مما تقدم .. ولكنك ترد أن تقول لصاحبك: هل سمعت بالبطل المحامي وهل حصلت معنى هذه الصفة، وكيف ينبغي أن يكون الرجل، حتى يستحق أن يقال ذلك له وفيه؟ فإن كنت قتلته علمًا وتصورته حق تصوره فعليك صاحبك واشدد بد يدك فهو ضالتك وعنده بغيتك" (١).
وجاء في (الطراز): "أن تقصد به مقصد التعريف بحيقة عقلها المخاطب في ذهنه لا في الخارج، أو توهمت إنه لم يعرفها فتقول له تصور كذا فإذا تصورته في نفسك فتأمل فلانًا فإنه يحصل ما تصورته على الكمال، ويأتيك به تامًا ومثاله قولنا: هو الحامي لكل حقيقة، وهو المرتجى لكل ملمة، هو الدافع لكل كريهة، كأنك قلت: هل تعقل الحامي والمرتجي وتسمع بهما؟ فإن كنت تعقل ذلك وتعرفه حقيقة معرفته فاعلم أنه فلان" (٢).
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿قالوا هذا الذي رزقنا من قبل﴾ [البقرة: ٢٥]، اعتمادًا على معرفتهم السابقة. وقوله: ﴿ما جئتم به السحر﴾ [يونس: ٨١]، وقوله: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ [يس: ٥٢]، وقوله: ﴿هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله﴾ [الأنعام: ١٠١ - ١٠٢]، فبعد أن عرفهم بالله وصفاته التي يجلونها قال لهم: ذلكم الله ربكم.
стр. 177
ومنه: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]، ونحوه: ﴿ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠]، ومنه: ﴿إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور: ٦٢].
ومنه: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ [الفرقان: ٦٣].
وهذا من باب التعريف بالكلام.
ومن التعريف في المقام قول امرأة العزيز للنسوة اللاتي لمنها في يوسف بعد أن أخرجته عليهن وقطعن أيديهن حين رأينه ﴿فذالكن الذي لمتنني فيه﴾ [يوسف: ٣٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿هذا يومكم الذي كنتم توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، ونحوه ﴿هذا الذي كنتم تستعجلون﴾ [الذاريات: ١٤]، وقوله: ﴿هذه النار التي كنتم بها تكذبون﴾ [الطور: ١٤].
٧ - الدلالة على الكمال: وذلك كقوله تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، أي الكتاب الكامل وكقوله تعالى: ﴿وهو الحكيم الخبير﴾ [الأنعام: ١٨]، أي الكامل فيهما وكقوله ﴿وهو الحي﴾ [غافر: ٦٥]، ونحوه قوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]، و ﴿هو السميع البصير﴾ [الإسراء: ١]، ليس معنى ذلك أنه لا يسمع أحد غيره، ولا يعلم أحد غيره، ولا يبصر أحد غيره، بل سبحانه وصف الإنسان بالسمع والبصر فقال: ﴿فجعلنه سمعيا بصيرا﴾ [الإنسان: ٢]، ووصفه بالعلم فقال: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ [يوسف: ٧٦]، بل معناه أن الله سبحانه هو الكامل في هذه الصفات. جاء في حاشية السيد الشريف الجرجاني على الكشاف: "أن الخبر المعرف بلام الجنس قد يقصده به تارة حصره على المبتدأ أما حقيقة أو ادعاء نحو (زيد الأمير)، إذا انحصرت الإمارة فيه أو كان كاملاً فيها كأنه قيل كل الأمير وجميع أفراده فيظهر الوجه في إفادة الجنس الحصر" (١)، وأحرى أن يدخل هذا الجنس في قصر المبالغة.
стр. 178
إعادة المبتدأ
قد يعاد المبتدأ بلفظه وأكثر ما يقع ذلك في مقام التهويل والتفخيم تقول: زيدٌ ما زيد؟ أي أيّ شيء هو تفخيمًا له وتعظيمًا، قال تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، وقال: ﴿القارعة ما القارعة﴾ [القارعة: ١ - ٢]، تفخيمًا لأمرها وتهويلاً، وقال: ﴿وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧]، ﴿وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال﴾ [الواقعة: ٤١]، تعظيمًا وتهويلا لأمرهم.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأما وضع الظاهر مقام الضمير فإن كان في معرض التفخيم جاز قياسًا كقوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ أي ما هي؟ وإن لم يكن فعند سيبويه يجوز في الشعر بشرط أن يكون بلفظ الأول قال:
لعمرك ما معن بتارك حقه ... ولا منسيء معن ولا متيسر
بجر (منسئ) فإذا رفعته فهو خبر مقدم على المبتدأ" (١).
وجاء في (الخصائص): "إنما يعاد لفظ الأول في مواضع التعظيم والتفخيم" (٢).
وجاء فيه: "وأما قول ذي الرمة:
ولا الخُرق منه يرهبون ولا الخنا ... عليهم ولكن هيبة هي ما هيا
فيجوز أن تكون (هي)، الثانية فيه إعادة للفظ الأول كقوله ﴿القارعة ما القارعة﴾ وهو الوجه.
стр. 179
ويجوز أن تكون (هي)، الثانية ضمير هي الأولى، كقولك: هي مررت بها، وإنما كان الوجه الأول لأنه إنّما يعاد لفظ الأول في مواضع التعظيم والتفخيم وهذا من مظانه" (١).
وجاء في (الكشاف) في قولنا: زيد ما زيد: "جعلته لانقطاع قرينه، وعدم نظيره، كأنه شيء خفي عليك جنسه فأنت تسأل عن جنسه، وتفحص عن جوهره كما تقول: ما القول وما العنقاء؟ تريد أي شيء هو من الأشياء؟ هذا أصله ثم جرد للعبارة عن التفخيم" (٢).
وجاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: ﴿الحاقة ما الحاقة﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، " والأصل الحاقة ما هي؟ أي، أي شيء هي؟ تفخيمًا لشأنها، وتعظيمًا لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر، لأنه أهول لها ومثله قوله: ﴿القارعة ما القارعة﴾. (٣)
وقد يكرر المبتدأ لقصد الدلالة على الشهرة، أو عدم التغير تقول: (زيدٌ زيد) أي هو على ما تعهد أي لم يتغير عن حاله الأولى، رفعة أو ضعة، ودناءة قال تعالى: ﴿والسابقون السابقون﴾ [الواقعة: ١٠]، جا في (الكشاف): " يريد والسابقون من عرفت حالهم، وبلغك وصفهم كقولهم: وعبد الله عبد الله. وقول أبي النجم: وشعري شعري.
كأنه قال: وشعري ما انتهي إليك، وسمعت بفصاحته وبراعته" (٤)
قال سيبويه: "وتقول: (قد جربتك فوجدتك أنت أنت) فأنت الأولى مبتدأ والثانية مبنية عليها، كأنك قلت: (فوجدتك وجهك طليق)، والمعنى أنك أردت أن تقول: فوجدتك أنت الذي أعرف. ومثل ذلك (أنت أنت) و (أن فعلت هذا فأنت أنت) أي فأنت الذي أعرف أو أنت الجواد والجلد كما تقول (الناس الناس)، أي الناس بكل مكان، وعلى كل حال كما تعرف (٥) ".
стр. 180
قال ابن يعيش: "وأما قولهم: (أنت أنت)، فظاهر اللفظ فاسد، لأنه قد أخبر بما هو معلوم، وأنه قد اتحد الخبر والمخبر عنه لفظًا، ومعنى، وحكم الخبر أن يكون فيه من الفائدة ما ليس في المبتدأ. وإنما جاز ههنا، لأن المراد من التكرير بقوله (أنت أنت) أي أنت على ما عرفته من الوتيرة، والمنزلة لم تتغير. ومعنى تكرير الاسم بمنزلة أنت على ما عرفته. وهذا معنى يتضمن ما ليس في الجزء الأول، وعليه قول أبي النجم:
أنا أبو النجم وشعري شعري
معناه وشعري، شعري المعروف الموصوف كما بلغت وعرفت وهذا قياس الباب" (١).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " الذي لا يغاير المبتدأ لفظًا يذكر للدلالة على الشهرة أو عدم التغير كقوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
أي هو المشهور المعروف بنفسه، لا بشيء آخر كما يقال مثلا: شعري مليح، وتقول: (أنا أنا) أي ما تغيرت عما كنت قال:
رفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وانكرت الوجوه هم هم" (٢).
وجاء في (المثل السائر) في قول أبي تمام:
لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار
" فقوله (لا أنت أنت ولا الديار ديار) من المليح النادر في هذا الموضع، لأنه هو هو والديار ديار، وإنما البواعث التي كانت تبعث على قضاء الأوطار زالت، فبقي ذلك الرجل وليس هو هو على الحقيقة، ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار، وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي:
стр. 181
قبيلٌ أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشرٌ الملك الهمام
فقولك (أنت أنت) من توكيد الضميرين المشار إليهما، وفائدته المبالغة في مدحه ولو مدحه بما شاء الله لما سد مسد، قوله (أنت أنت) أي أنك المشار إليه بالفضل، دون غيرك" (١).
