٩ - التعظيم والتهويل، كقوله تعالى: ﴿فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٢٥]، وقوله: ﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا﴾ [النساء: ٤١] (١).
إلى غير ذلك من المعاني.
وغني عن البيان أن هذه المعاني التي تخرج إليها (كيف) مشوبة بالاستفهام، وليست نفيا خالصا أو نهيا خالصا، كما سبق تقرير ذلك.
١٠ - ما
تكون للسؤال عن ذوات ما لا يعقل، وأجناسه، وصفاته، وللسؤال عن صفة من يعقل (٢). فمن الأول قولك (ما عندك؟ ) فيقال: كتاب، وتقول: ما في الدار؟ فيقال: ثعبان، أو فرس، وتقول: (مالونه؟ ) فيقال: أسود.
قال تعالى: ﴿وما تلك بيمينك ياموسى﴾ [طه: ١٧]، وقال: ﴿ماولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢].
وتكون لصفات من يعقل، كأن تقول: (ما محمد)؟ فيقال: كاتب أو شاعر.
جاء في (شرح ابن يعيش): فإذا قلت: ما في الدار؟ فجوابه: ثوب أو فرس ونحو ذلك مما لا يعقل، وإذا قلت: ما زيد؟ فجوابه: طويل أو أسود أو سمين، فتقع على صفاته (٣).
وللسؤال عن حقيقة الشيء، قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠]، وقال: ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣]، فهذا سؤال عن حقيقته سبحانه.
стр. 1367
وإذا جرت حذف الفها (١). قال تعالى: ﴿فيم أنت من ذكراها﴾ [النازعات: ٤٣]، وقال: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون﴾ [الصف: ٢]، وقال: ﴿عم يتساءلون﴾ [النبأ: ١].
وقد تخرج (ما) عن الاستفهام الحقيقي إلى معان أخرى منها:
١ - التعظيم والتفخيم، كقوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١، ٢]، وكقوله ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧]، ونحو قولك (محمد ما محمد)؟
جاء في (الكشاف): " ونحوه (ما) في قولك (زيد ما زيد) جعلته لانقطاع قرينه، وعدم نظيره، كأنه شيء خفي عليك جنسه، فأنت تسأل عن جنسه، وتفحص عن جوهره كما تقول: ما الغول وما العنقاء؟ تريد أي شيء هو من الأشياء؟ هذا أصله ثم جرد للتفخيم (٢).
٢ - التحقير نحو (ما أنت والشعر) و (ما أنت والمجد) قال الشاعر:
ما أنت ويب أبيك والفخر (٣).
٣ - الحث نحو قوله تعالى: ﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله﴾ [النساء: ٧٥].
٤ - الانكار نحو قوله تعالى: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ [البقرة: ١٤٢].
٥ - الالزام، نحو قوله تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء من قبل إن كنتم مؤمنين﴾ [البقرة: ٩١].
٦ - الاستبعاد: نحو قوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه﴾ [هود: ٨]، ونحو قوله: ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم﴾ [النساء: ١٤٧].
стр. 1368
وغير ذلك من المعاني:
ماذا
تأتي في العربية على أوجه:
أحدها: أن تكون (ما) استفهامية و (ذا) اسم إشارة، نحو (ماذا) أي: (ما هذا) ونحو (ماذا السكوت) و (ماذا التواني) والعنى: ما هذا السكوت؟ وما هذا التواني؟
الثاني: أن تكون (ما) استفهامية و (ذا) موصولة بمعنى الذي، نحو (ماذا فعلت) أي: ما الذي فعلت؟ وكقول لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلال وباطل
أي: ما الذي يحالو، فـ (ما) مبتدأ بدليل إبداله المرفوع (نحب) منها، و (ذا) اسم موصول بديل افتقاره إلى الجملة، ولو كانت (ماذا) اسما واحدًا، لكانت مفعولا مقدما للفعل (يحاول) ولأبدل منها النصب.
الثالث: أن تكون (ماذا) كلها كلمة واحدة مركبة تفيد الاستفهام (١). كقولك (ماذا أكلت أفاكهة أم لحما) فـ (ماذا) ههنا كلمة واحدة وهي مفعول به مقدم، بدليل الإبدال منها بالنصب.
فتبين من هذا أنك إذا قلت (ماذا صنعت؟ ) أحتمل أن تكون (ماذا) مركبة من كلمتين: (ما) الاستفهامية و (ذا) الموصولة والمعنى: ما الذي صنعت؟
واحتمل أن تكون (ماذا) كلها كلمة مركبة واحدة والمعنى: ما صنعت؟
فإذا جعلتها اسمين أبدلت من (ما) بالرفع، فتقول (ماذا صنعت أخاتم أم سوار)؟ وذلك لأن (ما) مبتدأ محله الرفع و (ذا) خبره، والبدل من المرفوع مرفوع.
стр. 1369
وإن جعلتها اسما واحدا أبدلت بالنصب، فقلت (ماذا صنعت أخاتما أم سوارا) وذلك لأن (ماذا) مفعول به مقدم، محله النصب والبدل من المنصوب منصوب.
وجوابها مختلف أيضا، فالأصل في جواب الأولى أن يكون: الذي صنعته سوار وجواب الثاني أعني المركبة (صنعت سوارا) وكذلك إذا قلت (ماذا تفقد؟ ) على غير معنى التركيب، فإن جوابه (الذي أفقده كتاب) لأن معنى السؤال: ما الشيء الذي تفقده؟
وعلى معنى التركيب: (أفقد كتابا) لأن المعنى: أي شيء تفقد؟ فهما عبارتان مختلفان.
وههنا يبرز سؤال، وهو: ما الفرق في المعنى بين (ماذا) و (ما)؟ ما الفرق مثلا بين قولك (ماذا فعلت؟ ) و (ما فعلت؟ )
الذي يبدو أن الفرق بينهما من ناحيتين:
الأولى: إن (ذا) تفيد التنصيص على الاستفهام فيما يحتمل الاستفهام وغيره، وذلك كقوله تعالى: ﴿فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾ [لقمان: ١١]، فإن (ذا) أفادت التنصيص على الاستفهام ولو حذفت لاحتمل المعنى الاستفهام والموصولية، أي فأروني الذي خلقه الذين من دونه، ألا ترى أنك إذا قلت، (أنا أعلم ما تريد) يحتمل الخبر والاستفهام، ولو قلت (ماذا) أفادك الاستفهام نصا؟
الناحية الثانية: إن في (ماذا) قوة ومبالغة في الاستفهام، ليست في (ما) ففي قولنا (ماذا فعلت) قوة ليست في (ما فعلت)؟ ولعل ذلك يعود إلى زيادة حروفها.
قال تعالى: ﴿يسئلونك ماذا ينفقون﴾ فجاء بـ (ماذا) وهذا يدل على المبالغة في الاستفهام ولذلك، والله أعلم، كرر السؤال مرتين، فقال: ﴿يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ [البقرة ٢١٥]، ثم قال: ﴿ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ [البقرة: ٢١٩]، فمرة أجاب عن السؤال ببيان أوجه الاتفاق المشروعة، ومرة أجاب عنه
стр. 1370
بنوع المال االذي ينفق، فكرر السؤال مرتين، وأجاب عنه مرتين لأهمية السؤال، ولذا جاء به بـ (ماذا) بدل (ما).
ونحوه قوله تعالى على لسان فرعون بعد أن عجز عن مواجهة موسى ﵇ بالحجة فقال: ﴿إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون﴾ [الشعراء: ٣٤ - ٣٥]، فجاء بـ (ماذا) للدلالة على المبالغة في الاستفهام، وذلك لأن الموقف يتطلب جوابا يخلصه من مواجهة موسى وتحديه، فإن موسى يهد الوهية فرعون وتجبره، بخلاف قوله تعالى مثلا: ﴿قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا﴾ [يوسف: ٦٥]، فجاء بـ (ما) دون (ماذا) لأن الموقف لا يتطلب ذاك.
ولذا يؤتى بماذا في مواقف التحدي والقوة قال تعالى: ﴿قل أرءيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله اروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا﴾ [فاطر: ٤٠]، فهو يتحدى المشركين تحديا لا يمكنهم الافلات منه فيقول لهم: هؤلاء شركاؤكم أروني ماذا خلقوا من الأرض؟ اذكروا لي شيئا خلقوه، وإن هان وحقر، فجاء بـ (ماذا) في التحدي، وهو أبلغ وأقوى من (ما) وحدها يدلك على ذلك السياق.
ويوضح ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الصافات على لسان إبراهيم ﵇: ﴿إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون﴾ [الصافات: ٨٣ - ٨٧]. وقوله في سورة الشعراء: ﴿قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين﴾ [الشعراء: ٦٩ - ٧١].
فجاء في الأولى بـ (ماذا): (ماذا تعبدون) وفي الثانية بما (ما تعبدون)، وذلك لأن الأولى موقف تحد ظاهر، ومجابهة قوية، بخلاف الثانية، يدلك على ذلك السياق، فإن المقام في الأولى ليس مقام استفهام، وإنما هو مقام تقريع، ولذلك لم يجيبوه عن سؤاله، بل مضى يقرعهم بقوله: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون﴾.
