وهذا وهم ظاهر فيما يبدو، لأن ما بعده الأداة مرتبط ارتباطا وثيقا بما قبله، وليس مستقلا عنه وإنك لو فصلته عنه لتفكك الكلام، وما استفهام، ففي قوله تعالى مثلا ﴿فلينظر أيها أزكي طعامًا﴾ [الكهف: ١٩]، جملة (أيها أزكي طعامًا) مرتبطة ارتباطا تاما بقوله (فلينظر) وإن قطعتها عنه لم تجد المعنى يستقيم، فماذا ينظر، إذا لم يكن القصد ربط النظر بالطعام؟
وكذلك قوله تعالى: ﴿سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾ [القمر: ٢٦]، فقوله (من الكذاب)، مرتبط ارتباطا كلاما بقوله (سيعلمون) وإلا فماذا سيعلمون؟
ومما يدل على ارتباط ما قبل الأداة بما بعدها، جواز العطف على محل الجملة المعلقة، كما في قول كثير:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
فقوله (موجعات القلب) عطف على محل (ما البكا)، ولذلك انتصب وهو دلالة قاطعة على ارتباط المعلق بالفعل، وإلا لم ينتصب المعطوف.
قال الأستاذ: محمد أحمد عرفة: " ولو تأملت ما بين أيدينا من أمثلة التعليق في كلام الله ، وكلام العرب، لوجدت النظم يقتضي من جهة المعنى أن يكون الفعل متعلقا بما قبله، وأن يكون ما بعد أدوات التعليق متعلقا بالفعل، فيكون تاليا في المعنى كما هو تال في اللفظ ولا يجوز أن يكون مبتدأ به عن استقلال.
قال الله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا. ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا﴾ [الكهف: ١١ - ١٢].
ففي الآية أداة من أدوات التعليق وهي (أي) علقت (نعلم) عن العمل، ومساق النظم يقتضي أن تكون (أي الحزبين أحصى) متعلقة بنعلم، متأخرة عنها في المعنى، ولا يجوز أن تكون مستقلة عنها، مبتدأ بها في المعنى، ذاك لأنه بدأ فذكر أنه أنامهم سنين، ثم بعثهم لعلة وهي أن يعلم، وماذا يعلم؟ يعلم شيئا خاصًا وهو: من منهم أحصى أمدا لما لبثوا؟
стр. 422
هذا سياق الكلام ونظمه فلو ذهبت تقطع (أيهم أحصى) عن (نعلم)، وتجعلها مقدمة في المعنى، غير تابعة لنعلم، بل مقدمة عنه، فككت الآية وقطعت ما بينها من أواصر، لا يتم المعنى إلا بها، لأنه يصير المعنى ثم بعثناهم لأيهم أحصى لما لبثوا أمدا نعلم وهذا كلام مفكك لا معنى له يجب تنزيه كلام الله عن أن يحمل عليه .. قال الشاعر:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
نظم البيت يقتضي أن يكون (البكا) متعلقا بما أدري، متأخرا عنه في المعنى، ولا يجوز أن يكون متقدما في المعنى، ذاك لأنه بدأ فبين إنه ما كان يدري قبل عزة، وها هو الذي لا يدريه؟ هو شيء خاص وهو: ما البكا وموجعات القلب. فلو ذهبت تقدم (ما البكا) وتؤخر (أدري قبل عزة) جئت بالمحال، ذلك لأنه يكون: وما كنت ما البكا أدري قبل عزة. وأغلب أمثلة التعليق تأتي في هذه الإحالة التي ذكرناها" (١).
العطف على الجملة المتعلقة:
التعليق كما ذكرناه إبطال العمل لفظا لا محل، فمحل الجملة المعلق عنها الفعل، النصب - كما يقول النحاة - ولذا جاز العطف على محل الجملة، تقول: ظننت لمحمد مسافر وعليا حاضرا قال كثير:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجغات القلب حتى تولت
فعطف (موجعات) بالنصب على محل قوله (ما البكا) كما يجوز العطف مراعاة للفظ نحو قولك علمت لمحمدٌ مسافر وعلى حاضر (٢).
