← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فمعنى (كرب يفعل) (قرب يفعل) أو دنا من الفعل بإسراع، فهو بمعنى (كاد) إلا أن فيه معنى آخر وهو الشدة والإسراع في الفعل، بخلاف كاد فإن فيها معنى المقاربة حسب. وخبره قليل الاقتران بأن مثل كاد (١) وذلك لشدة قربه من الوقوع، جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وإذا حذفت (أن) من أخبار هذه الأفعال الثلاثة فإما أن يقدر مع المحذوف .. وأما أن يحذف رأسًا بلا تقدير لها لاستعمال كاد وكرب وأوشك لشدة دلالتها على مقاربة الفعل استعمال كان" (٢). وقد يصحبه معنى الكرب وهو الغم والحزن أيضا كقوله: كرب القلب من جواه يذوب فإن فيه إضافة إلى المقاربة معنى الغم والحزن، وقد وفق الشاعر لاختيار هذه اللفظة في هذا الموطن فقد جمع المقاربة، والحزن، في لفظ واحد. هلهل: هذا الفعل يذكره قسم من النحاة مع أفعال الشروع، مع أنه من أفعال المقاربة .. جاء في (لسان العرب): "وهلهل يدركه أي كاد يدركه والهلهلة الانتظار والتأني" (٣). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأما هلهل فإنما ألزم تجريد خبره من (أن) مع أنه بمعنى كاد لا بمعنى (طفق) لأن المبالغة في القرب فيه أكثر، ومثل هذا التركيب يدل على المبالغة كزلزل، وصرصر، فكأنه للمبالغة في القرب لاحق بالأفعال الدالة على الشروع فاستعمل خبره بغير أن" (٤).

стр. 282

فهلهل أذن من أفعال المقاربة وهو أقرب إلى الشروع من (كاد)، ولشدة مقاربته حصوله الفعل، امتنعت في خبره (أن) ك أفعال الشروع ، وفيه انتظار وتأن مع هذا القرب. أفعال الشروع وهي الدالة على البدء بالفعل والقيام به، وهي كثيرة أشهرها أخذ ، وأنشأ، وجعل، و طفق ، و قام ، وهب، وعلق. فأخذ: أصله أخذ الشيء. أي حازه لنفسه وأمسكه، وأخذ في الفعل أي بدأ يفعله فعندما تقول: (أخذ يفعل) كان المعنى كإنما حاز الفعل لنفسه وأخذه فهو يفعله. وأما جعل وأنشأ فأصل معناهما أوجد قال تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها﴾ [الأنعام: ٩٧]، وقال: ﴿أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون﴾ [الواقعة: ٧٢]، لكن في (أنشأ) خصوصية أن فيها معنى التربية والتنشئة يقال: نشأ ينشأ أي ربا وشب. فإاذ قلت (جعل يفعل) كان المعنى، كأنه أوجد الفعل يفعله. وإذا قلت (أنشأ يفعل) كان المعنى، كأنه أوجده وهو يربيه وينشئه، أي هو مستمر عليه وعلى نمائه. وأما قام فهو من القيام ضد الجلوس، وقد يأتي بمعنى العزم وقد يأتي بمعنى المحافظة والإصلاح، كقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤]، ويقال: قام بالفعل أي فعله. فإذا قلت (قام يفعله) كان المعنى كأنك قلت نهض به، فهو عليه قدير وأنه محافظ على هذا الفعل فهو يفعله. وأصل طفق: من طفق الموضع أي لزمه، فإذا قلت (طفق يفعل) كان المعنى أنه لزم الفعل وواصله واستمر عليه، قال تعالى: ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾ [طه: ١٢١] أي لازما هذا الفعل وواصلاه.

стр. 283

وأما هب فهو من هبت الريح هبوبًا وهبيبا، أي ثارت وهاجت، وهبت الناقة في سيرها أسرعت، والهباب نشاط كل شيء وسرعته، فإذا قلت (هب يفعل) كان المعنى أنه ثار ثوران الريح مسرعًا نشيطا. وأما علق فهو من علق بالشيء علقا وعلقه، أي نشب فيه. وفي الحديث: فعلقت الاعراب به أي نشبوا وتعلقوا، والعلاقة الهوى، والحب اللازم للقلب، وعلقت هي بقلبي تشبثت به، والعلق أيضا الخصومة والمحبة اللازمتان، والذي تعلق به البكرة والحبل المعلق. ومن هنا جاء معنى الشروع فإذا قلت (علق يفعل) كان المعنى أنه تعلق بالفعل وتشبث به، كما يعلق الشيء بالشيء، فهو يفعله مستمرًا عليه ملازمًا له (١). وخبر أفعال الشروع فعل مضارع مجرد من (أن) وجوبًا لما بينهما من المنافاة، فإن (أن) للاستقبال وأفعال الشروع للحال (٢). جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وإنما الزم كون أخبار أفعال الشروع فعلا مضارعًا مجردًا عن (أن) دون الاسم، والماضي والمضارع، المقترن بأن لأن المضارع المجرد عن علامات الاستقبال ظاهر في الحال، يدل على كونه مشتغلا به، دون الماضي، بدليل أنك إذا قلت: كان زيد وقت الزوال قائمًا لم يدل على حدوث القيام في ذلك الوقت، ومن حيث ظهوره في الحال يدل على كونه مشتغلا به دون الماضي بدليل أنك إذا قلت: كان زيد وقت الزوال قام، دل على أنه كان فرغ من القيام في ذلك الوقت، وإذا قلت: كان زيد وقت الزوال يقوم، دل على اشتغاله بالقيام في ذلك الوقت مع حدوث القيام" (٣).

стр. 284

الأحرف المشبهة بالفعل أطلق النحاة اسم (الأحرف المشبهة بالفعل) على بضعة أحرف ينتصب بعدها المبتدأ ويرتفع الخبر وهي: إن وأن وليت، ولعل، ولكن وكأن. ويمسي النحاة المبتدأ المنتصب بعدها اسمها. والخبر خبرها، نحو (أن الله غفور رحيم) وليس من شأننا الآن أن نبحث سبب هذه التسمية وأوجه شبهها بالفعل، فإن النحاة يذكرون ذلك في مواطنه. وظاهرة نصب الاسم بعد إن قديمة قال براجشتراستر: "ومبتدأ الجملة الإسمية منصوب بعد إن وأخواتها، وكثرة ذلك من خصائص العربية، مع كون أصله ساميًا شائعًا في غير العربية أيضا، ومما يدل على إن (أن) وهي أقدم لكل كانت تعمل النصب في الأصل كما تعمله في العربية" (١). والأحرف المشبهة بالفعل لا تدخل على كل مبتدأ وخبر، فإن من المبتدأ ما لا تدخل عليه، كالمبتدأ المحذوف، كقولك (الحمد لله الحميدُ) برفع الحميد، على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والواجب الابتداء كطوبى للمؤمن وأيمن الله، والواجب التصدير غير ضمير الشأن كأي، وكم ومن الاستفهامية والشرطية نحو من عندكم؟ ومن الخبر ما لا تدخل عليه، كالطلبي، والإنشائي، نحو (زيد أضربه) وأين محمد؟ ويستثنى النحاة من الجمل الطلبية الجملة الدعائية الواقعة خبرًا، لأن المفتوحة المخففة نحو (والخامسة أن غضب الله) في قراءة من قرأ بتخفيف النون بعدها جملة فعلية (٢).

стр. 285

مع ان يها: إن تأتي (إن) لمعان عدة أشهرها: ١ - التوكيد وهو الأصل فيها، ويدور معها حيث وردت قال تعالى: ﴿أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين﴾ [يوسف: ٥١]، فانظر كيف جاء بالجملة الأولى غير مؤكدة (أنا راودته)، والثانية مؤكدة وسر ذلك والله أعلم، أن هذا على لسان امرأة العزيز، وقد فعلت فعلا لا يليق بالنساء، وهي الآن في موطن إقرار بالذنب واعتراف بالخطأ فذكرت ما صدر عنها غير مؤكدة إذ لا يحسن في مثل هذا الفعل التوكيد، وهي تريد أن تفر منه وتتوارى من فعلتها، وقد أنكرت فيما مضى أن تكون قد صنعته بخلاف نسبة الصدق إلى سيدنا يوسف ﵇، فجاءت به مؤكدًا بإن واللام. والدليل على انها تأتي للتوكيد، أنها يجاب بها القسم قال تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحج: ٧٢]، وقال: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم﴾ [المائدة: ٥٣]، وقال: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف: ٢١]، وقال: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم﴾ [التوبة: ٥٦]، وقال: ﴿قل إي وربي إنه لحق﴾ [يونس: ٥٣]. قال ابن يعيش: "فأما فائدتهما - يعني إن وأن، فالتأكيد لمضمون الجملة، فإن قول القائل إن زيدًا قائم ناب مناب تكرير الجملة مرتين إلا أن قولك (إن زيدًا قائم) أوجز من قولك (زيد قائم زيد قائم)، مع حصول الغرض من التأكيد. فإن أدخلت اللام وقلت: (إن زيدا لقائم) ازداد معنى التأكيد، وكأنه بمنزلة تكرار اللفظ ثلاث مرات" (١). أما ما ذكره ابن يعيش من أن (إن) نائبة مناب تكرير الجملة مرتين، وهي مع اللام مناب تكريرها ثلاث مرات، فلا أظن أنه يعني إن تكرير الجملة (وإن) بمنزلة واحدة،

