فإن وقع قبلها الظن جاز فيما بعد (أن) الرفع، كقولك: (ظننت أن لا تقوم) بالنصب إذا لم ترد تحقيق الظن و (ظننت أن لا تقوم) بالرفع إذا أردت به معنى (علمت) لأن الظن في كلام العرب قد يكون بمعنى العلم، قال الله جل وعز: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦] (١).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): أن (أنْ) التي ليست بعد العلم ولا ما يؤدي معناه، ولا ما يؤدي معنى القول، ولا بعد الظن، فهي مصدرية لا غير سواء كانت بعد فعل الترقب كحسبت وطمعت ورجوت وأردت أو بعد غيره من الأفعال كقوله تعالى: ﴿أو لم يكن لهم آية أن يعلمه﴾ [الشعراء: ١٩٧]، وأعجبني أن قمت .. أو لا بعد فعل كقوله تعالى ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء﴾ [الحشر: ٣].
والتي بعد العلم مخففة لا غير، وكذا التي بعد ما يؤدي معنى العلم، إن لم يكن فيه معنى القول، كتحققت ونظرت، وانكشف وظهر، وإن كان فيه معنى القول، كأمر، ونزل وأوحي، ونادي، فإن فيها معنى اعلم وقال معًا" (٢).
وجاء في (المغني) في أن الناصبة: " أن تكون حرفا مصدريا ناصبا للمضارع، وتقع في موضعين:
أحدهما في الابتداء فتكون في موضع رفع نحو ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ [البقرة: ١٨٤].
والثاني بعد لفظ دال على معنى غير اليقين" (٣).
فاتضح بهذا أن (أنْ) المخففة من الثقيلة إنما هي تفيد التحقيق واليقين بخلاف الناصبة للأفعال.
стр. 352
وهناك فرق آخر بين المخففة وأن الناصبة للأفعال، وهو أن الناصبة تكون للاستقبال كقولك (أرغب في أن تزورني) وأما المخففة فإنها غير مقيدة بزمن فقد تكون للمضي كقوله تعالى: ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ [المائدة: ١١٣]، والحال، كقوله تعالى: ﴿أفلا يرون الا يرجع إليهم قولا﴾ [طه: ٨٩]، و (أشهد أن لا إله إلا الله)، والاستقبال كقوله تعالى: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠].
والذي يبدو أنّ (أنْ) تخفف للأغراض الآتية:
١ - إيقاع الجملة موقع المصدر سواء كانت إسمية، أم فعلية. وهذا فارق رئيس بين الثقيلة والمخففة، فإن الثقيلة مختصة بإيقاع الجملة الإسمية موقع المصدر، أما المخففة فإنها توقع الجمل الإسمية والفعلية موقع المصدر، فالإسمية كقوله تعالى ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨] وقوله: ﴿فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو﴾ [هود: ١٤]، والفعلية كقوله: ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ [المائدة: ١١٣]، وقوله: ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، وذلك بحسب الحاجة والقصد فإن أردت إقامة الجملة الإسمية مقام المصدر جئت بالثقيلة أو بالخفيفة، مع بعض اختلاف بينهما فقد تدخل الخفيفة على ما لا تدخل عليه الثقيلة من الجمل الإسمية، كقوله تعالى ﴿فاعلموا إنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو﴾ فقد أوقعت الجملة المنفية بلا النافية للجنس موقع المصدر ولا يصح للثقيلة أن تباشر مثل هذه الجمل، والنحاة يقدرون ضمير الشأن في نحو هذا.
وأن أردت إقامة الجملة الفعلية مقام المصدر جئت بالمخففة كقوله تعالى: ﴿علم ان سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠].
وهي في ذلك غير عاملة، فيما أرى نظيرة (إنْ) ولا موجب لتقدير ضمير الشأن فكما أنّ (إنْ) إذا خففت وقعت بعدها الجمل الفعلية والإسمية فهذه نظيرتها، وقد اختلف حكمها بعد تخفيضها عن الثقيلة ولذلك هي تدخل بعد تخفيفها على جمل إنشائية
стр. 353
مصدرة بنهي أو دعاء، مما لا يصلح أن لا يكون خبرًا للثقيلة كقوله تعالى: ﴿ألا تعلوا علي واتوني مسلمين﴾ [النمل: ٣١]، وقوله: ﴿والخامسة أن غضب الله عليها﴾ [النور: ٩]، في قراءة من قرأ بالفعل وقولهم (اما أن جزاك الله خيرا) مما يدل على أنها اختلفت عن الثقيلة في بعض أحكامها قال الليث: "إذا وقعت (أن) على الأسماء والصفات فهي مشددة، وإذا وقعت على فعل أو حرف لا يتمكن في صفة أو تصريف فخففها، تقول: بلغني أن قد كان كذا وكذا وتخفف من أجل (كان) لأنها فعل ولولا (قد) لم تحسن على حال من الفعل، حتى تعتمد على (ما) أو على الهاء كقولك: إنما كان زيد غائبا وبلغني أنه كان أخو بكر غنيا وكذلك بلغني أنه كان كذا وكذا تشددها إذا اعتمدت، ومن ذلك قولك: أن رب رجل فتخفف، فإذا اعتمدت قلت: أنه رب رجل شددت، وهي مع الصفات مشددة، أن لك وأن فيها وأن بك وأشباهها" (١).
٢ - إنها تؤكد الجمل الفعلية والإسمية بخلاف الثقيلة، فإنها مختصة بتأكيد الجمل الإسمية والذي يدل على أنها للتأكيد ما سبق أن ذكرناه من اقتران أفعال العلم واليقين بها أو ما نزل منزلته كقوله: ﴿علم أن سيكون منكم مرضى﴾ [المزمل: ٢٠]، مما يشاركها في التحقق.
وهذا سيكون بحسب الحاجة والقصد فإن الاهتمام في الكلام قد يكون منصبا على صاحب الحدث فيؤتى بأن الثقيلة في الغالب، وقد يراد بالكلام توكيد الحدث الفعلي فيجاء بالمخففة، وذلك كقوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق﴾ [إبراهيم: ١٩]، وقوله ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، فإن الأولى ثقيلة أكدت صاحب الحدث فإن الكلام على الله تعالى. والثانية أكدت الحدث الفعلي وأوقعته موقع المفرد.
وهي في ذلك نظيرة (إنّ) تؤكد الحدث الفعلي والجمل الإسمية، إذا خففت كما أسلفنا.
стр. 354
٣ - إنّ (أنّ) الثقيلة آكد من الخفيفة وما ذكرناه من الحجج في أن المخففة ينطبق عليها. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين﴾ [١٤٨]
وقال في سورة طه: ﴿فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى أفلا يرون أال يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾ [طه: ٨٨ - ٨٩].
فأنت ترى أنه جاء مرة بأن الثقيلة ومرة جاء بأن المخففة ولو رجعت إلى سياق الآيتين لبان الفرق بينهما، فإن آيات الأعراف تذكر قصة بني إسرائيل وعصيانهم لربهم ومخالفتهم لموسى ﵇، بخلاف سورة طه فإنه ليس السياق في ذاك وإنما هو في نجاة بني إسرائيل من فرعون وفرق بين السياقين، فقد بدأت قصى بني إسرائيل في سورة الأعراف بعد قوله تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ [الأعراف: ١٠٢].
وقال في سورة طه: ﴿يابني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى﴾ [طه: ٨٠].
فلذا جاءت (أنّ) ثقلة في سورة الأعراف مخففة في سورة طه، لأن الثقيلة آكد من الخفيفة، وذلك يتناسب مع مقام التبكيت في الأعراف بخلاف سورة طه، والله أعلم.
كأن:
تخفف (كأن) ويكون حكمها في العمل كحكم أن المفتوحة، ويكون خبرها جملة إسمية أو فعلية فصلت بلم أو قد، فمن مجيئه جملة إسمية قوله:
ووجه مشرق اللون ... كأن ثدياه حقان
ونحو قولك: كأن محمد قائم.
ومن مجيئه جملة فعلية قوله تعالى: ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤].
стр. 355
وقال الشاعر:
أفد الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد
ويقدر اسمها في كل ما مر ضمير الشأن أي كأنه.
وقد يرد مفردًا كقوله:
كأن وريديه رشاء خلب.
وورد: كأن ثدييه حقان (١).
وتخفف كأن لغرضين فيما أرى:
١ - أن تدخل على الجملة الفعلية إضافة إلى الإسمية، بعد أن كانت مقصورة على الجمل الإسمية، وذلك إنما يكون بحسب الغرض، فإن كانت العناية منصبة على المسند إليه (المشبه) جيء بها مشددة في الأكثر كقوله تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقد تكون العناية منصبة على الحالة التشبيهية، لا على المشبه، فيؤتى بها مخففة، كقوله تعالى: ﴿فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤].
وكقول الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجن إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
فهناك فرق بين أن تقول (كأن أنيسا لم يكن بين الحجون إلى الصفا) وقولك (كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس) فأنت في الثانية تقصد إلى الحالة التشبيهية الفعلية، بخلاف الأولى فأنك عمدت إلى لفظ المشبه وقدمته للاهتمام والعناية.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ ولم يقل (كأنها) لأنه
стр. 356
ليس المقصود ذكر المشبه بل المقصود ذكر الحالة التشبيهية فطوى ذكر المشبه. إن المقصود بالآية الكريمة هو الموازنة بين حالتين حالة الماضي وحالة الحاضر وهذا لا يتعلق بلفظ المشبه كثيرًا.