وههنا قد يعرض سؤال وهو: هل معنى النصب والرفع واحد؟ هل معنى قولك (علمت لمحمدٌ مسافر وخالدً راجع) مماثل لقولك: (علمت لمحمدٌ مسافرٌ وخالدًا راجعًا)؟
стр. 423
إن النحاة صرحوا بجواز الوجهين من دون أن يشيروا إلى اختلاف المعنى، والذي يبدو لي أن بين الوجهين فرقا. وإيضاح ذلك أن لام الابتداء تفيد التوكيد، فقولك (علمت لمحمد مسافر) آكد من قولك (علمت محمدا مسافرا) جاء في (كتاب سيبويه): "ومن ذلك قد علمت لعبد الله خير منك، فهذه اللام تمنع العمل كما تمنع الف الاستفهام، لأنها إنما هي لام الابتداء وإنما أدخلت عليه (علمت) لتؤكد، وتجعله يقينا قد علمته، ولا تحيل على علم غيرك" (١).
فدخول اللام أفاد معنى التوكيد وجعلها في التأكيد بمنزلة جواب القسم، بل هي عند الكوفيين لا القسم، والقسم مقدر، (٢) فإذا عطفت بالرفع، كان المعنى على تقدير اللام فتكون بمنزلة ما قبلها في التوكيد، وإذا نصبت لم يكن المعنى على تقدير اللام، فكانت الجملة المعطوف غير مؤكدة، فقولك (خالد راجع) في (علمت لمحمد مسافر وخالد راجع) مؤكدة بمنزلة المعطوف عليه. أما قولك (علمت لمحمد مسافرٌ وخالدًا راجعًا) فإن الجملة الأولى فيه مؤكدة بخلاف الإسميين المنصوبين، وكذلك في الاستفهام نحو قوله:
وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ... ولا موجعات القلب حتى تولت
فالرفع يكون على تقدير الاستفهام والمعنى: ولا أدري ما موجعات القلب، أما النصب فليس على تقدير الاستفهام، وإنما المعنى وما كنت أدري موجعات القلب.
وكذلك لو قلت: (علمت أمحمد حاضر وخالدا غائبا) فإن قولك (علمت أمحمد حاضر) معناه: علمت أهو حاضر أم غائب، ولم تخبر عنه بل تركته لعلمك، وقولك (وخالدا غائبا)، معناه: وعلمت خالدا غائبا، فقد أخبرت عن غياب خالد، ولم تخبر عن حضور محمد.
стр. 424
ولو عطفت بالرفع فقلت (علمت أمحمدٌ حاضرٌ وخالدٌ غائبٌ) لكانت الجملة المعطوفة داخلة في الاستفهام، ولكان معنى الجملتين واحدًا.
وكذلك بالنسبة للنفي فلو قلت: (علمت ما محمدٌ حاضرٌ وخالدًا مسافرًا) لكان المعنى أن جملة (ما محمدٌ حاضرٌ) منفية، و (خالدا مسافرا) مثبتة أي وعلمت خالدا مسافرا وهذا نظير قولنا: (علمت خالدا مسافر وما محمد حاضر) فالأولى مثبته، والثانية منفية.
فإن قلت (وخالد مسافر) كانت الجملة منفية عطفا على الأولى أي: وما خالد مسافر.
وقد تقول: وما الفرق بين قولنا (علمت ما محمدٌ حاضرٌ ولا خالدٌ مسافرٌ) وقولنا (ولا خالدا مسافرًا)؟
والجواب إن الرفع يدل على التشريك في الحكم، فحكم الجملة الثانية بمنزلة الأولى في النفي.
أما النصب فيدل على أن (لا) غير معلقة، فإن (لا) على قسمين: معلقة، وهي الواقعة في جواب القسم تقديرا، وهذه لها صدر الكلام، وغير معلقة وهي غير الواقعة في جواب القسم (١)، فقولك (ولا خالدا مسافرا) واقع بعد (لا) التي ليست في تقدير جواب القسم، ومعنى ذلك أنها أقل توكيدا لأن جواب القسم آكد من غيره، كما هو معلوم.
ظننته لا يفعل وما ظننته يفعل:
تقول (ظننته لا يفعل) وتقول (ما ظننته يفعل) قال تعالى ﴿وظنوا ما لهم من محيص﴾ [فصلت: ٤٨]، وقال: ﴿ما ظنتم أن يخرجوا﴾ [الحشر: ٢]، والفرق بين التعبيرين، أن قولك (ظننته لا يفعل) إثبات للظن، وقولك (ما ظننته يفعل) نفي له. وإيضاح ذلك أنك تقول (ما ظننت محمدًا خصما) فقد نفيت أن تكون ظننت ذلك. وأما قولك (ظننت ما محمد خصم)، فإنه يثبت الظن، وقد أخبرت أنه دار الأمر في ذهنك وترجح عندك أنه ليس خصما.
