أ - الماضي المستمر وهو ما حدث مرة وكان مستمرا في حينه نحو (كنت اقرأ في كتابي فجاءني خالد) أي كنت مستمرًا على القراءة فجاءني خالد.
ب - الماضي المعتاد أو الدلالة على العادة في الماضي، أي كان الفاعل يعتاد الفعل نحو (كان يقوم الليل) و (كان زيد يفعل هذا الأمر) قال تعالى:
﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون﴾ [الذاريات: ١٧]، أي هذه عادتهم.
وقال:
﴿وكان يأمر أهله بالصلاة﴾ [مريم: ٥٥]، أي كان مستمرًا على ذلك وقال ﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقال:
﴿قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباءنا﴾ [الأعراف: ٧٠].
فهذه كلها تدل على الماضي المستمر أو العادة جاء في (البرهان): "ومن هذا الباب الحكاية عن النبي ﷺ بلفظ (كان يصوم) و (كنا نفعل)، وهو عند أكثر الفقهاء والأصوليين يفيد الدوام، فإن عارضه ما يقتضي عدم الدوام مثل أن يروى (كان يمسح مرة)، ثم نقل عنه (أنه يمسح ثلاثا) فهذا من باب تخصيص العموم" (١).
وقد تدل على الاعتياد في الماضي إذا كان خبرها شرطًا نحو قولنا: (كان محمد إذا سئل أعطى) ومنه قوله تعالى: ﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾ [الصافات: ٣٥].
٣ - توقع الحدوث في الماضي: تقول (كان محمد سيفعل هذا) أي كان متوقعًا منه الفعل في الماضي، أو بمعنى أنه كان ينوي فعله في الماضي جاء في (الخصائص): "كان زيد سيقوم أمس: أي كان متوقعًا منه القيام فيما مضى" (٢).
стр. 212
٤ - الدوام والاستمرار بمعنى (لم يزل) وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء: ٩٦]، وقوله: ﴿وكنا بكل يء عالمين﴾ [الأنبياء: ٨١]، أي لم نزل كذلك (١)، وقوله: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١]، ونحوها جاء في (التسهيل): "وتختص كان بمرادفة (لم يزل) كثيرًا" (٢).
وجاء في (الهمع): "تختص كان بمرادفة لم يزل كثيرا، أي أنها تأتي دالة على الدوام وأن كان الأصل فيها أن يدل على حصول ما دخلت عليه، فيما مضى مع انقطاعه عند قوم وعليه الأكثر كما قال أبو حيان، أو سكوتها عن الانقطاع وعدمه عند آخرين وجزم به ابن مالك، ومن الدالة على الدوام الواردة في صفات الله تعالى نحو: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ [النساء: ١٣٤]، أي لم يزل متصفا بذلك" (٣).
وأنكر بعضهم مجيئها لهذا المعنى، قال الرضي: "وذهب بعضهم إلى أن (كان) يدل على استمرار مضمون الخبر في جيع زمن الماضي، وشبهته قوله تعالى: ﴿وكان الله سميعًا بصيرا﴾ وذهل أن الاستمرار مستفاد من قرينة وجوب كون سميعًا بصيرًا من لفظ (كان). ألا ترى أنه يجوز (كان زيدا نائمًا نصف ساعة فاستيقظ) وإذا قلت (كان زيدا ضاربًا) لم يستفد الاستمرار، وكان قياسًا ما قال أن يكون (كن)، و (يكون) أيضًا للاستمرار" (٤).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]، "كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طاريء ومنه قوله تعالى:
стр. 213
﴿وكان الله غفورا رحيما﴾، ومنه قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة﴾، كأنه قيل: وجدتم خير أمة" (١).
وجاء في (البرهان): "وقد اختلف النحاة وغيرهم في أنها تدل على الانقطاع على مذاهب:
أحدها: أنها تفيد الانقطاع لأنه فعل يشعر بالتجديد.
والثاني: لا تفيده بل تقتضي الدوام والاستمرار .. وقال الراغب في قوله تعالى ﴿وكان الشيطان لربه كفورا﴾ [الإسراء: ٢٧]، نبه بقوله (كان) على أنه لم يزل منذ أوجد منطويا على الكفر.
والثالث: أنه عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل عدم سابق، ولا على انقطاع طاريء، ومنه قوله تعالى ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾ قاله الزمخشري في قوله تعالى ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ ..
والصواب من هذه المقالات مقالة الزمخشري، وأنها تفيد اقتران معنى الجملة التي تليها بالزمن الماضي لا غير ولا دالة لها في نفسها على انقطاع ذلك المعنى، ولا بقائه، بل إن أفاد الكلام شيئا من ذلك كان لدليل آخر ..
فحيث وقع الأخبار بـ (كان) عن صفة ذاتية (الله)، فالمراد الأخبار عن وجودها. وإنها لم تفارق ذاته، ولهذا يقررها بعضهم بما زال، فرارا مما يسبق إلى الوهم، إن كان يفيد انقطاع المخبر به عن الوجود لقولهم: دخل في خبر كان ..
وحيث وقع الإخبار بها عن صفة فعلية، فالمراد تارة الأخبار عن قدرته عليها في الأزل نحو كان الله خالقا ورازقا ومحييا ومميتا، وتارة تحقيق نسبته إلىه نحو ﴿وكنا فاعلين﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وتارة ابتداء الفعل وانشاؤه نحو ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ [القصص: ٥٨] ..
стр. 214
وحيث أخبر بها عن صفات الآدميين، فالمراد التنبيه على أنها فيه عزيزة وطبيعة مركوزة في نفسه نحو ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١]، ﴿وإنه كان ظلومًا جهولا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وحيث أخبر بها عن أفعالهم دلت على اقتران مضمون الجملة، بالزمان نحو ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾ [الأنبياء: ٩٠] " (١).
والذي أراه في نحو قوله تعالى: ﴿إن الله كان سميعًا بصيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وقوله: ﴿وكان الإنسان عجولا﴾ [الإسراء: ١١]، أن معناه أنه هذا كونه، أي إن الله كونه عليم حكيم، أي هذا وجوده وحقيقته وصفته، وإن الإنسان كونه عجول منذ خلق، وكذلك قوله: ﴿وكان الإنسان قتورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠]، أي هذا كونه الذي وجد عليه وخلقته التي خلق عليها، وكذلك قوله: ﴿إن الباطل كان زهوقا﴾ [الإسراء: ٨١]، أي هذا شأنه وكونه منذ القدم. ونحو ذلك قوله تعالى ﴿إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾ [النساء: ١٠١] أي منذ القديم بخلاف قولنا (هم لكم عدو) فإنه ليس الوغول في القدم.
وقد يأتي لمعنى آخر وذلك إن قوله تعالى: ﴿إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾ [النساء: ١١]، أي يعلم الأمر قبل وقوعه وهذا أكمل من العلم عند الوقوع أو بعده. قال تعالى: ﴿وكنا بكل شيء عالمين﴾ [الأنبياء: ٨١] وهذا فيما أرى أكمل من القول ونحن بكل شيء عالمون ذلك لأن هذا كان قبل وقوعه، فهو علم بما لم يقع بخلاف نحن عالمون فإنه ليس نصبا في ذلك، وهذا كما تقول لصاحبك في أمر كنت تنهاه عنه فلم ينته، فجاءه منه سوء لم يكن في حسبانه: "أنا كنت عارفا بهذه النتيجة منذ زمن طويل وكنت أعلمها علم اليقين" لتدل على مقدار علمك وصدق ضنك البعيد في الزمن.
قال تعالى ﴿آباءكم وأبناءكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيمًا﴾ [النساء: ١١]، فجاء بـ (كان) ذلك أن الآية في مقام التشريع لأمر مجهول
стр. 215
لا يعلم حقيقته البشر فإننا لا ندري من أقرب لنا نفعًا آباؤنا أو أبناؤنا. والمطلوب من الشارع أن يكون عارفًا بالأمر قبل وقوعه، حتى يكون تشريعه سليما صحيحا، ونحن لا نعلم بالشيء إلا بعد وقوعه أو بعد ظهور الأمارات الدالة عليه، ولكن الله عليم بذلك منذ الأزال فناسب أن يجيء بكان مقابل جهل الإنسان المستمر فإنه لما ذكر طبيعة الإنسان في الجهل بقوله: ﴿آباؤك وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا﴾ ناسب ذلك أن يجيء بعلم الله وحكمته القديمين فقال: ﴿إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾، والله أعلم.
٥ - الدلالة على الحال، وجعل منه قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾ [النساء: ١٠٣] (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾ [النمل: ٢٠]، وقوله: ﴿لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين﴾ [يس: ٧٠]، وقوله: ﴿اما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبين﴾ [الأحزاب: ٤٠].
والذي أراه أنها بمعنى المضي فمعنى قوله: ﴿كنت خير أمة﴾: "وجدتم خير أمة، وقيل كنتم في علم الله خير أمة، وقيل كنتم في الأمم مذكورين بأنك خير أمة موصوفين به" (٢)، وقوله: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتا﴾ أي فرضت عليهم أو كتبت عليهم كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣]، فهي مفروضة على المؤمنين منذ القديم. وكذلك البواقي.
٦ - الإستقبال: وجعل منه قوله تعالى: ﴿ويخافون يومًا كان شره مستطيرا﴾ [الإنسان: ٧] (٣)، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا﴾ [الإنسان: ٥]، وقوله: ﴿إن الإنسان أمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا﴾ [الكهف: ١٠٧].
стр. 216
والذي أراه في مثل هذا أنه من باب تنزيل المستقبل منزلة الماضي، لبيان أنه محقق الوقوع وأنه بمنزلة ما مضى وفرغ منه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من السماوات ومن في الأرض﴾، [الزمر: ٦٨]، وقوله: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا﴾ [الزمر: ٧٣]، وهذا في القرآن كثير، فإن القرآن كثيرا ما يخبر عن المستقبل بلفظ الماضي لبيان أن هذا المستقبل بمنزلة ما مضى فكما أن الذي وقع وحصل لا شك فيه، فهذا كذلك.
