← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

المدح والذم أستعمل العرب للمدح والذم (نعم وبئس) وما حول إلى معناهما من الأفعال، فتقول: (نعم الرجل محمود) و (بئس الرجل سالم). و (نعم) و (بئس) فعلان ولهما استعمالان: أحدهما ان يستعملا فعلين متصرفين، مثل سائر الأفعال فيكون لهما فعل مضارع وأمر واسم فاعل، وغيرها، وهما إذ ذاك للأخبار بالنعمة والبؤس (١). تقول: (نعم الرجل بمعيشته) - بكر العين - ينعم فهو ناعم، قال تعالى: ﴿وجوه يومئذ ناعمة﴾ [الغاشية: ٨]. وبئس بها - بكسر العين، يبأس فهو بائس قال تعالى: ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾ [الحج: ٢٨]. والاستعمال الثاني أن يستعملا لانشاء المدح والذم، وهما في هذا الاستعمال جامدان، لا يتصرفان. وهذا القسم الثاني هو مدار بحثنا. تستعمل نعم وبئس للمدح العام، والذم العام، تقول (نعم الرجل محمد) و (بئس الرجل سعيد) فتكون قد مدحت محمد مدحا عامًا، وذممت سعيدًا ذما عامًا، ولم يذكر خصلة معينة من خصال المدح والذم. قال سيبويه: " وأصل نعم وبئس، نعم وبئس، وهما الأصلان اللذان وضعا في الرداءة والصلاح، ولا يكون منهما فعل لغير هذا المعنى (٢).

стр. 1402

وقد تذكر خصلة معينة من خصال المدح والذم، إذا أردت ذلك، فتقول مثلا (نعم خطيب القوم أحمد) و (نعم شاعرًا حسان) (١). استعمالهما في المدح والدم لك أن تستعمل (نعم) و (بئس) في المدح والذم بعدة طرائق: ١ - أن تأتي بالفعل ثم الفاعل، ثم المخصوص بالمدح والذم، فتقول مثلا: (نعم العبد سلمان) و (نعم الصديق الكتاب) و (بئس الخلق الكذب) ٢ - أن تأتي بالمخصوص بالمدح والذم، أولا ثم تأتي بعده بالفعل والفاعل، فتقول: (محمد نعم الرجل) و (الخيانة بئس الخلق). ٣ - أن تأتي بالفعل وتضمر الفاعل، وتأتي بتمييز يفسر الفاعل، ثم تأتي بالمخصوص فتقول: (نعم رجلا محمد). ٤ - أن تبدأ بالمخصوص ثم الفعل، ثم التمييز، فتقول: (محمد نعم رجلا). ٥ - إذا كان في الكلام ما يدل على المخصوص بالمدح والذم، جاز لك أن تستغني عن ذكره وذلك كقوله تعالى: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ [الحج: ٧٨]، أي الله، وكقوله تعالى: ﴿والأرض فرشناها فنعم الماهدون﴾ [الذاريات: ٤٨]، أي نحن (٢). ولايجوز الاكتفاء بالفعل وفاعله، من دون ذكر مخصوص أو إشارة إليه فليس لك أن تقول: (نعم الرجل) ولا (بئس الفاكهة).

стр. 1403

ف عناصر الأسلوب في المدح والذم هي: ١ - فل المدح والذم. ٢ - الفاعل. ٣ - المخصوص بالمدح والذم. وبهذا يختلف فعل المدح والذم عن سائر الأفعال، فإن الأفعال قد تكتفي بمرفوعها وهذه لا تكتفي به، بل لابد من تعيين ممدوح أو مذموم. عناصر أسلوب المدح والذم ١ - الفعل . ذكرنا أن الأصل أفعال المدح والذم هما (نعم) و (بئس) فـ (نعم) للمدح العام، ويجوز تحويل كل فعل من الأفعال الثلاثية مستوفية لشروط التعجب إلى (فعل) بقصد المدح سواء كان مضموم العين أصالة كـ (شرف) و (لؤم) أم تحويلا كـ (فهم) و (قضو) بمعنى أجاد القضاء كما مر في باب التعجب، فيستعمل أستعمال (نعم) و (بئس) فيقال: (خبث الرجل سالم) و (كرم الرجل سعيد) فيكون بعد تحويله جامدًا، بعد أن كان متصرفا ولازما إن كان قبل تحويله متعديا، ومن ذلك ساء المستعمل في الذم، نحو قوله تعالى: ﴿فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين﴾ [الصافات: ١٧٧]، وقوله: ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ [الأنعام: ٣١]، فأصله (ساء يسوء) وهو فعل متصرف متعد، تقول: (ساءني هذا الأمر) و (يسوؤني ما تفعل) ثم حول إلى (فعُلَ) بقصد الذم فأصبح لازمًا جامدًا. جاء في (الهمع): وألحق بهما: أي: بـ (نعم) في المدح، و (بئس) في الذم عملا فعل بضم العين، وضعا كلؤم، أو شرف، أو مصوغا محولا من ثلاثي مفتوح أو مكسور كعقل ونجس (١).

стр. 1404

" ومن أمثلته (ساء) .. فإنه في الأصل (سوَأ) بالفتح من السوء ضد السرور، من (ساءه الأمر يسوؤه) إذا أحزنه فهو متعد متصرف، فحول إلى (فعُل) بالضم فصار قاصرًا، ثم ضمن معنى (بئس) فصار جامدًا قاصرًا محكومًا له، ولفاعله با ذكرنا في بئس (١). وهذا الأفعال تكون للمدح الخاص، أو للذم الخاص بخلاف (نعم) و (بئس) فإنهما للمدح العام، والذم العام فإذا قلت مثلا: (كرم الرجل سعيد) كنت مدحته بالكرم، وإذا قلت: (شرف) كنت مدحته بالشرف، وإذا قلت: (لؤم) كنت ذممته باللؤم، وإذا قلت (بخُل) كنت ذممته بالبخل (٢). ٢ - فاعل نعم وبئس . يكون فاعل نعم وبئس على ضربين: الضرب الأول: أن يكون اسما ظاهرا معرفا بـ (ال) أو مضافا إلى معرف بـ (أل) فمن الأول قوله (نعم الأدام الخل) وقوله تعالى: ﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ [الأنفال: ٤٠]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٤]، وما ورد بغير هاتين الصورتين قليل. واختلف في (أل) هذه، فقال الجمهور هي للجنس، واختلف القائلون بذلك على رأيين: أحدهما أنها للجنس حقيقة فإذا قلت (نعم الرجل خالد) كان الجنس كله ممدوحا، ثم خصصت خالدا بالذكر، فتكون قد مدحته مرتين، مرة مع عموم الجنس، ومرة أفردته بالذكر وحده.

стр. 1405

جاء في (كتاب سيبويه): " إذا قلت (عبد الله نعم الرجل) فإنما تريد أن تجعله من أمة كلهم صالح، ولم ترد أن تعرف شيئا بعينه بالصلاح بعد نعم (١). الثاني: أنها للجنس مجازا، وذلك لأنك لم تقصد إلا مدح معين، ولكنك جعلته جميع الجنس مبالغة، فقولك (نعم الرجل خالد) معناه أن خالدًا هو الجنس كله، أي هو المتصف بصفات الرجولة الكاملة، أو اجتمع فيه ما تفرق في غيره من صفات الرجولة. وقال آخرون: هي للعهد، واختلف هؤلاء على قولين. الأول: كونها للعهد الذهني، أي تشير بها إلى شيئ معهود في الذهن، كما تقول: (دخلت السوق) فأنت لا تقصد به الجنس، كما لا تقصد به سوقا معينا تقدم ذكره، ونحو قولك (اشتريت اللحم) وكذلك قولك (نعم الرجل خالد) فـ (الرجل) معهود ذهني، ولا يقصد به شخص تقدم ذكره. والقول الآخر أنها للعهد الشخصي، والمعهود هو الشخص الممدوح أو المذموم، فإذا قلت (نعم الرجل محمد) فكأنك قلت: (نعم هو) (٢). الذي يبدو أن القول بأن (أل) تفيد الجنس أرجح، وذلك أنك تقول (نعم الفاكهة التفاح) فـ (الفاكهة) جنس عام، و (التفاح) خاص منه. وتقول: (نعم الأدام الخل)، فالأدام عام (والخل) خاص، و (نعم الشراب الماء) فـ (الشراب) جنس عام، و (الماء) قسم منه، وخصه من بينه بالمدح فـ (أل) ههنا جنسية كما هو واضح. ومما يدل على أن (أل) للجنس لا للعهد، أنك لا تمدح الشيء بـ (نعم) إذا لم يكن معه فرد من جنسه، فلا تقول مثلا (نعم مؤلف المفصل الزمخشري) ولا (نعم مؤلف لسان العرب ابن منظور) ولا (نعم الخارج من الجنة آدم)، ولا (نعم أبو البشر آدم).

