← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

أكدها باللام، ولما كان الكلام في آيات الأعراف على عقوبات الدنيا، لم يؤكد الآخرة باللام بل أكد سرعة العقاب لأنه عاجلهم به في الدنيا فقال (إن ربك لسريع العقاب). وكذلك آية النحل، فالسياق فيها يتحدث عن الدار الآخرة، قال تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركاءي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعلمون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين، وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٢٧ - ٣٢]. فأنت ترى أن الكلام على الدار الآخرة فأكدها باللام بخلاف آية الأعراف، والذي يدل على أنها للتوكيد، أنها يتلقى بها القسم مثل أن، قال تعالى ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: ١٠٧]. وقال: ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون﴾ [آل عمران: ١٥٧]. وقال: ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦]. وقد أطبق النحاة على أنها للتوكيد قال ابن يعيش: "اعلم أن هذه اللام أكثر اللامات تصرفا ومعناها التوكيد، وهو تحقيق معنى الجملة وإزالة الشك" (١). وعند الكوفيين أن هذه اللام هي لام القسم، وليس عندهم لام ابتداء فقولك (لمحمد قائم) إنما هو جواب قسم مقدر كأنك قلت: والله لمحمد قائم.

стр. 317

جاء في (شرح الرضي على الكافية): "ومذهب الكوفيين أن اللام في مثل لزيد قائم، جواب القسم أيضا، والقسم قبله مقدر فعلى هذا ليس عندهم لام الابتداء" (١). وعلى كلا الرأيين هي للتوكيد. وهذه اللام لتوكيد الإثبات كما إن الباء في نحو قولك (ما محمد بحاضر) لتوكيد النفي فلا تقول: إن محمد لما حاضر، ولا لما أخوك قائم "وذلك لأن اللام للتقرير والإثبات وحرف النفي للدفع والإزالة فبينهما في ظاهر الأمر تناقض" (٢). قال الزمخشري في كشافه القديم: " الباء في خبر (ما) و (ليس) لتأكيد النفي كما أن اللام لتأكيد الإيجاب" (٣). " وقد ذهب معاذ الهراء وثعلب إلى أنها جيء بها إزاء الباء في خبر (ما) فقولك: (إن زيدًا منطلق) جواب (ما زيد منطلقا)، و (إن زيدًا لمنطلق) جواب: ما زيد بمنطلق" (٤). وقال أكثر النحاة إنها إذا دخلت على الفعل المضارع، خلصته للحال بعد أن كان يحتمل الحال والاستقبال، فإنك إذا قلت: (إن أخاك ليسعى في الخير) دل على أنه يفعل ذلك في الحال، " وذهب آخرون إلى أنها لا تقصره على أحد الزمانين، بل هو مبهم فيهما على ما كان واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ [النحل: ١٢٤]، فلو كانت اللام تقصره للحال كان محالا. وهو الاختيار عندنا فعلى هذا يجوز أن نقول: إن زيدًا لسوف يقوم الآن، لأن اللام تدل على الحال كما يدل عليه الآن" (٥).

стр. 318

قال ابن القيم: "ولقائل أن يقول: التخلص إنما يكون باللام المجردة، وإما إذا اقترن بالفعل قرينة تخلصه للاستقبال لم تكن للحال وهذا كسوف كما في قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥]، فلولا هذه القرائن لتخلص للحال" (١). والذي يبدو لي أنها على الحال كثيرا، وقد تخرج إلى غيره بدلالة القرائن وذلك نحو قوله تعالى ﴿وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة﴾ [النحل: ١٢٤]، وفي غير المضارع قوله: ﴿وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾ [الكهف: ٨]. وجاء في (الكتاب): " وقد يستقيم في الكلام (إن زيدا ليضرب وليذهب) ولم يقع ضرب والأكثر على ألسنتهم كما خبرتك في اليمين، فمن ثم ألزموا النون في اليمين لئلا يلتبس بما هو واقع قال الله إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة" (٢). إن واللام: وقد يقول قائل أن كلا من إن واللام يفيد التوكيد فهل ثمة فرق بينهما؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقول: إن النحاة اختلفوا في ذلك فقد ذهب بعض النحاة أنه لا فرق بينهما في المعنى، قال الرضي: " وكان حقها - أي اللام - أن تدخل في أول الكلام ولكن لما كان معناها هو معنى (إن) سواء، أعني التأكيد والتحقيق، وكلاهما حرف ابتداء كرهوا اجتماعهما فأخروا اللام وصدروا (إن) لكونها عاملة" (٣). وقال الكسائي: إنْ اللام لتوكيد الخبر، وإنّ لتوكيد الاسم (٤) والبصريون على إنها لتوكيد الجملة بأسرها (٥).

стр. 319

ولست أدري أيعني الكسائي أن هذا الفرق إنما يكون عند اجتماعهما، أو يكون ذلك مطلقا؟ كما لست أدري من أين له هذا الفرق واللام قد تدخل على المبتدأ نحو (لمحمد حاضر) وعلى اسم إن وخبرها نحو ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ [الأعراف: ١٦٧]، و ﴿إن لنا لأجرا﴾ [الأعراف: ١١٣]، فمن أين له أن اللام تؤكد الخبر بخلاف إن؟ وذهب بعض النحاة إلى أن التأكيد بـ (إن) أقوى من التأكيد باللام (١)، والظاهر أن بينهما خلافا في الاستعمال، ولا يصح أن نبدل أحداهما بالأخرى على وجه الدوام. ١ - فقد ذكرنا إنّ (إنّ) قد تأتي لربط الكلام بعضه ببعض، ولا يحسن الكلام بدونها وذلك كقوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: ١٠٩]، وقوله: ﴿فانتظروا إني معكم من المنتظرين﴾ [الأعراف: ٧١]، وقوله ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها﴾ [الكهف: ٢٩]، فلا يحسن في مثل هذه المواطن حذف إن، كما لا يحسن إبدال اللام بها إذ لا يسد اللام مسد إن في مثل هذه المواطن. ٢ - وقد ذكرنا أيضا إن (إن) تفيد التعليل كما في قوله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة: ١٦٨]، وقوله: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]. ولا يحسن في مثل هذه المواطن إبدال اللام بها. ٣ - إن (إن) مختصة بتوكيد الجمل الإسمية، ولا تدخل على الأفعال بخلاف اللام فإنها تدخل على الجمل الإسمية، والفعلية، كقولك (ليقوم زيد) و ﴿ولنعم دار المتقين﴾ [النحل: ٣٠].

стр. 320

٤ - الذي يبدو لي أن الأصل في اللام، أن يؤتي بها في مواطن الرد والإنكار وفي مواطن الجواب، أو ما ينزل منزلة ذلك، كقوله تعالى على لسان أخوة يوسف ﴿ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين﴾ [يوسف: ٨]، منكرين على أبيهم هذا الأمر، بخلاف (إن) فإنها لعموم التوكيد. فإنك تأتي باللام إذا كنت رادا على المخاطب كلامه أو تصوره، أو منكرًا عليه وذلك كأن يقول قائل: (رأيت سعيدا أكرم الخلق) فيرد عليه آخر قائلا: (لمحمد أكرم منه). ويقول قائل: (إن خالدا سيهين إبراهيم) فتقول: (لإبراهيم أعز من ذلك) قال تعالى: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: ١٠٧]، فهذا رد شهادة الشاهدين الأولين. وقال: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فأنت ترى إنه علل ذلك بقوله (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) ثم رد على من يتصور أن هذا هو كل المقصود بقوله (ولذكر الله أكبر). ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة: ٢٢١]، فإنه بعد أن نهى عن نكاح المشركات، قد يظن ظان أن جمال المرأة وما إلى ذلك مما يعجب الرجال سوى الإيمان، داع إلى تفضيلها فرد ذلك بقوله (ولأمة مؤمنة .. ) وكذلك بعد أن نهى عن أنكاح المشركين، قد يظن أن سمت الرجل ومكانته وغير ذلك مما هو مرغوب فيه سوى الإيمان، مما يدعو إلى تفضيله فرد هذا الظن بقوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم﴾. والذي يدل على ذلك ويوضح الفرق بينهما أن كل ما ورد في القرآن الكريم من مبتدأ دخلت عليه لام الابتداء، أو القسم مما كان خبره مفردا، أعني ليس جملة، جيء بخبره اسم تفضيل ولم يرد غير ذلك وقد ورد ذلك في (٢٣)، ثلاثة وعشرين موطنا قال تعالى: ﴿ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ [البقرة: ٢٢١]. ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم. [البقرة: ٢٢١].