стр. 286

وهما متماثلان. وإن - عناه فليس بصحيح، فإن تكرير الجملة من التوكيد اللفظي، والتوكيد اللفظي له أغراض منها إنه يرفع توهم السهو من المتكلم، فإن المخاطب قد يظن أن المتكلم عندما ذكر زيدًا أو عليًا كان ساهيًا أو غافلا، فتكرير الاسم يرفع هذا الظن. ومن أغراضه أيضًا أن يرفع توهم الغفلة عن المخاطب كان غافلا لم يسمع الجملة أو لم يسمع الكلمة فيكررها له دفعًا لذلك وفي هذين الموطنين لا يجدي التوكيد المعنوي ولا التوكيد بإن أو غيرها وإنما الذي يجدي ههنا التوكيد اللفظي فقط. وجاء في (الهمع): "فإن للتأكيد ولذا أجيب بها القسم كما يجاب باللام في قولك (والله لزيد قائم)، وزعم ثعلب أن الفراء قال: (إنّ) مقررة لقسم متروك استغنى عنه بها والتقدير: والله إن زيدًا لقائم" (١). وقال ابن الناظم: (إن) "لتوكيد الحكم ونفي الشك فيه أو الإنكار له" (٢). وجاء في (التصريح): "وهما - يعني إنّ وأنّ" - لتوكيد النسبة بين الجزءين ونفي الشك عنها ونفي الإنكار لها بحسب العلم بالنسبة، والتردد فيها والإنكار لها، فإن كان المخاطب عالما بالنسبة فهما لمجرد توكيد النسبة، وإن كان مترددا فيها فهما لنفي الشك عنها، وإن كان منكرا لها فهما لنفي الإنكار لها. فالتوكيد لنفي الشك عنها مستحسن، ولنفي الإنكار واجب ولغيرهما لا ولا" (٣). ويرى عبد القاهر إن الأصل في (إنّ) أن تكون للجواب، يقول: "فالذي يدل على أن لها أصلا في الجواب أنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كانت جوابا للقسم نحو (والله إن زيدًا منطلق) وامتنعوا من أن يقولوا (والله زيد منطلق)، ثم أنا إذا استقرينا الكلام، وجدنا الأمر بينا في الكثير من مواقعها، أنه يقصد بها إلى الجواب

стр. 287

كقوله تعالى: ﴿ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض﴾ [الكهف: ٨٣ - ٨٤]، .. وكقوله تعالى: ﴿فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون﴾ [الشعراء: ٢١٦]، .. وقوله: ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ [الحجر: ٨٩]، وأشباه ذلك مما يعلم به أنه كلام أمر النبي ﷺ بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا فيه .. ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء هو الذي دوّن في الكتب من أنها للتأكيد. وإذا كان قد ثبت ذلك فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه البتة ولا يكون قد عقد في نفسه إن الذي تزعم أنه كائن غير كائن، وأن الذي تزعم أنه لم يكن كائن فأنت لا تحتاج إلى (إن) وإنما تحتاج إليها إذا كان له ظن في الخلاف، وعقد قلب على نفي ما تثبت، أو إثبات ما تنفي، ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، وبشيء قد جرت عادة الناس بخلافه كقول أبي نواس: عليك باليأس من الناس ... أن غنى نفسك في اليأس ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه ولكن يراد التهكم به وإن يقال: أن حالك والذي صنعته يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك ومثال ذلك قول الأول: جاء شقيق عارضًا رمحه ... إن بني عمك فيهم رماح يقول: إن مجيئه هكذا مدلا بنفسه وبشجاعته، قد وضع رمحه عرضًا، دليل على إعجاب شديد وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم له أحد حتى كأن ليس مع أحد منا رمح يدفعه وكأنا كلنا عزل. وإذا كان كذلك، وجب إذا قيل أنها جواب سائل أن يشترط فيه، أن يكون للسائل ظن في المسؤول عنه، على خلاف ما أنت تجيبه به فأما أن يجعل مجرد الجواب أصلا فيه فلا" (١).

стр. 288

وقيل هي آكد من اللام (١) ولفظها وثقلها يوحي بذلك، وهي قريبة الشبه بنون التوكيد الثقيلة التي تؤكد الفعل غير أنها مسبوقة بالهمزة. ومن أوجه الشبه بينهما أن كلتيهما للتوكيد، وأن نون التوكيد يفتح معها الفعل وهذه تنصب معها الاسم، وأنها تخفف كما تخفف تلك. ٢ - الربط: قد تأتي (إن) لربط الكلام بعضه ببعض، فلا يحسن سقوطها منه وإن اسقطتها رأيت الكلام مختلا غير ملتئم، وذلك نحو قوله تعالى ﴿قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ [البقرة: ٣٢]، وقوله: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾ [البقرة: ٣٧]، فأنت لو أسقطتها لوجدت الكلام مختلا نابيًا. وانظر إلى قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله: ﴿فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما﴾ [النساء: ١١]، وقوله: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [المائدة: ٥١]، وقوله: ﴿وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وجرب أن تسقط (إن) فستجد الكلام نابيًا غير ملتئم ولا مرتبط. قال عبد القاهر في قول الشاعر: بكرا صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير واعلم أن من شأن (إن) إذا جاءت على هذا الوجه، أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرًا عجبًا، فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف مقطوعًا موصولا معًا. أفلا ترى أنك لو أسقطت (إن) من قوله (إن ذاك النجاح في التبكير) لم تر الكلام يلتئم، ولرأيت الجملة الثانية لا تتصل بالأولى، ولا تكون منها بسبيل حتى تجي بالفاء فتقول: بكرا صاحبي قبل الهجير فذاك النجاح في التبكير، ومثله قول بعض العرب:

стр. 289

فغنها وهي لك الفداء ... إن غناء الإبل الحداء فانظر إلى (إن غناء الإبل الحداء) وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن تشبثه وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه، ثم انظر إذا تركت (إن) فقلت: فغنها وهي لك الفداء غناء الإبل الحداء كيف تكون الصورة وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر .. حتى تجتلب الفاء فتقول: فغنها وهي لك الفداء فغناء الإبل الحداء. ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وأن قد ذهبت الأنسة التي كانت تجد والحسن الذي كنت ترى" (١). وقال: "واعلم أن الذي قلنا في (إن) من أنها تدخل على الجملة، من شأنها إذا هي أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى الفاء، لا يطرد في كل شيء، وكل موضع، بل يكون في موضع دون موضع، وفي حال دون حال، فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ليست هي مما يقتضي الفاء، وذلك فيما لا يحصى كقوله تعالى: ﴿إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون﴾ [الدخان: ٥١ - ٥٢]، وذاك إن قبله: ﴿إن هذا ما كنتم به تمترون﴾ [الدخان: ٥٠]، ومعلوم أنك لو قلت: إن هذا ما كنتم به تمترون فالمقتون في جنات وعيون لم يكن كلامًا" (٢). ٣ - التعليل: وقد تأتي (إن) للتعليل وذلك نحو تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقوله: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ [المائدة: ٨٧]، ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾ [البقرة: ١٩٥]، وكقوله: ﴿ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين﴾ [المائدة: ٢٨]، وقوله: ﴿وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ [يونس: ٨١].

стр. 290

فأنت ترى أن (إن) في هذه المواطن تفيد التعليل. جاء في (الاتقان): "الثاني: التلعيل أثبته ابن جني وأهل البيان، ومثلوه بنحو ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾ [المزمل ٣٠]، و ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ .. وهو نوع من التأكيد" (١). وقال سيبويه: "تقول: جئتك أنك تريد المعروف إنما تريد لأنك تريد المعروف ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت: وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما أي لأدخاره .. ولو قلت: جئتك إنك تحب المعروف مبتدأ، كان جيدًا. . واعلم أن العرب تنشد هذا البيت على وجهين، على أرادة اللام، وعلى الابتداء، قال الفرزدق: منعت تميمًا منك إني أنا ابنها ... وشاعرها المعروف عند المواسم وسمعنا من العرب من يقول إني أنا ابنها. وتقول لبيك إن الحمد، والنعمة لك، وإن شئت قلت: أن (٢) ". وجاء في (حاشية يس) في قولهم (لبيك إن الحمد والنعمة لك): "واعلم أن النووي وكثيرا من الحنفية عللوا كون الكسر أجود بإن من كسر (أن) قال: الحمد والنعمة لك على كل حال، ومن فتحها قال: لبيك بهذا السبب أهـ." وحاصله ان الكسر يحصل به عموم استحقاقه تعالى الحمد والنعمة، سواء وجدت تلبية أم لا بخلاف الفتح، فإن فيه ضعفا من حيث تعليل التلبية باستحقاق ما ذكر،