وجاء في (الخصائص) في قول الشاعر:
أنا أبو النجم وشعري شعري
وقوله:
إذ الناس ناس والبلاد بغرة ... وإذ أم عمار صديقٌ مساعف
وقوله:
بلاد بها كنا وكنا نحلها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
" ألا ترى أن المعنى وشعري متناه في الجودة على ما تعرفه وكما بلغك، وقوله (إذ الناس ناس) أي إذ الناس أحرار والبلاد أحرار" (٢).
стр. 182
المبتدأ النائب مناب الفعل
قد يعدل من الجملة الفعلية إلى الإسمية لقصد الدلالة على الثبوت ويكون المبتدأ نائبًا مناب الفعل، ولا نعنى أنه ينوب عنه في عمله، وإنما ينوب عنه في معناه، أو يشبهه في معناه إلا في الدلالة على الحدوث، فإنه يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث تقول:
أحمدُ الله - الحمد لله
غفر الله لك - مغفرةٌ لك.
رضي الله عنك - رضوان الله عليك.
وقد يؤتى بالمصدر منصوبا نائبا مناب الفعل، وهو المفعول المطلق، تقول: (أحمد الله) ثم تحذف الفعل وتأتي بمصدره منصوبًا، نائبًا منابه فتقول: (حمدًا لله).
وتقول: (أسلم عليك) ثم تحذف الفعل، وتأتي بمصدره منصوبًا نائبًا منابه فتقول: (سلاما عليك).
وتقول: (سقاك الله)، ثم تحذف الفعل، وتأتي بمصدره منصوبًا نائبًا منابه، فتقول: (سقيا لك)، وتقول: (أشكر لك فعلك) ثم تحذف الفعل، وتأتي بمصدره منصوبًا منابه، فتقول: شكرًا لك.
وهذه الجمل المبدوءه بمصادر منصوبة، كلها جمل فعلية لأنها منصوبة بفعل محذوف فإذا رفعت هذه المصادر صارت الجملة إسمية.
стр. 183
فعلية ... فعلية ... إسمية
أحمد الله ... حمدًا لله ... الحمدُ لله
أسلم عليك ... سلاما عليك ... سلامٌ عليك
أشكر لك فعلك ... شكرا لك ... شكرٌ لك
سقاك الله ... سقيا لك ... سقيٌ لك
رعاك الله ... رعيا لك ... رعيٌ لك
تبت يده ... تبًا له ... تب له
ــ ... ويلا له ... ويلٌ له
فمعنى (أحمد الله) و (حمدًا لله) واحد فكلتا الجملتين فعلية، وكلتاهما تدل على الحدوث والتجدد، ولكن في الجمل الثانية أختزل الفعل وفاعله، لأنه لا يتعقل غرض بذكرهما وجيء بمصدره الذي هو أقوى من الفعل:
وأما الجمل الثالثة فهي جمل إسمية قال سيبويه في (باب ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعل إظهاره): "وذلك قولك سقيا ورعيا ونحو قولك: خيبة ودفرًا وجدعًا وعقرا وبؤسا وافة وتفة وبعدا وسحقًا ومن ذلك قولك: تعيسًا وتبًا وجوعا وجوسا .. وإنما ينتصب هذا وما أشبه إذا ذكر مذكور فدعوت له أو عليه على إضمار الفعل، كأنك قلت: سقاك الله سقيا ورعاك الله رعيًا .. وإنما اختزل الفعل ههنا لأنهم جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل كما جعل: (الحذر) بدلا من (احذر)، وكذلك هذا كأنه بدل من سقاط الله ورعاك الله ..
وما جاء منه لا يظهر له فعل فهو على هذا المثال نصب، كأنك جعلت بهرًا بدلاً من بهرك الله فهذا تمثيل ولا يتكلم به.
стр. 184
ومما يدل أيضًا على أنه على الفعل نُصب، أنك لم تذكر شيئًا من هذه المصادر لتبني عليه كلامًا، كما يبني على عبد الله إذا ابتدأته، وأنك لم تجعله مبنيًا على اسم مضمر في نيتك، ولكنه على دعائك له أو عليه ..
وقد رفعت الشعراء بعض هذا، فجعلوه مبتدأ وجعلوا ما بعده مبنيًا عليه قال أبو زبيد:
أقام وأقوى ذات يوم وخيبة ... لأول من يلقى وشر ميسر
ومثله قول الشاعر:
أهاجيتم حسان عند ذكائه ... فعيٌّ لأولادل الحِماس طويل
وفيه المعنى الذي يكون في المنصوب، كما إنّ قولك: (رحمة الله عليه) فيه معنى الدعاء كأنه قال: ﵀ ..
من ذلك قولك حمدا وشكرًا لا كفرًا وعجبًا ..
فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل كأنك قلت: أحمد الله حمدًا .. وإنما أختزل الفعل ههنا لأنهم جعلوا هذا بدلا من اللفظ بالفعل .. وقد جاء بعض هذا رفعًا يبتدأ ثم يبني عليه ..
واعلم إن (الحمد لله) وأن ابتدأته، ففيه معنى المنصوب وهو بدل من اللفظ بقولك: أحمد لله" (١).
والفرق بين الجملة الإسمية والفعلية، هو أنّ الفعلية تدل على الحدوث والتجدد والإسمية، تدل على الثبوت - كما ذكرنا - وإيضاح ذلك إن الفعل يدل على حدث مقرون بزمن، فإذا كان الفعل ماضيًا فقد انقضى تقول (حمدت الله) أي في الماضي، وإذا كان مضارعًا، فهو يدل على الحال، أو الاستقبال، تقول (أحمد الله) أي في الحال، أو في الاستقبال، وإما الاسم فهو غير متخصص بزمن، وإنما هو عام ثابت تقول (الحمد لله)
стр. 185
على قصد ثبوت الحمد له ودوامه غير مخصص بزمن معين، .. ومن ذلك قوله تعالى ﴿قالوا سلاما قال سلام﴾ [هود: ٦٩]، فنبي الله إبراهيم ﵇ حياهم، بتحية، خير من تحيتهم، أذهم حيوه بجملة فعلية، وهو حياهم بجملة إسمية دالة على الثبوت، قال ابن يعيش: "ألا ترى أنك إذا قلت: سلام عليك وويل له بالرفع كان معناه كمعناه منصوبا وإذا كان منصوبا كان منزلا منزلة الفعل فقولك (سلاما عليك) وويلا لك بمنزلة: سلم الله عليك وعذبك الله، فلما كان المعنى فيه ينزع إلى معنى الفعل لم يغير عن حاله، لأن مرتبة الفعل أن يكون مقدمًا" (١).
وقال: "ومن ذلك قولهم: سلام عليك وويل له قال الله تعالى: ﴿سلام عليك سأستغفر لك ربي﴾ [مريم: ٤٧]، و ﴿ويل للمطففين﴾ [المطففين: ١]، ومن ذلك (أمت في حجر لا فيك) ـ، فهذه الأسماء كلها إنما جاز الابتداء بها، لأنها ليست أخبارًا في المعنى إنما هي دعاء أو مسألة فهي في معنى الفعل كما لو كانت منصوبة، والتقدير ليسلم الله عليك وليلزمه الويل. وقولهم (أمت في حجر لا فيك) معناه: ليكن الأمت في الحجارة لا فيك، والأمت اختلاف انخفاض وارتفاع قال تعالى: ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ [طه: ١٠٧]، والمعنى أبقاك الله بعد فناء الحجارة، لأن الحجارة مما يوصف بالبقاء .. فلما كانت في معنى الفعل كانت مفيدة كما لو صرحت بالفعل.
والفرق بين الرفع والنصب أنك إذا رفعت كأنك ابتدأت شيئا قد ثبت عندك واستقر وإذا نصبت كأنك تعمل في حال حديثك في إثباتها" (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "سلام في قولك (سلام عليك)، بمعنى مصدر سلمك الله، أي جعلك سالمًا، فالأصل سلمك الله سلامًا ثم حذف الفعل لكثرة الاستعمال فبقي المصدر منصوبًا، وكان النصب يدل على الفعل، والفعل على الحدوث. فلما قصدوا دوام نزول سلام الله عليك واستمراره أزالوا النصب الدال على
стр. 186
الحدوث، فرفعوا (سلام) وكذا أصل (ويل لك)، هلكت ويلا أي هلاكًا، فرفعوه بعد حذف الفعل نفضا لغبار معنى الحدوث" (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ [المرسلات: ١٥]، "فإن قلت: كيف وقع النكرة مبتدأ في قوله تعالى ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾ قلت: هو في أصله مصدر منصوب ساد مسد فعله ولكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه ونحوه سلام عليكم" (٢).
قال الأشموني: " أصل (الحمد لله) أحمد أو حمدت حمدًا لله. فحذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه ثم عدل إلى الرفع لقصد الدلالة على الدوام والثبوت، ثم أدخلت عليه (أل) لقصد الاستغراق" (٣).
