← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وذهب بعض النحاة إلى أن (لا سيما) كلمة يستثنى بها (١). والصحيح أنها لا يستثني بها، لأن ما بعدها داخل في حكم ما قبلها بل هو أولى مما قبله بالدخول. جاء في (الهمع): " والصحيح انها لا تعد من أدوات الاستثناء لأنه مشارك لهم في القيام [يعني: في قام القوم لا سيما زيد]، وليس تأكيد القيام في حقه يخرجه عن أن يكون قائما. ومما يبطل ذلك دخول الواو عليها وعدم صلاحية (إلا) مكانها بخلاف سائر الأدوات، فالمذكور بعدها ليس مستثني بل منبه على أولويته بالحكم المنسوب لما قبلها (٢). أن (لا سيما) كما هو ظاهر قول النحاة جملة مؤلفة من لا واسمها وخبرها محذوف يقدره النحاة (موجود) (٣)، غير أنها لا تستقل بالاستعمال، فلا يقال (لا سيما خالد) مع أن المعنى مكتل، وهو (لا مثل خالد)، وسبب ذلك أنها - كما ذكرنا - تستعمل لبيان أولوية ما بعدها على ما قبلها، ولذلك لا تستقل بالكلام. ويأتي بعدها الاسم مجرورا، أو مرفوعا، كما ذكر سيبويه تقول " أحب العلماء ولا سيما محمودٍ أو لا سيما محمودٌ". فالجر على ان (ما) زائدة مؤكدة ومحمود مضاف إليه، فهي مزيدة بين المضاف والمضاف إليه، كما زيدت في قوله تعالى ﴿أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على﴾ [القصص: ٢٨] (٤)، وقولهم: (غضبت من غير ما جرمٍ). وذكر سيبويه أن زيادتها لازمة، لا يجوز حذفها إذ قد يكون الشيء زائدًا لازما قال: " ومثل ذلك: ولا سيما زيدٍ فرب توكيد لازمٌ حتى يصير كأنه من الكلمة" (٥).

стр. 387

وذكر غيره انها ليست لازمة جاء في (الهمع): "وزيادة (ما) بين المضافين مسموعة ويجوز حذفها نحو (لا سي زيد) نص عليه سيبويه، وزعم ابن هشام الخضراوي أنها زائدة لازمة لا تحذف وليس كما قال" (١). والصواب: ما أثبتناه فإن سيبويه نص على أنها لازمة. والرفع على أن (ما) موصولة أو نكرة موصوفة والتقدير: ولا مثل الذي هو محمود أولا، مثل شخص هو محمود، ويضعفه إطلاق (ما) من يعقل، وحذف العائد المرفوع وجوبًا مع عدم الطول (٢) فإنه لا يقال. ولا سي من محمود. والفرق بين معنى الرفع والجر، أن معنى الجر في قولك (أحب العلماء ولا سيما محمود): أحب العلماء ولا مثل محمود (وما) زائدة تفيد التوكيد. وإذا جاز حذفها كما ذكر بعض النحاة فإن التعبير بـ (ما) آكد لأن الأحرف الزائدة غالبا ما يؤتى بها للتوكيد، وقد ذكر ذلك سيبويه فإنه عدها زائدة مؤكدة، قال: " ومثل ذلك (ولا سيما زيد) فرب توكيد لازم حتى يصير كأنه من الكلمة". وأما الرفع فإنه أقوي من الجر كما هو ظاهر قول النحاة وكما هو ظاهر كلام الخليل جاء في (الكتاب): " وسألت الخليل عن قرب العرب (ولا سيما زيد) فزعم أنه مثل قولك (ولا مثل زيد) و (ما) لغو. وقال: ولا سيما زيدٌ كقولهم: دع ما زيدٌ (٣) ". وأنت ترى الفرق واضحا بين الجر والرفع، ففي قوله (دع ما زيد) من الأولوية والتفضيل والترجيح ما ليس في الإضافة المباشرة. وهذا ظاهر كلام النحاة أيضا سواء قدرة (ما) اسما موصولا أم نكرة موصوفة، فإن فيها من الإيضاح بعد الإبهام ما ليس في الإضافة فإن قولك (ولا سيما محمودٌ) معناه كما يقول النحاة: (ولا مثل الذي هو محمود) فهذا إيضاحٌ بعد الإبهام بخلاف ما لو قلت: ولا مثل محمود. فدل ذلك على أن الرفع أقوى في الترجيح والتنبيه على أولويته من الجر، والله أعلم.

стр. 388

ظن وأخواتها تدخل ظن وأخواتها على المبتدأ والخبر فتنصبهما مفعولين - كما هو رأي الجمهور - تقول: ظننت عليا أخاك، جاء في (الكتاب): " هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى مفعولين وليس لك أن تقتصر على أحد المفعولين دون الآخر، وذلك قولك: حسب عبد الله زيدًا بكرا وظن عمرو خالدا أباك، وخال عبد الله زيدا أخاك ومثل ذلك، رأى عبد الله زيدا صاحبنا ووجد عبد الله زيدا ذا الحفاظ، وإنما منعك أن تقتصر على أحد المفعولين ها هنا إنك إنما أردت أن تبين ما استقر عندك من حال المفعول الأول يقينا كان أو شكا، وذكرت الأول لتعلم الذي تضيف إليه ما استقر له عندك من هو قانما ذكرت ظننت ونحوه لتجعل خبر المفعول الأول يقينا أو شكا، ولم ترد أن تجعل الأول فيه الشك أو تعتمد عليه بالتيقن (١) ". وجاء في (شرح الألفية) لابن الناظم: " من الأفعال أفعال واقعة معانيها على مضمون الجمل، فتدخل على المبتدأ والخبر بعد أخذها الفاعل فتنصبها مفعولين" (٢). وقيل أن المنصوب الثاني حال ويرده قولك (حسب عبد الله زيدا بكرا) إذ لا يمكن أن يكون (بكرا) حالا كما هو ظاهر. ويقسم النحاة هذه الأفعال على قسمين: ١ - أفعال القلوب نحو علم وظن وحسب. ٢ - افعال التحويل أو التصيير نحو جعل واتخذ وترك.

стр. 389

أفعال القلوب إن أفعال القلوب سميت كذلك لأنها أفعال قلبية باطنة لا ظاهرة حسية مثل ضرب وأكل ومشى. وهذه الأفعال منها ما هو لازم كقولك: جَبُن خالد وفرح ورغب، ومنها ما هو متعد وهو قسمان: منها ما يتعدى إلى واحد نحو كرهت خالدا وخفت الله، ومنها ما يتعدى إلى مفعولين (١)، وهذا القسم هو المقصود في هذا الباب. اختصت أفعال القلوب: " بجوار أعمالها في ضميرين متصلين لمسمى واحد فاعلا والآخر مفعولا نحو ظننتني .. الحق بأفعال هذا الباب في ذلك رأي البصرية والحلمية بكثرة، وعدم، وفقد، ووجد بقلة، كقول الشاعر: ولقد أراني للرماح دريئة وقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦]. وحكى الفراء: " عدمتني، وفقدتني، ووجدتني، وذلك على سبيل المجاز لا الحقيقة" (٢)، ولا يقال: " ضربتني اتفاقا، لئلا يكون الفاعل مفعولا، بل ضرت نفسي وظلمت نفسي ليتغاير اللفظان" (٣). وقد قسم النحاة هذه الأفعال على قسمين: ١ - أفعال دالة على اليقين، نحو علم، ورأي، ووجد، ودرى. ٢ - أفعال دالة على الرجحان، نحو ظن، وخال، وحسب، وزعم (٤). وقد صنفت تصنيفا آخر لا يختلف عما ذكرت (٥).

стр. 390

معانيها ١ - أفعال اليقين . علم: وهو فعل يفيد اليقين، نحو قوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦]، وكقولك: (علمت محمدا مسافرا). وقيل تأتي للرجحان قليلا، كقوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن﴾ [الممتحنة: ١٠]، لأنه لا سبيل إلى اليقين، فهي هنا بمعنى ظن (١). والحق أنها للعلم لا للظن، فهناك فرق بين الظن والعلم، فقولك (ظننته مؤمنا) يختلف عن قولك (علمته مؤمنا) فإن الظن قد يكون بورود الأمر على الخاطر، وقد يكون بلا سبب يرجحه أو يكون السبب ضعيفا، بخلاف العلم، فإنه يكون بعد التثبت والاطلاع، ولذا جاء هذا القول بعد قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]. علم وعرف: يقول النحاة إنه إذا جاءت علم بمعنى عرف، تعدت إلى مفعول واحد جاء في (الكتاب): "وقد يكون علمت بمنزلة عرفت، لا تريد إلا علم الأول، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ " [البقرة: ٦٥]، وقال سبحانه: ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ [الأنفال: ٦٠]، فهي ههنا بمنزلة عرفت (٢).