٧ - بمعنى صار: وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا﴾ [النبأ: ١٩ - ٢٠]، وقوله: ﴿وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة﴾ [الواقعة: ٥ - ٧] (١).
(جاء في شرح ابن يعيش): "والعرب تستعير هذه الأفعال فتوقع بعضها مكان بعض فأوقعوا (كان) هنا موقع (صار) لما بينهما من التقارب في المعنى لأن (كان) لما انقطع وانتقل من حال إلى حال، ألا تراك تقول: قد كنت غائبا وأنا الآن حاضر، فصار كذلك تفيد الانتقال من حال إلى حال، نحو قولك (صار زيد غنيا) أي أنتقل من حال إلى هذه الحال كما استعملوا (جاء) في معنى (صار) في قولهم: ما جاءت حاجتك؟ لأن (جاء) تفيد الحركة والانتقال كما كانت (صار) كذلك" (٢).
والذي أراه أنه ليست كان بمعنى صار، وإنما لها معنى أخر فإنك لو أبدلت (صار) بـ (كان) ما سدت مسدها، فإذا قلت بدل قوله تعالى: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت ورده كالدهاء﴾ [الرحمن: ٣٧]، فصارت وردة، أو بدل قوله تعالى: ﴿وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا﴾ فصارت أبوابًا وسرابًا لم تجد المعنى كما كان ثم. فإن المقصود بصار هو التحول والصيرورة وقد يكون هذا التحول بعد مدة كأن تقول:
стр. 217
صار الطين حجرًا وصار محمد شيخًا، فالصيروة قد تقتضي الزمن الطويل بخلاف (كان) فإنها تطوي الزمن فقوله تعالى ﴿فكانت أبوابًا﴾ أي كان هذا شأنها منذ الماضي وكأن هذا هو وجودها، ونحو ﴿وبست الجبال بسًا. فكانت هباء منبثا﴾ كأنه حالتها الجديدة حاصلة قبل النظر والمشاهدة، وكأنها هي هكذا منذ القدم.
٨ - بمعنى ينبغي وبمعنى القدرة والاستطاعة نحو: (ما كان له أن يفعله) أي ما أنبغي له ذلك ونحوه قوله تعالى: ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله﴾ [آل عمران: ٧٩]، أي ما ينبغي له، وذلك بدلالة قوله تعالى: ﴿ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء﴾ [الفرقان: ١٨].
وفي (الكشاف): " ما يكون لي: ما ينبغي لي " (١).
وتأتي بمعنى القدرة والاستطاعة نحو قوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وقوله: ﴿فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم ما أن تنبتوا شجرها﴾ [النمل: ٦٠]، أي لا تستطيعون ذلك. جاء في (الإتقان): "وترد (كان) بمعنى ينبغي نحو ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ ﴿ما يكون لنا أن نتكلم بهذا﴾ [النور: ١٦] (٢) ".
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا﴾ [النساء: ٩٢].
" وما كان لمؤمن: وما صح له ولا استقام ولا لاق بحاله، كقوله: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾ [آل عمران: ١٦١]، [وما يكون لنا أن نعود فيها] [الأعراف: ٨٩] (٣) ".
стр. 218
وجاء في (التفسير الكبير) للرازي في قوله تعالى ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧]، "ما كان: معناه النفي والتنزيه، أي ما يجب وما ينبغي أن يكون له المعنى المذكور ونظيره: ﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد﴾ [مريم: ٣٥] (١) ".
٩ - قد تقتصر على مرفوعها فتكون تامة بمعنى وجد ووقع كقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقوله: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ [يس: ٨٢]، وكقولهم (المقدور كائن (٢)) وكقوله:
إذا كان الشتاء فأدفئوني ... فإن الشيخ يهجمه الشتاء
قال سيبويه: "قد يكون لكان موضع آخر يقتصر على الفاعل فيه تقول: قد كان عبدُ الله أي قد خلق. وقد كان الأمر أي وقع الأمر (٣) ".
وتأتي كان بمعنى غزل، وبمعنى كفل يقال: كانت المرأة الصوف إذا غزلته، وكان فلان الصبي إذا كفله (٤).
١٠ - قد يأتي زائدة نحو (ما كان أحسن زيدًا) وليس معنى الزيادة ألا يكون لها معنى البتة في الكلام، بل أنها لم يؤت بها للإسناد (٥).
وهي تزاد للدلالة على أحد غرضين:
أ - الدلالة على الزمن نحو (ما كان أحسن زيدًا) فإنها تدل على الزمن الماضي جاء في (الكتاب): "وتقول ما كان أحسن زيدًا فتذكر كان لتدل أنه فيما مضى" (٦).
стр. 219
وبعض النحاة لا يسمى نحو هذا زائدًا جاء في (شرح الرضى على الكافية): "أعلم أن كان تزاد غير مفيدة لشيء إلا محض التأكيد .. وإما إذا دلت (كان) على الزمن الماضي ولم تعمل نحو (ما كان أحسن زيدًا) .. ففي تسميتها زيادة نظر لما ذكرنا إن الزائد من الكلام عندهم، لا يفيد إلا محض التأكيد، فالأولى أن يقال: سميت زيادة مجازًا لعدم عملها. وإنما جاز أن لا تعملها مع أنها غير زائدة، لأنها كانت تعمل لدلالتها على الحدث المطلق الذي كان الحدث المقيد في الخير يغني عنه لا لدلاتها على زمن الماضي لأن الفعل، إنما يطلب الفاعل والمفعول، لما يدل عليه من الحدث، لا للزمان، فجاز لك أن تجردها في بعض المواضع عن ذلك الحدث المطلق، لأغناء الخبر عنه فإذا جردتها لم يبق إلا الزمان، وهو لا يطلب مرفوعا ولا منصوبا فبقي كالظرف دالا على الزمان فقط، فلذا جاز وقوعه موقعًا لا يقع غيره فيه حتى الظرف تبيينا لإلحاقه بالظروف التي يتسع فيها فيقع بين ما التعجب وفعله وبين الجار والمجرور نحو: على كان المسومة، فثبت أن كان المفيدة للماضي التي لا تعمل مجردة عن الدلالة على الحدث المطلق" (١).
وعلى أي حال فالخلاف فيما أراه لفظي، لأن كليهما يقول أنها ليست عاملة وإنما هي لمجرد الزمن. وأما قول الرضي "أن الزائد من الكلم عندهم لا يفيد إلا محض التأكيد"، ففيه نظر فمن المعلوم أن (من) الاستغراقية تزاد لا لمحض التأكيد، وإنما دفعًا لتوهم الوحدة نحو: هل جاءك رجل؟ لكان محتملاً في الجنس وفي الواحد.
وكذلك قولهم (جئت بلا زاد) فـ (لا) زائدة بين العامل والمعمول وفيها معنى النفي وليست لمحض التأكيد. وهذا نحو ذاك.
ب - أن تزاد لضرب من التأكيد وذلك كقول الشاعر:
جياد بني أبي بكر تسامي ... على كان المسومة العراب
стр. 220
فليس في هذا دلالة على الزمن وإنما أدخلت لضرب من التأكيد (١).
جاء في (المقتضب) في قولنا: (أن زيدًا كان منطلق) أن كان زائدة مؤكدة للكلام (٢). ونحوه قول بعض العرب: (ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم) فإنها زيدت لتأكيد المضي. (٣)
ثم إن كان قد تزاد وحدها نحو (على كان المسومة العراب) أو تزاد مع مرفوعها نحو (وجيران لنا كانوا كرام) وهذا الأخير قريب الشبه بالغاء ظن مرفوعها في نحو قولنا: زيد ظننت قائم.
ثم إن الأصل في زيادتها أن تزاد بلفظ الماضي وشذ زيادتها بلفظ المضارع، نحو قول أم عقيل:
أنت تكون ماجد نبيل
نفيها
لا نريد أن نبحث ههنا كل حالات النفي، فإن هناك حالات تتعلق بعموم الأفعال، وإنما نريد ههنا أن نبحث أربعة استعمالات تتعلق بكان كثيرًا وهي:
١ - ما كان يفعل.
٢ - كان لا يفعل.
٣ - ما كان ليفعل (لام الجحود).
٤ - ما كان له أن يفعل.
стр. 221
١ - ما كان يفعل نحو: ما كنت أكتب وما كنت أحفظ. تقول هذا التعبير لأحد معنيين:
نفي الحدث في وقت مهين، كأن يقول لك صاحبك (مررت بك أمس وأظنك كنت تكتب) فتقول له: ما كنت أكتب، ولا تقول: كنت لا أكتب.
وتقول: ما كنت أشرب الماء لمن ظن أنك كنت تفعل ذاك في وقت ما، ولا يصح أن تقول: كنت لا أشرب الماء. وتقول: (ما كنت أرد عليه) لمن ظن أنك كنت ترد على زيد في وقت ما، ولا تقول: كنت لا أرد عليه.
والمعنى الثاني على نفي الحدث قبلا كأن تقول: (ما كنت أقرأ ولا أكتب) أي ما كنت أعرف القراءة والكتابة، ونحوها: (ما كنت أحفظ شعرًا) أي لم يتسن لي ذلك لأي سبب كان ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: ٤٨].