ولذا - فيما أرى - لا موجب لتقدير ضمير الشأن بل هي داخلة على الجملة الفعلية نظيرة (أنْ).
٢ - أنّ الثقيلة آكد في التشبيه من المخففة، فإن (كأن) كما سبق أن ذكرنا للتشبيه المؤكد وتخفيفها يؤدي إلى تخفيف التوكيد، وما ذكرناه في (أن) يستأنس به ههنا وبخاصة إذا علمنا أن رأي الجمهور أن أصلها (أنّ) قدمت عليها الكاف للعناية.
لكنّ:
تخفف (لكنّ) فتهمل وجوبًا عند الجمهور، وذكر عن يونس والأخفش جواز إعمالها قياسا على (إنْ). وتدخل على الجمل الإسمية والفعلية. إذا خففت. تقول: جاء محمد لكن أخوه غائب، وجا محمد لكن غاب أخوه، قال تعالى: ﴿ولكن كانوا هم الظالمين﴾ [الزخرف: ٧٦] (١).
والذي يظهر أن المخففة تستعمل لغرضين كأخواتها السابقات:
١ - الدخول على الجمل الفعلية إضافة إلى الإسمية، فبعد أن كان الاستدراك منحصرًا بالجمل الإسمية اتسع بالتخفيف وشمل الجمل الفعلية أيضا وهذا - كما ذكرنا سابقا - يكون بحسب القصد من الكلام.
ثم أن الخفيفة قد تدخل على المفردات، نحو: ما جاء محمد لكن خالد، وما رأيت محمدًا لكن خالدا، وهذه عند الجمهور خفيفة بأصل الوضع، وليست مخففة من الثقيلة (٢) فالمخففة حرف ابتداء وهي التي تدخل على الجمل والخفيفة حرف عطف وهي التي تدخل على المفردات.
стр. 357
والذي أراه أن (لكنْ) الخفيفة والمخففة إنما هي حرف واحد، معناه الاستدراك يدخل على المفردات، والجمل إسمية كانت أو فعلية بخلاف الثقيلة، التي هي مختصة باستدراك الجمل الإسمية.
٢ - تخفيف الاستدرك فإن الثقيلة آكد من الخفيفة، كما سبق أن ذكرنا في أخواتها. يتنبي مما مر أن ما يخفف من الأحرف المشبهة بالفعل، إنما يخفف لغرضين.
١ - إيقاع معانيها على الجمل الفعلية إضافة إلى الإسمية.
٢ - تخفيف التوكيد فإن المثقلة آكد من المخففة في كل ما مر والله أعلم.
ذكر النون مع ياء المتكلم وضمير المتكلمين.
يقال (إنّي) و (أنّني) و (أنّا) و (أنّنا) قال تعالى: ﴿فانتظروا إني معك من المنتظرين﴾ [الأعراف: ٧١].
وقال: ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير﴾ [هود: ؟ ؟ ]
وقال: ﴿إنا لا نضيع أجر المصلحين: ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
وقال: ﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى﴾ [طه: ٤٥].
فهل هناك من غرض لغوي أو بلاغي في ذكر النون أو حذفها؟
يجوز النحاة الذكر والحذف في ذلك، ولم يذكروا لذلك غرضا لغويا أو بلاغيا. وأنا لا أظن أن البليغ يرجح استعمالا على استعمال بلا سبب، بل لابد لذلك من سبب، وقد وقع الاستعمالان في كتاب الله (إني أنني) و (إنا وإننا).
والذي يبدو إن ذكر النون إنما يكون لغرض الزيادة في التوكيد (وإنني) آكد من (إني) و (إننا) آكد من (إنا) وذلك إن اجتماع ثلاث نونات يزيد في التأكيد.
قال تعالى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا يقوم إني بريء مما تشركون﴾ [الأنعام: ٧٨].
стр. 358
وقال على لسانه أيضا: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧].
فمرة قال (إني) ومرة قال (إنني) وأنت ترى الفرق بين المقامين، فإن إبراهيم ﵇ في آية الأنعام في مقام الحيرة والبحث عن الحقيقة لا يعرف ربه على وجه التحقيق فقد ظن ان الكوكب ربه، ثم القمر، ثم الشمس، ثم أعلن البراءة من كل ذلك.
أما في آية الزخرف فهو في مقام التبليغ فقد أصبح نبيا مرسلا من ربه، أعلن حربه على الشرك، وأعلن البراءة مما يعبد قومه فهناك فرق بين المقامين والبراءتين، ولذا جاء بالآية الأولى - بـ (إني) وفي الثانية بـ (إنني) لأنه في مقام أكثر توكيدًا.
ثم انظر الفرق بين التعبيرين فقد قال في الآية الأولى (بريء) وفي الثانية (براء) فإن البراءة في آية الزخرف أشد وقد جاء بها على صيغة المصدر، وهو المناسب لزيادة النون بخلاف الأولى فحصل التوكيد في آية الزخرف من جهتين:
زيادة النون والعدول إلى المصدر بخلاف آية الأنعام:
ونحو ذلك ما جاء في سورة طه قال تعالى: ﴿فلما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى وانا اخترتك فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١١ - ١٤].
فأنت ترى أنه مرة قال (إني) ومرة قال (إنني) بزيادة النون، والسياق يظهر الفرق بينهما فإن في الثانية زيادة توكيد لأنه في مقام إعلامه بالنبوة، وتكليفه بالرسالة وأنت ترى الفرق بين المقامين: المقام الأول (إني أنا ربك فاخلع نعليك) والثانية (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فأعبدني) فاقتضى ذلك التفريق بين المقامين.
ونحو ذلك (إنا) و (أننا) قال تعالى ﴿إنا ههنا قاعدون﴾ وقال ﴿قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا ربنا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦]. فمرة قال (إنا) ومرة قال (إننا) والفرق بين المقامين ظاهر، ففي آية طه كان الخوف شديدا من فرعون فقال (إننا) ولذا أجابهم بالتأكيد نفسه (لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) بإثبات النون لتأكيد المعية ربطا للقلب ودفعا للخوف.
стр. 359
والذي يدل على ما قلناه أن نون التوكيد قد تلحق بإن إذا اتصلت بضمير المتكلم، أو ضمير المتكلمين في بعض اللغات السامية، جاء في (التطور النحوي): " وفي العبرية تلحق بها - أي أنا - الضمائر على الطريقة التي تلحق بمضارع الفعل وأمره نحو hinnenni أي إنني والنون الثانية من enni هي نون الضمير المنصوب، والأولى هي نون التأكيد المستعملة في المضارع والأمر، مثل liqtlenni وتوجد في hinnennu أي إننا أيضا" (١).
وربما كان لإلحاقها غرض آخر، هو مراعاة مقام الإطالة، فقد يقتضي المقام الإطالة والتفصيل فيؤتى بها وقد يقتضي الإيجاز فلا تلحق، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى على لسان ثمود: ﴿قالو يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب﴾ [هود: ٦٢].
وقوله: ﴿ألم يأتكم نبؤأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب﴾ [إبراهيم: ٩].
ففي آية هود قال (إننا) وفي آية إبراهيم قال (إنا) والسياق يظهر الفرق بين المقامين فآيات هود تذكر تفاصيل الأقوام البائدة وقصصهم واحدة واحدة، قصة قوم نوح، وقوم هود وقوم صالح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، ومدين وقصة موسى مع فرعون، بخلاف آية إبراهيم فإنها بيان لموقف الأمم من الرسل عموما على وجه الإجمال لا على وجه التفصيل، وأوجز في مقام الإيجاز، وفي (معترك الأقران): إن إثبات النون في قوله تعالى ﴿وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب﴾ [هود: ٦٢]، إنما هو للتأكيد (٢).
стр. 360
لا النافية للجنس
تدخل (لا) النافية للجنس على النكرة فتنفيها نفيا عامًا، ويكون الاسم بعدها مبنيا على الفتح أو منصوبًا قال تعالى: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]، وهي - كما يقول النحاة - تدخل على المبتدأ والخبر، وتعمل في المبتدأ النصب، بشرط أن يكون نكرة وأن يكون المقصود بها النفي العام، وأن لا تتكرر، فإن تكررت لم يتعين أعمالها وإنما جاز. وأن لا يكون مفصولا بينها وبين إسمها بفاصل، وإلا أهملت وجوبًا وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لا فيها غول﴾ [الصافات: ٤٧].
ويذكرون شرطًا آخر، هو أن لا تكون النكرة معمولة لغير (لا) بخلاف نحو (جئت بلا زاد) فإن النكرة معمولة للباء وهي مجرورة به (١).
وهذا الشرط الأخير غريب فإنهم يقولون أنها تدخل على المبتدأ والخبر، أي تدخل على الجمل (وبلا زاد) ليست جملة هي مفرد والمعنى جئت بغير زاد، فهذا الشرط فيه نظر وعند الكوفيين أن (لا) هنا اسم بمعنى (غير) والمعنى جئت بغير زاد، وما بعدها مجرور بالإضافة (٢).
وهذا القول أقرب إلى المعنى.
