التقديم والتأخير
الأصل في هذا الباب أن تأتي بالفعل الناقص فأسمه فخبره فنقول مثلا: (كان محمد قائمًا) شأن الفعل والفاعل والمفعول به، فإذا جاء على غير هذا التأليف كان ذلك لسبب يقتضيه المقام وذلك كأن تقول: (محمد كان قائمًا) أو (كان قائمًا محمد) أو (قائمًا كان محمد).
١ - فأما قولنا (كان محمد قائمًا) فيكون إذا كان المخاطب خالي الذهن.
٢ - وأما قولنا (محمد كان قائمًا) فهو من باب تقديم المبتدأ على الخبر الفعلي للاختصاص والاهتمام، وذلك كأن يظن المخاطب أن زيدا كان القائم لا محمدا فترد عليه بقولك (محمد كان قائما) فالفرق بين قولنا (كان محمد قائمًا) و (محمد كان قائمًا) إن العبارة الأولى تكون إذا كان المخاطب خالي الذهن لا يعلم شيئا عن هذا الأمر، فإذا كان يعلم أن شخصا ما كان قائما ولكن ظنه خالدا صححت له وهمه، بتقديم المبتدأ على الخبر الفعلي فتقول له: محمد كان قائمًا.
٣ - وأما قولنا (كان قائمًا محمد) فهو من باب تقديم الخبر على الاسم للعناية به والاهتمام وذلك كأن يكون محمد مريضًا لا يقوي على القيام لمدة ثم قام فتقدم الخبر على الاسم، وتقول: (كان قائمًا محمد)، لأن الخبر ههنا أولى بالاهتمام من الاسم. ونحوه أن تقول: (كان نائمًا خالد) وذلك إذا كان خالد لم يتمكن من النوم مثلا مدة لمرض أو نحوه.
وهكذا تقدم الخبر على الاسم إذا كان المخاطب به أعني.
٤ - وأما تقديم الخبر على (كان) نحو قولنا (قائمًا كان محمد) فهو من باب التخصيص وذلك إذا كان المخاطب يظن أن محمدًا كان قائمًا لا قائمًا، فتصحح له هذا الوهم وتقول أنه كان قائمًا لا قاعدًا.
стр. 247
وقد يقدم الخبر للاهتمام والعناية لأن العرب يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم به أعني.
ما يعرف به الاسم من الخبر
إذا كان الاسم والخبر معرفتين، فإنك تأتي بالاسم الذي يعلمه المخاطب، وتجعله اسما للفعل الناقص، وتأتي بالذي يجهله فتجعله خبرًا له، كما مر في بحث المبتدأ والخبر، وذلك كأن يكون المخاطب سمع بمحمد وقد رأي رجلا منطلقا وأردت أن تعلمه بأن محمدًا هو المنطلق قلت له: (كان محمدٌ المنطلق)، وإذا كان رأي رجلا منطلقا ولم يعرف أنه محمد وأردت أن تعلمه بأن المنطلق هو محمد قلت له: (كان المنطلق محمدا).
جاء في (مغني اللبيب): "أن يكونا معرفتين فإن كان المخاطب يعلم أحدهما دون الآخر فالمعلوم الاسم والمجهول الخبر، فيقال (كان زيد أخا عمرو) لمن علم زيدا وجهل أخوته فالمعلوم الاسم والمجهول الخبر، فيقال (كان زيد أخا عمرو)، لمن علم زيدا وجهل أخوته لعمرو، و (كان أخو عمرو زيدا) لمن يعلم أخا لعمرو ويجهل أن اسمه زيد، وأن كان يعلمهما ويجعل انتساب أحدهما إلى الآخر، فإن كان أحدهما أعرف فالمختار جعله الاسم فتقول: (كان زيد القائم) لمن كان قد سمع بزيد وسمع برجل قائم، فعرف كلا منهما بقلبه ولم يعلم أن أحدهما هو الآخر، ويجوز قليلا: كان القائم زيدًا" (١).
والتحقيق ما ذكرناه أولا.
فإن كان الاسم والخبر نكرتين فقد ذكر ابن هشام أنه إن "كان لكل منهما مسوغ للأخبار عنها، فأنت مخير فيما تجعله منهما الاسم وما تجعله الخبر فتقول: (كان خير من زيد شرا من عمرو) أو تعكس.
وإن كان المسوغ لأحداهما فقط جعلتها الاسم نحو: كان خير من زيد امرأة" (٢).
стр. 248
والذي نراه صوابًا في هذا أن المعنى هو الذي يعين الاسم من الخبر، فالذي أردت أن تخبر عنه تجعله إسمًا للفعل الناقص، والذي أردت أن تخبر به تجعله خبرًا، وليس لك أن تجعله أيا شئت منهما اسما أو خبرًا، وليس المعنى واحدًا، فإذا قلت مثلا (ذو دين متين، ذو عرض مصون) كان المعنى صحيحا ولكن إذا قلت (ذو عرض مصون، ذو دين متين) فليس القول على إطلاقه فقد يكون ذو العرض ليس ذا دين، فقد ثبت أن معنى الجملتين مختلف وهكذا لو أدخلت الفعل الناقص على الجملتين.
ولو قلت (ما كان ذو دين متين إلا ذا عرض مصون) كان المعنى صحيحًا، ولكن لو قلت (ما كان ذو عرض مصون إلا ذا دين متين) لم يستقم القول فإن هذا القول ليس على إطلاقه، ولو كان معنى الجملتين واحدًا في ال حصر لكان معناهما في غير الحصر واحدًا.
ولو قلت مثلا: (ما كان مثلك أحدٌ (١)) لكان المعنى: لا يشبهك أحد. ولو قلت (ما كان مثلك أحدًا) لكان المعنى: (ما كان مثلك إنسانًا) أي أن الذي يشبهك ليس إنسانًا "وذلك غير جائز إلا أن يراد به المثل على التعظيم لشأنه أو الوضع منه كقولهم: (ما أنت إلا شيطان) و (ما فلان إلا ملك) " (٢).
جاء في (كتاب سيبويه): "ولو قال: ما كان مثلك أحدًا أو ما كان زيد أحدا كان ناقضا لأنه قد علم أنه لا يكن زيد ولا مثله إلا من الناس".
وإذا قلت: ما كان مثلك اليوم أحدٌ فإنه يكون غلا يكون في اليوم إنسان على حاله إلا أن تقول: ما كان زيدٌ أحدًا أي من الأحدين. وما كان مثلك أحدًا على وجه تصغيره فتصير كأنك قلت: ما ضرب زيد أحدًا وما قتل مثلك أحدًا" (٣).
стр. 249
ليس والمشبهات بها
ليس:
استعمل العرب (ليس) استعمال الأفعال الماضية مهما قيل في أصلها فقد قالوا: ليس ولسنا ولستم، وليسوا، وزيد ليس حاضرًا، ونحوها.
وهي عند الجمهور فعل ماض ناقص، وذكر الخليل أن أصلها (لا أيس) طرحت الهمزة والزفت اللام بالياء، والدليل على ذلك قول العرب: (ائتني به من حيث أيس وليس) أي من حيث هو وليس هو.
جاء في (القاموس المحيط): "ليس: كلمة نفي فعل ماض أصله ليس كفرح، فسكنت تخفيفا أو أصله (لا أيس)، طرحت الهمزة، والزفت اللام بالياء، والدليل قولهم: ائتني من حيث أيس وليس أي من حيث هو ولا هو، أو معناه لا وجد أو (أيس) موجود و (لا أيس) لا موجود فخففوا وإنما جاءت بمعنى لا التبرئة" (١).
و(أيس) كلمة قد أميتت كانت تستعمل بمعنى الوجود، جاء في لسان العرب: "قال الليث: أيس كلمة قد أميتت إلا أن الخليل ذكر أن العرب تقول جيء به من حيث أيس وليس لم تستعمل أيس إلا في هذه الكلمة وإنما معناها كمعنى حيث هو في حال الكينونة والوجد وقال أن معنى (لا أيس) أي لا وجد" (٢).
وإذا كان ذلك كذلك و (ليس) مركبة من حرف نفي وأيس، الذي هو بمعنى الكينونة ومعناه الحرفي (لا وجد) كما مر، ثم استعمل في العربية على ما نرى.
стр. 250
جاء في كتاب (التطور النحوي): "وقد اشتقت العربية من (لا) أدوات أخرى للنفي لا توجد في سائر اللغات السامية إلا (ليس) فيقابلها في الآرامية (lait)، وهي مركبة من لا واسم معناه الوجود يحتمل أن يكون لفظة القديم (iitai) أو قريبا من ذلك، وهو (ies) في العبرية و (itai) في الآرمية العتيقة ويقاربها في الأكدية فعل وهو (isu) أي يملك الشيء وهو له فمعنى (lait) لا يوجد وهذا هو عين معنى (ليس) الأصلي، غير أن حروفها لا تتطابق تماما فأنا قد كنا بينا أن السين العربية لا يقابلها في اللغات السامية الشمالية إلا السين بينها أو الشين ولا يقابلها التاء أو الثاء وفي العبرية والآكدية الشين، لا التاء فكان يلزم أن تكون (lait) في العربية (laita) وقيام السين في ليس مقام التاء نقض لقوانين الأصوات السامية لابد له من سبب ولا نعرفه" (١).