стр. 1406

لأن مؤلف المفصل واحد هو الزمخشري، ومؤلف لسان العرب واحد هو ابن منظور، لكن يصح أن تقول: (نعم المؤلف الزمخشري) لأن المؤلف جنس، ولا يصح كذلك أن تقول: (نعم الخليفة بعد أبي بكر عمر) لأن الخليفة بعد أبي بكر واحد، ولكنك تقول (نعم الخليفة عمر، ولا تقول: (نعم الرشيد هرون) ولا (نعم الجاحظ عمرو بن بحر) ولا (نعم المبرد محمد بن يزيد) ألا إذا قصدت الوصف، وكان المقصود بالرشيد من اتصف بالرشد، والمقصود بالجاحظ من اتصف الجحظ، عمومًا وبالمبرد من اتصف بالتبريد. ثم ألا ترى أنك لا تقول (نعم الهلال هذا) ولا (نعمت الشمس هذه) لأن ليس هناك جنس تخصه من بينها، إلا إذا أردت مدح حال من أحوالها كأن تكون الشمس مشرقة، أو دافئة ونحو ذلك. فاتضح بهذا أن فاعل (نعم)، و (بئس) جنس، و (آل) فيه جنسية، وأما المخصوص بالمدح والذم فقد يكون فرعا من هذا الجنس، وقد يكون فردًا تقول: (بئس الحيوان الذئب)، فأنت ذممت جنس الذئب من بين جنس الحيوان، فـ (الحيوان) عام، و (الذئب) خاص منه، وتقول (بئس الرجال عبيد الشهوات) فـ (الرجال) جنس عام، و (عبيد الشهوات) جزء منهم، وتقول (نعم العبد خالد) فـ (العبد) عام و (خالد) واحد من هذا الجنس. فتبين من هذا أن الفاعل أعم من المخصوص دائما وليس العكس فلا تقول (نعم الماء الشراء) ولا (بئس الذئب الحيوان). وليس المقصود من هذا التعبير أنك تمدح الجنس كله، ثم تخص فردا أو قسما منه بالذكر فتكون قد مدحته مرتين، ولا المقصود اجتماع خصال الجنس في الممدوح، فيكون هو الجنس مبالغة، وإنما المقصود تخصيص شيء من بين الجنس بالمدح، فقولك (نعم الشراب الماء) ليس المقصود منه أنك تمدح الشراب كله، ثم تخص الماء منه بالذكر فتكون قد مدحته مرتين، وإنما المقصود أن تمدح الماء من بين الشراب، وكذلك قولك (نعم الرجل خالد) فليس المقصود منه مدح الجنس كله وتخصيص خالد بالذكر

стр. 1407

ولا المقصود اجتماع خصال الجنس فيه وإنما المقصود تخصيص خالد بالمدلح من بين أفراد الجنس، ولو كان المعنى على ما قاله الأولون لتناقض القولان (نعم الرجل محمد) و (بئس الرجل خالد) فإنك في الأولى مدحت جنس الرجال كله، ثم خصصت محمدًا منهم بالذكر، وفي الثانية ذممت الرجال كلهم وخصصت خالدا منهم بالذم فتكون قد مدحت الجنس مرة، وذممته مرة أخرى، ونحوه قولك: (نعمت التفاحة هذه) و (بئس التفاحة هذه) فمرة تكون مدحت الجنس كله، ومرة تكون ذممت الجنس كله، ومثله (نعن الخلق الصدق) و (بئس الخلق الكذب) فتكون مرة مدحت الخلق ومرة ذممته. ثم أنك على هذا تدخل في المدح مالا خير فيه من الجنس، وتدخل في الذم مالا سوء فيه فيدخل في قولك (بئس الرجال خالد) ذم الأنبياء والرسل، ويدخل في قولك (نعم الشراب الماء) و (نعم الطعام اللحم) مدح الغسلين، والغساق والزقوم، وما شاكله من طعام أهل النار، وشرابهم مما ليس فيه شيء يمدح. فهذا التفسير غير صحيح فيما أحسب، وكذلك التفسير الثاني وهو اجتماع خصال الجنس في شيء واحد، فهذا لا يصح أيضا، ألا ترى أنه في قولك: (بئس الخلق الظن) لا يصح أن يقال اجتمع في الظن كل الخلق، السيء، وإنما المقصود كما ذكرت أنك تمدح شيئا تخصه من بين جنسه أو تذمه. والضرب الثاني من فاعل نعم أن يكون ضميرا مستترا، مفسرا بتمييز مطابق للمعنى، نحو (نعم رجلا خالد) و (نعم رجالا أنتم) قال تعالى: ﴿بئس للظالمين بدلا﴾ [الكهف: ٥٠]، ولا يجوز أن يكون المرفوع فاعلا لـ (نعم)، إذ لو كان كذلك ما صح أن يقال (نعم رجلا أنت) بل لاتصل بالفعل، لأنه لا يصح أن يقال (طاب نفسا أنت) بل يقال (طبت نفسا) ولأن المرفوع يدخل عليه الناسخ نحو (نعم رجلا كان محمد) (١). ولو كان فاعلا لم يدخل عليه ناسخ، وتقدير الكلام (نعم الرجل رجلا أنت) ولا يجتمع الفاعل والتمييز معا وقد اجتمعا قليلا ومن ذلك قوله:

стр. 1408

نعم الفتاة فتاة هند لو بذلت ... رد التحية نطقا أو بإيماء ومن النثر ماحكي من كلامهم (نعم القتيل قتيلا، أصلح بين بكر وتغلب) (١). ويدل إضمار الفاعل وتفسيره بالتمييز على أن الفعل خرج من الخبر إلى معنى آخر، كالتعجب أو إنشاء المدح والذم، تقول (حسن شعرًا قاله محمد) و (فشلت خطة وضعها سالم) فهذا يفيد التعجب، بمعنى (ما أحسن شعرًا قاله محمد) و (ما أفشل خطة وضعها سالم) أو يفيد إنشاء المدح والذم، ولا يفيد الأخبار بحسن الشعر، وفشل الخطة ولو صرحت بالفاعل بدل التمييز، فقلت (حسن شعر قاله محمد) و (فشلت خطة وضعها سالم) لاحتمل أن يكون إخبارا بذلك، أي يكون إخبارا بأن شعرًا قاله محمد قد حسن، وإن خطه وضعها سالم قد فشلت واحتمل المعنى الأول أيضا. فالتمييز الذي يفسر الفاعل، ينقل الفعل من دلالة الأخبار، إلى دلالة الإنشاء. وقد مر شيء من هذا في باب الفاعل. نعما وبئسما: تتصل بـ (نعم) و (بئس) (ما) فيقال: (نعم ما) و (بئس ما) وقد تدغم ميم (نعم) في ميم (ما) فيقال: (نعما) قال الله تعالى: ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾ [النساء: ٥٨]، وقال: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ [البقرة: ٩٠]، وقال: ﴿بئسما يأمركم به إيمانكم﴾ [البقرة: ٩٣]. واختلف في (ما) هذه على قولين: الأول: أنها تمييز بمعنى (شيء)، فقوله تعالى: ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾ معناه: نعم شيئا يعظكم به.

стр. 1409

والآخر أنها فاعل، وهي اسم موصول، أو معرفة تامة بمعنى الشيء، أي: نعم الشيء يعظكم به. وعلى آية حال فإن (ما) كلمة مبهمة يؤتى بها لأغراض متعددة فقد يكون الغرض من الاتيان بها الابهام على السامع، نحو أن تقول: (بئسما فعلت) فلا تذكر ما فعل، لأنك لا تريد أن يعلم أحد بما فعل عدا المخاطب. أو قد يكون الأمر معلومًا، فلا تريد أن تعيد ذكره فتكتفي بالإشارة إليه. أو قد يكون ذكره يتطلب كلاما كثيرا، فلا تريد أن تطيل الكلام به، بل توجز القول بوضح كلمة (ما) وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إن الله نعما يعظكم به﴾ [النساء: ٥٨]، ولم يعد الوعظ ليجعله فاعلا لـ (نعم)، بل جاء بـ (ما) للدلالة على أن كل ما يعظ به ربنا ممدوح. ٣ - المخصوص بالمدح والذم . يؤتى بالمخصوص بالمدح والذم مرفوعا بعد الفعل، وفاعله، أو بعد التمييز إن وجد فيقال: (نعم الرجل خالد) و (نعم رجلا خالد) وقد يؤتى به مقدمًا على الفعل فتقول: (خالد نعم الرجل)، وقد يحذف للدلالة عليه كقوله تعالى: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي، هو وقوله: ﴿ولقد نادينا نوح فلنعم المجيبون﴾ [الصافات: ٧٥]، أي: نحن. وقد اختلف في إعراب المخصوص بالدح والذم، على ثلاثة أوجه. ١ - أنه مبتدأ خبره ما قبله. ٢ - أنه خبر لمبتدأ محذوف وجوبا، تقديره (هو) أي الممدوح أو المذموم. ٣ - أنه بدل من الفاعل (١).