٢ - كان لا يفعل: أن النفي في هذا التعبير مسلط على (يفعل) وليس على الكون بخلاف (ما كان يفعل). ففي التعبير (كان لا يفعل) تثبت له عدم الفعل، وفي (ما كان يفعل) لا تثبت له الفعل. وهذا كما تقول (تثبت أنه لا يفعل) و (ما ثبت أنه يفعل) ففي العبارة الأولى تثبت له عدم الفعل، وفي الثانية تنفي ثبات الفعل، وبعبارة أخرى إن الأمر في العبارة الأولى ثبت، وفي الثانية لم يثبت. ونحو هذا قولك (زعمت أنه لا يقول الشعر) و (ما زعمت أنه يقول الشعر) ففي الجملة الأولى أثبت الزعم، أي إنه قال: هو لا يقول الشعر، وفي الثانية نفيت الزعم أصلا أي إنه لم يقل ذلك، ونحو هذا قولك (قلت أنه لا يحضر) و (ما قلت أنه يحضر) ففي الأولى قال، وفي الثانية لم يقل، وقولك (ظننت أنه لا يفعل) و (ما ظننت أنه يفعل) ففي الأولى ظن، وفي الثانية لم يظن.
وأنت ترى الفرق واضحًا في نحو قولنا (ما كنت أنتظرك ولكن جئت من غير انتظار) وقولك (كنت لا أنتظرك) أي أنا أتعمد عدم انتظارك.
стр. 222
وتقول (ما كان يلتقي به) و (كان لا يلتقي به) ففي العبارة الثانية هو يتجنب الالتقاء به مع إمكانه ذلك، وفي الأولى نفيت الإلتقاء به، وقد يكون ذلك لأنه لم يتهيأ له فرصة لقاء، فالعبارة الثانية أفادت أنه كان يتعمد عدم اللقاء بخلاف الأولى.
وتقول (ما كان يقرأ القرآن) وتقول (كان لا يقرأ القرآن) أي تعمد عدم قراءته، ففي الثانية من العمد والقصد على عدم الفعل ما ليس في الأولى، فقد يكون معنى الأولى أنه لم يكن يعرف قراءته وقد يحتمل غير ذلك، وأما في الثانية فقد أثبت أنه لا يريد قراءته.
وبهذا يتضح أن ثمة فرقًا بين قوله تعالى: ﴿وما كنت ترجوا أن يلقي إليك الكتاب﴾ [القصص: ٨٦]، وقوله: ﴿إنهم كانوا لا يرجون حسابًا﴾ [النبأ: ٢٧] وقوله: ﴿بل كانوا لا يرجون نشورا﴾ [الفرقان: ٤٠]، ففي الآية أولى أخبر الله عن حال رسوله قبل البعثة أنه لم يكن يفكر في الكتاب والوحي، بل لم يكن يعلم عنهما شيئا كقوله تعالى ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى: ٥٢]، ولم يكن يأمل أن ينزل عليه كتاب بخلاف الثانية، فإن الكفار كانوا لا يرجون اليوم الآخر عن أصرار أي يتجنبون الإيمان به وينكرونه، فالأولى حال غفلة كما قال تعالى: ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ [يوسف: ٣]، والثانية حال إصرار وعمد.
ثم أن التعبير بـ (كان لا يفعل) يفيد الدأب والعادة وذلك نحو ما جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسل أنه (كان لا يقوم من مصلاه حتى تطلع الشمس) أي كان هذا دأبه وعادته. ونحوه ما جاء عنه ﷺ (أنه كان لا يطرق أهله ليلا وكان يأتيهم غدوة أو عشية).
ولذا كان النفي بـ (كان لا يفعل) أطول زمنًا وأدوم وأعم من (ما كان يفعل) فإذا قال لك شخص (كنت تحفظ شعرًا عند ما جئتك) وأردت أن تنفي قوله قلت (ما كنت أحفظ شعرًا عندما جئتني) أو (لم أكن أحفظ شعرًا عندما ما جئتني) ولا تقول: (كنت لا أحفظ شعرًا عندما جئتني) لأن (لا يفعل) يفيد الدأب والعادة والاستمرار، ولكن يصح أن تقول (كنت لا أحفظ شعرًا عندما تأتيني) أي كان هذا دأبي وعادتي.
وإذا قيل لك كان يسبح حينما ناديته قلت ما كان يسبح حينما ناديته أو لم يكن يسبح ولا تقول: كان لا يسبح حينما ناديته.
стр. 223
وإذا قيل لك: (كان يقرأ حينما جئته) قلت: (ما كان يقرأ حينما جئته) ولا تقول (كان لا يقرأ حينما جئته) فدل على أن (كان لا يفعل) أعم من (ما كان يفعل) وأدوم. قال تعالى: ﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعًا﴾ [الكهف: ١٠١]، وقال: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع﴾ [هود: ٢٠].
قيل ومعنى الآية الأولى أنهم "كانوا صمًا عنه إلا أنه أبلغ لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صح به هؤلاء كأنهم أصميت أسماعهم فلا إستطاعة بهم للسمع (١) " وهو نفي لسماعهم على أتم وجه (٢).
وأما معنى آية هود فإنهم كانوا يستثقلون سماع الحق الذي جاء به الرسول ﷺ ويستكرهونه إلى أقصى الغايات وهو نظير قول القائل: هذا الكلام لا أستطيع سمعه وهذا مما يمجه سمعي (٣).
فالصنف الثاني يسمع إلا أنه يكره أن يسمع هذا القول بخلاف الصنف الأول فإنه أصم لا يسمع.
فعبر عن الصنف الأول بـ (كان لا يفعل) وهو يفيد عدم السماع على وجه الدوام والاستمرار، وعن الصنف الثاني بـ (ما كان يفعل).
وهذا لايختص بكان وحدها بل قد يكون في غيرها أيضًا، وذلك نحو قول الربيع بن ضبع الفزاري:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أحمل رأس البعير أن نفرا
أي أصبح هذا شأنه وأمره، بمعنى أصبح ضعيفا لا يقوى على حمل السلاح، ولو قال (ما أصبحت أحمل السلاح) لاحتمل أن يكون ذاك من باب التوقيت، أي لم يصبح يحمل السلاح هذا اليوم وربما حمله في وقت آخر، فاتضح ما قلناه.
стр. 224
٣ - ما كان ليفعل: (لام الجحود)، وهي اللام الداخلة بعد كون ناقص ماض لفظًا، أو معنى منفي بما، أو لم، أو إن. وهذا التعبير يستعمل لتأكيد النفي، وذلك إن إثباته (كان سيفعل)، وفي السين معنى التأكيد، قال تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم﴾ [البقرة: ١٣٧]، تقول: كان سيكتب، فإذا أردت نفيه قلت: ما كان ليكتب. جاء في (الكتاب): "واعلم أن اللام قد تجيء في موضع لا يجوز فيها الإظهار (يعني أن) وذلك: ما كان ليفعل فصارت (أن) ههنا بمنزلة الفعل في قولك: إياك وزيدًأ. وكأنك إذا مثلت قلت: ما كان زيد لأن يفعل، أي ما كان زيد لهذا الفعل، فهذا بمنزلته ودخل فيه معنى نفي (كان سيفعل) فإذا قال هذا. قلت: ما كان ليفعل كما كان (لن يفعل) نفيًا لسيفعل وصارت بدلا من اللفظ". (١)
وجاء في (المغني) أن لام الجحود تفيد توكيد النفي، وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقة بما كان أو بلم يكن .. ووجه التوكيد عند الكوفيين أن أصل (ما كان ليفعل) ما كان يفعل ثم أدخلت اللام زيادة لتقوية النفي، كما أدخلت الباء في (ما زيد بقائم) لذلك، فعندهم أنها حرف زائد مؤكد غير جار ولكنه ناصب ..
ووجهه عند البصريين أن الأصل، ما كان قاصدًا للفعل ونفي القصد أبلغ من نفيه ولهذا كان قوله:
يا عاذلي لا تردن ملامتي ... إن العواذل لسن لي بأمير
ابلغ من (لا تلمنني) لأنه نهي عن السبب. وعلى هذا فهي عندهم حرف جر معد متعلق بخبر كان المحذوف والنصب بأن مضمرة وجوبًا". (٢)
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "والتي لتأكيد النفي تختص من حيث الاستعمال بخبر كان المنفية إذا كانت كانت ماضية لفظا نحو: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ [الأنفال: ٣٣]، أو معنى نحو: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ [النساء: ١٣٧]، وكأن هذه اللام في
стр. 225
الأصل هي التي في نحو قولهم (أنت لهذه الخطة) أي مناسب لها وهي تليق بك. فمعنى (ما كنت لأفعل): ما كنت مناسبًا لفعله ولا يليق بي ذلك، ولا شك إن في هذا معنى التأكيد" (١).
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: ٤٣]، : "اللام لتوكيد النفي يعنون وما كان يستقيم أن نكون مهتدين لولا هداية الله وتوفيقه (٢) ".
وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾ [الأعراف: ١٠١]، : "ومعنى اللام تأكيد النفي وأن الإيمان كان منافيًا لحالهم في التصميم على الكفر (٣) ".
وجاء في (التفسير الكبير) في قوله تعالى: ﴿لم أكن لأسجد لبشر﴾ [الحجر: ٣٣]: "اللام في قوله (لأسجد) لتأكيد النفي ومعناه لا يصح أن أسجد لبشر (٤) ".
وعلى كلا الرأيين، فالنفي مؤكد في مثل هذا التعبير.
فعند البصريين أن المعنى ما كان مريدًا للفعل، أو قاصدًا له، أو مقدرًا له، وهذا أبلغ من نفي الفعل نفسه، لأن نفي القصد أبلغ من نفي الفعل نفسه.
وعند الكوفيين أن اللام زائدة لتوكيد النفي كالباء الزائدة في نحو (ما محمد بذاهب) وأصل الكلام عندهم ما كان يفعل.
وأن لا أرى أن (ما كان ليفعل) أصله (ما كان يفعل) أو هما بمعنى واحد، فإن قوله تعالى مثلا: ﴿قال لم أكن لأسجد لبشرٍ خلقته من صلصال من حمإ مسنون﴾ [الحجر: ٣٣]، ليس بمعنى (لم أكن أسجد) فالبشر لم يكن موجودًا قبل ذاك، فلا يصح هذا التقدير.