стр. 1371
وأما في الثانية فهو مقام استفهام المحاجة إذ قال لهم: ﴿ما تعبدون﴾ فأجابوه: ﴿قالو نعبد أصناما فظل لها عاكفين﴾.
فسألهم: ﴿قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٣]. فأجابوه قائلين: ﴿بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون﴾ [الشعراء: ٧٤].
فانت ترى أن المقام مقام محاجة، بخلاف الأولى فإنه مقام تحد وتقريع ومجابهة، ويوضح ذلك نهاية السياقين.
ففي آية الشعراء قال: ﴿أفرئيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧].
وأما في آية الصافات فانتهي السياق بتحطيم الأصنام وتحريقه بالنار، فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعبدون قالوا ابنوا له بنينا فألقوه في الجحيم﴾ [الصافات: ٩١ - ٩٧].
فثمة فرق كبير بين النهايتين، وبين السياقين، فجاء في مقام المجابهة وشدة التحدي بـ (ماذا) دون المقام الآخر الذي جاء فيه بـ (ما).
جاء في (درة التنزيل) في هاتين الآيتين: " للسائل أن يسأل عن زيادة (ذا) في قوله (في الصافات) (ماذا تعبدون) وإخلاء (ما) في (الشعراء) منها:
والجواب ان يقال: إن قوله (ما تعبدون) معناه أي شيء تعبدون؟ وقوله (ماذا) في كلام العرب على وجهين:
أحدهما أن تكون (ما) وحدها إسما (وذا) بمعنى (الذي) والمعنى: ما الذي تعبدون، و (تعبدون) صلة لها.
والآخر: أن تكون (ما) مع (ذا) اسما واحدًا بمعنى (أي شيء) وهو في الحالين أبلغ من (ما) وحدها إذا قيل، ما تفعل؟
стр. 1372
فما تعبدون في سورة الشعراء أخبار عن تنبهه لهم، لأنهم أجروا مقاله مجرى مقال المستفهم، فأجابوه وقالوا: ﴿نعبد أصناما فنظل لها عاكفين﴾ فنبه ثانيا بقول: ﴿هل يسمعونكم أذ تدعون﴾.
وأما ﴿ما تعبدون﴾ في سورة الصافات فإنها تقريع وهو حال بعد التنبيه، ولعلمهم بأنه يقصد توبيخهم وتبكيتهم، لم يجيبوا كأجابتهم في الأول، ثم أضاف تبكيتا إلى تبكيت ولم يستدع منهم جوابًا فقال: ﴿أئفكا آلهة دون الله تريدون، فما ظنكم برب العالمين﴾.
فلما قصد في الأول التنبيه كانت (ما) كافية، ولما بالغ وقرع استعمل اللفظ الأبلغ وهو (ماذا) التي إن جعلت (ذا) منها بمعنى (الذي)، فهو أبلغ من (ما) وحدها، وإن جعلا اسما كان أيضا أبلغ وأوكد مما إذا خلت من ذا (١).
١١ - متى
للسؤال عن الزمان نحو (متى السفر)؟ وقد يخرج عن الاستفهام الحقيقي إلى معان أخرى، كالاستبطاء نحو قولك (متى يؤوب أبي) مستبطئا عودته، والاستعباد نحو قوله تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾ [يونس: ٤٨]، وغير ذلك من المعاني.
١٢ - من
للسؤال عمن يعقل نحو: (متى حضر؟ ) فتقول: خالد، قال تعالى: ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ [النساء: ١٢٢]، وقال: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠].
وقد يخرج (من) عن الاستفهام الحقيقي إلى أغراض أخرى كالنفي نحو قوله تعالى: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾ [آل عمران: ١٣٥] (٢).
стр. 1373
والدهشة والتعجب، نحو قوله تعالى: ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢]. والإلزام، نحو: ﴿من خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء﴾ والتشويق والترغيب، نحو: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾ [البقرة: ٢٤٥].
إلى غير ذلك من المعاني.
وقد تلحقها (ذا) كما مر في (ما) فتكون (من) اسم استفهام، و (ذا) اسم اشارة، وذلك نحو (من ذا؟ ) و (من ذا واقفًا؟ ).
وقد تكون اسما موصولا نحو (من ذا أكرمت أمحمد أم خالد) وقد تكون كلمة واحدة مركبة بمعنى (من) نحو (من ذا أكرمت أمحمدًا أم خالدا؟ ).
ويحتمل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، ويحتمل أيضا أن تكون (من) استفهاما و (ذا) اسم إشارة بمعنى (من هذا الذي يقرض الله) كما في قوله تعالى: ﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم﴾ [الملك: ٢٠] (١).
ويبدو أنه إذا قرن اسم الإشارة بـ (ها التنبيه) كان آكد وأقوى وذلك لأن فيه زيادة تنبيه، فقولك (من هذا الذي فعل) آكد وأقوى من قولك (من ذا الذي فعل) وذلك أن السائل في العبارة الأولى كأنه يجتهد في الاستخفاف بالفاعل، نحو أن تقول (من هذا الذي يستطيع أن يرد علي) أو تعظيمه كأن تقول (من هذا الذي اقتحم النار وأنقذ الطفل؟ ).
ويدل على ذلك الاستعمال القرآني أيضا، قال تعالى: ﴿وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾ [آل عمران: ١٦٠]، وقال: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾ [البقرة: ٢٥٥] فلم يجيء بـ (ها) التنبيه.
стр. 1374
وقال: ﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور﴾ [الملك: ٢٠، ٢١]، فجاء بـ (ها) التنبيه، وسبب ذلك - والله أعلم - أن التحدي في الآيتين الأخيرتين أشد وأقوى وهو واضح من السياق. فالآية الأولى خطاب للمؤمنين قال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٥٩ - ١٦٠].
والثانية في الكلام على الكافرين في سياق التخويف من قدرة الله وبطشه: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرين إلا في غرور﴾ [الملك: ١٦ - ٣١].
فالسياق والجو مختلف في الآيتين: فالأولى مقام رحمة ومسح على جراح المؤمنين ومقام عفو ومغفرة بعد معركة أحد، وأما الثانية فمقام ترهيب وإنذار وتخويف وتحذير فجاء بـ (ها) التنبيه زيادة في التحذير والتنبيه وهو ما يقتضيه المقام.
وأما الفرق بين (من) و (من ذا) فإنه نظير الفرق بين (ما) و (ماذا) فلا داعي لتكرار القول فيه.
مما تقدم يتبين أن مراحل التعبير من حيث قوته وتوكيده تتدرج كما يأتي:
من فعل؟
من ذا فعل؟
من ذا الذي فعل؟
من هذا الذي فعل؟
стр. 1375
تقديم المستفهم عنه
مر بنا هذا في مواضع عدة، في باب المبتدأ والخبر، والمفعول به، وغيرها، وذلك أنكتقول؛ أضرب محمدا؟ أأنت ضربت محمدًا؟ و (أحضر محمد) و (أمحمد حضر)؟ ونحو ذلك، ولا نريد أن نعيد الكلام على ذلك بصورة موسعة بل سنوجز القول فيه.
١ - تقديم الفعل، إذا قدمت الفعل كنت مستفهما عن أصل الحدث، فإذا قلت: أحضر محمد؟ كنت مستفهما عن حضور محمد، وكذا إذا قلت: (أجاءك رجل) كنت مستفهما عن مجيء أحد من الرجال إليه.
٢ - تقديم المسند إليه على الفعل: فإذا قلت (أحمد حضر؟ ) كنت تعلم أن شخصا ما حضر ولكنك تسأل أهو محمد؟ فالفرق بين قولنا: (أحضر محمد) و (أمحمد حضر) إننا في الأولى نسأل عن حضور محمد، وليس في التعبير دلالة على أننا نعلم أن أحدًا حضر، وأما في الثانية فإننا نعلم أن شخصا ما حضر ولكننا لا نعلم من هو.
وكذا قولك: (أجاءك رجل؟ ) و (أرجل جاءك؟ ) ففي الأولى أنت تسأل " هل كان مجيء أحد من الرجال إليه، فإن قدمت الاسم فقلت: أرجل جاءك؟ فأنت تسأل عن جنس من جاءه: أرجل هو أم امرأة، ويكون هذا منك إذا علمت أنه قد آتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي (١).
ومن هذا قوله تعالى: ﴿أأنت فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم﴾ [الأنبياء: ٦٢]، فهم لا يسألونه عن وقوع الفعل، لأنهم يعلمون أن الفعل وقع وقد شاهدوه، ولكنهم يسألونه عن الفاعل.
جاء في (دلائل الإعجاز): " وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها، وترك تقديمه، ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة، فإن موضع الكلام على انك إذا قلت: أفعلت؟ فبدأت بالفعل كان الشك في الفعل نفسه
стр. 1376
وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده، وإذا قلت: أأنت فعلت؟ فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو؟ وكان التردد فيه، ومثال ذلك أنك تقول: أبنيت الادر التي كنت على أن تنبيها؟ أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟
تبدأ في هذا ونحوه بالفعل لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه، لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل، وانتفائه مجوز أن يكون قد كان، وأن يكون لم يكن.