وهذا الفعل يستعمل في العربية لنفي الحال عند الإطلاق وإذا قيد فبحسب ذلك التقييد تقول: (ليس زيد قائمًا) أي الآن، وقال تعالى: ﴿ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم﴾ [هود: ٨]، أي في المستقبل، وليس صحيحا ما ذهب إليه بعض النحاة من أنها لا تنفي إلا الحال (٢). بل هي كذلك إذا طلقت كما ذكرنا فإذا قيدت فنفيها على حسب القيد (٣).
ومن استعمالاتها في غير الحاضر قولهم (ليس خلق الله مثله) فهي في هذا للماضي واسمها ضمير الشأن وقوله تعالى: ﴿ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه﴾ [البقرة: ٢٦٧]، وهي هنا للاستقبال (٤).
стр. 251
ما:
أعملت (ما) عمل (ليس) في لغة أهل الحجاز، قال تعالى: ﴿ما هذا بشرًا﴾ [يوسف: ٣١] ولم تعملها تميم، ويذكر النحاة أوجه المشابهة بينهما فيقولون:
إن كلتيهما تدخل على المبتدأ والخبر، وإن كانت (ما) لا تختص بالدخول على الجمل الإسمية، وكلتاهما لنفي الحال، ويقوي هذه المشابهة، بينهما دخول الباء في خيرها كما تدخل في خبر ليس. (١)
وقد ذهب بعض النحاة إلى أن نفيها مختص بالحال (٢)، والصحيح أنها كليس تنفي الحال عند الإطلاق وإذا قيدت فهي بحسب ذلك التقييد، قال تعالى: ﴿وما هم بخارجين من النار﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقال: ﴿وما هم عنها بغائبين﴾ [الإنفطار: ١٦]، وهي في ذلك للاستقبال (٣).
الفرق بين ما وليس:
الذي يظهر لي أن (ليس) و (ما) ليستا متماثلتين في النفي تمامًا، بل بينهما أوجه شبه وأوجه مخالفة فهما أداتان تستعملان للنفي، وقد تعملان عملا واحدًا، وهما لنفي الحال عند الإطلاق، ولكن بينهما خلافا، وليس من حكمة العربية أن تجعل أداتين مختلفتين متشابهتين تمامًا في المعنى، ولابد أن يكون لكل واحدة منهما خصوصية ليست في الأخرى. فـ (ليس) فعل أو استعملت استعمال الأفعال (وما) حرف ولا يكون الفعل كالحرف والعربية كما يقول براجشتراسر تميل إلى التفريق والتخصيص (٤).
إن الذي يبدو لي أن (ما) أقوى في النفي من (ليس) والذي يدل على ذلك أمور منها:
стр. 252
١ - استعملت العرب (ليس) استعمال الأفعال كما ذكرنا، فقالوا لست، وليسا، وليست وعلى هذا فالجملة المبدوءة بها فعلية، والجملة المنفية بـ (ما) إسمية، والجملة الإسمية أثبت من الجملة الفعلية.
٢ - وردت (ليس) في القرآن الكريم في (٤١)، واحد وأربعين موطنًا، اسمها نكرة، لم تدخل (من) الزائدة المؤكدة على موطن واحد منها بل كلها مجردة منها، في حين وردت (ما) في القرآن في (٩١)، واحد وتسعين موطنًا مرفوعها نكرة، كلها دخلت عليها (من) الزائدة الدالة على الاستغراق والتوكيد، وذلك كقوله تعالى: ﴿ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩].
قال تعالى: ﴿ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع﴾ [الأنعام: ٥١] وقال: ﴿وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع﴾ [الأنعام: ٧٠].
وقال: ﴿وليس له من دونه أولياء﴾ [الأحقاف: ٣٢].
في حين قال: ﴿وما لهم من دونه من وال﴾ [الرعد: ١١].
وقال: ﴿وما لكم من دون الله من ولي﴾ [البقرة: ١٠٧، التوبة: ١١٦، ـ العنكبوت: ٢٢، الشورى: ٣١].
وقال: ﴿مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ [البقرة: ١٢٠، الرعد: ٣٧].
فجرد اسم ليس من (من) وقرن اسم (ما) بها.
وقال تعالى: ﴿وما ليس لهم به علم﴾ [الحج: ٧١].
وقال: ﴿ما ليس لكم به علم﴾ [النور: ١٥]، وانظر الإسراء: ٣٦، لقمان: ١٥، غافر: ٤٢.
في حين قال: ﴿مالهم بذلك من علم﴾ [الزخرف: ٢٠، الجاثية: ٢٤]، وهذا كسابقه مما يدل على أن (ما) آكد وأقوى.
стр. 253
٣ - ورد خبر (ما) مقترنا بالباء الزائدة الدالة على التوكيد في (٧٦)، ستة وسبعين موطنًا وورد في ثالاثة مواطن فقط غير مؤكد الزائدة وهي قوله تعالى: ﴿ما هذا بشرا﴾ [يوسف: ٣١]، وقوله: ﴿ماهن أمهاتهم﴾ [المجادلة: ٢]، وقوله: ﴿فما منكم من أحد عنه حاجزين﴾ [الحاقة: ٤٧]، في حين ورد خبر (ليس) في ٢٣ ثلاثة وعشرين موطنًا مؤكدًا بالباء الزائدة، وفي خمسة مواطن مجردًا منها.
٤ - أن الجمل التي تحتاج إلى توكيد كثير استعملها القرآن منفية بما، كقوله تعالى ﴿مالكم من إله غيره﴾ ولم يرد مثل هذا التعبير في القرآن منفيا بليس وهذا من أهم المواطن التي تحتاج إلى التوكيد لأنه في نفي الشرك.
قال تعالى: ﴿وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل﴾ [الأنعام: ٦٦].
وقال: ﴿ولو شاء الله ما اشركوا وما جعلناك عليهم حفيظًا وما أنت عليهم بوكيل﴾ [الأنعام: ١٠٧].
وقال: ﴿إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدي فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل﴾ [الزمر: ٤١].
وقال: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل﴾ [الشورى: ٦].
وقال: ﴿قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل﴾ [يونس: ١٠٨].
فأنت ترى أنه في الآية الأولى قال: (قل لست عليكم بوكيل) وفي الآية الأخرى قال (وما أنت عليهم بوكيل) أو (وما أنا عليكم بوكيل) وذلك راجع إلى قوة النفي الذي يظهر من السياق، والذي هو أبين من أن يدل على مواطنه بخلاف استعمال ليس.
стр. 254
٥ - والذي يدل على أنها تفيد التوكيد أنها تقع جوابًا للقسم نحو (والله ما زيد بحاضر) وذكر سيبويه أن قولهم (ما فعل) نفي لقولهم (لقد فعل) (١)، مما يدل على أن فيها توكيدا.
جاء في (الإتقان): "ومقتضى كلام سيبويه أن فيها معنى التأكيد لأنه جعلها في النفي جوابًا لقد (٢) فكما أن (قد) فيها معنى التأكيد فكذلك ما جعل جوابًا لها". (٣)
وجاء في (الأشباه والنظائر) إن النفي فيها آكد. (٤)
وقد وردت في القرآن الكريم في مواطن عدة جوابًا للقسم في الجمل الإسمية والفعلية قال تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال: ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾ [المائدة: ٢٨]، وقال: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا واق﴾ [الرعد: ٣٧]، وقال: ﴿ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ [القلم: ١ - ٢].
ومن وردها في الجمل الفعلية قوله تعالى: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٢] وقوله: ﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾ [التوبة: ٧٤]، وقوله: ﴿والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى﴾ [النجم: ١ - ٢].
وجواب القسم فيه توكيد مثبًا كان أو منفيًا. ولم ترد (ليس) في القرآن الكريم جوابًا للقسم البتة فدل ذلك على أنها آكد من (ليس) في النفي.
стр. 255
وقد يعترض معترض على هذا الاستدلال بالقول أنه ربما دل وجود الباء الزائدة في خبر (ما) أكثر من (ليس) وغير ذلك مما ذكرته على ضعف (ما في التوكيد فاحتيج إلى توكيدها بما ذكرت بخلاف ليس).
وهذا الاعتراض مردود فهو شبيه بقول من يقول إن القسم ضعيف، فاحتيج إلى تقوية جوابه بإن واللام، وأن الجملة المصدرة بإن ضعيفة بدليل أنها تقع جوابًا للقسم فقولنا (محمد حاضر) آكد من (أن محمدًا لحاضر) بدليل إن الجملة الأخيرة تقع جوابًا للقسم خلافا للأولى، أو يقول أن (إن) ضعيفة في التوكيد بدليل وقوع اللام في خبرها، أو يقول إن (نون التوكيد) ضعيفة ولذا تقع في جواب القسم، أو يقول إن (ما) الزائدة لا تفيد التوكيد بدليل اقترانها بنون التوكيد في الكلام كثيرًا، ومن المعلوم أن (ما) الزائدة بعد إن الشرطية يكثر توكيد شرطها بالنون وقد جاءت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة كذلك كقوله تعالى: ﴿وإما تعرضن عنهم﴾ [الإسراء: ٢٨]، وقوله: ﴿وإما ينسينك الشيطان﴾ [الأنعام: ٦٨]، و ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ [الأنفال: ٥٨] و ﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ [الأنفال: ٥٧]، و ﴿فإما ترين من البشر أحدًا﴾ [مريم: ٢٦]، ومع غير الشرط أيضا كقوله تعالى: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ [المؤمنون: ٤٠].