وقد دخلت على العلم وذلك نحو قولهم (قضية ولا أبا حسن لها) وقولهم (لا بصرة لكم) وقوله:
لا هيثم الليلة للمطي
والنحاة يؤولون العلم هنا بالنكرة، وهم في ذلك على ثلاثة أقوال:
стр. 361
فمنهم من ذهب إلى أن التقدير: ولا مسمى بأبي حسن، فقولهم (قضية ولا أبا حسن لها) معناه عندهم: ولا مسمى بأبي حسن. (١)
والقول الثاني على تقدير (مثل) أي ولا أبي حسن، لها " كأنه نفي منكورين كلهم في صفة علي، أي لا فاضل، ولا قاضي مثل أبي الحسن، فالمراد بالنفي هنا العموم والتنكير لا نفي هؤلاء المعرفين .. ليس المعنى على نفي كل من اسمه هيثم، أو أمية، أو علي، وإنما المراد نفي منكورين كلهم في صفة هؤلاء، فالعلم إذا اشتهر بمعنى من المعاني ينزل منزلة الجنس الدال على ذلك المعنى (٢) ".
وهذا التقدير وأن كان سليما من حيث الدلالة على المعنى ضعيف من أكثر من وجه من ذلك:
إن العرب التزمت تجريد الاسم الداخلة عليه (لا) من (أل) فلا تقول (ولا أبا الحسن) ولا (لا البصرة) أو (لا الصعق) بل لابد من تجريده من أل (٣) " ولو كانت إضافة (مثل) منوية لم يحتج إلى ذلك الإلتزام (٤) " لأن (مثلا) لا تخرج عن التنكير.
ومن ناحية أخرى أن العرب أخبروا عن الاسم المذكور بـ (مثل) قال الشاعر:
بكيت على زيد ولا زيد مثله ... بريء من الحمى سليم الجوانح
فلو كانت إضافة (مثل) منوية لكان التقدير: ولا مثل زيد مثله وهو فاسد (٥).
والقول الثالث: أن يستخلص من العلم معنى الوصف الذي اشتهر به ذلك العلم فيكون هو المنفي، فقولك (لا حاتم اليوم) معناه لا كريم، وقوله (لا هيثم الليلة للمطي).
стр. 362
معناه لا سائق، وقولهم (قضية ولا أبا حسن لها) معناه لا فيصل لها وهكذا، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما أن يجعل العلم لاشتهاره بتلك الخلة كأنه اسم جنس موضوع لإفادة ذلك المعنى، لأن معنى (قضية ولا أبا حسن لها) لا فيصل لها .. فصار اسمه ﵁ كالجنس المفيد لمعنى الفصل والقطع، كلفظ الفيصل وعلى هذا يمكن وصفه بالمنكر، وهذا كما قالوا (لكل فرعون موسى) أي لكل جبار قهار، فيصرف فرعون وموسى لتنكيرهما بالمعنى المذكور" (١).
وهذا القول أقربها إلى الصواب.
الفرق بينها وبين لا المشبهة بليس:
يذكر النحاة أن (لا) هذه نص في نفي الجنس، ولا يراد بها نفي الوحدة فحين تقول (لا رجل ههنا) نفيت أن يكون أحد من جنس الرجال هناك، وقد استغرقت في نفيك جنس الرجال عامة بخلاف قولك (لا رجل ههنا) فإنها محتملة لنفي الجنس، ولنفي الوحدة وليست نصا في أحدهما، وقد وهم من قال أنها لا تنفي إلا الوحدة بل هي لنفي الجنس برجحان، فأنت إذا قلت (لا رجل ههنا) احتمل أن تكون نفيت جنس الرجال، كما احتمل أن تكون نفيت واحدًا من هذا الجنس، فيصح أن تقول (لا رجل ههنا بل رجلان) ولا يصح ذلك في لا النافية للجنس، وذلك أن لا النافية للجنس جواب لـ (هل من) فقولك (لا رجل) جواب في التقدير لـ (هل رجلٌ)، فأنت إذا سألت: هل من رجل؟ كان الجواب: (لا رجل) بالفتح، وإذا سألت: هل رجل؟ كان الجواب: (لا رجلٌ) بالرفع، والفرق بين التعبيرين أن ما فيه (من) هو نص في السؤال عن الجنس، وما ليس فيه (من) يحتمل أن يكون السؤال عن الجنس وعن الوحدة فجوابها كذلك.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): "والحق أن نقول أن مبني لتضمنه لمن الاستغراقية وذلك لأن قولك (لا رجل) نص في نفي الجنس بمنزلة (لا من رجل)
стр. 363
بخلاف (لا رجل في الدار ولا أمراة) فإنه وإن كان النكرة في سياق، النفي تفيد العموم لكن لانصا بل هو الظاهر كما أن (ما جاءني من رجل) نص في الاستغراق بخلاف (ما جاءني رجل) إذ يجوز أن يقال (لا رجل في الدار بل رجلان) و (ما جاءني رجل بل رجلان) ولا يجوز: (لا رجل في الدار - بالفتح - بل رجلان) و (ما جاءني من رجل بل رجلان) للزوم التناقض، فلما أرادوا التنصيص على الاستغراق، ضمنوا النكرة معنى (من) فبنوها" (١).
وجاء في (الكتاب): " فـ (لا) لا تعمل إلا في نكرة من قبل أنها جواب فيما زعم الخليل لقوله (هل من عبد أو جارية) فصار الجواب نكرة كما إنه لا يقع في هذه المسألة إلا نكرة " (٢).
وقال السيرافي: " لما كان (لا رجل في الدار) نفيا عامًا، كانت المسألة عنه مسألة عامة ولا يتحقق لها العموم إلا بإدخال (مِنْ) وذلك أنه لو قال في مسألة: (هل رجل في الدار) جاز أن يكون سائلا عن رجل واحد كما تقول: هل عبد الله في الدار؟ فالذي يوجب عموم المسألة دخول (من) لأنها لاتدخل إلا على واحد منكور في معنى الجنس" (٣).
وجاء في (المغني): " إذا قيل (لا رجل في الدار) بالفتح تعين كونها نافية ويقال في توكيده (بل امرأة) وأن قيل بالرفع، تعين كونها عاملة عمل ليس وامتنع أن تكون مهملة وإلا تكررت كما سيأتي. واحتمل أن تكون لنفي الجنس وأن تكون لنفي الوحدة، ويقال في توكيده على الأول (بل امرأة) وعلى الثاني (بل رجلان أو رجال).
وغلط كثير من الناس فزعموا أن العامة عمل ليس لا تكون إلا نافية للوحدة،
стр. 364
ويرد عليهم نحو قوله:
تعز فلا شيء على الأرض باقيًا ... ولا وزر مما قد قضى الله واقيا" (١).
فاتضح بها أن (لا) التي للجنس من التعبيرات النصية، وأن المشبه بليس من التعبيرات الإحتمالية، فنحن نعلم أن عندنا في العربية صنفين من العبيرات، تعبيرات نصية تؤدي معنى واحدا لا تحتمل غيره، وتعبيرات إحتمالية تحتمل أكثر من معنى.
فمن التعبيرات النصية نحو قولك (ما جاءني من رجل) وهو نص في نفي الجنس، وقولك (أنا مكرم سعيدا) وهو نص في زمن الحال أو الاستقبال و (اشتريت قدحا ماء) وهو نص في أن المشتري هو الماء لا القدح، بخلاف قولك (ما جاءني رجل) و (أنا مكرم سعيد) و (اشتريت قدح ماء) فإن هذه من التعبيرات الإحتمالية فالأول يحتمل نفي الجنس والوحدة، والثاني يحتمل فعل ذلك في المضي والحال والاستقبال، والثالث أنك اشتريت القدح كما يحتمل أنك اشتريت الماء.
ويذكر النحاة أن هذا الفرق بين (لا) النافية للجنس والمشبهة بليس إنما يكون في المفرد فقط ولا يكون في المثنى والجمع فقولك (لا رجلين في الدار) مطابق في المعنى لقولك (لا رجلان في الدار) جاء في (حاشية الصبان) أن "لا العاملة عمل (ان) إنما تكون نصا في نفي الجنس إذا كان اسمها مفردا فإن كان مثني نحو (لا رجلين) أو جمعا نحو (لا رجال) كانت محتملة لنفي الجنس ولنفي قيد إلا ثنينة أو الجمعية كما أوضحه السعد في مطوله.
وأما لا العاملة عمل ليس، فإنها عند إفراد اسمها لنفي الجنس ظهورا لعموم النكرة مطلقا، في سياق النفي ولنفي وحدة مدخولها المفرد بمرجوحية، فتحتاج إلى قرينة ولهذا يجوز بعدها أن تقول بل رجلان أو رجال، فإن ثني اسمها أو جمع، كانت في الاحتمال مثل لا العاملة عمل إن إذا ثني اسمها أو جمع، فالاختلاف بين العامة عمل إن
стр. 365
والعاملة عمل ليس إنما هو عند إفراد الاسم". (١)
وفي هذا القول نظر فإنه ليس على إطلاقه، فلا يصح في نحو قوله:
تعز فلا الفين بالعيش متعًا.
فهناك فرق بين هذا القول وقولك (تعز فلا إلفان بالعيش متعا)، فإن الأولى نص في النفي المطلق، بخلاف الثانية فإنها تحتمل النفي العام، وتحتمل نفي إلفين فقط، أي لا إلفان بل أكثر.
وكذلك لو قلت: (لا زوجين مفترقان) فإنك نفيت هذا الأمر نفيًا عامًا بخلاف ما لو قلت: (لا زوجان مفترقين) فإنه يحتم أن يكون نفيًا عاما كالأول ويحتمل أن يكون لا زوجان بل أكثر.
ويرده كذلك نحو قوله تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ [التوبة: ١٢]، فلا يصح في نحو هذا أن يقال: أن لهم يمينا أو يمينين بل هو واضح في النفي العام.