стр. 1410

والراجح الأول، لأنه لا يختلف إعرابه تقدم أو تأخر، فإذا قلت (نعم الرجل محمد) أو (محمد نعم الرجل) كان إعرابه واحدًا. ولأنه تدخل عليه النواسخ مقدمًا ومؤخرا، فتقول: (نعم الرجل كان محمد) و (كان محمد نعم الرجل) فـ (محمد) اسم (كان) و (نعم الرجل) خبرها تقدم أو تأخر، واسم كان مبتدأ في الأصل فدل ذلك على أن المخصوص مبتدأ، ولو كان المخصوص خبرا لانتصب بـ (كان) بل لم تدخل عليه (كان) لأنها لا تدخل على المبتدأ اللازم الحذف (١). وتقول: (نعم الرجل ظننتك) و (ظننتك نعم الرجل) قال (٢). يمينا لنعم السيدان وجدتما ... على كل حال من سحيل ومبرم وأصل الكلام (لنعم السيدان أنتما) ثم أدخل عليه الفعل الناسخ (وجد) مبنيا للمجهول فارتفع الضمير على انه نائب فاعل، وهذا يدل على أن الضمير كان مبتدأ، وذلك أنك تقول (ظننت محمدًا قادمًا) فـ (محمد) في الأصل مبتدأ، فإذا بنيته للمجهول جعلت المفعول الأول نائب فاعل، وأبقيت الفعول الثاني منصوبا، فتقول (ظن محمد قادمًا) فدل ذلك على أن الضمير في البيت، وهو المخصوص كان في الأصل مبتدأ. وبذلك يرد قول من قال إنه بدل، فلو كان بدلا لم تدخل عليه النواسخ، ثم أنه " لازم وليس البدل بلازم" (٣). حبذا من أفعال المدح (حبذا) تقول: (حبذا خالد) وهذه الكلمة مركبة من (حب) و (ذا) و (حب) فعل متصرف في الأصل، تقول (حبه يحبه حبا)، وتقول: (حب إلي هذا الشيء حبا وحببه إلي جعلني أحبه) (٤).

стр. 1411

وحبذا الأمر أي هو حبيب (١). جاء في (الهمع): " أن (حبذا) "كنعم في العمل وفي المعنى، مع زيادة أن الممدوح بها محبوب للقلب، و (حبذا) وأصله حبب بالضم أي صار حبيبا لا من حبب بالفتح ثم أدغم فصار حب" (٢). وجاء في (شرح ابن يعيش) " اعلم أن (حبذا) تقارب في المعنى (نعم) لأنها للمدح كما أن نعم كذلك، إلا أن حبذا تفضلها بأن فيها تقريبا للمذكور من القلب، وليس كذلك نعم .. و (حب) فعل متصرف لقوله منه: حبه حبه .. ولما نقل إلى فُعل لأجل المدح والمبالغة كما قالوا، قضوا الرجل ورمو إذا أحذق القضاء، وأجاد الرمي منع التصرف لمضارعته بما فيه من المبالغة والمدح باب التعجب و (نعم) و (بئس) و (حبذا) لزم طريقة واحدة وهو لفظ الماضي وفاعله (ذا) وهو من أسماء الإشارة (٣). وإما (ذا) فهو إسم إشارة، قيل جيء به ليدل على الحضور في القلب (٤). وقيل خلع منه الإشارة لغرض الإبهام فـ (حبذا) بمعنى: حب الشيء وقيل: (ذا) زائدة (٥). وقيل غير ذلك. و(ذا) هذا لا يتصرف ولا يتغير، بل هو بلفظ الأفراد والتذكير، أيا كان المخصوص فتقول: (حبذا أحمد)، و (حبذا عائشة) و (حبذا الرجلان القادمان) و (حبذا الرجال القادمون) وقد تركبت هاتان اللفظتان، فأصبحتا لفظة واحدة. تفيد المدح، وتدل على أن الممدوح قريب من القلب، فإذا أردت الذم قلت: (لا حبذا).

стр. 1412

إن طريقة التعبير بهذه اللفظة محددة، ليس لك العدول عنها، فلابد أن تأتي بالفعل (حب) فـ (إذا) ثم المخصوص، وليس لك أن تفصل بين حب وذا، فلا تقول: حب اليوم ذا خالد، وليس لك أن تقدم المخصوص، فلا تقول (خالد حبذا) وليس لك أن تؤنث الفعل أو تثنية أو تجمعه، كما أنه ليس لك أن تغير (ذا) فلا تؤنثه ولا تثنيه، ولا تجمعه فهو أشبه شيء بالمثل كما يقول النحاة (١). إن هذه اللفظة لفظة مركبة فقد فيها كل من عصري التركيب خصائصه، فليس في (حب) خصائص الفعل، ولا في (ذا) خصائص اسم الإشارة وذلك أنه: ١ - لا يجوز تأنيث (حب) إذا كان المخصوص مؤنثا، فلا تقول: حبت ذي هند. ٢ - تدخل عليه (لا) النافية إذا أردت الذم فتقول (لا حبذا) و (لا) النافية لا تدخل على الفعل الماضي، إلا إذا تكرر أو أريد به الدعاء، ولا تدخل على فعل جامد، وهذا فعل ماض جامد ومع ذلك قد دخلت عليه (لا). ٣ - إن اسم الإشارة (ذا) لا يتغير بتغير المخصوص، فلا يؤنث، ولا يثني، ولا يجمع. ٤ - لا يفصل بين الفعل و (ذا). من هذا يتبين أن (حب) و (ذا) كلمتان تركبتا لإفادة المدح، ويؤتى بالمخصوص بعدهما. المخصوص بالمدح: يؤتى بالمخصوص بعد حبذا نحو قوله: يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا

стр. 1413

ولا يجوز أن يتقدم المخصوص على الفعل، فلا تقول (محمد حبذا) كما لا يجوز أن يدخل عليه فعل ناسخ، فلا تقول (بحذا كان محمد) كما يقال؛ (نعم الرجل كان محمد) (١). وقد يستغني عنه إذا دل عليه دليل نحو قوله: ألا حبذا لولا الحياء وربما ... منحت الهوى من ليس بالمقارب وقوله: فحبذا ربا وحب دينا ويجوز أن يقع اسم الإشارة فيقال: (حبذا هذا القادم) و (حبذا هذا المسافر). قال: فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل وقال: ألا حبذا يا عز ذاك التساتر ((٢). وهذا يدل على أن (ذا) خلع عنها معنى الإشارة، إذا لو كانت باقية على معنى الإشارة لكان التعبير ضعيفا سمجا. وقد يؤتى قب المخصوص، أو بعده، باسم نكرة منصوب مطابق له في المعنى نحو: (حبذا رجلين الخالدان) و (حبذا الخالدان رجلين)، وقد اختلف في هذا الإسم النكرة فقيل: هو تمييز مطلقا وقيل: حال مطلقا: إن كان مشتقا فهو حال، وإن كان جامدًا فهو تمييز، وقال أبو حيان: " المشتق إن أريد تقيد المدح به حال. وغيره وهو الجامد. والمشتق الذي لم يرد به ذلك، بل تبيين حسن المبالغ في مدحه تمييز.

стр. 1414

مثال الأول ولا يصح دخول (من) عليه (حب ذا هند مواصلة) أي في حال مواصلتها. والثاني: وتدخل عليه (من): حبذا زيد راكبا" (١). والحق أنه بحسب المعنى، فقد يكون تمييزا وقد يكون حالا، وليس للجمود والإشتقاق دخل في ذلك. تقول: (حبذا الماء باردا) وقيل: (حبذا المال مبذولا بلا سرف) فهذا حال ولا يصح أن يكون تمييزا بحال. وتقول: (حبذا ذهنك سوارًا) و (حبذا قمحك خبزا) و (حبذا تارك رمادا) فالمنصوب ههنا حال وإن كان جامدًا لأن المقصود أن الأمر محبوب في هذه الحال. وتقول: (حبذا أخوك رجلا) و (حبذا هند امرأة) وهذا تمييز، وقد تدخل عليه (من): حبذا أخوك من رجل قال: ياحبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا وقد يحتمل في بعض التعبيرات، الحالية والتمييز، فإن أردت تقييد المدح به فهو حال، وإن لم ترد كان تمييزا وذلك نحو (حبذا أخوك راكبًا) فإذا أردت أن تمدحه في حال ركوبه كان حالا، وإن لم ترد تقييد المدح في حال الركوب، كان تمييزا على معنى (حبذا أخوك من راكب) أي هو راكب جيد، ونحوه (حبذا خالد أبا) فإن أردت مدحه في حال أبوته كان خالا، وإذا أردت أنه أب جيد، أي حبذا هو من أب، كان تمييزا. حب: قد تفرد (حب) عن (ذا) فتقول: حب خالد، وحب الشعر. وهذا من باب تحويل الأفعال إلى (فعُل) بقصد المدح، نحو بلغ، وعظم ويجوز عند ذاك فتح حائها وضمها، فتقول: (حب سعيد) و (حُب سعيد) بفتح الحاء وضمها أما إذا ركبت فلا يجوز فيها إلا الفتح (٢).

стр. 1415

ويجوز جر فاعلها بالباء الزائدة تشبيها بفاعل أفعِل في التعجب، تقول: " حب بفلان أي ما أحبه" (١). قال الشاعر: فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل وقال: حب بالزور الذي لا يرى ... منه إلا صفحة أو لمام (٢). أي أحبب بالزور والخلاصة: إنه إذا أفرد الفعل (حب) من (ذا) جاز فيه فتح حائه وضمها وجاز فيه جر فاعله بالباء الزائدة وعدمه أما إذا ركبت، فلا يجوز فيه إلا فتح الحاء، ولا يجوز جر فاعله بالباء الزائدة. وإن الجر بالباء الزائدة يفيد التعجب، وعدم الجر يحتمل المدح ويحتمل التعجب، كما سبق تقرير ذلك في مكانه.