فالمعترض إما أن يسلب نون التوكيد توكيدها، وأما أن يسلب (ما) توكيدها، و (ما) هذه مؤكدة كما ذكر سيبويه (٢/ ١٥٢، ٢/ ٣٠٥)، و (أن) مؤكدة كما ذكر سيبويه. قال سيبويه: "فإن إن حرف توكيد فلها لام كلام اليمين" (١).
فإن حرف التوكيد قد يؤتى معه بمؤكد آخر لتقويته، وزيادة توكيده، كما ذكر سيبويه في (أن) وليس الأمر معكوسًا كما يظن ظان.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من
стр. 256
شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين﴾ [يس: ١٣ - ١٧]، أقول ألا ترى كيف أكد الكلام أولا، بأن دون اللام (أنا إليكم مرسلون) ثم لما اشتد التكذيب، احتاج الأمر إلى توكيد فقال (ربنا يعلم أنا إليكم لمرسلون فأكده بإن واللام؟ (١)
فهل مثل ذاك وأظنه من الوضوح بمكان.
إن:
وإما (إن) فأنكر إعمالها جمهور البصريين وأجازه جماعة مستندين إلى طائفة من النصوص وقيل هي لغة أهل العالية (٢) ومن ذلك قولهم: (إن أحد خيرا من أحد إلا بالعافية) وقوله:
إن هو مستوليا على أحد ... إلا على أضعف المجانين
ولم ترد معملة في القرآن الكريم في القراءة المشهورة.
ويذكر لنا النحاة أنها بمنزلة (ما) في نفي الحال (٣)، والصحيح أنها تأتي لغيره قال تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده﴾ [فاطر: ٤١].
والذي يبدو أنها آكد من (ما) في النفي، كما تستعمل كثيرا في الإنكار قال تعالى على لسان النسوة في يوسف ﵇: (ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم) [يوسف: ٣١]، فنفي مرة بما ومرة بإن. ولما رأيت إثبات صورة الملك ليوسف، وهو أمر في حاجة إلى توكيد في النفي والإثبات قال (إن هذا إلا ملك كريم)، وقال: ﴿ما هن أمهاتهم إن
стр. 257
أمهاتهم إ لا اللائي ولدنهم﴾ [المجادلة: ٢]، فنفي مرة بما ومرة بإن - فإنه لما أراد الإكار لى هؤلاء المظاهرين (١) من الرجال وأراد أن يرجعهم إلى حقيقة كأنهم جلهوها قال منكرًا عليهم (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) وقال: ﴿ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون﴾ [يس: ١٥]، فإن نفي الثاني أقوى فجاء به بإن، فإن الأول إثبات البشرية والثاني الكذب، وهم بشر لا شك في ذلك فجاء به بما. والثاني إثبات الكذب للرسل ﵈ وإنكار أن يكونوا صادقين وهو يحتاج إلى توكيد أكثر فجاء به بأن.
قال مجاهد: " كل شيء في القرآن (إن) فهو إنكار" (٢)، وقال الراغب: " وأكثر ما يجيء يتعقبه (إلا) نحو ﴿إن نظن إلا ظنا﴾ [الجاثية: ٣٢]، ﴿إن هذا إلا قول البشر﴾ [المدثر: ٢٥]، ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ [هود: ٥٤]. (٣)
وقال برجشتر اسر: " وإن تكاد تطابق (ما) في وظيفتها وأكثر وقوعها قبل (إلا) للجناس بينهما نحو (إن الحكم إلا لله) [يوسف: ٤٠] ". (٤)
وهذه الملاحظة جديرة بالانتباه وهي تؤيد ما ذهبنا إليه فإن القصر بالنفي (وإلا) يعطي النفي قوة وتوكيدًا، فلما كانت (إن) أكثر من (ما) في ذلك دل على أنها أقوى منها.
لا:
وهي أقدم أدوات النفي في العربية ويقابلها في الأكدية والآرامية (la) وفي العبرية (ةا) (٥) وقد أنكر كثير من النحاة إعمال (لا) عمل ليس، وقال الآخرون هو قليل خاص بلغة أهل الحجاز، والغالب على خبرها أن يكون محذوفا، حتى قيل هو لازم الحذف
стр. 258
والصحيح جواز ذكره (١) إذا عُلم ووجوب ذكره إذا جهل، قال الشاعر:
تعز فلا شيء على الأرض باقيًا ... ولا وزر مما قد قضى الله واقيًا.
و(لا) هذه التي يقال عنها إنها تعمل عمل ليس، تنفي الجنس برجحان ويحتمل أن يكون نفيها للوحدة فإن قلت: (لا رجل حاضرًا) نفيت أن يكون أحد من جنس الرجال حاضرًا ويجوز أن يراد بذلك لا رجل واحد وهو امر مرجوح ولا فرق بين قولنا (لا رجل حاضر) و (لا رجل حاضرا) فإن كليهما لنفي الجنس، غير أن في الجملة الأولى هذا الاحتمال من وظن أن العاملة عمل ليس لا تكون إلا للوحدة كان غالطًا (٢).
لات:
أن هذا الحرف من ابتداعات العربية، ولا يوجد له نظير في سائر اللغات السامية، كما هو مفهوم من قول براجشتراسر قال: "وقد اشتقت العربية من (لا) أدوات أخرى للنفي لا توجد في سائر اللغات السامية إلا ليس" (٣) وقال: "فلات مقصورة على نفي وجود الحين نحو (لات حين مناص) ويقابل هذه العبارة في العبرية مثل (loetheasel hammiqne) أي لات حين جمع المال.
فلات يقابلها (ةا) - المطابقة (لا) بدون التاء" (٤).
يرى الجمهور إن هذا الحرف مركب من (لا) النافية وتاء التأنيث، وهذه التاء لتأنيث الكلمة، ومثلها تاء ثمت وربت، وقيل دخلت للمبالغة في النفي كما قالوا علامة ونسابة. وذهب آخرون إلى أنها (لا) والتاء الزائدة في أول الحين، وقال آخرون هي فعل وهؤلاء على قولين أحدهما أنها في الأصل لات يليت بمعنى نقص، والآخر: أن أصلها ليس
стр. 259
بكسر الياء فقلبت الياء ألفا لتحريكها وانفتاح ما قبلها وأبدلت السين تاء" (١).
والذي نراه أنها (لا) زيدت عليها التاء لتخصيصها عنها بأحكام، فهي أكثر ما تستعمل في نفي الزمن قال الزمن ﴿ولات حين مناص﴾ [ص: ٣]، وقيل: (ندم البغاة ولات ساعة مندم) وقال الآخر (طلبوا صلحنا ولات أوان) وقد تستعمل في غيره قليلا، نحو قوله: (يبغي جوارك لات مجير).
وهي عند بعض العرب تستعمل حرفًا جارًا، لاسم الزمان خاصة كما أن منذ، ومذ كذلك (٢).
والزيادة على الكلمة لتخصيصها بأحكام ليست للأولى، كثيرة في اللغة فمن ذلك أن (إن) مثلا مختصة بالجمل الإسمية، فإذا دخلت عليها (ما) جعلتها صالحة للإسمية والفعلية.
و(ذا) اسم إشارة للقريب، فإن دخلت عليها كاف الخطاب جعلتها للمتوسط (ذاك)، فإن دخلت عليها اللام كانت للبعيد (ذلك) ونحو هذا كثير، وجعلُ كل أداة من هذه الأدوات مختصة بشيء، هو الأقرب إلى طبيعة اللغة، لأن من حكمة العربية أن تكون الأدوات المختلفة تؤدي معاني مختلفة.
الباء الزائدة:
تدخل الباء الزائدة على أخبار ليس، وما، لا، وكان المنفية، لتأكيد النفي قال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول أمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨].
ويبدو أن العرب استعملت الباء لتأكيد النفي، كما استعملت اللام في تأكيد الأثبات ولذلك قالوا: قولك (ما زيد بمنطلق) جواب (أن زيدًا لمنطلق) كما هو رأي الكوفيين (٣).
стр. 260
قال سيبويه: "وقد تكون باء الإضافة بمنزلتها في التوكيد وذلك قولك:
ما زيد بمنطلق، ولست بذاهب، أراد أن يكون مؤكدًا حيث نفي الانطلاق والذهاب" (١).
ولاستعمالها لتأكيد النفي لم تدخل على الخبر المنتقض بالا (٢).
ويبدو أن استعمال الباء لتأكيد النفي أوسع من دائرة هذه الأدوات، فقد وردت لتأكيد النفي في باب ظن نحو: ما ظننته بخارج قال:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقعدد
ودخلت في خبر لا النافية للجنس، وجعلوا منه (لا خير بخير بعده النار) وزيدات في الحال المنفية نحو:
فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها
كما زيدت في خبر (أن) بعد رأيت المنفية، قال تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر﴾ [الأحقاف: ٣٣] (٣).
وقال البصريون هي لرفع توهم الأثبات "فإن السامع قد لا يسمع أول الكلام (٤) فإذا سمع الباء في الخبر، عرف أن الكلام منفي لأنها لا تزاد في الإيجاب.