стр. 321

﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهاتهما﴾ [المائدة: ١٠٧]، ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون﴾ [آل عمران: ١٥٧]. ﴿وللدار الأخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون﴾ [الأنعام: ٣٢]. ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾ [التوبة: ١٠٨]. ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر: ٥٧]. ﴿لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله﴾ [الحشر: ١٣]. ﴿ولذكر الله أكبر﴾ [العنكبوت: ٤٥]، إلى غير ذلك من المواطن. ووجه الاستدلال في هذا أننا نرى فرقا بين قولنا (محمد كريم) و (محمد أكرم ممن ذكرت) فإن العبارة الثانية إنما هي رد للأولى، وجواب عليها بخلاف (إن) التي قد تخرج عن هذا الأصل ولذلك جاء خبرها في القرآن عامًا قال تعالى: ﴿إن الله واسع عليم﴾ [البقرة: ١١٥]، وقال: ﴿إنه لكم عدو مبين﴾ [البقرة: ١٦٨]. ولسنا نعني بقولنا هذا أن اللام لا تجاب، إلا باسم التفضيل كما لا نعنى أن (إن) لا تكون للجواب والرد ولكنا نقول: أن الأصل في اللام أن تكون للرد والإنكار وما ورد من الشواهد القرآنية الكثيرة يؤيد ذلك بخلاف (أن) فإنها قد تكون لمجرد التوكيد. جاء في (البرهان): "قال - يعني عبد القاهر الجرجاني -: " وأكثر مواقع (إن) بحكم الاستقراء هو الجواب، لكن بشرط أن يكون للسائل فيه ظن بخلاف ما أنت تجيبه به، فأما أن تجعل مرد الجواب أصلا فيها، فلا لأنه يؤدي إلى قولك: (صالح) في جواب: كيف زيد؟ حتى تقول: أنه صالح ولا قائل به". بخلاف اللام فإنه لا يلحظ فيها غير أصل الجواب" (١).

стр. 322

اجتماع إن واللام: ذكرنا فيما سبق أن كلا من (إن) واللام يفيد التوكيد، فاجتماعهما يؤدي ولا شك إلى الزيادة في التوكيد، وهو أقوى من التوكيد بإن وحدها، أو باللام وحدها، قال تعالى: ﴿واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون قالوا ربنا يعل إنا إليكم لمرسولن وما علينا إلا البلاغ المبين﴾ [يس: ١٣ - ١٧]. فانت ترى أنه في المرة الأولى قالوا (إنا إليكم مرسلون) بدون اللام، غير أنهم لما أوغلوا في تكذيبهم جاؤا باللام مع (إن) زيادة في التوكيد (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) فأكد بالقسم وإن واللام وإسمية الجملة لمبالغة المخاطبين في الإنكار حيث قالوا: (ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن انتم إلا تكذبون). وقد يؤكد بها والمخاطب به غير منكر جريه على مقتضى أقراره، فينزل منزلة المنكر وقد يترك التأكيد وهو معه منكر لأن معه إدلة ظاهرة لو تأملها لرجع عن إنكاره" (١). وقال تعالى: ﴿إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٦٥]. وقال: ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ [الأعراف: ١٦٧]، فجاء في الآية الأولى بإن دون اللام (سريع العقاب) وفي الثانية بأن واللام (لسريع العقاب): "والفرق بين هذه الآية وآية الأنعام، حيث أتى هنا باللام فقال (سريع العقاب) دون هناك، إن اللام تفيد التوكيد فأفادت هنا تأكيد سرعة العقاب، لأن العقاب المذكور هنا عقاب عاجل، وهو عقاب بني إسرائل بالذل والنقمة، وإداء الجزية بعد المسخ لأنه في سياق قوله: ﴿وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ فتأكيد السرعة أفاد بيان التعجيل، وهو مناسب بخلاف العقاب المذكور، في سورة الأنعام فإنه آجل بدليل قوله: ﴿ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ فاكتفى فيه بتأكيد (إن)

стр. 323

ولما اختصت آية الأعراف بزيادة العذاب عاجلا اختصت بزيادة التأكيد" (١). ومما يوضح أيضا قوله تعالى: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ [المائدة: ١٠٧]، وقوله: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم﴾ [المائدة: ٥٢]، فأنت ترى أن جواب القسم الأول تلقى باللام وحدها، والثاني تلقى بأن واللام، وذلك لاختلاف القسمين، فإن في الثانية مبالغة في القسم بخلاف الأولى، ويدلك على ذلك قوله تعالى (جهد إيمانهم) فلما بالغوا في القسم بالغوا في التوكيد بخلاف القسم الأول. يتضح من هذا أن التوكيد على درجات، ويؤتي به على قدر المقام فقد يكون المخاطب خالي الذهن، والكلام ليس فيه ما يدعو إلى الإنكار والتردد، فلا يؤكد الكلام عند هذا فإن مترددا أكد الكلام بحسب هذا التردد، جاء في (الإيضاح): "فإن كان المخاطب خالي الذهن من الحكم بأحد طرفي الخبر على الآخر والتردد فيه، استغني عن مؤكدات الحكم كقولك: جاء زيد وعمر وذاهب فيتمكن في ذهنه لمصادفته إياه خاليا. وإن كان مقصور الطرفين مترددا في إسناد أحدهما إلى الآخر، طالبًا له حسن تقويته بمؤكد كقولك: لزيد عارف أو إن زيدًا عارف. وإن كان حاكما بخلافه وجب توكيده بحسب الإنكار، فتقول (أني صادق) لمن ينكر صدقك ولا يبالغ في إنكاره، و (إني لصادق) لمن يبالغ في إنكاره" (٢). وجاء في (دلائل الإعجاز): " روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوا، فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم. ثم يقولون إن عبد الله قائم. ثم يقولون: إن عبد الله لقائم. فالألفاظ متكررة والمعنى واحد.

стр. 324

فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم، إخبار عن قيامه، وقولهم: إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل. وقولهم: إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال فما أحار المتفلسف جوابًا" (١). فإجتماع إن واللام يكون عند المبالغة في التوكيد، وذلك عندما يكون المخاطب منكرا أو منزلا هذه المنزلة. زيادة (ما) بعد الأحرف المشبهة بالفعل: تزاد (ما) بعد الأحرف المشبهة بالفعل، كما تزاد بعد طائفة غير قليلة من الكلم، فهي تزاد بعد طائفة من الحروف والأسماء والأفعال، وهي في كل ذلك إما أن تكون كافة عن العمل أو غير كافة، فمن مجيئها كافة قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]، و (صوا كما رأيتموني أصلي) ﴿وربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢]، و (قلما يسافر خالد). ومن مجيئها غير كافة قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ [آل عمران: ١٥٩]، و (ليتما زيدا قائم بالأمر) و (غضبت من غير ما جرم) و ﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]. وهناك فرق رئيس بين (ما) الكافة، و (ما) الزائدة غير الكافة أينما كانت، فإن (ما) الكافة مهيئة لإدخال الكلمة على ما لم تكن تدخل عليه. فالأحرف المشبهة بالفعل مثلا مختصة بالجمل الإسمية، فإن دخلت عليها (ما) هذه وسعت دائرة استعمالها فأدخلتها على الجمل الفعلية أيضا، تقول: (إن محمدا قائم) فإن دخلت (ما) عليها قلت: (إنما محمد قائم) و (إنما يقوم محمد) فهي توسع دائرة التوكيد والترجي والتشبيه، ونحو (لعلما يحضر زيد) و ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ [الأنفال: ٦]، وفي غير

стр. 325

الأحرف المشبهة بالفعل أيضا نحو ﴿ربما يود الذين كفروا﴾ [الحجر: ٢]، و (صلوا كما رأيتموني أصلي) فبعد أن كانت (رب) منحصرة في دائرة ضيقة من الاستعمال وهو الاسم النكرة نحو (رب ليل كأنه الصبح في الحسن) هيأتها (ما) الكافة للدخول على ما لم تكن تدخل عليه من اسم معرفة، أو جملة فعلية فتوسع معنى التقليل الذي كان منحصرًا في دائرة معينة، وكذلك التشبيه بالكاف، فبعد أن كان منحصرًا بالأسماء الظاهرة اتسع بدخول (ما) عليه، ونحو ذلك: (قل وطال وكثر) فتقول: قلما وطالما وكثرما. وأما غير الكافة فهي لا تغير الاستعمال، وإنما تبقيه على حاله وتؤكد المعنى نحو قوله تعالى ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾ [نوح: ٢٥]، و (ماوي يار بتما غارة) و (ليتما زيدا حاضرا). هذا هو الفارق الرئيس بين (ما) الكافة وغير الكافة، وقد ذكرت أمور أخرى نوردها في مواطنها. قال ابن يعيش: " قد زيدت (ما) في الكلام على ضربين: كافة وغير كافة إن تكف ما تدخل عليه عما كان يحدث فيه قبل دخولهما من العمل، وقد دخلت كافة على الكلم الثلاث: الحرف والاسم والفعل. أما دخولها على الحرف للكف، على ضربين: أحدهما أن تدخل عليه فتمنعه العمل الذي كان له قبل، وتدخل على ما كان دخل عليه قبل الكف غير عامل فيه، نحو قوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾ [النساء: ١٧١]. والآخر أن تدخل على الحرف وتكفه عن عمله وتهيئه للدخول على ما لم يكن عليه قبل الكف، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ [فاطر: ٢٨]. الثاني: استعمالها زائدة مؤكدة غير كافة، وذلك على ضربين: أحدهما أن تكون عوضًا من محذوف نحو (أما أنت ذا نفر). والآخر: أن تكون مؤكدة لا غير ..