وقال الصبان تعليقا على هذا القول: " هذا يقتضي أنه لو لم يعدل إلى الرفع لانتفت الدلالة على الدوام، وهو كذلك كما صرح به الرضى في باب المبتدأ لأن بقاء النصب صريح في ملاحظة الفعل، وتقديره وهو يدل على التجدد فلا يستفاد الدوام إلا بالعدول إلى الرفع" (٤).
وعلى هذا وضعت قواعد فقهية، قال ابن عطية: " سبيل الواجبات الإتيان بالمصدر مرفوعًا كقوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨].
وسبيل المندوبات الإتيان به منصوبا كقوله تعالى: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤]، ولهذا اختلفوا هل كانت الوصية للزوجات واجبة لاختلاف القراءة في قوله (وصية لأزواجكم) بالرفع والنصب.
стр. 187
قال أبو حيان: والأصل في هذه التفرقة قوله تعالى: ﴿قالوا سلاما قال سلام﴾ [هود: ٦٩]، فإن الأول مندوب والثاني واجب.
والنكتة في ذلك أن الجملة الإسمية أثبت وآكد من الفعلية" (١).
أنواع الخبر
يقسم النحاة الخبر إلى مفرد وجملة وأما شبه الجملة فيحلق تارة بالمفرد وتارة بالجملة بحسب التقدير، فما الفرق بين أضرب الخبر هذه؟
لقد مر الفرق بين قولنا: زيد قائم، وزيد يقوم، ويقوم زيد. وعرفنا أن الأصل في الجملة الدالة على الحدوث أن يتقدم الفعل فتقول (يقوم زيد) فإذا قدت زيدًا، كان ذلك لسبب من أسباب التقديم التي ذكرناها، كالتخصيص والاهتمام ونحوها. وأن الأصل في الجملة الدالة على الثبوت أن نأتي بالمبتدأ ثم الخبر فنقول (زيد قائم) وبهذا اتضح الفرق بين الخبر المفرد والأخبار بالجملة الفعلية.
وأما الأخبار بالجملة الإسمية فهو واضح فأنت تقدم المبتدأ لتخبر عنه، لكن الخبر بدل أن يأتي مفردًا يأتي جملة أي يكون المسند جملة فتقول مثلا (إبراهيم أخوه قائم) فأخبرت عن إبراهيم بجملة إسمية، ويقال في هذه الجملة ما قيل في جملة المبتدأ والخبر. فإن قلنا (إبراهيم أخوه يعيله) كانت جملة الخبر من باب تقديم المسند إليه لغرض من أغراض التقديم، كالتخصيص ونحوها وإن قلت (إبراهيم قائم أخوه) كان في الخبر احتمالان، الأول إنه من باب الأخبار بالمفرد، ولكن أريدت الدلالة على الثبوت في نسبة القيام إلى الأخ.
والثاني إنه من باب تقديم الخبر (قائم) على المبتدأ الثاني (أخوه) للأغراض التي سبق أن ذكرناها.
стр. 188
الخبر شبه الجملة:
الخبر شبه الجملة هو الظرف والجار والمجرور، ويقدر النحاة لهما محذوفا يتعلقان به هو عند أكثرهم فعل (استقر) أو (كان) وعند قسم آخر اسم (كائن أو مستقر (١)) فإذا قلت: (سالم في الدار) قدروا له استقر في الدار، أو كائن، واختلفوا في الأولى منهما فالذي يقدر الفعل يقول: إنما يحسن تقدير الفعل لأنه أصل العمل، وهو هنا عامل في الظرف، أو في المجرور، والذي يقدر الاسم يرى أن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا، وذهب قسم إلى أن هذا قسم قائم برأسه، ولا يتعلق بشيء (٢).
وقد رجح ابن هشام التقدير بحسب المعنى قال: " وأما في البواقي نحو " زيد في الدار " فيقدر كونا مطلقًا، وهو كائن، أو مستقر، أو مضارعها، إن اريد الحال، أو الاستقبال نحو (الصوم اليوم) أو في اليوم، والجزاء غدًا أو في الغد.
ويقدر كان أو استقر، أو وصفهما إن أريد المضي، هذا هو الصواب، وقد أغفلوه مع قولهم في نحو (ضربي زيدًا قائمًا) إن التقدير (إذ كان) إن أريد المضي، أو (إذا كان) إن أريد المستقبل ولا فرق، وإذا جهلت المعنى فقدر الوصف فإنه صالح في الأزمنة كلها وإن كانت حقيقته الحال .. ولا يجوز تقدير الكون الخاص كقائم، وجالس، إلا الدليل" (٣).
وأرى أن الراجح في التقدير، إن إذا أريد الحدوث قدر فعل بحسب الزمن، وإذا أريد الثبوت قدر اسم فإذا قلت (القط النمر) قدرت اسمًا (كائن)، ولا تقدر فعلا ونحوه (الأرض كالكرة)، وتقول (الجنة تحت ظلال السيوف) وأرى أنه لا يصح تقدير فعل هنا فتقدير الفعل (استقرت) يعني أنها كانت على غير ذاك، فاستقرت الآن على هذا ولا يحسن تقدير (تكون أو تستقر) لما فيه من معنى الحدوث والتجدد، وإنما هذا أمر ثابت
стр. 189
فتقدر كائنة. ومثله (الحمد لله) فإنه لا يحسن تقدير استقر بل الأولى أن يقدر (كائن).
وإذا قلنا (السفر غدًا) صح فيه تقدير (يكون) وهو الأولى، أو (كائن) إذا نويت ثبوته أي كأن هذا أمر منته ومفروغ منه كقوله تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرًا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]، فجاء باسم الفاعل الدال على الثبوت (خالق) في المستقبل.
ويرى الكوفيون أن الخبر إذا كان عين الأول، ارتفع نحو (زيد قائم)، وإذا كان مخالفا له انتصب على الخلاف نحو (زيد أمامك) فزيد هو غير الإمام فالإمام جهة وزيد شخص جاء في (همع الهوامع) ذاكرًا رأي الكوفيين: "وإذا قلت: (زيد أخوك)، فالأخ هو زيد أو (زيد خلفك) فالخلف ليس بزيد فمخالفته له عملت النصب" (١)، ولا يحتاج عندهم إلى تقدير شيء" (٢).
ولسائل أن يسأل: ولم التقدير؟ أليس المعنى مفهومًا؟ أليس الأولى أن نأخذ برأي الكوفيين في عدم التعليق؟ وهل من الضروري أنه حين نقول: زيد في الدار أن نقدر كائن في الدار؟ أليس الكلام مفهومًا من غير ذلك؟
وهذا أمر يحتاج إلى شرح وتوضيح.
وإذا قلت (زيد في الدار) فماذا يفهم من هذا الكلام؟ أيفهم أنه قائم في الدار أو جالس أو نائم أم يفهم مجرد الوجود في الدار بلا تخصيص لحالة؟ لا شك أن السامع يفهم مجرد الوجود فإذا أردت أمرًا بعينه فلابد أن تذكر المتعلق، ولا يجوز أن تحذفه إلا لقرينة فتقول: زيد جالس في الدار أو عامل في الدار أو نائم ونحو ذلك. فإذا قلت (زيد في الدار) قصدت الوجود المطلق فيه ولولا هذا التقدير لم يصح الكلام، وإلا فما معنى زيد في الدار؟
стр. 190
معنى (في الدار) داخل الدار، أو باطنه فهل زيد هو باطن الدار، أي فناؤه ورحبته؟ وتقول: (زيد على السطح) فما معنى هذا الكلام؟ معناه أنه موجود على السطح ولا بد من هذا القصد، ولولا هذا القصد لكان المعنى أن زيدًا (على السطح) أي هو الفوق والعلو، وهذا القصد لا يمكن ان يكون.
وكذلك الظرف تقول: (زيد خلفك) والمعنى إنه موجود خلفك، وإلا فما يكون المعنى إن لم يكن هذا القصد؟ أنت أما أن تقصد إنه موجود خلفك، فتنصب الظرف على هذا التقدير، وأما أن تقصد إن زيدًا هو الخلف فترفع الخلف جاء في (همع الهوامع): "إذا قلت (ظهرك خلفك)، جاز رفع الخلف ونصبه، أما الرفع فلأن الخلف في المعنى الظهر وأما النصب فعلى الظرف وكذا ما أشبه ذلك، نحو (نعلك أسفلك)، قال تعالى: ﴿والركب أسفل منكم﴾ [الأنفال: ٤٢]، قريء بالوجهين. فإن كان الظرف المخبر به غير متصرف تعين النصب، نحو: رأسك فوقك، ورجلاك تحتك، بالنصب لا غير، لأن فوق وتحت لا يستعملان إلا ظرفا وقيل يجوز الرفع فيما كان من الجسد كالمثالين المذكورين بخلاف ما ليس منه نحو: فوقك قلنسوتك وتحتك نعلاك" (١).