وواضح إن كلا التعليلين يؤدي إلى التوكيد فالأول ظاهر، وعلى قول البصريين نقول: لماذا أراد العربي أن يرفع توهم أرادة الإثبات في هذه الجمل دون غيرها، مما لم يذكر فيه الباء؟
стр. 261
لماذا لا يريد العربي أن يرفع توهم أرادة الأثبات في نحو قولهم: (ليس أخوك حاضرا) ويريد أن يرفع هذا التوهم في قولهم: ليس أخوك بحاضر؟
لماذا يريد العربي أن يعرف المخاطب إن هذا نفي، وإنه إذا كان ساهيًا ينبهه على ذلك في آخر الكلام، لو لم يرد أن يؤكد له النفي، وإن النفي ههنا له قيمته؟
فمآل تعليل البصريين يعود إلى التوكيد كما صرح به الكوفيون.
العطف:
لا نريد ههنا أن نبحث أحكام العطف، فإن لهذا البحث موضعًا غير هذا، ولكن نريد ههنا أن نبحث أحكامًا تخص موضوعنا الذي نحن فيه، فمن ذلك:
١ - العطف على المحل: تقول العرب: (ما محمد بكاتب ولا شاعرٍ) وتقول: (ما محمد بكاتب ولا شاعرًا) فهل ثمة فرق في المعنى بين القولين؟
جاء في كتاب سيبويه: " هذا باب ما تجريه على الموضع لا على الاسم الذي قبله وذلك قولك: " ليس زيد بجبان ولا بخيلا وما زيد بأخيك ولا صاحبك، والوجه فيه الجر لأنك تريد أن تشرك بين الخبرين وليس، ينقض إجراؤه عليه المعنى فإن يكون آخره على أوله أولى ليكون خالهما في الباء سواء كحالهما في غير الباء مع قربه منه ..
ومما جاء في الشعر في الأجراء على الموضع، قول عقيبة الأسدي:
معاوي أننا بشر فأسجح ... فلسنا بالبال ولا الحديدا (١)
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإذا عطفت على خبر ما أو خبر ليس المجرور بالباء منفيًا نحو (ما زيد بقائم ولا قاعد)، جاز في المعطوف الجر حملاً على اللفظ والنصب على المحل قال:
стр. 262
معاوي أننا بشر فأسجح (١).
والذي يبدو لي أن ثمة فرقًا في المعنى بين العطف على اللفظ، والعطف على المحل فإذا قلت: (ما محمد بكاتب ولا شاعر) كان المعطوف مؤكدًا، لأنه على أرادة الباء الزائدة للتوكيد. وإذا قلت (ما محمد بكاتب شاعرًا) كان المعطوف غير مؤكد، لأنه ليس على إرادة الباء، فيكون المعطوف عليه آكد في النفي من المعطوف، وهذا واضح، جاء في كتاب سيبويه: " وتقول: ما زيد كعمرو ولا شبيها به، وما عمرو كخالد ولا مفلحًا، النصب في هذا جيد لأنك إنما تريد ما هو مثل فلان ولا مفلحًا، هذا معنى الكلام، فإن أردت أن تقول: ولا بمنزلة من يشبهه جررت وذلك قولك: ما أنت كزيد ولا شبيه به، فإنما أردت ولا كشبيه به" (٢).
فإن النصب ليس على إرادة الكاف والجر على إرادته، وجاء فيه: "ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهب إذا لم تجعله على كان وجعلته غير ذاهب الآن" (٣).
فأنت ترى إن الجملة المعطوفة كما يقول سيبويه على غير إرادة معنى (كان) أي على غير إرادة معنى المضي ولو قلت: ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهبًا، لكانا بمعنى واحد أي على إرادة كان. وهذا مثل ذاك.
وقد يقول قائل: كيف يمكن عطف ما هو أقل توكيدًا على المؤكد أو بالعكس؟ وهل يوافق هذا وظيفة العطف التي تفيد التشريك ولا سيما الواو؟ فإنه إذا كان الأول مؤكدًا كان الثاني مؤكدا بحكم العطف
وإزالة هذه الشبهة نقول إن العطف لا يعني تمام التشريك، فالواو كما يقول النحاة (لمطلق الجمع) ولا تفيد التشريك التام، ولذا يعطف بها المنفي على المثبت تقول: ذهب ولم يعد، والإنشاء على الخير كقوله تعالى: ﴿وأخرى تحبونها نصرٌ من الله وفتح قريب وبشر
стр. 263
المؤمنين﴾ [الصف: ١٣]، وأجاز سيبويه (جاء زيد ومن عمرو العاقلان) (١)، وتعطف النهي على الأمر قال تعالى: ﴿فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ [يونس: ٨٩].
حتى إن جمهور البصريين قالوا إن واو المعية، وفاء السببية حرفا عطف في نحو (لا تأكل السمك وتشرب اللبن)، و (لا تقصر فتفشل) كما هو معلوم.
ثم قد يعطف الاسم المشبه للفعل على الفعل وبالعكس، كقوله تعالى: ﴿يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي﴾ [الأنعام: ٩٥]، وقوله: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ [الملك: ١٩]، ومن المسلمات الأولى إن الاسم غير الفعل في الدلالة ويذكر النحاة أن الاسم يدل على الثبوت، والفعل يدل على الحدوث، والتجدد، نحو قولك (زيد مطلع) و (زيد يطلع) والاسم أقوى وأثبت.
وقال تعالى: ﴿والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا﴾ [العاديات: ١ - ٣]، فعطف الفعل على الاسم، والعطوف عليه مقسم به، وليس كذلك المعطوف الفعلي، فإن حرف الجر لا يدخل على الفعل كما هو معلوم.
ثم إن مما يبحثه النحاة، قولهم إن الفاء اختصت بعطف ما ليس صلة على الصلة، وتعطف ما لا يصلح أن يكون خبرًا على ما هو خبر، وما لا يصلح أن يكون حالا على ما هو حال، وما لا يصلح أن يكون نعتًا على ما هو نعت كقولهم (محمد يضحك فتبكي هند) وكقوله تعالى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا﴾ [فاطر: ٩]، فعطف (تثير) وهو لا يصلح أن يكون صلة على (أرسل) الذي هو صلة.
وقد شرك الرضي الواو في قسم من المواطن كقولك: (الذي تقوم القيامة ولا ينتبه أنت) (٢).
стр. 264
وبعد ذلك ألسنا نقول: (أقبل محمد نفسه وخالد) فيكون المعطوف عليه مؤكدًا بخلاف المعطوف؟ ونقول: رأيت الطلاب كلهم لا بعضهم فيكون المعطوف والمعطوف عليه مختلفين من حيث التوكيد؟ ومن هنا جاء النظر في قراءة (إما يبلغان عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) بإثبات الألف في (يبلغان) واختلاف النحاة في إعراب (كلاهما) توكيدًا أولا مع أنها معطوفة على عير التوكيد.
فاتضح بهذا ما قلناه.
وهذا الذي ذكرناه إنما يكون في اختيار الكلام إما في الشرع فقد يضطر إلى ذلك الشاعر اضطرارا فإن للشعر لغته ولذلك كقول الشاعر:
معاوي إننا بشر فأسجع ... فلسنا بالجبال ولا الحديدا
أديروها بني حرب عليكم ... ولا ترموا بها الغرض البعيدا
٢ - عطف الجملة على الجملة ، تقول: (ما كان زيد ذاهبًا ولا محمد حاضرا) فتشرك الجملة الثانية مع الأولى في النفي في المضي أي ولا كان محمد حاضرًا، فإن قلت (ولا محمد حاضر) لم تكن على إرادة المضي بل على إرادة الحال فهي غير مشتركة في المضي مع الجملة الأولى. جاء في (الكتاب)، "تقول: (ما عبد الله خارجًا ولا معن ذاهب) ترفعه على ألا تشرك الاسم الآخر في (ما) ولكن تبتدئه كما تقول: ما كان عبد الله منطلقا ولا زيد ذاهب، إذا لم تجعله على كان وجعلته غير ذاهب الآن. وكذلك (ليس) وإن شئت جعلتها (لا) التي يكون فيها الاشتراك فتنصب كما تقول في كان: ما كان زيد ذاهبا ولا عمرو منطلقا، وذلك قولك: ليس زيد ذاهبًا ولا أخوك منطلقا) وكذلك ما زيد ذاهبًا ولا معن خارجًا ..
و(ما) يجوز فيها الوجهان، كما يجوز في (كان) إلا أنك إن حملته على الأول أو ابتدأت فالمعنى إنك تنفي شيئا غير كائن في حال حديثك. وكان الابتداء في (كان) أوضح لأن المعنى يكون على ما مضى وعلى ما هو الآن. وليس يمتنع أن يراد به الأول كما أردت في (كان).
стр. 265
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " ما كان زيد قائما ولا قاعد غلامه فيكون من عطف إسمية على فعلية ويكون مضمون المعطوف عليه ههنا ماضيا لأن (ما كان) لنفي الماضي، ومضمون المعطوف حال لأنه ليس مبنيا على (ما كان) بل هو كقولك (غلامه قاعد) فظاهره الحال.
وأما في (ما)، و (ليس) فمضمون المعطوف والمعطوف عليه حال رفعت الوصف الذي بعد حرف العطف أو نصبته، لأنه ما وليس للنفي المطلق فظاهرهما الحال.
ونقول على هذا: (ما كان زيد قائمًا ولا عمرو قاعدًا أو قاعد) فإذا نصبت فالقيام والقعود منتفيان في الماضي، وإذا رفعت فالقيام منتف في الماضي والقعود في الحال.
وأما في (ما زيد) أو (ليس زيد قائمًا ولا عمرو قاعدا أو قاعد) فالجملتان حاليتان رفعت قاعدًا أو نصبته" (١).