стр. 291

كونه غير مناسب لخصوصها، ومن حيث إبهامه قصر استحقاق ما ذكر على التلبية .. وظاهره تسليم كلام الفقهاء أن المكسورة هنا ليست للتعليل، وهو خلاف ما ذكره النحاة هنا فإن كلامهم صريح في أنها للتعليل" (١). والذي يبدو لي أنّ ما ذهب إليه النووي أرجح فإن التعليل بـ (إن) لا يماثل التعليل بـ (أن) فإن التعليل بأن المفتوحة إنما هو على إرادة اللام، قال سيبويه في (جئتك أنك تريد المعروف) أي لأنك تريد المعروف، فالتعليل ههنا مقيد بعامله مقصور عليه، أي إنما حصل هذا لهذا، بخلاف التعليل بإن المكسورة فإنه تعليل واسع وحكم عام مستأنف، غير مقيد بالعامل. فهي في الحقيقة ليست للتعليل المحض كـ (أن) وإنما هي حكم عام، وكلام مستأنف فيه تعليل، يشمل ما ذكر وما لم يذكر. والذي يوضح ذلك أن الكلام مع أن المفتوحة هو جملة واحدة بخلاف المكسورة فقولك (لا تضرب محمدًا أنه عونك) جملة واحدة أي لأنه عونك، وقولك (لا تضرب محمدًا إنه عونك) جملتان الأولى (لا تضرب محمدًا) والأخرى (إنه عونك) فكأنه لما نهاه عن ضرب محمد قال له: ولماذا تنهاني؟ فإجابه إنه عونك. فقد ابتدأت كلاما جديدًا. وانظر إلى هاتين الجملتين: (جئت أنك صرت أميرا) بالفتح (وجئت إنك صرت أميرًا) بالكسر، تجد ما ذكرناه واضحًا. جاء في (التصريح) في مواطن كسر وفتح إن: "الثالث أن تقع في موضع التعليل نحو أنه هو البر الرحيم من قوله تعالى: ﴿إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم﴾، [فاطر: ٢٨]، قرأ نافع والكسائي بالفتح على تقدير لام العلة أي لأنه، وحرف الجر إذا دخل على (أن) لفظا أو تقديرا فتح همزتها، فهو تعليل أفرادي. وقرأ الباقون من السبعة بالكسر، على أنه تعليل مستأنف بياني فهو في المعنى

стр. 292

جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنهم لما قالوا: أنا كنا من قبل ندعوه قيل لهم: لم فعلتم ذلك؟ فقالوا: إنه هو البر الرحيم. فهو تعليل جملي مثل (وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) بكسر (أن) على أنه تعليل مستأنف. ومثله في الجواز الوجهين (لبيك أن الحمد والنعمة لك) يروى بكسر أن وفتحها، فالفتح على تقدير لام العلة، والكسر على أنه تعليل مستأنف وهو أرجح، لأن الكلام حيئنذ جملتان لا جملة واحدة. وتكثير الجمل في مقام التعظيم مطلوب، قاله الموضح في شرح بانت سعاد (١) ". أنَّ: لـ (أنَّ) معانٍ وغايات في الكلام مرتبطة لا يكاد ينفك أحدها عن الآخر، فإن أهم وظيفة لها أنها توقع الجملة موقع المفرد، فتهيئها لتكون فاعلة، ومفعولة ومبتدأ ومجرورة ونحو ذلك. وذلك نحو أن تقول: يعجبني أنك فزت، وأخشى أنك لا تعود، وأرغب في أنك تكون معنا. ولا يتم الكلام بها إلا مع ضميم معها، بخلاف (إنّ) المكسورة، فقولك (إنك فائز) كلام تام بخلاف (أنك فائز) فإنه جزء من كلام، وهو لا يؤدي معنى يحسن السكوت عليه. قال ابن يعيش: وكذلك أن المفتوحة تفيد معنى التأكيد كالمكسورة، إلا أن المكسورة الجملة معها على استقلالها بفائدتها، ولذلك يحسن السكون عليها، لأن الجملة عبارة عن كل كلام تام قائم بنفسه، مفيد لمعناه فلا فرق بين قولك: (إن زيدًا قائم) وبين قولك (زيد قائم) إلا معنى التأكيد ويؤيد عندك أن الجملة بعد دخول (إن) عليها على استقلالها بفائدتها أنها تقع في الصلة، كما كانت كذلك قبل، نحو قولك: (جاءني الذي أنه عالم) قال الله تعالى: ﴿وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولى القوة﴾ [القصص: ٧٦]، وليست (أنّ) المفتوحة كذلك، بل تقلب معنى الجملة إلى

стр. 293

الأفراد، وتصير في مذهب المصدر المؤكد ولولا إرادة التأكيد لكان المصدر أحق بالموضع، وكنت تقول مكاني: بلغني أن زيدًا قائم بلغني قيام زيد. والذي يدلك على إن (أن) المفتوحة في معنى المصدر، وإنها تقع موقع المفردات، إنها تفتقر في انعقادها جملة إلى شيء يكون معها، ويضم إليها لأنها مع ما بعدها من منصوبها ومرفوعها بمنزلة الاسم الموصول، فلا يكون كلاما مع الصلة إلا شيء آخر من خبر يأتي به أو نحو ذلك، فكذلك أن المفتوحة لأنها في مذهب الموصول إلا أنها نفسها ليست اسما كما كانت الذي كذلك، إلا ترى أنها تفتقر في صلتها إلى عائد كما تفتقر في الأسماء الموصولة إلى ذلك " (١). وجاء في (كتاب شرح المقدمة الكافية) لابن الحاجب: "وأما أن المفتوحة فهي مع جملتها في حكم المفرد ألا ترى أنك إذا قلت: (زيد قائم) ثم أدخلت المكسورة، كانت على حالها في استقلالها بفائدتها، لو أدخلت المفتوحة صارت الجملة معها بتأويل مصدر من خبرها، أو ما في حكم، فافتقرت إلى جزء أخر تكون به كلامًا نحو (أعجبني أن زيدًا منطلق)، فتكون فاعلة (وكرهت أن زيدًا منطلق) فتكون مفعولا .. ومن ثمة وجب الكسر في موضع الجمل والفتح في موضع المفرد، يعني ومن أجل إن المكسورة تبقى معها الجملة على فائدتها، والمفتوحة تقبلها إلى حكم المفرد، وجب الكسر في موضع الجمل، والفتح في موضع المفرد، من حيث كان ذلك معناهما" (٢). قال سيبويه: "أما أن فهي اسم، وما عملت فيه صلة لها، كما أن الفعل صلة لأن الخفيفة، وتكون (أن) اسما ألا ترى أنك تقول: (قد عرفت أنك منطلق)، فأنت في موضع اسم منصوب، كأنك قلت قد عرفت ذاك، وتقول: (بلغني أنك منطلق) فإنك في موضع اسم مرفوع كأنك قلت: بلغني ذاك. فـ (أن) الأسماء التي تعمل فيها صلة لها، كما إن (أن) الأفعال التي تعمل فيها صلة لها" (٣).

стр. 294

وهي في ذلك تلتقي مع سائر الأحرف المصدرية، فإن من أهم وظائف الحرف المصدري أن يوقع الجملة موقع المفرد، ثم إن الحرف المصدري يجعل ما بعده في حكم المصدر (١)، والمصدر معنى ذهني غير متشخص فـ (أن) على هذا تجعل الأمر معنويًا ذهنيا، فثمة فرق بين قولك: أرى محمدًا واقفًا وأرى أن محمدًا واقف، فالأول موقف متشخص ورأى بصرية، والثاني موقف عقلي ورأي عقلية، أي أرى أنه فاعل ذلك وأحبسه. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق﴾ [إبراهيم: ١٦]، فهذه رؤية بالتدبر والتفكر، ونحوه قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره﴾ [الحج: ٦٥]. فهذه كلها رؤية بالتدبر والتفكر وأظنك ترى الفرق واضحا بين ما ذكرت من الآيات ونحو قوله تعالى ﴿أرنا الله جهرة﴾ [النساء: ١٥٣]، و ﴿حتى نرى الله جهرة﴾ [البقرة: ٥٥]، و ﴿أو نرى ربنا﴾ [الفرقان: ٢١]، وقوله: ﴿قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾ [الأعراف: ١٤٣]. ولم يرد فعل الرؤية في القرآن الكريم معجي إلى اسم الله تعالى في غير هذه المواطن التي ذكرتها، وأنت ترى الفرق واضحا بين المعنيين والقصدين فـ (أن) كما ذكرت تحول الأمر إلى ذهني. وأنت تلاحظ الفرق جليا بين قولنا (سمعتك تقول الشعر) و (سمعت أنك تقول الشعر) ففي العبارة الأولى أنت سمعته هو يقول الشعر، وأما في الثانية فهو قد سمع هذا الأمر عنك ولم يسمعك تقوله. فـ (أن) إذن تحول المحسوس إلى معقول، والمتشخص إلى ذهني، ولذا يصح أن تقول: (ظننت محمدًا إنه عاقل) ولا يصح أن تقول (ظننت محمدًا أنه عاقل) بالفتح، فإنه لا يخبر بالذهني عن المتشخص، فإن المعني يكون منزلة ظننت محمدًا عاقلا، وهذا لا يصح.