قال سيبويه: " وأما دونك فإنه لا يرفع أبدًا، وإن قلت (هو دونك في الشرف) لأن هذا إنما هو مثل كما كان هذا مكان ذان في البدل مثلا ..
وإن شئت قلت: (هو دونك)، إذا جعلت الأول الآخر ولم تجعله رجلا وقد يقولون: هو دون في غير الإضافة، أي هو دون من القوم وهذا ثوب دون إذا كان رديئًا ..
وزعم يونس أن ناسًا من العرب يقولون:
انصب للمنية تعتريهم ... رجالي أم هم درج السيول
فجعلهم هو الدرج كما تقول: (زيد قصدك)، إذا جعلت القصد زيدًا وكما يجوز لك أن تقول: (عبد الله خلفُك) إذا جعلته هو الخلف.
стр. 191
وإن قلت: الليلة الهلال، واليوم القتال نصب، والتقدير والتأخير في ذلك سواء وإن شئت رفعت فجعلت الآخر الأول". (١)
تقول: خلفَ زيد سعيدٌ، وتقول: خلفُ زيد قبيح، والفرق واضح بين الجملتين في المعنى. وتقول (أسفل الجبل محمد)، وتقول: (أسفلُ الجبل وعر)، فالجملة الأولى على نية الوجود، وليس الثانية كذلك.
وكذلك تقول: (السفر غدًا) أي ثابت، أو كائن، ولا يصح أن ترفع غدًا، فتقول (السفر غدٌ)، لأن السفر ليس هو الغد، أي ليس هو اليوم، فالسفر حدث وغد هو زمن والسفر، إنما يكون في الزمن ويحصل فيه "فإن استغرق ذلك المعنى جميع الزمان، أو أكثره وكان الزمان نكرة رفع غالبا نحو: الصوم يوم، والسير شهر، إذا كان السير في أكثره، لأنه باستغراقه ايامه كأنه هو، ولا سيما مع التنكير المناسب للخبرية، ويجوز نصب هذا الزمان المنكر وجره بفي نحو: الصوم في يوم أو يومًا .. وإن كان الزمان معرفة نحو: الصوم يوم الجمعة لم يكن الرفع غالبا كما في الأول عند البصريين وأوجب الكوفيون النصب .. فإن وقع الفعل لا في أكثر الزمان سواء كان الزمان معرفا، أو منكرا فالأغلب نصبه أو جره بقي اتفاقا بين الفريقين نحو: الخروج يومًا أو في يوم والسير يوم الجمعة، أو في يوم الجمعة، وأما قوله تعالى: ﴿الحج أشهرٌ معلوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فلتأكيد أمر الحج دعاء الناس إلى الاستعداد له حتى كأن أفعال الحج مستغرقة لجميع الأشهر الثلاثة". (٢)
وربما كان ذاك على تقدير مضاف أي أشهر الحج أشهر معلومات، فيكون الإخبار بالشيء عن نفسه.
стр. 192
الإخبار بالمصدر عن اسم الذات
المصدر هو الحدث المجرد فلا يخبر به عن اسم الذات فلا يصح أن تقول زيد انطلاق ومحمد ركض وخالد بكاء لأن زيدًا ليس انطلاقا، ومحمدًا ليس ركضا، وخالدا ليس بكاء، ولكن قد ورد في اللغة أخبار من هذا القبيل قال تعالى في ابن نوح: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ [هود: ٤٦]، فقال عنه أنه عمل، فأخبر بالمصدر، عن الذات كما أخبر بالذات عن المصدر، في قوله تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقالوا: رجل صوم، ورجل فطر، وإنما أنت سير، وقالت الخنساء تصف ناقتها:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
فأخبرت عن الناقة بقولها (هي إقبال وإدبار) والإقبال والإدبار، لا يكونان خبرا عن الناقة وإنما هي مقبلة مدبرة، فما معنى هذا الإخبار وما الغرض منه؟
الغرض من هذا الإخبار هو المبالغة بجعل العين هو الحدث نفسه، أي أن ابنك يا نوح تحول إلى عمل غير صالح، ولم يبق فيه عنصر من عناصر الذات، والناقة تحولت إلى حدث مجرد من الذات فليس فيها ما يثقلها من عنصر الذات، وإنما هي تحولت إلى إقبال وإدبار، ومثل هذا الوصف بالمصدر نحو (أقبل رجلٌ عدلٌ).
جاء في (الخصائص): "إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده إياه، ويدل على أن هذا معنى لهم ومتصور في نفوسهم قوله:
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنت علينا والضنين من البخل
أي كأنه مخلوق من البخل لكثرة ما يأتي به منه، ومنه قول الآخر:
وهن من الأخلاق والولعان.
стр. 193
وقوله:
وهن من الأخلاق بعدك والمطل
وأصل هذا الباب عندي قول الله : ﴿خلق الإنسان من عجلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، .. وقولك رجل دنف، أقوى معنى لما ذكرناه من كونه كأنه مخلوق من ذلك الفعل: وهذا معنى لا تجده ولا تتمكن منه مع الصفة الصريحة". (١)
وقال: "فإذا قيل (رجل عدل)، فكأنه وصف بجميع الجنس مبالغة كما تقول: استولى على الفضل، وحاز جميع الرياسة والنبل ولم يترك لأحد نصيبًا في الكرم والجود، ونحو ذلك، فوصف بالجنس أجمع تمكينًا لهذا الموضع وتوكيدًا.
وقد ظهر منهم ما يؤيد هذا المعنى، ويشهد به، وذلك نحو قوله ..
ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنت علينا والضنين من البخل.
فهذا كقولك: هو مجبول من الكرم، ومطين من الخير، وهي مخلوقة من البخل .. وأقوى التأويلين في قولها (فإنما هي إقبال وإدبار) أن يكون من هذا، أي كأنها مخلوقة من الإقبال والإدبار، لا على أن يكون من باب حذف المضاف أي ذات إقبال وذات إدبار. ويكفيك من هذا كله قول الله ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ وذلك لكثرة فعله إياه واعتياده له" (٢).
وقال: " قول الله سبحانه ﴿إن أصبح ماؤكم غورًا﴾ [الملك: ٣٠]، أي غائرا ونحو قولها:
فإنما هي إقبال وإدبار.
وما كان مثله من قبل أن من وصف بالمصدر فقال: هذا رجل زور، وصوم، ونحو ذلك، فإنما ساغ ذلك له لأنه أراد المبالغة وأن يجعله هو نفس الحدث لكثرة ذلك منه" (٣).
стр. 194
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "أو لكون واحد من المبتدأ والخبر معنى والآخر عينًا، ولزوم ذلك المعنى لتلك العين حتى صار كأنه هي، كقول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
وقوله تعالى (ولكن البر من آمن)، وإن قدرنا المضاف في مثله في المبتدأ أي (لكن ذا البر من آمن)، وحالها إقبال أو في الخبر نحو: بر من آمن وذات إقبال أو جعلنا المصدر بمعنى الصفة نحو (ولكن البار) وهي مقبلة جاز لكنه يخلو من معنى المبالغة" (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ [هود: ٤٦]، " وجعلت ذاته عملا غير صالح، مبالغة في ذمة كقوله (فإنما هي إقبال وإدبار) " (٢).
وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿وجاءو على قميصه بدم كذب﴾ [يوسف: ١٨]، : "ذي كذب أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه، وكما يقال للكذاب هو الكذب بعينه والزور بذاته ونحوه: فهن به جود وأنتم بخل" (٣).
وتقول: زيد سيرا، وزيد قيامًا، بالنصب وليس في هذا مبالغة، وإنما هو إخبار طبيعي وتقدير الكلام: زيد يسير سيرا، ويقوم قياما فإن قلت: (زيدٌ سيرٌ) بالرفع كان مما نحن فيه وكان من المبالغة، فكأن زيدا هو السير، أي تحول إلى حدث مجرد.
جاء في (الكتاب): "وذلك قولك (ما أنت إلا سيرا) و (ما أنت إلا الضرب الضربَ)، و (ما أنت إلا قتلا قتلا)، و (ما أنت إلا سير البريد سير البريد)، فكأ، هـ قال في هذا كله: ما أنت إلا تفعل فعلا، وما أنت إلا تفعل الفعل، ولكنهم حذفوا الفعل لما ذكرت لك .. وأعلم إن السير إذا كنت مخبرًا عنه في هذا الباب، فإنما تخبر بسير متصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان، وأما قولك: (إنما أنت سيرٌ)، فإنما جعلته خبرًا لأنت ولم تضمر فعلا ..
стр. 195
ومن ذلك قولك: (ما أنت إلا شرب الإبل) و (ما أنت إلا ضرب الناس) و (ما أنت إلا ضربا الناس)، وأما شرب الإبل فلا ينون، لأنه لم يشبهه بشرب الإبل ولأن الشرب ليس بفعل يقع منك على الإبل ..
وإن شئت رفعت هذا كله، فجعلت الآخر هو الأول، فجاز على سعة الكلام، من ذلك قول الخنساء:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار.
فجعلها الإقبال والإدبار، فجاز على سعة الكلام، كقولك: نهارك صائم وليلك قائم" (١).