والذي يبدو لي أن معنى النصب يختلف عن معنى الرفع في ليس وما أيضا، فقولك (ليس زيد قائما ولا عمرو قاعد) يختلف عن قولك (ولا عمرو قاعدا) وليسا متماثلين فنصب الخبر في المعطوف يقتضي أن المعنى على إرادة (ليس) ورفعه ليس على إرادتها فتكون جملة (ولا عمرو قاعدًا) في التقدير فعلية وجملة (ولا عمرو قاعد) إسمية والإسمية أثبت وآكد من الفعلية.
وكذلك النفي بما، فإن نصب الخبر في المعطوف، إنما هو على إرادة (ما) أي أن النفي مقيد بهذا الحرف ومعناه، ورفعه ليس على تقدير ذلك بل هو لمطلق النفي وليس مقيدًا بما.
ومما يدخل في هذا الباب قولهم (ما زيد قائما بل قاعد) أو (لكن قاعد) أي بل هو قاعد فليس النفي داخلا على ما بعد حرف العطف، بل إن ما بعد الحرف مثبت. وأجاز المبرد أن يقال: (ما زيد قائمًا بل قاعدًا) فيقتضي على هذا أن تكون الكلمة الثانية مشتركة
стр. 266
في النفي مع ما قبلها، أي على تقدير: بل ما هو قاعدا. جاء في (حاشية الصبان): "وأجاز المبرد كون (بل) ناقلة النفي إلى ما بعدها فعليه يجوز: ما زيد قائما بل قاعدًا بالنصب أي بل ما هو قاعدًا" (١).
أي أضربت عن الأخبار الأول فأخبرت خبرا آخر وهو كقولك:
(زيد قائم بل قاعد) أردت أن تخبر عن قيام زيد، ثم أضربت عن هذا فأخبرت عن قعوده وهو نحو قولك: أضرب زيدًا بل خالدًا أي بل أضرب خالدًا.
٣ - العطف على المعنى: وهو ما يسميه النحاة العطف على التوهم نحو (ليس زيد قائمًا ولا قاعدٍ) وهو غير مقيس عند الجمهور جاء في التسهيل:
" وقد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها (٢) " قال الدماميني:
" وهذا هو المعروف بالعطف على التوهم والذي عليه الجمهور النحاة، أنه غير مقيس" (٣). ومن ذلك قوله:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
قال سيبويه: " فجعلوا الكلام على شيء يقع هنا كثيرًا ومثله قول الأحوص:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
حملوه على ليسوا بمصلحين ولست بمدرك" (٤).
ويبدو أن هذا العطف على إرادة معنى مغاير للأول: فالمجرور أقوى من المنصوب وآكد لأنه على تقدير الباء فقولك: (ما زيد قائمًا ولا مسافر) يفيد أن نفي السفر آكد ولذلك جئت به مجرورا، وهو مقابل لقولنا: ما زيد بقائم ولا مسافرًا.
стр. 267
أفعال الرجاء والمقاربة والشروع
أفعال الرجاء
يذكر النحاة أن أفعال الرجاء ثلاثة: عسى وحرى وأخلولق (١).
عسى:
استعملت (عسى) فعلا لرجاء حصول الفعل في المستقبل تقول:
(عسى محمد أن يحج في العام القابل) جاء في (شرح الرضي على الكافية):
" عسى لطمع حصول مضمونه مطلقا سواء ترجى حصوله عن قريب أو بعد مدة مديدة تقول: عسى زيد أن يخرج فهي بمعنى لعله يخرج ولا دنو في لعل اتفاقًا" (٢).
وقال ابن يعيش: "وهو فعل غير متصرف ومعناه المقاربة على سبيل الترجي، قال سيبويه: معناه الطمع والإشفاق أي طمع فيما يستقبل واشفاق أن لا يكون" (٣).
والكثير في خبرها أن يكون فعلا مضارعًا مقترنًا بأن، وذلك أنها لما كانت للاستقبال جاؤا بأن الدالة على الاستقبال، إذ لفظ المصدر لا يدل على زمان مخصوص، وأما لزوم (أن) الخبر فلما أريد من الدلالة على الاستقبال وصرف الكلام إليه لأن الفعل المجرد من (أن) يصلح للحال والاستقبال، و (أن) تخلصه للاستقبال، والذي يؤيد ذلك أن الغرض بـ (أن) الدلالة على الاستقبال لا غير.
وأما قول الشاعر:
عسى طيء من طيء بعد هذه ... ستطفيء غلات الكلى والجوانح
стр. 268
لما كانت السين كأن في الدلالة على الاستقبال وضعها موضعها وأن اختلفت من حيث أن الفعل لا يكون معها في تأويل المصدر" (١).
وجاء في (أسرار العربية): "فإن قيل: فلم أدخلت في خبره (أن)؟
قيل: لأن (عسى) وضعت لمقارنة الاستقبال و (أن) إذا أدخلت على الفعل المضارع أخلصته للاستقبال، فلما كانت عسى موضوعة لمقارنة الاستقبال، و (أن) تخلص الفعل للاستقبال ألزموا الفعل الذي وضع لمقارنة الاستقبال (أن) التي هي علم الاستقبال" (٢).
ووقع النحاة في إشكال إعرابي في نحو قولنا (عسى زيد أن يذهب) فـ (أنْ) وما بعدها مصدر ولا يصح الإخبار بالمصدر عن الذات، إذ لا يصح أن يقال: عسى زيد ذهابًا. ولذلك اختلفوا على آراء عدة:
فمنهم من ذهب إلى أنه على تقدير مضاف أي عسى حال زيد أن يقوم، أو عسى زيد ذا أن يقوم: قال الدماميني: وفي هذا العذر تكلف إذ لم يظهر المضاف الذي قدره يوما من الدهر لا في الاسم ولا في الخبر. (٣)
ومنهم من ذهب إلى أنه على سبيل المبالغة قال ابن الناظم: "فإن قلت: كيف جاز اقتران الخبر ههنا بأن المصدرية مع أنه يلزم منه الإخبار عن اسم العين بالمصدر؟ قلت: يجوز ذلك على المبالغة". (٤)
"وقيل: المصدر المؤول قد يصح حمله على الاسم من غير تأويل. وقيل: يقدر أن الإخبار إنما وقع أولاً بالفعل ثم جيء بأن، لتؤذن بالتراخي لقصد السبك ..
стр. 269
وقيل: المقرون بأن مفعول به على تضمين الفعل معنى قارب، أو على إسقاط الخافض على تضمينه معنى قرب.
وقيل: بدل اشتمال من الفاعل على تضمينه معنى قرب.
وعسى على هذين القولين تامة.
وقيل: بدل اشتمال من المرفوع وسد هذا البدل مسد الجزءين" (١).
والذي يبدو لي أن الرأي الراجح هو الذي يذهب إلى أن (أن) ليست مصدرية وإنما هي مؤذنة بتراخي الفعل أي جيء بها للدلالة على الاستقبال والدليل على ذلك:
١ - سقوط (أن) لضرورة أو لعدم إرادة تخصيص الفعل بالاستقبال كقوله:
عسى الله يغني عن بلاد ابن قادر ... بمنهمر جون الرباب سكوب
وقول الآخر:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
٢ - مجيء خبرها وصفًا كقوله: أني عسيت صائما.
٣ - دخول سين الاستقبال بدلا من (أن) في الخبر لأن كليهما للاستقبال كقوله:
عسى طيء من طيء بعد هذه ... ستطفيء غلات الكلى والجوانح
٤ - ليس ثمة ضرورة للقول بأن (أن) الناصبة للفعل مصدرية دائمًا، فقد تكون مصدرية وقد تكون غير ذاك، وعندنا في العربية نظائر لذلك فقد يختلف معنى الحرف الواحد فيكون مرة لشيء ومرة لغيره نحو (ما) المصدرية، فقد تكون مرة ظرفية مصدرية، وقد تكون مصدرية غير ظرفية، و (لو) الشرطية قد تكون مرة حرف امتناع لامتناع نحو (لو زارني لأكرمته) وقد تكون شرطية بمعنى (إن) ليس فيها الامتناع كقوله تعالى:
стр. 270
﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾ [لقمان: ٢٧]، ونحو ذاك كثير، فلماذا يصر النحاة على أن (أن) الناصبة مصدرية ليس غير؟
ويمكن أن يقال أيضًا: ان الحروف المصدرية مهيئة لإقامة الجملة. مقام المفرد، فتهيئها لتكون فاعلة ومفعولة وغير ذلك نحو (سرني أن عدت) فقد يصح في المعنى أن تؤول بالمصدر، وأحيانًا لا يصح ذلك وفي كلتا الحالتين يراد معنى الجملة لا معنى المفرد. ألا ترى أنك تقدر (أن تصوم خير لك) و (أن صمت خير لك) تقديرًا واحدًا فتقول: (صيامك خير لك) مع أن الزمانين مختلفان.
أو لا ترى أنك تقدر هذه الجمل كلها:
سرني أن تعود
سرني أن عدت
سرني لو تعود
سرني أنك عائد
سرني أنك عدت
سرني أنك تعود
تقديرًا واحدا فتقول (سرني عودك) على ما فيها من اختلاف في الزمن والثبوت والحدوث؟
فمعنى المصدر المؤول يختلف عن معنى المصدر الصريح، لأن المصدر المؤول يراد منه معنى الجملة بخلاف المصدر الصريح.