стр. 295

جاء في (كتاب الأصول) لابن السراج: "أن المفتوحة الألف مع ما بعدها بتأويل المصدر، وهي تجعل الكلام شأنا وقصة وحديثا، ألا ترى إنك إذا قلت: (علمت أنك منطلق) فإنما هو علمت انطلاقك فكأنك قلت: علمت الحديث ويقول: القائل: ما الخبر؟ فيقول المجيب: الخبر أن الأمير قادم .. والموضع التي تقع فيها أن المفتوحة، لا تقع فيها إن المكسورة، فمتى وجدتها يقعان في موقع واحد فاعلم أن المعنى والتأويل مختلف" (١). واختلف في كون (أن) مؤكدة أولاً، فذهب أكثر النحاة إلى أنها مؤكدة مثل: إن وأنها فرع عليها (٢). واستشكله بعضهم قال: "لأنك لو صرحت بالمصدر المنسبك لم يفد توكيدًا، ويقال: التوكيد للمصدر المنحل، لأن محلها مع ما بعدها المفرد، وبهذا يفرق بينها وبين (إن) المكسورة فإن التأكيد في المكسورة للإسناد، وهذه لأحد الطرفين" (٣). وهنا شبهة أثارها بعض المحدثين في دلالتها على التوكيد، قالوا لو كانت تدل على التوكيد لوقعت في جواب القسم مثل (إن). وهذه الشبهة مردودة من ناحيتين: الأولى: إن مجيئها للتوكيد لا يعني أن تشبه (أنّ) من جميع الأوجه، فنحن نعلم أن (اللام) للتوكيد، و (أن) للتوكيد، وهناك خلاف بينهما في الاستعمال بل إن (أن) المخففة من الثقيلة قد تختلف معها في بعض الأحكام فيجوز في (أن) أن يكون خبرها

стр. 296

جملة دعائية بخلاف الثقيلة كما هو معلوم (١). ومن المعلوم (إن) نون التوكيد الخفيفة لا تقع في بعض مواطن الثقيلة، ولها أحكام خاصة بها. والناحية الأخرى إن (أن) كما ذكرنا تحول الجملة إلى مفرد في المعنى هو المصدر، والقسم يجاب بجملة لا بمفرد، ولذلك لا يجاب بها القسم، ومع ذلك أجاز بعض النحاة أن يجاب بها القسم (٢). والصواب أنها تدل على التوكيد إضافة إلى ما ذكرناه من المعاني، فقولك (علمت أن محمدًا قائم) آكد من قولك (علمت محمدًا قائمًا) إضافة إلى إيقاع الجملة المؤكدة موقع المفرد، أي علمت هذا الأمر، قال تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولم يقل: فإن علمتم إنهن مؤمنات، لأن الإيمان أمر قلبي لا يطلع على حقيقته إلا الله، ولذلك قال (الله أعلم بإيمانهن) فاكتفى بالأمارات والدلالات الظاهرة التي تدل على الإيمان، ولم يؤكده بأن لأنه لا سبيل إلى اليقين القاطع. وقال: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦]، فجاء بأن لأنه علم مؤكد. وقال: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾ [الأنفال: ٢٢ - ٢٣]، فقال: (ولو علم الله فيهم خيرا)، أي ولو علم فيهم جانبًا ضعيفا من الخير غير محقق، ولا متيقن لأسمعهم، أي أن هؤلاء ليس فيهم شيء من الخير المحتمل، بل المحقق، ولا لم يأت بأن والله أعلم.

стр. 297

وقال على لسان يوسف ﵇ لإخوته: ﴿ألا ترون أني أوف الكيل وأنا خير المنزلين﴾ [يوسف: ٥٩]، فقال أولا (أني أوفي الكيل) على التوكيد بأن ثم قال (وأنا خير المنزلين) على غير سبيل التوكيد، وذلك الله أعلم أنه في الحكم الأول متأكد من أنه يوفي الكيل، تأكدا لا شك فيه لأن هذا أمر يستطيع الجزم به بخلاف ما بعده (وأنا خير المنزلين) فإن هذا الحكم ليس بمنزلة الأول في التحقيق والتيقن، فجاء به غير مؤكد فخالف بين التعبيرين لاختلاف الحكين. ومما يدل على أنها للتوكيد، أن القرآن الكري، إذا قرن الظن بها أفاد اليقين - كما يقول النحاة - فحيث اقترنت به في القرآن الكريم أفاد الظن معنى العلم واليقين، قال تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]، وقال: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾. [البقرة: ٢٤٩]. وقال: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية﴾ [الحاقة: ٢٠ - ٢١]، فإن الظن قد يلحق بالعلم واليقين، وقد يكون للرجحان فقط كقوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فلم يأت بأن ههنا لأنه ليس المقصود بالظن ههنا اليقين، بل الرجحان فقط فهو ليس بمنزلة ما مر من الآيات. فدل ذلك على ما ذكرناه. وقد تأتي (أن) بمعنى (لعل) بل هي لغة في (لعل) كما يذكر النحاة (١). قال سيبويه في قوله تعالى: ﴿وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ [الأنعام: ١٠٩]. "وأهل المدينة يقولون أنها فقال الخليل هي بمنزلة قول العرب (ائت السوق أنك تشتري لنا شيئا) أي لعلك" (٢).

стр. 298

وقال ابن يعيش: "وقد تستعمل (أن) المفتوحة بمعنى (لعل) يقال: (ايت السوق أنك تشتري لنا كذا) أي لعلك. وقيل في قوله تعالى: ﴿وما يشعركم أنها إذ جاءت لا يؤمنون﴾ على لعلها، ويؤيد ذلك قراءة أبي (لعلها) كأنه أبهم أمرهم فلم يخبر عنهم بالإيمان ولا غيره، ولا يحسن تعليق (أن) بـ (يشعركم) لأنه يصير كالعذر لهم قال حطائط بن يعفر: أريني جوادًا مات هزلا لأنني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا قال المرزوقي: هو بمعنى (لعل) وقد روي: لعلني أرى ما ترين" (١). فتح وكسر إن: يذكر النحاة إن لأن ثلاثة أحوال: وجوب الكسر، ووجوب الفتح، وجواز الأمرين. وضابط ذلك إنه يتعين المكسورة، حيث لا يجوز أن يسد المصدر مسدها، ومسد معموليها، وتتعين المفتوحة حيث يجب ذلك، ويجوز الأمران إن صح الاعتباران (٢). وكل الأمور التي يذكرها النحاة في مواطن الوجوب والجواز، إنما هي تفسير لهذا الضابط، وإيضاح ذلك أن (إن) المكسورة لا تغير معنى الجملة، وإنما تفيد توكيدها، وأما المفتوحة فهي تهيء الجملة لأن تقع موقع المفرد وتجعل ما دخلت عليه غير تام الفائدة بعد أن كان مفيدًا قبل دخولها - كما سبق أن ذكرنا - فأنت تقول: (محمد قائم) وتقول: (أن محمدًا قائم) وكلتا الجملتين تامة المعنى، إما إذا قلت (أن محمدا قائم) بالفتح فهي ليست تامة المعنى، وإنما وقعت الجملة موقع المفرد، فمتى كان الكلام لا يحتمل الإفراد وإنما هو موطن الجملة تعين كسر (إن)، ومتى كان الكلام لا يحتمل الجملة وإنما هو موطن المفرد تعين الفتح، ومتى جاز الاعتباران جاز الوجهان،

стр. 299

جاء في (المفصل): "والذي يميز بين موقعيهما أن ما كان مظنة للجملة وقعت فيه المكسورة كقولك مفتتحا: (إن زيدًا منطلق) .. وما كان مظنة للمفرد، وقعت فيه المفتوحة، نحو مكان الفاعل والمجرور .. وكذلك (ظننت أنك ذاهب) على حذف ثاني المفعولين، والأصل ظننت ذهابك حاصلا .. ومن المواضع ما يحتمل المفرد والجملة، فيجوز إيقاع أيتهما شئت" (١). تقول: (إن الله سميع الدعاء) فهي هنا واجبة الكسر، وتقول: (يسرني أنك عائد) فهي هنا واجبة الفتح، لأنه موطن المفرد فقط وهو الفاعل، وتقول: (حلفت أنك مسافر وإنك مسافر) هنا يجوز الأمران ولكل معنى. فإذا أردت حلفت على هذا الأمر أي حلفت على سفرك فتحت وإن أردت أن هذا جواب الحلف كما تقول: والله إنك مسافر كسرت. وهذا ملاك الأمر. فليس معنى الفتح والكسر واحدا في المواضع التي يجوز فيها الوجهان، وإنما المعنى مختلف جاء في (الأصول): "والمواضع التي تقع فيها (أن) المفتوحة لا تقع فيها (إن) المكسورة فمتى وجدتهما يقعان في موقع واحد فاعلم أن المعنى والتأويل مختلف" (٢). قال سيبويه: "وتقول (أما في الدار فإنك قائم)، لا يجوز فيه إلا (إن) جعل الكلام قصة وحديثا ولم ترد أن تخبر أن في الدار حديثه، ولكنك أردت أن تقول: أما في الدار فإنت قائم، فمن ثم لم تقل (أن). وإن أردت أن تقول: أما في الدار فحديثك، وخبرك قلت: إما في الدار فإنك منطلق أي هذه القصة" (٣). وقال: "وسمعت من العرب ينشد هذا البيت كما أخبرك به:

стр. 300

وكنت أرى زيدًأ كما قيل سيدًا ... إذا به عبد القفا واللهازم فحال (إذا) ههنا كحالها إذا قلت: إذا هو عبد القفا واللهازم، وإنما جاءت (إن) ههنا لأنك هذا المعنى أردت"، كما أردت في حتى معنى هو منطلق، ولو قلت: مررت فإذا أنه عبد، تريد مررت به فإذا العبودية واللؤم كأنك قلت: مررت فإذا أمره العبودية واللؤم ثم وضعت (أن) في هذا الموضع جاز" (١). وجاء في (المقتضب): "تقول: (قد قاله القوم حتى إن زيدًا يقوله)، و (قد شربوا حتى إن أحدهم يجر بطنه) لأنه موضع ابتداء ألا ترى أنك تقول: قد قاله القوم حتى زيد يقوله. ولو قلت في هذا الموضع (أن) كان محالا، لأن (أن) مصدر ينبيء عن قصة فلو كان قد قاله القوم حتى قول زيد كان محالا. ولكن لو قلت: بلغني حديثك حتى إنك تظلم الناس كان من مواضع (أن) المفتوحة لأن المعنى بلغني أمرك حتى ظلمك الناس، وإنما يصلح هذا ويفسد بالمعنى" (٢). وجاء في حاشية يس على التصريح: " قال الدنوشري: قال ابن الصائغ، في قوله: (سألت عنه فإذا أنه عبد) فمن فتح أراد العبودية ومن كسر أراد العبد نفسه، وتقدير الفتح مشاهدة نفس المعنى الذي هو الخدمة وتقدير الكسر مشاهدة الشخص نفسه على غير صفة ففتحت موضع المفرد، وكسرت موضع الجملة" (٣). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "ونقول أما في الدار فإنك قائم بالكسر، إذا قصدت أن قيام المخاطب حاصل في الدار. وأما إن أردت أن في الدار هذا الحديث، وهذا الخبر فإنه يجب الفتح" (٤).

стр. 301

وهذا سؤال قد يعرض في هذا الباب وهو: هل يسد المصدر الصريح مسد المصدر المؤول ويقوم مقامه دومًا؟ والذي هو ظاهر في هذا الباب أن المصدر الصريح غير المؤول وليسا متطابقين، فإن الإسناد حاصل في المصدر المؤول، ولكن أقيم هذا الإسناد مقام المفرد. إن المصدر المؤول أصله جملة تامة، بخلاف الصريح فإنه كلمة، ولذا قد يقع المصدر المؤول في مواطن لا يقع فيها المصدر الصريح، ولو حاولت إيقاع المصدر الصريح مكان المصدر المؤول، لأختل الكلام وذلك نحو أن تقول: ظننت أن سعيدًا حاضر أو تقول: (ليت أن سعيدًا غني) قال الشاعر: تعلقت ليلى وهي ذات مؤاصد ... ولم يبد للأتراب من ثديها حجم. صغيرين نرعى البهم ياليت أننا ... إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم ففي مثل هذه المواطن لا يصح وضع المصدر الصريح مكان المؤول لفساد المعنى واختلاله، إلا بتكلف وتقدير محذوف لا موجب له، والمعنى تام بدونه. أن قسمًا من النحاة يقدرون في نحو ذلك: ظننت حضور سعيد حاصلا، وليت غني سعيد ثابت، وهذا فاسد ويظهر فساده عند أظهاره المحذوف مع المصدر المؤول، فلو قلت: ظننت أن سعيدًا حاضر حاصل، وليت أن سعيدًا غني ثابت لكان واضح الفساد، ولم يقله أحد من العرب. جاء في (المقتضب): "فإذا قلت: (ظننت أن زيدًا منطلق) لم تحتج إلى مفعول ثان لأنك قد أتيت بذكر زيد في الصلة، لأن المعنى: ظننت انطلاقا من زيد، فلذلك استغنيت" (١).

стр. 302

ليت: للتمني والتمني يكون في المستحيل نحو (ليت الشباب يعود)، وفي الممكن غير المتوقع نحو (ليت سعيدًا يسافر معنا)، فإن كان متوقعًا دخل في الترجى. ولا يكون في الواجب حصوله كأن تقول: ليت غدا آت فإن غدًا واجب المجيء (١). ليت شعري: من الاستعمالات الشائعة في العربية (ليت شعري) نحو: ليت شعري هل أعود إلى الأهل؟ والشعر ههنا معناه الشعور والفطنة، والخبر عند الجمهور محذوف وجوبًا إذا أردف باستفهام كما مثلنا أي ليت شعري حاصل (٢). وذهب بعضهم إلى أن جملة الاستفهام هي الخبر، ورده النحاة بأنه يؤدي إلى الأخبار بالجملة الطلبية وإلى خلو المخبر بها عن الرابط (٣). والحقيقة إنه لا يمكن أن تكون جملة الإستفهام خبرا عن الشعر، لأنه لا رابط يربطها بالمبتدأ، ولابد من الرابط فإنه لا يصح أن يقال: شعري هل محمد حاضر، لأنك بينا تتحدث عن شعرك تقطع الكلام، ولا تخبر عنه وتستأنف كلامًا جديدًا هو (هل محمد حاضر) وهو نظير قولك: أخوك هل خالد عندكم؟ وهو غير مقبول. والصحيح إنه من باب حذف الخبر وجوبا، لأنه كون عام مفهوم من السياق، أي ليت أدراكي حاصل أو ثابت أو كائن، ونحو ذلك. وهو نظير ما بعد لو نحو قوله تعالى: ﴿لولا أنتم لكنا مؤمنين﴾ [سبأ: ٣١].

стр. 303

والعرب تحذف الكلمة إذا كان ذكرها يؤدي إلى العبث، لوضوحها وظهورها ولا يزيد المخاطب شيئا كالخبر بعد لولا، إذا كان كونا عامًا ونحو: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر: ٧٢] فإنه لا فائدة من أن تقول: لعمرك قسمي لأنه واضح أنه قسم ولا يفيد المخاطب ذكره ونحو ذلك. لعل: هي لتوقع شيء محبوب أو مكروه فتوقع المحبوب يسمى ترجيا وإطماعا، وتوقع المكروه يسمى أشفاقا، فالترجي نحو قوله تعالى: ﴿لعلكم تفلحون﴾ [البقرة: ١٨٩]، والإشفاق نحو (لعله يهينك) (١). والترجي لا يكون إلا في المكن، وأما قوله تعالى على لسان فرعون: ﴿يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فهو في باب الجهل أو من باب السخرية (٢). والفرق بين تمنى الممكن وترجيه، أن المترجي متوقع حصوله بخلاف المتمني، فإنه غير متوقع (٣) الحصول، فالفرق بين قولك: ليت زيدا يأتينا، ولعل زيدًا يأتينا أن الأولى تمن وقائله غير متوقع لحصوله، بخلاف الثانية فإنه متوقع لمجيئه. وقيل قد تتجرد (لعل) لمطلق التوقع، ولا تختص بكونه محبوبًا أو مكروهًا، وجعل منه قوله تعالى: ﴿فعللك تارك بعض ما يوحي إليك﴾ [هود: ١٢]، جاء في (حاشية على الكشاف) للسيد الجرجاني: "هي موضوعة لإنشاء توقع أمر إما مرغوب ويسمى ترجيًا: أو مرهوب ويسمى إشفاقا .. وقد يكون من غيرها ممن له نوع تعلق بالكلام،

стр. 304

كأنها جردت لمطلق التوقع، كما في قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك﴾ على أحد الوجهين وهو إنك قد بلغت من التهالك على إيمانهم مبلغًا يرجون، أن تترك بعض ما يوحى إليك" (١). وقيل إنها تأتي للتعليل، وجلعوا منه قوله تعالى: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤]، ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء، ويصرفه للمخاطبين، أي اذهبا على رجائكما (٢). جاء في (التصريح): "قال الأخفش والكسائي: وتأتي لعل للتعليل نحو ما قال الأخفش: يقول الرجل لصاحبه: افرغ عملك لعلنا نتغدى واعمل عملك لعلك تأخذ أجرك أي للنتغدى ولتأخذ. انتهى ومنه أي من التعليل (لعله يتذكر)، قال في المغنى: ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء ويصرفه للمخاطبين أي اذهبا على رجائكما" (٣). وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾ [البقرة: ٢١]، " ولعل للترجي، أو الإشفاق تقول: لعل زيدا يكرمني ولعله يهينني وقال الله تعالى: ﴿لعله يتذكر أو يخشى﴾ ﴿لعل الساعة قريب﴾ [الشورى: ١٧]، ألا ترى إلى قوله: ﴿والذين أمنوا مشفقون منها﴾ [الشورى: ١٨]، وقد جاء على سبيل الأطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه أطماع من كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجرى أطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به. قال من قال إن لعل بمعنى (كي). ولعل لا تكون بمعنى كي ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك. وأيضا فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم، أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها، على أن يقولوا عسى، ولعل،

стр. 305

ونحوها من الكلمات، أو يخيلوا أخالة أو يظفر منهم بالزمرة، أو الابتسامة، أو النظرة الحلوة، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب فعلى مثله ورد كلا مالك ذي العز والكبرياء، أو يجيء على طريق الأطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم﴾ [التحريم: ٨]. فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم" (١). وقيل تأتي للاستفهام، وأثبته الكوفيون، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ [الطلاق: ١]، وحديث: (لعلنا أعجلناك) (٢). جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقيل إن لعل تجيء للاستفهام تقول: لعل زيدا قائم أي هل هو كذلك" (٣). وقيل تأتي للتشبيه، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون﴾ [الشعراء: ١٢٩]، يعني كأنكم (٤). وقيل هي كلمة شك جاء في (لسان العرب): "قال الجوهري: لعل كلمة شك .. وهي كلمة رجاء، وطمع، وشك، وقد جاءت في القرآن بمعنى كي (٥) ". والبصريون يرجعون كل هذه المعاني إلى الترجي والإشفاق (٦)، وهو الصحيح فإنها للتوقع مطلقا ويمكن رجع كل ما ذكر إلى هذا المعنى من ترج أو إشفاق فنحو قوله تعالى: ﴿لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ وقوله: ﴿وما يدريك لعله يزكى﴾ [عبس: ٣].