وجاء نحو هذا في (المقتضب) قال: "زيد سيرا، وزيد أبدًا، قيامًا، وإنما جاز في الإضمار لأن المخاطب يعلم أن هذا لا يكون إلا بالفعل، وأن المصدر إنما يدل على فعله، فكأنك قلت: زيد يسير سيرا، وما أنت إلا تقوم قيامًا، وإن شئت قلت: زيد سير يا فتى، فهذا يجوز على وجهين:
أحدهما: أن يكون زيد صاحب سير، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف، لما يدل عليه كما قال الله ﴿وسئل القرية التي كنا فيها﴾ [يوسف: ٨٢]، إنما هو أهل القرية كما قال الشاعر:
ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال وإدبار.
ويكون على أنه جعلها الإقبال والإدبار لكثرة ذلك منها" (٢).
والراجح أن هذا الضرب فيما أرى ليس من باب حذف المضاف، ولا من باب تأويل المصدر بالوصف، وإنما هو ضرب آخر من الكلام وافتنان فيه بقصد المبالغة.
стр. 196
الخبر النائب مناب الفعل
قد ينوب الخبر عن الفعل كما ينوب المبتدأ عنه، وقد ذكرنا ذلك قبلا. تقول: صبر جميل، وسمع، وطاعة، يعني لأصبر صبرا جميلا وأسمع وأطيع، وهذا يذكره النحاة في باب حذف المبتدأ وجوبا، ويقدرونه: صبري صبر جميل وأمري سمع ونحو ذلك.
وإليك إيضاح ذلك:
الفعل ... المصدر النائب عن فعله ... المصدر النائب عن فعله مخبرا عنه
اصبر صبرا جميلا ... صبرا جميلا ... صبر جميل
اطيعك ... طاعة لك ... طاعة لك
اسمع يا سعيد ... سمعا يا سعيد ... سمع يا سعيد
ارحم الفقراء ... رحمة بالفقراء ... رحمة بالفقراء
أنت ترى أن الجمل الأولى مبدوءة بفعل، والجمل الثانية استغنينا فيها عن الفعل، وجئنا بمصدر منصوب نائب عن فعله، وفي هذه الحال يجب حذف الفعل، والمصدر هنا مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبا، فإنه من المعلوم إذا وقع المصدر بدلا من فعله حذف عامله وجوبا وهو مقيس في الأمر، والنهي والدعاء والخبر أحيانًا، وغير ذلك. (١)
أما الجمل الثانية فهي كالثانية إلا أن المصادر مرفوعة، أي عدل بها من النصب إلى الرفع للدلالة على الثبوت والدوام، كما عرفنا سابقا غير أن المعنى العام واحد، وهو الأمر بالصبر والطاعة ونحوها.
стр. 197
فالجملة الفعلية هي الأصل لما بعدها، والجمل الثانية مبدوءة بمصادر حذف فعلها وجوبا لأنها نابت منابه وتؤدي معناه، والجمل الثالثة مصادر حذف مبتدؤها وجوبا، وهي لا تحتاج إلى المبتدأ لأنها في معنى الفعل، وكما حذف الفعل وجوبا في هذه المصادر حذف المبتدأ وجوبا في هذا الخبر، الذي هو يشبه الفعل، فإن لم يكن المصدر المخبر به نائبا مناب فعله لم يحذف مبتدؤه وجوبا تقول مثلا: (صبري صبر جميل) إذا قصدت الأخبار عن صبرك بأنه صبر جميل، لا بقصد النيابة عن الفعل كما تقول: تمرك تمر جيد وعملي عمل عظيم. فإذا كان القصد النيابة عن الفعل، أي إصبر أو لأصبر حذف مبتدؤه وجوبا. وتقول: (سمعك سمع شديد) كما تقول (دارك دار واسعة) فإذا أردت النيابة عن الفعل قلت: سمع يا سعيد بمعنى اسمع للدلالة على الثبوت، وسمعا يا سعيد للدلالة على التجدد.
قال تعالى على لسان يعقوب ﵇: ﴿فصبر جميل والله المستعان﴾ [يوسف: ١٨]، أي فلأصبر صبرا جميلا، قالها بالرفع ولم يقل صبرا جميلا بالنصب، لأنه أراد الدلالة على الثبوت والدوام، أي صبر دائم ثابت لأصير موقوت، فقد أمر نبي الله نفسه بالصبر لثابت الدائم، الصبر الطويل الذي لا ينقطع، وهذا المعنى لا يكون في النصب، تقول: صبرا يا فلان على هذه المسألة إذا كانت موقوتة، فإذا أردت الصبر الطويل الدائم قلت: صبرٌ يا فلان.
جاء في كتاب سيويه:
" فقالت: حنان ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف
لم ترد تحنن ولكنها قالت: أمرنا حنان أو ما يصيبنا حنان، وفي هذا المعنى كله معنى النصب ..
ومثل ذلك قول الشاعر:
يشكو إلي جملي طول السرى ... صبرٌ جميل فكلانا مبتلى
стр. 198
والنصب أكثر وأجود لأنه يأمره، ومثل الرفع: ﴿فصبر جميل والله المستعان﴾ كأنه يقول: الأمر صبر جميل.
والذي يرفع عليه حنان وصبر وما أشبه ذلك لا يستعمل أظهاره، وترك أظهاره كترك أظهار ما ينصب فيه" (١).
ولست أذهب إلى ما ذهب إليه سيبويه في أن النصب أكثر وأجود، وإنما هو أمر يعود إلى المعنى، فإن أراد الحدوث نصبه، وإن اراد الثبوت رفع كما علمت، وكما ذكر ذلك سيبويه نفسه في أكثر من مناسبة، جاء في (الكتاب): "وكذا إذا قلت: رأيت فيما يرى النائم كذا وكذا، فتقول: خيرا لنا وشرا لعدونا، فإذا نصب فعلى الفعل وأما الرفع فعلى أنه جعل ذلك أمرا ثابتا ولم يرد أن يحمله على الفعل (٢) ". والرفع في القرآن كثير.
وجاء في (التصريح) أنه يحذف المبتدأ وجوبًا إذا "أخبر عنه بمصدر جيء به .. بدلا .. من اللفظ بفعله أي بفعل المصدر، والمراد أنهم تلفطوا بالمصدر عوضا عن تلفظهم بالفعل، نحو: سمع وطاعة وقوله:
فقالت: حنان ما أتى بك ههنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف.
فسمع وحنان خبران لمبتدأين محذوفين وجوبًا، والتقدير أمري حنان، وأمري سمع وطاعة، وأصل هذه المصادر النصب بفعل محذوف وجوبا لأنها من المصادر التي جيء بها بدلا من اللفظ بأفعالها ولكنهم قصدوا الثبوت والدوام، فرفعوها، وجعلوها أخبارا عن مبتدءات محذوفة وجوبا حملا للرفع على النصب" (٣).
وفي (حاشية الصبان) في (سمع وطاعة): " الأصل أسمع سمعًا وأطيع طاعة حذف الفعل اكتفاء بدلالة مصدره عليه ثم عدل إلى الرفع لإفادة الدوام، وأوجبوا حذف المبتدأ
стр. 199
إعطاء للحالة الفرعية حكم الحالة الأصلية التي هي حالة النصب إذ يجب فيها حذف الفعل" (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى ﴿وقولوا حطة﴾، [البقرة: ٥٨]، " وهي خبر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، أو أمرك حطة والأصل النصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات كقوله (صبر جميل فكلانا مبتلى) والأصل صبرًا على اصبر صبرا" (٢).
وقال تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤]، ولم يقل فضرب بالرفع لأن الضرب موقوت بالوقعة، وليس دائمًا ثابتا، ولذلك جاء بها على الحالة الأصلية. جاء في (معاني القرآن): "وأما قوله ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾، [البقرة: ١٧٨]، فإنه رفع وهو بمنزلة الأمر في الظاهر كما تقول: من لقي العدو فصبرا واحتسابا، فهذا نصب ورفعه جائز، وقوله ﵎ ﴿فاتباع بالمعروف﴾ رفع ونصبه جائز، وإنما كان الرفع فيه وجه الكلام، لأنها عامة فيمن فعل، ويراد بها من لم يفعل، فكأنه قال فالأمر فيها على هذا فيرفع، وينصب الفعل إذا كان أمرًا عند الشيء يقع ليس بدائم مثل قولك للرجل: إذا أخذت في عملك فجدا جدًا، وسيرا سيرا، نصبت لأنك لم تنو به العموم فيصير كالشيء الواجب على ما أتاه وفعله ... وأما قوله: ﴿فضرب الرقاب﴾ فإنه حثهم على القتل إذا لقوا العدو ولم يكن الحث كالشيء الذي يجب بفعل قبله، فلذلك نصب وهو بمنزلة قولك: إذا لقيتم العدو فتهليلا وتكبيرا وصدقا عند تلك الوقعة .. كأنه حث لهم" (٣).