стр. 226
ونحوه قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣]، فلا يصح أن يقال هو بمعنى (ما كان الله يضيع إيمانكم) وقوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣] لا يصح أن يقال هو بمعنى (ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) وقوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ [التوبة: ١٢٢]، ليس بمعنى (ما كان المؤمنون ينفرون كافة) فثمة فرق بعيد بين التعبيرين والقصدين، ولكن هو على معنى لم أكن فاعلا للسجود أو قاصدًا له، وكذلك في الآيات الأخرى، نحو (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي مريدًا لإضاعة الإيمان أو مريدًا للتعذيب ونحوها، فتقدير البصريين أقرب إلى المعنى فيما هو ظاهر.
جاء في (البرهان): "إذا قلت: (ما كنت أضربك) بغير لام جاز أن يكون الضرب مما يجوز كونه فإذا قلت (ما كنت لأضربك) فاللام جعلت بمنزلة ما لا يكن أصلا" (١).
٤ - ما كان له أن يفعل: ومعناها ما لا ينبغي ولا يصح كما مر شرح ذلك
إضمارها
١ - إضمار (كان) وحدها:
تضمر كان وحدها في نحو قولهم: (أما أنت منطلقا انطلقت) بفتح الهمزة، ولا كلام قبل حذفها كان: (لأن كنت منطلقا انطلقت)، وهذه اللام الداخلة على (أن) حرف جر يفيد التعليل وأن مصدرية ومعناه: انطلق لانطلاقك، وأصل الكلام: (انطلقت لأن كنت منطلقا) ثم قدم الجار والمجرور للاهتمام، فصار (لأن كنت منطلقا انطلقت). فحذف حرف الجر لأمن البس، وهو جائز قياسًا فصار (أن كنت منطلقا انطلقت) ثم حذفت (كان) اختصارا فصار الكلام (أن أنت منطلقا انطلقت) والضمير هو اسم كان الذي كان متصلا بها، ثم زيدت (ما) عوضا عن المحذوف، فصار (أن ما) ثم أدغمت النون في الميم فصار: أما أنت منطلقا انطلقت. والمصدر المؤول مفعول لأجله أو منصوب على نزع الخافض.
стр. 227
وهذا يمكن أن يحصل في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل (١).
وذهب الكوفيون إلى أن (أن) المفتوحة هنا شرطية، ولذلك دخلت الفاء في جوابها في قول الشاعر:
أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع
قال أبو سعيد السيرافي: "اتفق الكوفيون والبصريون على وجوب حذف الفعل في نحو: (أما أنت منطلقا انطلقت) واختلفوا في المعنى، فالكوفيون يقولون هو بمعنى (إن) وإن (أن) المفتوحة فيها معنى (إن) التي للمجازاة ويحملون قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، عليه، والبصريون يقولون إنه على معنى التعليل أي: لأن كنت منطلقا انطلق معك وشبهوها بإذ. ولأجل أن الثاني استحق بالأول جاز دخول الفاء في الجواب" (٢).
وأما إذا كانت (إما) مكسورة فلا يجوز حذف الفعل بعدها، وهي شرط محض، قال سيبويه: "ومن ذلك قول العرب: أما أنت منطلقا انطلقت معك، وأما زيد ذاهبا ذهبت معه وقال الشاعر (العباس بن مرداس):
أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع.
فإنما هي (أن) ضمت إليها (ما) وهي (ما) التوكيد لزمت كراهية أن يجحفوا بها، لتكون عوضا من ذهاب الفعل .. فإن أظهرت الفعل قلت: (إما كنت منطلقا انطلقت) إنما تريد إن كنت منطلقا انطلقت، فحذفت الفعل لا يجوز ههنا، كما لم يجز ثم إظهاره لأن (أما) كثرت في كلامهم، واستعملت حتى صارت كالمثل المستعمل، وليس كل حرفٍ هكذا (٣) ".
стр. 228
وقال ابن يعيش: "ولا يجوز إظهار الفعل بعد (أما) هنا لما ذكرناه من كون (ما) نائبة عنه، وإن أظهرت الفعل لم تكن (إما) إلا مكسورة نحو قولك: (إما كنت منطلقا انطلقت معك)، فيكون شرطا محضا، ولا يجوز حذف الفعل بعد إما المكسورة، كما لم يجز إظهاره بعد أما المفتوحة وذلك أن (أما) المفتوحة كثر استعمالها حتى صارت كالمثل الذي لا يجوز تغييره" (١).
وأرى إن ما ذهب إليه البصريون، من أن (أما) المفتوحة تفيد التعليل، أرجح إذهما تعبيران أحدهما يفيد التعليل، والآخر يفيد الشرط، فأنت تقول: (أحبه إن عدل) أي أحبه إن فعل ذلك في المستقبل. وتقول:
"أحبه أن عدل" أي أحبه لكونه عدل في الماضي، أي أحبه لأنه عدل، فهنا تعلل أمرًا قد حصل وذلك أمر مشروط. فالعبارة بحذف الفعل، وفتح همزة (أن) تفيد التعليل وهي بكسر الهمزة وإبقاء الفعل تفيد الشرط.
وأظن أن هذا أقرب إلى طبيعة اللغة، فالأصل أن يكون التعبيران المختلفان يؤديان معنيين مختلفين، ثم إن الأصل في (أن) المفتوحة أن تكون مصدرية لا شرطية.
٢ - إضمارها مع اسمها:
وقد تضمر كان مع اسمها اخصارا واعتمادا على فهم السامع ويكثر ذلك بعد إن ولو الشرطيتين، ومن ذلك قولهم (الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرًا، فخير وإن شرًا فشر) أي إن كانت أعمالهم خيرًا فجزاؤهم خير، وإن كانت شرًا فجزاؤهم شر، ومنه الحديث (التمس ولو خاتمًا من حديد) أي ولو كان الملتمس، وإن شئت أظهرت الفعل فتقول إن كانت خيرًا فجزاؤهم خير (٢).
стр. 229
حذف نون كان المجزومة
يقول النحاة أن نون كان قد تحذف تخفيفا لكثرة الاستعمال، بشرط أن يكون الفعل مجزومًا بالسكون وألا يليه حرف ساكن. قال ابن عقيل: "حذفوا النون بعد ذلك لكثرة الاستعمال فقالوا (لم يك) وهو حذف جائز لا لازم، ومذهب سيبويه ومن تابعه أن هذه النون لا تحذف عند ملاقاة ساكن فلا نقول: لم يك الرجل قائمًا وأجاز ذلك يونس ..
وأما إذا لاقت متحركًا فلا يخلو إما أن يكون ذلك المتحرك ضميرًا متصلا، أو لا فإن كان ضميرًا متصلا لم تحذف النون اتفاقًا" (١).
وهذا الكلام صحيح غير أن البليغ لا يحذف لمجرد التخفيف، وإنما لغرض بلاغي يقتضيه المقام، نعم قد يضطر إلى ذلك في شعر أو نحوه، ولكن في اختيار الكلام لا يفعل ذلك لمجرد التخفيف.
لقد حذفت النون من كان المجزومة سبع عشرة مرة في القرآن الكريم، ولم تحذف مع إمكان الحذف في سبعة وخمسين موطنًا، وما ذلك إلا لسبب بلاغي يقتضيه المقام قال تعالى: ﴿ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾ [النحل: ١٢٧].
وقال: ﴿ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون﴾ [النمل: ٧٠]، فمرة حذف ومرة أبقى.
وقال: ﴿فلا تك في مرية منه إنه الحق﴾ [هود: ١٧].
وقال: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه﴾ [السجدة: ٢٣].
فمرة حذف ومرة أبقى.
وقال: ﴿يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة﴾ [لقمان: ١٦].
стр. 230
فمرة حذف ومرة أبقى، وهكذا. وهذا لا يكون إلا لسبب.
جاء في (البرهان): "ويلحق بهذا القسم النون الذي هو لام فعل فيحذف تنبيها على صغر مبدأ الشيء وحقارته، وأن منه ينشأ ويزيد إلى ما لا يحيط بعلمه غير الله مثل (ألم يك نطفة) [القيامة: ٣٧]، حذفت النون تنبيها على مبتدأ الإنسان وصغر قدره بحسب ما يدرك هو من نفسه، ثم يترقى في أطوار التكوين ﴿فإذا هو خصيم مبين﴾ [يس: ٧٧]، فهو حين كان نطفة ناقص الكون ..
وكذلك: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء: ٤٠]، حذفت النون تنبيها على أنها وإن كانت صغيرة المقدار حقيرة في الاعتبار فإن إليه ترتيبها وتضاعيفها، ومثله ﴿إن تك مثقال حبة من خردل﴾ [لقمان: ١٦]، وكذلك: ﴿أولم تك تأتيكم رسلكم﴾ [غافر: ٥٠]، جاءتهم الرسل من أقرب شيء في البيان الذي أقل من مبدأ فيه، وهو الحس إلى العقل إلى الذكر، ورقوهم من أخفض رتبة وهي الجهل، إلى أرفع درجة في العلم وهي اليقين وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم﴾ [المؤمنون: ١٠٥]، فإن كون تلاوة الآيات قد أكمل كونه وتم، وكذلك: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها﴾ [النساء: ٩٧]، هذا قد تم تكوينه .. وكذلك: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم﴾ [غافر: ٨٥]، انتفى عن إيمانهم مبدأ الانتفاع وأقله ما انتفى أصله (١) ".
إن أغراض الحذف متعددة يقتضيها المقام ومن ذلك على سبيل المثال:
١ - الإسراع: فإن المقام قد يقتضي الاسراع، ولا يقتضي الإطالة في الكلام شأن التحذير والإغراء، فكما لا تقول لمن كانت العقرب بقربه وهو عنها غافل: احذر العقرب أو عليك أن تحذر العقرب وإنما تسرع في تبليغه فتذكر المحذر منه بأسرع بيان قائلا: العقرب العقرب، وكذلك ههنا قد يقتضي المقام الإيجاز في الحديث، فتوجز في كل شيء حتى في حذف النون، فتقول لابنك الذي أدركه السفر العاجل مثلا: لا تك غافل أو ما أشبه ذلك.