стр. 425
ومما يوضح ذلك إنك تقول (ما زعمت محمدًا شاعرا) وتقول (زعمت ما محمد شاعر) فالأولى نفي للزعم، أي لم تزعم هذا الأمر ولم تقله. وأما الثانية فهي إثبات للزعم وإثبات انك عرضت لهذا الأمر وذكرت انه ليس بشاعر.
ويوضحه أيضا أنك تقول (ما قلت: محمد مقصر) وتقول: (قلت ما محمد مقصر) فالأولى نفي للقول، والثانية إثبات له. ففي الأولى ذكرت أنك لم تقل هذا الشيء، وفي الثانية إثبات للقول، وإن قلت: ما محمدٌ مقصرٌ.
الذكر والحذف
يكون الذكر والحذف تبعا لغرض المتكلم، فقد يكون الغرض إثبات وقوع الحدث دون نسبته إلى شخص معين، وذلك كما تقول في غير هذا الباب: حصل لغط، ووقع سهو، ووقعت ريبة، وحدث شك، وتقول في هذا الباب: وقع ظن وحصل علم في هذه المسألة، وقد يكون الغرض إثبات الظن، أو العلم لشخص، فتقول: فلان يظن وهو يعلم وكقولهم (من يسمع يخل) قال تعالى: ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقال: ﴿وإن هم إلا يظنون﴾ [البقرة: ٧٨].
وههنا يكون الفعل منزلا منزلة القاصر فلا يقدر له مفعول.
جاء في (التصريح): " هذا الخلاف في الحذف وعدمه، مجرد اصطلاح عند النحويين وليس من الحذف في شيء عند البيانيين، لأن غرض المتكلم يختلف في إفادة المخاطب، لأنه تارة يقصد مجرد وقوع الحدث من غير تعلق بمفعول، فيسند الفعل إلى مصدر فيقول: وقع ظن أو علم، وتارة يقصد نسبته إلى فاعله من غير تعلق بمفعول فيقول: فلان يظن أو يعلم، فينزل الفعل في هاتين الحالتين منزلة القاصر، وحينئذ، فلا يقال أنه حذف منه شيء كما لا يقال في القاصر أنه حذف منه شيء.
стр. 426
وأما إذا لم ينزل منزلة القاصر فلا بد من ذكرهما، لأن الغرض معلق بإفادتهما" (١).
وجاء في (كتاب سيبويه): " وأما ظننت ذاك فإنما جاز السكوت عليه، لأنك تقول (ظننت) فتقتصر، كما تقول (ذهبت) ثم تعمله في الظن، كما تعمل ذهبت في الذهاب فـ (ذاك) ههنا هو الظن، كأنك تقول قلت: ظننت ذلك الظن" (٢).
وقد ذهب قسم من النحاة إلى أنه لا يجوز الحذف اقتصارا في هذا الباب، لأن الانسان لا يخلو من علم، أو ظن، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " اعلم أن حذف المفعولين معا في باب أعطيت يجوز بلا قرينة دالة على تعيينها فتحذفهما نسيا منسيا، تقول: فلان يعطي ويكسو إذ يستفاد من مثله فائدة من دون المفعولين بخلاف مفعولي باب (علمت) و (ظننت) لعدم الفائدة، لأن المعلوم أن الإنسان لا يخلو في الأغلب من عدم أو ظن، فلا فائدة في ذكرها من دون المفعولين، وأما مع قيام القرينة فلا باس بحذفها، نحو (من يسمع يخل) أي يخل مسموعه صادقا" (٣).
وجاء في (حاشية الصبان): "ينبغي أن محل امتناع الحذف، إذا أريد الاخبار بحصول مطلق ظن أو علم أما إذا أريد ظننت ظنا عجيبا، أو عظيما، أو نحو ذلك، أو أريد إعلام السامع بتجدد الظن، أو العلم، أو إيهام المظنون، أو المعلوم لنكتة فينبغي الجواز ..
ومما يجوز الحذف أيضا تقييد الفعل بظرف، أو جار ومجرور، نحو ظننت في الدار، أو ظننت ذلك، لحصول الفائدة حيئنذ" (٤).
والذي أراه أنه يجوز الحذف اقتصارا كما سبق أن ذكرنا.