стр. 391

وقال ابن الناظم: " فإنها - أي علم - تكون لإدراك مضمون الجملة، فتنصب مفعولين وتكون لإدراك المفرد وهو العرفان، فتنصب مفعولا واحدًا كما تنصبه عرف .. قال (١): ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ [التوبة: ١٠١]. وقد تقول: وهل هناك فرق في المعنى بين علم وعرف؟ والجواب أن النحاة اختلفوا في ذلك، فقد ذهب بعضهم إلى أنه لا فرق بينهما. قال الرضي: " ولا يتوهم أن بين علمت وعرفت فرقا معنويا كما قال بعضهم، فإن معنى (علمت أن زيدًا قائمًا) و (عرفت أن زيدًا قائم) واحد، إلا أن (عرف) لا ينصب جزءي الإسمية كما ينصب (علم)، لا لفرق معنوي بينهما بل هو موكول إلى اختيار العرب، فإنهم قد يخصون أحد المتساويين في المعنى، بحكم لفظي دون الآخر (٢). وقيل إن بينهما فرقا في العلم يتعلق بالصفات والمعرفة بالذوات. جاء في (منثور الفوائد): (علمت) إذا كانت بمعنى (عرفت) تعدت إلى مفعول واحد، وإذا كانت لغير ذلك تعدت إلى مفعولين، وبيان ذلك أنك إذا قلت (عرفت زيدًا) فالمعنى إنك عرفت ذاته، ولم ترد أنك عرفت وصفا من أوصافه، فإذا أردت هذا المعنى لم يتجاوز مفعولا لأن العلم والمعرفة تناولا الشيء نفسه ولم يقصد غير ذلك. وإذا قلت: علمت زيدًا قائمًا لم يكن المقصود أن العلم تناول كون زيد موصوفا بهذه الصفة (٣). وجاء في (حاشية الخضري) أن العلم " يتعلق بصفة الشيء وحكمه وبالكليات، والمعرفة بالجزئيات وبالذات فمعنى علمت زيدًا قائمًا علمت اتصافه بالقيام، ومعنى. (عرفته) عرفت ذاته" (٤). وجاء في _ (حاشية الصبان): " فمعنى (علمت أن زيدًا قائم) علمت اتصاف زيد بالقيام لا علمت حقيقة القيام المضاف إلى زيد في نفسه ومعنى

стр. 392

(عرفت أن زيدًا قائم) عرفت القيام في نفسه لا اتصاف زيد به. وبين المعنيين فرق ظاهر (١). والصحيح أن بينهما فرقا كما قال أكثر النحاة، فإن العلم يتعلق بالصفات، والمعرفة تتعلق بالذوات، فهناك فرق بين قولك (علمت خالدا طالبا)، و (عرفت خالدا طالبا) فإن معنى الأولى علمت اتصاف خالد بصفة الطالبية أما عبارة (عرفت خالدا طالبا) فمعناها عرفت خالدا وهو طالب أي عرفت حين كان طالبا والفرق بينهما ظاهر. وقد تقول: وهل تأتي (علم) بمعنى (عرف)؟ وهل قوله تعالى (لا تعلمهم) معناه: لا تعرفهم؟ الذي يبدو أن المعنى مختلف. فقولك (لا تعرفهم) معناه لا تعرف ذواتهم، وأعيانهم أما قوله (لا تعلمهم)، فمعناه لا تعلم اتصافهم بهذه الخصلة، وهو قد يعرف ذواتهم وأشخاصهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾ [البقرة: ٦٥]، فليس معناه (عرفتم) لأنهم لا يعرفونهم، وبينهم القرون المتطاولة، ولكن معناه أنكم علمتم أمرهم وحالهم، وفرق بين المعنيين. درى: يستعمل (دري) بمعنى (علم) (٢) قال تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ [الأحقاف: ٩]، وأكثر ما يستعمل دري معدي بالباء، نحو (دريت بخالد) فإن دخلت عليه الهمزة تعدي لآخر بنفسه، كما في قوله تعالى: ﴿قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به﴾ [يونس: ١٦] (٣). قال أبو حيان: ولم يعد أصحابنا: (درى) فيما يتعدى إلى مفعولين (٤) وقد ورد هذا

стр. 393

الفعل في القرآن الكريم في اثنى عشر موطنا ولم ينصب مفعولا، وقد ورد في المواطن كلها معلقا كقوله تعالى: ﴿وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وقوله: ﴿ولم أدر ما حسابيه﴾ [الحاقة: ٢٦]، إلا في موطن واحد يحتمل التعليق وغيره، وذلك قوله تعالى ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾ والراجح أنه معلق. وقد تقول ما الفرق بين علم ودري؟ جاء في (تاج العروس) إنه قيل: " إن الدراية أخص من العلم كما في التوشيح وغيره. وقيل أن (دري) يكون فيما سبقه شك قال أبو علي، أو علمته بضرب من الحيلة ولذا لا يطلق على الله تعالى (١). والذي أراه أن الدراية تكون بعد الجهل بالشيء ولذا لا تستعمل في حق الله تعالى: (وعلم) أعم من ذلك، فقد يستعمل في ذلك غيره. ومما يدل على اختلافهما أنه لا يجوز وضع أحدهما مكان الآخر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]، فإنه لا يصح أن يقال (فإن دريتموهن مؤمنات)، وقوله: ﴿وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ [البقرة: ١٩٤]، وقوله ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله﴾ [الحجرات: ٧]، فأنت ترى أنه لا يحسن إبدال فعل الدراية بفعل العلم في مثل هذه المواطن مما يدل على أن الفعلين مختلفان. فالدراية كما ذكرنا تكون بعد الجهل، وفي الغالب تكون بإخبار، أو بما هو بمنزلة الأخبار كأن تعلم الأمر بضرب من الحيلة والتوسل، وذلك كأن يفعل شخص أمورا لا تعلمها ثم تحاول الإطلاع عليها بوسيلة ما، فتطلع على ذلك فتقول: قد دريت بما يفعل فلان.

стр. 394

تعلم: وهو بمعنى (أعلم) وليس أمرا للفعل (تعلم) الذي منه تعلمت النحو والفقه مثاله: تعلم شفاء النفس قهر عدوها ... فبالغ بلطف في التحيل والمكر وهو فعل لا يتصرف (١). أما (تعلم) في نحو: تعلم ما ينفعك فهو متصرف، وهناك فرق بين الفعلين، فعندما تقول (تعلم النحو) يكون المعنى خذ بأسباب العلم من الدرس والتحصيل. وتقول: تعلم أن الله يمهل الظالم ولا يهمله، ومعناه: اعلم ذلك. وليس المقصود به ما في الفعل الأول. جاء في (حاشية الخضري) في الفرق بين الفعلين أن الذي في نحو: تعلم الفقه " أمر بتحصيل العلم في المستقبل بتعاطي اسبابه، والأولى أمر بتحصيله في الحال بما يذكر من المتعلقات. والكثير المشهور دخولها علة أن وصلتها فتسد مسد مفعوليها كقوله: فقلت تعلم أن للصيد غرة ... والإتضيعها فإنك خاتلة وفي حديث الدجال: تعلموا أن ربكم ليس بأعور" (٢). وقيل ورد الفعل الماضي لتعلم " قال يعقوب: تعلمت أن زيدًا خارج، بمعنى علمت" (٣). ويظهر أن بين (تعلم) و (اعلم) فرقا، فإن المقصود بقولك: (تعلم) تلق ما أخبرك به كما يتلقى المتعلم العلم عن استاذه واحرص على معرفته كما يحرص المتعلم على ما يتعلمه، ففي هذا الفعل مبالغة ليست في (إعلم).

стр. 395

وجد: وهو من أفعال اليقين بمعنى (علم) قال تعالى: ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وهذا الفعل منقول من وجد الشيء ولقيه وأصله في الأمور الحسية، ثم نقل معناه إلى الأمور القلبية فعندما تقول: (وجدت الظلم وخيم العاقبة) كان معناه أنك وجدت هذا الأمر وأصبته كما تصاب الأمور المحسوسة ليس في ذلك شك، فنقل من هذا المعنى المادي إلى الأمر المعنوي، ولما كان وجدان الشيء ولقيه أمرا يقينا، كان الأمر العقلي بمنزلته. جاء في (التصريح): "وإنما ساغ مجيء وجد للعلم، لأن من وجد الشيء على حقيقته فقد علمه" (١). رأى: وهو من أفعال اليقين أيضا بعنى (علم) (٢) نحو: (رأيت الحق منتصرًا) فإن كان الفعل بصريا لا قلبيا تعدي إلى واحد نحو (رأيت سعيدًا). ورأي الحلمية كالقلبية تتعدي إلى اثنين كقوله تعالى: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ [يوسف: ٣٦]، وهذا الفعل منقول من الرؤية البصرية فأنت إذا رأيت شيئا فقد تيقنت منه وعلمته، ثم نقل من هذا المعنى إلى الأمور القلبية فإذا قلت مثلا: (رأيت الباطل زهوقا) كان المعني كأنك رأيت هذا الأمر بعينك، فكما أنه ليس في الرؤية العينية شك، كان هذا بمنزلته. ويقول النحاة أنه يأتي بمعنى (ظن) أيضا، وجعلوا منه قوله تعالى ﴿إنهم يرونه بعيدًا ونراه قريبا﴾ [المعارج: ٦ - ٧]، أي إنهم يظنون البعث بعيدًا أي ممتنعًا (٣).

