أخاه ضربًا موجعًا) فلا يصح أن يقال أن المعنى: أي ضرب يضرب خالد أخاه ضربا موجعًا، إلا إذا فزعنا إلى التقدير فنقدر فعلا محذوفا فيكون تقدير الكلام: ألا ترى كيف يضرب خالد أخاه يضربه ضربا موجعا هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، أننا لو أبدلنا المصدر بـ (كيف)، لم نجده يطابق المعنى المقصود، فقوله تعالى: ﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب﴾ لا يطابق، (انظر أي افتراء يفترون على الله الكذب) فالقول الأول تعجب من حالهم، ومعناها انظر كيفية افترائهم في حين يكون معنى القول الثاني: انظر نوع الافتراء الذي يفترونه، فهو تعجب من نوع الفعل لا من كيفيته. وقوله تعالى: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم﴾ لا يطابق (أي خوف أخاف ماأشركتم) فالأول أستبعاد هذه الحال عن نفسه، وأما الآخر فهو سؤال عن نوع الخوف الذي يخافه

стр. 1364

أهو خوف شديد أم قليل أم غير ذلك، وقد تقول: هذا استبعاد أيضا، والجواب نعم هو استبعاد لكنه استبعاد لنوع الخوف لا لحالة الخوف. وقوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروا﴾ [آل عمران: ٨٦]، لا يطابق (أي هدى يهدي الله قومًا كفروا) فالأول استبعاد هذه الحالة، وأما الثاني فهو سؤال عن نوع الهدى، وإذا قيل هو استعباد أيضا فالجواب: نعم هو استبعاد ولكن ثمة فرق بين الاستبعادين، فالأول استبعاد لهذه الحالة، وأما الثاني فو استبعاد لأنواع الهدي. وقوله تعالى: ﴿أل تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ لا يطابق (ألم تر أي فعل فعل ربك) فالأول تعجب من الحال التي فعلها ربنا، تعجب من الكيفية التي فعله ربنا، وأما الثاني فهو سؤال عن نوع الفعل الذي فعله، وقد يكون معناه تعجبا غير أنه تعجب من نوع الفعل لامن كيفية الفعل وحالته. ونحوه أن تقول (كيف أعطيك وسلاحي علي) فهو لا يطابق (أي عطاء أعطيك وسلاحك علي) فالأول استنكار لهذه الحال، أو تعجب منها، أو استعباد لأنواع العطاء الذي يعطي له. والذي قارب بين الأداتين ههنا هو خروج الاستفهام عن معناه الحقيقي الي أغراض أخرى كالتعجب والاستنكار وغيرها، فتبدو الأداتان متقاربتين، والحقيقة هي اقتراب الأغراض، فالتعجب بالهمزة قريب من التعجب بغيرها، فقول المرأة: (أألد وأنا عجوز عقيم)، يقارب القول (كيف ألد وأنا عجوز عقيم) ولكن الهمزة غير (كيف) وقولك: (أتكفر بالله وقد خلقك) قريب من قولك (كيف تكفر بالله وقد خلقك) وهكذا مع أن لكل أداة معناها واستعمالها. ولو كان الاستفهام في نحو هذا حقيقيا، وقدر لك أن تجيب عن كل سؤال، لاختلف الجواب مع (كيف) ومع (أي) فلو سألت حقيقة (كيف يفترون على الله الكذب)؟ لاحتمل أن يكون الجواب: يفترونه مزينين هذا الكذب، أو يفترونه جاعليه في صورة الصدق، أو تقول: يلوون ألسنتهم بالحديث، ليحسبه السامع صدقا وما إلى ذلك.

стр. 1365

ولو سألت (أي افتراء يفترون على الله الكذب) لاحتمل أن يكون الجواب: أنهم يفترون افتراء كبيرا، أو افتراء بينا، أو افتراء البائع لدينه بثمن بخس، أو افتراء المكذبين بيوم الدين وما إلى ذلك. فالجواب يختلف مع (كيف) و (أي). وبهذا يبدو أن رأي الجمهور أقرب إلى الصواب والله أعلم. وقد تخرج (كيف) عن الاستفهام الحقيقي إلى أغراض أخرى منها: ١ - التعجب، نحو قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨]، وقوله: ﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب﴾ [النساء: ٥٠]. ٢ - التوبيخ، نحو قوله تعالى: ﴿ما لكم كيف تحكمون﴾ [القلم: ٣٦]. ونحو قولك لمن ضرب أخاه (كيف تضرب أخاك الأكبر)؟ ٣ - النفي، نحو قوله تعالى: ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم﴾ [آل عمران: ٨٦]، والمعنى: لا يهدي الله قومًا كفروا وقوله: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله﴾ [الأنعام: ٨١]، ومعناه: لا أخاف ما أشركتم. ٤ - التحذير، كقوله تعالى: ﴿فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [آل عمران: ١٣٧]. ٥ - النهي، كقوله تعالى: ﴿وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء: ٢١]. ٦ - التنبيه، كقوله تعالى: ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض﴾ [الإسراء: ٢١]. ٧ - التهكم، كقوله تعالى: ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبيا﴾ [مريم: ٢٩]. ٨ - الاستبعاد، كقوله تعالى: ﴿كيف يكون للمشركين عهد﴾ [التوبة: ٧]، وقوله: ﴿وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا﴾ [الكهف: ٦٨].