وربما لم يستقم التأويل بالمفرد كما أسلفنا، نحو قولك: (عسى أن يزورنا خالد) و (عسى الله أن يأتي بالفتح) و (حسبت أن خالدًا قادم) لأن المراد في الحقيقة معنى الجملة لا المفرد، ولا يشترط أن يؤدي المفرد معنى الجملة دائمًا.
стр. 271
استعمالاتها:
استعملت (عسى) على ثلاثة أضرب:
١ - فعل ماض جامد، مسندًا إلى اسم ظاهر أو ضمير بارز، نحو ﴿عسى ربك أن يرحمكم﴾ [الإسراء: ٨]، وعسيتما أن تفعلا، قال تعالى: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض﴾ [محمد: ٢٢].
٢ - فعل ماض جامد مسندًا إلى أن والفعل، نحو: (عسى أن يقوم زيد) قال تعالى ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]، وهو ههنا فعل تام كما يقول النحاة أي عسى قيام زيد بمعنى قرب قيام زيد ولا يصح أن يقال: عسى قيام زيد.
ويقال في (أن) هنا ما قلناه ثم.
٣ - حرف شبيه بلعل يدخل على الضمير فينصبه نحو قولهم: عساك أن تفعل جاء في (الكتاب): "وأ/اقولهم عساك فالكاف منصوبة قال الراجز وهو رؤبة:
يا أبتا علك أو عساكا.
والدليل على أنها منصوبة أنك إذا عنيت كانت علامتك (ني) قال عمران بن حطان:
ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني
فلو كانت الكاف مجرورة لقال (عساي) ولكنهم جعلوها بمنزلة (لعل) في هذا الموضع" (١).
حرى، أخلولق:
وهما فعلان شبيهان بعسى في المعنى، والعمل، تقول: حرى زيد أن يفعل، وأخلولق أن يفعل:
فمعنى (حرى) صار خليقا وجديرًا بالأمر تقول: هو حري بأن يفعل، وحريٌ بأن
стр. 272
يفعل وحر بأن يفعل، أي جدير بالفعل.
وأما (اخلولق) فو أفعوعل من الفعل (خلق)، .. ومعنى (خلق) صار خليقا أي جديرا تقول: هو خليق بهذا الأمر أي جدير، جاء في (الرضي على الكافية): "ومعناهما صار حريا وحرى، أي جديرا، وصار خليقا، وأصلهما حرى بأن يفعل، واخلولق بأن يقوم، فحذف حرف الجر كما هو القياس مع أن وأن" (١).
تقول: حرى زيد أن يفعل، أي صار جديرا بالفعل، واخلولق سعيد أن يسود أي صار جديرا بالسيادة.
وخبرهما كخبر عسى، فعل مضارع غير أنه مقترن أن وجوبًا فلا يجرد منها وذلك لأن هذين الفعلين للاستقبال دائمًا، فلزم لذلك اقتران خبرهما بأن جاء في (التصريح): "لأن الفعل المترجي وقوعه، قد يتراخى حصوله فاحتيج إلى (أن) المشعرة بالاستقبال" (٢).
أفعال المقاربة:
أفعال المقاربة هي: كاد وكرب وأوشك (٣).
كاد:
تستعمل (كاد) لمقاربة حصول الفعلن أي قارب الحصول ولم يحصل، تقول: (كاد زيد يغرق) أي أشرف عليه، وهي أقرب من (عسى) إلى الحصول "ألا ترى أنك لا تقول: كاد زيد يدخل المدينة، إلا وقد شارفها وقد يجوز أن تقول: عسى زيد أن يحج وهو لم يبرح من منزله" (٤).
стр. 273
وجاء في (المفصل): ""والفصل بين معني عسى وكاد إن (عسى) لمقاربة الأمر على سبيل الرجاء والطمع تقول: عسى الله أن يشفي مريضي، تريد أن قرب شفائه مرجو من عند الله مطموع فيه، و (كاد) لمقاربته على سبيل الوجود والحصول تقول: كادت الشمس تغرب تريد أن قربها من الغروب قد حصل (١) ".
وخبرها فعل مضارع غير مقترن بأن في الغالب وذلك لقربها من الوقوع، بخلاف عسى فناسب ذلك أن يجرد من (أن) لأن (أنْ) للدلالة على الاستقبال كما ذكرنا، وقد يراد بها تنفيس الوقت وتبعيد المقاربة فيجاء بأن في خبرها فقولك (كاد زيد أن يموت) أبعد عن الحصول من قولك (كاد زيد يموت) والجملة الثانية أقرب إلى وقوع الفعل ولذلك جردت من (أن).
قال ابن يعيش: "من أفعال المقاربة (كاد) تقول: كاد زيد يفعل أي قارب الفعل ولم يفعل إلا أن كاد أبلغ في المقاربة من عسى فإذا قلت: (كاد زيد يفعل) فالمراد قرب وقوعه في الحال إلا أنه لم يقع بعد لأنك لا تقوله إلا لمن هو على حد الفعل كالداخل فيه لا زمان بينه وبين دخوله قال الله تعالى: ﴿يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾ [النور: ٤٣]، ومن كلام العرب: كاد النعام يطير .. واشترطوا أن يكون الخبر فعلا لأنهم أرادوا قرب وقوع الفعل فأتوا بلفظ الفعل ليكون أدل على الغرض وجرد ذلك الفعل من (أن) لأنهم أرادوا قرب وقوعه في الحال و (أن) تصرف الكلام إلى الاستقبال فلم يأتوا بها لتدافع المعنيين، ولما كان الخبر فعلا محضًا مجردا من (أن)، قدروه باسم الفاعل لأن الفعل يقع في الخبر موقع اسم الفاعل، نحو زيد يقوم والمراد قائم" (٢).
وقال: "إن الأصل في (عسى) أن يكون في خبرها (أن) لما فيها من الطمع والإشفاق وهما معنيان يقتضيان الإستقبال و (أن) مؤذنة بالاستقبال، واصل (كاد) أن لا يكون في
стр. 274
خبرها (أن) لأن المراد بها قرب حصول الفعل في الحال إلا أنه قد تشبه عسى بكاد فينزع من خبرها أن ..
وقد تشبه كاد بعسى فيشفع خبرها بأن، فيقال: (كاد زيد أن يقوم)، وقد جاء في الحديث (كاد الفقر أن يكون كفرًا).
فحملوا كل واحد من الفعلين على الآخر، لتقارب معنييهما وطريق الحمل والمقاربة أن (عسى) معناها الاستقبال، وقد يكون بعض المستقبل أقرب إلى الحال من بعض فإذا قال: (عسى زيد يقوم) فكأنه قرب حتى أشبه قرب (كاد)، وإذا أدخلوا (أن) في خبر كاد فكأنه بعد عن الحال حتى أشبه (عسى) ومن قال: (عسى زيد يفعل) فقد أجرى عسى مجرى (كاد) ويجعل الفعل موضع الخبر كأنه قال: (عسى زيد فاعلا)، وقد صرح الراجز عند الضرورة بذلك فقال:
أكثرت في العذل ملحًا دائمًا ... لا تكثرن أني عسيت صائمًا. (١) "
وجاء في (أسرار العربية): "فإن قيل: ولم كان الاختيار مع (كاد) حذف (أن) وهي كعسى في المقاربة؟ قيل: هما وإن اشتركا في الدلالة على المقاربة، إلا أن كاد أبلغ في تقريب الشيء من الحال وعسى أذهب في الاستقبال، ألا ترى أنك لو قلت: (كاد زيد يذهب بعد عام) لم يجز لأ (كاد) توجب أن يكون الفعل شديد القرب من الحال، ولو قلت: (عسى الله أن يدخلني الجنة برحمته) لكان جائزًا وإن لم يكن شديد القرب من الحال، فلما كانت (كاد) أبلغ في تقريب الشيء من الحال حذف معها (أن) التي هي علم الاستقبال ولما كانت (عسى) اذهب في الاستقبال أتي معها بأن التي هي علم الاستقبال" (٢).
стр. 275
نفيها:
ذهب قسم من النحاة إلى أن (كاد) إثباتها نفي، ونفيها إثبات، فإن قلت: (كاد يفعل) فمعناه: (لم يفعل) وإن قلت: (ما كاد يفعل) فمعناه أنه فعله بعد جهد، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ [البقرة: ٧١].
وقيل هي إثباتها إثبات، ونفيها نفي، فإن معنى (كاد) مقاربة الفعل، فإذا قلت (كاد يفعل) فإنك أثبت المقاربة ولم تثبت الفعل، وإذا قلت (ما كاد يفعل) فإنك تنفي مقاربة الفعل أي لم يقارب الفعل، أي لم يفعله ولم يقرب من فعله، فهم متفقون في معنى الإثبات مختلفون في معنى النفي.
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ [إبراهيم: ١٧].
"يتجرعه يتكلف جرعه (ولا يكاد يسيغه) دخل كاد للمبالغة يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون إلا ساعة كقوله: (لم يكد يراها) أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها" (١).
وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ [النور: ٤٠]، "مبالغة في لم يرها أي لم يقرب أن يراها فضلا عن أن يراها ومثله قول ذي الرمة:
إذا غير النأي المحبين لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
أي لم يقرب من البراح فماله يبرح؟ " (٢).
وجاء في (الكامل) للمبرد في قوله تعالى ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾: "أي لم يقرب من رؤيتها وإيضاحه لم يرها ولم يكد (٣) ".