стр. 326

والضرب الثاني وهو أن تزاد لمجرد التأكيد غير لازمة للكلمة فهو كثير في التنزيل والشعر، وسائر الكلام من ذلك قوله "غضبت من غير ما جرم" .. وقيل (إنما زيدا منطلق) فيجوز في (إنّ) الأعمال والإلغاء فمن ألغي ورفع وقال (إنما زيد منطلق) كانت (ما) كافة .. ومن أعملها وقال: (إنما زيدا منطلق) كانت ملغاة والمراد بها التأكيد" (١). أما بالنسبة لزيادة (ما) مع الأحرف المشبهة بالفعل، فهي تدخل عليها في الغالب كافة لها، ويذكر النحاة أنها تدخل عليها غير كافة أيضا (٢) فإن كانت كافة لها كانت مهيئة لدخولها على ما لم تكن تدخل عليه وإن كانت زائدة غير كافة كانت مؤكدة كما سبق أن ذكرنا. تقول: إنما محمدا قائم، ولعلما بكرا جالس، وليتما أخاك معنا، فإن (ما) ههنا لم تزل اختصاصها بالأسماء، وإنما هي مؤكدة وإليك تفصيل ذلك: إنما وأنما: تدخل (ما) على إن فتكفها عن العمل وتهيئها للدخول على ما لم تكن تدخل عليه من جمل فعلية، واختلف في (ما) الداخلة على الأحرف المشبهة بالفعل فزعم "ابن درستويه وبعض الكوفيين أن (ما) مع هذه الحروف اسم مبهم بمنزلة ضمير الشأن في التفخيم والإبهام، وفي أن الجملة بعده مفسرة له ومخبر بها عنه، ويرده أنها لا تصلح للابتداء بها ولا لدخول ناسخ غير إن وأخواتها" (٣). "وزعم جماعة من الأصوليين والبيانيين إن (ما) الكافة التي مع (إنّ) نافية وأن ذلك سبب إفادتها للحصر قالوا لأن (أن) للإثبات و (ما) للنفي، فلا يجوز أن يتوجها معًا إلى شيء واحد لأنه تناقض ..

стр. 327

وهذا البحث مبني على مقدمتين باطلتين بإجماع النحويين، إذ ليست (إن) للإثبات وإنما هي لتوكيد الكلام إثباتا كان مثل (إن زيدا قائم) أو نفيًا مثل (إن زيدًا ليس بقائم) ومنه: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ [يونس: ٤٤]. وليست (ما) للنفي بل هي بمنزلتها في أخواتها ليتما، ولعلما، ولكنما، وكأنما" (١). والجمهور على أنها زائدة كافة، مهيئة لدخول ما لم تكن تدخل عليه، وإن (إنما) تفيد الحصر وذكر أبو حيان وطائفة يسيرة أنها لا تفيد الحصر (٢). والصواب رأي الجمهور وأنها تفيد الحصر، قال تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]، أي لا يأمركم إلا بذاك ولا يأمر بالخير، وقال: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نار وسيصلون سعيرا﴾ [النساء: ١٠]، وقال: ﴿ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد﴾ [النساء: ١٧١]، أي ما هو إلا إله واحد، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾ [المائدة: ٧٣]، وقال: ﴿قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿إنما الغيب لله﴾ [يونس: ٢٠]، أي ما الغيب إلا الله، ويدل على قوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ [التوبة: ٦٠]، وهي حصر في هذه الأقسام لا تتعداهم. جاء في (لسان العرب): " ومعنى (إنما) إثبات لما يذكر بعدها، ونفي لما سواه كقوله (إنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي) المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو من هو مثلي ..

стр. 328

وإن زدت على (إن) (ما) صار للتعيين كقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ لأنه يوجب إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه" (١). واستدل أبو علي الفارسي على أنها للحصر بنحو قولهم: (إنما يفعل هذا أنا) ولو لم تكن للنفي والإثبات لم يصح هذا لأنك تقول (أفعل هذا) ولا تقول: (يفعل هذا انا) و (إنما) ههنا بمنزلة النفي وإلا فكأنك قلت: ما يفعل هذا إلا أنا. جاء في (دلائل الإعجاز): "قال الشيخ أبو علي في الشيرازيات: يقول ناس من النحويين في نحو قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ [الأعراف: ٣٣]، إن المعنى ما حرم ربي إلا الفواحش: قال واصبت ما يدل على صحة قولهم في هذا وهو قول الفرزدق: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبًا أو منفيا، فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم ألا ترى أنك لا تقول: يدافع أنا ولا يقاتل أنا وإنما تقول: أدافع وأقاتل إلا أن المعنى لما كان: ما يدافع إلا أنا فصلت الضمير كما تفصله مع النفي، إذا الحقت معه (إلا) حملا على المعنى" (٢). وجاء في (الإتقان): "الجمهور على أنها للحصر .. واستدل مثبتوه بأمور منها قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة﴾ [البقرة: ١٧٣]، بالنصب فإن معناه ما حرم عليكم إلا الميتة لأنه المطابق في المعنى لقراءة الرفع فإنها للقصير .. ومنها قوله تعالى: ﴿قال إنما العلم عند الله﴾ [الأحقاف: ٢٣]، ﴿قال إنما يأتيكم به الله﴾ [هود: ٣٣]، ﴿قل إنما علمها عند ربي﴾ [الأعراف: ١٨٧]، فإنه إنما تحصل مطابقة الجواب، إذا كانت (إنما) لحصر ليكون معناها لا آتيكم به إنما يأتي به الله، ولا أعلمها إنما يعلمها الله، وكذا قوله:

стр. 329

﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى: ٤١]، إلى قوله: ﴿إنما السبيل على الذين يستئذنوك وهم أغنياء﴾ [التوبة: ٩٣] (١). لا يستقيم المعنى في هذه الآيات ونحوها إلا بالحصر" (٢). و(إنما) مثلها في إفادة القصر، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿قل إنما يوحى إلي أنما إلاهكم إله واحد﴾ [الأنبياء: ١٠٨] (٣). وقال تعالى: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادك فتنة وأن الله عنده أجر عظيم﴾ [الأنفال: ٢٨]، فمرة قال (إنما) ومرة قال (أن) وسر ذلك أن (إنما) للحصر، أي ليست الأموال والأولاد إلا للفتنة، والاختبار لإظهار الصلحاء من غيرهم، ثم قال (وأن الله عنده أجر عظيم)، ولم يقل (إنما) لأنه لا موجب للحصر فإن الله عنده أجر عظيم، وعقاب أليم. وقال: ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو﴾ [هود: ١٤]، أي لم ينزل إلا بعلم الله. وقال: ﴿فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين﴾ [المائدة: ٩٢]، أي ليس عليه إلا البلاغ. قيل والفرق بين إنما والنفي والاستثناء في القصر، أن (إنما) تستعمل لما ينكر المخاطب ولا يدفع صحته. قال عبد القاهر: " اعلم أن موضوع (إنما) على أن تجيء خبرا لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته أو لما ينزل هذه المنزلة. تفسير ذلك أنك تقول للرجل: إنما هو أخوك، وإنما هو صاحبك القديم، لا تقوله لمن يجعل ذلك ويدفع صحته ولكن لمن يعلمه، ويقر به إلا أنك تريد أن تنبهه للذي عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب، ومثله قول الآخر:

стр. 330

إنما أنت والد والأب القا ... طع أحنى من واصل الأولاد وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة فكقوله: إنما مصعب شهاب من الله ... تجلب عن وجهه الظلماء ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة أنه أمر ظاهر معلوم للجميع .. أما الخبر بالنفي والإثبات نحو (ما هذا إلا كذا وأن هو إلا كذا) فيكون للأمر ينكره المخاطب ويشك فيه. فإذا قلت: ما هو إلا مصيب أو ما هو إلا مخطيء قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلته" (١). وجاء فيه: "ومن ذلك قوله تعالى حكاية عن اليهود ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [البقرة: ١١]، دخلت (إنما) لتدل على أنهم حين أدعوا لأنفسهم أنهم مصلحون، أظهروا أنهم يدعون في ذلك أمرًا ظاهرًا معلومًا. ولذلك أكد الأمر في تكذيبهم والرد عليهم، فجمع بين (إلا) الذي هو للتنبيه وبين (إن) الذي هو للتأكيد فقيل: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ [البقرة: ١٢] (٢)." وجاء في الكشاف في قوله تعالى (إنما نحن مصحلون): " وإنما لقصر الحكم على شيء كقولك (إنما ينطلق زيد) أو لقصر الشيء على حكم كقولك (إنما زيد كاتب) ومعنى (إنما نحن مصلحون) إن صفة المصلحين خلصت لهم، وتمحضت من غير شائبة قادح فيها من وجه من وجود الفساد". قالوا: وأحسن ما يستعمل (إنما) هو في مواقع التعريض نحو ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الرعد: ١٩] (٣)، معرضا بأهل الجهل، ونحو ذلك أن تكون في مقام الثناء على أحد بالفهم وبعد الإدراك والتعريض بآخر بأنه ليس عنده هذا الفهم والبعد في الإدراك فتقول: (إنما يعلم هذا اللبيب).