الفرق بين (لا) و (ما):
يقال: (لا رجل في الدار) ويقال: (ما من رجل في الدار) فما الفرق بينهما؟ إن كلا التعبيرين نص في نفي الجنس فهل من فرق بينهما؟
الظاهر إن بينهما فرقا في المعنى والاستعمال، فإن (لا) جواب لسؤال حاصل أو مقدر هو (هل من) كما ذكرنا، أما (ما) فهي رد على قول أو ما نزل هذه المنزلة، وإيضاح ذلك أنك تقول: (ما من رجل في الدار) لمن قال (أن في الدار لرجلا) رادا كلامه. وتقول (لا رجل في الدار) لمن سأل عن وجود أحد من الرجالة فيه. فالجواب بـ (لا) يكون إعلاما للمخاطب بما لم يكن يعلم، أو ما نزل هذه المنزلة، أما (ما) فهي رد على قول وتصحيح ظن.
стр. 366
قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾ [المائدة: ٧٣].
فقد رد على قولهم (إن الله ثالث ثلاثة) بـ (ما) وقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٢].
وقال: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨]. وقال: ﴿ويستذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة﴾ [الأحزاب: ١٣]، وقال: ﴿ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله﴾ [آل عمران: ٧٨].
وقال: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون﴾ [التوبة: ٥٦].
فأنت ترى في ذلك كله إنه رد على أقوالهم بـ (ما). وقال: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢].
وقال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩].
وقال: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ [التوبة: ١٢]، وأنت ترى الفرق بين التعبيرين واضحًا فإن (لا) أعلام للمخاطب و (لا) رد على قول، أو ظن أو ما كان منزلا هذه المنزلة كما ذكرنا.
ويختلفان أيضا من ناحية الاستعمال، فإنه يستطاع نفي الجنس بـ (ما) متصلة بمنفيها أو منفصلة عنه، ولا ينفي الجنس بـ (لا) نصا إلا متصلة به قال تعالى: ﴿فما لنا من شافعين﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وقال: ﴿ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩].
стр. 367
ولا يقال (لا في الدار رجل) بالفتح فـ (ما) أوسع استعمالا في هذه الناحية وذلك لأن (لا) تركبت مع منفيها فأصبحتا كالكلمة الواحدة، ولذلك لا يصح الفصل بينهما، فإن فصلت بينهما وجب أهمالها وتكرارها، وتخلف التنصيص على الجنس، وذلك كقوله تعالى: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ [الصافات: ٤٧].
وقد تقول: أليس قوله تعالى (لا فيها غول) نصًا في نفي الجنس؟
والجواب أن نفي الجنس ههنا متعين، لأن المقام يدل عليه، ولكن يصح أن يراد في تعبير آخر مثله نفي الواحد، ونفي الجنس، كأن تقول (لا فيها رجل ولا امرأة) بخلاف ما لو جاء بعدها مفتوحًا أو منصوبًا، فإنه لا يصح إرادة الواحد البتة، وفي غير القرآن يمكن أن يراد بالتعبير (لا فيها غول) نفي الجنس والوحدة، ولكن هنا دل المقام على أن ذلك لنفي الجنس.
وانت إذا أردت نفي الغول الواحد تعين أن تقول ذلك بالرفع.
إن المقصود بقولنا أن (لا) الناصبة تنفي الجنس، إنها لا تحتمل الوحدة البتة، وأما المشبهة بليس فإنها قد تنفي الجنس وقد يتعين في بعض التعبيرات ذلك، إذا كان المقام يقتضيه، ولكن يصح أن يراد في التعبير نفسه نفي الوحدة في مقام آخر.
تقديم خبرها على اسمها:
ذكرنا إنه لا يصح أن يتقدم خبر (لا) على اسمها مع بقائها نصا، في نفي الجنس، فلا تقول: (لا في الصف طالب) وإنما تقول إذا أردت التنصيص على الجنس مع التقديم (ما في الصف من طالب).
فإن قدمت خبر (لا) على اسمها وب الاهمال والتكرار كقولك (لا في الصف طالب ولا طالبة) ثم إن المعنى يختلف.
فإنك تقول مثلا (لا عاصم لك) والمعنى نفي العاصم له مطلقا من دون أن تتعرض لغيره فإن قدمت الخبر وقلت (لا لك عاصم ولا ملجأ) كان المعنى نفي العاصم له
стр. 368
وإثباته لغيره، أي ليس لك عاصم وإنما هو لغيرك، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿لا ريب فيه﴾: " فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله (لا فيها غول)؟ قلت: لأن القصد في إيلاء الريب حرف النفي نفي الريب عنه، وإثبات أنه حق وصدق، لا باطل وكذب كما كان المشركون يدعونه، ولو أولى الظرف لقصد إلى ما يبعد عن المراد وهو أن كتابًا آخر فيه الريب لا فيه كما قصد في قوله (لا فيها غول) تفضيل خمر الجنة على خمور الدنيا، بأنها لا تغتال العقول كما تغتالها هي كأنه قيل: ليس فيها ما في غيرها من هذا العيب والنقيصة" (١).
وجاء في (البرهان): " إذا قلنا: (لا عيب في الدار) كان معناه نفي العيب في الدار، وإذا قلنا (لا في الدار عيب) كان معناه أنها تفضل على غيرها بعدم العيب" (٢).
وتقول: (لا ضعف فيك) والمعنى أنك نفيت عنه الضعف ولم تثبته لغيره. فإن قلت: (لا فيك ضعف ولا خور) كان المعنى أنك نفيت عنه الضعف، وأثبته لشخص آخر معرضا بذلك الشخص.
فإن أردت التنصيص على الجنس مع التقديم جئت بما ومن كقوله تعالى ﴿يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم﴾ [غافر: ٣٣]، فإنه نفي العاصم لهم وأثبته لغيرهم ممن آمن بالرسل، قال تعالى: ﴿استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير﴾ [الشورى: ٤٧]، فأنت ترى أنه نفي أولاً بـ (لا) نفيا عامًا (لا مرد له من الله)، ثم قدم الخبر، ونفي بما (مالكم من ملجأ يومئذ ومالكم من نكير) وذلك أنه أراد نفي الملجأ لهم وإثباته لغيرهم، أي ليس لكم الملجأ وإنما لغيركم فقدم الجار والمجرور للتخصيص، وذلك كما تقول: (ما مررت بمحمد) و (ما محمد مررت) فأنت في الأولى نفيت المرور بمحمد، ولم تثبته لغيره، وفي الثانية نفيت المرور بمحمد وأثبته لغيره أي أنني لم أمر بمحمد ولكني مررت بغيره ولا يقال ذلك بـ (لا) مع إرادة التنصيص على الجنس.
стр. 369
اسم لا:
يقسم النحاة اسم (لا) على ثلاثة أقسام:
مفرد نحو (لا رجل في الدار)، ومضاف نحو (لا صاحب بر ممقوت)، وشبيه بالمضاف وهو العامل فيما بعده نحو: لا كريما أبوه حاضر ولا طالعا جبلا ظاهر.
والمفرد عند الجمهور مبني، والمضاف والشبيه بالمضاف معربان منصوبان (١) أما المضاف فهو واضح، ولكن قد يلتبس أحيانا المفرد بالشبيه بالمضاف، والتفريق بينهما يكون بترك البناء في الشبيه بالمضاف، والمعنى هو الحاكم.
تقول: (لا كريم أبوه حاضر) و (لا كريما أبوه حاضر) والمعنى مختلف فالأولى تنفي حضور أبي الكريم أي ليس هناك كريم حضر أبوه، و (حاضر) خبر عن الأب، أما الثانية فمعناها أنه ليس كريم الأب حاضرًا فـ (حاضر) خبر (لا) والكرم للأب لا للابن.
وتقول أيضًا: (لا قاتل في الدار) و (لا قاتلا في الدار) والمعنى مختلف، فمعنى الأولى أنه ليس في الدار قاتل، أي لا يوجد فيه شخص حصل منه قتل سواء حصل منه القتل في الدار أم في الخارج.
أما الثانية فمعناها أن الذي قتل في الدار غير موجود، فأنت تنفي وجود قاتل أوقع قتله في الدار، جاء في (شرح الرضي على الكافية): (وتقول: (لا مصليا في الجامع)، إذا نفيت في الوجود من يوقع صلاته في الجامع، أي ليس في الوجود من يصلي في الجامع ويجوز أن يكون مستقرا في الجامع من يصلي في غيره.
وإذا قلت: (لا مصلي في الجامع) فالمعنى ليس في الجامع مصل، سواء صلى في الجامع أو في غيره" (٢).
стр. 370
وجاء في (الكتاب): " وقال الخليل كذلك: (لا آمرًا بالمعروف لك) إذا جعلت (بالمعروف) من تمام الاسم وجعلته متصلا به كأنك قلت لا أمرًا معروفا لك. وأن قلت (لا آمرا بمعروف) فكأنك جئت (بمعروف) بعدما بنيت على الأول كلاما كقولك (لا آمرا في الدار يوم الجمعة) وإن شئت جعلته كأنك قلت (لا آمرا يوم الجمعة فيها) فيصير المبني على الأول مؤخرا ويكون الملغى مقدما .. وإن شئت قلت (لا آمرا يوم الجمعة إذا نفيت الأمرين يوم الجمعة لا من سواهم من الآمرين، فإذا قلت: (لا امر يوم الجمعة) فأنت تنفي الآمرين كلهم، ثم اعلمت في أي حين) (١).