стр. 306

من باب الترجي. وحديث (لعلنا أعجلناك) من باب الاشفاق، أي اشفق من أن يكون أعدله. وقوله تعالى: ﴿وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون﴾ أي تفعلون فعل من يرجو الخلود ويتوقعه. ولو أردنا تجزئة المعاني، لأمكننا توسعة ذلك إلى أكثر مما قيل. لكن: المشهور إن (لكن) للاستدراك واختلف في تفسير الاستدراك. فقيل: " وتعقيب الكلام برفع ما يتوهم عدم ثبوته أو نفيه كقولك: ما زيد شجاعا ولكنه كريم، فإنك لما نفيت الشجاعة عنه، أوهم ذلك نفي الكريم لأنهما كالمتضايفين، فلما أردت رفع هذا الإيهام عقبت الكلام بلكن مع مصحوبها" (١). وقيل: هو مخالفة حكم ما بعد لكن لحكم ما قبلها (٢)، قيل: " ولذلك لابد أن يتقدها كلام ملفوظ به، أو مقدر ولابد أن يكون نقيضا لما بعده، أو ضدًا له، أو خلافا على رأي نحو (ما هذا ساكن لكنه متحرك) و (ما هذا أسود لكنه أبيض)، وما هذا قائم لكنه شارب". (٣) وقيل تأتي للتوكيد على قلة نحو: (لو جاء زيد لأكرمته لكنه لم يجيء) إذ عدم المجيء معلوم من لو ألا متناعية (٤). وقيل هي لتوكيد دائما مثل (أن) ويصحب التوكيد معنى الاستدراك (٥). والصواب أن الأصل فيها أن تكون للاستدراك وقد تكون للتحقيق. فهي للاستدراك

стр. 307

في نحو قولك (سعيد حاضر لكن أخاه غائب) و (الشمس مشرقة لكن الجو بارد) وهي كذلك في كل ما خالف ما بعدها حكم ما قبلها. أما إذا لم يخالف ما بعد حكم، حكم ما قبلها فتكون للتوكيد نحو (ما زيد نائم لكنه مستيقظ) وكذلك نحو (لو جاءني علي لأكرمته، لكنه لم يجيء). واختلف في كونها مركبة أو مفردة، فهي عند البصريين مفردة غير مركبة، وقال الكوفيون: هي مركبة من لا وإن المكسورة، والكاف الزائدة بينهما لا للتشبيه، وحذفت الهمزة تخفيفا بعد نقل حركتها إلى الكاف، وأصلها لا كان (١). وقال برجشتراسر إن "لكن مركبة من لا وكن المقابلة لـ ken العبرية و ken" الآرمية التي معناها هكذا معني (لاكن) ليس كذا" (٢). وهذا الكلام في لكن الساكنة كما هو واضح فإذا كانت (لكنْ) مركبة فلكن مثلها ولا تختلف عنها إلا بتثقيل النون وهما بمعنى واحد. كأن: للتشبيه وهي مؤلفة على رأي النحويين من كاف التشبيه، وأن قال سيبويه: " سألت الخليل عن (كأن) فزعم أنها (أن) لحقتها الكاف للتشبيه ولكنها صارت مع (أن) بمنزلة كلمة واحدة وهي نحو كأي رجلا ونحو له كذا وكذا درهما" (٣). وقال ابن يعيش: "وأما كأن فحرف معناه التشبيه، وهو مركب من كاف التشبيه وأن، فأصل قولك: (كأن زيدًا الأسد) أن زيدًا كالأسد، فالكاف هنا تشبيه صريح، وهي في موضع الخبر تتعلق بمحذوف تقديره، أن زيدًا كائن كالأسد، ثم أرداوا الاهتمام بالتشبيه

стр. 308

الذي عقدوا عليه الجملة فأزلوا الكاف من وسط الجملة وقدموها إلى أولها لأفراط عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوها على أن وجب فتحها لأن المكسورة لا تقع عليها حروف الجر ولا تكون إلا أولا، وبقي معنى التشبيه الذي كان فيها متأخرة فصار اللفظ: كأن زيدًا أسد إلا أن الكاف لا تتعلق الآن بفعل، ولا معنى فعل، لأنها أزيلت عن الموضع الذي كان يمكن أن تتعلق فيه بمحذوف، وقدمت إلى أول الجملة، فزال ما كان لها من التعلق بخبر أن المحذوف .. فإن قيل: فما الفرق بين الأصل والفرع في كأن؟ قيل: التشبيه في الفرع أقعد منه في الأصل، وذلك إذا قلت: زيد كالأسد بنيت كلامك على اليقين ثم طرأ التشبيه بعد فسرى من الآخر إلى الأول وليس كذلك في الفرع الذي هو قولك (كأن زيدا أسد) لأنك بنيت كلامك من أوله على التشبيه" (١). وجاء في (التصريح): "وهو للتشبيه المؤكد بفتح الكاف .. نحو كأن زيدًا أسد، أو حمار مما الخبر فيه أرفع من الاسم أو أخفض منه، ففيه تشبيه مؤكد بكأن، لأنه مركب من الكاف المفيدة للتشبيه وأن المفيدة للتوكيد والأصل: إن زيدًا كالأسد، أو كالحمار فقدمت الكاف على (أن) ليدل أول الكلام على التشبيه من أول وهلة، وفتحت همزة أن وصاروا كلمة واحدة ولهذا لا تتعلق الكاف بشيء" (٢). والتشبيه بكأن أبلغ من التشبيه بالكاف جاء في (دلائل الإعجاز): "أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول: (زيد كالأسد)، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: كأن زيدا الأسد، فتفيد تشبيهه أيضا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول، وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد ولا يقصر عنه، حين يتوهم أنه أسد في صورة آدمي" (٣).

стр. 309

وجاء في (البرهان): "وقال الإمام في نهاية الإيجاز: اشترك الكاف وكأن في الدلالة على التشبيه وكأن أبلغ. وبذلك جزم حازم في (منهج البلغاء) وقال: وهي إنما تستعمل حيث يقوي الشبه حتى يكاد الرائي يشك في أن المشبه هو المشبه به، أو غيره ولذلك قالت بلقيس: (كأنه هو) (١) ". وربما كان أصل (كأن) ما ذكره النحاة ولكن التعبيرين أعني الأصل والفرع لا يزالان مستعملين. فنحن لا نزال نقول: (كأنه الأسد)، و (أنه كالأسد)، وهذا التعبيران غير متماثلين في الاستعمال ولا في المعنى. ومن أوجه الخلاف بينهما على سبيل المثال: ١ - إن (كأن) يمكن أن تقع خبرا لأن فتقول (أنها كأنها البدر) و (أن محمدًا كأنه بحر) وليس هذا التعبير بمعنى: أنها أنها كالبدر ولا: أن محمدًا أنه كبحر. فالفرع يختلف اختلافا بينا عن الأصل. ٢ - إن التشبيه بكأن يمكن أن يقع على الفعل نحو (كأنك تسعى إلى مأدبة) وكقوله تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥]. ومثل هذا التعبير لا يمكن أن يؤدي بإن والكاف فلا تقول: إنك كتسعى إلى مأدبة: وكذلك الآية. ٣ - ومن أوجه الفرق بين التعبيرين إن المشبه به الداخلة عليه الكاف قلما يكون نكرة فلا يحسن أن يقال: أنه كأسد أو كبدر بل هو، أما أن يعرف أو يخصص فيقال: أنه كالبدر أو كبدر التمام أو كبدر مكتمل ونحو ذاك. وأما خبر (كأن) فلا يقبح كونه نكرة تقول: كأنها قمر. قال النابغة: كأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ٤ - تقع اللام في خبر (إن) مثل: (إنه لكالبحر) ولا تقع في خبر كأنّ.