стр. 396

والصواب: أنها بمعناها فمعنى أنهم يرون البعث بعيدًا أنهم يرونه كذا في اعتقادهم. والإنسان قد يعتقد رأيا ضالا ويرى إنه عين الصواب. ويدافع عنه ويموت في سبيله، فهم يرونه ممتنعا في حقيقته أولا. جاء في (شرح الرضي على الكافية) أن رأي " للاعتقاد الجازم في شيء أنه على صفة معينة سواء كان مطابقا أولا. فإذا كان بالمعنى المذكور وليته الاسمية المجردة عن (إن) نصب جزءيها نحو (رأيت زيدا غنيا) سواء كان في نفس الأمر غنيا أو لا، قال تعالى ﴿يرونه بعيدا﴾ وهو غير مطابق، و (نراه قريبا) وهو مطابق" (١). أرى: وقد استعمل (أرى) مبنيا للمجهول بمعنى الظن، كما يقول النحاة، ولم يستعمل بمعنى العلم (٢) كأن تقول: أرى الأمر مضاعا. والذي يبدو لي أنها بمعناها وأنها مبنية للمجهول، وأن الفرق بين قولك (أرى الأمر مضاعا) بالبناء للمعلوم وقولك (أرى الأمر مضاعا) بالبناء للمجهول، إن المبني للمعلوم أنك ترى هذا الأمر بنفسك، وإن هذا الأمر بمنزلة ما تراه بعينك. أما قولك (أرى الأمر مضاعا) فكأن هناك من يريد هذا الأمر، ولست تراه، أي لم تتبينه تبين الأمر الأول، ومن هنا جاء معنى الظن الذي يذكره النحاة. ألم تر ؟ تستعمل العرب هذا التعبير بمعنيين: أحدهما هو السؤال عن الرؤية البصرية أو القلبية كأن تقول: ألم تر خالدا اليوم؟ أو تقول: ألم تر الأمر كما رأيته؟ والآخر بمعنى: (ألم تعلم) و (ألم ينته علمك) وهي كلمة تقولها العرب عند التعجيب قال تعالى: ﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله﴾ [النحل: ٧٩]، وقال: ﴿أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم﴾ [الشعراء: ٧].

стр. 397

فهناك فرق بين القول (ألم يروا الطير مسخرات) و (ألم يروا إلى الطير مسخرات) فالرؤية الأولى رؤية بصرية، والثانية نظر عقلي وتفكري، أي ألم تر، فتمتد بك الرؤية إلى ما ذكرت لك من الأحوال، فتعجب من هذا الصنع الخلاق؟ ونحو قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة﴾ [النساء: ٧٧]، أي ألم تعجب من حالهم؟ فهناك فرق بين قولك (ألم تر الذين قيل لهم) وهذا القول. فالأولى رؤية بصرية، والثانية نظر تفكري، ودعوة إلى العجب من أمرهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: ٤٥]، وقوله: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد﴾ [الفجر: ٦]. جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وقوله: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]، متضمن معنى الإنتهاء أي ألم ينته علمك إلى حالهم؟ " (١). وجاء في (لسان العرب): " وقوله : ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيب من الكتاب يدعون إلى كتاب﴾ [آل عمران: ٢٣]، قيل معناه: ألم تعلم؟ أي لم ينته علمك إلى هؤلاء؟ ومعناه: أعرفهم .. وقال بعضهم: (ألم تر) ألم تخبر، وتأويله سؤال فيه إعلام، وتأويله أعلن قصتهم، وقد تكرر في الحديث: ألم تر إلى فلان وألم تر إلى كذا، وهي كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشيء، وعند تنبيه المخاطب كقوله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم﴾ ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ [آل عمران: ٢٣]، أي لم تعجب لفعلهم وألم ينته شأنهم إليك (٢). وجاء في (البرهان): " وأما قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ فدخلها معنى التعجب كأنه قيل: الم تعجب إلى كذا، فتعدت بإلى كأنه لم تنظر، ودخلت (إلى) بمعنى العجب، وعلق الفعل على جملة الاستفهام" (٣).

стр. 398

أرأيت: لهذا التعبير معنيان: الأول أن تسأل عن الرؤية البصرية أو القلبية، كأن تقول: أرأيت سعيدًا اليوم؟ أو تقول: أرأيت الأمر كما أخبرتك؟ والثاني: أن يكون بمعنى (أخبرني)، وذلك نحو قوله تعالى ﴿قل أريئتم إن اخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به﴾ [الأنعام: ٤٦]، وقوله: ﴿قال يقوم أرءيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون﴾ [هود: ٢٨]. ومعنى هذا الفعل منقول من الرؤية إلى معنى الأخبار، فقولك مثلا: أرأيت إن أصبحت أميرًا ماذا أنت فاعل؟ معناه: أنظرت في هذا الأمر؟ فأنت تستخيره عما سألته عنه. جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأما قولهم: (أرأيت زيدًا ما صنع) بمعنى (أخبرني) فليس من هذا الباب حتى يجوز الرفع في زيد بل النصب واجب فيه. ومعنى (أرأيت) أخبر، وهو منقول من (رأيت) بمعنى (أبصرت) أو (عرفت)، كأنه قيل: أأبصرته وشاهدت حاله العجيبة، أو أعرفتها أخبرني عنها، فلا يستعمل إلا في الاستخبار عن حالة عجيبة. وقد يؤتى بعده بالمنصوب الذي كان مفعولا به لرأيت نحو. أرأيت سعيدًا ما صنع. وقد يحذف نحو: ﴿أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله﴾ (١) [الأنعام: ٤٠]. "

стр. 399

أرأيتك: وقد يؤتى بالكاف بعد التاء، فيقال: أرأيتك، ولهذا الفعل معنيان واستعمالان: أحدهما: " أن يسأل الرجلُ الرجلَ، أرأيت زيدًا بعينك، فههذ مهموزة، فإذا أوقعتها على على الرجل منه قلت: أرأيتك على غير هذه الحال، يريد هل رأيت نفسك على غير هذه الحالة، ثم تثني، وتجمع، فتقول لرجلين أرأيتكما، وللقوم أرأيتموكم، وللنون أرأيتن كن، وللمرأة أرأيتك بخفض التاء، ولا يجوز إلا ذلك (١). والمعنى الآخر أن يكون بمعنى (أخبرني)، كما مر في (أرأيت) إلا أنه زيدت الكاف عليها لتوكيد الخطاب، والكاف هنا حرف يتصرف على حسب المخاطب، أما التاء فتبقي على حالها مفردة مفتوحة تقول: أرأيتك يا سعيد، ؟ أرأيتكما يا طالبان؟ ارأيتكم يا طلاب؟ أرأيتك يا طالبة؟ قال تعالى: ﴿قل أريتكم إن أتاكم عذاب الله﴾ [الأنعام: ٤٠]. جاء في (لسان العرب): " والمعنى الآخر أن تقول (أرأيتك) وأنت تقول: أخبرني فتهمزها وتنصب التاء منها، وتترك الهمز إن شئت وهو أكثر كلام العرب، وتترك التاء موحدة مفتوحة للواحد، والواحدة، والجميع في مؤنثه ومذكره فتقول للمراة: أرأيتك زيدا هل خرج؟ وللنسوة أرأيتكن زيدا ما فعل؟ وإنما تركت العرب التاء واحدة، لأنهم لم يريدوا أن يكون الفعل واقعًا. قال: ونحو ذلك قال الزجاج في جميع ما قال. قم قال: واختلف النحويوين في هذه الكاف التي في أرأيتكم .. والذي يذهب إليه النحويون في هذه الكاف التي في أرأيتكم .. والذي يذهب إليه النحويون الموثوق بعلمهم، أن الكاف لا موضع لها، وإنما المعنى أرأيت زيدًا ما حاله وإنما الكاف زيادة في بيان الخطاب، وهي المعتمد عليها في الخطاب، فتقول للواحد المذكر أرأيتك زيدا ما حاله؟ بفتح التاء والكاف، وتقول في المؤنث: أرأيتَكِ زيدًا ما حاله يا امرأة؟ فتح التاء على أصل الخطاب المذكر، وتكسر الكاف لأنها قد صارت آخر ما في الكلمة والمنبئة عن الخطاب.

стр. 400

فإن عديت الفاعل إلى المفعول في هذا الباب، صارت الكاف مفعولة تقول: رأيتني عالما بفلان، فإذا سألت عن هذا الشرط، قلت للرجل: أرأيتك عالما بفلان، وللإثنين أرأيتما كما عالمين بفلان، وللجميع أرأيتموكم لأن هذا في تأويل: أرأيتم أنفسكم. . قال ابن بري: وإذا جات أرأيتكما وأرأيتكم بمعنى أخبرني، كانت التاء موحدة فإن كانت بمعنى العلم ثنيت، وجمعت، قلت: أرأيتكما خارجين وأرأيتموكم خارجين؟ (١) وقد زيدت الكاف - كما ذكرنا - لتوكيد الخطاب وذلك كأن يكون المخاطب غافلا، أو كان الأمر يوجب زيادة التنبيه، قال تعالى: ﴿قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون. هل أريتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون﴾ [الأنعام: ٤٦ - ٤٧]. فأنت ترى أنه قال مرة (أرأيتم)، ومرة (أرأيتكم) وذلك يعود إلى سببين والله أعلم. الأول: أنه قال في الآية الأولى ﴿أريتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم﴾ فاحتاجوا بعد إلى زيادة في التنبيه والخطاب، وذلك إن فاقد السمع والبصر، والمختوم على قلبه، به حاجة إلى زيادة خطاب وتنبيه، أكثر من السوي، فقال فيما بعد (أرأيتكم). والسبب الثاني: أن الآية الثانية أشد من الآية الأولى تنكيلا وعذابا، فإن فيها عذاب الله الذي هو أشد من أخذ السمع والبصر، فاحتاج الموقف إلى تنبيه أكثر وزيادة حذر وحيطة فجاء بكاف الخطاب. وقد تقول: ولم قال الله تعالى في سورة يونس: ﴿قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرون﴾ [يونس: ١٠]، ولم يقل (أرأيتكم) كما قال في الآية السابقة أو كما في آية أخرى من سورة الإنعام فقد قال: ﴿قل أريتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين﴾ [الأنعام: ٤٠]، والآيات متشابهة، والموقف واحد؟ .