стр. 331

جاء في (دلائل الإعجاز): " ثم أعلم أنك إذا استقريت وجدتها أقوى ما تكون وأعلق ما ترى بالقلب إذا كان لا يراد بالكلام بعدها نفس معناه ولكن التعريض بأمر هو مقتضاه نحو أنا نعلم أن ليس الغرض من قوله تعالى: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ أن يعلم السامعون ظاهر معناه ولكن أن يذم الكفار وأن يقال: إنهم من فرط العناد، ومن غلبة الهوى عليهم في حكم من ليس بذي عقل .. ثم إن العجب في أن هذا التعريض الذي ذكرت لك لا يحصل من دون (إنما)، فلو قلت: يتذكر أولو الألباب لم يدل على ما دل عليه في الآية .. وإذا اسقطت من الكلام فقيل (يتذكر أولو الألباب) كان مجرد وصف لأولى الألباب، بأنهم يتذكرون ولم يكن فيه معنى نفي للتذكر ممن ليس منهم .. فالتعريض بمثل هذا أعني بأن يقول (يتذكر أولوا الألباب) بإسقاط (إنما) يقع إذن أن وقع بمدح إنسان بالتيقظ وبأنه فعل ما فعل، وتنبه لما تنبه لعقله ولحسن تمييزه، كما يقال: كذلك يفعل العاقل وهكذا يفعل الكريم" (١). قال ابن يعيش: " ومعناها التقليل فإذا قلت: إنما زيد بزاز، فأنت تقلل أمره وذلك أنك تسلبه ما يدعي عليه غير البز، ولذلك قال سيبويه في " إنما سرت حتى أدخلها" أنك تقلل" (٢). وجاء في (الأصول): "والفرق بين إن وإنما في المعنى أن (إنما) تجيء لتحقير الحبر قال سيبويه: تقول: إنما سرت حتى أدخلها إذا كنت محتقرًا لسيرك إلى الدخول" (٣).

стр. 332

والحقيقة أنها ليست للتقليل ولكن هذا من باب قصر الموصوف على صفة فداء معنى التقليل من هنا، وذلك كأن تقول (ما محمد إلا شاعر) فقد قصرت محمدًا على صفة واحدة هي الشعر، ونفيت عنه الصفات الأخرى كأن يكون كاتبًا أو فقهيًا بعكس ما لو قلت (ما شاعر إلا محمد) فإنك تكون قد قصرت الشعر على محمد، وكأن من عداه ليس بشاعر ولم تنف عنه الصفات الأخرى، وهو ثناء ومدح بعكس الأولى. فإن لم تكن (ما) كافة، فهي زائدة لغرض الزيادة في التوكيد، وليس فيها معنى الحصر نحو (إنما محمدًا حاضر). كأنما: تزاد (ما) الكافة بعد (كأن) فتكفها، وتهيئها للدخول على الجملة الفعلية، وتوسع دائرة التشبيه بها بعد أن كانت مقصورة على الجمل الإسمية، وذلك كقوله تعالى: ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾ [الأنفال: ٦]، وقوله: ﴿كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما﴾ [يونس: ٢٧]، وذلك يكون بحسب الغرض من التشبيه، إذ قد يكون الغرض الاهتمام بالمشبه، وقد يكون الغرض الاهتمام بذكر الحالة المشبه بها، دون الاهتمام بالمشبه لأنه لا يتعلق بذكره غرض، ومن ذلك على سبيل المثال أن تقول (كأن محمدًا شد في قرن) و (كأنما شد محمد في قرن) فأنت ترى أن ثمة فرقا بين التعبيرين، فقد قدم (محمد) على الفعل في الجملة الأولى للعناية والاهتمام به، بخلاف الثانية فإن الاهتمام إنما هو بالحالة الفعلية المشبه بها لا المشبه. قال تعالى: ﴿أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾ [المائدة: ٣٢]، ولم يقل (فكأنه قتل الناس) لأن الغرض إنما هو بيان شناعة الفعل، أيا كان الفاعل فجيء به على ما ترى. أما إذا وليتها جملة إسمية نحو قولك (كأنما خالد أسد) فالذي يظهر أن القصد منها إنما هو قصر المشبه به معين، وهو مقتضي قول النحاة وذلك إن النحاة يقولون إن أصل (كأن خالدا أسد) (أن خالدًا كأسد) فقدمت الكاف لقصد العناية بالتشبيه،

стр. 333

وعلى هذا نقول: أن أصل (كأنما خالد أسد) (إنما خالد كأسد) و (إنما) تفيد الحصر فقدمت الكاف لفرط العناية بالتشبيه فصارت (كأنما خالد أسد) وبقي معنى الحصر في الجملة أي اقتصر على شبهه بالأسد فهو رد على من يقول هو كالنمر مثلا أي هو كالأسد لا كالنمر. فإن لم تكن (ما) كافة كانت زائدة، لغرض القوة في التشبيه، وتأكيده وذلك نحو قولك (كأنك محمدًا أسد) كما مر في (إنما). ليتما: أكثر النحاة على أن (ما) لا تزيل اختصاص (ليت) من الجمل الإسمية، وأنه يجوز إعمال ليت مع (ما) وإهمالها تقول: ليتما محمدا حاضر وليتما محمدٌ حاضر (١). وذهب آخرون إلى أنها إذا كفت " قد تدخل على الجمل الفعلية " (٢). نحو: ليتما يحضر أخوك. والذي يبدو لي أن (ليت) كأخواتها إذا دخلت عليها (ما) الكافة استعملت لأحد غرضين: التهيئة للدخول على الجمل الفعلية قليلا، أو تكون لغرض قصر التمنى فأنت إذا قلت: (ليت الشباب يعود) تمنيت عود الشباب، فإن قلت: (ليتما الشباب يعود) قصرت تمنيك على هذا الأمر. فإن لم تكن (ما) كافة كانت زائدة لغرض توكيد التمني وتقويته، بدون قصر، وذلك نحو قولك (ليتما الشباب يعود).

стр. 334

لعلما ولكنما: وحكم لعل ولكن لا يختلف عن حكم أخواتهما السابقات، فإن كففتهما بـ (ما) استعملتا لأحد غرضين: التهيئة للدخول على الجمل الفعلية وتوسيع دائرة الترجي والاستدراك نحو قولك (لعلما يحضر أخوك) وقولك (أنا لا أسعى إلى هذا ولكنما أسعى إلى المجد)، فالعناية منصبة ههنا على ترجي الفعل واستدركه لا على الشخص المترجى أو المستدرك، بخلاف ما لو قلت مثلا (ولكني أسعى) فإن العناية ستكون منصبة على المتكلم، لا على الأمر المستدرك. والغرض الآخر هو الدلالة على حصر الترجي والاستدراك، تقول: (لعلما سعيد فائز) فأنت ههنا تقصر ترجيك على هذا بخلاف ما لو قلت: لعل سعيدا فائز، إذ ليس ههنا حصر للترجي، وكذلك بالنسبة للاستدراك. فإن لم تكن (ما) كافة كانت مؤكدة للترجي والاستدراك. والخلاصة مما مر: إن (ما) تدخل على الأحرف المشبهة بالفعل، ولها حالتان: ١ - الكف عن العمل ولها غرضان: الأول: التهيئة وتوسيع دائرة الاستعمال بعد أن كان استعمالها مقيدًا بنوع من الجمل فيطلق الترجي والتمني، والتشبيه، والاستدراك، بعد أن كان مقيدًا وذلك بدخولها على الجمل الفعلية. والغرض الثاني أنها تفيد الحصر، ولا يقتصر الحصر على (إنما وأنما) بل قد يكون أيضا في التمني والترجي والتشبيه والاستدراك كما مر. ٢ - عدم الكف: وعند ذلك يبقى كل حرف على معناه واستعماله ويكون الغرض توكيد معنى ذلك الحرف وتقويته. وبقاء الجملة على ما هو عليه من دون تغيير يدل على أن المعنى لم يتغير وإنما أريد تقوية هذا المعنى وتوكيده.

стр. 335

العطف على اسم أن بالرفع: ورد في اللغة رفع المعطوف على اسم أن وقد جاء ذلك في القرآن الكريم وغيره قال تعالى: ﴿إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [المائدة: ٦٩]، وقال: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣]، برفع كلمة (رسول)، وقال جرير: إن الخلافة والنبوة فيهم ... والمكرمات وسادة أطهار برفع المكرمات وسادة. وقال بشر بن أبي حازم: وإلا فاعلموا أنا وأنتم ... بغاة ما بقينا في شقاق وقال الآخر: فمن يك أمس بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب إلى غير ذلك من النصوص. وألحقت بأن أن ولكن فيما تقدم من جواز العطف بالرفع، من دون ليت ولعل وكأن وذلك كقول الشاعر: وما قصرت بي في التسامي خؤولة ... ولكن عمي الطيب الأصل والخال (١) واختلف النحاة في تخريج ذلك فذهب بعضهم إلى أنه معطوف على اسم أن باعتبار محله قبل دخول أن (٢).