стр. 310

٥ - هناك تعبيرات خاصة بكأن لا يصح استعمال إن والكاف فيها، نحو قولهم (كأنك بالشتاء مقبل) و (كأنك بالثلج وقد ذاب). فأنت ترى إنه لا يصح استعمال أن والكاف في نحو هذا. ٦ - هناك تعبيرات تستعمل فيها (كأن) ولو استعملنا بدلها أن والكاف لتغير معنى الكلام أو لتقطعت أواصره، وذلك كقوله تعالى: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظله﴾ [الأعراف: ١٧١]، فأنت ترى إننا لو أعدنا هذا التعبير إلى الأصل الذي يدعيه النحاة وقلنا: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم أنه كظله) لانفصل الكلام بعضه من بعض، ولتقطعت وشائجه بخلاف التعبير الأول إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف بينهما. ويمكن أن يقال أن الفرع لا ينبغي أن يشابه الأصل في كل شيء. وعند البصريين إن (كأن) لا تكون لغير التشبيه (١). وقال الزجاج: "هي للتشبيه إذا كان خبرها جامدًا نحو (كأن زيدًا أسد) وللشك إذا كان صفة مشتقة نحو (كأنك قائم) لأن الخبر هو الاسم، والشيء لا يشبه بنفسه، والأولى أن يقال: هي للتشبيه أيضا والمعنى: كأنك شخص قائم حتى يتغاير الاسم والخبر حقيقة فيصح تشبيه أحدهما بالآخر إلا أنه لما حذف الموصوف وأقيم الوصف مقامه وجعل الاس بسبب التشبيه كأنه الخبر بعينه صار الضمير في الخبر يعود إلى الاسم لا إلى الموصوف المقدر فلهذا تقول: كأني أمشى وكأنك تمشي، والأصل، كأني رجل يمشي وكأنك رجل يمشي" (٢). وقيد البطليوسي: "كونها للتشبيه بما إذا كان خبرها اسما أرفع من اسمها أو أحط وليس صفة من صفاته نحو، كأن زيدًا ملك وكأن زيدًا حمار. فإن كان خبرها فعلا أو ظرفا أو جارا ومجرورا أو صفة من صفات اسمها كانت للظن نحو كأن زيدًا قام

стр. 311

أو عندك أو في الدار لأن زيدا نفس القائم ونفس المستقر والشيء لا يشبه بنفسه" (١). والصواب أنها للتشبيه أيضا إما على تقدير محذوف كما ذكر الرضي وإما على تشبيه شيء في حالة بنفسه في حالة أخرى. جاء في (الهمع): "وزعم الكوفيون والزجاجي أنها إذا كان خبرها اسما جامدًا كانت للتشبيه نحو (كأن زيدا أسد)، وإذا كان مشتقا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت نحو (كأن زيدا قائم) لأن الشيء لا يشبه بنفسه، وأجيب بأن الشيء يشبه في حالة ما به في حالة أخرى، فكأنك شبهت زيدًا وهو غير قائم به قائما، أو التقدير كأن هيئة قائم، ووافق الكوفيون على ذلك ابن الطراوة وابن السيد" (٢). وأرى أن هذا أرجح مما ذهب إليه الرضي لعدم التقدير والتغيير فعندما تقول: كأنك تمشي فأنت شبهت المخاطب في حالة غير المشي به في حالة المشي، أي شبهت زيدًا وهو في حالة به في حالة أخرى. وهي ليست في نحو ذلك للظن فهناك فرق بين الظن والتشبيه فإن الظان وقع في نفسه هذا الأمر وتصوره على ما ذكر والمشبه يعلم حقيقة الأمر، فعندما تقول (كأن زيدًا يمشى) أنت تعلم أنه لا يمشي وإنما هو مشبه لشخص يمشي، وأن حالته تشبه حالة شخص يمشي بخلاف قولك: (ظننت زيدًا يمشي) فإن المتكلم ظن ذلك واعتقده في قلبه وتصوره حقيقة وليس كذلك المشبه وإلا لم يقل: كأن. وقيل هي للتقريب في نحو قولك: كأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل وكأنك بالليل قد أقبل، وكأنك بالفرج آت (٣). وأبو علي الفارسي يرى في مثله أن الكاف حرف خطاب، والباء زائدة في اسم كأن فيكون المعنى، كأن الدنيا لم تكن فيبقي كأن للتشبيه، وقال ابن عمرون: " المتصل بكأن

стр. 312

اسمها والظرف خبرها والجملة بعده حال بدليل قولهم: كأنك بالشمس وقد طلعت" (١). قال الرضي: " والأولى أن تقول ببقاء كأن على معنى التشبيه وأن لا تحكم بزيادة شيء وتقول: التقدير كأنك تبصر بالدنيا أي تشاهدها من قوله تعالى: ﴿فبصرت به عن جنب﴾ [القصص: ١١]، والجملة بعد المجرور بالباء حال أي كأنك تبصر الدنيا وتشاهدها غير كائنة، ألا ترى إلى قولهم: كأني بالليل وقد أقبل وكأني بزيد وهو ملك. والباء لا تدخل الجمل إلا إذا كانت أخبارًا لهذه الحروف" (٢). ورأي الرضي فيما أرى أرجح مما ذهب إليه أبو علي لأنك تقول: (كأني بك تقول الشعر)، وليس ههنا حرف خطاب، ويضعفه زيادة الاسم، وأرجح مما ذهب إليه ابن عمرون فإن المعنى بعيد على تقديره. ولم أر رأيا مقبولا موافقا للمعنى في قولهم (كأنك بالشتاء مقبل) مما كان فيه الخبر اسما. والذي أراه في نحو ذلك أن الأصل " كأنك بالشتاء وهو مقبل " على تقدير: كأنك تبصر بالشتاء وهو مقبل، وجملة (هو مقبل) حالية فحذف منها المبتدأ وواو الحال، وبقي الخبر فصار على ما ذكر. وهو الموافق للمعنى. ونظير هذا الحذف وأن لم يكن من هذا الباب قيل في قولهم (أنت أعلم ومالك) فإن أولى ما قيل فيه أن الأصل: (أنت أعلم بمالك فأنت ومالك) فحذف ما حذف، حتى صار كما ترى. وقيل هي للتحقيق في نحو قوله: فأصبح بطن مكة مقشعرًا ... كأن الأرض ليس بها هشام أي أن الأرض ليس بها هشام لأنه قد مات ورثاه بذلك.

стр. 313

وخرجه ابن مالك على أن الكاف للتعليل كاللام أي لأن الأرض (١). وجاء في (التصريح) أنها تفيد التشبيه "فإن الأرض ليس بها هشام حقيقة بل هو فيها مدفون" (٢). وذكر السيوطي أن هذا من باب تجاهل العارف كقوله: أيا شجر الخابور مالك مورقًا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف (٣) وهو أرجح مما ذهبوا إليه وفيه أبقاء كأن على معناها. قيل: وقد تكون للجحد قال الكسائي: "قد تكون كأن بمعنى الجحد كقولك: (كأنك أميرنا فتأمرنا) معناه لست أميرنا، قال: وكأن أخرى بمعنى التمني كقولك (كأنك بي قد قلت الشعر فأجيده) معناه ليتني قد قلت الشعر فأجيده، ولذلك نصب فأجيده" (٤). والصواب أنها لا تكون للنفي بل هي على معناها فقوله: كأنك أميرنا فتأمرنا معناه أنت متشبه بالأمير فتفعل ذلك ومعنى النفي متأت من التشبيه، فأنت حين تشبه شيئًا بشيء تنفي أن يكون الأول الثاني والألم تشبهه به. فقولك: (كأنها بدر) معناه أنها ليست بدرًا وإنما هي شبيهة بالبدر. وكذلك هي لا تكون للتمني وما ذكره الكسائي في قوله (كأنك بي قد قلت الشعر فأجيده) هو من باب ما خرجه الرضي، أي كأنك تبصر بي قد قلت الشعر. وقيل تأتي بمعنى العلم نحو قولك (كأن الله يفعل ما يشاء) (٥).

стр. 314

والأولى أن تكون على بابها، وقائل هذا كأنه كان غافلا عن ذلك، ومنه على ما رأي قوله تعالى: ﴿ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر﴾ [القصص: ٨٢]، فقائل هذا كأنه كان غافلا عن هذه الحقيقة، جاهلا بها فقد كان يتمني أن يكون له مثل ما آوتي قارون، فلما خسف الله بقارون انتفضت هذه الحقيقة في ذهنه، وصحا من غفلته، فقال ذلك، فقد كان يجهل سر أفعال الخالق، فلما بدا له ما بدا، بدأ يفسر الأمر على ما ظهر له، ولم يقطع بذلك فكأنه قال: يخيل إلي ويبدو وتتشبه أفعال الخالق على هذه الشاكلة فكأنه قال: كأن ربنا يفعل على هذه الشاكلة والله أعلم. قيل: "وقد تدخل كأن في التنبيه والإنكار والتعجب تقول: فعلت كذا وكذا كأني لا أعلم، وفعلتم كذا كأن الله لا يعلم ما تفعلون (١) ". وهي في ذلك على بابها وقد خرجت إلى ما خرجت إليه فقولك: فعلت كذا وكذا، كأني لا أعلم معناه أنك فعلت ذلك وشبهتني بمن لا يعلم. لام الابتداء: قد تدخل على المبتدأ، والفعل المضارع، وبعض المواطن الأخرى، لام تسمى لام الابتداء نحو: (لمحمد قائم) وهي تفيد التوكيد قال تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾ [البقرة: ٢٢١]. وقال: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الأخرة خير، ولنعم دار المتقين﴾ [النحل: ٣٠].