стр. 1416

اسم التفضيل يفاضل بين الشيئين أو الأشياء باسم التفضيل الذي يصاغ على وزن (أفعل) بشروط معينة (١). نحو (أكرم) و (أحسن) وقد سقطت الهمزة من كلمتي (خير وشر) والأصل: أخير وأشر، قال تعالى: ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١٢]، وقيل في (أحب) (حب) قليلا. ويدل اسم التفضل على الزيادة في أصل الفعل غالبا (٢). ولا يخلو المفضل عليه من مشاركة المفضل في المعنى في الغالب، كقولك: (خالد أفضل من عباس) فإن في كليهما فضلا، غير أن خالدًا يزيد فضله على فضل عباس، ومثله قولك (سيبويه أنحى من الكسائي) " فالكسائي مشارك لسيبويه في النحو، وإن كان سيبويه قد زاد عليه في النحو" (٣). وقد تكون المشاركة تقديرية لا حقيقة، وليس ثمة مشاركة بين المفضل عليه في أصل الوصف كقول القائل، وقد خير بين أن يقتل بالسيف، أو أن يحرق بالنار (لأن أقتل بالسيف أحب إلي من أن أحرق بالنار) وليس في أحدهما استحباب حقيقة، ولكنه اختيار شيء مكروه على شيء أكره إليه، يعني أنه إذا كان لابد من اختيار إحدى التقلتين فتلك أحب إلي أو أقل بغضا إلي. جاء في (الهمع): (والمراد بقولنا ولو تقديرا مشاركته بوجه ما، كقولهم في البغيضين): (هذا أحسن من هذا) وفي الشريرين: (هذا خير من هذا) وفي الصبعبين (هذا أهون من هذا) وفي القبيحين (هذا أحسن من هذا) وفي التنزيل: ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه﴾ [يوسف: ٣٣].

стр. 1417

وتأويل ذلك: هذا أقل بغضا وأقل شرًا وأهون صعوبة وأقل قبحًا (١). قال تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا وأحسن مقيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]، وليس ثمة اشتراك في الخير بين المستقرين، فليس عند أصحاب النار خير، بل هو شر محض. ومن هذا القبيل ما يستعمل في التهكم نحو قولك (هو أخطب من الأخرس) و (هو أنطق من الجدار وأعلم من الحمار) فليس ثمة مشاركة بين المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف، ولكنه يراد بذلك التهكم لأنه يعلم أن الصفة منتفية عن المفضل عليه أصلا. جاء في (شرح الكافية) للرضي: " ويقال في التهكم (أنت أعلم من الحمار) فكأنك قلت: أن أمكن أن يكون للحمار علم فأنت مثله مع زيادة، وليس المقصود بيان الزيادة بل الغرض التشريك بينهما في شيء معلوم انتفاؤه عن الحمار" (٢). وقد يكون التفضيل على وجه آخر، وهو أن تفضل شيئا في كمال اتصافه بصفته على شيء آخر متصف بصفة أخرى، مغايرة لتلك الصفة كقولهم (العسل أحلى من الخل) وليس الخل مشاركًا للعسل في الحلاوة، وإنما المعنى أن اتصاف العسل بالحلاوة أكثر من اتصاف الخل بالحموضة، ومنه قولهم (الصيف أحر من الشتاء) أي أن اتصاف الصيف بالحرارة أشد من اتصاف الشتاء بالبرودة. جاء في (كليات أبي البقاء): " وقد يستعمل (أفعل) لبيان الكمال والزيادة في وصفه الخاص، وإن لم يكن الوصف الذي هو الأصل مشتركا، وعليه قولهم (الصيف احر من الشتاء) أي الصيف أكمل في حرارته من الشتاء في برودته (٣).

стр. 1418

قالوا وقد يأتي اسم التفضيل لغير قصد المفاضلة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه﴾ [الروم: ٢٧]، " فإنما تأويله وهو عليه هين لأنه لا يقال: شيء أهون عليه من شيء" (١). وأرى أن في هذا مفاضلة أيضا، وذلك لأن الإعادة أسهل من الابتداء، بالنسبة إلى عقولنا، وأن لم يكن شيء أهون من شيء عليه سبحانه غير أن الكلام جاء على سبيل المحاجة فإنهم كانوا يستبعدون البعث حتى قال قائلهم: ﴿من يحي العظام وهي رميم﴾ [يس: ٧٨]، فقال لهم إن الإعادة أسهل من البدء، فهو الذي بدأ الخلق وإعادته أهون وأيسر في حكم العقل، فلماذا تستبعدون البعث بعد الموت؟ قالوا وقد يقصد باسم التفضيل " تجاوز صاحبه وتباعده عن الغير في الفعل، لا بمعنى تفضيله بالنسبة إليه بعد المشاركة في أصل الفعل، بل بمعنى أن صاحبه متباعد في أصل الفعل متزايد إلى كماله فيه على وجه الاختصار فيحصل كمال التفضيل (٢). وهذا الكلام فيه حق فإن اسم التفضيل قد يستعمل لا لتفضيل شيء على شيء آخر معين، بل قد يراد به مجرد الزيادة في أصل الوصف، وذلك كقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فليس المقصود هنا التفضيل على شيء معين، بل المقصود أن يقربوا مال اليتيم بمزيد الحسن، ومثله قوله تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ [الإسراء: ٥٣]، وقوله: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وقوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ [النحل: ١٢٥]، فإن المراد من كل ذلك الزيادة في الحسن. ولا يمتنع تقدير مفضل عليه، كأن تقول (وجادلهم بالتي هي أحسن من غيرها) ونحو ذلك، غير أن ما ذكرناه أظهر وأوضح، والله أعلم.

стр. 1419

ومما جاء في التفضيل قولهم: (هو أعقل من أن يكذب) و (هو أعلم من أن يجهل) و (أنت أكرم على من أن أضربك) و (هو أبخل من أن يجود). وظاهر هذا التعبير مشكل لأننا إذا أولنا أن والفعل بالمصدر، صار الكلام (هو أعقل من الكذب، وأعلم من الجهل، وأكرم من الضرب، وأبخل من الجود)، ولا معنى له، وقد قدر له سيبويه مضافا محذوفا هو (صاحب) فالمعنى عنده (أنت أكرم من صاحب الضرب) و (أنت أحلم من صاحب الجهل). جاء في (كتاب سيبويه): " ومثله في السعة: (أنت أكرم علي من أن أضربك) و (أنت أنكد من أن تتركه) إنما تريد أنت أكرم علي من صاحب الضرب، وأنت أنكد من صاحب تركه، لأن قولك (أن أضربك وأن تتركه) هو الضرب، والترك لأن (أن) اسم (وتتركه وأضربك) من صلته كما تقول: يسؤوني أن أضربك، أي يسؤوني ضربك، وليس يريد أكرم علي من الضرب ولكن أكرم علي من الذي أوقع به الضرب (١). وهو بعيد لأن قولك (هو أحلم من صاحب الجهل) أو (أحلم من صاحب جهله) و (أعقل من صاحب الكذب) و (أبخل من صاحب الجود) لا يعطي المعنى المراد كما أنه لا مدح فيه فهو تفضيل على الناقص. وقيل المقصود بالمصدر الوصف فالمقصود بقولك (أنت أكرم علي من أن أضربك) أنت أكرم علي من المضروب، وكذلك: (أنت أحلم من الجاهل) و (أعقل كم الكاذب) و (أبخل من الجواد) وهو تفضيل على الناقص أيضا (٢). في غير الأخيرة ولا يؤدي المعنى. والمقصود من هذا التعبير بعد المفضل عن الشيء المذكور بسبب وصفه، فقولك (أنت أعقل من أن تكذب) معناه أنت بعيد من الكذب بسبب عقلك، وقولك (أنت أحلم من أن تجهل) معناه أنت بعيد من الجهل بسبب حلمك، و (من) هذه ليست تفضيلية بل

стр. 1420

هي لمجرد المجاوزة وأصلها ابتداء الغاية كقولك (خرج من الدار) فإن معناه أنه فارقها وتركها بخروجه وكان ابتداء خروجه منها، وكذلك (هو أعقل من أن يكذب) معناه أنه فارق الكذب بسبب عقله، وفارق الجهل بسبب حلمه، وليس المقصود تفضيل شيء على شيء وإنما جيء بالوصف على صيغة (أفعل) لبيان الزيادة في الوصف. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما نحو قولهم: (أنا أكبر من الشعر) و (أنت أعظم من أن تقول كذا) فليس المقصود تفضيل المتكلم على الشعر، والمخاطب على القول بل المراد بعدهما عن الشعر والقول. وأفعل التفضيل يفيد بعد الفاضل من المفضول، وتجاوزه عنه فـ (من) في مثله ليست تفضيلة بل هي مثل ما في قولك (بنت من زيد وانفصلت منه) تعلقت به (أفعل) المستعمل بمعنى متجاوز وبائن بلا تفضيل، فمعني قولك (أنت اعز علي من أن أضربك) أي بائن من أن أضربك من فرط عزتك علي. وإنما ذلك لأن (من) التفضيلة يتعلق بأفعل التفضيل بقريب من هذا المعنى ألا ترى أنك إذا قلت (زيد أفضل من عمرو) فمعناه زد متجاوز في الفضل عن مرتبة عمرو. فـ (من) فيما نحن فيه كالتفضيلية، ألا في معنى التفضيل، ومنه قول أمير المؤمنين علي ﵁ (ولهي بما تعدك من نزول البلاء بحسنك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك أو تغرك) أي هي متجاوزة من فرط صدقها عن الكذب (١). ويجوز فيما أرى أن أصله (أنت أعقل من أن تكون شخصا يكذب) و (هم أحلم من أن يكون شخصا يجهل) فحذف ما حذف فصار (أنت أعقل من أن تكذب وهو أحلم من أن يجهل) فيبقى التفضيل على حاله ومعناه، والله أعلم.