وجاء في (المقتضب): " ومما لا يكون معها اسما واحدا ما وصل بغيره نحو قولك: (لا خيرا من زيد لك) و (لا آمرا بالمعروف لك) تثبت التنوين لأنه ليس منتهى الاسم لأن ما بعده من تمامه فصار بمنزلة حرف من حروف الاسم.
ولو قلت: (لا خير عند زيد) و (لا آمرَ عنده) لم يكن إلا بحذف التنوين، لأنك لم تصله بما يكمله اسما ولكنه اسم تام فجعلته مع (لا) اسمًا واحدًا.
وتقول: (لا آمر يوم الجمعة لك) إذا نفيت جميع الآمرين، وزعمت أنهم ليسوا له يوم الجمعة.
فإن أردت أن تنفي آمرا يوم الجمعة قلت (لا آمرا يوم الجمعة لك) جعلت يوم الجمعة من تمام الاسم" (٢).
العطف على اسم (لا):
يذكر النحاة أوجها متعددة في المعطوف على اسم (لا) النافية للجنس، فهم يجوزون أن تقول مثلا:
لا رجل ولا امرأة (بفتح المعطوف).
стр. 371
لا رجل ولا امرأةٌ (بالرفع)
لا رجلَ لوا امرأةً (بالنصب).
هذا إذا كان المعطوف عليه مبنيا وكذلك إذا كان منصوبًا نحو:
لاغلام رجل ولا امرأة.
لا غلام رجلٍ ولا امرأةٌ
لا غلامَ رجلٍ ولا امرأةٌ.
فإن كان المعطوف عليه مرفوعا لم يجز النصب تقول: لا رجلٌ ولا امرأة (بفتح المعطوف).
لا رجلٌ ولا امرأةٌ (برفعهما)
هذا إذا تكررت (لا) فإن لم تتكرر لم يجز بناء المعطوف، تقول:
لا رجلَ وامرأةً (بالنصب).
لا رجلَ وامرأةٌ (بالرفع).
ولا تقول: لا رجلَ وامرأة (بالفتح) (١).
أن المفهوم من قول النحاة في جواز الأوجه أن للمتكلم أن يقول ذلك متى شاء أي إن يقول مثلا: لا رجل ولا امرأة، ولا رجلَ ولا امرأةً، أو لا رجلَ ولا امرأةً، أو لا رجلَ وامرأةً غير ذلك متى أراد دون تقييد.
والحق أنه مقيد بالمعنى فإن أراد معنى معينا التزم أن يقول تعبيرا خاصا به لا يحق له العدول عنه، فإن أراد التنصيص على الجنس جاء بالناصبة وإن أراد التنصيص على الوحدة جاء بالرافعة وإن أراد غير ذلك جاء به على حسب المعنى.
стр. 372
جاء في (حاشية يس على التصريح): "قال الدنوشري: تجويز النحاة الخمسة، الأوجه المذكورة الظاهر أنه بحسب قصد المتكلم واحتمال التركيب لذلك، وإلا فالظاهر أنه إذا قصد نفي الجنس وجب فتح الثاني والأول وإذا أريد نفي الوحدة لم يجز الفتح ولعل هذا مرادهم (١) ".
وإليك إيضاح ذلك:
١ - رفع المتعاطفين:
تقول: (لا رجلٌ ولا امرأةٌ في الدار) قال تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال﴾ [إبراهيم: ٣١]، وقال: ﴿ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ [البقرة: ٢٧٧].
والنحاة على أن هذا جواب لقولك (أرجلٌ أم امرأة في الدار؟ ) فتجيب (لا رجلٌ ولا امرأةٌ في الدار).
قال سيبويه: " هذا باب ما لا تغير فيه الأسماء عن حالها التي كانت عليه قبل أن تدخل لا ": " ولا يجوز ذلك إلا أن تعيد لا الثانية من قبل أنه جواب لقوله: أغلامٌ عندك أم جارية إذا ادعيت أن أحدهما عنده، فلا يحسن إلا أن تعيد (لا) كما إنه لا يحسن إذا أردت المعنى الذي تكون فيه أم إلا أن تذكرها مع اسم بعدها" (٢).
هذا إذا كررت (لا) فإن لم تكرر (لا) فقلت: (لا رجلٌ وامرأةٌ في الدار) احتمل أن يكون المعنى كما ذكرنا في لا رجل ولا امرأة، كما احتمل أن يكون نفيا للجمع بينهما أي قد يكون الرجل وحده موجودا وقد تكون المرأة وحدها موجودة، ولكن ليسا موجودين معًا، وهذا كما قالوا في قولهم (ما جاء زيد وعمرو) و (ما جاء زيد ولا عمرو) قال ابن هشام: " وكذلك (لا) المقترنة بالعاطف في نحو (ما جاءني زيد ولا عمرو) ويسمونها زائدة وليست بزائدة البتة، ألا ترى أنه إذا قيل: (ما جاءني زيد وعمرو)
стр. 373
احتمل أن المراد نفي مجيء كل منهما على كل حال وإن يراد نفي اجتماعهما في وقت المجيء، فإذا جيء بـ (لا) صار الكلام نصًا في المعنى الأول" (١).
وقد يحتمل هذا التعبير معنى آخر غير العطف فقولك (لا رجلٌ وامرأة في الدار) يحتمل أن يكون النفي للرجل فقط، وإثبات وجود امرأة في الدار، والواو استئنافية أي ليس رجل موجودا وإنما فيه امرأة. ويحتل أن تكون الواو حالية، أي لا رجل في حالة وجود امرأة في الدار، إلا ان احتمال الأخير فيه ضعف عند النحاة، بسبب حذف العامل المعنوي والصواب عندهم أن يقال:
لا رجل في الدار وامرأة فيه.
٢ - بناء المتعاطفين:
تقول: (لا رجلَ ولا امرأة َ في الدار)، وهو نص في نفي الجنس أي ليس فيها أحد من هذين الجنسين البتة قال ابن يعيش: " فإن كررتها وأردت إعمالها على هذا الوجه جاز فقلت: (لا رجلَ ولا امرأة) ويكون جواب هل من رجل ومن امرأة" (٢).
والنحاة لا يجوزون في ذلك إلا تكرار (لا)، فلا يصح قولك (لا رجلَ وامرأةَ) بفتح المعطوف. (٣) ومنعهم قائم على أن سبب البناء عندهم تركيب (لا) مع اسمها كتركيب خمسة عشر، وواو العطف تمنع ذلك.
والذي أراه جواز ذلك وقد حكاه الأخفش، (٤) ومعناه محتمل لأن يكون كالأول وهو نفي وجود هذين الجنسين، سواء كانا مجتمعين أم مفردين كما يحتمل أن يكون وجود الجنسين مجتمعين، فقد يكون فيها جنس الرجال وحده أو جنس النساء وحده، كما مر في قولنا (لا رجلٌ وامرأةٌ) فالنفي يكون عن اجتماع الجنسين.
стр. 374
٣ - بناء الأول ورفع الثاني:
تقول: (لا رجل ولا امرأة في الدار) فتكون الأولى نصا في نفي الجنس، والثانية محتملة للجنس والوحدة ليس فيها نصوصية على الاستغراق. قال الرضي: "و (لا) في الجمع الغيت فلم يبق فيها النصوصية على الاستغراق" (١) يشير إلى أحوال الرفع كلها.
ويبدو أن لـ (لا) الناصبة دلالة أخرى هي توكيد النفي، وذلك إنها متضمنة معنى (من) الاستغراقية دون الأخرى، وقد ذكر النحاة ذلك فقد قالوا أن (لا) العامة عمل (أن) لتوكيد النفي وهي نظيرة (أن) في توكيد الإيجاب (٢). ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [يونس: ٦١].
وقوله: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين﴾ [سبأ: ٣].
فأنت ترى إنه قال في آية يونس (ولا أصغر من ذلك ولا أكبرَ) بالنصب، وقال في سورة سبأ (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) بالرفع.
والنفي في سورة يونس أقوى وآكد، ويدل على ذلك قوله (وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة) بزيادة (من) بخلاف سورة سبأ التي قال فيها (لا يعزب عنه مثقال ذرة) بدون (من)، فجاء بـ (لا) النافية للجنس مجانسة لقوة النفي وتوكيده في آية يونس بخلافها في آية سيأ، وهو المتناسب مع السياق، وذلك إن الكلام في سورة يونس على مقدار علم الله وإحاطته بالغيب، وإطلاعه على افعال خلقه، أينما كانوا، فناسب هذه التأكيدات
стр. 375
والاستغراق الدالة عليه من ولا النافية للجنس بخلاف سورة سبأ التي كان الكلام فيها على الساعة.
فإذا أريد تأكيد منفي وإعطاؤه أهمية، جيء بـ (لا) الاستغراقية دون المنفي الآخر وذلك كأن تقول: (لاعدوان ولا إكراهٌ) أو تقول: (لا عدوانَ ولامسٌ بسوء) و (لا قتلَ ولا إيذاءٌ) فأنت تؤكد أحد المنفيات دون الآخر بحسب قصد المتكلم، وجعلوا من هذا الضرب قراءة من قرأ (لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) جاء في (التفسير الكبير): "أما الذين قرأوا الأولين بالرفع مع التنوين والثالث بالنصب (١)، فذلك يدل على أن الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث، والفسوق، وذلك لأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة والجدال مشتمل على ذلك" (٢).
وقد يكون الاختلاف سببه اختلاف المعاني كأن تكون واحدة للنفي والأخرى للنهي.