وقد يكون غرض المتكلم ذكر الفعل ومتعلقاته، فيذكر الفعل ومفعوليه ظننت محمدا مسافرا. قال تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار﴾ [الممتحنة: ١٠]،
стр. 427
وهنا يجب ذكر المفعولين، ولا يجوز حذفهما، أو حذف أ حده ما إلا لقرينة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أين شركاءي الذين كنتم تزعمون﴾ [القصص: ٦٢]، أي تزعمونهم شركاي، وكقولك: أتظن أحدا قائما؟ فيقال: أظن خالدا، والتقدير (قائما).
جاء في (شرح ابن الناظم): "يجوز في هذا الباب حذف المفعولين والاقتصار على أحدهما، أما حذف المفعولين فجائز إذا دل عليهما دليل كقوله تعالى: ﴿أين شركاءي الذين كنتم تزعمون﴾، تقديره: الذين كنتم تزعمونهم شركاء .. وأما الاقتصار على أحد المفعولين فجائز إذا دل على الحذف دليل" (١).
وذلك يعود إلى غرض المتكلم.
الفاعل
حده:
الفاعل لغة من أوجد الفعل، واصطلاحا ما أسند إليه عامل مقدم عليه على جهة وقوعه منه أو قيامه به.
فالعامل يشمل الفعل، نحو قام زيد، وما ضمن معناه، كالمصدر واسم الفاعل، والصفة المشبهة، وأمثلة المبالغة، واسم الفعل، والظرف، والمجرور.
وقولهم على جهة وقوعه منه، نحو ضرب زيد، وقيامه به كلمات زيد (٢).
وجاء في (شرح الأشموني): " الفاعل في عرف النحاة هو الاسم الذي أسند إليه فعل تام، أصلي الصيغة، أو مؤول به" (٣).
стр. 428
فالفاعل في عرف النحاة ليس مختصا بمن أوجد الفعل، بل قد يكون ذلك وقد يكون من كان الفعل حديثا عنه، سواء قام بالفعل أم لم يقم، نحو (مات زيد) وانكسر القلم، ووعر الطريق.
قال ابن السراج: " الاسم الذي يرتفع بأنه فاعل هو الذي بنيته على الفعل الذي بني للفاعل ويجعل الفعل حديثا عنه مقدما قبله، كان فاعلا في الحقيقة أو لم يكن، كقولك جاء زيد ومات عمروـ، وما أشبه ذلك, ومعنى قولي بنيته على الفعل الذي بني للفاعل، أي ذكرت الفعل قبل الاسم لأنك لو أتيت بالفعل بعد الاسم، لارتفع الاسم بالابتداء (١).
تأخيره عن عامله:
يشترط جمهور النحاة أن يكون الفاعل متأخرا عن عامله، ولا يصح تقديمه عليه فقولنا (سعد حضر) ليس (سعد) فيه فاعلا في اصطلاح النحاة بل هو مبتدأ (٢).
وأجاز الكوفيون أن يتقدم الفاعل على فعله، فإن (سعدا) في الجملة السابقة فاعل للفعل عندهم (٣).
ويثير المعارضون لهم إشكالات متعددة في شأن تقديم الفاعل على الفعل، منها أنه لو كان يصح تقديم الفاعل لصح أن نقول: المحمدان حضر، والمحمدون حضر، لأن أصله حضر المحمدان، وحضر المحمدون، ومنها أن الفاعل يكون مرفوعا - كما هو معلوم - فقولنا (محمد حضر) فاعل على رأي الكوفيين، فلو أدخلنا (أن) لا تنصب الفاعل وقلنا (إن محمدا حاضر)، ثم أن الاسم أصبح معمولا، لأن وبقي الفعل بلا فاعل، ومنها انك تقول (عبد الله قام) وليس في الفعل ضمير على رأي الكوفيين، لأن الاسم المتقدم فاعله ثم تقول: (رأيت عبد الله قام) فيكون عبد الله مفعولا به، فلا يكون للفعل
стр. 429
(قام) فاعل أو تضطر إلى تقدير الضمير، فتعود إلى قول البصريين، ومنها أنك تقول: (عبد الله هل قام) فلا يكون عبد الله فاعلا لقام، لأن الاستفهام يمنع أن يعمل ما بعده فيما قبله، إلى غير ذلك (١).