стр. 1421

تعديه إلى المفعول: إن اسم التفضيل لا يتعدي بنفسه إلى المفعول، بل يتعدى بواسطة حرف الجر، فهو يتعدى إلى المفعول به عمومًا باللام، تقول (هو أطلب للثأر، وأضرب منك لزيد) وأصله يطلب الثأر ويضرب زيدًا، قال تعالى: ﴿ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ [الكهف: ١٢]، وأصله: يحصى ما لبثوا. فإن اكن من فعل دال على علم أو جهل، عدي بالباء، تقول (هو أعرف به وأدري بكم وأجهل به) أي يعرفه ويدريكم ويجهله، قال تعالى: ﴿ربكم أعلم بكم﴾ [الإسراء: ٥٤]، وأصله يعلمكم، وهذه الباء قد تستعمل مع مفعول هذه الأفعال، فأنت تقول (هو يعلم به ويجهل به ويدري به). قال تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ [العلق: ١٤]. وإن كان اسم التفضيل من فعل دال على الحب والبغض، عدي باللام إلى ما هو مفعول في المعنى وبـ (إلى) إلى ما هو فاعل في المعنى، تقول: (هم أحب الناس إلى خالد) أي أن خالدًا يحبهم. وتقول: (هم أحب الناس لخالد) أي هم يحبون خالدًا. قال تعالى: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة: ١٦٥]، أي يحبون الله، ونقول (هم أبغض الناس إلى سعيد) أي أن سعيدًا ببغضهم، وتقول: (هم أبغض الناس لسعيد) أي هم يبغضونه. وإن كان من فعل يتعدى إلى ثنين، عدي إلى أولهما باللام، وترك الثاني منصوبا نحو (هو أكسى الناس للفقراء الثياب). وإن كان من فعل يتعدى بحرف جر عدي اسم التفضيل بذلك الحرف نفسه تقول: (هو أزهد في الدنيا وأسرع إلى الخير) (١).

стр. 1422

أوجه التفضيل يستعمل اسم التفضيل على أحد ثلاثة أوجه: ١ - أن يكون مجردًا من (أل) ومن الإضافة، فيكون مفردًا مذكرا، وتتصل به (من) لفظا نحو (محمد أفضل من بكر) أو تقديرًا، نحو قوله تعالى: ﴿أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا﴾ [الكهف: ٣٤]، أي منك (١). وإذا كان اسم التفصيل يفيد مجرد الزيادة في أصل الوصف لا تفضيل شيء على شيء، لم تقترن به (من) كما سبق ذكره. ٢ - أن يكون مضافا وهو على ضربين: أ - أن يكون مضافا إلى نكرة، فيلزم الأفراد والتذكير، نحو: (محمد أفضل رجل) و (عائشة أفضل امرأة) ويلزم المضاف إليه أن يطابق الموصوف، نحو (المحمدان أفضل رجلين) و (المحمدون أفضل رجال) و (الهندات أفضل نسوة). ب - أن يكون مضافا إلى معرفة، وتجوز فيه المطابقة وعدمها، نحو: (هند أفضل النساء أو فضلى النساء) و (المحمدان أفضل الرجال أو أفضلا الرجال) - قال تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس على حياة﴾ [البقرة: ٩٦]، فأفرد. وقال: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها﴾ [الأنعام: ١٢٣]، فطابق. وثمة فرق بين المطابقة والأفراد، فإن الأفراد يقصد به التفضيل تنصيصا، وأما المطابقة فهي تحتمل أن المراد باسم التفضيل مجرد الزيادة في الوصف وتحتمل التفضيل أيضا كما تحتمل أن المقصود به الذات لا الوصف، قال تعالى: ﴿ولتجدنهم أحرص الناس عل حياة﴾ [البقرة ٩٦]، وقال: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين أمنوا الذين قالوا إنا نصارى﴾ [المائدة: ٨٢]، وقال: ﴿أولئك هم خير البرية﴾ [البينة: ٧]، وقال: ﴿أولئك هم شر البرية﴾ [البينة: ٦]، فأفرد في كل ذلك والمقصود به التفضيل نصا.

стр. 1423

وقال: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها﴾ [الأنعام: ١٢٣]، وقال: ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾ [هود: ٢٧]، فطابق، وقد يقصد بذلك التفضيل وقد يقصد به الأشخاص الموصوفون بهذه الصفات، أي الذوات بمعنى هذا الصنف من الناس، وقد يكون المقصود به الزيادة في الوصف. فإنك قد تقول مثلا (هذا أحسن العراق) ولا تقصد به التفضيل على العراق، وإنما تقصد هذا هو الأحس الذي في العراق أو الأحسن العائد إلى العراق، فإن قصدت نحو هذا المعنى وجبت المطابقة لأنك لم تقصد به المفاضلة، فتقول: (هؤلاء أحاسن العراق) أي الأحاسن العائدون إلى العراق. فالإفراد يدل على التفضيل نصا وأما المطابقة فهي تحتمل التفضيل وعدمه. جاء في (شرح الأشموني): " وما لمعرفة أضيف ذو وجهين منقولين عن ذي معرفة هما المطابقة وعدمها، هذا إذا نويت بـ (أفعل) معنى (من) أي التفضيل على ما أضيف إليه وحده .. وإن لم تنو بأفعل معنى (من) بأن لم تنويه المفاضلة أصلا، أو تنويها لا على المضاف إليه وحده، بل عليه وعلى كل ما سواه، فهو طبق ما به قرن وجها واحدا كقولهم (الناقص والأشج أعدلا بني مروان) أي عادلاهم، ونحو: (محمد ﷺ أفضل قريش) أي أفضل الناس من بني قريش، وإضافة هذين النوعين لمجرد التخصيص، ولذلك جازت إضافة (أفعل) فيهما إلى ما ليس هو بعضه، بخلاف المنوي فيه معنى (من) فإنه لا يكون إلا بعض ما أضيف إليه، فلذلك يجوز (يوسف أحسن إخوته) أن قصد الأحسن من بينهم أو قصد حسنهم، ويمتنع إن قصد أحسن منهم" (١). ولا يضاف (أفعل) إذا قصد به التفضيل إلى شيء إلا وهو بعضه، كقولك: (خالد أفضل الرجال) فإن خالدًا رجل ولا يصح أن نقول (خالد أفضل النساء)، وتقول: (أبو بكر أفضل بني تميم) أي هو منهم، ولا يصح أن تقول (أبو بكر أفضل بني مخزوم) لأنه ليس منهم بل يجب أن تقول بـ (من) إذا أردت ذلك فتقول: (أبو بكر أفضل من بني مخزوم) و (فاطمة أفضل من كثير من الرجال)، فإن التفضيل بـ (من) لا يشترط أن يكون المفضل من جنس المفضل عليه.

стр. 1424

جاء في (المقتضب): " ولا يضاف (أفعل) إلى شيء إلا وهو بعضه، كقولك: (الخليفة أفضل بني هاشم)، ولو قلت الخليفة أفضل بني تميم كان محالا، لأنه ليس منهم .. وكذلك تقول (الخليفة أفضل من بني تميم) لأن (من) دخلت للتفضيل وأخراجتهم من الإضافة" (١). وقد تقول: ما الفرق بين قولك: (محمد أفضل رجل)، و (محمد أفضل الرجال).؟ والجواب أن قولك (محمد أفضل الرجال) يقصد به تفضيل محمد على جميع الرجال، أي هو الرجال الذي لا أفضل منه. وأما قولك (محمد أفضل رجل) فمعناه أن محمدًا فيه صفات الرجل الأفضل، أي إنك إذا عرفت كيف يكون الرجل الفاضل في أعلى صفاته، وفضله، فذلك الرجل الفاضل جدًا هو محمد. جاء في كتاب (التطور النحوي): " فإضافة الوصف إلى مفرد منك كـ (أفضل رجل) خاصة بالعربية فنكروا المضاف إليه بدل تعريفه، فأشاروا بذلك إلى أن الرجل ليس بالأفضل الذي لا أفضل منه بين الرجال البتة، بل واحد من الأفاضل، وأفردوا المضاف إليه بدل جمعه، لأنهم لو قالوا (أفضل الرجال) لكان المعنى: الأفضل الذي لا أفضل منه بين بعض الناس، وهذا غير المراد، فالإضافة في (أفضل رجل) قريبة منها في (مدينة بغداد) ومثلها أي تبيينية فكما أن (مدينة بغداد) معناها المدينة التي هي بغداد فكذلك (أفضل رجل) معناها فضل كثير الفضل هو رجل. والإضافة في (أفضل الرجال) تخالف تلك، فهي إضافة البعض إلى الكل، فينتج من الفرق في طبيعة الإضافة بين العبارتين فرق في المعنى، زائد على ما ينتج من تنكير الرجل وإفراده في (أفضل رجل)، وذلك أن معنى (أفضل رجل) لا يكاد يزيد على: رجل فاضل جدًا" (٢).