جاء في (الكشاف) في هذه القراءة: " وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع، والآخر بالنصب لأنهما حملا الأولين على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، والثالث على معنى الاخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل: ولا شك ولا خلاف في الحج. وذلك أن قريشًا كانت تخالف سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة، وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة، فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله ﷺ (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه) وإنه لم يذكر الجدال" (٣).
فجعلوا التعبيرين الأولين للنهي، والثالث للنفي، فخالف ما بين ذلك للإشارة إلى اختلاف المعاني.
стр. 376
ويمكن أن يكون لمثل هذا التعبير معنى آخر، وذلك كأن تقول: (لا رجلَ ولا امرأةٌ في الدار) تعني بذلك إنه ليس هناك رجل في حالة عدم وجود امرأة في الدار، فتكون الجملة المنفية حالية. ومن ذلك أن تقول: (لا غنى ولا مالٌ موفور) و (لا خلقَ ولا دينٌ للإنسان) أي لا غنى في حالة عدم المال، ولا خلق في حالة عدم الدين والواو للحال.
أما مع عدم تكرار (لا) نحو (لا رجلَ وامرأةٌ في الدار) فإن المعنى يحتمل أن يكون كما مر في التكرار كما يحتمل أن يكون القصد أن تنفي وجود الرجل، وتثبت وجود المرأة في الدار، فالواو استئنافية، أو حالية لا رجل في هذه الحالة، ونحو ذلك أن تقول: (لا فقرَ ولا قناعةٌ عندك) أي لا فقر في حالة وجود القناعة، والواو حالية. ويضعف الدلالة على الحال ما ذكرناه سابقًا من حذف العامل المعنوي.
٤ - بناء الأول ونصب الثاني:
تقول: (لا رجلَ ولا امرأةً في الدار)، وعند النحاة أن هذا أضعف الوجوه وعند يونس وجماعة من النحويين إنه مختص بالضرورة كتنوين المنادي المفرد" (١).
وعند الزمخشري أنه منصوب على تقدير فعل محذوف جاء في (شرح المفصل): قال صاحب الكتاب: وأما قوله (لا نسب اليوم ولا خلةً) فعلى إضمار فعل كأنه قال: (ولا أرى خلة) كما قال الخليل في قوله (ألا رجلا جزاه الله خيرًا) كأنه قال: ألا تُرونني رجلاً" (٢).
وعلى هذا يكون ما بعد (لا) جملة فعلية دالة على الحدوث والتجدد بخلاف الأولى، فقولك (لا رجلَ ولا امرأة جملتان الأولى جملة إسمية وهي (لا رجلَ)، والثانية جملة فعلية دالة على الحدوث والتجدد، وهي (لا امرأةً)، والجملة الأولى أقوى نفيًا وآكد.
стр. 377
وعند جمهرة النحاة أن (لا) الثانية زائدة لتوكيد النفي، دخولها كخروجها، ومعنى الجملة عند ذكرها وعدمه سواء فقولك (لا رجلَ ولا امرأةً) أو (لا رجلَ ولا امرأةً) واحد في المعنى غير أن لا الثانية زائدة لتوكيد النفي.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " والثاني فتح الأول ونصب الثاني على أن تكون (لا) الثانية زائدة لتأكيد نفي الأول كما في قولك: (ما جاءني زيد ولا عمرو) فكأنت قلت: لا حول وقوة كقوله:
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه
على ما يجيء" (١).
وجاء في شرح ابن يعيش: " أما قوله:
لا نسب اليوم ولا خلةً ... اتسع الخرق على الراقع
البيت لأنس بن العباس والكلام في نصب الخلة وتنوينها يحتمل أمرين:
أحدهما أن لا تكون (لا) مزيدة لتأكيد النفي، دخولها كخروجها فنصب الثاني ونونته بالعطف على الأول بالواو وحدها، واعتمد بـ (لا) الأولى على النفي، وجعل الثانية مؤكدة للجحد كما يكون كذلك في (ليس) إذا قلت (ليس لك غلام ولا جارية)، فيكون في الحكم كقوله:
ولا أب وابنا مثل مروان وابنه ... إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا" (٢).
والتخريج الثاني هو تخريج الزمخشري الذي ذكرناه.
فعلى هذا يكون قولك (لا رجلَ ولا امرأة) بمعنى (لا رجل وامرأة)، وفي هذا نظر إذ هم نظروها بقولهم (ما جاءني زيد ولا عمرو)، وقد ذكرنا إن هذا يختلف عن قولنا
стр. 378
(ما جاءني زيد وعمرو) فإن الثانية تحتمل نفي مجيء كل منهما، وتحتمل نفي اجتماعهما في المجيء، بخلاف قولنا (ما جاءني زيد ولا عمرو) فإنها لا تحتمل إلا نفي مجيئهما مجتمعين أو منفردين.
٥ - رفع الأول ونصب الثاني:
نحو قولك (لا رجلٌ ولا امرأة ً حاضران) وقد منعه النحاة، وجاء في (حاشية الخضري) أنه إذا كان على تقدير محذوف كما فعل الزمخشري جاز (١).
والذي أرى في هذا أنه يجوز ذلك، إن أردنا نفي المعية كأن تقول: (لا تعذيبٌ وسلبا) و (لا تعذيب ولا سلبا) والواو تفيد المصاحبة في الحالتين كما مر بنا آنفا.
نعت اسم لا:
يجوز النحاة في نعت اسم (لا) إذا كان مبنيا وكان النعت مفردا متصلا بالمنعوت ثلاثة أوجه: بناءه على الفتح ونصبه ورفعه. فتقول: لا رجل ظريف، ولا رجلَ ظريفًا، ولا رجلَ ظريفٌ.
" وأن فصل النعت عن اسم (لا) تعذر بناؤه على الفتح، لزوال التركيب بالفصل، وجاز فيه النصب نحو (لا رجل فيها ظريفا) والرفع أيضا نحو (لا رجل فيها ظريف)، وكذلك أن كان النعت غير مفرد تقول: لا رجل قبيحأ فعله عندك ولا رجلَ قبيحٌ فعله عندك. ولا يجوز: لا رجل قبيح فعله عندك" (٢).
فإن لم يكن اسم (لا) مبنيا تعذر بناء الصفة أيضا وجاز فيها وجهان: الرفع والنصب تقول: لا صاحب بر ممقوتٌ أو ممقوتًا (٣).
стр. 379
وقد يقول قائل: هل هذه التعبيرات كلها بمعنى واحد؟ أي هل معنى: لا رجل ظريفَ ولا رجل ظريفا، ولا رجل ظريفٌ واحد؟
إن النحاة أجازوا أن تقال هذه الأوجه، من دون أن يبينوا ما إذا كان هناك اختلاف في معاني هذه التعبيرات، وإنما هم عللوا سبب هذه الاختلافات فقالوا إن البناء على أن الصفة ركبت مع الموصوف كتركيب خمسة عشر، والنصب على اتباع الصفة لمحل اسم لا، والرفع على اتباعها لمحل (لا) مع اسمها (١).
وقال سيبويه: " اعلم أنك إذا وصفت المنفي، فإن شئت نونت صفة المنفي، وهو اكثر في الكلام، وإن شئت لم تنون قولك: لا غلام ظريفا لك ولا غلام ظريف لك.
فأما الذين نونوا فإنهم جعلوا الاسم و (لا) بمنزلة اسم واحد وجعلوا صفة المنصوب في هذا الموضع بمنزلته في غير المنفي.
وأما الذين قالوا لا غلامَ ظريف لك فإنهم جعلوا الموصوف والوصف بمنزلة اسم واحدة" (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "وإنما جاز بناء النعت المذكور مع انفصاله عن (لا) التي هي سبب البناء، إذ بها يقوم معنى الاستغراق الموجب، لتضمن (من) لاجتماع ثلاثة أشياء فيه:
أحدها كونه في المعنى هو المبني الذي وليها أعني اسم (لا) وفي اللفظ متصلا به. والثاني كون النفي في المعنى داخلا فيه، لأن المنفي في قولك: لا رجل ظريف هو الظرافة لا الرجل فكأن (لا) دخلت عليه، فكأنك قلت (لا ظريف) فلذا لم يبن صفة المنادى في نحو (يا زيد الظريف) لن النداء متعلق بالموصوف.
стр. 380
والثالث قربه من (لا) التي هي سبب البناء إذ الفاصل بينهما ليس إلا واحدا هو هو" (١).
والذي يبدو لي أن لكل تعبير معنى، وليس من حكمة العربية أن تجعل تعبيرات مختلفة ذات دلالة على معنى متحد.
أما البناء فهو كما قال النحاة إن الصفة والموصوف أصبحتا كالكلمة الواحدة، وقد وقع النفي عليهما معا، فالمنفي في قولنا (لا رجل ظريف) كما يقول الرضي هو الظرافة لا الرجل فكأنه (لا) دخلت عليه فكأنك قلت: لا ظريف.
فالنفي هو الاستغراق الرجل المتصف بهذه الصفة لا للرجل على وجه العموم، فكأنه قال: لا من رجل لا من ظريف.