وتقول: أأنت بنيت هذه الدار؟ أأنت قلت هذا الشعر؟ أأنت كتبت هذا الكتاب؟ فتبدأ في ذلك كله بالاسم، ذلك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان كيف وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر مقولا، والكتاب مكتوبًا؟ وإنما شككت في الفاعل من هو؟ فهذا من الفرق لا يدفعه ادفع ولا يشك فيه شاك، ولا يخفي فساد أحدهما في موضع الآخر" (١).
٣ - تقديم المفعول به: وذلك نحو (أمحمدًا أكرمت)؟ فالسائل يعلم أن المخاطب أكرم شخصا فهو يسأل: أهو محمد؟ بخلاف ما لو قال: أأكرمت محمدًا؟ فإنه يسأل عن أصل الإكرام، وليس فيه دلالة على أن السائل يعلم أنه وقع إكرام أم لا؟
٤ - تقديم الظرف والجار والمجرور: وحكمهما حكم المنصوب فإذا قيل: (أيوم الجمعة سافر خالد) فالسائل يعلم أن خالدًا سافر، ولكنه يسأل أذلك كان يوم الجمعة بخلاف ما لو قال: (أسافر خالد يوم الجمعة)، فإنه لا يفيد ذاك بل هو يسأل عن خالد أسافر يوم الجمعة أم لم يسافر.
ونحوه: (أقبض على محمد في دارك؟ ) و (أفي دارك قبض على محمد)؟ و (أإلى الموصل سافرت؟ ) و (أسافرت إلى الموصل) في الجملة الأولى يعلم السائل أن المخاطب سافر، ولكنه يسأله عن جهة سفره أهي الموصل، وأما في الثانية فإنه يسأله عما إذا سافر إلى الموصل أم لا.
وقس ما لم يذكر من القيود على ما ذكرت كالحال ونحوها.
стр. 1377
الجواب
جواب الهمزة:
يكون جواب الهمزة وحدها إذا كان السؤال مثبتا بـ (نعم) أو (لا) نحو: أحضر محمد؟ فيجاب: نعم قد حضر محمد (١). أو لا لما يحضر محمد.
وكذلك إذا كانت مع (أو) نحو (أمحمد عندك أو خالد) فجوابه في الإثبات: نعم عندي محمد، أو نعم عندي خالد، أو لا ليس عندي واحد منهما.
وتجاب مع (أم) المعادلة بالتعيين، نحو (أمحمد عندك أم خالد) والجواب: عندي محمد، أو عندي خالد.
وتجاب الهمزة إذا كان السؤال منفيا بـ (بلى) في الإيجاب و (لا) في النفي نحو قوله تعالى: ﴿ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير﴾ [الملك: ٨، ٩]، و ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، والنفي نحو ألم يحضر محمد؟ والجواب: لا لم يحضر محمد، وإذا قلت: نعم فمعناه اقرار النفي، والمعنى: نع لم يحضر محمد، ولذا قال ابن عباس وغيره في قوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾: " لو قالوا نعم لكفروا" (٢).
جواب هل:
ويكون جواب (هل) بـ (نعم) أو (لا). يقال (هل حضر محمد؟ ) فتقول في الإيجاب: نعم حضر محمد، وف النفي: لا لم يحضر محمد (٣). قال تعالى: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم﴾ [الأعراف: ٤٤].
стр. 1378
وكذلك مع (أو) نحو (هل حضر محمدًا أو خالد؟ ) وجوابه: (نعم) أو (لا) لأن المعنى: هل حضر أحدهما؟ قال تعالى: ﴿هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا﴾ [مريم: ٩٨]، وقال: ﴿قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: ٧٢ - ٧٣]، ولو أجيب عن ذلك لقيل: (لا).
جواب أسماء الاستفهام
يكون جواب أسماء الاستفهام بالتعيين، وذلك بحسب اسم الاستفهام، نحو: من حضر؟ فيقال: (حضر محمد) ويجوز أن يقال (محمد حضر) بحسب القصد، قال تعالى: ﴿قال من يحي العظام وهي رميم قل يحيها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: ٧٨، ٧٩]. وقال: ﴿قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾ [التحريم: ٣]، فأجاب بالجملة الفعلية.
وقال: ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ فأجاب: ﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]، فأجاب بالجملة الإسمية.
ومن هنا يظهر أن القول بأن: جواب (من قام)؟ (قام زيد) لا (زيد قام (١).) فيه نظر. وذلك أن الجواب يكون بحسب القصد، فيقدم ويؤخر على حسب ذلك.
ويقال: ما خالد؟ فيقال: فقيه أو شاعر.
وتقول: ماذا أعطيت؟ فيقال (كتابا) على معنى: أعطيت كتابًا.
ويصح أن يقال: (كتاب) بالرفع على معنى: الذي أعطيته كتاب، قال تعالى: ﴿ويسئلونك ماذا نفقون قل العفو﴾ [البقرة: ٢١٩]، وقال: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا﴾ [النحل: ٣٠].
وقال: ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين﴾ [النحل: ٢٤]، فأجاب في الأولى بالنصب على معنى: أنزل خيرًا، وفي الثانية بالرفع أي (هو أساطير الأولين)
стр. 1379
ولا يصح أن يكون بالنصب، لأنه ليس على معنى (أنزل أساطير الأولين)، وذلك أنهم لا يقرون بإنزال الله القرآن، وإنما المعنى: هذا الكلام هو أساطير الأولين.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " فقوله تعالى (أساطير الأولين) ليس جواب لقوله للكفار: ماذا أنزل ربكم، إذ لو كان جوابا له لكان المعنى: هو أساطير الأولين، أي الذي أنزله ربنا أساطير الأولين. والكفار لا يقرون بالانزال، فهو إذن كلام مستأنف، أي ليس ما تدعون أنزاله منزلا بل هو أساطير الأولين ..
فقوله تعالى: ﴿ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا﴾ أي أنزل خيرًا وإنما الزم ههنا النصب ليكون مخالفا لجواب الكفار، لأن النصب تصريح بكون (أنزل) مقدرا والرفع يحتمل استئناف الكلام كما ذكرنا في (أساطير الأولين) ويحتمل تقدير الموصول المذكور ف السؤال مبتدأ (١).
وهكذا بقية أسماء الأستفهام، فجواب (متى) تعيين الزمان، وجواب كم تعيين العدد و (كيف) للسؤال عن الحال وهكذا.
حروف الجواب
نعم:
حرف تصديق ووعد واعلام.
فالتصديق يكون بعد الخبر، نحو (قد زارك محمد) فتقول: نعم. أو (ما زارك محمد) فتقول: نعم. مصدقا قوله إثباتا أو نفيا.
والوعد يكون بعد الأمر والنهي، وما في معناها، نحو (زرنا قريبا) أو (لا تخبره بما حدث) فتقول: نعم. واعدا بأنك ستجز طلبه.
стр. 1380
قال سيبويه: " وأما نعم فعدة وتصديق، تقول: قد كان كذا وكذا، فيقول: نعم" (١).
والإعلام يكون بعد الاستفهام، نحو (أحضر خالد؟ ) فتقول له: (نعم) (٢).
بلى:
مختصة بإبطال النفي، سواء كان خبرا ام استفهاما، فهي تنقض النفي على آية حال، فمن وقوعها بعد الخبر قولك (لم يزرك خالد) فتقول: (بلى) قال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قلى بلى وربي لتبعثن﴾ [التغابن: ٧]، وقال: ﴿ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٢٨].
ومن وقوها بعد الاستفهام قوله تعالى: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وقوله: ﴿ألم يأتكم نذير قالوا بلى﴾ [الملك: ٨، ٩] (٣).
ومن هنا يتبين أن (بلى) لا تقع إلا بعد النفي.
أجل:
حرف جواب يقع بعد الخبر كثيرا، فيكون تصديقا له، نحو (زارك خالد) أو (لم يزرك خالد) فتقول: أجل. أي تصديق قوله إذا كان إثباتا أو نفيا.
وذهب قوم من النحاة إلى أنها مختصة بالخبر، فلا تقع بعد الاستفهام، أو الأمر، أو غيرهما.
وقيل: بل وقوعها بعد الخبر أكثر.
وقيل: هي بعد الخبر أحسن من (نعم) و (نعم) بعد الاستفهام أحسن منها.
стр. 1381
وقيل: هي مثل نعم تكون تصدقا للخبر، ووعدا وإعلاما للمستخبر (١). والظاهر أن الكثير وقوعها بعد الخبر.
إن:
حرف جواب بمعنى (نعم) قال الشاعر:
بكر العواذل في الصبا ... ح يلمنني وألومهنه
ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت: إنه
أي (نعم).
وقال ابن الزبير لمن قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك: " إن وراكبها" (أي نعم ولعن راكبها (٢).)