стр. 1425

٣ - أن يكون معرفا بـ (أل)، وتلزم فيه المطابقة، ولا تذكر معه (من) التفضيلية تقول: (محمد الأفضل) و (خديجة الفضلى). وهذه الصفة تستلزم أن يكون الموصوف بها في أعلى درجات المفاضلة، قال تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقال: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقال: ﴿ولله المثل الأعلى﴾ [النحل: ٦٠]، وقال: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ [الكهف: ١٠٣]، وقال: ﴿لا تخف إنك أنت الأعلى﴾ [طه: ٦٨]، وقال: ﴿فأولئك لهم الدرجات العلى﴾ [طه: ٧٥]، وقال: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ [الدخان: ١٦]. فالتفضيل بـ (أل) هو أعلى وأعم درجات المفاضلة. النداء المنادى هو المطلوب إقباله بحرف نداء ظاهر أو مقدر (١). وحروف النداء هي: يا، وأي، وهيا، وآ، وأي، والهمزة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يآدم أنبئهم بأسمائهم﴾ [البقرة: ٣٣]، وقول الشاعر: أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تحزن على ابن طريف وقوله: فقلت: هيا رباه ضيف ولا قري ... بحقك لا تحرمه تا الليلة اللحما

стр. 1426

وقوله: أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملى وأشهرهن (يا) ولم يرد من حروف النداء في القرآن الكريم غيرها. وأما، أيا، وهيا، فها ليسا إلا (يا) مسبوقة بالهمزة أو بالهاء. وقد ذهب قسم من النحاة إلى أن ما عدا الهمزة من أحرف النداء، وهي: يا، وأيا، وهيا، وآ، وأي. تكون لنداء البعيد، أو من هو بمنزلته، وأما الهمزة فللقريب. جاء في (الكتاب): " إلا أن الأربعة غير الألف (١). قد يستعملونها إذا أرادوا أن يمدوا أصواتهم للشيء المتراخي عنهم، أو للإنسان المعرض عنهم، الذي يرون أنه لا يقبل عليهم إلا باجتهاد أو النائم المستثقل. وقد يستعملون هذه التي للمد في موضع الألف، ولا يستعملون الألف في هذه المواضع التي يمدون فيها (٢). وذهب آخرون إلى أن: يا، وأيا، وهيا للبعيد، ومن هو بمنزلته وأي والهمزة للقريب (٣). وقيل إن: أيا وهيا = للبعيد، وأي والهمزة = للقريب، ويا لهما، ، وقيل إن أي للمتوسط. (٤). والحق أن أي لا تكون للبعيد، لأن البعيد يحتاج إلى مد الصوت لندائه وأي ليس فيها مد بخلاف يا وأخواتها.

стр. 1427

جاء في (شرح ابن يعيش): " وأي والهمزة تستعملان إذا كان صاحبك قريبًا، وإنما كان كذلك من قبل أن البعيد والمتراخي والنائم والمستثقل والساهي يفتقر في دعائهم إلى رفع صوت ومده، وهذه الأحرف الثلاثة التي هي يا وأيا وهيا، أواخرهن ألفات والألف ملازمة للمد، فاستعملت في دعائهم لا مكان امتداد الصوت، ورفعه وليست الياء هنا في (أي) كذلك، لأنها ليست مدة، والهمزة ليست من حروف المد، فاستعملت للقريب (١). وقد ينادي القريب بما هو للبعيد، كقولك (يا أخي) مع أنه قريب منك قال تعالى: ﴿قالوا يآبانا ما لك لا تأمنا على يوسف﴾ [يوسف: ١٢] وقال: ﴿يا صاحبي السجن﴾ [يوسف: ٣٩]. حذف حرف النداء: يجوز حذف حرف النداء، نحو قوله تعالى: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ [يوسف: ٢٩]، وقوله: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ [سبأ: ١٣]، ويلزم ذكر حرف النداء مع (الله) ومع اسم الجنس، سواء كان نكرة مقصودة، أم غير مقصودة، واسم الإشارة، فإذا ناديت (الله) قلت: يا الله، وكذا اسم الجنس، واسم الإشارة، نحو (يا رجل) و (يا هذا) وليس لك أن تحذف حرف النداء، وشذ (أصبح ليل) أي ياليل (افتد مختوق) أي يا مخنوق و (أطرق كرا) أي يا كروان، ويلزم الحرف في الاستغاثة والتعجب والندبه (٢). نحو يالخالد، ويا للهول، ووامحمداه. ويبدو أن للحذف اغراضا، وخصوصا في الكلام الفني ومن ذلك: ١ - الحذف للعجلة، والإسراع بقصد الفراغ من الكلام بسرعة، نحو قولك (خالد احذر) وكقولك (أحمد أحمد انتبه)

стр. 1428

٢ - وقد يكون الحذف للإيجاز، وذلك لأن المقام قد يكون مقام إيجاز واختصار، لا مقام تبسط وإطالةن وذلك نحو قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني﴾ [الأعراف: ١٥٠]، فحذف حرف النداء (يا) من المنادى (ابن أم) في حين قال في سورة طه. ﴿قال يابنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ [طه: ٩٤]، بذكر (يا). والسبب والله أعلم، أن السياق في سورة الأعراف سياق إيجاز واختصار، بخلاف آيات طه وإليك كلا من السياقين: قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن آدم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾ [الأعراف: ١٥٠ - ١٥١]. وقوله في سورة طه: ﴿فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد ام أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري﴾ [طه: ٨٦ - ٨٧]. ثم ذكر موقف هارون: ﴿ولقد قال لهم هارون من قبل يا يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري﴾ [طه: ٩٠]، ثم توجه باللوم إلى هارون: ﴿قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣]. فأجابه هارون: ﴿قال يابنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بيني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾ [طه: ٩٤]، ويستمر الكلام. فالكلام في سورة الأعراف كان مختصرا موجزا، وكان الموقف موقف عجلة واسراع ولا نقول موقف تسرع، فقد جاء موسى غضبان آسفان والقي الألواح وأخذ برأس أخيه

стр. 1429

يجره إليه من دون سؤال، أو استفهام فحذف (يا) النداء تمشيا مع هذا الحذف والاختصار. وأما في سورة طه، فالسياق سياق إطالة وسؤال، وأخذ ورد، ولوم، فجاء بـ (يا) وكأن هارون في الآية الأولى أراد الإسراع في تبيين الأمر لموسى، إذ لا مجال للإطالة وقد أخذ موسى برأسه يجره إليه، فحذف (يا) حتى أن القرآن لم يذكر هنا قول هارون (لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي) تمشيا مع الإيجاز في الكلام، وهو المناسب لموقف العجلة التي اتسم بها السياق. وأما في آيات طه فالسياق سياق إطالة وتبسط في الكلام، فقد جاء موسى غضبان آسفا وسأل قومه موبخا لهم على فعلتهم قائلا: يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا. فأجابوه قائلين: (ما اخلفنا موعدك بملكنا، ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقدفناها .. ) ثم ذكر موقف هارون منهم، فقال: (ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به .. وجواب قومه له: (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى). ثم توجه بالسؤال واللوم إلى هارون: (قال يا هارون ما منعك إذ رايتهم ضلوا ألا تتبعن؟ .. ) فأجابه هارون موضحا له الأمر: (قال يابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي .. ) فجاء بـ (يا) متوددًا محاولا كسر حدة غضبه. فحذف (يا) من آية الأعراف هو المناسب لسياق الإيجاز والعجلة، وذكرها في سورة طه، هو المناسب لسياق التبسط في الكلام والإيضاح والتبيين. ومن الحذف للإختصار قوله تعالى: ﴿يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك﴾ [يوسف: ٢٩]، فقد أرادوا ستر المسألة والكف عن الخوض فيها، فقالوا ذلك بأخصر طريق، حتى أنهم لم يذكروا حرف النداء، فحذف حرف النداء، تمشيا مع هذا الاختصار والتستر. ٤

стр. 1430

- قد يكون ذكر (يا) للزيادة في التنبيه وللزيادة في التقريع وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقوله: ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم﴾ [الحج: ١]، وقوله: ﴿يأيها الناس ضرب مثل فاستعمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا زبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣]، وقوله: ﴿يآيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك﴾ [الانفطار: ٦ - ٧]، بخلاف قوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا﴾ [النساء: ١٣٣]، ففي الآيات الأولى من الزيادة في التنبيه ومد الصوت للإسماع ما ليس في الأخيرة وهو واضح. ٤ - قد يكون الحذف لقرب المنادى من المنادى، سواء كان القرب حقيقا ماديا، أم معنويا فكأن المنادي لقربه لا يحتاج إلى واسطة لندائه، ولو كان حرف نداء كأن تقول لمن تناديه وهو قريب منك: (خالد أتدري ماذا حل بفلان)؟ ونحو قوله تعالى: ﴿رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ [هود: ٧٣]، وقوله: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ [الأحزاب: ٣٣]، وقوله: ﴿اعملوا آل داود شكرا﴾ [سبأ: ١٣]، فهذا للقرب المعنوي، بخلاف قوله تعالى: ﴿يأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم﴾ [آل عمران: ٦٥]. اللهم: نداء لله تعالى ولا يذكر معه (يا)، قال تعالى: ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ [آل عمران: ٢٦]. وعند البصريين أن أصله (يا الله)، والميم بدل من (يا) بدليل أنك لو أسقطت الميم لوجب ذكر (يا) فتقول: (يا الله).