стр. 336

قال ابن يعيش: "ويجوز الرفع بالعطف على موضع أن لأنها في موضع ابتداء وتحقيق وذلك أنها لما دخلت على المبتدأ والخبر لتحقيق مؤداه وتأكيده من غير أن تغير معنى الابتداء صار المبتدأ كالملفوظ به وصار (إن زيدًا قائم) و (زيد قائم) في المعنى واحدًا فجاز لذلك الأمران: النصب والرفع. فالنصب على اللفظ والرفع على المعنى" (١). وذهب بعضهم إلى أنه مرفوع على الابتداء وخبره محذوف والجملة ابتدائية عطفت على محل ما قبلها من الابتداء أو هو معطوف على الضمير في الخبر (٢). وقيل: الواو اعتراضية - جاء في (شرح الرضي على الكافية) في قوله تعالى (أن الله برئ من المشركين ورسوله): "فتقول أن قوله تعالى (ورسوله) عطف على الضمير في (بريء) .. أو نقول: رسوله مبتدأ خبره محذوف، أي ورسوله كذلك والواو اعتراضية لا عاطفة. ونقول في قوله: وإلا فاعلموا إنا وأنتم ... وبغاة ما بقينا في شقاق إن (ما بقينا في شقاق) خبر (إنا) وقوله (وأنتم بغاة) جملة إعتراضية لكن لا يتم لنا مثل هذا في قوله: ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم ... ولا أنني بالمشي في القيد أخرق. بعد قوله: فلا تحسبن أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق لأن قوله (ولا إنني بالمشي في القيد أخرق) عطف على (أني تخشعت) فلو جعلنا قوله (ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم) جملة اعتراضية لكان (لا) داخلة على معرفة بلا تكرير ولا يجوز ذلك إلا عند المبرد ولو روى (ولا أنني بالمشي في القيد) بالكسرة لارتفع

стр. 337

الإشكال وكان قوله (ولا أنا ممن يزدهيه) مستأنفا و (لا) مكررة" (١). وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله﴾: "والصابئون: رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن من اسمها وخبرها، كأنه قيل: أن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك .. فإن قلت: فقوله (والصابئون) معطوف لابد له من معطوف عليه، فما هو؟ قلت: هو مع خبره المحذوف جملة معطوفة على جملة قوله (إن الذين آمنوا إلخ) ولا محل لها كما لا محل للتي عطفت عليها. فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة فما فائدة هذا التقديم؟ قلت: فائدته التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فما الظن بغيرهم؟ وذلك إن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي خرجوا .. ومجرى هذه الجملة مجرى الأعتراض في الكلام" (٢). وجاء في (التفسير الكبير) في هذه الاية: " والصابئون كذلك فحذف خبره والفائدة في عدم عطفهم على من قبلهم هو ان الصابئين أشد الفرق المذكورين في هذه الآية ضلالا فكأنه قيل: كل هؤلاء الفرق أن آمنوا بالعمل الصالح قبل الله توبتهم وأزل ذنبهم حتى الصابئون فإنهم إن آمنوا كانوا أيضا كذلك" (٣). وجاء في (الانتصاف من الكشاف): " ولكن ثم سؤال متوجه وهو أن يقال: لو عطف الصابئين ونصبه، كما قرأ ابن كثير لأفاد ايضا دخولهم في جملة المتوب عليهم ولفهم من تقديم ذكرهم على النصارى ما يفهم من الرفع من أن هؤلاء الصابئين، وهم أوغل الناس في الكفر يتاب عليهم، فما الظن بالنصارى ولكان الكلام جملة واحدة بليغًا

стр. 338

مختصرًا والعطف أفرادي، فلم عدل إلى الرفع وجعل الكلام جملتين؟ وهل يمتاز بفائدة على النصب والعطف الإفرادي.؟ ويجاب عن هذا السؤال بأنه لو نصبه وعطفه لم يكن فيه إفهام خصوصية لهذا الصنف لأن الأصناف كلها معطوف بعضها على بعض، عطف المفردات وهذا الصنف من جملتها والخبر عنها واحدًا، وأما الرفع فينقطع عن العطف الإفرادي وتبقى بقية الأصناف مخصصة بالخبر المعطوف به، ويكون خبر هذا الصنف المنفرد بمعزل تقديره مثلا (والصابئون كذلك) فيجيء كأنه مقيس على بقية الأصناف، وملحق بها وهو بهذه المثابة لأنه لما استقر بعد الأصناف من قبول التوبة فكانوا أحقاء بجعلهم تبعا وفرعا مشبهين بمن هم أقعد منهم بهذا الخبر" (١). والذي يبدو لي في هذا الأمر أن ثمة فرقًا في المعنى بين الرفع والنصب، فإن العطف بالنصب على تقدير إرادة (إن) والعطف بالرفع يكون على غير إرادة (أن)، ومعنى هذا أن العطف بالرفع غير مؤكد، فعلى هذا يكون المعطوف في قولك (إن محمدا مسافر وخالدا) مؤكدا، بخلاف ما لو قلت (إن محمدا مسافر وخالد) فإن المعطوف غير مؤكد. وهذا شبيه بما مر في قولنا (ليس محمد بجبان ولا بخيل، ولا بخيلا) في بحث (ليس والمشبهات بها). وهذا المعنى حام حوله النحاة ولم يذكروه صراحة فهم حين يقولون أنه معطوف على اسم (إن) قبل دخولها، يعنون إنه معطوف على غير إرادة التوكيد، أي أن المعطوف عليه مؤكد بخلاف المعطوف، وقد رأيت قبل قليل في كلام المفسرين في قوله تعالى: ﴿إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين﴾ ما يشير إلى أن كلمة (الصابئون) خولف حكمها عن أخواتها، لأن هذه الفرقة أبعد ضلالا من الآخرين، فجاءت أقل توكيدا من أخواتها.

стр. 339

وما ذكره الرضي من كونها اعتراضية، يشير إلى ذلك أيضا، فإن الجملة الإعتراضية ليست من صميم الجملة المعقود بها الكلام، وإنما هي تبع .. فالنحاة يدركون أن هذا المعطوف يختلف عن العطوف عليه في الحكم. والذي يدل على ذلك اشراكهم (لكن) مع (إن) في هذا الحكم دون سائر أخواتها لأن (لكن) لا تغير معنى الابتداء بخلاف (ليت ولعل وكأن) حيث لا يجوز مع هذه الثلاث إلا النصب لزوال معنى الابتداء بها (١). وإيضاح ذلك أن معنى قولك (محمد مسافر) و (أن محمدًا مسافر) واحد غير أن في الجملة الثانية توكيدًا فإن (إن) لا تغير معنى الجملة بخلاف ليت ولعل، وكأن. فهناك فرق بين قولنا (ليت محمدًا معنا وخالد) بالرفع لأن الكلام مقصود به التمنى، ورفع المعطوف يدل أنه على غير نية (ليت) أي ليس داخلا في التمني فلا يكون لذكره معنى ويكون ضربًا من العبث، وكذلك لو قلت (لعل أخاك معنا وخالد) إذ معنى ذلك أن خالدا غير داخل في الترجي، لأنه ليس على تقدير (لعل) فلا يكون لذكره معنى وكذلك بالنسبة لكأن، بخلاف (أن) فإنها تؤكد معنى الابتداء، وزوالها لا يزيل معنى الابتداء وهذا ظاهر. جاء في (المغني): " ومن ثم أجمعوا على جواز (زيد قائم وعمرو وإن زيدًا قائم وعمرو) وعلى منع (ليت زيدا قائم وعمرو) وكذا في لعل وكأن لأن الخبر المذكور متمني أو مترجي أو مشبه به والخبر المحذوف ليس كذلك، لأنه خبر المبتدأ" (٢). وجاء في (التصريح): " ويعطف بالرفع على محل أسماء هذه الأحرف بشرطين: استكمال الخبر، وكون العامل أن أو إن أو لكن مما لا يغير معنى الجملة" (٣).

стр. 340

وجاء في (كتاب سيبويه): واعلم أن لعل وكأن وليت ثلاثتهن يجوز فيهن جميع ما جاز في أن إلا إنه لا يرفع بعدهن شيء على الابتداء، ومن ثم اختار الناس (ليت زيدًا منطلق وعمرا) وقبح عندهم أن يحملوا (عمرا) على المضمر، حتى يقولوا (هم) ولم تكن ليت واجبة ولا لعل ولا كأن فقبح عندهم أن يدخلوا الواجب في موضع التمني، فيصيروا قد ضموا إلى الأول ما ليس على معناه بمنزلة (أن) و (لكن) بمنزلة إن " (١). وأنت لو استقريت ما ورد في القرآن الكريم لوجدت المعنى على ما ذكرت قال تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ [التوبة: ٣]، برفع (رسوله) معطوفة على لفظ الجلالة المنصوب، وسر ذلك أن براءة الرسول تابعة لبراءة الرب سبحانه فهي أقل توكيدًا منها وليستا بمنزلة واحدة، لأن الأصل براءة الله سبحانه، أما براءة الرسول فهي براءة تبعية ولذلك وردت كذلك، والله أعلم. ونحوه ما جاء في قوله تعالى: ﴿إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين﴾ ذلك أن الصابئين لما كانوا أبعد المذكورين ضلالا كما ذكر المفسرون خولف في توكيدهم فكانوا اقل توكيدًا. وقد تقول: لقد ورد مثل هذا التعبير في سورة البقرة فلم يجيء بالرفع فما الفرق؟ وها أنا أذكر ذلك موضحا الفرق: ١ - جاء في سورة المائدة ٦٩: ﴿إن الذين أمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾. ٢ - وجاء في سورة البقرة ٢٦٢: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.