قال سيبويه: وأما قول العرب في الجواب (إنه) فهو بمنزلة أجل، وإذا وصلت قلت: إن يافتي وهي التي بمنزلة أجل (٣). وهي قليلة الاستعمال.
قال برجشتراسر: هي أقدم أدوات الإيجاب، وهي في العبرية hen وفي الآرامية en (٤) .
إي:
بكسر الهمزة وسكون الياء، وهي مثل (نعم) غير أنها لا تقع إلا قبل القسم، فتكون تصديقا للمخبر، ووعدا للطالب، وإعلاما للمستفهم، يقال: قد زارك إبراهيم فتقول: إي والله.
стр. 1382
ويقال: زرنا كثيرا، فتقول: إي لعمري.
ويقال: هل جاء محمد؟ فتقول: إي وربي
قال تعالى: ﴿ويسنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣].
فالفارق بينها وبين (نعم) إن (إي) لا تكون إلا قبل القسم، و (نعم) تكون مع القسم وغيره (١). قال برجشتراسر: و (إي) من الأصوات (٢).
جلل:
حرف بمعنى نعم، واسم بمعنى عظيم، أو يسير (٣).
جير
بفتح الجيم وكسر الراء، وقد تفتح قليلا، حرف إيجاب بمعنى: (أجل) و (نعم) وهو أكثر ما يستعمل مع القسم (٤). وقيل هي كلمة تحلف بها العرب، فتقول: جبر لأفعلن (٥).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية) أنها تقوم مقام الجملة القسمية (٦). ويبدو أن فيها توكيدًا، ولذا قامت مقام جملة القسم، والله أعلم.
стр. 1383
التعجب
التعجب له عبارات كثيرة في العربية غير منحصرة، والنحاة يقسمونه على قسمين:
١ - التعجب غير المبوب له عند النحاة، مثل قولهم (سبحان الله).
وفي الحديث (سبحان الله المؤمن لا ينجس) و (لله دره) و (يلمه مسعر حرب) و ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨]، و (ما رأيت كاليوم رجلا) و (أي رجل هو؟ ) و (قاتله الله من شاعر) و (ناهيك به رجلا) وما إلى ذلك.
وإنما لم يبوب له، لأن هذه التعبيرات لا تدل على التعجب وضعا، بل بالقرينة (١).
٢ - التعجب المبوب له، وهو عند النحاة صيغتان: ما أفعله وأفعل به، وقد بوب لهما النحاة لأنهما يطردان في كل معنى يصح التعجب منه (٢).
فهاتان الصيغتان هما للتعجب وضعا، وأما غيرهما فهو في الأصل لغير التعجب ثم نقل إلى التعجب.
والتعجب في الحقيقة له أكثر من هاتين الصيغتين المطردين، ويمكن أن نقسم عباراته على أقسام أشهرها:
١ - ما أفعله:
وهو أن تأتي بـ (ما) التي تفيد التعجب، ثم بـ (أفعل) المفتوحة الآخر، وبعدها الاسم المتعجب منه منصوبا نحو (ما أعذب الماء) وكقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ [البقرة: ١٧٥]، وقوله: ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ [عبس: ١٧].
والنحاة يحللون (ما أفعل) هذا إلى أصول متعددة بعيدة في جملتها عن معنى التعجب
стр. 1384
فأكثرهم يجعل (ما) اسما بمعنى (شيء) و (أفعل) فعلا ماضيا، والمتعجب منه مفعوله، وتقدير الكلام في (ما أحسن عبد الله) شيء أحسن عبد الله (١). أي شيء جعل عبد الله حسنا، ثم نقل إلى معنى التعجب، وانمحي معنى الجعل (٢).
وقال آخرون: أن (ما) موصولة، والجملة بعدها صلتها، والخبر محذوف، أي: الذين أحسن عبد الله موجود.
وقال آخرون: (ما) استفهامية، وما بعدها خبرها (٣).
والأقرب إلى الصواب أن يقال: أن هذه عبارة تفيد التعجب، والتعجب معلوم، ثم أن التعجب انفعال قديم في نفس البشر، والأظهر أنه وضعت له صيغته ابتداء، لأن الإنسان محتاج إلى التعبير عنه قبل كثير من التعبيرات، ولا داعي للدخول في تحليلات تفسد المعنى والذوق.
ولعل الذي ألجأهم إلى هذا هو الاعراب، فالنحاة يرون ضرورة أعراب كل تعبير، ولو الجأهم إلى مسخ التعبير وإفساده.
ونحن نرى أنه لا داعي لاعراب كل تعبير، فهناك تعبيرات لا داعي لإعرابها، بل يكتفي بوصفها وهذا منها، أو يعرب على صورة أخرى ليس فيها مثل ها التمحل (٤).
стр. 1385
أفعل التعجب:
يصاغ أفعل التعجب من كل فعل ثلاثي، تام، مثبت، متصرف، مبني للمعلوم قابل للتفاوت ليس الوصف منه على أفعل نحو (ما أسرعه) و (ما أعدله) وإذا أريد التعجب بفعل لا يصح بناؤه على أفعل، فيؤتى بمصدر ذلك الفعل مسبوقا بـ (أشد) ونحوها فتقول متعجبا من حمرة الورد مثلا (ما أشد حمرة الورد) ومن انطلاق خالد (ما أسرع انطلاق خالد) وإذا كان الفعل مبنيا للمجهول، أو منفيا يؤتى بمصدره مؤولا نحو (ما أجمل أن يكافأ المخلص) (ما أقبح ألا أساعده).
ولا شك أن الكلمة التي تسبق المصدر تحدد المقصود بتعجبك، فقولك مثلا (ما أشد حمرة الورد) يختلف عن قولك (ما أجمل) حمرة الورد يختلف عن قولك: (ما أجمل حمرة الورد) فالأولى تتعجب فيها من شدة الحمرة، والثانية تتعجب فيها من جمال حمرته، وكذلك قولك (ما أسرع انطلاقك) و (ما أكثر انطلاقك) و (ما أقل انطلاقك)
стр. 1386
فالتعجب في الأولى يكون من سرعة الانطلاق، وفي الثانية من كثرته، والأخرى من قلته، فهو ليس بمعنى واحد.
من هذا يتبين أن ما سبق المصدر من فعل تعجب لا يؤدي المعنى المأخوذ من الفعل على صيغة (أفعل) يدلك على ذلك أنك قد تسبق الفعل القابل لأن يتعجب منه، بما يخصص تعجبك، فيمكنك مثلا أن تصوغ من الفعل (مشى) على وزن أفعل للتعجب فتقول (ما أمشاه) ويمكن أن تسبق المشي أيضا بفعل تعجب يخصص تعجبك من مشيه فتقول: ما أسرع مشيه وما أحسن مشيه وما أبطأ مشيه فيكون المشي متعجبا منه، يدلك على ذلك أيضا أن قولك (ما أعدله) لا يماثل في المعنى (ما أشد عدله)، وما أحسنه لا يماثل (ما أشد حسنه) و (ما أمشاه) لا يماثل: ما أشد مشيه.
ومن هذا يتبين أنه لا يمكن أن تؤدي ايه صيغة ثانية، مؤدى بناء الفعل نفسه للتعجب.
التعجب من أمر ماض:
يؤتي بـ (كان) بين (ما) و (أفعل) للدلالة على ان الصفة المتعجب منها كانت في الماضي، نحو (ما كان أكرم خالدا) و (ما كان أعلمه بالناس).
جاء في (الكتاب): " وتقول: (ما كان أحسن زيدًا) فتذكر (كان) لتدل أنه فيما مضى (١).
وحكى (ما أصبح أبردها وما أمس أدفأها (٢).) ودخول أصبح وأمسى يفيد تعيين وقت البرد والدفء كما كان دخول (كان) لتعيين الماضي.
ما أفعلني له، وما أفعلني إليه
تقول: (ما أبغضني إليه) و (ما أحب خالدًا لبكر) و (ما أحب خالدًا إلى بكر)، فتأتي باللام إذا كان المتعجب منه فاعلا، وتأتي بإلى إذا كان المتعجب منه مفعولا.
стр. 1387
فمعنى (ما أبغضني له) أنك تبغضه، ومعنى (ما أبغضني إليه) أنه يبعضك.
وتقول: (ما أحب خالدًا لعمرو) إذا كان خالد يحب عمرا، وتقول: (ما أحب خالد لى عمرو) إذا كان عمرو يحب خالدا.
جاء في (الكتاب): " تقول (ما أبغضني له) و (ما أمقتني له) و (ما أشهاني لذلك) إنما تريد أنك ماقت، وأنه مبغوض، وأنك مشته، فإن عنيت غيرك قلت (ما أفعله) فإنما تعني به هذا المعنى، وتقول: ما أمقته وما أبغضه إلي، إنما تريد أنه مقيت، وأنه مبغض إليك، كما أنك تقول: ما أقبحه وإنما تريد أنه قبيح في عينك (١).
فإن أفهم فعل التعجب علما أو جهلا تعلق بالباء، تقول: (ما أعلمه بالشعر) و (ما أعرفه بالفقه) و (ماأجهله بالانساب).