стр. 401

والحقيقة أن الموقف مختلف، والسياق غير متفق، فإنه لا ينبغي أن ينظر إلى الآيات مجردة، بل تؤخذ في مواطنها وسياقها، وهكذا ينبغي أن ينظر إلى كل نص أدبي، فإن اللغة ليست جملا مفردة بل هي مواقف ومواطن، وقد تصلح جملة في موطن، ولا تصلح في موطن آخر. وإليك إيضاح الفرق بين الآيتين: قال تعالى في سورة الأنعام: ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم. قل أريتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين﴾ [الأنعام: ٣٩ - ٤٠]. فأنت ترى إنه وصف الذين كذبوا بآيات الله بالصم والبكم، وإنهم في الظلمات فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه وخطاب ليسمعوا وليعوا، وهذا شبيه بالموقف الذي سبق أن ذكرناه آنفا في قوله تعالى: ﴿قل أريتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم﴾ بخلاف سورة يونس التي ليس فيها هذا الأمر، جاء في (البرهان): " وأما أرأيتك فقد وقعت هذه اللفظة في سورة الأنعام في موضعين، وغيرها وليس لها في العربية نظير، لأنه جمع فيها بين علامتي خطاب وهما التاء والكاف، والتاء اسم بخلاف الكاف فإنها عند البصريين حرف يفيد الخطاب، والجمع بينهما يدل على أن ذلك تنبيها على مبناها عليه من مرتبة، وهو ذكر الإستبعاد بالهلاك، وليس فيما سواها ما يدل على ذلك، فاكتفى بخطاب واحد. قال أبو جعفر بن الزبير: الإتيان بأداة الخطاب بعد الضمير المفيد لذلك، تأكيد باستحكام غفلته، كما تحرك النائم باليد، والمفرط الغفلة، باليد واللسان، ولهذا حذفت الكاف في آية يونس (١)، لأنه لم يتقدم قبلها ذكر صمم ولا بكم يوجب تأكيد الخطاب، وقد تقدم قبلها قوله: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار﴾ إلى (٢) فحصل تحريكهم وتنبيهم بما لم يبق بعده إلا التذكير بعذابهم أهـ (٣)).

стр. 402

٢ - أفعال الرجحان ظن: الظن "التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم .. وقال الراغب: الظن اسم لما يحصل من أمارة، ومتى قويت أدت إلى العلم، ومتى ضعفت لم تجاوز حد الوهم. ومتى قوي أو تصور بصورة القوي، استعمل معه أن المشددة او المخففة، ومتى ضعف استعمل معه أن المختصة بالمعدومين من القول والفعل (١) ". وجاء في (لسان العرب) إنه جاء في المحكم أن الظن " شك ويقين، إلا إنه ليس بيقين عيان، إنما هو يقين تدبر. فأما يقين العيان فلا يقالا فيه إلا علم (٢) ". وجاء ف (الاقتضاب) لابن السيد البطليوسي: "قال السيرافي: لا يستعمل الظن بمعنى العلم إلا في الأشياء الغائبة عن مشاهدة الحواس لها، لا يقال ظننت الحائط مبنيا وأنت تشاهدة (٣) ". وجاء في (الهمع): " ما استعمل في الأمرين، الظن واليقين وهو أربعة أفعال، أحدهما (ظن) فمن استعمالها بمعنى الظن ﴿إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ [الجاثية: ٣٢]، وبمعنى اليقين: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦]. وزعم أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون العبدري، أن استعمالها بمعنى العلم غير مشهور في كلام العرب، وأبقى الآية ونحوها على باب الظن، لأن المؤمنين، حتى الصديقين، مازالوا وجلين خائفين النفاق على أنفسهم، وزعم الفراء أن الظن يكون شكا ويقينا وكذبا أيضا، وأكثر البصريين ينكرون الثالث" (٤).

стр. 403

وجاء في (البرهان): "إن كل ظن يتصل بعد (أنْ) الخفيفة فهو شك كقوله ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول﴾ [الفتح: ١٢]، وكل ظن يتصل بعد (أنّ) المشددة فالمراد به اليقين كقوله: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ [الحاقة: ٢٠]، ﴿ظن أنه الفراق﴾ [القيامة: ٢٨]. والمعنى فيه: إن المشددة للتأكيد فدخلت على اليقين، وإن الخفيفة بخلافها فدخلت في الشك، مثال الأول، قوله : ﴿وعلم أن فيكم ضعفا﴾ [الأنفال: ٦٦]، ذكره بـ (أنّ) وقوله: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]. ومثال الثاني: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ [التوبة: ٧١]، والحسبان الشك فإن قيل: يرد على هذا الضابط قوله: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨]، قيل لأنها اتصلت بالفعل (١) ". وعند النحاة أنها للظن في الظاهر مع احتمال اليقين في بعض المواضع (٢)، وجاء في (شرح المفصل) لابن يعيش: "وقد يقوي الراجح في نظر المتكلم فيذهب بها مذهب اليقين، فتجري مجرى علمت، فتقتضي مفعولين أيضا من ذلك قوله تعالى: ﴿ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾ [الكهف: ٥٣]، فالظن ههنا يقين، لأن ذلك الحين ليس حين شك، ومنه قول الشاعر: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد والمراد اعملوا ذلك وتيقنوه لأنه إخراجه مخرج الوعيد ولا يحصل ذلك إلا مع اليقين (٣) ".

стр. 404

يتبين مما ذكرنا أن خلاصة آراء أهل اللغة في الظن ما يأتي: ١ - أنه للشك وهو الأصل فيه، وقد يستعمل لليقين قليلا. ٢ - أنه ليس يقين عيان، وإنما هو يقين تدبر، كما جاء في المحكم. ٣ - أنه لا يستعمل بمعنى العلم، كما ذكر أبو بكر العبدري. ٤ - أنه يكون شكا، ويقينا، وكذبا. ٥ - أن كل ظن استعمل، بعده أن المشددة، أو المخففة منها، فالمراد به اليقين. ٦ - ان كل ظن استعمل بعده أن المخففة فهو شك. ٧ - أن كل ظن استعمل معه (أن) المختصة بالمعدومين من القول والفعل وهي الناصبة للأفعال، يفيد الشك. والحقيقة أن في كثير مما ذكر نظرا، فما ذكره ابن السيد في المحكم إنه ليس بيقين عيان إنما هو يقين تدبر يرده قوله تعالى: ﴿ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾ [الكهف: ٥٣]، وهذا يقين عيان. وما ذهب إليه بعضهم من أن كل ظن ورد بعده أن المشددة أو المخففة منها فالمراد به اليقين فهذا غالب لا مطرد ومن غير الغالب قوله تعالى: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢]، وقوله: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم﴾ [الأعراف: ١٧١]، وقوله: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه﴾ [الأنبياء: ٨٧] وما ذهب إليه بعضهم من أن كل ظن استعمل معه (أن) الخفيفة فهو شك، مردود بقوله تعالى: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨]، وقوله: ﴿وأنا ظننا أن لن تعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا﴾ [الجن: ١٢].

стр. 405

وأما قوله إن كل ظن دخلت عليه أن الناصبة للفعل فهو شك فيرده قوله تعالى: ﴿ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة﴾ [القيامة: ٢٤ - ٢٥]، وهذا موطن يقين لا موطن شك. يظهر مما مر أن الأصل في الظن، أن يكون شكًا وذلك قوله تعالى: ﴿إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ [الجاثية: ٣٢]، وهذا الظن يتردد بين القوة والضعف، فقد يكون ضعيفا قريبا من الوهم، وقد يقوى حتى يقرب من اليقين، بل يكون يقينا كما يقول النحاة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ [الحاقة: ٢٠]، وقوله: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله﴾ [البقرة: ٢٤٩]. والذي يبدو لي أن ابقاءها على معناها ما أمكن أولى، وما ذكر من معاني اليقين يمكن تأويله فقوله تعال - مثلا ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾ يمكن أن يكون معناه: الذين وظنوا أنفسهم على الثبات في ساحة القتال وظنوا أنهم سيلاقون ربهم في هذه الوقعة، وقوله: ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ يعني إني ملاقيه على هذا الحال وهي حال السعادة، وهذا موطن الظن لا العلم، وقوله: ﴿ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾ [الكهف: ٥٣]، بمعنى أنهم لم ييأسوا من أن يخفف الله عنهم، ولكن الظن الراجح أنهم سيواقعون النار، وقوله: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾ [التوبة: ١١٨]، بمعنى انهم يطمعون في رحمة الله والتوبة عليهم، وهذا موطن ظن لا يقين، ونحوه ما ذكره في بقية الآيات وغيرها. وأظنك تحس الفرق بين كلمتي ظن وعلم في مثل هذه المواطن. حسب: يراد به الاعتقاد الراجح ومعناه الظن - كما يقول النحاة - نحو: حسبت زيدا صاحبك وكقوله تعالى: ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقد يستعمل لليقين قليلا كقوله:

стр. 406

حسبت التقى والجود خير تجارة ... رباحا إذ ما المرء أصبح ثاقلا (١) ويبدو أن بين حسب وظن فرقًا، فإن (حسب) القلبي، منقول من (حسب) الحسي الذي منه الحساب، ومنه حسب (٢) الدراهم أي عدها. فإن (حسب) في قولك (حسبت محمدًا صاحبك)، فيه معنى الحساب، أي حسب ذلك وانتهى إلى ما انتهى إليه، وليس هذا الفعل مطابقا للظن تماما، فهناك فرق بين قولك (تحسبهم جميعا)، و (تظنهم جميعا) فإن قولك (تحسبهم جميعا) إنما يكون بعد مراقبة أحوالهم، فكأنك أجريت عملية حساب، فأدي حسابك إلى ذلك بخلاف قولك (أظنهم). فالحسبان قائم على الحساب والنظر العقلي، بخلاف الظن الذي يدخل الذهن ويلابسه لادنى سبب قال تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا .. الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]، وقال: ﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ [المائدة: ٧١]، أي كان هذا في حسابهم. ثم انظر إلى قوله: ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك﴾ [يوسف: ٤٢]، ولم يقل (حسب) لأنه ظن بناه على رؤيا وليس في ذلك عمل حسابي. ثم الا ترى إنه لا يحسن أن تقوم إحدى الكلمتين مقام الأخرى أحيانا، وذلك نحو قوله تعالى ﴿لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين﴾ [النور: ١٢]، وقوله: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحى وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون﴾ [الجاثية: ٢٤]، وقوله: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وقوله: ﴿وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: ١٠]، وقوله: ﴿قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن لا ظنا وما نحن بمستيقنين﴾ [الجاثية: ٣٢].

стр. 407

وقوله: ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا﴾ [يونس: ٣٦]، وقوله: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء﴾ [الفتح: ٦]، وقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢]. ألا ترى أنه لا يحسن ههنا وضع الحسبان؟ فدل ذلك على ما ذهبنا إليه. خال: قالوا هو بمعنى (الظن) يراد به الاعتقاد الراجح كقولك: خلت سعيدًا أخاك، وقد يأتي لليقين بمعنى (علم) كقوله: دعاني الغواني عمهن وخلتني ... لي اسم فلا ادعى به وهو أول (١) وهذا الفعل ليس بمعنى الظن تماما، وإنما هناك اختلاف بينهما، فـ (خال) مشتق من الخيال (٢)، والخيال يأتي لمعان قال الراغب: " أصل الخيال القوة المجردة كالصورة المتصورة في المنام، وفي المرأة، وفي القلب، ثم استعمل في صورة كل أمر متصور، وفي كل دقيق يجري مجرى الخيال. قال: والخيال قوة تحفظ ما يدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غيبوبة المادة، بحيث يشاهدها الحس المشترك كلما التفت إليه (٣). " والخيال حيال الطائر، يرتفع في السماء فينظر إلى ظل نفسه فيرى أنه صيد، فينقض عليه، ولا يجد شيئا وهو خاطف ظله .. وتخيل الشيء له تشبه .. والخيال والخيالة ما تشابه لك في اليقظة والحلم من صورة .. وربما مر بك الشيء يشبه الظل، فهو خيال يقال تخيل لي خياله .. وخيل إليه أنه كذا على ما لم يسم فاعله من التخييل والوهم (٤) ".

стр. 408

فمن هذه الكلمة (الخيال) اشتقت كلمة (خال) وقالوا: تخيل فقولهم (من يسمع يخل) مثلا معناه إنه من يسمع شيئا عن الناس استبد به الخيال، وذهب في ذلك مبلغا ليس له حدود. وقولك (خلت سعيدًا أخاك) معناه أن هذا ما في خيالي أو هذا ما يخيل إلي. وعلى ذلك هو أضعف في الرجحان من (حسب)، لأنه قائم على التخيل في حين أن (حسب) مأخوذة من الحسبان الذي فيه معنى الحساب كما سبق ذكره. زعم: الزعم هو القول بأن الشيء على صفة قولا غير مستند إلى وثوق (١) فقد يكون حقا وباطلا (٢) ومن استعماله في التحقيق قول أبي طالب: ودعوتني وزعمت أنك ناصح ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا (٣) وأكثر ما يقع الزعم على الباطل (٤) قال تعالى: ﴿زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلي وربي لتبعثن﴾ [التغابن: ٧]، وقال: ﴿بل زعمتم ألن نجعل لكم مو عد ا﴾ [الكهف: ٤٨]. قال الليث: " سمعت أهل العربية يقولون: إذا قيل ذكر فلان كذا وكذا فإنما يقول ذلك لأمر يستيقن أنه حق، وإذا شك فيه فلم يدر لعله كذب، أو باطل، قيل زعم فلان (٥) ". عدّ: يقول النحاة هو بمعنى (ظن) وذلك نحو قوله: فلا تعدد المولى شريك في الغنى ... ولكنما المولى شريكك في العدم (٦)

стр. 409

وفي شرح الرضي أنه لاعتقاد كون الشيء على صفة، اعتقادا غير مطابق نحو قولك: كنت اعده فقيرا فبان غنيا (١). وهذا الفعل منقول من (عد) المحسوس الذي هو بمعنى الإحصاء، نحو قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ [النحل: ١٨]، إلى المعنى القلبي، فعندما تقول: (كنت أعده فقيرا) يكون المعنى إني كنت أحصيه في جملة الفقراء. حجا: قيل هو بمعنى (ظن) وذلك نحو قول الشاعر: قد كنت أحجو أبا عمرو أخاثقة ... حتى ألمت بنا يوما ملمات (٢) وهذا الفعل مأخوذ من (الحجا) وهو العقل والفطنة فإذا قلت: أحجو به خيرا أو قلت: حجوتك منجدا كان لمعنى أن هذا ما هداني إليه عقلي، وحجاي فقد يكون صحيحا وقد يكون غير ذلك. هب: وهو فعل أمر لا يتصرف بمعنى أحسب وظن. تقول: هبني فعلت هذا الأمر أي احسبني واعددني. وهو غير (هب) الذي ماضيه (وهب) من الهبة. جاء في (لسان العرب): " تقول: هب زيدا منطلقا بمعنى إحسب، يتعدى إلى مفعولين، ولا يستعمل منه ماض ولا مستقبل في هذا المعنى. ابن سيده وهبني فعلت ذلك أي احسبني واعددني ولا يقال: هب أني ولا يقال في الواجب (وهبتك فعلت ذلك) لأنها كلمة وضعت للأمر (٣).

стр. 410

تقول: قد تقع الجملة بعد القول ويراد بها لفظها، تقول: قال محمد: "خالد مسافر" أي تلفظ بهذا الكلام - وهذه الجملة تسمى محكية. وقد يراد بها معناها، لا نص الفاظها، فيكون القول بمعنى الظن، ويصبح فعل القول قلبيا، لأنه صار بمعنى الظن، وعند ذلك ينصب المبتدأ والخبر، كما ينصبهما ظن فقولك: (قلت: خالد مسافر) معناه إني قلت هذه الكلمات بألفاظها. ومعنى قولك (قلت خالدا مسافرا)، عند من يجيز ذلك - ظننت خالدا مسافرا، وليس المعنى إني تلفظت بهذه الكلمات، وبتعبير آخر إني ذكرت معنى الجملة لا لفظها، فلا يكون النصب إلا بعد إجراء القول مجرى الظن، وإما الرفع فعلى كونه بمعنى التلفظ (١). قال ابن يعيش: " وقد يجرون القول مجرى الظن، فيعملون عمله فإذا دخل على المبتدأ والخبر نصبهما، لأن القول يدخل على جملة مفيدة فيتصورها القلب ويترجح عنده وذلك هو الظن والاعتقاد والعبارة باللسان عنه هو القول، فأجروا العبارات على حسب المعبر عنه ألا ترى أنه يقال: هذا قول فلان ومذهب فلان. وما تقول في مسألة كذا ومعناه: ما ظنك وما اعتقادك؟ فمنهم من يعمله عمل الظن مطلقا نحو: قال زيد عمرا منطلقا ويقول زيد عمرا منطلقا من غير اشتراط شيء، كما أن الظن كذلك، وهي لغة بني سليم ومنهم من يشترط (٢). وعند عامة العرب أنه لا يجري القول مجرى الظن، إلا بشروط هي: كون الفعل مضارعا، وإن يكن مسبوقا باستفهام، وألا يفصل بين الاستفهام وفعل القول بفاصل، وذلك نحو قولك: أتقول خالدا منطلقا؟

стр. 411

ومذهب سليم إجراء القول مجرى الظن مطلقا، سواء وجدت هذه الشروط أم لا (١). يقول النحاة: " فإذا اجتمعت الشروط المذكورة جاز نصب المبتدأ والخبر مفعولين نحو: اتقول زيدًا منطلقا؟ وجاز رفعها على الحكاية، نحو: أتقول: زيد منطلق (٢)؟ " وليس معنى هذا القول أن لك أن تقول أية عبارة متى شئت، وإنما ذلك بحسب القصد والمعنى، فإن قصدت التلفظ بالعبارة نفسها، فليس ذلك إلا أن ترفع، وأن أردت معنى الظن أي أردت ذكر معنى الجملة لا لفظها، فليس لك إلا أن تنصب فقولك: (أتقول: زيد منطلق) معناه أتتلفظ بهذه العبارة؟ وقولك: (أتقول زيدا منطلقا) معناه أتظن هذا الأمر؟ . وهناك فرق بين المعنيين. وكذلك ما يذكر بالنسبة إلى لغة سليم، من أنهم يجرون القول مجرى الظن مطلقا، ليس معناه أنهم يجرون لك من دون نظر إلى المعنى، بل لا ينصبون إلا إذا أرادوا معنى الظن وقصدوا معنى الجملة فإن قصدوا التلفظ بها لم يكن إلا الرفع (٣).