стр. 341

فأنت ترى إنه في آية المائدة رفع الصابئين وقدمهم على النصارى، وفي آية البقرة نصبهم وأخرهم عن الملل الأخرى. وسر ذلك أنه في آية المائدة رفعهم لأنهم أبعد المذكورين ضلالا، فكان توكيدهم أقل من غيرهم، وأما تقديمهم على النصاري فلأن الكلام فيما بعد هذه الآية على ذم عقيدة النصارى وتسفيه عقيدة التثليث، فكأن النصارى لم يؤمنوا بالله حقا وإنما هم من صنف المشركين ويبدأ الكلام عليهم بقوله تعالى (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم. ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أني يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق، ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) [المائدة: ٧٢ - ٧٧]. فقدم الصابئين عليهم وهو المناسب للمقام، وليس نحو هذا الأمر موجودا في آية البقرة فجرت الآية على نسق واحد، فأخر الصابئين وجعلهم في مكانهم بعد الملل. وقد جرير: إن الخلافة والنبوة فيهم ... والمكرمات وسادة أطهار ففصل بين الخلافة والنبوة من جهة، والمكرمات والسادة الأطهار من جهة أخرى. فجعل الفريق الثاني أقل رتبة من النبوة والخلافة، بحذف توكيده ولم يجعل الكلام بمنزلة واحدة، واحسب أن جريرا وفق في هذا، مختارا كان أو مضطرا. وهذا الذي ذكرناه هو ما يقتضيه القياس ويؤيده الاستعمال والله أعلم

стр. 342

تخفيفها: تخفف إن وان ولكن وكأن فتكون لها أحكام خاصة بها وإليك تفصيل ذلك: إنّ: إذا خففت إن المكسورة الهمزة بطل اختصاصها بالأسماء، وجاز فيها إذا دخلت على الجملة الأسمية وجهان: الأهمال، والأعمال، تقول (إن محمدا منطلق) و (إن محمد لمنطلق) قال تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ [طه: ٦٣]، فإن دخلت على الجمل الفعلية أهملت وجوبا، وتلزمها اللام عند الإهمال فرقا بينها وبين إن النافية قال تعالى: ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقون﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقال: ﴿وإن كنت من قبله لمن الغافلين﴾ [يوسف: ٣]، إلا إذا كان الخبر منفيا فيجيب حينذاك ترك اللام نحو قولك (إن خالد لن ينام) ومنه قوله: إن الحق لا يخفى على ذي بصيرة وقد يستغنى عنها إذا كانت هناك قرينة معنوية تشير إلى معناها كقول الطرماح: أنا ابن أباة الضيم من آل مالك ... وإن مالك كانت كرام المعادن فإن معنى البيت واضح في مدح (مالك) و (إن) هنا بمعنى إن وليست نافية (١). والكثير في (إن) المخففة إذا دخلت على جملة فعلية أن يكون فعلها من الأفعال الناسخة كقوله تعالى ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم﴾ [القلم: ٥١]، وقوله: ﴿وإن نظنك لمن الكاذبين﴾ [الشعراء: ١٨٦]، وربما دخلت على غيره كقوله: شلت يمينك أن قتلت لمسلما

стр. 343

وأجاز الكوفيون والأخفش وقوع أي فعل بعدها، قال ابن مالك: "ويقاس على نحو (إن قتلت لمسلما) وفاقا للكوفيين والأخفش" (١). ومذهب الكوفيين أن (إن) لا تخفف وإن الخفيفة هذه " إنما هي حرف ثاني الوضع وهي النافية فلا عمل لها البتة، ولا توكيد فيها واللام بعدها للإيجاب بمعنى إلا " (٢). فقولك (إن محمد قائم) معناه: ما محمد إلا قائم. ويردهم أنها أعملت مع التخفيف قال سيبويه: " وحدثنا من نثق به انه سمع من العرب من يقول إن عمرا لمنطلق، وأهل المدينة يقرؤون ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾ [هود: ١١١]، يخففون وينصبون كما كما قالوا: كأن ثدييه حقان" (٣). وذهب الفراء إلى أن (إن) المخففة بمنلزة (قد) إلا أن (قد) تختص بالأفعال و (إن) تدخل عليها وعلى الأسماء (٤). وجاء في (فقه اللغة) للثعالبي أن (إن الخفيفة بمعنى (لقد) كما قال جل ذكره ﴿إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾ [يونس: ٢٩]، أي ولقد كنا". (٥) وجاء في (لسان العرب) عن أبي زيد: "قال: وتجيء (إن) في موضع (لقد) ضرب قوله تعالى: ﴿إن كان وعد ربنا لمفعولا﴾ [الإسراء: ١٠٨]، المعنى: لقد كان من غير شك من القوم ومثله ﴿وإن كادوا ليفتنوك﴾ [الإسراء: ٧٣]، و ﴿وإن كادوا ليستفزونك﴾ [الإسراء: ٧٦] " (٦).

стр. 344

وأظن أن المقصود بقولهم أنها بمعنى (قد) أنها تفيد توكيد الجمل الفعلية إذا دخلت عليها لا أنها بمعنى (قد) تماما وذلك لأنها تختلف عنها. فإن (قد) فيها معنى تقريب الفعل والتوقع، وإما أن هذه فلمخص التوكيد ليس فيها توقع أو تقريب. ثم إن الأكثر في (قد) إذا دخلت على المضارع أن تفيد التقليل بخلاف هذه التي لاتفيد غير التوكيد وذلك كقوله تعالى: ﴿وإن يكاد الذي كفروا ليزلقونك بأبصارهم﴾ [القلم: ٥١]. قال الليث: " إذا وقعت إن على الأسماء والصفات (١) فهي مشدودة، وإذا وقعت على فعل أو حرف لا يتمكن في صفة أو تصريف فخففها، تقول: بلغني أن قد كان كذا، وكذا وتخفف من أجل (كان) لأنها فعل .. وهي مع الصفات مشددة إن لك وأن فيها وأن بك وأشباهها" (٢). وجاء في (التفسير الكبير) في (إن) هذه أنها " تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة (إن) المشددة كقولك: إن زيدًا لقائم، قال الله تعالى: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ [الطارق: ٤]، وقال: ﴿إن كان وعد ربك لمفعولا﴾ ومثله في القرآن كثير. والغرض في تخفيفها إيلاؤها ما لم يجز أن يليها من الفعل، وإنما لزمت اللام هذه المخففة للعوض عما حذف منها والفرق بينها وبين التي للجحد" (٣). والذي يبدو لي أن (إنْ) المخففة هذه تختلف عن الثقيلة في توكيدها واستعمالها. أما من حيث الاستعمال فهي تدخل على الجمل الفعلية والإسمية وذلك أنه قد يراد توكيد الحدث الفعلي فيؤتي بأن المخففة بخلاف (إنّ) التي لا تؤكد إلا الجمل الإسمية وذلك كقولك (أن كنا لفاعلين) و (أنا كنا فاعلين) فأنت تلحظ أن الأولى أكدت الحدث

стр. 345

الفعلي بخلاف الثانية فإن الاهتمام منصب على فاعل الحدث، وصاحبه لأعلى الحدث الفعلي. إن (إنْ) المخففة تمكننا من إيقاع الجملة الفعلية في حيز التوكيد، كما تفعل (إنّ) مع الجمل الإسمية ولذلك هي تختلف عنها في استعمالها، وذلك بحسب الحاجة والقصد، فإن كنت ترمي إلى توكيد الحدث الفعلي، جئت بإن، وإن أردت توكيد الجملة الإسمية جئت بإن. أما من حيث التوكيد فالذي يبدو لي أنها أقل توكيدًا من الثقيلة، والذي يدل على ذلك أمور منها: ١ - أن تخفيف نونها يشير إلى تخفيف توكيدها مشبهة في ذلك نون التوكيد الخفيفة. وقد ذكر النحاة أن نون التوكيد الثقيلة آكد من الخفيفة، وهذه نظيرة تلك. ٢ - أنك لو لاحظت - مثلا - التعبيرين، أن كنت لفاعلا وإني كنت فاعلا، و (أن كنتم لمسرفون) و (أنكم كنتم مسرفين) لوجدت الفرق واضحا بينهما من حيث التوكيد فأنت تجد ضميرا واحدا مع الخفيفة هو (التاء) في الجملة الأولى (وتم) في الجملة الثانية في حين أنك تجد مع الثقيلة ضميرين هما: الياء والتاء في الجملة الأولى (كم) و (تم) في الجملة الثانية فالإسناد حصل مرتين مع الثقيلة بخلاف الخفيفة وذلك يشير إلى قوة التوكيد في الثقيلة كما هو واضح. ٣ - والذي يدل على أن الثقيلة آكد من الخفيفة استعمالها القرآني. قال تعالى في سورة يوسف ﴿قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾ [يوسف: ٩١ - ٩٢]، وقال: ﴿قالوا يا آبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ [يوسف: ٩٧ - ٩٨].