والخلاصة أن فعل التعجب إذا كان يتعدى في الأصل إلى المفعول بنفسه، تعدى إليه الآن باللام، نحو (ما أبغض خالدًا لسالم) و (ما أضرب محمدًا لخالد) لأن الأصل أبغض خالد سالمًا، وضرب محمد خالدًا، فسالم مفعول به لأبغض، وخالد مفعول به لضرب فتعدي إليه الان باللام.
وإذا كان الفعل يفهم علما أو جهلا تعدى إلى مفعوله بالباء نحو: ما أبصره بالفقه وما أجهله بالشعر.
وإن لم يكن متعديا بنفسه بل بحرف جر، بقي ذلك الحرف نفسه، نحو: (ما أرغب خالدا في الخير) و (ما أعزه علي) و (ما أسرعه إلى العون) (٢).
٢ - أفعل به .
الصيغة الثانية من صيغ التعجب (أفعل به) (افعل) بفتح الهمزة، وكسر العين، وسكون الآخر نحو (أكرم بمحمد) قال تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [مريم: ٣٨].
стр. 1388
ويصاغ هذا البناء، من كل فعل توفرت فيه الشروط المذكورة في البناء السابق.
وقد حلل النحاة هذه العبارة كما فعلوا في (ما أفعله) فذهب أكثرهم إلى أن (أفعل) هذا فعل ماضي على صورة الأمر، والباء زائدة في الفاعل، فمعنى قولهم (أكرم بمحمد): أكرم محمد، أي: صار ذا كرم، وكأغد البعير أي: صار ذا غدة وأورقت الشجرة بمعنى صارت ذات ورق، ثم غيرت صيغة الماضي إلى صورة الأمر، فصارت (أكرم محمد) فقبح إسناد صيغة الأمر إلى الاسم الظاهر، فزيدت الباء في الفاعل (١). للدلالة على التعجب لأن الباء كثيرا ما تزاد مع المتعجب منه، نحو (كفى بالله شهيدًا)، و (ناهيك بخالد رجلا) وحسبك به شاعرًا.
وذهب الفراء والزمخشري وابن خروف إلى أن أفعل ههنا فعل أمر حقيقة، وأنه أمر لكل واحد، بأن يصفه بالصفة المذكورة، فقولك (أكرم بمحمد) أمر لكل واحد، بأن يصف محمدًا بالكرم، والباء مزيدة في المفهوم، أو هي للتعدية داخلة على المفعول به.
جاء في (المفصل): وعندي أن أسهل منه مأخذا أن يقال إنه أمر لكل أحد، بأن يجعل زيدا كريمًا، أي بأن يصفه بالكرم، والباء مزيدة مثلها في قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، للتأكيد والاختصاص، أو بأن يصيره ذا كرم والباء للتعدية، هذا أصله ثم جرى مجرى المثل، فلم يغير عن لفظ الواحد في قولك: يا رجلان أكرم بزيد، ويارجال أكرم بزيد (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " فقال الفراء وتبعه الزمخشري وابن خروف أن (أحسن) أمر لكل أحد بأن يجعل زيدا حسنا، وإنما يجعله حسنا كذلك، بأن يصفه بالحسن، فكان قيل: صفة بالحسن كيف شئت، فإن فيه كل ما يمكن أن يكون في شخص" (٣).
стр. 1389
وقد رد هذا الرأي بوجوه أهمها:
١ - أنه لو كان أمرا للزم ضميره، فلا يقال بصورة واحدة للمفرد، والمثنى والجمع المذكر، والمؤنث.
ورد هذا القول بأنه أجرى مجرى المثل، والأمثال لا تغير، ألا ترى أن (نعم) فعل ماض ولا تستند إلى ضمير رفع بارز، فلا يقال: نعمت، ولا نعموا، ولا نعمن، وكذلك (حبذا) فلا يقال: حبذي هند ولا حب أولاء؟
٢ - أنه لو كان أمرًا لم يكن الناطق به متعجبا كما لا يكون الآمر بالحلف ونحوه حالفا.
وهذا مردود بأنه لا يقصد به حقيقة الأمر، وإنما حول إلى إنشاء التعجب، كما في ألفاظ العقود والقسم، فقولك (أقسم بالله) أصله خبر تقول: (هو يقسم بالله على أقل من ذلك وأنا لا أقسم على هذا) ثم يحول القصد إلى القسم، فيكون قسمًا حقيقة نحو: (أقسم بالله أنه مخلص)، وكذلك (بعت) و (أشتريت) ونحوهما من ألفاظ العقود.
٣ - أنه لو كان مسندًا إلى ضمير المخاطب لم يله ضمير المخاطب، نحو (أحسن بك). وقد ذهب بعضهم إلى أن الضمير ليس للمخاطب، وإنما هو للمصدر المأخوذ من الفعل، ففي قولك (أحسن بك) الضمير المستتر للحسن المدلول عليه بأحسن، كأنه قيل: أحسن يا حسن بزيد أي دم به وألزمه.
وقال آخرون: الضمير المستتر في (أفعل) للمخاطب المستدعي منه التعجب.
وهذا أقوى مأخذ على هذا الرأي، إذ كيف يؤمر المخاطب بأن يصف نفسه بصفة ما بقصد التعجب؟ إلا إذا قيل أنه ليس المقصود منه أمر المخاطب حقيقة، بل هو تجوز فيقوله (أعدل بك) على معنى: صف نفسك بالعدل، كيف شئت فأنت عادل
стр. 1390
وقد ذهب الزمخشري وجماعة كما ذكرنا، إلى أنه أمر لكل أحد، بأن بصفه بالصفة المتعجب منها، ولم يقولوا هو أمر للمخاطب، والأمر ليس مقصورًا على المخاطب، بل هو قد يكون للمتكلم، نحو (لأذهب إليه) والغائب، والغائبة، وغيرهم، قال ﴿ولتنظر نفس ما قدمت لغد﴾ [الحشر: ١٨].
٤ - إنه لو كان أمرًا لوجب له من الإعلال ما وجب لأقم وابن (١).
وهذا مردود بأنه لم يحصل فيه إعلال، لئلا يلتبس بالأمر الحقيقي، وقد أهملت العرب الاعلال في موطن عديدة منعا للبس، من ذلك اسم التفضيل نحو (أسير) و (ألوم) و (وأبين) والصفة المشبهة نحو (أسود) و (أبيض)، واسم الآلة نحو (مخيط) و (مرود).
بل أن العرب تعل أحد الفعلين، ولا تعل الآخر، أمنا للبس نحو باض، وبيض، وساد وسود وعار وعور.
ومن ذلك أهمالهم الاعلال في فعل التعجب (ما أفعله) نحو ما أسيره، وما أبينه. ولو أخذنا بهذا الاعتراض لقلنا ردا على هؤلاء، أنه لو كان الفعل في (ما أفعله) فعلا ماضيا، لحصل فيه إعلال كما في أقام، وأجاد وأبان.
وقيل في تفسير هذه الصفة ايضا " أن قولك (أكرم بزيد) يفيد أن زيدًا بلغ ف الكرم إلى حيث كأنه في ذاته، صار كرما، حتى لو أردت جعل غيره كريما، فهو الذي يلصقك بمقصود: ، ويحصل لك غرضك كما أن من قال (اكتب بالقلم) فمعناه ان القلم هو الذي يلصقك بمقصودك ويحصل لك غرضك (٢).
والذي يبدو ان هذه الصيغة أمر بالمشاركة في التعجب، فالفرق بين قولك (ما أحسن محمدا) و (أحسن بمحمد) أن الأولى تعجب انفرادي يقوله المرء متعجبا من حسن
стр. 1391
محمد، وأما (أحسن بمحمد) فهو دعوة إلى التعجب من حسن محمد، فأنت تدعو غيرك ليشاركك في هذا التعجب، يدلك على ذلك تحويله إلى صورة الأمر، كما يقول الأولون أو هو أمر حقيقة، كما يقول الآخرون.
والباء في المتعجب منه قد تكون زائدة جيء بها للدلالة على التعجب، فمعنى (أكرم بمحمد) (أكرم محمدًا) أي صفة بالكرم، ولزمت الباء للدلالة على معنى التعجب، لأن الباء كثيرا ما يؤتى بها للدلالة على التعجب، وقد تكون للالصاق فقولك (أحسن بمحمد) معناه ألصق الحسن بمحمد، مرادا منه التعجب.
٣ - التعجب إلى صيغة (فَعُل) .
من صيغ التعجب ما حول من الأفعال إلى (فَعُل) بضم العين سواء كان مضموم العين أصلا كظرف، ولؤم أم محولا من ثلاثي مفتوح العين، أومكسورة، نحو فقه، وقضو، وعدل بشرط تضمينه معنى التعجب، فتقول: (قضو محمد) أي ما أقضاه و (عدل خالد) أي ما أعدله و (ظرف سعيد) أي ما أظرفه.