стр. 1366

٩ - التعظيم والتهويل، كقوله تعالى: ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٢٥]، وقوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [النساء: ٤١] (١). إلى غير ذلك من المعاني. وغني عن البيان أن هذه المعاني التي تخرج إليها (كيف) مشوبة بالاستفهام، وليست نفيا خالصا أو نهيا خالصا، كما سبق تقرير ذلك. ١٠ - ما تكون للسؤال عن ذوات ما لا يعقل، وأجناسه، وصفاته، وللسؤال عن صفة من يعقل (٢). فمن الأول قولك (ما عندك؟ ) فيقال: كتاب، وتقول: ما في الدار؟ فيقال: ثعبان، أو فرس، وتقول: (مالونه؟ ) فيقال: أسود. قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك ياموسى﴾ [طه: ١٧]، وقال: ﴿ماولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]. وتكون لصفات من يعقل، كأن تقول: (ما محمد)؟ فيقال: كاتب أو شاعر. جاء في (شرح ابن يعيش): فإذا قلت: ما في الدار؟ فجوابه: ثوب أو فرس ونحو ذلك مما لا يعقل، وإذا قلت: ما زيد؟ فجوابه: طويل أو أسود أو سمين، فتقع على صفاته (٣). وللسؤال عن حقيقة الشيء، قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠]، وقال: ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣]، فهذا سؤال عن حقيقته سبحانه.

стр. 1367

وإذا جرت حذف الفها (١). قال تعالى: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ [النازعات: ٤٣]، وقال: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢]، وقال: ﴿عم يتساءلون﴾ [النبأ: ١]. وقد تخرج (ما) عن الاستفهام الحقيقي إلى معان أخرى منها: ١ - التعظيم والتفخيم، كقوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١، ٢]، وكقوله ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧]، ونحو قولك (محمد ما محمد)؟ جاء في (الكشاف): " ونحوه (ما) في قولك (زيد ما زيد) جعلته لانقطاع قرينه، وعدم نظيره، كأنه شيء خفي عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه، وتفحص عن جوهره كما تقول: ما الغول وما العنقاء؟ تريد أي شيء هو من الأشياء؟ هذا أصله ثم جرد للتفخيم (٢). ٢ - التحقير نحو (ما أنت والشعر) و (ما أنت والمجد) قال الشاعر: ما أنت ويب أبيك والفخر (٣). ٣ - الحث نحو قوله تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله﴾ [النساء: ٧٥]. ٤ - الانكار نحو قوله تعالى: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢]. ٥ - الالزام، نحو قوله تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٩١]. ٦ - الاستبعاد: نحو قوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه﴾ [هود: ٨]، ونحو قوله: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧].

стр. 1368

وغير ذلك من المعاني: ماذا تأتي في العربية على أوجه: أحدها: أن تكون (ما) استفهامية و (ذا) اسم إشارة، نحو (ماذا) أي: (ما هذا) ونحو (ماذا السكوت) و (ماذا التواني) والعنى: ما هذا السكوت؟ وما هذا التواني؟ الثاني: أن تكون (ما) استفهامية و (ذا) موصولة بمعنى الذي، نحو (ماذا فعلت) أي: ما الذي فعلت؟ وكقول لبيد: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل أي: ما الذي يحالو، فـ (ما) مبتدأ بدليل إبداله المرفوع (نحب) منها، و (ذا) اسم موصول بديل افتقاره إلى الجملة، ولو كانت (ماذا) اسما واحدًا، لكانت مفعولا مقدما للفعل (يحاول) ولأبدل منها النصب. الثالث: أن تكون (ماذا) كلها كلمة واحدة مركبة تفيد الاستفهام (١). كقولك (ماذا أكلت أفاكهة أم لحما) فـ (ماذا) ههنا كلمة واحدة وهي مفعول به مقدم، بدليل الإبدال منها بالنصب. فتبين من هذا أنك إذا قلت (ماذا صنعت؟ ) أحتمل أن تكون (ماذا) مركبة من كلمتين: (ما) الاستفهامية و (ذا) الموصولة والمعنى: ما الذي صنعت؟ واحتمل أن تكون (ماذا) كلها كلمة مركبة واحدة والمعنى: ما صنعت؟ فإذا جعلتها اسمين أبدلت من (ما) بالرفع، فتقول (ماذا صنعت أخاتم أم سوار)؟ وذلك لأن (ما) مبتدأ محله الرفع و (ذا) خبره، والبدل من المرفوع مرفوع.