стр. 200
العموم في الخبر
لابد في جملة الخبر من رابط يربطها بالمبتدأ (١) وقد يكون الرابط ضميرا نحو (محمد أخوه مسافر) وقد يكون اسم إشارة نحو: ﴿ولباس التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف: ٢٦]، وقد يكون الرابط العموم ومعنى العموم أن يكون الخبر عامًا يدخل فيه المبتدأ. تقول مثلا: "الذي يعتدي على سعيد إنا سنعاقب الظالمين" ولم تقل: أنا سنعاقبه، وثمة فرق بين التعبيرين فإنك إذا قلت سنعاقبه انصرف العقاب عليه وحده. وأما قولك سنعاقب الظالمين فإن العقوبة تنصرب فيه إلى كل ظالم، ولم تختص بالمعتدي على سعيد وحده وبذلك يكون الكلام أوسع وأشمل. وتقول من ضرب زيدًا سنعاقبه، وهناك فرق بين القولين فقولك سنعاقبه يختص بمن ضرب زيدًا، دون غيره فليس هناك إشارة لمن ضرب خالدًا مثلا، أو لمن فعل فعله، فإذا قلت أنا للمعتدين بالمرصاد شمل كل معتد ودخل ضارب زيد في زمرة المعتدين.
قال تعالى: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ [الأعراف: ١٧٠]، ولم يقل أجرهم فبالعدول إلى العموم أفاد فائدتين: أحداهما أن هذا الصنف هم من المصلحين.
والأخرى أن الأجر لا يختص بهؤلاء الصنف من الناس، وإنما يشمل كل المصلحين فدخل فيه هؤلاء وغيرهم من الصلحين. قال ابن القيم في هذه الآية أنه "لم يقل أجرهم تعليقا لهذا الحكم بالوصف وهو كونهم مصلحين وليس في الضمير ما يدل على الوصف المذكور" (٢).
стр. 201
ونحو ذاك وقوله تعالى: ﴿إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ [الكهف: ٣٠]، ولم يقل (أجرهم) وقوله: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين﴾ [البقرة: ٩٨]، ولم يقل (له) للغرض نفسه.
وشبيه بهذا الباب قوله تعالى: ﴿والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وأمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [الأعراف: ١٥٣]، ولم يقل (لغفور رحيم لهم) فلم يخصص المغفرة والرحمة بهم بل جملها عامة مطلقة، ولم يواجههم بغفران ذنوبهم، وإنما ذكر صفة المغفرة والرحمة فعسى أن تنالهم، ففي حذف الضمير فائدتان:
١ - اتساع صفة المغفرة والرحمة ولم يقيدها بهم بل هي عامة شاملة.
٢ - لم يواجههم صراحة بالمغفرة، وإنما ذكر صفة المغفرة والرحمة فعسى أن تنالهم وذلك ليبقوا في حالة طاعة وخشية من معصية.
стр. 202
تعدد الأخبار
قد يتعدد الأخبار عن المبتدأ الواحد فيكون للمبتدأ خبران أو أكثر نحو قولهم (الرمان حلو حامض)، وكقوله تعالى: ﴿وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد﴾ [البروج: ١٤ - ١٥]، وهذه الأخبار قد تأتي متعاطفة بالواو، وقد تأتي غير متعاطفة، ويذكر النحاة لها من حيث اقترانها بالواو، أحوالاً ثلاثة:
١ - قسم يجب فيه ذكر الواو، وهو أن يتعدد الخبر لتعدد ما هو له، أو بعبارة أخرى أن تكون الأخبار متعددة لأن المخبر عنهم متعددون، كأن تقول: "بنوك كاتب وصائغ وفقيه" أي بعضهم كاتب، وبعضهم صائغ، وبعضهم فقيه. وهما عالم وجاهل، وبهذا حصل الفرق، "بين هذا النوع ونحو (هم سراة شعراء) لأن تعدد الخبر فيه، ليس لتعدد المبتدأ، لأن كلا من أفراد المبتدأ، فيه متصف بأنه سري شاعر بخلاف نحو بنوك كاتل وصائغ وفقيه فإنه لم يتصف كل من البنين بالأوصاف الثلاثة، بل اختص كل بوصف فتعدد الخبر لتعدد المبتدأ" (١).
٢ - قسم يجب فيه ترك العطف وهو "ما تعدد في اللفظ دون المعنى، وضابطه أن لا يصدق الأخبار ببعضه عن المبتدأ، كقولهم (الرمان حلو حامض)، بمعنى مز، وزيد أعسر يسر بمعنى أضبط".
فالخبر إنما يكون بمجموع الكلمتين، ولا يصح الاكتفاء بواحدة دون الأخرى، وقد ذهب بعض النحاة إلى أنه يجوز العطف في هذا القسم أيضًا (٢).
٣ - قسم يجوز فيه العطف وتركه كقولك: زيد كريم شجاع، وزيد كريم وشجاع (٣).
стр. 203
وهذا القسم هو محل نظرنا. فما الفرق بين العطف وتركه؟ ما الفرق بين قولنا: (زيد كريم شجاع)، و (زيد كريم وشجاع)؟
يقول النحاة: "إذا تكررت النعوت لواحد فالأحسن أن تباعد معنى الصفات العطف نحو: ﴿هو الأول والأخر والظاهر والباطن﴾ [الحديد: ٣]، وغلا تركه نحو: ﴿ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم﴾ [القلم: ١٠ - ١٣] (١).
وقد جاء في (البرهان) في تعدد الصفات: " ومقتضااها ألا يعطف بعضها على بعض لإتحاد محلها، ولجريها مجرى الوصف في الصدق على ما صدق، ولذلك يقل عطف بعض صفات الله على بعض في التنزيل، وذلك كقوله: ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿الخالق الباريء المصور﴾ [الحشر: ٢٤].
وإنما عطف قوله: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ لأنها أسماء متضادة المعاني في موضوعها، فوقع الوهم بالعطف عمن يستبعد ذلك في ذات واحدة، لأن الشيء لا يكون ظاهرًا باطنا من وجه، وكان العطف فيه أحسن. ولذلك عطف (الناهون)، على (الآمرون) و (أبكارا) على (ثيبات) في قوله ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله﴾ [التوبة: ١١٢]، وقوله: ﴿أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا﴾ [التحريم: ٥]، فجاء العطف لأنه لا يمكن اجتماعهما في محل واحد بخلاف ما قبله" (٢).
الواو للاهتمام والتحقيق:
التحقيق في هذه المسألة أن الواو تدل على الاهتمام، وتحقيق الأمر ولذا عطف بها بين الصفات المتباعدة، قال تعالى: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾، إذ يبعد في الذهن
стр. 204
اجتماع هذه الصفات المتباعدة المتناقضة في الظاهر في ذات واحدة، فجاء بالواو تحقيقا وتقريرا لهذه الأمر، تقول: (زيد شاعر فقيه) فإذا كان المخاطب يعجب من اجتماع هذين الوصفين فيه أولا يظن أن زيدا كذلك جئت بالواو. تقول مثلا لصاحبك: (زيد شاعر) فيقول: أهو شاعر؟ لا أعلم عنه ذاك، فتقول له: (وفقيه) فيعجب ويقول: (وفقيه أيضا) فتقول: (وطبيب). وهذا مكان الواو، لأن فيها اهتماما، وتحقيقا وتوكيدا، ولا يحسن ههنا ترك الواو، وبهذا يمكن ان نفهم كثيرا من التعبيرات، وسر الاتيان بالواو في الأخبار والأحوال والنعوت وغيرها، قال ابن القيم: "أن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم، وتقديره يكون في الكلام متضمنا لنوع من التأكيد من مزيد التقرير، وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة إلى ما نحن فيه إذا كان الرجل مثلا أربع صفات، هو عالم، وجواد، وشجاع، وغني، وكان المخاطب لا يعلم ذلك، أو لا يقر به، ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل، فإذا قلت: (زيد عالم) وكان ذهنه استبعد ذلك، فتقول (وجواد) أي وهو مع ذلك جواد، فإذا قدرت استبعاده لذلك قلت (وشجاع) أي وهو مع ذلك شجاع، وغنى فيكون في العطف مزيد تقرير وتوكيد لا يحصل بدونه تدرأ به توهم الإنكار". (١)
قال تعالى: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ [التوبة: ١١٢]، فأنت ترى أنه جاء مع الناهين عن المنكر بالواو، لزيادة الاهتما بهذه الخصلة، لأنها قد تؤدي إلى الاحتكاك والصدام. بخلاف الصفات الباقية وتحتاج إلى صبر وعناء، وحكمة ومشقة قال الامام الرازي: "في إدخال الواو على هؤلاء والناهون وذلك لأن كل ما سبق من الصفات عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه، ولا تعلق لشيء منها بالغير. أما النهي عن المنكر فعبادة متعلقة بالغير، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب، وظهور الخصومة، وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي، وربما حاول قتله فكان النهي عن المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات، فأخل عليها الواو تنبيها على ما يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة" (٢).