стр. 412

أفعال التحويل جعل: وهو من أفعال القلوب والتحويل فمن مجيئه من أفعال القلوب قوله تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾ [الزخرف: ١٩]، أي ظنوهم واعتقدوهم (١). ومن مجيئة للتحويل والتصيير، قوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ [الفرقان: ٢٣]. وأصل الجعل حسي، تقول: جعل الشيء يجعله جعلا أي وضعه وجعله، صنعه وجعله صيره قال سيبويه: جعلت متاعك بعضه فوق بعض ألقيته وقال مرة عملته .. وجعل الطين خزفا والقبيح حسنا صيره إياه (٢). ثم نقل إلى معنى الظن والاعتقاد، فإذا قلت: (جعل البصرة بغداد) كأن المعنى كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا لا يكون، لأن البصرة لا تكون بغداد، فهم من ذلك أنه أريد الظن، وكذلك إذا قلت (جعل عليا أخاك)، كان المعنى كأنه فعل ذلك، ولما كان هذا لا يكون لأن الرجل لا يكون اخا بالجعل، فهم منه أنه قصد الظن. وهذا الاستعمال لا يزال جاريا عند العامة، تقول العامة: فلان لا يدري ما يقول جعل خالدا أخي ومحمدا عمي، ويقولون أيضا: سوى خالد أخي (وسوى) بمعنى جعل عندهم، فنقل هذا الفعل من المعنى الحسي إلى المعنى القلبي.

стр. 413

اتخذ وتخذ: وهما من أفعال التحويل والتصبير قال تعالى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله﴾ [المجادلة: ١٦]، وتقول: (تخذت دارك سكنا لي) وقريء لتخذت عليه أجرا. وهذان الفعلان بمعنى واحد، وقيل بل هما في الأصل من مادة واحدة، فقد ذهب قسم من اللغويين إلى أن (تخذ) مبني من (أخذ)، جاء في (لسان العرب): " والاتخاذ افتعال ايضا من الأخذ إلا أنه ادغم بعد تليين الهمزة وابدال التاء ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال، توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه، فعل يفعل، قالوا تخذ يتخذ، وقريء لتخذت عليه أجرًا .. الليث: يقال: اتخذ فلان مالا يتخذه اتخاذا وتخذ يتخذ تخذا، وتخذت مالا أي كسبته الزمت التاء الحرف كأنها أصلية، قال الله : ﴿لو شئت لتخذت عليه أجرًا﴾ قال الفراء: قرأ مجاهد لتخذت .. وأصلها افتعلت (١). وذهب آخرون إلى أنها مادتين مختلفتين (٢). ويبدو لي أن الرأي الأول أرجح، وله نظائر في اللغة فإن التوهم موجود في اللغة فقد همز العرب (مصائب)، و (منائر) توهما أن (مصيبة) مثل (صحيفة)، و (منارة) مثل رسالة فكما همزوا صحائف، همزوا أيضا منائر وليست ياء (مصيبة) زائدة كياء (صحيفة) (٣). وقال بعض العرب (مالك الموت) يعني ملك الموت توهما منه أن كلمة (ملك) من (ملك يملك)، وهو في حقيقته من (لأك) (٤).

стр. 414

وفي النحو باب يسمى العطف على التوهم، قال أبو علي الفارسي: " إنما دخل هذا النحو في كلامهم، لأنه ليست لهم أصول يراجعونها ولا قوانين يعتصمون بها، وإنما تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون به فربما استواهم الشيء فزاغوا به عن القصد " (١). ترك: وأصل ترك كونه " بمعنى طرح وخلي، فلها مفعول واحد ضمن معنى صير فتعدي لاثنين نحو ﴿وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾ [البقرة: ١٧]، قال الشاعر: وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه صير: وهو فعل من (صار) ويقال أصار أيضا: جاء في (الهمع): " صير وأصار المنقولان من صار، إحدى أخوات كان بالتضعيف والهمز (٢) " نحو صيرت الطين إبريقًا. رد: الرد صرف الشيء ورجعه إليه (٣) تقول: رددت الصبي إلى أهله، ثم ضمن معنى التصيير كقوله: رمى الحدثات نسوة أل حرب ... بمقدار سمدن سمودا فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا (٤).

стр. 415

وهب: وأصله من الهبة، ثم ضمن معنى التصيير وذلك نحو قولهم: وهبني الله فداك. ومعنى هذا القول أن جعله فداء محبوب لديه، وهو بمنزلة الهبة، فدعا لنفسه أن يجعل الله فداء له. " وهو بهذا المعنى لازم المضي لجريان كالمثل" (١). الالغاء الالغاء " هو ترك العمل لفظا ومعنى لا لمانع نحو زيد ظننت قائم، فليس لـ (ظننت) عمل في (زيد قائم) لا في المعنى ولا في اللفظ" والالغاء يكون في الأفعال القلبية المتصرفة أما غير المتصرفة فلا يكون فيها تعليق ولا الغاء، وكذلك أفعال التحويل نحو صير وأحوالها (٢). ويجوز الفاء الافعال القلبية المتصرفة " إذا وقعت في غير الابتداء، كما إذا وقعت وسطا نحو: (زيد ظننت قائم)، أو آخرا نحو: (زيد قائم ظننت)، وإذا توسطت، فقيل الأعمال، والالغاء سيان، وقيل الأعمال أحسن من الالغاء، وإن تأخرت فالالغاء أحسن" (٣). إذا لم يؤكد العامل بمصدر منصوب، كزيدا قائما ظننت ظنا، وإلا قبح الالغاء، إذ التوكيد دليل الاعتناء بالعامل، والالغاء ظاهر في عدمه، فبينهما شبه التنافي (٤)، وبشرط أن لا يكون العامل منفيا، فلو نفي تعين الاعمال قائما لم أظن، لأن الغاءه حينئذ يوهم أن ما قبله مثبت، فيتناقض نفي الفعل بعده، لتوجهه في المعنى إلى المفعولين (٥).

стр. 416

أما إذا تقدم الفعل فيجب الأعمال ويمتنع الالغاء عند البصريين (١). إن قول النحاة أنه يجوز الغاء الفعل إذا توسط أو تأخر، قد يفهم منه أنه يسوغ ذلك متى شاء المتكلم، دون نظر إلى المعنى. والحق أن معنى الإلغاء غير معنى الأعمال، والمتكلم مقيد بالمعنى، فليس له أن يعمل أو يلغي من دون نظر إلى القصد والمعنى. إن معنى الأعمال أن الكلام مبني على الظن، تقدم الفعل أو تأخر، ومعنى الالغاء أن الكلام مبني على اليقين، ثم أدركك الشك فيما بعد، فقولك (محمدا قائما ظننت) مبني على الشك ابتداء، وقولك (محمد قائم ظننت) مبني على اليقين فإن بنيت كلامك على الظن، نصبت، تقدم الفعل أو تأخر، وإن بنيته على اليقين، رفعت. جاء في (الكتاب): "فإن الغيت قلت: عبد الله اظن ذاهب وهذا - إخاك - أخوك. وفيها - أرى - أبوك. وكلما اردت الالغاء فالتأخير أقوى وكل عربي جيد .. وإنما كان التأخير اقوى لأنه إنما يجيء بالشك بعدما يمضي كلامه على اليقين، أو بعدما يبتديء، وهو يريد اليقين ثم يدركه الشك كما تقول: عبد الله صاحب ذلك بلغني، وكما قال: من يقول ذلك تدري. فأخر مالم يعمل في أول كلامه، وإنما جعل ذلك فيما بلغه بعدما مضى كلامه على اليقين وفيما يدري. فإذا ابتدأ كلامه على ما في نيته من الشك أعمل الفعل، قدم أو آخر، كما قال: زيدا رأيت ورأيت زيدا. وكلما طال الكلام ضعف التأخير أذا أعملت. وذلك قولك (زيدا أخاك أظن) فهذا ضعيف، كما يضعف: زيدا قائما ضربت" (٢). وجاء في (الهمع): "فإن بدأت لتخبر بالشك أعملت على كل حال، وإن بدأت وأنت تريد اليقين ثم أدركك الشك، رفعت بكل حال" (٣).