وذلك أن الأصل في (فَعُل) أن يدل على الطبائع والسجايا، كقبح وحسن وقد يحول الفعل إلى هذه الصيغة لأغراض متعددة، منها الدلالة على التحول في الصفات، ومعناه أن الفعل أصبح سجية في صاحبه، أو كالسجية فيه، وذلك نحو فقه، وفقه تقول (فِقه محمد المسألة) إذا فهمها، وتقول (فقُه محمد) أي صار فقيها، بمعني أنه لكثرة ممارسته الفقه اصبح الفقه له سجية أو كالسجية، وتقول (خطب خالد) بفتح الطاء إذا ألقي خطبة، فإن قلت (خطب) بضم الطاء كان المعنى أنه صار خطيبا، أي تحولت الخطابة فيه إلى سجية، فلك أن تحول كل فعل ثلاثي إلى هذه الصيغة للدلالة على تمكن الوصف في صاحبه.
ومنها الدلالة على التعجب، نحو (كرم الرجل سعيد) بمعنى (ما أكرمه) و (حسن) بمعنى (ما أحسنه) (١). قال تعالى: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ [الكهف: ٥].
стр. 1392
جاء في (الكشاف) في هذه الآية: " وكلمة بالنصب على التمييز، والرفع على الفاعلية والنصب أقوى وأبلغ، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أكبرها كلمة (١).
وقد كثر انجرار فاعل هذا الفعل المحول إلى التعجب بالباء، لأن الباء تأتي كثيرا في التعجب، نحو (أكرم به) و (كفي به) و (حسبك به) فتقول: ظرف بمحمد، وقبح بخالد بمعنى ما أظرفه وما أقبحه.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ولهذا كثر انجرار فاعل هذا الملحق بالباء وذلك لكونه بمعنى (أفعل به) نحو ظرف بزيد أي أظرف به (٢).
وجاء في (التصريح): " يجري (فعُل) المضموم العين في المدح. والذم مجري (فعل) الدال على التعجب، فلا يلزم فاعله ال أو الإضمار وهو الصحيح، وعلى هذا يجوز لك في فاعل (فعل) المذكور أن تأتي به اسما ظاهرا أو مجردًا من (أل)، وأن تجره بالباء الزائدة تشبيها بفاعل (أفعل) في التعجب، وأن تأتي به ضميرًا مطابقًا لما قبله، فالظاهر المجرد من أل نحو: (فهم زيد) حملا على: ما أفهم زيدًا، والمجرور بالباء، وهو الأكثر نحو: (حسن بزيد) حلا على أحسن بزيد، وسمع من العرب (مررت بأبيات جاد بهن أبياتا وجدن أبياتا) حكاه الكسائي بزيادة الباء في الفاعل، أولا وتجرده منها ثانيا، وأصل (جاد بهن أبياتا) جدن أبياتا من جاد الشيء، جودة إذا صار جيدًا.
ومثال الضمير المطابق ما قبله: (الزيدان كرما رجلين) و (الزيدون كرموا رجالا) حملا على ما أكرمهما رجلين، وما أكرمهم رجالا" (٣).
стр. 1393
دخول الباء على المتعجب منه:
تدخل الباء على المتعجب منه كثيرا من ذلك دخولها دخولا لازمًا بعد صيغة (أفعل) فيقال (أكرِم بخالد)، ولولا هذه الباء لم يعرف أن المقصود به التعجب، فلو قيل: أكرم خالدًا لم يكن فيه معنى التعجب، فالباء عينت أن المقصود به التعجب.
وتدخل كثيرا في صيغ اخرى من صيغ التعجب، فقد تدخل على فاعل (فعُل) المحول إلى التعجب نحو (حسن بخالد) و (كرم به) ودخولها على الفاعل في نحو هذا يدل على أن المقصود بالفعل التعجب، فإذا حذفت أحتمل الكلام التعجب وغيره.
وتدخل في فاعل (كفي) فيفيد الفعل التعجب نصًا، نحو: ﴿وكفى بالله وكيلا﴾ [الأحزاب: ٤٨] ﴿كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ [الإسراء: ١٤]، / أي ما أكفاها، ولو حذفت الباء لم يكن الفعل نصا في التعجب، فإذا قلت: (كفاك محمد) و (كفاك الماء) و (كفيك الأمر) لم يكن تعجبا، وكذا إذا قلت: (كفي الزمن واعظًا) لم يكن الفعل نصا في التعجب بل يحتمل التعجب وغيره، ونحوه قول الشاعر.
كفي الشيب والإسلام للمرء ناهيا
وهذا لا يكون في (كفى) وحدها، بل في غيرها أيضا، فيقال" نهاك بمحمد رجلا (١). على معنى التعجب.
وقد تدخل هذه الباء في أساليب أخرى تفيد التعجب، نحو (ناهيك به رجلا) و (حسبك به رجلا) فإذا قلت (حسبك درهم) لم يكن فيه معنى التعجب، وكذا إذا زدت الباء في (حسب) فقلت (بحسبك درهم) فإنه ليس تعجبا، بل هي مزيدة للتوكيد ومنه الأثر (بحسب ابن آدم من الدنيا لقيمات يقمن صلبه) فإذا دخلت على الخبر كان الكلام تعجبا نصا نحو (حسبك بخالد شاعرًا).
стр. 1394
وقد تقول: قد يفيد الكلام التعجب بدونها، نحو (ناهيك محمد) و (حسبك خالد) فنقول: قد يكون ذلك ولكن الكلام عند ذاك ليس نصا في التعجب، بل هو متحتمل للتعجب وغيره، فإذا جئت بالباء كان للتعجب نصًا.
الفرق بين فعل وما أفعل وأفعل به:
تقول: ما أكرم خالدًا، وأكرم بخالد، وكرم خالد، وكرم بخالد، فما الفرق بين هذه التعبيرات؟
أما الفرق بين: ما أكرم خالدًا، وأكرم بخالد، فقد مر.
وأما (كرم خالد) فيدل على التحول في الصفة، فالتعجب بـ (فعل) معناه أن الوصف تحول في صاحبه وتمكن منه إلى درجة يتعجب منها، فقولك (ما أحسن خالدًا) معناه أنك تتعجب من حسن خالد، وأما (حسن خالد) فمعناه أن خالدًا اتصف بالحسن، وتمكن منه الوصف إلى درجة يتعجب منها، ففي (فعُل) معنى التحول بخلاف (ما أفعل) فإن (ما أفعل) للتعجب من الأمر كما هو الآن من دون نظر إلى الماضي، أما (فعُل) فيفيد التحول إلى درجة التعجب، فالمتعجب بهذا الفعل ينظر إلى الأصل الذي بدأ منه الفعل ثم بلغ هذا المبلغ.
تقول: (ما أكبر هذه الكلمة) تصفها بالكبر الآن، فإذا قلت (كبرت كلمة) كان معناها أن هذه الكلمة قيلت، فبلغت من الكبر درجة عظيمة يتعجب منها، قال تعالى: ﴿وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ [الكهف: ٤، ٥]، أي أن هذه الكلمة خرجت من أفواههم، واتسعت وأضلت خلقا كثيرين فتعجب من هذه الكلمة كيف بلغت هذا الكبر.
ونحوه قولك: (ما أبشع هذه الفعلة) و (بشعت هذه الفعلة) فإن العبارة الأولى تصف الفعلة بالبشاعة الآن، وأما الثانية فإنها تفيد أن الفعلة أخذت بالبشاعة ازديادا حتى وصلت إلى حد فظيع يتعجب منه.
стр. 1395
فصيغة (ما أفعل) تصف الحال وصيغة (فعل) تصف تطور الحال وتحوله، يدلك على ذلك أن صيغة (فعُل) لا يزال فيها معنى الحدث، وأن الفعلية لم تنمح كما انمحت من صيغة (ما أفعل) وإن الفعل لا يزال يستند إلى فاعل مرفوع، وإنه تتصل به تاء التأنيث الساكنة، ويرفع الضمير مما يدل على أن الحدث لا يزال واضحا في هذا الفعل.
وتفيد صيغة (فعل) أيضا التعجب على وجه الاستمرار والثبات، وذلك أن (فعُل) يدل على الثبوت أصلا أو تحويلا، فقولك (ما أحسن هذا المكان) يصف المكان بالحسن في وقت تعجبك، وأما (حسن هذا المكان) فإنه يفيد التعجب من هذا الحسن، فهي حسنة على وجه الدوام قال تعالى: في وصف الجنة: ﴿حسنت مستقرا ومقامًا﴾ [الفرقان: ٧٦]. فهي حسنة على وجه الدوام، وقال يصف رفقة اهل الجنة: ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾ [النساء: ٦٩]، يصفهم بالحسن على وجه الدوام والاستمرار.
أما إذا قلت (كبر بها كلمة) و (حسن به مقاما) كانت العبارة تنصيصا على معنى التعجب وتأكيدًا له، ولا يبعد فيما أرى أن يقال إن الباء تفيد الالصاق على معنى التصق الكبر بالكلمة فهو لا يفارقها، والتصق الحسن بالمقام، تقول (صبر بمحمد) ومعناه التصق الصبر بمحمد فهو لا يفارقه، وتقول في غير هذا الباب (كفي بالزمن واعظًا) أي التصقت الكفاية بالزمن، والله أعلم.