стр. 315

وقال: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ [الأنعام: ٣٢]. فأكد كل ذلك باللام في حين قال: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ [الأعراف: ١٦٩]، فلم يؤكده باللام. وسر ذلك والله أعلم، أن السياق في آيات الأنعام والنحل هو عن الدار الآخرة، وليس كذلك السياق في آيات الأعراف. قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ولا نكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهي يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾. [الأنعام]. فأنت ترى أن الكلام على الدار الآخرة، وليس الأمر كذلك في آيات الأعراف، بل هو في العقوبات الدنيوية لبني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ [الأعراف: ١٦٤ - ١٦٩]، فلما كان الكلام في آيات الأنعام على الدار الآخرة

стр. 316

أكدها باللام، ولما كان الكلام في آيات الأعراف على عقوبات الدنيا، لم يؤكد الآخرة باللام بل أكد سرعة العقاب لأنه عاجلهم به في الدنيا فقال (إن ربك لسريع العقاب). وكذلك آية النحل، فالسياق فيها يتحدث عن الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركاءي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعلمون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين، وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٢٧ - ٣٢]. فأنت ترى أن الكلام على الدار الآخرة فأكدها باللام بخلاف آية الأعراف، والذي يدل على أنها للتوكيد، أنها يتلقى بها القسم مثل أن، قال تعالى ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: ١٠٧]. وقال: ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون﴾ [آل عمران: ١٥٧]. وقال: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦]. وقد أطبق النحاة على أنها للتوكيد قال ابن يعيش: "اعلم أن هذه اللام أكثر اللامات تصرفا ومعناها التوكيد، وهو تحقيق معنى الجملة وإزالة الشك" (١). وعند الكوفيين أن هذه اللام هي لام القسم، وليس عندهم لام ابتداء فقولك (لمحمد قائم) إنما هو جواب قسم مقدر كأنك قلت: والله لمحمد قائم.

стр. 317

جاء في (شرح الرضي على الكافية): "ومذهب الكوفيين أن اللام في مثل لزيد قائم، جواب القسم أيضا، والقسم قبله مقدر فعلى هذا ليس عندهم لام الابتداء" (١). وعلى كلا الرأيين هي للتوكيد. وهذه اللام لتوكيد الإثبات كما إن الباء في نحو قولك (ما محمد بحاضر) لتوكيد النفي فلا تقول: إن محمد لما حاضر، ولا لما أخوك قائم "وذلك لأن اللام للتقرير والإثبات وحرف النفي للدفع والإزالة فبينهما في ظاهر الأمر تناقض" (٢). قال الزمخشري في كشافه القديم: " الباء في خبر (ما) و (ليس) لتأكيد النفي كما أن اللام لتأكيد الإيجاب" (٣). " وقد ذهب معاذ الهراء وثعلب إلى أنها جيء بها إزاء الباء في خبر (ما) فقولك: (إن زيدًا منطلق) جواب (ما زيد منطلقا)، و (إن زيدًا لمنطلق) جواب: ما زيد بمنطلق" (٤). وقال أكثر النحاة إنها إذا دخلت على الفعل المضارع، خلصته للحال بعد أن كان يحتمل الحال والاستقبال، فإنك إذا قلت: (إن أخاك ليسعى في الخير) دل على أنه يفعل ذلك في الحال، " وذهب آخرون إلى أنها لا تقصره على أحد الزمانين، بل هو مبهم فيهما على ما كان واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ [النحل: ١٢٤]، فلو كانت اللام تقصره للحال كان محالا. وهو الاختيار عندنا فعلى هذا يجوز أن نقول: إن زيدًا لسوف يقوم الآن، لأن اللام تدل على الحال كما يدل عليه الآن" (٥).

стр. 318

قال ابن القيم: "ولقائل أن يقول: التخلص إنما يكون باللام المجردة، وإما إذا اقترن بالفعل قرينة تخلصه للاستقبال لم تكن للحال وهذا كسوف كما في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥]، فلولا هذه القرائن لتخلص للحال" (١). والذي يبدو لي أنها على الحال كثيرا، وقد تخرج إلى غيره بدلالة القرائن وذلك نحو قوله تعالى ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ [النحل: ١٢٤]، وفي غير المضارع قوله: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾ [الكهف: ٨]. وجاء في (الكتاب): " وقد يستقيم في الكلام (إن زيدا ليضرب وليذهب) ولم يقع ضرب والأكثر على ألسنتهم كما خبرتك في اليمين، فمن ثم ألزموا النون في اليمين لئلا يلتبس بما هو واقع قال الله إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة" (٢). إن واللام: وقد يقول قائل أن كلا من إن واللام يفيد التوكيد فهل ثمة فرق بينهما؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن النحاة اختلفوا في ذلك فقد ذهب بعض النحاة أنه لا فرق بينهما في المعنى، قال الرضي: " وكان حقها - أي اللام - أن تدخل في أول الكلام ولكن لما كان معناها هو معنى (إن) سواء، أعني التأكيد والتحقيق، وكلاهما حرف ابتداء كرهوا اجتماعهما فأخروا اللام وصدروا (إن) لكونها عاملة" (٣). وقال الكسائي: إنْ اللام لتوكيد الخبر، وإنّ لتوكيد الاسم (٤) والبصريون على إنها لتوكيد الجملة بأسرها (٥).

стр. 319

ولست أدري أيعني الكسائي أن هذا الفرق إنما يكون عند اجتماعهما، أو يكون ذلك مطلقا؟ كما لست أدري من أين له هذا الفرق واللام قد تدخل على المبتدأ نحو (لمحمد حاضر) وعلى اسم إن وخبرها نحو ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ [الأعراف: ١٦٧]، و ﴿إن لنا لأجرا﴾ [الأعراف: ١١٣]، فمن أين له أن اللام تؤكد الخبر بخلاف إن؟ وذهب بعض النحاة إلى أن التأكيد بـ (إن) أقوى من التأكيد باللام (١)، والظاهر أن بينهما خلافا في الاستعمال، ولا يصح أن نبدل أحداهما بالأخرى على وجه الدوام. ١ - فقد ذكرنا إنّ (إنّ) قد تأتي لربط الكلام بعضه ببعض، ولا يحسن الكلام بدونها وذلك كقوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله: ﴿فانتظروا إني معكم من المنتظرين﴾ [الأعراف: ٧١]، وقوله ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩]، فلا يحسن في مثل هذه المواطن حذف إن، كما لا يحسن إبدال اللام بها إذ لا يسد اللام مسد إن في مثل هذه المواطن. ٢ - وقد ذكرنا أيضا إن (إن) تفيد التعليل كما في قوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقوله: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]. ولا يحسن في مثل هذه المواطن إبدال اللام بها. ٣ - إن (إن) مختصة بتوكيد الجمل الإسمية، ولا تدخل على الأفعال بخلاف اللام فإنها تدخل على الجمل الإسمية، والفعلية، كقولك (ليقوم زيد) و ﴿ولنعم دار المتقين﴾ [النحل: ٣٠].

стр. 320

٤ - الذي يبدو لي أن الأصل في اللام، أن يؤتي بها في مواطن الرد والإنكار وفي مواطن الجواب، أو ما ينزل منزلة ذلك، كقوله تعالى على لسان أخوة يوسف ﴿ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين﴾ [يوسف: ٨]، منكرين على أبيهم هذا الأمر، بخلاف (إن) فإنها لعموم التوكيد. فإنك تأتي باللام إذا كنت رادا على المخاطب كلامه أو تصوره، أو منكرًا عليه وذلك كأن يقول قائل: (رأيت سعيدا أكرم الخلق) فيرد عليه آخر قائلا: (لمحمد أكرم منه). ويقول قائل: (إن خالدا سيهين إبراهيم) فتقول: (لإبراهيم أعز من ذلك) قال تعالى: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: ١٠٧]، فهذا رد شهادة الشاهدين الأولين. وقال: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فأنت ترى إنه علل ذلك بقوله (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) ثم رد على من يتصور أن هذا هو كل المقصود بقوله (ولذكر الله أكبر). ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإنه بعد أن نهى عن نكاح المشركات، قد يظن ظان أن جمال المرأة وما إلى ذلك مما يعجب الرجال سوى الإيمان، داع إلى تفضيلها فرد ذلك بقوله (ولأمة مؤمنة .. ) وكذلك بعد أن نهى عن أنكاح المشركين، قد يظن أن سمت الرجل ومكانته وغير ذلك مما هو مرغوب فيه سوى الإيمان، مما يدعو إلى تفضيله فرد هذا الظن بقوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾. والذي يدل على ذلك ويوضح الفرق بينهما أن كل ما ورد في القرآن الكريم من مبتدأ دخلت عليه لام الابتداء، أو القسم مما كان خبره مفردا، أعني ليس جملة، جيء بخبره اسم تفضيل ولم يرد غير ذلك وقد ورد ذلك في (٢٣)، ثلاثة وعشرين موطنا قال تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة: ٢٢١]. ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم. [البقرة: ٢٢١].
следующие страницы →