стр. 231
٢ - قد يكون الحذف إشارة إلى أن المتكلم لا يقوى على إتمام الكلام لما فيه من الضعف أو لرغبة عن الحديث، فيوجز في كلامه ما أمكنه ذلك، ولعل من ذلك قوله تعالى على لسان أهل النار: ﴿لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤].
٣ - النهي عن الشيء بقوة بحيث تطلب منه ألا يحصل من الفعل شيء كقوله تعالى: ﴿ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾ [النحل: ١٢٧].
قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ [النحل: ١٢٦ - ١٢٨].
وقال في سورة النمل: ﴿وقال الذين كفروا أءذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون﴾ [النمل: ٦٧ - ٧٠].
فقال في الأولى (ولا تك في ضيق) وفي الثانية (ولا تكن) وذلك إن السياق مختلف في السورتين، فالآيات الأولى نزلت حين مثل المشركون بالمسلمين يوم أحد " بقروا بطونهم وقطعوا مذاكيراهم فوقف رسول الله ﷺ على حمزة وقد مثل به فرآه مبقور البطن، فقال: أما والله أحلف به لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك، فنزلت فكفر عن يمينه وكف عما أراده" (١). وأوصاه بالصبر ثم نهاه أن يكون في ضيق من مكرهم فقال له: (ولا تك في ضيق مما يمكرون) أي لا يكن في صدرك أضيق مهما قل. وهو تطمين من الله لرسوله وتطييب له مناسب لضخامة الأمر وبالغ الحزن، أو هو من باب تخفيف الأمر وتهوينه على المخاطب، فخفف الفعل بالحذف إشارة إلى تخفيف الأمر وتهوينه على النفس.
стр. 232
أما الآيات الثانية فهي في سياق المحاجة في المعاد، وهو مما لا يحتاج إلى مثل هذا التصبير.
وقال في سورة هود: ﴿أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾ [هود: ١٧].
وقال في السجدة: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدي لبني إسرائيل وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا﴾ [السجدة: ٢٣ - ٢٤].
فقال في الأولى: (فلا تك في مرية) وقال في الثانية (فلا تكن) وأنت ترى أن السياق مختلف في الآيتين، فالأولى تثبت للرسول بقوة ونهيه عن الريب والمرية، فقد بدأ الكلام بقوله أنه كان على بينه من ربه، ثم يتلوه شاهد منه، ثم قبله كتاب موسى وختمه بقوله: أنه الحق من ربك فناسب ذلك أن يقال (فلا تك في مرية منه) بخلاف الآية الأخرى فإنها ليس فيها مثل هذه الدواعي كما هو ظاهر.
٤ - وقد يكون الحذف للوغول في نفي حصول الشيء فإنك تحذف للتنبيه على أن فعل الوجود لم يتم فكيف بالشيء نفسه؟ وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين﴾ [النحل: ١٢٠]، أي البتة. وقوله: ﴿أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ [مريم: ٦٧]، وقد تقول: ألم يرد قوله تعالى: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا﴾ [الإنسان: ١]، فلم يحذف، فما الفرق بين الموضعين
ولو رجعت إلى السياق لتبين لك الفرق واضحًا بين المقامين، فالآية الأولى في مقام التذكير بقدرة الله تعالى قال تعالى: ﴿ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧].
стр. 233
فالإنسان يعجب من الأحياء بعد الموت فيذكره ربه بقدرته وأنه خلقه من قبل، ولم يك شيئا، فالنشأة الأولى أصعب في حساب العقل، فناسب ذلك حذف النون فحذفها تنبيها على مقدار قدرة الخالق، وكيف أنشأ الإنسان من العدم، وليس المقام كذلك في سورة الإنسان.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿ولم أك بغيا﴾ [مريم: ٢٠] فهذا أبعد في نفي البغي من (لم أكن)، أي أن هذا لم يكن أصلا وليس له وجود فحذف الآخر يوحي، بأن فعل الوجود لم يتم فكيف بالشيء نفسه؟ وقد يكون الحذف ههنا للإسراع، إضافة إلى ذلك، فهذا القول على لسان مريم للملك الذي تمثل لها بشرًا سويا، فهي لا تريد أن تتبسط في الكلام مع رجل غرب في خلوة كهذه، وهو المناسب لمقام الحياء ههنا، وهذا الحذف يؤدي الغرضين معًا. ونحوه قوله تعالى: ﴿لم يك من المصلين ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٤]، أي البتة لا في قليل ولا في كثير فحذف آخر الفعل تنبيها على ذلك، وقد يكون الحذف ههنا أيضا للعزوف عن الحديث أو لأن المتكلم لا يقوى على الكلام لما فيه من الضعف والإرهاق.
٥ - قد يكون الحذف للتنبيه على مبدأ الشيء وحقارته - كما جاء في (البرهان) - وأنه في طور التكوين لم يكتمل بعد كما أن الفعل لم يكتمل قال تعالى: ﴿ألم يك نطفة من مني يمنى﴾ [القيامة: ٣٧].
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿يابني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾ [لقمان: ١٦]، فمرة جاء بالفعل بلا نون ومرة جاء بالنون وقد يبدو أن كلا الأمرين واحد، والحقيقة ليست كذلك فقد قال (إنها إن تك مثقال حبة من خردل) ولم يعين مكانها ثم عين مكانها فيما بعد، فقال (فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض)، فالأولى أبعد في الوجود أي هباءة تائهة لا مكان لها فحذف النون.
إلى غير ذلك من الأغراض.
стр. 234
صار
إن معنى (صار) الإنتقال والتحول من حال إلى حال، تدخل على المبتدأ والخبر فتفيد هذا المعنى بعد إن لم يكن، نحو قولك (صار زيد عالمًا) أي أنتقل إلى هذه الحال، (١) و (صار زيد غنيا) أي "إن زيدا متصف بصفة الغنى المتصف بصفة الصيرورة، أي الحصول بعد أن لم يحصل) (٢).
وقد تأتي بمعنى جاء وانتقل، فتكون تامة، كقوله تعالى: ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾، [الشورى: ٥٣]، ولم ترد صار صار في القرآن إلا في هذا الموضع، ولم تجيء فيه ناقصة.
قال ابن يعيش: " وقد تستعمل بمعنى جاء فتتعدى بحرف الجر، وتفيد معنى الانتقال أيضا كقولك: صار زيد إلى عمرو، وكل حي صائر للزوال، فهذه ليست داخلة على جملة ألا تراك لو قلت: (زيد إلى عمرو) لم يكن كلامًا، وإنما استعمالها هنا بمعنى جاء كما استعملوا جاء بمعنى صار في قولهم: (ما جاءت حاجتك؟ )، أي صارت؟ ولذلك جاء مصدرها المصير كما قالوا المجيء، قال الله تعالى: ﴿وإلى المصير﴾ [الحج: ٤٨] (٣) ".
وجاء في (الرضي على الكافية): ""قوله وصار للانتقال - هذا معناها إذا كانت تامة تقدم، ومعناها إذا كانت ناقصة: كان بعد أن لم يكن .. ومعنى يصير، يكون بعد أن لم يكن (٤) ".
وقد ذكر النحاة إن مثل صار في العل ما وافقها في المعنى من الأفعال، وهي: آض ورجع، وعاد، واستحال، وقعد، وحار، وارتد، وتحول، وغدا، وراح، وجاء في نحو
стр. 235
قولهم: ما جاءت حاجتك؟ أي ما صارت؟ (١).
ولست أدري كيف يفسر معنى صار وأخواتها، من ذكر أن النقص في الأفعال، هو الدلالة على الزمن المجرد من الحدث.
إن معنى صار هو التحول والانتقال، وهذا هو الحدث بعينه فقولك: (صار زيد عالمًا) معناه حدث له أمر وحصل لم يكن قبلا، فهي تدل على الحدث والزمن كسائر الأفعال.
ظل وبات
الأصل أن يستعمل (ظل) لإفادة الحكم في النهار و (بات) لإفادة الحكم في الليل تقول: (ظل أخوك يفعل كذا) إذا فعله نهارًا و (بات يفعل كذا) إذا فعله ليلا (٢).
وقد يخرجان عن هذا الأصل فيستعملان "استعمال كان وصار مع قطع النظر عن الأوقات الخاصة، فيقال: ظل كئيبا وبات حزينًا، وأن كان ذلك في النهار، لأنه لا يراد به زمان، ومنه قوله سبحانه ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا﴾ [النحل: ٥٨]، والمراد أنه يحدث به ذلك ويصير إليه عند البشارة وأن كلا ليلا" (٣).
والظاهر أن استعمال (بات) لتخصيص الفعل بالليل، أكثر من استعال (ظل) لتخصيص الفعل بالنهار.
وقد وردت (ظل) في القرآن الكريم في ثمانية مواضع، ليس فيها موضع واحد تخصص الفعل فيه بالنهار، ما يدل على أن هذا الأصل قليل الاستعمال جدًا، قال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم﴾ [النحل: ٥٨].
стр. 236
وقال: ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء: ٤]، وقال: ﴿وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا﴾ [طه: ٩٧]، وقال: ﴿ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا﴾ [الحجر: ١٤ - ١٥]، وقال: ﴿ولئن أرسلنا ريحا فراوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون﴾ [الروم: ٥١]، وقال: ﴿إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره﴾ [الشورى: ٣٣]، وقال: ﴿قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين﴾ [الشعراء: ٧١].
ووردت (بات) في موضع واحد، وهو قوله تعالى: ﴿والذين يبتون لربهم سجدًا وقياما﴾ [الفرقان: ٦٤]، وهو تخصيص الفعل بالليل.