٤ - التعجب بالنداء
يتعجب بالنداء وذلك بإدخال لام جر مفتوحة على المتعجب منه، مسبوقة بحرف النداء (يا) نحو بالماء! ياللهول! يا للعجب! يالله! يالك شاعرًا! وقد تحذف اللام فيجاء بألف في آخر المتعجب منه، فيقال: يا عجبا يا هولا والتعجب بالنداء على وجهين:
أحدهما: أن ترى أمرا عظيما فتتعجب منه بندائه، فتقول مثلا: يا للماء! إذا تعجبت من كثرته. وياللهول! إذا رأيت هولا عظيما فتتعجب من فظاعته.
стр. 1396
جاء في (شرح ابن يعيش): " وأما دخول اللام للتعجب، فنحو قولهم: (يا للماء) كأنهم رأوا عجبا وماء كثيرا، فقالوا تعال يا عجب، ويا ماء، فإنه من أبانك ووقتك، وقالوا: (يا للدواهي) أي تعالين، فإنه لا يستنكر لكن لأنه من أحيانكن (١).
والوجه الآخر أن ترى أمرًا تستعظمه، فتنادي من له نسبة إليه أو مكنة فيه، نحو يا للعلماء (٢). وذلك كأن ترى جهازًا علميًا يبهرك فتنادي العلماء للاطلاع عليه، أو تناديهم متعجبا من عملهم وصنعهم، وكأن تسمع قصيدة تهزك فتقول يا للشعراء، متعجبًا من فعلهم أو تدعوهم لسماع هذا الشعر متعجبًا منه.
والتعجب بالنداء قياس مطرد.
فإذا حذفت اللام جئت بالألف في آخره نحو: يا عجبا! يا اسفا!
والفرق بين هذه الصورة وما قبلها أن في الآخيرة مدا للصوت زيادة في التعجب وإظهاره، فإذا قلت (يا أسفا) كنت مادا صوتك بالأسف، بخلاف قولك (يا للاسف) وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يأسفى على يوسف﴾ [يوسف: ٨٤]، فإن فيه مد الصوت بالألف للدلالة على شدة الأسف وتمكنه من نفس قائله، ونحو قوله تعالى: ﴿ياويلتي ليتني لم اتخذ فلانا خليلا﴾ [الفرقان: ٢٨]، فإنه أبلغ من (يا للويل) لما في مد الصوت بالويل من دلالة على فظاعة الويل، ومثله قوله تعالى: ﴿ياويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي﴾ [المائدة: ٣١]، وهذا أشبه شيء بالندبة وما فيها من مد للصوت، إظهارا للحسرة والتوجع نحو (واعمراه) (واكبداه) ويجوز التعجب بـ (وا) (٣). نحو: (واأسفا) لما بينهما من الاقتراب.
стр. 1397
ويبدو أن التعجب بزيادة الألف في الآخر أكثر ما يكون فيما كان فيه عاطفة قوية عميقة، فيمد الصوت إظهارا لذلك نحو: يا حسرتاه يا فرحتاه، قال تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦]، وهذا مقام حسرة لا يعدلها حسرة، والله أعلم.
وقد يخلو المتعجب منه من اللام والألف، نحو (يا عجب) (١). قال تعالى: ﴿يا حسرة على العباد﴾ [يس: ٣٠]، وقال: ﴿يا ويلنا هذا يوم الدين﴾ [الصافات: ٢٠]، وقال: ﴿يا بشرى هذا غلام﴾ [يوسف: ١٩].
وهذا تعجب بالنداء أي (يا للحسرة على العباد) ومعناه: أقبلي أيتها الحسرة، فهذا أوانك.
جاء في (الكشاف): في قوله تعالى: ﴿يا حسرة على العباد﴾: " نداء للحشرة عليهم كأنما قيل لها تعالى يا حسرة، فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون، ويتلهف على حالهم المتلهفون، أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين، ويجوز أن يكون من الله تعالى على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم ومحنوها به، وفرط إنكاره له وتعجبه منه" (٢).
والتعجب بالنداء على هذه الصورة الأخيرة مستعمل في الدراجة كثيرا، نحو (يا روحي) (يا خسارة) (يا فضيحة) (يا عيوني) (يا فرحة ما دامت) (ياسلام) بمعنى يا للخسارة! يا للفضيحة، يا للفرحة التي لم تدم وهكذا، وهي تعبيرات عربية فصيحة مراد بها معنى التعجب
стр. 1398
٥ - التعجب بتعبيرات معينة .
قد يتعجب بتعبيرات معينة أشهرها:
أ - التعجب بـ (كفى) وما بمعناها .
ويكون ذلك إذا زيد على مرفوعها الباء، نحو (كفي بمحمد شاعرًا) و (كفي بالشيب واعظًا) أي يكفيك وعظ الشيب عن غيره، والمعنى: ما كافي الشيب واعظا، وما أكفي محمدًا شاعرًا.
وذهب الزجاج إلى أن الباء زيدت في فاعل (كفى) لتضمنه معنى (اكتف) (١). وهو قريب من معنى التعجب.
قال ابن هشام: " لا تزاد الباء في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ، وأغني ولا التي بمعنى (وقي) والأولى متعدية لواحد كقوله:
قيل منك يكفني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل
والثانية متعدية لاثنين، كقوله تعالى: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب: ٢٥، ] .. ووقع في شعر المتنبي زيادة الباء في فاعل (كفى) المتعدية لواحد قال:
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
ولم أر من انتقد عليه ذلك، فهذا أما لسهو عن شرط الزيادة، أو لجعلهم هذه الزيادة من قبيل الضرورة" (٢).
وقد تزاد في مفعول (كفى) المتعدية لواحد، دالة على التعجب أيضا، ومنه الحديث (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع) وقوله:
стр. 1399
فكفى بنا فضلا على ما غيرنا ... حب النبي محمد إيانا (١).
ومثل (كفى) ما هو في معناها نحو (حسبك بمحمد رجلا) و (ناهيك بخالد عالما) و (نهاك بسالم معينا) وهي قريبة المعنى من (كفى).
ب - التعجب بـ (أي) الكمالية
وذلك نحو (مررت برجل أي رجل) و (بشاعر أي شاعر) و (بخالد أي رجل) فيؤتى بـ (أي) للدلالة على وصف الشيء بالكمال في معنى من المعاني، والتعجب من حاله، وأي الكمالية لا تضاف إلا إلى نكرة، وتقع وصفا لنكرة وحالا من معرفة (٢).
قال سيبويه: " ومن النعت أيضا مررت برجل، أيما رجل، فـ (أيما) نعت للرجل في كماله وبذه غيره كأنه قال: مررت برجل كامل" (٣).
ويبدو أن أصلها الاستفهام.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " والذي يقوي عندي أن (أي رجل) لا يدل بالوضع على معنى في متبوعه بل هو منقول عن (اي) الاستفهامية، وذلك أن الاستفهامية موضوعة للسؤال عن التعيين، وذلك لا يكون إلا عند جهالة المسؤول عنه، فاستعيرت لوصف الشيء بالكمال، في معنى من المعاني والتعجب في حاله، والجامع بينهما أن الكامل البالغ غاية في الكمال، حيث يتعجب منه، يكون مجهول الحال، بحيث يحتاج إلى السؤال عنه (٤).
ج - التعجب بادخال (ربّ) على الضمير
من أساليب التعجب إدخال (ربّ) على ضمير الغائب، وتفسيره بتمييز،
стр. 1400
نحو (ربه رجلا لقيت) و (ربه امرأة لقيت) والمعنى لقيت رجلا أي رجل، أي لقيت رجلا عظيما، وهذا الضمير يكون مفردًا، مذكرًا، مفسرًا بتمييز مطابق للمعنى، فنقول: ربه رجلا، وربه امرأة، وربه رجالا وربه نساء، وهذا" يفعلونه عند إرادة تعظيم الأمر، وتفخيمه فيكنون عن الاسم قبل جري ذكره ثم يفسرونه بظاهر بعد البيان" (١).
د - لله دره
وهي عبارة استعملت في التعجب، نحو (لله دره فارسًا) و (لله دره شاعرًا) ومعنى (الدر) اللبن، ومعنى الجملة في الأصل: لله لبنه، أي أن الله سقاه لبنا خاصا، فأصبح فارسا بطلا أو شاعرا مجيدًا، ثم ضمن معنى التعجب، فأصبح يستعمل في التعجب وقريب من هذا قولهم: (لله أبوه) و (لله أنت).
هـ - التعجب بلام القسم
لا تأتي لام القسم إذا إذا أريد بها التعجب (٢)، وهي لا تدخل إلا على لفظ (الله) نحو (لله لا يؤخر الأجل) وهي مختصة بالأمور العظام (٣). وقد مر بنا ذكرها في باب القسم.
و- تعبيرات غير منحصرة تستعمل في التعجب .
وهناك تعبيرت غير منحصرة تستعمل في التعجب، وذلك كأن يخرج الاستفهام إلى التعجب، نحو: ﴿أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا﴾ [هود: ٧٢]، ونحو (سبحان الخالق المبدع) إذا تعجبت من صورة جميلة و (لا إله إلا الله) و (قاتله الله من رجل) و (العظمة لله) وما إلى ذلك.