стр. 1431

وعند الكوفيين أن الميم مقتطعة من جملة (أمنا بخير) (١). وقد دلت الدراسات الحديثة على أن أصلها عبرى، هو (ألوهيم)، ومعناها (الآلهة) وهم يريدون به الواحد وإنما جعلوه للتعظيم. وقد تخرج اللهم عن النداء فيستعمل في وجهين آخرين: أحدهما: أن يذكرها المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع، يقول لك (أزيد قائم) فتقول: (اللهم نعم)، أو (اللهم لا). الثاني: أن تستعمل دليلا على الندوة، وقلة وقوع المذكور كقولك: (أنا لا أزورك اللهم إلا أن تدعوني) ألا ترى أن وقوع الزيادة مقرونة بتقدم الدعاء قليل؟ (٢). والظاهر في هذا ونحوه أن أصله نداء ثم انمحى عنه معنى النداء، وذلك أن قولك لمن قال لك (أزيد قائم)؟ (اللهم نعم) هو إشهاد لله على جوابك فكأنك قلت: يا الله أشهد على ما أقول: وهذا الإشهاد تمكين للجواب في نفس السامع، وكذلك ما بعده وهو كونها دليلا على الندرة، نحو قولك (أنا لا أزورك، اللهم إلا ان تزورني) فهذا إشهاد لك على قولك كالأولى، وأما الندرة فهي مفهومة من العبارة، ولو لم تذكر (اللهم)، والمعنى على النداء، ويدلك على ذلك أننا في الدارجة نستعمل (يارب) في نحو هذا فتقول مثلا (أنا لا أذهب إليه يارب إلا إذا جاء واعتذر إلي) وهذا نداء كما ترى غير أنه انمحى منه الاحساس بالنداء في التعبير.

стр. 1432

المنادى المنادى إذا كان مفردًا معرفة بني على ما يرفع به، نحو يا خالد ويا رجل بلا تنوين. ويدخل في المفرد المعرفة العلم المفرد، والنكرة المقصودة، نحو (يا رجل) وذلك لأنك تقصد به واحدًا بعينه، وغيرهما (يا هذا). ومن المعلوم أن المراد بالمفرد هنا ما ليس مضافا، ولا شبيها بالمضاف، فيدخل فيه المثنى والجمع، فقولك (يا رجلان) و (يا رجالُ) منادى مفرد. وإذا كان مضافا أو شبيها بالمضاف أو كان نكرة غير مقصودة فهو منصوب، فالمضاف نحو يا عبد الله وبائع الصحف. والشبيه بالمضاف هو ما اتصل به شيء من تمام معناه، بعمل أو عطف قبل النداء. والعمل أما رفع أو نصب، أو جر بالحرف، فالرفع نحو (يا حسنا) وجهه و(يا مضروبًا أخوه). والنصب نحو (يا مهينا أباه) (يا سائرا فوق الخشبة). والجر نحو (يا مارًا بخالد) (يا رؤوفا بالعباد). والعطف قبل النداء نحو (ثلاثة وثلاثين) فيمن سميته بذلك قبل النداء، وذلك نحو أن تضع أرقامًا للأفراد فتناديهم بأرقامهم: يا خمسة، يا ستة، يا سبعة عشر، يا ثلاثة وثلاثين، فهذا يجب نصبه للطول: " وإن ناديت جماعة هذه العدة عدتها، فلا يخلو أما أن تكون معينة أولا، فإن كنت غير معينة نصبتها أيضا، أما الأول فلأنه اسم نكرة غير مقصودة، وأما الثاني فلأنه معطوف على منصوب، وإن كانت معينة ضممت الأول لأنه نكرة مقصودة، معرفة بالقصد، والإقبال، وعرفت الثاني بـ (أل) ونصبته، أو رفعته بالعطف على المحل أو اللفظ، كما في قولك: (يا زيد والضحاك) (١).

стр. 1433

وكذا إذا ناديت رجلا وامرأة، فإن كانا نكرتين غير مقصودتين قلت: (يا رجلا وامرأة) بنصبهما، وإن كانا مقصودين، قلت: (يا رجل والمرأة) بضم الرجل، ورفع المرأة ونصبها وتعريفها بـ (أل) وقيل يجوز (يا رجل وامرأة) (١). والنكرة غير المقصودة، نحو قولك (يا غافلا والموت يطلبه أفق، وكقول الأعمى: (يا مارا خذ بيدي) ولايقصد به واحدًا بعينه. فالفرق بين النكرة المقصودة، وغير المقصودة أن المنادى في الأولى معين، وفي الثانية غير معين. ويتبن من هذا. ١ - أن المنادى المضموم معرفة دوما نحو قولك (يا رجلُ) و (يا قائم) (يا خالدُ) جاء في (كتاب سيبويه): " إن كل اسم في النداء مرفوع معرفة، وذلك أنه إذا قال يا رجل ويا فاسق فمعناه كمعنى يا أيها الفاسق ويا أيها الرجل" (٢). وقد حذف منه التنوين للدلالة على التعريف جاء في (الكتاب): " ومما يقوى أنه معرفة تركُ التنوين فيه" (٣). وقالوا إن سبب بنائه على الضم أنه لو بني على الكسر لالتبس بالمنادى المضاف إلى ياء المتكلم، عند حذف يائه اكتفاء بالكسرة، فإذا قلت (يا غلام) دل ذلك على أنه مضاف إلى ياء المتكلم بمعنى يا غلامي، قال تعالى: ﴿قال رب ارجعون﴾ [المؤمنون: ٩٩]. ولا بني على الفتح لالتبس به عند حذف الفه اكتفاء بالفتحة (٤). فقولك (يا غلام) معناه (يا غلامي)، قال تعالى: ﴿يبنؤم لاتأخذ بلحيتي ولا برأسي﴾ [طه: ٩٤]، اي: (يابن أمي).

стр. 1434

وسواء كان هذا اختيارا مقصودًا من العرب الأوائل، أم لا فإنه لا شك أن معنى الضم غير معنى النصب والكسر. ٢ - أن المنادى النكرة منصوب، نحو (يا رجلا) (يا مارا). جاء في (الكتاب): " وقال الخليل، إذا أردت النكرة فوصفت، أو لم تصف فهذه منصوبة" (١). ٣ - المنادى المضاف، والشبيه بالمضاف، منصوب نحو (يا عبد الله) (يا طيبًا أصله) وعلى هذا فقولك: ١ - يا غلامُ - هو نداء لغلام معين. ٢ - يا غلامِ - هو نداء لغلامك بمعنى يا غلامي. ٣ - يا غلامَ - هو نداء لغلاك بمعنى يا غلامي. ٤ - يا علامًا - نداء لأي غلام كان أي نكرة غير مقصودة. ٥ - يا غلامَ محمد- نداء لغلام محمد. نداء المعرف بـ (آل): يتوصل إلى نداء المعرف بـ (أل) بـ (أي) ويؤتي بالمنادى مرفوعا، فيقال (يا أيها الرجل) قال تعالى: ﴿يأيها النبي حسبك الله﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقال: ﴿قال يأيها الكافرون﴾ [الكافرون: ١]، فالنبي في الحقيقة هو المنادى وليس (أيا)، وكذلك ما بعده وإنما جيء بـ (أي) توصلا لنداء ما فيه (أل). وقد ذهب النحاة إلى أن معنى المنادى المعرف بـ (أل) والنكرة المقصودة واحد لأنهما معرفة فقولك (يارجل) كقولك (يا أيها الرجل).

стр. 1435

قال سيبويه: " إذا قال يا رجل، ويا فاسق، فمعناه كمعنى، يا أيها الفاسق، ويا أيها الرجل" (١). والحقيقة أنه ليس معناهما واحدًا، فإن المنادى في قولك (يا رجل) نكرة في الأصل فقصدته بندائك له، وأما المعرف بـ (أل) فهو معرفة، قبل قصده بالنداء، فـ (أل) هذه قد تكون (أل) الجنسية، أو العهدية. فثمة فرق بين قولك (يانبي)، و (يا أيها النبي) و (يا رسول) و (يا أيها الرسول) و (يا ملك) و (يا أيها الملك). فـ (نبي) نكرة في الأصل، ثم قصدته بالنداء، وكذلك (رسول)، و (ملك)، وأما (النبي) في (يا أيها النبي) فمعرفة وهو معين قبل ندائه فناديت هذه المعرفة. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ [الحجر: ٦]، فالذي نزل عليه الذكر معرفة قبل ندائه. أن الفرق بين هذين المناديين، كالفرق بين قولك (يا رجل)، و (يا خالد) فرجل نكرة قبل ندائه، وقد قصدته بالنداء، وأما (خالد) فهو معرفة قبل ندائه، فناديته. وقد يؤتى بـ (أي) للتعظيم، نحو: (يا أيها الملك) (يا أيها العزيز) بخلاف ما لو قلت (يا ملك) (يا عزيز) فإنه ليس في هذا تعظيم. جاء في (تفسير الرازي): " قول القائل (يا رجل) يدل على النداء، وقوله (يا أيها الرجل) يدل على ذلك أيضا، وينبي عن خطر المنادى له، أو غفلة المنادى" (٢). وقد يتوصل إلى نداء المعرف بـ (ال) باسم الإشارة أيضا، نحو (يا هذا الرجل) و (يا هذه المرأة) فيكون في الرجل والمرأة الرفع فحسب.