وقد يأتي هذان الفعلان تامين فيقال: ظل اليوم أي دام ظله، وبات زيد أي دخل في المبيت (١).
أصبح، أضحى، أمسى
١ - الأصل في هذه الأفعال الثلاثة أن تفيد أتصاف المسند إليه بالحكم في أزمنتها فمعنى (أصبح) إتصافه به في الصباح، ومعنى (أضحى) إتصافه به في الضحى، و (أمسى) إتصافه به في المساء وذلك نحو قوله تعالى: ﴿طاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم﴾ [القلم ١٩ - ٢٠]، أي في وقت الصباح، وقوله: ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ [هود: ٦٧]، وقوله: ﴿قال عما قليل ليصبحن نادمين﴾ [المؤمنون: ٤٠].
قال ابن يعيش: "قد استعملت هذه الأفعال على ثلاثة معان ..
أحدها: أن تدخل على المبتدأ والخبر لإفادة زمانها في الخبر، فإذا قلت:
أصبح زيد عالما وأمسى الأمير عادلا وأضحى أخوك مسرورا، فالمراد أن علم زيد اقترن بالصباح، وعدل الأمير اقترن بالمساء، وسرور الأخ اقترن بالضحى، فهي ككان في دخولها على المبتدأ، وأفادة زمانها للخبر، إلا أن أزمنة هذه الأشياء خاصة وزمان (كان)
стр. 237
يعم هذه الأوقات وغيرها إلا أن (كان) لما انقطع، وهذه الأفعال زمانها غير منقطع ألا ترى انك تقول: أصبح زيدًا غنيا وهو غني وقت أخبارك غير منقطع" (١).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية) أن هذه الأفعال بمعنى "كان في الصبح وكان في المساء وكان في الضحى، فيقترن في هذا المعنى الأخير مضمون الجملة، أعني مصدر الخبر مضافا إلى الاسم بزماني الفعل أعنى الذي يدل عليه صيغته فمعنى أصبح زيدا أميرًا أن إمارة زيد مقترنة بالصبح في الزمن الماضي، ومعنى يصبح قائمًا أن قيامة مقترن بالصبح في الحال أو الاستقبال (٢) ".
٢ - قد تأتي بمعنى كان وصار من غير أن يقصد بها وقت مخصوص، كأن تقول: (أصبح أخوك عظيما) فهنا أصبح بمعنى صار من دون نظر إلى وقت الصباح، قال تعالى: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾ [المائدة: ٥٢]، وقال: ﴿فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ [الحجرات: ٦].
وقال: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
قال ابن يعيش: "الثالث أن تستعمل بمعنى كان وصار من غير أن يقصد بها إلى وقت مخصوص نحو قولك: أصبح زيد فقيرا وأمسى غنيا تريد أنه صار كذلك مع قطع النظر عن وقت مخصوص .. ومثله قول الآخر:
أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير أن نفرا" (٣)
стр. 238
وجاء في (شرح الرضي على الكافية) أن هذه الأفعال قد تأتي "بمعنى (صار) مطلقًا من غير اعتبار الأزمنة التي يدل عليها تركيب الفعل، أعني الصباح، والمساء، والضحى، بل باعتبار الزمن الذي يدل عليه صيغة الفعل أعنى الماضي والحال والاستقبال (١) ".
والطريف في استعمال القرآن لأصبح أنها وردت فيه في ثمانية وعشرين موضعا، كلها في العقوبات والشر إلا في ثلاثة مواطن هي قوله تعالى ﴿فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾ ﴿آل عمران: ١٠٣﴾ ـ، وقوله: ﴿فأيدنا الذين أمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين﴾ [الصف: ١٤]، وقوله: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير﴾. [الحج: ٦٣].
قال تعالى: ﴿فأصبح من النادمين﴾ [المائدة: ٣١]، و ﴿فأصبح من الخاسرين﴾ [المائدة: ٣٠]، و ﴿فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها﴾ [الكهف: ٤٢]، و ﴿فأصبح هشيما تذروه الريح﴾ [الكهف: ٤٥]، و ﴿فأصبح في المدينة خائفا يترقب﴾ [القصص: ١٨]، و ﴿فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ [هود: ٦٧].
ولم يرد (أمسى) ناقصا في القرآن الكريم وأما (أضحى) فلم يرد البتة.
٣ - أن تكون تامة فتكفي بمرفوعها ويراد بها الدخول في هذه الأوقات فيقال: أصبحا أي دخلنا في وقت الصباح، وأضحينا أي دخلنا في وقت الضحى، وأمسينا أي دخلنا في المساء قال تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون﴾ [الروم: ١٧].
قال ابن يعيش: "والثاني أن تكون تامة تجتزيء بمرفوع، ولا تحتاج إلى منصوب كقولك: أصبحنا، وأمسنيا، واضحينا، أي دخلنا في هذه الأوقات، وصرنا فيها، ومنه قولهم: أفجرنا أي دخلنا في وقت الفجر" (٢).
стр. 239
٤ - وردت كل من أصبح وأمسى زائدة قليلا وهو مما لا يقاس عليه عند الجمهور وذلك نحو قولهم (ما أصبح أبردها وما أمسى أدفأها) وهما مفيدتان لهذين الوقتين (١).
ما زال، ما برح، ما فتيء، ما أنفك .
هذه الأفعال تفيد استمرار الفعل وإتصاله بزمن الأخبار، تقول (مازال زيد منطلقا) أي هو مستمر في الإنطلاق إلى زمن التكلم (٢).
جاء في (شرح الأشموني): "ومعنى الأربعة ملازمة الخبر المخبر عنه، على ما يقتضيه الحال نحو، ما زال زيد ضاحكا وما برح عمرو أزرق العينين (٣) ".
قال الصبان: "أي ملازمة جارية على ما يقتضيه الحال من الملازمة مدة قبول الخبر عنه للخبر سواء دام بدوامه نحو: مازال زيد أزرق العينين، مازال الله محسنًا أولا نحو: مازال زيد ضاحكًا" (٤).
وجاء في (شرح ابن يعيش): "أما ما في أوله منها حرف نفي نحو مازال وما برح وما انفك وما فتيء فهي ايضا كأخواتها تدخل على المبتدأ والخبر فترفع المبتدأ وتنصب الخبر كما أن (كان) كذلك فيقال: مازال زيد يفعل .. ومعناها على الإيجاب وأن كان في أولها حرف النفي وذلك ان هذه الأفعال معناها النفي، فزال، وبرح، وإنفك، وفتئ، كلها معناها خلاف الثبات، إلا ترى أن معنى زال، برح، فإذا دخل حرف النفي نفى البراح فعاد إلى الثبات وخلاف الزوال، فإذا قلت: (مازال زيد قائمًا)، فهو كلام معناه الأثبات، أي هو قائم وقيامه استمر فيما مضى من الزمان، فهو كلام معناه الإثبات ولهذا المعنى لم تدخل (إلا) على الخبر فلا يجوز: لم يزل زيد إلا قائمًا كما لم يجز: ثبت زيد إلا قائمًا" (٥).
стр. 240
وجاء في (شرح الرضى على الكافية): "وأصل ما زال وبرح وما فتيء وما أفتأ وما انفك أن تكون تامة بمعنى ما انفصل، فتعدى بمن إلى ما هو الآن مصدر خبرها فيقال في موضع (مازال زيد عالمًا) (مازال زيد من العلم) أي ما انفصل منه، لكنها جعلت بمعنى (كان) دائما فنصبت الخبر نصب كان وإنما جعلت بعناه لأنه إذا لم ينفصل شخص عن فعل كان فاعلا له دائمًا، وكذا أصل برح ورام، أن يكونا تامين، بمعنى زال عن مكانه فيتعديان بانفسهما وبمن نحو، برخت بابك، ومن بابك، ورمت بابك، ومن بابك، واصل (ونى) قصر فكان الأصل أن يعدي بفي نحو (ما وني زيد في القيام) فجعل الثلاثة بمعنى كان دائما، لأنه إذا كان لا ينفصل عن الفعل، ولا يقصر فيه يكون فاعلا له دائمًا، وإنما أفاد دخول النفي على النفي دوام الثبوت، لأن نفي النفي إثبات.
وإذا قيدت نفي الشيء بزمان وجب أن يعم ذلك النفي جميع ذلك الزمان، بخلاف الإثبات، فإنك إذا قيدت إثبات الشيء بزمان لم يلزم استغراق الإثبات لذلك الزمان، إذا قلت، مثلا (ضرب زيد) كفى في صدق هذا القول وقوع الضرب في جزء من أجزاء الزمن الماضي، وأما قولك (ما ضرب) فإنه يفيد استغراق نفي الضرب بجميع أجزاء الزمن الماضي، وذلك لأنهم أرادوا أن يكون النفي والإثبات المقيدان بزمن واحد في طرفي نفيض، فلو جعل النفي كالإثبات مقيدًا بوقوعه أي وقوع النفي في جزء غير معين من أجزاء ذلك الزمان المخصوص، لم يكن يناقض ذلك الإثبات إذ يمكن كون الجزء الذي يقيد الإثبات به غير الجزء الذي يقيد به النفي فلا يتناقضان فاكتفى في الإثبات بوقوعه مطلقا ولو مرة وقصدوا في النفي الاستغراق، إذ استمرار الفعل أصعب، وأقل من استمرار الترك، فصار نحو ضرب كالموجبة الجزئية والسالبة الكلية اللتين تناقض أحداهما الأخرى. فتبين بهذا إن النفي يفيد التكرار على ما ذهب إليه اكثر الأصوليين فحصل من هذا كله إن نفي النفي يكون ايضا دائما، ونفي النفي يلزمه منه الإثبات فيلزم من نفي النفي إثبات، دائم وهو المقصود ..
стр. 241
وقد يستعمل بعض هذه الأفعال المصدرة بـ (ما) للنفي تامة نحو: ما برح من موضعه قال تعالى ﴿فلن أبرح الأرض﴾ [يوسف: ٨٠]، و (ماوني في أمره) و (ما انفك من هذا الأمر) " (١).