стр. 417

وجاء في (حاشية يس على التصريح): "وإن كان المتقدم ما يصلح أن يكون معمولا لهذه الأفعال نحو: أين تظن زيدا قائمًا؟ أو متى تظن زيدا قائما؟ فإن جعلتهما معمولين لـ (قائم) فأنت بالخيار، إن شئت أعملت لبنائك الكلام على الظن، وإن شئت ألغيت ولم تبن الكلام على الظن، فقلت أولا (زيد قائم) ثم اعترضت بالظن بين (متى) و (زيد) وإن جعلت (أين) و (متى) معمولين لتظن، لم يجز إلا الأعمال" (١). فاتضح بها أن معنى الأعمال غير معنى الالغاء. وأما قول سيبويه إنه " كلما طال الكلام ضعف التأخير إذا اعملت، وذلك قولك زيدا أخاك أظن، فهذا ضعيف، كما يضعف (زيدا قائما ضربت) ففيه نظر، لأن الكلام إنما يكون تأليفه بحسب القصد والمعنى، وليس فيما ذكر ضعف، وتقديم المفعول إنما يكون للاهتمام والحصر، وايضاح ذلك أنك تقول: ١ - ظننت محمدا قائما - تقول هذه العبارة إذا كان المخاطب خالي الذهن من الخبر فأخبرته بما في ذهنك. ٢ - محمد ظننت قائما - تقول هذه العبارة إذا كان المخاطب يعتقد أنك تظن خالدا قائما لا محمدا، فقدمت له (محمدا) لإزالة الوهم من ذهنه. ٣ - محمد قائم ظننت - تقول هذه العبارة إذا كان المخاطب يعتقد أنك تظن أن خالدا جالس- فهنا حصل الوهم من ناحيتين: من ناحية الشخص، والوصف، فقدمتها لازالة الوهم. فالفرق بين هذه العبارة، وما قبلها أن الشك في الأولى كان في الشخص لا في الوصف فقدمت الشخص، وفي الأخيرة كان الشك في الشخص، والوصف، فقدمتهما لإفادة الحصر والاهتمام.

стр. 418

أما الأولى فالمخاطب فيها خالي الذهن، لا يعلم شيئا عن الخبر، فجئته بالتعبير الطبيعي وهو الفعل، ثم المفعول الأول، ثم الثاني. ٤ - محمدٌ - ظننت قائم، تقول هذه العبارة إذا بنيت كلامك على اليقين فإنك أردت أن تخبر أن محمدا قائم، ثم اعترضك الظن، وأنت تتكلم، فقلت ما قلت. فجملة (ظننت) ههنا اعتراضية لا محل لها من الإعراب. فهناك فرق بين هذه العبارة وقولنا (محمد ظننت قائمًا) كما هو واضح، أن قولنا (محمد ظننت قائمًا) جملة واحدة وقولنا (محمد ظننت قائم) جملتان: الجملة المعقول عليها الكلام وهي (محمد قائم) والجملة الاعتراضية التي اعترضت بين المبتدأ والخبر وهي (ظننت)، وهذا نظير قول من يقول: خالد غفر الله له مسيء، فالكلام معقود بقولنا (خالد مسيء) واعترض المتكلم بقوله: غفر الله له ولذا يقع الفعل الملغي شأن الجمل الاعتراضية بين الفعل ومرفوعه، كقولك ضرب أحسب زيدٌ ومنه قوله: شجاك أظن ربع الظاعنينا ... ولم تعبأ بقول العاذلينا وبين معمولي (إن) نحو: أن سعيدا أحسب مسافر، وبين سوف ومصحوبها نحو: أسوف أحسب يحضر محمود قال الشاعر: وما أدري وسوف أخاك أدري وبين المعطوف والمعطوف عليه نحو: جاء محمد وأحسب خالد وغير ذلك (١). ٥ - محمدٌ قائم ظننت، تقول هذه العبارة إذا بنيت كلامك على اليقين وأمضيت كلامك على ذلك، أي أردت أن تخبر بقيام محمد من دون (ظن)، فأخبرت بذذلك وقلت (محمد قائم)، ثم أدركك الظن في الآخر، فاستأنفت كلاما جديدًا وقلت: ظننت.

стр. 419

فهناك فرق بين قولك (محمد قائما ظننت) و (محمد قائم ظننت) كما أوضحناه. ففي النصب يكون الكلام في جملة واحدة، وقد بني الكلام على الظن، وفي الرفع يكون الكلام جملتين، وقد بني على اليقين، الجملة الأولى (محمد قائم)، والجملة الثانية (ظننت)، وهي من الجمل الإستئنافية التي لا محل لها من الإعراب. جاء في (المغني) في الجملة المستأنفة: "ومنه جملة العامل الملغي لتأخره نحو (زيد قائم أظن). فأما العامل الملغي لتوسطه نحو (زيد أظن قائم) فجملته أيضا لا محل لها إلا أنها من باب جمل الإعتراض" (١). ولذا لا يصح توكيد الفعل الملغي بمصدر منصوب " لأن التوكيد دليل الاعتناء بالفعل والإلغاء ظاهر في عدمه " كما أسلفنا، إذ كيف يؤكد الظن والكلام غير معقود عليه؟ بخلاف الفعل العامل، فإن الكلام مبني عليه ولذا جاز توكيده. التعليق التعليق " مأخوذ من قولهم (امرأة معلقة) أي مفقودة الزوج، تكون كالشيء المعلق لا مع الزوج لفقدانه، ولا بلا زوج لتجويزها وجوده، فلا تقدر على التزوج. فالفعل المعلق ممنوع من العمل لفظا عامل معنى وتقديرا" (٢). فالتعليق في النحو إبطال العمل لفظا لا محلا لمجيء ماله صدر الكلام بعده (٣). كما النافية، ولام الابتداء، والاستفهام، تقول: علمت ما محمدا مسافرا، وعلمت لمحمد مسافر، وعلمت أيهم أبوك (٤).

стр. 420

وهو مختص بالأفعال القلبية التصرفة (١). وقد تشاركها أفعال أخرى قليلة، كقوله تعالى: ﴿فلينظر أيها أزكى طعامًا﴾ [الكهف: ١٩]، و (سل أيهم قام)، برفع أي، أما إذا قلت (سل أيهم قام) بنصب (أي) فالفعل ليس معلقًا. والفرق بين الجملتين إن (أي) الأولى استفهامية والمعنى: سل الناس عمن قام. وبالنصب تكون (أي) موصولة، والمعنى سل القائم. ونحو ذلك إن تقول: (سل من قام) فإنه يحتمل التعليق وغيره، فإنه يحتمل أن تكون (من) موصولة والمعنى: سل الذي قام والفعل غير معلق، ويحتمل أن تكون (من) استفهامية والمعنى: سل الناس عمن قام، والفعل يكون عند ذلك معلقا. جاء في (شرح الرضي على الكافية): "واعلم أنك إذا قلت: علمت من قام وجعلت (من) أما موصولة أو موصوفة فالمعنى عرفت ذات القائم بعد أن لم أعرفها. وإن جعلتها استفهامية فليس في الكلام دلالة على هذا المعنى، بل المعنى علمت أي شخص حصل منه القيام وربما كنت تعرف قبل ذلك ذات القائم وإنه زيدا مثلا، وذلك لأن كلمة الاستفهام يستحيل كونها مفعولا لما تقدم لفظه عليها، لاقتضائها صدر الكلام فيكون مفعول علمت إذن مضمون الجملة، وهو قيام الشخص المستفهم عنه أعني زيدا. وأما إن كانت موصولة أو موصوفة فالعلم واقع عليها فكأنك قلت: علمت زيدًا الذي قام" (٢) وذكر الأستاذ إبراهيم مصطفى إن الأدوات التي تعلق الفعل عن العمل تدل على أن الكلام الثاني مستقل عن الأول قال: " وما الأدوات التي عدها النحاة معلقه للفعل عن العمل، إلا دلائل على ان الكلام الثاني مستقل، يقصد إلى الإخبار به، فيذكر ما معه ما يشهد ابتداء الكلام واستئنافه وأنه لم يجيء بمنزلة اللاحق وإن جاء في اللفظ متأخرًا" (٣).

стр. 421

وهذا وهم ظاهر فيما يبدو، لأن ما بعده الأداة مرتبط ارتباطا وثيقا بما قبله، وليس مستقلا عنه وإنك لو فصلته عنه لتفكك الكلام، وما استفهام، ففي قوله تعالى مثلا ﴿فلينظر أيها أزكي طعامًا﴾ [الكهف: ١٩]، جملة (أيها أزكي طعامًا) مرتبطة ارتباطا تاما بقوله (فلينظر) وإن قطعتها عنه لم تجد المعنى يستقيم، فماذا ينظر، إذا لم يكن القصد ربط النظر بالطعام؟ وكذلك قوله تعالى: ﴿سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾ [القمر: ٢٦]، فقوله (من الكذاب)، مرتبط ارتباطا كلاما بقوله (سيعلمون) وإلا فماذا سيعلمون؟ ومما يدل على ارتباط ما قبل الأداة بما بعدها، جواز العطف على محل الجملة المعلقة، كما في قول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فقوله (موجعات القلب) عطف على محل (ما البكا)، ولذلك انتصب وهو دلالة قاطعة على ارتباط المعلق بالفعل، وإلا لم ينتصب المعطوف. قال الأستاذ: محمد أحمد عرفة: " ولو تأملت ما بين أيدينا من أمثلة التعليق في كلام الله ، وكلام العرب، لوجدت النظم يقتضي من جهة المعنى أن يكون الفعل متعلقا بما قبله، وأن يكون ما بعد أدوات التعليق متعلقا بالفعل، فيكون تاليا في المعنى كما هو تال في اللفظ ولا يجوز أن يكون مبتدأ به عن استقلال. قال الله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ [الكهف: ١١ - ١٢]. ففي الآية أداة من أدوات التعليق وهي (أي) علقت (نعلم) عن العمل، ومساق النظم يقتضي أن تكون (أي الحزبين أحصى) متعلقة بنعلم، متأخرة عنها في المعنى، ولا يجوز أن تكون مستقلة عنها، مبتدأ بها في المعنى، ذاك لأنه بدأ فذكر أنه أنامهم سنين، ثم بعثهم لعلة وهي أن يعلم، وماذا يعلم؟ يعلم شيئا خاصًا وهو: من منهم أحصى أمدا لما لبثوا؟