стр. 276
وجاء في (الأشموني): "وإذا قال (لم يكد يبكي) فمعناه لم يقارب البكاء فمقاربة البكاء منتفية ونفس البكاء منتف انتفاء أبعد من انتفائه عند ثبوت المقاربة .. وكذا قوله تعالى: ﴿إذ أخرج يده لم يكد يراها﴾ هو أبلغ في نفي الرؤية بخلاف من لم يقارب. وأما قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ فكلام تضمن كلامين كل واحد منهما في وقت غير وقت الآخر، والتقدير فذبحوها بعد أن كانوا بعداء من ذبحها غير مقاربين له" (١).
وجاء في (دلائل الإعجاز): "وروى عن عنبسة أنه قال قدم ذو الرمة الكوفة فوقف يشد الناس بالكناسة قصيدته الحائية التي منها:
هي البرء والأسقام والهم والمنى ... وموت الهوى في القلب مني المبرح
وكان الهوى بالنأي يمحي فيمحي ... وحبك عندي يستجد ويربح
إذا غير النأي المحبيبن لم يكد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
قال: فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة: يا غيلان أراه قدبرح: قال فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال:
إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح
قال: فلما انصرفت حدثت أبي قال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ﴿ظلمت بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾.
واعلم أن سبب الشبهة في ذلك أنه قد جرى العرف أن يقال: ما كاد يفعل، ولم يكد يفعل، في فعل قد فعل، على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد، وبعد أن كان بعيدًا في الظن أن يفعله كقوله تعالى ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ فلما كان مجيء النفي في (كاد)
стр. 277
على هذا السبيل توهم ابن شبرمة أنه إذا قال: لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح فقد زعم أن الهوى قد برح، ووقعه لذي الرمة مثل هذا الظن. وليس الأمر كما ظناه، فإن الذي يقتضيه اللفظ لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ولا ظن أنه يكون، وكيف بالشك في ذلك وقد علمنا أن (كاد) موضوع لأن يدل على شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنه قد شارف الوجود وإذا كان كذلك، كان محالا أن يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وجوده وأن يكون قولك: ما قارب أن مقتضيا على البت وأنه قد فعل. (١) ".
وقال ابن يعيش في قوله تعالى ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾: " قد اضطربت آراء الجماعة في هذه الآية، فمنهم من نظر إلى المعنى، وأعرض عن اللفظ، وذلك أنه حمل الكلام على نفي المقاربة، لأن كاد معناها قارب، فصار التقدير لم يقارب رؤيتها، وهو اختيار الزمخشري، والذي شجعهم على لك ما تضمنته الآية من المبالة، بقوله: ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾ ..
والذي أراه أن المعنى أنه يراها بعد اجتهاد ويأس من رؤيتها، والذي يدل على ذلك قول تأبط شرًا:
فأبت إلى فهم وما كدت آئبا
والمراد ما كدت أؤوب كما يقال: سلمت وما كدت أسلم، ألا ترى أن المعنى أنه آب إلى فهم، وهي قبيلة، ثم أخبر أن ذلك بعد أن كاد لا يؤوب، وعلة ذلك أن (كاد) دخلت لإفادة معنى المقاربة في الخبر، كما دخلت (كان) لإفادة الزمان في الخبر، فإذا دخل النفي على كاد قبلها، كان، أو بعدها لم يكن، إلا لنفي الخبر كأنك قلت: إذا أخرج يده يكاد لا يراها فكاد هذه إذا استعملت بلفظ الإيجاب كان الفعل غير واقع، وإذا اقترن بها حرف النفي كان الفعل الذي بعدها قد وقع".
стр. 278
هذا مقتضى اللفظ فيها، وعليه المعنى والقاطع في هذا قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ وقد فعلوا الذبح بلا ريب" (١).
والذي يبدو لي، أن الرأي الذي ذكره ابن يعيش أرجح بدلالة قوله تعالى: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥٢]، وهذا الكلام على لسان فرعون في موسى ﵇ ولا شك أن موسي كان يبين بدلالة المحاجات المتعددة التي يذكرها القرآن مع فرعون، ولو ذهبنا إلى الرأي الأول لكان ﵇ أبكم لا يبين ولا يقارب الإبانة. ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا قالوا ياذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجًا على أن تجعل بينا وبينهم سدا، ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما﴾ [الكهف: ٩٣ - ٩٥]، وهذه المحاورة تدل على أنهم يفقهون ولكن بصعوبة (٢) وليس معنى الآية (لا يكادون يفقهون قولا) أنهم لا يفقهون ولا يقاربون الفقه، وإلا فما هذا الكلام والمحاورة بينهما؟
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فذبحوها وما كادوا يفعلون﴾ فإنهم فعلوا الذبح.
ويمكن الجمع بين الرأيين بالقول إن الأصل ما ذكرناه، ويمكن أن يراد المعنى الأول بالقرائن وذلك كقوله تعالى: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾ وقوله (ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه) فإن هاتين الآيتين يمكن حملهما على الوجه الأول، كما يمكن حملهما على الوجه الذي رجحناه.
وليست دلالة الجملة الواحدة على معنيين متغايرين أمرًا غريبا في اللغة فقد ذكر البيانيون أن كلمة (كل) مثلا: "إذا وقعت في حيز النفي موجهاً إلى الشمول خاصة وأفاد بمفهومه ثبوت الفعل لبعض الأفراد كقولك (ما جاء كل القوم ولم آخذ كل الدرهم) أي جاء بعض القوم وأخذت بعض الدراهم.
стр. 279
وإن وقع النفي في حيزها اقتضى السلب عن كل فرد، كقوله ﵊ لما قال له ذو اليدين: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ : (كل ذلك لم يكن).
قال ابن هشام: " وقد يشكل على قولهم في القسم الأول قوله تعالى: ﴿والله لا يحب كل مختال فخور﴾ [الحديد: ٢٣] .. والجواب عن الآية أن دلالة المفهوم إنما يعول عليها عند عدم المعارض، وهو هنا موجود إذ دل الدليل على تحريم الاختيال والفخر مطلقًا" (١).
ونحو ذلك قوله: " على لا حب لا يهتدي لمناره " إذ يحتمل القول أن يكون المعنى أن له منارًا لا يهتدي إليه كما يحتمل أن يكون أنه ليس له منار فيهتدي إليه. وهذا مثل ذاك. والذي يدل على لك ما ذكره الفراء من أن العرب تجعل (لا يكاد) فيما قد فعل وفيما لم يفعل. جاء في (معاني القرآن) في قوله (ولا يكاد يسيغه): "فهو يسيغه. والعرب قد تجعل (لا يكاد) فيما قد فعل وفيما لم يفعل، فأما ما قد فعل فهو بين هنا من ذلك لأن الله يقول لما جعله لهم طعامًا: ﴿إن شجرت الزقوم، طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون﴾ فهذا أيضًا عذاب في بطونهم يسيغونه. وأما ما دخلت فيه كاد ولم يفعل فقولك في الكلام: (ما اتيته ولاكدت). وقول الله في النور: ﴿إذا أخرج يده لم يكد يرها﴾ فهذا عندنا والله أعلم أنه لا يراها، وقد قال ذلك بعض الفقهاء لأنها لا ترى فيما هو دون هذا من الظلمات وكيف بظلمات قد وصفت بأشد الوصف" (٢).
أوشك:
معنى أوشك في الأصل أسرع، واشتقاقه من وشك الأمر، ككرم بمعنى سرع والوشيك السريع، ويوشك يسرع، وقد يستعمل على الأصل فيقال: أوشك فلان في السير أي أسرع (٣).
стр. 280
والكثير في خبرها أن يقترن بأن، لأنها أبعد في الاستقبال من كاد و " لأنها موضوعة للإسراع المفضي إلى القرب، بخلاف كاد و كرب فللقرب، فلهذا اختصت عنها بغلبة الاقتران بأن" (١).
جاء في (التصريح): "قال الشاطبي: والصحيح ما ذكره السلوبين وتلامذته ابن الضائع والأبدي وابن أبي الربيع، إن أوشك من قسم عسى الذي هو للرجاء. قال ابن الضائع: والدليل على ذلك أنك تقول:
عسى زيد أن يحج ويوشك زيد أن يحج ولم يخرج من بلده ولا تقول: كاد زيد يحج إلا وقد أشرف عليه ولا يقال ذلك وهو في بلده. انتهى كلام الشاطبي. وأما إذا جعلت للمقاربة كما ذهب إليه الموضح تبعًا للناظم وابنه، فيشكل كون الغالب معها الاقتران كالاقتران الغالب في عسى" (٢).
وقد تشبه يكاد فيراد بها القرب فيجرد خبرها من (أن).
كرب:
معنى (كرب) دنا وقرب ومصدره كروب يقال: كربت الشمس دنت للغروب.
والأكراب الأسراع، وخذ رجليك بأكراب، إذا أمر بالسرعة أي أعجل وأسرع.
وكربه الغم فاكترب فهو مكروب والكرب الحزن والغم الذي يأخذ بالنفس، وكربت القيد إذا ضيقته على المقيد، والمكرب من الخيل الشديد الخلق والأسر. والمكرب من المفاصل الممتليء عصبًا والشديد الأسر من حبل أو بناء أو مفصل.
وكارب الشيء قاربه (٣) والمكابرة المقاربة.