стр. 346

فأنت ترى إن أخوة يوسف قالوا لأخيهم (وإن كنا لخاطئين) بإن المخففة، وقالوا لأبيهم (إنا كنا خاطئين) بالثقيلة. وقد يتبادر إلى الذهن، إن هذا يدل على عكس ما ذهبنا إليه فإنهم مع من أساؤا إليه إساءة مباشرة جاؤا بالمخففة، ومع أبيهم جاؤا بالثقيلة، فكيف يدل هذا على صحة ما ذهبنا إليه؟ وللجواب عن ذلك نقول: إن أخوة يوسف لما رأوا أباهم، وما حل به من جراء فعلتهم من الوهن واللوعة وحرقة الفؤاد وذهاب عينيه من الحزن، دعاهم ذلك إلى توكيد الاعتذار والاعتراف بالخطيئة بخلاف حالة أخيهم، فإن الله أكرمه بعدهم وبوأه مكانة عالية ومكن له في الأرض، وكأن فعلتهم تلك عادة عليه بالخير والرفعة بعكس ما جرت على أبيهم فهناك فرق بين الحالتين فكان الشعور بالخطيئة مع والدهم أكبر وأعظم فقالوا ما قالوا. والذي يدل على ذلك السياق القرآني فإن يوسف دعا لهم بالمغفرة، من دون أن يسألوها منه قال ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾. وأما أبوهم فلم يستغفر لهم من طلبهم الاستغفار منه، وإنما وعدهم بالاستغفار: ﴿قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم﴾ فوعدهم بالاستغفار في المستقبل ثم انظر كيف جاء بـ (سوف) لا بالسين، و (سوف) أبعد في الاستقبال من السين مما يدل على عمق الأثر في نفسه. ومما يدل على ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون﴾ [٦٥ - ٦٩].

стр. 347

وقوله في سورة الشعراء: ﴿قالوا إنما أنت من المسخرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما تعملون، فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذا يوم عظيم﴾ [١٨٥ - ١٨٩]. فأنت ترى أنه قال في سياق آيات الأعراف: ﴿وإنا لنظنك من الكاذبين﴾. وفي سياق آيات الشعراء: ﴿وإن نظنك لمن الكاذبين﴾. ويظهر سياق الآيات أن التكذيب في آيات الأعراف أشد منه في آيات الشعراء، والذي يوضح ذلك أه في آيات الأعراف قال: ﴿قال الملأ الذين كفروا من قومه﴾ بخلاف آيات الشعراء فإنه قال: ﴿قالوا إنما أنت من المسحرين﴾. وأنت ترى الفرق بين القائلين، ففي الآيات الأولى قول الملأ الذين كفروا، والقائلون في الآيات الثانية مختلطون فإن فيهم الشديد التكذيب والقليل والأمعة والخائف فهو تكذيب مختلط لا يصل إلى تكذيب الذي كفروا خصوصا. والذي يدل على ذلك قوله تعالى بعد آيات الشعراء: ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ أي أن فيهم قلة مؤمنة فهو نسب الكلام في آيات الشعراء إلى أصحاب الأيكة عموما بخلاف آيات الأعراف فإنه نسب الكلام إلى الذين كفروا خاصة. ثم انظر إلى السياق مرة أخرى وكيف تعقب الرسول كلام قومه بعد كل من الآيتين يتبين لك ما ذكرته واضحًا، فإن هودا ﵇ رد على قومه بآيات عدة (قال يا قوم ليس بي سفاهة .. إلخ) بخلاف آية الشعراء فإنه لم يزد على قوله (قال ربي أعلم بما تعملون). ومن هنا يتبين الفرق واضحًا بين التعبيرين، فدل ذلك على أن (إنّ) الثقيلة آكد من الخفيفة.

стр. 348

أن: تخفف (أنّ) كما تخفف (إنّ)، وعند الجمهور أنها إذا خففت لا تلغى، ولا يظهر اسمها إلا للضرورة كقول الشاعر: فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... فراقك لم أبخل وأنت صديق ولا يجيء خبرها إلا جملة واسمها ضمير الشأن محذوف، وذلك نحو قولك: علمت أن سوف يحضر سعيد والتقدير (أنه). (١) جاء في (الكتاب): " ومن ذلك والخامسة أن غضبُ الله عليها فكأنه قال: أنه غضبُ الله عليها لا تخففها في الكلام أبدًا وبعدها الأسماء، إلا وأنت تريد الثقيلة مضمرًا فيها الاسم .. والدليل على أنهم إنما يخففون على إضمار الهاء، أنك تستقبح قد عرفت أن يقول ذاك حتى تقول (أن لا) أو تدخل سوف أو السين أو قد، ولو كانت بمنزلة حروف الابتداء لذكرت الفعل مرفوعا بعدها، كما تذكره بعد هذه الحروف كما تقول: إنما تقول ولكن تقول" (٢). ومذهب الكوفين أنها لا تعمل شيئا. (٣) والصواب أنها قد تعمل وقد ورد شيء من ذلك كما ذكرنا في قوله (فلو أنك). ويذكر النحاة وجه الاختلاف بينها وبين أن الخفيفة الناصبة للأفعال بأن (أنْ) المخففة من الثقيلة تفيد التحقيق، واليقين، بخلاف الناصبة فإنها لا تدل على اليقين.

стр. 349

جاء في (الكتاب): " وذلك قولك: قد علمت أن لا يقولُ ذاك وقد تيقنت أن لا تفعلُ ذاك كأنه قال: أنه لا يقول وأنك لا تفعل .. وليست (أنْ) التي تنصب الأفعال تقع في هذا الموضع لأن ذا موضع يقين وإيجاب. فأما ظننت، وحسبت، وخلت، ورأيت فإنّ (أنْ) تكون فيها على وجهين: على أنها تكون (أنْ) التي تنصب الفعل، وتكون الثقيلة فإذا رفعت قلت: قد حسبت أن لا يقولُ ذاك ورأي أن سيفعل ذاك ولا تدخل هذه السين في الفعل ههنا حتى تكون أنه .. وإنما حسنت (أنه) ههنا لأنه قد أثبت هذا في ظنك كما أثبته في علمك وأنك أدخلته في ظنك على أنه ثابت الآن كما كان في العلم ولولا ذلك لم يحس (أنك) ههنا ولا (أنه) فجرى الظن مجرى اليقين لأنه نفيه. وأن شئت نصبت، فجعلتهن بمنزلة خشيت، وخفت، فتقول: ظننت أن لا تفعل ذاك، ونظير ذاك (تظن أن يفعل بها فاقرة) [القيامة: ٢٥]، و ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ولو قال رجل: أخشى أن لا تفعل ذاك يريد، أن يخبر إنه يخشى أمرا قد استقر عنده أنه كائن جاز وليس وجه الكلام .. وتقول: ما علمت إلا أن تقوم وما أعلم إلا أن تأتيه إذا لم ترد أن تخبر أنك قد علمت شيئا كائنا البتة، ولكنك تكلمت به على وجه الإشارة، كما تقول: أرى من الرأي أن تقوم. فأنت لا تخبر أن قيامًا قد ثبت كائنا أو يكون فيما يستقبل البتة فكأنه قال: لو قمتم، فلو أراد غير هذا المعنى لقال: ما علمت إلا أن سيقومون" (١). فهنا جاءت الناصبة مع العلم كما ذكر سيبويه، لأنه ليس المقصود بها اليقين، والتحقيق وإنما هو بمعنى قولك: أن تقوم خير لك في رأيي. وجاء في (المقتضب): " أما ما كان من العلم فإن (أن) لا تكون بعده إلا ثقيلة لأنه شيء قد ثبت واستقر وذلك قولك، قد علمت أن زيدًا منطلق. فإن خففت فعلى إرادة.

стр. 350

التثقيل والإضمار تقول: قد علمت أن سيقوم زيد، تريد أنه سيقوم زيد، قال الله : ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل ٢٠]، لأنه شيء قد استقر. ألا ترى أنه لا يصلح (علمت أن يقوم زيد) لأن (أن) الخفيفة إنما تكون لما لم يثبت نحو: خفت أن تقوم يا فتى وأرجو أن تذهب إلى زيد، لأنه شيء لم يستقر. فكل ما كان من الرجاء والخوف فهذا مجازه. فأما الأفعال التي تشترك فيها الخفيفة والثقيلة فما كان من الظن. فأما وقوع الثقيلة فعلى أنه قد استقر في ظنك كما استقر الأول في علمك وذلك قولك: ظننت أنك تقوم وحسبت أنك منطلق. وأما النصب فعلى شيء لم يستقر فقد دخل في باب رجوت وخفت بهذا المعنى (١) " وجاء في المغنى: أن تكون مخففة من الثقيلة فتقع بعد فعل اليقين، أو ما نزل منزلته نحو ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا﴾ [طه: ٨٩] (٢). وجاء في حاشية الشمني على المغني بيان المقصود بقول المغنى (أو ما نزل منزلته) قال: " وأما المنزل منزلته فهو الظن بتأويل أن يكون غالبا مقاربًا للعلم (٣) ". وجاء في (كتاب الجمل) للزجاجي: " تقول: أريد أن تقوم وأحب أن تخرج .. فتنصب الفعل بأن وكذلك إن كان قبلها الأفعال التي تطلب الاستقبال نصبت بها الفعل. فإن وقعت قبلها الأفعال التي تدل على إثبات الحال والتحقيق ارتفع الفعل ههنا وكانت مخففة من الثقيلة كقولك: علمت أن تقومُ ترفع الفعل لا غير لأن العلم لما قد تيقن وأن ههنا مخففة من الثقيلة المشددة ..