وهي تعبيرات غير منحصرة، وإنما تكو بكل ما يؤدي معنى التعجب.
стр. 1401
المدح والذم
أستعمل العرب للمدح والذم (نعم وبئس) وما حول إلى معناهما من الأفعال، فتقول: (نعم الرجل محمود) و (بئس الرجل سالم). و (نعم) و (بئس) فعلان ولهما استعمالان:
أحدهما ان يستعملا فعلين متصرفين، مثل سائر الأفعال فيكون لهما فعل مضارع وأمر واسم فاعل، وغيرها، وهما إذ ذاك للأخبار بالنعمة والبؤس (١). تقول: (نعم الرجل بمعيشته) - بكر العين - ينعم فهو ناعم، قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ [الغاشية: ٨].
وبئس بها - بكسر العين، يبأس فهو بائس قال تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨].
والاستعمال الثاني أن يستعملا لانشاء المدح والذم، وهما في هذا الاستعمال جامدان، لا يتصرفان.
وهذا القسم الثاني هو مدار بحثنا.
تستعمل نعم وبئس للمدح العام، والذم العام، تقول (نعم الرجل محمد) و (بئس الرجل سعيد) فتكون قد مدحت محمد مدحا عامًا، وذممت سعيدًا ذما عامًا، ولم يذكر خصلة معينة من خصال المدح والذم.
قال سيبويه: " وأصل نعم وبئس، نعم وبئس، وهما الأصلان اللذان وضعا في الرداءة والصلاح، ولا يكون منهما فعل لغير هذا المعنى (٢).
стр. 1402
وقد تذكر خصلة معينة من خصال المدح والذم، إذا أردت ذلك، فتقول مثلا (نعم خطيب القوم أحمد) و (نعم شاعرًا حسان) (١).
استعمالهما في المدح والدم
لك أن تستعمل (نعم) و (بئس) في المدح والذم بعدة طرائق:
١ - أن تأتي بالفعل ثم الفاعل، ثم المخصوص بالمدح والذم، فتقول مثلا: (نعم العبد سلمان) و (نعم الصديق الكتاب) و (بئس الخلق الكذب)
٢ - أن تأتي بالمخصوص بالمدح والذم، أولا ثم تأتي بعده بالفعل والفاعل، فتقول: (محمد نعم الرجل) و (الخيانة بئس الخلق).
٣ - أن تأتي بالفعل وتضمر الفاعل، وتأتي بتمييز يفسر الفاعل، ثم تأتي بالمخصوص فتقول: (نعم رجلا محمد).
٤ - أن تبدأ بالمخصوص ثم الفعل، ثم التمييز، فتقول: (محمد نعم رجلا).
٥ - إذا كان في الكلام ما يدل على المخصوص بالمدح والذم، جاز لك أن تستغني عن ذكره وذلك كقوله تعالى: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ [الحج: ٧٨]، أي الله، وكقوله تعالى: ﴿والأرض فرشناها فنعم الماهدون﴾ [الذاريات: ٤٨]، أي نحن (٢).
ولايجوز الاكتفاء بالفعل وفاعله، من دون ذكر مخصوص أو إشارة إليه فليس لك أن تقول: (نعم الرجل) ولا (بئس الفاكهة).
стр. 1403
ف عناصر الأسلوب في المدح والذم هي:
١ - فل المدح والذم.
٢ - الفاعل.
٣ - المخصوص بالمدح والذم.
وبهذا يختلف فعل المدح والذم عن سائر الأفعال، فإن الأفعال قد تكتفي بمرفوعها وهذه لا تكتفي به، بل لابد من تعيين ممدوح أو مذموم.
عناصر أسلوب المدح والذم
١ - الفعل .
ذكرنا أن الأصل أفعال المدح والذم هما (نعم) و (بئس) فـ (نعم) للمدح العام، ويجوز تحويل كل فعل من الأفعال الثلاثية مستوفية لشروط التعجب إلى (فعل) بقصد المدح سواء كان مضموم العين أصالة كـ (شرف) و (لؤم) أم تحويلا كـ (فهم) و (قضو) بمعنى أجاد القضاء كما مر في باب التعجب، فيستعمل أستعمال (نعم) و (بئس) فيقال: (خبث الرجل سالم) و (كرم الرجل سعيد) فيكون بعد تحويله جامدًا، بعد أن كان متصرفا ولازما إن كان قبل تحويله متعديا، ومن ذلك ساء المستعمل في الذم، نحو قوله تعالى: ﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين﴾ [الصافات: ١٧٧]، وقوله: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ [الأنعام: ٣١]، فأصله (ساء يسوء) وهو فعل متصرف متعد، تقول: (ساءني هذا الأمر) و (يسوؤني ما تفعل) ثم حول إلى (فعُلَ) بقصد الذم فأصبح لازمًا جامدًا.
جاء في (الهمع): وألحق بهما: أي: بـ (نعم) في المدح، و (بئس) في الذم عملا فعل بضم العين، وضعا كلؤم، أو شرف، أو مصوغا محولا من ثلاثي مفتوح أو مكسور كعقل ونجس (١).
стр. 1404
" ومن أمثلته (ساء) .. فإنه في الأصل (سوَأ) بالفتح من السوء ضد السرور، من (ساءه الأمر يسوؤه) إذا أحزنه فهو متعد متصرف، فحول إلى (فعُل) بالضم فصار قاصرًا، ثم ضمن معنى (بئس) فصار جامدًا قاصرًا محكومًا له، ولفاعله با ذكرنا في بئس (١).
وهذا الأفعال تكون للمدح الخاص، أو للذم الخاص بخلاف (نعم) و (بئس) فإنهما للمدح العام، والذم العام فإذا قلت مثلا: (كرم الرجل سعيد) كنت مدحته بالكرم، وإذا قلت: (شرف) كنت مدحته بالشرف، وإذا قلت: (لؤم) كنت ذممته باللؤم، وإذا قلت (بخُل) كنت ذممته بالبخل (٢).
٢ - فاعل نعم وبئس .
يكون فاعل نعم وبئس على ضربين:
الضرب الأول: أن يكون اسما ظاهرا معرفا بـ (ال) أو مضافا إلى معرف بـ (أل) فمن الأول قوله (نعم الأدام الخل) وقوله تعالى: ﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ [الأنفال: ٤٠]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٤]، وما ورد بغير هاتين الصورتين قليل.
واختلف في (أل) هذه، فقال الجمهور هي للجنس، واختلف القائلون بذلك على رأيين:
أحدهما أنها للجنس حقيقة فإذا قلت (نعم الرجل خالد) كان الجنس كله ممدوحا، ثم خصصت خالدا بالذكر، فتكون قد مدحته مرتين، مرة مع عموم الجنس، ومرة أفردته بالذكر وحده.
стр. 1405
جاء في (كتاب سيبويه): " إذا قلت (عبد الله نعم الرجل) فإنما تريد أن تجعله من أمة كلهم صالح، ولم ترد أن تعرف شيئا بعينه بالصلاح بعد نعم (١).
الثاني: أنها للجنس مجازا، وذلك لأنك لم تقصد إلا مدح معين، ولكنك جعلته جميع الجنس مبالغة، فقولك (نعم الرجل خالد) معناه أن خالدًا هو الجنس كله، أي هو المتصف بصفات الرجولة الكاملة، أو اجتمع فيه ما تفرق في غيره من صفات الرجولة.
وقال آخرون: هي للعهد، واختلف هؤلاء على قولين.
الأول: كونها للعهد الذهني، أي تشير بها إلى شيئ معهود في الذهن، كما تقول: (دخلت السوق) فأنت لا تقصد به الجنس، كما لا تقصد به سوقا معينا تقدم ذكره، ونحو قولك (اشتريت اللحم) وكذلك قولك (نعم الرجل خالد) فـ (الرجل) معهود ذهني، ولا يقصد به شخص تقدم ذكره.
والقول الآخر أنها للعهد الشخصي، والمعهود هو الشخص الممدوح أو المذموم، فإذا قلت (نعم الرجل محمد) فكأنك قلت: (نعم هو) (٢).
الذي يبدو أن القول بأن (أل) تفيد الجنس أرجح، وذلك أنك تقول (نعم الفاكهة التفاح) فـ (الفاكهة) جنس عام، و (التفاح) خاص منه.
وتقول: (نعم الأدام الخل)، فالأدام عام (والخل) خاص، و (نعم الشراب الماء) فـ (الشراب) جنس عام، و (الماء) قسم منه، وخصه من بينه بالمدح فـ (أل) ههنا جنسية كما هو واضح.
ومما يدل على أن (أل) للجنس لا للعهد، أنك لا تمدح الشيء بـ (نعم) إذا لم يكن معه فرد من جنسه، فلا تقول مثلا (نعم مؤلف المفصل الزمخشري) ولا (نعم مؤلف لسان العرب ابن منظور) ولا (نعم الخارج من الجنة آدم)، ولا (نعم أبو البشر آدم).