стр. 205
قال تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون﴾، وقال: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾، قال الإمام الرازي: "فأنت قلت: كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم)؟ قلت: الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية وإن زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف" (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجمًا بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢]، "فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة ولم دخلت عليها دون الأولين؟ " قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة، وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن إتصافه بها أمر ثابت مستقر. وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا سبعة، وثامنهم كلبهم، قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ولم يرحموا بالظن كما غيرهم" (٢).
وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمران: ١٧]، : "الواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها" (٣).
وانظر إلى الفرق بين قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطياكم وسنزيد المحسنين﴾ [البقرة: ٥٨].
وقوله: ﴿وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين﴾ [الأعراف: ١٦١]، فانظر كيف جاء في الآية الأولى بالواو الدالة على الاهتمام والتنويع بقوله (وسنزيد المحسنين)، ولم يأت بها في الثانية.
стр. 206
والمقام في كل آية من الآيتين يقتضي ذلك فبناء الفعل للمجول في الثانية (وإذ قيل لهم) بخلاف الأولى (وإذا قلنا) بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه، وقوله (اسكنوا هذه القرية وكلوا)
أي أن الأكل مع السكن والاستقرار لا بمجرد الدخول كما في الأولى (ادخلوا فكلوا) وحذف (رغدا) من الثانية بخلاف الأولى، وقوله (نغفر لكم خطيئاتكم) والخطيئات جمع قلة بخلاف الأولى (نغفر لكم خطاياكم) والخطايا جمع كثرة ناسب ذلك حذف الواو الدالة على الاهتمام والتحقيق في الثانية بعكس الآية الأولى (١).
стр. 207
الأفعال الناقصة (كان وأخواتها)
ذهب جمهور النحاة إلى أن هناك في العربية أفعالا تسمى أفعالا ناقصة وأشهرها: كان وظل، وأصبح وأضحى، أمسى بات، صار، ليس، مازال، ما برح، ما فتيء، ما انفك، ما دام.
واختلفوا في سبب تسميتها ناقصة، فذهب أكثر النحاة إلى أنها سميت ناقصة، لأن سائر الأفعال تدل على الحدث والزمن، في حين أن هذه الأفعال لا تدل على الحدث، وإنما هي تدل على الزمن فقط فكانت ناقصة لتجردها من الحدث.
وذهب آخرون إلى أنها سميت ناقصة، لأنها لا تكتفي بمرفوعها وإنما هي تفتقر إلى المنصوب أيضا، فتسمية هذه الأفعال كذلك لنقصانها عن بقية الأفعال، بالإفتقار إلى شيئين. (١)
ونحو هنا لا نريد أن نبحث فكرة النقص والتمام، لأن الذي يعنينا في بحثنا هذا هو الاستعمال والمعنى، وهذا هو المقصد الأول من هذا البحث، وعلى آية حال لا شك أن هذه الأفعال تدخل كثيرا على اسم مرفوع ومنصوب، أصلهما عند الجمهور مبتدأ وخبر، وقد تكتفي بمرفوعها وتسمى حينئذ تامة.
وهي لا تدخل على المبتدأ اللازم الصدر كأسماء الشرط والأستفهام والمقرون بلام الابتداء عدا ضمير الشأن، ولا تدخل على المبتدأ اللازم الحذف، كالمخبر عنه بنعت مقطوع، ولا ما لزم الابتداء كقولهم: أقل رجل يقول ذاك، ولله درك، وما التعجبية، وما تضمن معنى الدعاء كقولهم: سلام عليك وويل له، وكذا مصحوب لولا الامتناعية وإذا الفجائية. (٢)
стр. 208
كما لا تدخل على الخبر إذا كان جملة طلبية، فلا يقال (كان زيد أضربه)، وشرط ما تدخل عليه، صار وما بمعناها، ودام وزال، وأخواتها، زيادة على ما سبق، أن لا يكون خبره فعلا ماضيًا فلا يقال: (صار زيد علم)، وكذا البواقي لأنها تفهم الدوام على الفعل، واتصاله بزمن الأخبار، والماضي يفهم الانقطاع وهذا متفق عليه (١).
كان
ذهب أكثر النحاة إلى أن (كان) ليس فيها عنصر الحدث وإنما تجردت للزمن فقط، قال ابن يعيش "وأما كونها ناقصة فإن الفعل الحقيقي يدل على معنى وزمان نحو قولك (ضرب) فإنه يدل على ما مضى من الزمان فقط، و (يكون) تدل على ما أنت فيه، أو على ما يأتي من الزمان، فهي تدل على زمان فقط فلما نقصت دلالتها كانت ناقصة .. إلا أنها لما دخلت على المبتدأ والخبر، وأفادت الزمان في الخبر، صار الخبر كالعوض من الحدث فلذلك لا تتم الفائدة بمرفوعها، حتى تأتي بالمنصوب" (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "وما قال بعضهم من أنها سميت ناقصة، لأنها تدل على الزمان دون المصدر ليس بشيء لأن (كان) في نحو:
(كان زيد قائمًا)، يدل على الكون الذي هو الحصول المطلق، وخبره يدل على الكون المخصوص وهو كون القيام أي حصوله، فجيء أولا بلفظ دال على حصول ما، ثم عين بالخبر ذلك الحاصل، فكأنك قلت: حصل شيء، ثم قلت: حصل القيام، فالفائدة في إيراد مطلق الحصول أولا. ثم تخصيصه كالفائدة في ضمير الشأن على قبل (٣) تعين الشأن .. مع فائدة أخرى ههنا وهي دلالته على تعيين زمان ذلك الحصول المقيد، ولو قلنا (قام زيد)، لم تحصل هاتان الفائدتان معًا فكان يدل على حصول حدث مطلق تقييده
стр. 209
في خبره، وخبره يدل على حدث معين واقع في زمان مطلق تقييده في كان، لكن دلالة (كان) على الحدث المطلق أي الكون، وضعية ودلالة الخبر على الزمان المطلق عقلية ..
فمعنى (كان زيد قائمًا) إن زيدا متصف بصفة القيام، المتصف بصفة الكون، أي الحصول والوجود" (١).
والحقيقة إنها تدل على الحدث الذي هو الكون، بدليل أنه يأتي منها المصدر واسم الفاعل قال الشاعر.
وكونك إياه عليك يسير
وقال
وما كل من يبدي البشاشة كائنًا ... أخاك إذا لم تلفه لك منجدا
والمصدر هو الحدث المجرد من الزمن، واسم الفاعل يدل على الحدث، وذات الفاعل فهي إذن تدل على الحدث وهو الكون
معانيها واستعمالاتها
(كان) فعل ماض ناقص، غير أنها لا تختص بالماضي فقط، بل قد تكون لغيره كما يرى قسم كبير من النحاة وأبرز معانيها التي تأتي إليها هي:
١ - الماضي المنقطع: وهو الغالب عليها كأن تقول: (كان عمر عادلا) و (كان خالد غنيا وأصبح فقيرًا) ومنه قوله تعلى: ﴿كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا﴾ [التوبة: ٦٩]، وقوله: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض﴾ [النمل: ٤٨] (٢).
стр. 210
والماضي المنقطع على ضربين:
أ - ضرب يراد به الاتصاف بالحدث في الزمن الماضي على وجه الثبوت نحو (كان محمدًا شاعرا) و (كانوا أشد منكم قوة) أي متصفين بهذه الصفات على وجه الثبوت، وهذا إذا كان خبرها اسمًا.
ب - وضرب يراد به أنه حصل مرة، ولم يكن وصفا ثابتًا، وذلك إذا كان خبرها فعلا ماضيًا، وذلك كقوله تعالى: ﴿ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار﴾ [الأحزاب: ١٥]، أي أحدثوا معه عهدا سابقا قال ابن يعيش:
"لا يحسن وقوع الفعل الماضي في خبر (كان) لأن أحد اللفظين يغني عن الآخر" (١).
وهذا مردود فقد ورد في القرآن ذلك في الشرط وغيره قال تعالى: ﴿فلما رءا قميصه قد من دبر﴾ [يوسف: ٢٨]، وقال ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ [المائدة: ١١٦]، وقال: ﴿تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر﴾ [القمر: ١٤]، وقال: ﴿فلولا كانت قرية أمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس﴾ [يونس: ٩٨].
فإذا كان خبرها فعلا ماضيا، دل على أن الأمر حصل مرة فثمة فرق بين قولنا (كان محمد كاتبًا) وقولنا (كان محمد كتب في هذا الأمر) فالأول وصف دائم، والثاني لمن قام بالفعل مرة واحدة، ونحوه قولك (كان زيد فاجرًا) أي متصفا بالفجور. و (كان زيد فجر) أي حصل له ذلك مرة ومنه قوله:
فاغفر له اللهم إن كان فجر
ونحوه قولك: (كان زيد كاذبا) أي متصفا بالكذب و (كان زيد كذب) أي مرة.