فكرب وقرب متشابهان لفظًا ومعنى.
стр. 281
فمعنى (كرب يفعل) (قرب يفعل) أو دنا من الفعل بإسراع، فهو بمعنى (كاد) إلا أن فيه معنى آخر وهو الشدة والإسراع في الفعل، بخلاف كاد فإن فيها معنى المقاربة حسب.
وخبره قليل الاقتران بأن مثل كاد (١) وذلك لشدة قربه من الوقوع، جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وإذا حذفت (أن) من أخبار هذه الأفعال الثلاثة فإما أن يقدر مع المحذوف .. وأما أن يحذف رأسًا بلا تقدير لها لاستعمال كاد وكرب وأوشك لشدة دلالتها على مقاربة الفعل استعمال كان" (٢).
وقد يصحبه معنى الكرب وهو الغم والحزن أيضا كقوله:
كرب القلب من جواه يذوب
فإن فيه إضافة إلى المقاربة معنى الغم والحزن، وقد وفق الشاعر لاختيار هذه اللفظة في هذا الموطن فقد جمع المقاربة، والحزن، في لفظ واحد.
هلهل:
هذا الفعل يذكره قسم من النحاة مع أفعال الشروع، مع أنه من أفعال المقاربة .. جاء في (لسان العرب): "وهلهل يدركه أي كاد يدركه والهلهلة الانتظار والتأني" (٣).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأما هلهل فإنما ألزم تجريد خبره من (أن) مع أنه بمعنى كاد لا بمعنى (طفق) لأن المبالغة في القرب فيه أكثر، ومثل هذا التركيب يدل على المبالغة كزلزل، وصرصر، فكأنه للمبالغة في القرب لاحق بالأفعال الدالة على الشروع فاستعمل خبره بغير أن" (٤).
стр. 282
فهلهل أذن من أفعال المقاربة وهو أقرب إلى الشروع من (كاد)، ولشدة مقاربته حصوله الفعل، امتنعت في خبره (أن) ك أفعال الشروع ، وفيه انتظار وتأن مع هذا القرب.
أفعال الشروع
وهي الدالة على البدء بالفعل والقيام به، وهي كثيرة أشهرها أخذ ، وأنشأ، وجعل، و طفق ، و قام ، وهب، وعلق.
فأخذ: أصله أخذ الشيء. أي حازه لنفسه وأمسكه، وأخذ في الفعل أي بدأ يفعله فعندما تقول: (أخذ يفعل) كان المعنى كإنما حاز الفعل لنفسه وأخذه فهو يفعله.
وأما جعل وأنشأ فأصل معناهما أوجد قال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ [الواقعة: ٧٢]، لكن في (أنشأ) خصوصية أن فيها معنى التربية والتنشئة يقال: نشأ ينشأ أي ربا وشب. فإاذ قلت (جعل يفعل) كان المعنى، كأنه أوجد الفعل يفعله.
وإذا قلت (أنشأ يفعل) كان المعنى، كأنه أوجده وهو يربيه وينشئه، أي هو مستمر عليه وعلى نمائه.
وأما قام فهو من القيام ضد الجلوس، وقد يأتي بمعنى العزم وقد يأتي بمعنى المحافظة والإصلاح، كقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤]، ويقال: قام بالفعل أي فعله.
فإذا قلت (قام يفعله) كان المعنى كأنك قلت نهض به، فهو عليه قدير وأنه محافظ على هذا الفعل فهو يفعله.
وأصل طفق: من طفق الموضع أي لزمه، فإذا قلت (طفق يفعل) كان المعنى أنه لزم الفعل وواصله واستمر عليه، قال تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [طه: ١٢١] أي لازما هذا الفعل وواصلاه.
стр. 283
وأما هب فهو من هبت الريح هبوبًا وهبيبا، أي ثارت وهاجت، وهبت الناقة في سيرها أسرعت، والهباب نشاط كل شيء وسرعته، فإذا قلت (هب يفعل) كان المعنى أنه ثار ثوران الريح مسرعًا نشيطا.
وأما علق فهو من علق بالشيء علقا وعلقه، أي نشب فيه. وفي الحديث: فعلقت الاعراب به أي نشبوا وتعلقوا، والعلاقة الهوى، والحب اللازم للقلب، وعلقت هي بقلبي تشبثت به، والعلق أيضا الخصومة والمحبة اللازمتان، والذي تعلق به البكرة والحبل المعلق.
ومن هنا جاء معنى الشروع فإذا قلت (علق يفعل) كان المعنى أنه تعلق بالفعل وتشبث به، كما يعلق الشيء بالشيء، فهو يفعله مستمرًا عليه ملازمًا له (١).
وخبر أفعال الشروع فعل مضارع مجرد من (أن) وجوبًا لما بينهما من المنافاة، فإن (أن) للاستقبال وأفعال الشروع للحال (٢).
جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وإنما الزم كون أخبار أفعال الشروع فعلا مضارعًا مجردًا عن (أن) دون الاسم، والماضي والمضارع، المقترن بأن لأن المضارع المجرد عن علامات الاستقبال ظاهر في الحال، يدل على كونه مشتغلا به، دون الماضي، بدليل أنك إذا قلت: كان زيد وقت الزوال قائمًا لم يدل على حدوث القيام في ذلك الوقت، ومن حيث ظهوره في الحال يدل على كونه مشتغلا به دون الماضي بدليل أنك إذا قلت: كان زيد وقت الزوال قام، دل على أنه كان فرغ من القيام في ذلك الوقت، وإذا قلت: كان زيد وقت الزوال يقوم، دل على اشتغاله بالقيام في ذلك الوقت مع حدوث القيام" (٣).
стр. 284
الأحرف المشبهة بالفعل
أطلق النحاة اسم (الأحرف المشبهة بالفعل) على بضعة أحرف ينتصب بعدها المبتدأ ويرتفع الخبر وهي: إن وأن وليت، ولعل، ولكن وكأن.
ويمسي النحاة المبتدأ المنتصب بعدها اسمها. والخبر خبرها، نحو (أن الله غفور رحيم) وليس من شأننا الآن أن نبحث سبب هذه التسمية وأوجه شبهها بالفعل، فإن النحاة يذكرون ذلك في مواطنه.
وظاهرة نصب الاسم بعد إن قديمة قال براجشتراستر: "ومبتدأ الجملة الإسمية منصوب بعد إن وأخواتها، وكثرة ذلك من خصائص العربية، مع كون أصله ساميًا شائعًا في غير العربية أيضا، ومما يدل على إن (أن) وهي أقدم لكل كانت تعمل النصب في الأصل كما تعمله في العربية" (١).
والأحرف المشبهة بالفعل لا تدخل على كل مبتدأ وخبر، فإن من المبتدأ ما لا تدخل عليه، كالمبتدأ المحذوف، كقولك (الحمد لله الحميدُ) برفع الحميد، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والواجب الابتداء كطوبى للمؤمن وأيمن الله، والواجب التصدير غير ضمير الشأن كأي، وكم ومن الاستفهامية والشرطية نحو من عندكم؟
ومن الخبر ما لا تدخل عليه، كالطلبي، والإنشائي، نحو (زيد أضربه) وأين محمد؟ ويستثنى النحاة من الجمل الطلبية الجملة الدعائية الواقعة خبرًا، لأن المفتوحة المخففة نحو (والخامسة أن غضب الله) في قراءة من قرأ بتخفيف النون بعدها جملة فعلية (٢).
стр. 285
مع ان يها:
إن
تأتي (إن) لمعان عدة أشهرها:
١ - التوكيد وهو الأصل فيها، ويدور معها حيث وردت قال تعالى: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ [يوسف: ٥١]، فانظر كيف جاء بالجملة الأولى غير مؤكدة (أنا راودته)، والثانية مؤكدة وسر ذلك والله أعلم، أن هذا على لسان امرأة العزيز، وقد فعلت فعلا لا يليق بالنساء، وهي الآن في موطن إقرار بالذنب واعتراف بالخطأ فذكرت ما صدر عنها غير مؤكدة إذ لا يحسن في مثل هذا الفعل التوكيد، وهي تريد أن تفر منه وتتوارى من فعلتها، وقد أنكرت فيما مضى أن تكون قد صنعته بخلاف نسبة الصدق إلى سيدنا يوسف ﵇، فجاءت به مؤكدًا بإن واللام.
والدليل على انها تأتي للتوكيد، أنها يجاب بها القسم قال تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحج: ٧٢]، وقال: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم﴾ [المائدة: ٥٣]، وقال: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١]، وقال: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم﴾ [التوبة: ٥٦]، وقال: ﴿قل إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣].
قال ابن يعيش: "فأما فائدتهما - يعني إن وأن، فالتأكيد لمضمون الجملة، فإن قول القائل إن زيدًا قائم ناب مناب تكرير الجملة مرتين إلا أن قولك (إن زيدًا قائم) أوجز من قولك (زيد قائم زيد قائم)، مع حصول الغرض من التأكيد. فإن أدخلت اللام وقلت: (إن زيدا لقائم) ازداد معنى التأكيد، وكأنه بمنزلة تكرار اللفظ ثلاث مرات" (١).
أما ما ذكره ابن يعيش من أن (إن) نائبة مناب تكرير الجملة مرتين، وهي مع اللام مناب تكريرها ثلاث مرات، فلا أظن أنه يعني إن تكرير الجملة (وإن) بمنزلة واحدة،