стр. 351

فإن وقع قبلها الظن جاز فيما بعد (أن) الرفع، كقولك: (ظننت أن لا تقوم) بالنصب إذا لم ترد تحقيق الظن و (ظننت أن لا تقوم) بالرفع إذا أردت به معنى (علمت) لأن الظن في كلام العرب قد يكون بمعنى العلم، قال الله جل وعز: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦] (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): أن (أنْ) التي ليست بعد العلم ولا ما يؤدي معناه، ولا ما يؤدي معنى القول، ولا بعد الظن، فهي مصدرية لا غير سواء كانت بعد فعل الترقب كحسبت وطمعت ورجوت وأردت أو بعد غيره من الأفعال كقوله تعالى: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه﴾ [الشعراء: ١٩٧]، وأعجبني أن قمت .. أو لا بعد فعل كقوله تعالى ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء﴾ [الحشر: ٣]. والتي بعد العلم مخففة لا غير، وكذا التي بعد ما يؤدي معنى العلم، إن لم يكن فيه معنى القول، كتحققت ونظرت، وانكشف وظهر، وإن كان فيه معنى القول، كأمر، ونزل وأوحي، ونادي، فإن فيها معنى اعلم وقال معًا" (٢). وجاء في (المغني) في أن الناصبة: " أن تكون حرفا مصدريا ناصبا للمضارع، وتقع في موضعين: أحدهما في الابتداء فتكون في موضع رفع نحو ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤]. والثاني بعد لفظ دال على معنى غير اليقين" (٣). فاتضح بهذا أن (أنْ) المخففة من الثقيلة إنما هي تفيد التحقيق واليقين بخلاف الناصبة للأفعال.

стр. 352

وهناك فرق آخر بين المخففة وأن الناصبة للأفعال، وهو أن الناصبة تكون للاستقبال كقولك (أرغب في أن تزورني) وأما المخففة فإنها غير مقيدة بزمن فقد تكون للمضي كقوله تعالى: ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ [المائدة: ١١٣]، والحال، كقوله تعالى: ﴿أفلا يرون الا يرجع إليهم قولا﴾ [طه: ٨٩]، و (أشهد أن لا إله إلا الله)، والاستقبال كقوله تعالى: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠]. والذي يبدو أنّ (أنْ) تخفف للأغراض الآتية: ١ - إيقاع الجملة موقع المصدر سواء كانت إسمية، أم فعلية. وهذا فارق رئيس بين الثقيلة والمخففة، فإن الثقيلة مختصة بإيقاع الجملة الإسمية موقع المصدر، أما المخففة فإنها توقع الجمل الإسمية والفعلية موقع المصدر، فالإسمية كقوله تعالى ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨] وقوله: ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو﴾ [هود: ١٤]، والفعلية كقوله: ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ [المائدة: ١١٣]، وقوله: ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، وذلك بحسب الحاجة والقصد فإن أردت إقامة الجملة الإسمية مقام المصدر جئت بالثقيلة أو بالخفيفة، مع بعض اختلاف بينهما فقد تدخل الخفيفة على ما لا تدخل عليه الثقيلة من الجمل الإسمية، كقوله تعالى ﴿فاعلموا إنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو﴾ فقد أوقعت الجملة المنفية بلا النافية للجنس موقع المصدر ولا يصح للثقيلة أن تباشر مثل هذه الجمل، والنحاة يقدرون ضمير الشأن في نحو هذا. وأن أردت إقامة الجملة الفعلية مقام المصدر جئت بالمخففة كقوله تعالى: ﴿علم ان سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠]. وهي في ذلك غير عاملة، فيما أرى نظيرة (إنْ) ولا موجب لتقدير ضمير الشأن فكما أنّ (إنْ) إذا خففت وقعت بعدها الجمل الفعلية والإسمية فهذه نظيرتها، وقد اختلف حكمها بعد تخفيضها عن الثقيلة ولذلك هي تدخل بعد تخفيفها على جمل إنشائية

стр. 353

مصدرة بنهي أو دعاء، مما لا يصلح أن لا يكون خبرًا للثقيلة كقوله تعالى: ﴿ألا تعلوا علي واتوني مسلمين﴾ [النمل: ٣١]، وقوله: ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ [النور: ٩]، في قراءة من قرأ بالفعل وقولهم (اما أن جزاك الله خيرا) مما يدل على أنها اختلفت عن الثقيلة في بعض أحكامها قال الليث: "إذا وقعت (أن) على الأسماء والصفات فهي مشددة، وإذا وقعت على فعل أو حرف لا يتمكن في صفة أو تصريف فخففها، تقول: بلغني أن قد كان كذا وكذا وتخفف من أجل (كان) لأنها فعل ولولا (قد) لم تحسن على حال من الفعل، حتى تعتمد على (ما) أو على الهاء كقولك: إنما كان زيد غائبا وبلغني أنه كان أخو بكر غنيا وكذلك بلغني أنه كان كذا وكذا تشددها إذا اعتمدت، ومن ذلك قولك: أن رب رجل فتخفف، فإذا اعتمدت قلت: أنه رب رجل شددت، وهي مع الصفات مشددة، أن لك وأن فيها وأن بك وأشباهها" (١). ٢ - إنها تؤكد الجمل الفعلية والإسمية بخلاف الثقيلة، فإنها مختصة بتأكيد الجمل الإسمية والذي يدل على أنها للتأكيد ما سبق أن ذكرناه من اقتران أفعال العلم واليقين بها أو ما نزل منزلته كقوله: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠]، مما يشاركها في التحقق. وهذا سيكون بحسب الحاجة والقصد فإن الاهتمام في الكلام قد يكون منصبا على صاحب الحدث فيؤتى بأن الثقيلة في الغالب، وقد يراد بالكلام توكيد الحدث الفعلي فيجاء بالمخففة، وذلك كقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق﴾ [إبراهيم: ١٩]، وقوله ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، فإن الأولى ثقيلة أكدت صاحب الحدث فإن الكلام على الله تعالى. والثانية أكدت الحدث الفعلي وأوقعته موقع المفرد. وهي في ذلك نظيرة (إنّ) تؤكد الحدث الفعلي والجمل الإسمية، إذا خففت كما أسلفنا.

стр. 354

٣ - إنّ (أنّ) الثقيلة آكد من الخفيفة وما ذكرناه من الحجج في أن المخففة ينطبق عليها. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ [١٤٨] وقال في سورة طه: ﴿فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى أفلا يرون أال يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ [طه: ٨٨ - ٨٩]. فأنت ترى أنه جاء مرة بأن الثقيلة ومرة جاء بأن المخففة ولو رجعت إلى سياق الآيتين لبان الفرق بينهما، فإن آيات الأعراف تذكر قصة بني إسرائيل وعصيانهم لربهم ومخالفتهم لموسى ﵇، بخلاف سورة طه فإنه ليس السياق في ذاك وإنما هو في نجاة بني إسرائيل من فرعون وفرق بين السياقين، فقد بدأت قصى بني إسرائيل في سورة الأعراف بعد قوله تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ [الأعراف: ١٠٢]. وقال في سورة طه: ﴿يابني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى﴾ [طه: ٨٠]. فلذا جاءت (أنّ) ثقلة في سورة الأعراف مخففة في سورة طه، لأن الثقيلة آكد من الخفيفة، وذلك يتناسب مع مقام التبكيت في الأعراف بخلاف سورة طه، والله أعلم. كأن: تخفف (كأن) ويكون حكمها في العمل كحكم أن المفتوحة، ويكون خبرها جملة إسمية أو فعلية فصلت بلم أو قد، فمن مجيئه جملة إسمية قوله: ووجه مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان ونحو قولك: كأن محمد قائم. ومن مجيئه جملة فعلية قوله تعالى: ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤].

стр. 355

وقال الشاعر: أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد ويقدر اسمها في كل ما مر ضمير الشأن أي كأنه. وقد يرد مفردًا كقوله: كأن وريديه رشاء خلب. وورد: كأن ثدييه حقان (١). وتخفف كأن لغرضين فيما أرى: ١ - أن تدخل على الجملة الفعلية إضافة إلى الإسمية، بعد أن كانت مقصورة على الجمل الإسمية، وذلك إنما يكون بحسب الغرض، فإن كانت العناية منصبة على المسند إليه (المشبه) جيء بها مشددة في الأكثر كقوله تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقد تكون العناية منصبة على الحالة التشبيهية، لا على المشبه، فيؤتى بها مخففة، كقوله تعالى: ﴿فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤]. وكقول الشاعر: كأن لم يكن بين الحجن إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر فهناك فرق بين أن تقول (كأن أنيسا لم يكن بين الحجون إلى الصفا) وقولك (كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس) فأنت في الثانية تقصد إلى الحالة التشبيهية الفعلية، بخلاف الأولى فأنك عمدت إلى لفظ المشبه وقدمته للاهتمام والعناية. وكذلك قوله تعالى: ﴿فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ ولم يقل (كأنها) لأنه
следующие страницы →