٢ - الماضي المتجدد والمعتاد: وذلك إذا كان خبرها فعلا مضارعًا وهو نوعان:
стр. 211
أ - الماضي المستمر وهو ما حدث مرة وكان مستمرا في حينه نحو (كنت اقرأ في كتابي فجاءني خالد) أي كنت مستمرًا على القراءة فجاءني خالد.
ب - الماضي المعتاد أو الدلالة على العادة في الماضي، أي كان الفاعل يعتاد الفعل نحو (كان يقوم الليل) و (كان زيد يفعل هذا الأمر) قال تعالى:
﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧]، أي هذه عادتهم.
وقال:
﴿وكان يأمر أهله بالصلاة﴾ [مريم: ٥٥]، أي كان مستمرًا على ذلك وقال ﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقال:
﴿قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباءنا﴾ [الأعراف: ٧٠].
فهذه كلها تدل على الماضي المستمر أو العادة جاء في (البرهان): "ومن هذا الباب الحكاية عن النبي ﷺ بلفظ (كان يصوم) و (كنا نفعل)، وهو عند أكثر الفقهاء والأصوليين يفيد الدوام، فإن عارضه ما يقتضي عدم الدوام مثل أن يروى (كان يمسح مرة)، ثم نقل عنه (أنه يمسح ثلاثا) فهذا من باب تخصيص العموم" (١).
وقد تدل على الاعتياد في الماضي إذا كان خبرها شرطًا نحو قولنا: (كان محمد إذا سئل أعطى) ومنه قوله تعالى: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥].
٣ - توقع الحدوث في الماضي: تقول (كان محمد سيفعل هذا) أي كان متوقعًا منه الفعل في الماضي، أو بمعنى أنه كان ينوي فعله في الماضي جاء في (الخصائص): "كان زيد سيقوم أمس: أي كان متوقعًا منه القيام فيما مضى" (٢).
стр. 212
٤ - الدوام والاستمرار بمعنى (لم يزل) وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء: ٩٦]، وقوله: ﴿وكنا بكل يء عالمين﴾ [الأنبياء: ٨١]، أي لم نزل كذلك (١)، وقوله: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١]، ونحوها جاء في (التسهيل): "وتختص كان بمرادفة (لم يزل) كثيرًا" (٢).
وجاء في (الهمع): "تختص كان بمرادفة لم يزل كثيرا، أي أنها تأتي دالة على الدوام وأن كان الأصل فيها أن يدل على حصول ما دخلت عليه، فيما مضى مع انقطاعه عند قوم وعليه الأكثر كما قال أبو حيان، أو سكوتها عن الانقطاع وعدمه عند آخرين وجزم به ابن مالك، ومن الدالة على الدوام الواردة في صفات الله تعالى نحو: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ [النساء: ١٣٤]، أي لم يزل متصفا بذلك" (٣).
وأنكر بعضهم مجيئها لهذا المعنى، قال الرضي: "وذهب بعضهم إلى أن (كان) يدل على استمرار مضمون الخبر في جيع زمن الماضي، وشبهته قوله تعالى: ﴿وكان الله سميعًا بصيرا﴾ وذهل أن الاستمرار مستفاد من قرينة وجوب كون سميعًا بصيرًا من لفظ (كان). ألا ترى أنه يجوز (كان زيدا نائمًا نصف ساعة فاستيقظ) وإذا قلت (كان زيدا ضاربًا) لم يستفد الاستمرار، وكان قياسًا ما قال أن يكون (كن)، و (يكون) أيضًا للاستمرار" (٤).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]، "كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طاريء ومنه قوله تعالى:
стр. 213
﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، ومنه قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة﴾، كأنه قيل: وجدتم خير أمة" (١).
وجاء في (البرهان): "وقد اختلف النحاة وغيرهم في أنها تدل على الانقطاع على مذاهب:
أحدها: أنها تفيد الانقطاع لأنه فعل يشعر بالتجديد.
والثاني: لا تفيده بل تقتضي الدوام والاستمرار .. وقال الراغب في قوله تعالى ﴿وكان الشيطان لربه كفورا﴾ [الإسراء: ٢٧]، نبه بقوله (كان) على أنه لم يزل منذ أوجد منطويا على الكفر.
والثالث: أنه عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل عدم سابق، ولا على انقطاع طاريء، ومنه قوله تعالى ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ قاله الزمخشري في قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ ..
والصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري، وأنها تفيد اقتران معنى الجملة التي تليها بالزمن الماضي لا غير ولا دالة لها في نفسها على انقطاع ذلك المعنى، ولا بقائه، بل إن أفاد الكلام شيئا من ذلك كان لدليل آخر ..
فحيث وقع الأخبار بـ (كان) عن صفة ذاتية (الله)، فالمراد الأخبار عن وجودها. وإنها لم تفارق ذاته، ولهذا يقررها بعضهم بما زال، فرارا مما يسبق إلى الوهم، إن كان يفيد انقطاع المخبر به عن الوجود لقولهم: دخل في خبر كان ..
وحيث وقع الإخبار بها عن صفة فعلية، فالمراد تارة الأخبار عن قدرته عليها في الأزل نحو كان الله خالقا ورازقا ومحييا ومميتا، وتارة تحقيق نسبته إلىه نحو ﴿وكنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وتارة ابتداء الفعل وانشاؤه نحو ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ [القصص: ٥٨] ..
стр. 214
وحيث أخبر بها عن صفات الآدميين، فالمراد التنبيه على أنها فيه عزيزة وطبيعة مركوزة في نفسه نحو ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١]، ﴿وإنه كان ظلومًا جهولا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وحيث أخبر بها عن أفعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة، بالزمان نحو ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ [الأنبياء: ٩٠] " (١).
والذي أراه في نحو قوله تعالى: ﴿إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١]، أن معناه أنه هذا كونه، أي إن الله كونه عليم حكيم، أي هذا وجوده وحقيقته وصفته، وإن الإنسان كونه عجول منذ خلق، وكذلك قوله: ﴿وكان الإنسان قتورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠]، أي هذا كونه الذي وجد عليه وخلقته التي خلق عليها، وكذلك قوله: ﴿إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١]، أي هذا شأنه وكونه منذ القدم. ونحو ذلك قوله تعالى ﴿إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾ [النساء: ١٠١] أي منذ القديم بخلاف قولنا (هم لكم عدو) فإنه ليس الوغول في القدم.
وقد يأتي لمعنى آخر وذلك إن قوله تعالى: ﴿إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [النساء: ١١]، أي يعلم الأمر قبل وقوعه وهذا أكمل من العلم عند الوقوع أو بعده. قال تعالى: ﴿وكنا بكل شيء عالمين﴾ [الأنبياء: ٨١] وهذا فيما أرى أكمل من القول ونحن بكل شيء عالمون ذلك لأن هذا كان قبل وقوعه، فهو علم بما لم يقع بخلاف نحن عالمون فإنه ليس نصبا في ذلك، وهذا كما تقول لصاحبك في أمر كنت تنهاه عنه فلم ينته، فجاءه منه سوء لم يكن في حسبانه: "أنا كنت عارفا بهذه النتيجة منذ زمن طويل وكنت أعلمها علم اليقين" لتدل على مقدار علمك وصدق ضنك البعيد في الزمن.
قال تعالى ﴿آباءكم وأبناءكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيمًا﴾ [النساء: ١١]، فجاء بـ (كان) ذلك أن الآية في مقام التشريع لأمر مجهول
стр. 215
لا يعلم حقيقته البشر فإننا لا ندري من أقرب لنا نفعًا آباؤنا أو أبناؤنا. والمطلوب من الشارع أن يكون عارفًا بالأمر قبل وقوعه، حتى يكون تشريعه سليما صحيحا، ونحن لا نعلم بالشيء إلا بعد وقوعه أو بعد ظهور الأمارات الدالة عليه، ولكن الله عليم بذلك منذ الأزال فناسب أن يجيء بكان مقابل جهل الإنسان المستمر فإنه لما ذكر طبيعة الإنسان في الجهل بقوله: ﴿آباؤك وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا﴾ ناسب ذلك أن يجيء بعلم الله وحكمته القديمين فقال: ﴿إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾، والله أعلم.
٥ - الدلالة على الحال، وجعل منه قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ [النمل: ٢٠]، وقوله: ﴿لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾ [يس: ٧٠]، وقوله: ﴿اما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبين﴾ [الأحزاب: ٤٠].
والذي أراه أنها بمعنى المضي فمعنى قوله: ﴿كنت خير أمة﴾: "وجدتم خير أمة، وقيل كنتم في علم الله خير أمة، وقيل كنتم في الأمم مذكورين بأنك خير أمة موصوفين به" (٢)، وقوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتا﴾ أي فرضت عليهم أو كتبت عليهم كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهي مفروضة على المؤمنين منذ القديم. وكذلك البواقي.
٦ - الإستقبال: وجعل منه قوله تعالى: ﴿ويخافون يومًا كان شره مستطيرا﴾ [الإنسان: ٧] (٣)، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا﴾ [الإنسان: ٥]، وقوله: ﴿إن الإنسان أمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ [الكهف: ١٠٧].