وأما النصب - فيما أرى - فعلى تقدير فعل محذوف، فإن قلت: (لا رجلَ ظريفا) كان التقدير: لا رجل أعني ظريفا. أي نفيت جنس الرجال على وجه العموم أولا، ثم بدا لك أن تبين للمخاطب أن ذلك ليس على وجه العموم، فاستأنفت أخبارا ثانيا فقلت (أعني ظريفا). وجملة (أعني) استئنافية لا محل لها من الاعراب، وهو نظير ما قال الخليل في قولهم (يا زيد الطويل) بالنصب. جاء في (الكتاب): " قلت: أرأيت قولهم يا زيد الطويل علام نصبوا (الطويل) قال: نصب لأنه صفة لمنصوب، وقال: وإن شئت كان نصبا على (أعني) " (٢).
وأما الرفع فعلى القطع وتقدير مبتدأ محذوف فقولك (لا رجلَ ظريف) تقديره (هو ظريف) والجملة استئنافية أيضا.
جاء في (حاشية الصبان) في قولهم. لا غلام سفر ماهرٌ فيها: " قوله ماهرٌ فيها بالرفع على القطع، قيل أو بالعطف على محل (لا) مع اسمها" (٣).
стр. 381
وقد تسأل: وهل ثمة فرق في المعنى بين رفع ونصب الصفة؟ وأظن الجواب قد اتضح فإن الرفع على تقدير أن النعت جزء من جملة إسمية (هو ظريف)، والنصب على تقدير أنه جزء من جملة فعلية (أعني ظريفا) ونحن نعلم إن الاسم أثبت وأقوى من الفعل لأن الفعل يدل على الحدوث والتجدد، والاسم يدل على الثبوت فقولك (محمد حافظ) أقوى وأثبت من (يحفظ محمد) و (سعيد مجتهد) أثبت من (يجتهد سعيد).
فتبين من هذا إن البناء على تقدير من الاستغراقية، وإن النعت المبني جزء من الجملة المنفية بخلاف المرفوع والمنصوب، فإنهما أخبار ثان وهما جزء من جملة مستأنفة غير الجملة المنفية الأولى.
لا جرم:
الجرم القطع، وجرمه يجرمه جرما قطعه، ولا جرم قيل معناه لابد ولا محالة وقيل معناه حقا (١)، وقيل غير ذلك.
فقد ذهب سيبويه إلى أن (لا) صلة أي زائدة و (جرم) فعل ماض جاء في (الكتاب): " وأما قوله ﴿لا جرم أن لهم النار﴾ [النحل: ٦٢] فإن (جرم) عملت فيها لأنها فعل ومعناها: لقد حق أن لهم النار ولقد استحق أن لهم النار. وقول المفسرين معناها حقا إن لهم النار يدلك أنها بمنزلة هذا الفعل إذا مثلت.
فجرم قد عملت في (أن) عملها في قول الفزاري:
ولقد ظعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي أحقت فزارة" (٢).
وذهب الخليل إلى أن (لا) رد لما قبلها من الكلام و (جرم) فعل ماض.
стр. 382
جاء في (الكتاب): " فزعم الخليل أن لا جرم إنما تكون جوابا لما قبلها من الكلام، يقول الرجل: كان كذا وكذا وفعلوا كذا وكذا فتقول: لا جرم أنهم سيندمون وأنه سيكون كذا وكذا" (١).
وجاء في (لسان العرب): " وقال غير الفراء: حقيقة معنى (لا جرم) أن (لا) نفي ههنا لما ظنوا أنه ينفعهم فرد عليهم فقيل: لا ينفعهم ذلك، ثم ابتدأ فقال: جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون أي كسب ذلك العمل لهم الخسران" (٢).
وعند الفراء أنها بمعنى لابد ولا محالة ثم كثر استعمال العرب إياها حتى صارت بمعنى حقا. جاء في (معاني القرآن): " لا جرم أنهم: كلمة كانت في الأصل بمنزلة (لابد أنك قائم) و (لا محالة أنك ذاهب) فجرت على ذلك وكثر استعمالهم إياها حتى صارت بمنزلة حقا، ألا ترى أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، لا جرم قد احسنت، وكذلك فسرها المفسرون بمعنى الحق" (٣).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): "وقال الفراء هي أي (لا جرم) كلمة كانت في الأصل بمعنى لابد ولا محالة لأنه يروى عن العرب لا جُرْم والفَعْل والفَعَل يشتركان في أل مصادر كالرُّشد والرَشَد والبُخْل والبَخَل. والجَرْم القطع أي لا قطع من هذا كما أن (لا بد) بمعنى (لا قطع) فكثرت وجرت على ذلك، حتى صارت بمعنى القسم للتأكيد الذي فيها فلذلك تجاب بما يجاب به القسم، فيقال لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحست ولا جرم إنك قائم، فمن فتح فللنظر إلى أصل (لا جرم) كما تقول: لا بد أن تفعل كذا، ولا محالة أنك تفعل كذا أي من أن تفعل، ومَنْ كسر فلمعنى القسم العارض في لا جرم" (٤).
стр. 383
ومن الصعب البت بترجيح أحد الأقوال على ما عداه، غير أن الذي تميل إليه نفسي ترجيح قول الفراء لأكثر من سبب من ذلك:
١ - ما ذكره النحاه من أن همزة (أن) بعد لا جرم يجوز فيها الفتح والكسر (١). تقول: (لا جرم أنه سيعود) و (لا جرم أنه سيعود) والفتح أشهر، فلو كانت فعلا لامتنع الكسر لأن الفعل يبقى عند ذاك بلا فاعل.
وقيل أن الفتح والكسر لغتان جاء في (الهمع): وبعض العرب أجرها مجرى اليمين فكسر (أن) بعدها" (٢)، وعلى أية حال فإنه يستأنس باللغة الثانية على ما ذكرناه.
٢ - ما روي عن العرب من أنهم يقولون أيضا (لا جُرْم) بالضم (٣)، والجُرْم مصدر فيستدل من هذا أن الجَرَم مصدر أيضا. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " يروي عن العرب لا جرم والفعل والفعل يشتركان في المصادر كالرُّشْد، والرشَد، والبُخْل، والبَخَل (٤).
ويضعفه أن العرب تقول أيضا (لا جَرُم) ككرُم، مما يقوي فعليتها، غير أن صاحب التاج عد هذا مصدرا أيضا فقال: " ويقال أيضا لا جرُم ككرم، ولا جرم بالضم كل ذلك أي لابد أو معناه حقا أو لا محالة، أو هذا أصله ثم كثر استعمالهم إياه حتى تحول إلى معنى القسم" (٥).
٣ - ما ورد عن العرب أنْ (لا جرم) تنزل منزلة اليمين فتقول: لا جرم لآتينك، لا جرم قد أحسنت " وفي حديث قيس بن عاصم: لا جرم لأفلن حدها" (٦).
стр. 384
٤ - ما ذكره قسم من اللغويين والمفسرين أن معناها حقا (١).
٥ - لا أرى في نفسي اطمئنانا إلى أن (لا) زائدة في (لا جرم) وبخاصة إنه يمكن حملها على غير الزائدة، وذلك إذا جعلت نافية للجنس.
ولذلك وغيره أراني أميل إلى ما رآه الفراء، والله أعلم.
لا سيما:
سي اسم بمعنى (مثل) يقال: هو سيك أي مثلك: وهو ليس لك بسي، أي هو ليس نظيرا لك، ويقولون: (لا سي لمن فعل ذلك) (٢) أي لا مثل له.
و(لا سيما) تعبير معناه (لا مثل) فقولك (أحب أصدقائي ولا سيما محمد) معناه (ولا مثل محمد) أي أن محبتك له تفوق محبتك لأصدقائك الآخرين، جاء في (كتاب سيبويه): " وسألت الخليل عن قول العرب (ولا سيما زيد) فزعم أنه مثل قولك (ولا مثل زيد) و (ما) لغو" (٣).
ومن هذا يتبين أن (لا سيما) تعبير يراد به أن ما بعده منبه على أولويته بالحكم، فقولك (أحب العلماء ولا سيما العاملين) معناه أن العاملين من العلماء أولى بمحبتك من تقدمهم جاء في (التسهيل): " والمذكور بعد لا سيما منبه على أولويته بالحكم" (٤).
وجاء في (تاج العروس) أن (لا) و (سيما) " تركبا وصارا كالكلمة الواحدة وتساق لترجيح ما بعدها على ما قبلها، فيكون كالمخرج عن مساواته إلى التفضيل" (٥).
стр. 385
وقد يقع بعدها الشرط والظرف وغيرهما فتكون بمعنى خصوصا (١) تقول: (أن فلانا كريم ولا سيما أن أتيته صبحا) أي وخصوصا أن أتيته صبحا. ويقال (تستحب الصدقة في شهر رمضان ولا سيما في العشر الأواخر) أي وخصوصا في العشر الأواخر.
وهذا المعنى لا يختلف عن المعنى الذي ذكرناه لها آنفا، فإن معناها البتة تخصيص ما بعدها بالأولوية فقولك (أحب أصدقائي ولا سيما محمد) معناه وخصوصا محمدًا.
غير إن الذي دعا النحاة إلى ذكر هذا المعنى، إنهم لم يروا أحيانا اسما بعدها منبها على أولويته فذكروا لها هذا المعنى. فإنه لا يستقيم أن يقولوا في نحو (أحب الشعر ولا سيما إن كان رقيقا) أن المعنى (ولا مثل إن كان رقيقا) فقالوا إن معناه: وخصوصا إن كان رقيقا، بل أعربوها كذلك. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقد يحذف ما بعد لا سيما على جعله بمعنى خصوصا فيكون منصوب المحل على أنه مفعول مطلق" (٢).