فهذه أذن افعال منفية تفيد الثبات والاستمرار، ومعناها مثبتة هو الترك والزوال، ونفيها نفي الترك والزوال، فيؤدي معناها الاستمرار والثبات.
فأما زال: فمعناه ذهب وانفصل وترك وقد ورد لهذا الفعل ثلاثة أفعال مضارعة زال يزول ومعناه الذهاب والإضمحلال قال تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾ [فاطر: ٤١]، أي أن تذهبا وتضمحلا.
وزال يزيل يقال: زال الشيء يزيله زيلا إذا مازه (٢) أي خلص شيئا من شيء وفصله عنه.
وزال يزال وهذا الأخير هو الفعل الناقص وهي ذات معان متقاربة، كلها تفيد الذهاب والانفصال والترك، فزال معناه ذهب وترك وانفصل، وما زال معناه ما ذهب ما ترك وما انفصل، فإذا قلت (ما زال زيد قائمًا) كان معناه لم يترك القيام، وما انفصل عنه أي بقي مستمرا عليه، ومضارعه (لا يزال) ومعناه (يبقى) فمعنى (مازال المطر نازلا) بقي المطر نازلا.
ومعنى لا يزال المطر نازلا، يبقى المطر نازلا، قال تعالى: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فمازلتم في شك مما جاءكم به﴾ [غافر: ٣٤]، أي بقيتم في شك وقال: ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه﴾ [الحج: ٥٥]، أي يبقون في مرية لا ينفكون عنها، ولا يتركونها. وقال: ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم﴾ [المائدة: ١٣]، أي ستستمر في الإطلاع على خائنة منهم.
стр. 242
فثمة فرق بين قولنا (مازلت تطلع) وقولنا (لا تزال تطلع) فمعنى الأول: بقيت تطلع، ومعنى الثاني أنك ستستمر في الإطلاع في المستقبل. قال تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ [البقرة: ٢١٧]، أي يبقون على ذلك مستمرين إلى أن يبلغوا قصدهم أن أمكن. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
ولا يفهم من قولنا إن (ما زال) بمعنى (بقي) و (لا يزال) بمعنى (يبقى) أنهما متطابقان في المعنى، فإنه لا يصح أبدال أحداهما بالآخر على وجه الدوام، وذلك أن (مازال) تفيد توقع التحول والإنقطاع بخلاف) بقي (فقولك (لا تزال صغيرًا) لا يطابق (تبقى صغيرًا) فإن في الجملة الأولى مظنة التحول بخلاف الثانية. وكذلك قولك (ما تزال طالبا تعتمد على أبيك) لا يطابق قولك (تبقى طالبا تعتمد على أبيك)، وكذلك في الماضي فقولك (ما زالت صغيرا) لا يطابق قولك (بقيت صغيرا) فإن الجملة الأولى تعني أنك في سن الصغر وإنك ستفارق هذه السن، وأما الجملة الثانية فتفيد أنك باق على الصغر على الرغ من كبر سنك.
وأما برح فأصله ترك المكان وغادره، قال تعالى ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي﴾ [يوسف: ٨٠] أي لن أترك الأرض، ومنه البارحة لليلة الخالية، ومنه برح الخفاء أي ذهب.
فبرح معناه ترك المكان وما برح معناه لم يترك المكان أي بقي فيه ولازمه، ثم نقل إلى الدوام والاستمرار في غيره.
قال ابن يعيش: "وأما برح فهو بمعنى زال وجاوز ومنه قليل لليلة الخالية البارحة .. فقالوا ما برح يفعل بمعنى زال. وقد فرق بعضهم بين ما زال وما برح فقال: برح لا يستعمل في الكلام إلا ويراد به البراح من المكان فلابد من ذكر المكان معه أو تقديره، وذلك ضعيف لأنه قد جاء في غير المكان قال الله تعالى، ﴿لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ [الكهف: ٦٠]، فلا أبرح هذه لا يجوز أن يراد بها البراح من المكان
стр. 243
لأنه من المحال أن يبلغ مجمع البحرين وهو في مكانه لم يبرح منه وإذا ل يجز أن يراد بها البراح تعين أن يكون بمعنى لا أزال" (١).
والصواب أن ذلك هو الكثير فيه وهو الأصل في استعماله قال تعالى: ﴿فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي﴾ [يوسف: ٨٠]، وقال: ﴿لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه: ١٩]، وهذا القول في العجل الذي عبده بنو إسرائيل أي لا نترك مكاننا عاكفين على عبادته والعكوف يقتضي المكث في المكان والبقاء فيه. ومن ذلك قوله:
فقلت يمين الله أبرح قاعدًا ... ولو قطعوا رأسى لديك وأوصالي
أي أبقى في مكاني قاعدًا وأبرح هنا معناه (لا أبرح).
وقول عبد الله بن قيس الرقيات:
والله أبرح في مقدمة ... أهدي الجيوش على شكتيه
أي لا أترك مكاني في مقدمة العسكر
مافتيء: معنى فتيء نسي يقال: فتئت عن الأمر إذا نسيته وانقدعت (٢) ويأتي بمعنى سكن واطفأ (٣).
قال الفراء: فتأته عن الأمر سكنته وفتأت النار أطفأتها (٤) فإذا قلت: ما فتيء كان معناه ما نسي أو ما سكن هذا أصلها ثم استعملت منفية لإفادة الدوام، فإذا قلت: ما فتئت أفعل كان المعنى: ما نسيت فعله أي أنا أفعله مستمرًا لم أنسه وما سكنت عن فعله ولك أكف عنه. ومنه قوله تعالى: ﴿تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾ [يوسف: ٨٥]، أي لا تنسى
стр. 244
ذكره على تقادم العهد، ولا تسكن نفسك ولا تطفيء ما في جوانحك من نار التعلق به.
وهو أنسب فعل في هذا المقام لا يسد مسده مازال أو ما برح أو غيرهما وهو الموضع الوحيد الذي جاء فيه هذا الفعل في القرآن.
ثمة فرق بين قولنا (لا تزال تذكر) و (لا تفتأ تذكر) فلا تفتأ معناه لا تنسى، ولا تسكن نفسك، ولا تطفيء نار جوانحك، كما تقول أن الهوى بين جنبي لا يسكن والنار لا تنطفيء.
ما أنفك: يقال فك الشيء أي فصله والرهن خلصه والرقة أعتقها، والفك أن نفك الخلخال والرقبة. وفك الرقبة تخليصها من أسار الرق، وفك الرهن تخليصه من غلق الرهن. وفي النوادر: أفك الظبي من الحبالة إذا وقع فيه ثم انفلت. وكل مشتبكين فصلت أحدهما من الآخر فقد فككتهما (١).
هو هذا الأصل في استعمال (فك) فهو من فك القيود والتخليص من الأسار والحبائل فإذا قلت: (ما أنفك) كان المعنى لم يخلص ولم ينفصل، ومن هنا استعملت في معنى الدوام والاستمرار.
فإذا قلت: (ما أنفك محمد يفعل) كان معناه أنه لا يزال متصلا بالفعل متشبثًا به مرتبطًا به بقيد مغلق لم ينفك، جاء في (شرح ابن يعيش): "وأما أنفك من قولهم (ما أنفك يفعل) فهي أيضا بمعنى زال من قولك فككت الشيء من الشيء إذا خلصته منه، وكل مشتبكين فصلت أحدهما من الآخر فقد فككتهما، وفك الرقبة اعتقها ثم جردت من الدلالة على الحدث ثم أدخلت على المبتدأ والخبر كما فعل بكان" (٢).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾ [البينة: ١]، "وانفكاك الشيء من الشيء أن يزايله بعد التحامهبه كالعظم إذا أنفك من مفصله، والمعنى أنهم متشبثون بدينهم لا يتركونه إلا عند مجيء البينة" (٣).
стр. 245
ما دام
هذا الفعل هو (دام) الذي بمعنى استمر مسبوقًا بما المصدرية وليست (ما) ههنا نافية كما في الأفعال التي ذكرناها آنفا، ولذلك لا يكتفي به وإنما يحتاج إلى كلام معه يكون معه المصدر جملة تامة، لا تقول: (ما دام محمد حاضرًا) لأن المعنى لا يتم وإنما تقول: (لا أذهب ما دام محمد حاضرًا) و (ما) ههنا مصدرية ظرفية والمعنى: لا أذهب مدة دوام حضور محمد فعدم الذهاب موقت بدوام الحضور ولذا قالوا أنها تفيد التوقيت (١).
قال ابن يعيش: "أما ما دام من قولك: ما دام زيد جالسًا فليست (ما) في أولها حرف نفي على حدها في ما زال وما برح إنما (اما) ههنا مع الفعل بتأويل المصدر، والمراد به الزمان. فإذا قلت: لا أكلمك ما دام زيد قاعدًا فالمراد دوام قعوده أي زمن دوامه ..
ومما يدل على أن (ما) مع ما بعدها زمان أنها لا تقع أولاً فلا يقال: ما دام زيد قائمًا ويكون كلامًا ولابد أن يتقدمه ما يكون مظروفا وليس كذلك ما زال وأخواتها، فإنك تقول: (مازال زيد قائمًا) ويكون كلاما مفيد تامًا (وما) من قولك (ما دام) تقع لأزمة لابد منها، ولا يكون الفعل معها إلا ماضيًا. وليس كذلك ما زال فإنه يجوز أن يقع موقع (ما) غيرها من حروف النفي ويكون الفعل مع النافي ماضيًا ومضارعًا نحو مازال ولم يزل ولا يزال" (٢).
وقد تأتي مكتفية بمرفوعها فلا تحتاج إلى منصوب، وذلك كقوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] (٣).