стр. 1369

وإن جعلتها اسما واحدا أبدلت بالنصب، فقلت (ماذا صنعت أخاتما أم سوارا) وذلك لأن (ماذا) مفعول به مقدم، محله النصب والبدل من المنصوب منصوب. وجوابها مختلف أيضا، فالأصل في جواب الأولى أن يكون: الذي صنعته سوار وجواب الثاني أعني المركبة (صنعت سوارا) وكذلك إذا قلت (ماذا تفقد؟ ) على غير معنى التركيب، فإن جوابه (الذي أفقده كتاب) لأن معنى السؤال: ما الشيء الذي تفقده؟ وعلى معنى التركيب: (أفقد كتابا) لأن المعنى: أي شيء تفقد؟ فهما عبارتان مختلفان. وههنا يبرز سؤال، وهو: ما الفرق في المعنى بين (ماذا) و (ما)؟ ما الفرق مثلا بين قولك (ماذا فعلت؟ ) و (ما فعلت؟ ) الذي يبدو أن الفرق بينهما من ناحيتين: الأولى: إن (ذا) تفيد التنصيص على الاستفهام فيما يحتمل الاستفهام وغيره، وذلك كقوله تعالى: ﴿فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ [لقمان: ١١]، فإن (ذا) أفادت التنصيص على الاستفهام ولو حذفت لاحتمل المعنى الاستفهام والموصولية، أي فأروني الذي خلقه الذين من دونه، ألا ترى أنك إذا قلت، (أنا أعلم ما تريد) يحتمل الخبر والاستفهام، ولو قلت (ماذا) أفادك الاستفهام نصا؟ الناحية الثانية: إن في (ماذا) قوة ومبالغة في الاستفهام، ليست في (ما) ففي قولنا (ماذا فعلت) قوة ليست في (ما فعلت)؟ ولعل ذلك يعود إلى زيادة حروفها. قال تعالى: ﴿يسئلونك ماذا ينفقون﴾ فجاء بـ (ماذا) وهذا يدل على المبالغة في الاستفهام ولذلك، والله أعلم، كرر السؤال مرتين، فقال: ﴿يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [البقرة ٢١٥]، ثم قال: ﴿ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢١٩]، فمرة أجاب عن السؤال ببيان أوجه الاتفاق المشروعة، ومرة أجاب عنه

стр. 1370

بنوع المال االذي ينفق، فكرر السؤال مرتين، وأجاب عنه مرتين لأهمية السؤال، ولذا جاء به بـ (ماذا) بدل (ما). ونحوه قوله تعالى على لسان فرعون بعد أن عجز عن مواجهة موسى ﵇ بالحجة فقال: ﴿إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥]، فجاء بـ (ماذا) للدلالة على المبالغة في الاستفهام، وذلك لأن الموقف يتطلب جوابا يخلصه من مواجهة موسى وتحديه، فإن موسى يهد الوهية فرعون وتجبره، بخلاف قوله تعالى مثلا: ﴿قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ [يوسف: ٦٥]، فجاء بـ (ما) دون (ماذا) لأن الموقف لا يتطلب ذاك. ولذا يؤتى بماذا في مواقف التحدي والقوة قال تعالى: ﴿قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله اروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا﴾ [فاطر: ٤٠]، فهو يتحدى المشركين تحديا لا يمكنهم الافلات منه فيقول لهم: هؤلاء شركاؤكم أروني ماذا خلقوا من الأرض؟ اذكروا لي شيئا خلقوه، وإن هان وحقر، فجاء بـ (ماذا) في التحدي، وهو أبلغ وأقوى من (ما) وحدها يدلك على ذلك السياق. ويوضح ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الصافات على لسان إبراهيم ﵇: ﴿إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٧]. وقوله في سورة الشعراء: ﴿قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧١]. فجاء في الأولى بـ (ماذا): (ماذا تعبدون) وفي الثانية بما (ما تعبدون)، وذلك لأن الأولى موقف تحد ظاهر، ومجابهة قوية، بخلاف الثانية، يدلك على ذلك السياق، فإن المقام في الأولى ليس مقام استفهام، وإنما هو مقام تقريع، ولذلك لم يجيبوه عن سؤاله، بل مضى يقرعهم بقوله: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون﴾.
следующие страницы →