стр. 422

هذا سياق الكلام ونظمه فلو ذهبت تقطع (أيهم أحصى) عن (نعلم)، وتجعلها مقدمة في المعنى، غير تابعة لنعلم، بل مقدمة عنه، فككت الآية وقطعت ما بينها من أواصر، لا يتم المعنى إلا بها، لأنه يصير المعنى ثم بعثناهم لأيهم أحصى لما لبثوا أمدا نعلم وهذا كلام مفكك لا معنى له يجب تنزيه كلام الله عن أن يحمل عليه .. قال الشاعر: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت نظم البيت يقتضي أن يكون (البكا) متعلقا بما أدري، متأخرا عنه في المعنى، ولا يجوز أن يكون متقدما في المعنى، ذاك لأنه بدأ فبين إنه ما كان يدري قبل عزة، وها هو الذي لا يدريه؟ هو شيء خاص وهو: ما البكا وموجعات القلب. فلو ذهبت تقدم (ما البكا) وتؤخر (أدري قبل عزة) جئت بالمحال، ذلك لأنه يكون: وما كنت ما البكا أدري قبل عزة. وأغلب أمثلة التعليق تأتي في هذه الإحالة التي ذكرناها" (١). العطف على الجملة المتعلقة: التعليق كما ذكرناه إبطال العمل لفظا لا محل، فمحل الجملة المعلق عنها الفعل، النصب - كما يقول النحاة - ولذا جاز العطف على محل الجملة، تقول: ظننت لمحمد مسافر وعليا حاضرا قال كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجغات القلب حتى تولت فعطف (موجعات) بالنصب على محل قوله (ما البكا) كما يجوز العطف مراعاة للفظ نحو قولك علمت لمحمدٌ مسافر وعلى حاضر (٢). وههنا قد يعرض سؤال وهو: هل معنى النصب والرفع واحد؟ هل معنى قولك (علمت لمحمدٌ مسافر وخالدً راجع) مماثل لقولك: (علمت لمحمدٌ مسافرٌ وخالدًا راجعًا)؟

стр. 423

إن النحاة صرحوا بجواز الوجهين من دون أن يشيروا إلى اختلاف المعنى، والذي يبدو لي أن بين الوجهين فرقا. وإيضاح ذلك أن لام الابتداء تفيد التوكيد، فقولك (علمت لمحمد مسافر) آكد من قولك (علمت محمدا مسافرا) جاء في (كتاب سيبويه): "ومن ذلك قد علمت لعبد الله خير منك، فهذه اللام تمنع العمل كما تمنع الف الاستفهام، لأنها إنما هي لام الابتداء وإنما أدخلت عليه (علمت) لتؤكد، وتجعله يقينا قد علمته، ولا تحيل على علم غيرك" (١). فدخول اللام أفاد معنى التوكيد وجعلها في التأكيد بمنزلة جواب القسم، بل هي عند الكوفيين لا القسم، والقسم مقدر، (٢) فإذا عطفت بالرفع، كان المعنى على تقدير اللام فتكون بمنزلة ما قبلها في التوكيد، وإذا نصبت لم يكن المعنى على تقدير اللام، فكانت الجملة المعطوف غير مؤكدة، فقولك (خالد راجع) في (علمت لمحمد مسافر وخالد راجع) مؤكدة بمنزلة المعطوف عليه. أما قولك (علمت لمحمد مسافرٌ وخالدًا راجعًا) فإن الجملة الأولى فيه مؤكدة بخلاف الإسميين المنصوبين، وكذلك في الاستفهام نحو قوله: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت فالرفع يكون على تقدير الاستفهام والمعنى: ولا أدري ما موجعات القلب، أما النصب فليس على تقدير الاستفهام، وإنما المعنى وما كنت أدري موجعات القلب. وكذلك لو قلت: (علمت أمحمد حاضر وخالدا غائبا) فإن قولك (علمت أمحمد حاضر) معناه: علمت أهو حاضر أم غائب، ولم تخبر عنه بل تركته لعلمك، وقولك (وخالدا غائبا)، معناه: وعلمت خالدا غائبا، فقد أخبرت عن غياب خالد، ولم تخبر عن حضور محمد.

стр. 424

ولو عطفت بالرفع فقلت (علمت أمحمدٌ حاضرٌ وخالدٌ غائبٌ) لكانت الجملة المعطوفة داخلة في الاستفهام، ولكان معنى الجملتين واحدًا. وكذلك بالنسبة للنفي فلو قلت: (علمت ما محمدٌ حاضرٌ وخالدًا مسافرًا) لكان المعنى أن جملة (ما محمدٌ حاضرٌ) منفية، و (خالدا مسافرا) مثبتة أي وعلمت خالدا مسافرا وهذا نظير قولنا: (علمت خالدا مسافر وما محمد حاضر) فالأولى مثبته، والثانية منفية. فإن قلت (وخالد مسافر) كانت الجملة منفية عطفا على الأولى أي: وما خالد مسافر. وقد تقول: وما الفرق بين قولنا (علمت ما محمدٌ حاضرٌ ولا خالدٌ مسافرٌ) وقولنا (ولا خالدا مسافرًا)؟ والجواب إن الرفع يدل على التشريك في الحكم، فحكم الجملة الثانية بمنزلة الأولى في النفي. أما النصب فيدل على أن (لا) غير معلقة، فإن (لا) على قسمين: معلقة، وهي الواقعة في جواب القسم تقديرا، وهذه لها صدر الكلام، وغير معلقة وهي غير الواقعة في جواب القسم (١)، فقولك (ولا خالدا مسافرا) واقع بعد (لا) التي ليست في تقدير جواب القسم، ومعنى ذلك أنها أقل توكيدا لأن جواب القسم آكد من غيره، كما هو معلوم. ظننته لا يفعل وما ظننته يفعل: تقول (ظننته لا يفعل) وتقول (ما ظننته يفعل) قال تعالى ﴿وظنوا ما لهم من محيص﴾ [فصلت: ٤٨]، وقال: ﴿ما ظنتم أن يخرجوا﴾ [الحشر: ٢]، والفرق بين التعبيرين، أن قولك (ظننته لا يفعل) إثبات للظن، وقولك (ما ظننته يفعل) نفي له. وإيضاح ذلك أنك تقول (ما ظننت محمدًا خصما) فقد نفيت أن تكون ظننت ذلك. وأما قولك (ظننت ما محمد خصم)، فإنه يثبت الظن، وقد أخبرت أنه دار الأمر في ذهنك وترجح عندك أنه ليس خصما.

стр. 425

ومما يوضح ذلك إنك تقول (ما زعمت محمدًا شاعرا) وتقول (زعمت ما محمد شاعر) فالأولى نفي للزعم، أي لم تزعم هذا الأمر ولم تقله. وأما الثانية فهي إثبات للزعم وإثبات انك عرضت لهذا الأمر وذكرت انه ليس بشاعر. ويوضحه أيضا أنك تقول (ما قلت: محمد مقصر) وتقول: (قلت ما محمد مقصر) فالأولى نفي للقول، والثانية إثبات له. ففي الأولى ذكرت أنك لم تقل هذا الشيء، وفي الثانية إثبات للقول، وإن قلت: ما محمدٌ مقصرٌ. الذكر والحذف يكون الذكر والحذف تبعا لغرض المتكلم، فقد يكون الغرض إثبات وقوع الحدث دون نسبته إلى شخص معين، وذلك كما تقول في غير هذا الباب: حصل لغط، ووقع سهو، ووقعت ريبة، وحدث شك، وتقول في هذا الباب: وقع ظن وحصل علم في هذه المسألة، وقد يكون الغرض إثبات الظن، أو العلم لشخص، فتقول: فلان يظن وهو يعلم وكقولهم (من يسمع يخل) قال تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ [البقرة: ٧٨]. وههنا يكون الفعل منزلا منزلة القاصر فلا يقدر له مفعول. جاء في (التصريح): " هذا الخلاف في الحذف وعدمه، مجرد اصطلاح عند النحويين وليس من الحذف في شيء عند البيانيين، لأن غرض المتكلم يختلف في إفادة المخاطب، لأنه تارة يقصد مجرد وقوع الحدث من غير تعلق بمفعول، فيسند الفعل إلى مصدر فيقول: وقع ظن أو علم، وتارة يقصد نسبته إلى فاعله من غير تعلق بمفعول فيقول: فلان يظن أو يعلم، فينزل الفعل في هاتين الحالتين منزلة القاصر، وحينئذ، فلا يقال أنه حذف منه شيء كما لا يقال في القاصر أنه حذف منه شيء.
следующие страницы →