وذكر أن لا سيما باق "على نصبه الذي كان له في الأصل حين كان اسم، لا التبرئة مع كونه منصوب المحل على المصدر لقيامه مقام خصوصا" (٣).
وذكر بعضهم إن " في قولهم (أن فلانا كريم لا سيما إن أتيته قاعدا) ما ههنا عوضا عن المضاف إليه، أي ولا مثله إن أتيته قاعدا" (٤)، وقيل أيضا إن (ما) كافة عن الإضافة (٥).
وأرى إن عد (ما) كافة عن الإضافة أولى، لأن ذلك لا يخرج لا سيما عن حقيقتها اللغوية، والمعنوية، بخلاف أعرابها مفعولا مطلقا فإن فيه بعدا إعرابيا حيث واقع (لا) مع اسمها مفعولا مطلقا.
стр. 386
وذهب بعض النحاة إلى أن (لا سيما) كلمة يستثنى بها (١).
والصحيح أنها لا يستثني بها، لأن ما بعدها داخل في حكم ما قبلها بل هو أولى مما قبله بالدخول. جاء في (الهمع): " والصحيح انها لا تعد من أدوات الاستثناء لأنه مشارك لهم في القيام [يعني: في قام القوم لا سيما زيد]، وليس تأكيد القيام في حقه يخرجه عن أن يكون قائما. ومما يبطل ذلك دخول الواو عليها وعدم صلاحية (إلا) مكانها بخلاف سائر الأدوات، فالمذكور بعدها ليس مستثني بل منبه على أولويته بالحكم المنسوب لما قبلها (٢).
أن (لا سيما) كما هو ظاهر قول النحاة جملة مؤلفة من لا واسمها وخبرها محذوف يقدره النحاة (موجود) (٣)، غير أنها لا تستقل بالاستعمال، فلا يقال (لا سيما خالد) مع أن المعنى مكتل، وهو (لا مثل خالد)، وسبب ذلك أنها - كما ذكرنا - تستعمل لبيان أولوية ما بعدها على ما قبلها، ولذلك لا تستقل بالكلام.
ويأتي بعدها الاسم مجرورا، أو مرفوعا، كما ذكر سيبويه تقول " أحب العلماء ولا سيما محمودٍ أو لا سيما محمودٌ".
فالجر على ان (ما) زائدة مؤكدة ومحمود مضاف إليه، فهي مزيدة بين المضاف والمضاف إليه، كما زيدت في قوله تعالى ﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على﴾ [القصص: ٢٨] (٤)، وقولهم: (غضبت من غير ما جرمٍ).
وذكر سيبويه أن زيادتها لازمة، لا يجوز حذفها إذ قد يكون الشيء زائدًا لازما قال: " ومثل ذلك: ولا سيما زيدٍ فرب توكيد لازمٌ حتى يصير كأنه من الكلمة" (٥).
стр. 387
وذكر غيره انها ليست لازمة جاء في (الهمع): "وزيادة (ما) بين المضافين مسموعة ويجوز حذفها نحو (لا سي زيد) نص عليه سيبويه، وزعم ابن هشام الخضراوي أنها زائدة لازمة لا تحذف وليس كما قال" (١).
والصواب: ما أثبتناه فإن سيبويه نص على أنها لازمة.
والرفع على أن (ما) موصولة أو نكرة موصوفة والتقدير: ولا مثل الذي هو محمود أولا، مثل شخص هو محمود، ويضعفه إطلاق (ما) من يعقل، وحذف العائد المرفوع وجوبًا مع عدم الطول (٢) فإنه لا يقال. ولا سي من محمود.
والفرق بين معنى الرفع والجر، أن معنى الجر في قولك (أحب العلماء ولا سيما محمود): أحب العلماء ولا مثل محمود (وما) زائدة تفيد التوكيد. وإذا جاز حذفها كما ذكر بعض النحاة فإن التعبير بـ (ما) آكد لأن الأحرف الزائدة غالبا ما يؤتى بها للتوكيد، وقد ذكر ذلك سيبويه فإنه عدها زائدة مؤكدة، قال: " ومثل ذلك (ولا سيما زيد) فرب توكيد لازم حتى يصير كأنه من الكلمة".
وأما الرفع فإنه أقوي من الجر كما هو ظاهر قول النحاة وكما هو ظاهر كلام الخليل جاء في (الكتاب): " وسألت الخليل عن قرب العرب (ولا سيما زيد) فزعم أنه مثل قولك (ولا مثل زيد) و (ما) لغو. وقال: ولا سيما زيدٌ كقولهم: دع ما زيدٌ (٣) ".
وأنت ترى الفرق واضحا بين الجر والرفع، ففي قوله (دع ما زيد) من الأولوية والتفضيل والترجيح ما ليس في الإضافة المباشرة. وهذا ظاهر كلام النحاة أيضا سواء قدرة (ما) اسما موصولا أم نكرة موصوفة، فإن فيها من الإيضاح بعد الإبهام ما ليس في الإضافة فإن قولك (ولا سيما محمودٌ) معناه كما يقول النحاة: (ولا مثل الذي هو محمود) فهذا إيضاحٌ بعد الإبهام بخلاف ما لو قلت: ولا مثل محمود. فدل ذلك على أن الرفع أقوى في الترجيح والتنبيه على أولويته من الجر، والله أعلم.
стр. 388
ظن وأخواتها
تدخل ظن وأخواتها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين - كما هو رأي الجمهور - تقول: ظننت عليا أخاك، جاء في (الكتاب): " هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحد المفعولين دون الآخر، وذلك قولك: حسب عبد الله زيدًا بكرا وظن عمرو خالدا أباك، وخال عبد الله زيدا أخاك ومثل ذلك، رأى عبد الله زيدا صاحبنا ووجد عبد الله زيدا ذا الحفاظ، وإنما منعك أن تقتصر على أحد المفعولين ها هنا إنك إنما أردت أن تبين ما استقر عندك من حال المفعول الأول يقينا كان أو شكا، وذكرت الأول لتعلم الذي تضيف إليه ما استقر له عندك من هو قانما ذكرت ظننت ونحوه لتجعل خبر المفعول الأول يقينا أو شكا، ولم ترد أن تجعل الأول فيه الشك أو تعتمد عليه بالتيقن (١) ".
وجاء في (شرح الألفية) لابن الناظم: " من الأفعال أفعال واقعة معانيها على مضمون الجمل، فتدخل على المبتدأ والخبر بعد أخذها الفاعل فتنصبها مفعولين" (٢).
وقيل أن المنصوب الثاني حال ويرده قولك (حسب عبد الله زيدا بكرا) إذ لا يمكن أن يكون (بكرا) حالا كما هو ظاهر.
ويقسم النحاة هذه الأفعال على قسمين:
١ - أفعال القلوب نحو علم وظن وحسب.
٢ - افعال التحويل أو التصيير نحو جعل واتخذ وترك.
стр. 389
أفعال القلوب
إن أفعال القلوب سميت كذلك لأنها أفعال قلبية باطنة لا ظاهرة حسية مثل ضرب وأكل ومشى. وهذه الأفعال منها ما هو لازم كقولك: جَبُن خالد وفرح ورغب، ومنها ما هو متعد وهو قسمان: منها ما يتعدى إلى واحد نحو كرهت خالدا وخفت الله، ومنها ما يتعدى إلى مفعولين (١)، وهذا القسم هو المقصود في هذا الباب.
اختصت أفعال القلوب: " بجوار أعمالها في ضميرين متصلين لمسمى واحد فاعلا والآخر مفعولا نحو ظننتني .. الحق بأفعال هذا الباب في ذلك رأي البصرية والحلمية بكثرة، وعدم، وفقد، ووجد بقلة، كقول الشاعر:
ولقد أراني للرماح دريئة
وقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦].
وحكى الفراء: " عدمتني، وفقدتني، ووجدتني، وذلك على سبيل المجاز لا الحقيقة" (٢)، ولا يقال: " ضربتني اتفاقا، لئلا يكون الفاعل مفعولا، بل ضرت نفسي وظلمت نفسي ليتغاير اللفظان" (٣).
وقد قسم النحاة هذه الأفعال على قسمين:
١ - أفعال دالة على اليقين، نحو علم، ورأي، ووجد، ودرى.
٢ - أفعال دالة على الرجحان، نحو ظن، وخال، وحسب، وزعم (٤).
وقد صنفت تصنيفا آخر لا يختلف عما ذكرت (٥).
стр. 390
معانيها
١ - أفعال اليقين .
علم:
وهو فعل يفيد اليقين، نحو قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦]، وكقولك: (علمت محمدا مسافرا).
وقيل تأتي للرجحان قليلا، كقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن﴾ [الممتحنة: ١٠]، لأنه لا سبيل إلى اليقين، فهي هنا بمعنى ظن (١).
والحق أنها للعلم لا للظن، فهناك فرق بين الظن والعلم، فقولك (ظننته مؤمنا) يختلف عن قولك (علمته مؤمنا) فإن الظن قد يكون بورود الأمر على الخاطر، وقد يكون بلا سبب يرجحه أو يكون السبب ضعيفا، بخلاف العلم، فإنه يكون بعد التثبت والاطلاع، ولذا جاء هذا القول بعد قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠].
علم وعرف:
يقول النحاة إنه إذا جاءت علم بمعنى عرف، تعدت إلى مفعول واحد جاء في (الكتاب): "وقد يكون علمت بمنزلة عرفت، لا تريد إلا علم الأول، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ " [البقرة: ٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ [الأنفال: ٦٠]، فهي ههنا بمنزلة عرفت (٢).