стр. 246
التقديم والتأخير
الأصل في هذا الباب أن تأتي بالفعل الناقص فأسمه فخبره فنقول مثلا: (كان محمد قائمًا) شأن الفعل والفاعل والمفعول به، فإذا جاء على غير هذا التأليف كان ذلك لسبب يقتضيه المقام وذلك كأن تقول: (محمد كان قائمًا) أو (كان قائمًا محمد) أو (قائمًا كان محمد).
١ - فأما قولنا (كان محمد قائمًا) فيكون إذا كان المخاطب خالي الذهن.
٢ - وأما قولنا (محمد كان قائمًا) فهو من باب تقديم المبتدأ على الخبر الفعلي للاختصاص والاهتمام، وذلك كأن يظن المخاطب أن زيدا كان القائم لا محمدا فترد عليه بقولك (محمد كان قائما) فالفرق بين قولنا (كان محمد قائمًا) و (محمد كان قائمًا) إن العبارة الأولى تكون إذا كان المخاطب خالي الذهن لا يعلم شيئا عن هذا الأمر، فإذا كان يعلم أن شخصا ما كان قائما ولكن ظنه خالدا صححت له وهمه، بتقديم المبتدأ على الخبر الفعلي فتقول له: محمد كان قائمًا.
٣ - وأما قولنا (كان قائمًا محمد) فهو من باب تقديم الخبر على الاسم للعناية به والاهتمام وذلك كأن يكون محمد مريضًا لا يقوي على القيام لمدة ثم قام فتقدم الخبر على الاسم، وتقول: (كان قائمًا محمد)، لأن الخبر ههنا أولى بالاهتمام من الاسم. ونحوه أن تقول: (كان نائمًا خالد) وذلك إذا كان خالد لم يتمكن من النوم مثلا مدة لمرض أو نحوه.
وهكذا تقدم الخبر على الاسم إذا كان المخاطب به أعني.
٤ - وأما تقديم الخبر على (كان) نحو قولنا (قائمًا كان محمد) فهو من باب التخصيص وذلك إذا كان المخاطب يظن أن محمدًا كان قائمًا لا قائمًا، فتصحح له هذا الوهم وتقول أنه كان قائمًا لا قاعدًا.
стр. 247
وقد يقدم الخبر للاهتمام والعناية لأن العرب يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم به أعني.
ما يعرف به الاسم من الخبر
إذا كان الاسم والخبر معرفتين، فإنك تأتي بالاسم الذي يعلمه المخاطب، وتجعله اسما للفعل الناقص، وتأتي بالذي يجهله فتجعله خبرًا له، كما مر في بحث المبتدأ والخبر، وذلك كأن يكون المخاطب سمع بمحمد وقد رأي رجلا منطلقا وأردت أن تعلمه بأن محمدًا هو المنطلق قلت له: (كان محمدٌ المنطلق)، وإذا كان رأي رجلا منطلقا ولم يعرف أنه محمد وأردت أن تعلمه بأن المنطلق هو محمد قلت له: (كان المنطلق محمدا).
جاء في (مغني اللبيب): "أن يكونا معرفتين فإن كان المخاطب يعلم أحدهما دون الآخر فالمعلوم الاسم والمجهول الخبر، فيقال (كان زيد أخا عمرو) لمن علم زيدا وجهل أخوته فالمعلوم الاسم والمجهول الخبر، فيقال (كان زيد أخا عمرو)، لمن علم زيدا وجهل أخوته لعمرو، و (كان أخو عمرو زيدا) لمن يعلم أخا لعمرو ويجهل أن اسمه زيد، وأن كان يعلمهما ويجعل انتساب أحدهما إلى الآخر، فإن كان أحدهما أعرف فالمختار جعله الاسم فتقول: (كان زيد القائم) لمن كان قد سمع بزيد وسمع برجل قائم، فعرف كلا منهما بقلبه ولم يعلم أن أحدهما هو الآخر، ويجوز قليلا: كان القائم زيدًا" (١).
والتحقيق ما ذكرناه أولا.
فإن كان الاسم والخبر نكرتين فقد ذكر ابن هشام أنه إن "كان لكل منهما مسوغ للأخبار عنها، فأنت مخير فيما تجعله منهما الاسم وما تجعله الخبر فتقول: (كان خير من زيد شرا من عمرو) أو تعكس.
وإن كان المسوغ لأحداهما فقط جعلتها الاسم نحو: كان خير من زيد امرأة" (٢).
стр. 248
والذي نراه صوابًا في هذا أن المعنى هو الذي يعين الاسم من الخبر، فالذي أردت أن تخبر عنه تجعله إسمًا للفعل الناقص، والذي أردت أن تخبر به تجعله خبرًا، وليس لك أن تجعله أيا شئت منهما اسما أو خبرًا، وليس المعنى واحدًا، فإذا قلت مثلا (ذو دين متين، ذو عرض مصون) كان المعنى صحيحا ولكن إذا قلت (ذو عرض مصون، ذو دين متين) فليس القول على إطلاقه فقد يكون ذو العرض ليس ذا دين، فقد ثبت أن معنى الجملتين مختلف وهكذا لو أدخلت الفعل الناقص على الجملتين.
ولو قلت (ما كان ذو دين متين إلا ذا عرض مصون) كان المعنى صحيحًا، ولكن لو قلت (ما كان ذو عرض مصون إلا ذا دين متين) لم يستقم القول فإن هذا القول ليس على إطلاقه، ولو كان معنى الجملتين واحدًا في ال حصر لكان معناهما في غير الحصر واحدًا.
ولو قلت مثلا: (ما كان مثلك أحدٌ (١)) لكان المعنى: لا يشبهك أحد. ولو قلت (ما كان مثلك أحدًا) لكان المعنى: (ما كان مثلك إنسانًا) أي أن الذي يشبهك ليس إنسانًا "وذلك غير جائز إلا أن يراد به المثل على التعظيم لشأنه أو الوضع منه كقولهم: (ما أنت إلا شيطان) و (ما فلان إلا ملك) " (٢).
جاء في (كتاب سيبويه): "ولو قال: ما كان مثلك أحدًا أو ما كان زيد أحدا كان ناقضا لأنه قد علم أنه لا يكن زيد ولا مثله إلا من الناس".
وإذا قلت: ما كان مثلك اليوم أحدٌ فإنه يكون غلا يكون في اليوم إنسان على حاله إلا أن تقول: ما كان زيدٌ أحدًا أي من الأحدين. وما كان مثلك أحدًا على وجه تصغيره فتصير كأنك قلت: ما ضرب زيد أحدًا وما قتل مثلك أحدًا" (٣).
стр. 249
ليس والمشبهات بها
ليس:
استعمل العرب (ليس) استعمال الأفعال الماضية مهما قيل في أصلها فقد قالوا: ليس ولسنا ولستم، وليسوا، وزيد ليس حاضرًا، ونحوها.
وهي عند الجمهور فعل ماض ناقص، وذكر الخليل أن أصلها (لا أيس) طرحت الهمزة والزفت اللام بالياء، والدليل على ذلك قول العرب: (ائتني به من حيث أيس وليس) أي من حيث هو وليس هو.
جاء في (القاموس المحيط): "ليس: كلمة نفي فعل ماض أصله ليس كفرح، فسكنت تخفيفا أو أصله (لا أيس)، طرحت الهمزة، والزفت اللام بالياء، والدليل قولهم: ائتني من حيث أيس وليس أي من حيث هو ولا هو، أو معناه لا وجد أو (أيس) موجود و (لا أيس) لا موجود فخففوا وإنما جاءت بمعنى لا التبرئة" (١).
و(أيس) كلمة قد أميتت كانت تستعمل بمعنى الوجود، جاء في لسان العرب: "قال الليث: أيس كلمة قد أميتت إلا أن الخليل ذكر أن العرب تقول جيء به من حيث أيس وليس لم تستعمل أيس إلا في هذه الكلمة وإنما معناها كمعنى حيث هو في حال الكينونة والوجد وقال أن معنى (لا أيس) أي لا وجد" (٢).
وإذا كان ذلك كذلك و (ليس) مركبة من حرف نفي وأيس، الذي هو بمعنى الكينونة ومعناه الحرفي (لا وجد) كما مر، ثم استعمل في العربية على ما نرى.
стр. 250
جاء في كتاب (التطور النحوي): "وقد اشتقت العربية من (لا) أدوات أخرى للنفي لا توجد في سائر اللغات السامية إلا (ليس) فيقابلها في الآرامية (lait)، وهي مركبة من لا واسم معناه الوجود يحتمل أن يكون لفظة القديم (iitai) أو قريبا من ذلك، وهو (ies) في العبرية و (itai) في الآرمية العتيقة ويقاربها في الأكدية فعل وهو (isu) أي يملك الشيء وهو له فمعنى (lait) لا يوجد وهذا هو عين معنى (ليس) الأصلي، غير أن حروفها لا تتطابق تماما فأنا قد كنا بينا أن السين العربية لا يقابلها في اللغات السامية الشمالية إلا السين بينها أو الشين ولا يقابلها التاء أو الثاء وفي العبرية والآكدية الشين، لا التاء فكان يلزم أن تكون (lait) في العربية (laita) وقيام السين في ليس مقام التاء نقض لقوانين الأصوات السامية لابد له من سبب ولا نعرفه" (١).
وهذا الفعل يستعمل في العربية لنفي الحال عند الإطلاق وإذا قيد فبحسب ذلك التقييد تقول: (ليس زيد قائمًا) أي الآن، وقال تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم﴾ [هود: ٨]، أي في المستقبل، وليس صحيحا ما ذهب إليه بعض النحاة من أنها لا تنفي إلا الحال (٢). بل هي كذلك إذا طلقت كما ذكرنا فإذا قيدت فنفيها على حسب القيد (٣).
ومن استعمالاتها في غير الحاضر قولهم (ليس خلق الله مثله) فهي في هذا للماضي واسمها ضمير الشأن وقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهي هنا للاستقبال (٤).