стр. 1436

ويصح في نحو هذا أن تنادي اسم الإشارة، وتجعل ما بعده تابعًا له، فيكون فيه الرفع والنصب. والخلاصة أن المعرف بـ (أل) أما أن يتوصل إلى ندائه بـ (اي)، وأما أن يتوصل إلى ندائه باسم الإشارة، فيقال (يا أيها الرجل) و (يا هذا الرجل) ويكون فيه الرفع فحسب في الحالتين. غير أن يصح أن تنادي اسم الإشارة مفردًا أو متبوعًا، بتابع فتقول (يا هذا) و (يا هذا الرجل) و (يا هذه) و (يا هذه المرأة) و (يا هؤلاء) (يا هؤلاء الرجال) فيكون ما بعده تابعًا له فيه الرفع والنصب (١). في حين أنه لا يصح الاكتفاء بنداء (أي)، فلا يقال: (يا اي) ولا (يا أيها). فقولك (يا أيها الرجل) هو نص في نداء الرجل، وأما قولك (يا هذا الرجل) فهو يحتمل نداء اسم الإشارة. ومن هذا يتضح أن الفرق بين نداء (أي) واسم الإشارة، من أوجه أهمها: ١ - أنه لا يجوز الاكتفاء بـ (أي)، ويجوز الاكتفاء باسم الإشارة، فلا تقول (يا أيها) ويصح أن تقول: (يا هذا). ٢ - أن قولك (يا أيها الرجل) هو نص في نداء الرجل، وأما قولك (يا هذا الرجل) ففيه احتمالان: نداء اسم الإشارة ونداء المعرف بـ (أل). ٣ - أنه لا يجوز غير الرفع في تابع (أي) ويجوز الرفع والنصب في تابع اسم الإشارة. ٤ - إن قولك (يا هذا الرجل) - بنصب الرجل - نص في نداء اسم الإشارة. ٥ - إن في النداء - بـ (أي) من التعظيم ما ليس في الإشارة، ففي قولك (يا أيها الملك) من التعظيم ما ليس في قولك (يا هذا الملك) والله أعلم.

стр. 1437

المنادى المضاف إلى ياء المتكلم فيه لغات، أجودها حذف الياء، والاكتفاء بالكسرة، نحو قوله تعالى: ﴿رب ابن لي عندك بيتا في الجنة﴾ [التحريم: ١١]. والثانية: أثبات الياء نحو (يا أخي) و (يا صديقي). والثالثة: أن تفتح الياء نحو (يا غلامي) قال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ [الزمر: ٥٣]، وقد تقلب الياء ألفا نحو (يا غلاما). وهناك لغة أخرى، وهي حذف الألف، والاكتفاء بالفتحة نحو (يا غلامَ)، وبهذا تكون اللغات في نداء المضاف إلى ياء المتكلم على النحو الآتي: ١ - يا غلامِ ٢ - يا غلامي. ٣ - يا غلامي ٤ - يا غلاما. ٥ - يا غلامَ. ولما كانت هذه لغات، لم يكن الاختلاف فيها لأمر يتعلق بالمعنى، فمن العرب من يقول: (يا غلامِ)، وهي أشهر اللغات، ومنهم من يقول: (يا غلامي)، وهكذا (١). تابع المنادى وأحواله قائمة على اختلاف اللغات أيضا، فمن العرب من يقول مثلا (يا أخانا خالدًا) ومنهم من يقول (يا أخانا خالد)، ومنهم من يقول (يا خالد والنضر) ومنه من يقول (يا خالد والنضر) (٢).

стр. 1438

وهذا لا يتعلق به اختلاف معنى، لأنه أمر يقوم على اختلاف اللغات، وهو نظير قول الحجازيين (ما محمد حاضرا) وقول التميميين (ما محمد حاضرٌ) لا يتعلق باختلاف الحركة اختلاف معنى. غير أن الاختلاف يكون تابعا للمعنى، إذا كان الأمر متعلقا بالتنكير والتعريف، نحو (يا خالد ورجلا) و (يا خالد ورجلُ) فـ (رجلا) المنصوبة نكرة (ورجل) بالضم معرفة. (١). وقد ذكرنا في المشبه بالمضاف أنه إذا عطف على المنادى نكرة مقصودة، وجب تعريفه بـ (ال) فتقول (يا رجل والمرأة) وأجاز بعضهم (يا رجل وامرأة). ويبدو لي أن كليهما جائز، وأن المعنى مختلف بين إدخال (أل) وحذفها، وذلك أن المعرف بـ (أل) هو معرفة قبل دخول (يا) عليه فناديته، وأما النكرة المقصودة فهو نكرة غير أنك عرفته بالقصد، وقد مر تبين ذلك بما فيه الكفاية. وعلى هذا يصح أن نقول: ١ - يا رجل وامرأة - فيكون الرجل معرفا بالقصد وتكون المرأة نكرة. ٢ - يا رجلا وامرأة - المنادى نكرة غير مقصودة، والمعطوف معرف بالقصد. ٣ - يا رجلا وامرأة - كلاهما نكرة غير مقصودة. ٤ - يا رجل وامرأة - كلاهما معرف بالقصد. ٥ - يا رجل والمرأة - الأول معرف بالقصد، والثاني معرف قبل دخول حرف النداء عليه، وأما حركة المعطوف المعرف بـ (ال) ففيها لغتان: الرفع والنصب ولا ينبني عليهما اختلاف في المعنى.

стр. 1439

الترخيم وفيه لغتان (١): لغة من ينتظر، ولغة من لاينتظر، فتقول (يا أحمَ) في نداء (أحمد) على لغة من ينتظر، و (يا أحمُ) على لغة من لا ينتظر، ولا يتعلق بذلك أثر في المعنى لأنهما لغتان، واللغة الأولى أكثر استعمالا (٢). أما الغرض من الترخيم: ١ - فقد يكون للفراغ من النداء بسرعة، للإفضاء إلى المقصود وهو المنادى له، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " الترخيم في المنادى دون غيره لكثرته ولكون المقصود في النداء هو المنادى له فقصد بسرعة الفراغ من النداء الأفضاء إلى المقصود بحذف آخره اعتباطًا" (٣). ٢ - إظهار أن المتكلم عاجز عن إتمام بقية المنادى لضعفه، عن ذلك بمرض، أو نحوه فيقول مثلا (يا خال) مناديا (خالدًا)، كأنه لا يستطيع اتمام بقية الاسم، وهذا يحصل كثيرا في حياتنا اليومية، فأننا نسمع المريض أحيانا ينادي أبنه او أخاه، أو صديقه فلا يتم اسمه كأنه يعجز عن ذلك. ٣ - قد تقتضي الضرورة الشعرية هذا الحذف ليستقيم الوزن كقوله: أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزير أخاك بشرا وقوله: أصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل

стр. 1440

الاستغاثة الاستغاثة هي نداء من يخلص من شدة، أو يعين على مشقة (١). والغالب في نداء المستغاث أن يجر مفتوحة وجوبًا، نحو (يا لخالد) إذا دعوته ليعينك، وغير الغالب أن يحذف حرف الجر، ويؤتى في آخر المستغاث بألف نحو (يا خالداه). وعناصر الاستغاثة هي: ١ - المستغاث: ويسمى أيضا المستغاث به، نحو (يا لله) وقد ذكرنا أنه يجر بلام مفتوحة إلا إذا كان المستغاث ياء المتكلم، فإنه يجر باللام المكسورة، نحو (يالي)، وكذا إذا كان معطوفا ولم تعد معه (يا) فإن أعدت (يا) وجب فتح اللام، تقول (يا لخالد ولسعيد) بفتح اللام في خالد وكسرها في سعيد، فإن كررت (يا) فتحت اللام الداخلة على سعيد أيضا فتقول (يا لخالد ويا لسعيد). ٢ - المستغاث له: ويجر بلام مكسورة، فتقول (يالله للمسلمين)، و (يا لمحمد لسعيد) فـ (محمد) مستغاث به، وسعيد مستغاث له (٢). وإذا قلت يا لمحمد بكسر اللام علم أنه مستغاث (٣) له، وليس مستغاثا به. قال سيبويه: " هذا باب ما تكون فيه اللام مكسورة لأنه مدعو له ههنا وهو غير مدعو)، وذلك قول بعض العرب: يا للعجب ويا للماء، وكأنه نبه بقوله (يا) غير الماء للماء" (٤).
следующие страницы →