وهذا خلاف في الأمور الإصطلاحية، وفيما أرى كان ينبغي أن تبحث هذه المسألة على غير هذه الشاكلة، وهو أن يبحث في الخلاف المعنوي بين هذين التعبيرين فيقال مثلا:
تقول العرب: حضر سعد، وسعد، فما الفرق بين هذين التعبيرين؟ ولإيضاح ذلك نقول: إن الأصل في الجملة التي مسندها فعل أن يتقدم الفعل، فإن تقدم المسند إليه نظر في سبب ذلك فالأصل أن يقال نحو (حضر سعدٌ) و (قدم خالدٌ) فإن قيل (سعد حضر) و (خالد قدم) نظر في سبب تقديم المسند إليه، والفرق بين التعبيرن أنك قلت: (حضر سعد) قلت ذلك والمخاطب خالي الذهن، ليس في ذهنه شيء عن هذه المسألة فأخبرته أخبارا ابتدائيا، وأما إذا قلت (سعد حضر) فقدمت الفاعل فلا يكون ذلك إلا لغرض، ومن هذه الأغراض:
١ - إزالة الوهم من ذهن المخاطب، وذلك أنه قد يكون المخاطب يظن أن الذي حضر هو خالد لا سعد، فتقدم له الفاعل لإزالة هذا الوهم من ذهنه، فالسامع في الجملة الأولى لا يعلم شيئا عن الأمر، وفي جملة التقديم يعلم أن شخصا ما حضر، ولكن يظنه خالدا لا سعدا. فهو يعلم الحكم لكنه لا يعلم صاحبه بخلاف الجملة الأولى، فإنه لا يعلم أصل المسألة.
٢ - القصر والتخصيص: أي تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي تقول مثلا: محمد سعي في حاجتك، وخالد أنجز هذا الأمر، أي ليس غيره، فإن قولك (سعي محمدٌ في حاجتك) يفيد أن محمدٌ كان من الساعين فيها، ولا يمنع أن يكون سعي فيها غيره،
стр. 430
ولكن قولك (محمدٌ سعي في حاجتك) قصرت فيه السعي على محمد دون غيره، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ [البقرة: ٤]، " وفي تقديم الآخرة وبناء يوقنون على (وهم) تعريض بأهل الكتاب، وبما كانوا عليه من إثبات امر الآخرة على خلاف حقيقته، وإن قولهم ليس بصادر عن إيقان، وإن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك (١).
٣ - لتعجيل المسرة نحو: الحبيب حضر، البركة حلت، الجيش انتصر، أو لتعجيل الساءة نحو: السفاك حضر، المحذور وقع، الأمر انتشر.
٤ - للتعظيم نحو: الملك أعطاني الجائزة، القائد منح محمدا وساما. أو التحقير نحو: الكناس أهان سعيدا، الحوذي ضرب خالدا.
٥ - للتعجب والغرابة نحو: المقعد مشي، والأخرس نطق.
٦ - تحقيق الأمر وإزالة الشك من ذهن المخاطب كأن تقول: هو يعلم إنه الأمر على ما قلت لك، وإذا كان المخاطب ينفي أن يكون المتحدث عنه عالما بالأمر، فتقدم المسند إليه لإفادة هذا الأمر وتحقيقه. وأنت ترى فرقا بين قولنا: (محمد تكفل بهذا الأمر) وقولنا (تكفل محمد بهذا الأمر) ففي تقديم المسند إليه من التحقيق والتأكيد ما لا يخفى.
جاء في (دلائل الإعجاز): "ويشهد لما قلنا إن تقديم المحدث عنه يقتضي تأكيد الخبر، وتحقيقه له، أنا إذا تأملنا وجدنا الضرب من الكلام يجيء فيما سبق فيه إنكار منكر، نحو أن يقول الرجل: ليس لي علم بالذي تقول فتقول له: أنت تعلم إن الأمر على ما أقول ولكنك تميل إلى خصمي .. أو يجيء فيما اعترض فيك شك، نحو أن يقول الرجل: كأنك لا تعلم ما صنع فلان ولم يبلغك فيقول: أنا أعلم ولكني إدارية. أو في تكذيب مدع كقوله : ﴿وإذا جاءوكم قالوا أمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾ [المائدة: ٦١]، وذلك إن قولهم (آمنا) دعوى منهم، إنهم لم يخرجوا بالكفر كما دخلوا به.
стр. 431
فالموضع موضع تكذيب، أو فيما القياس في مثله أن لا يكون كقوله تعالى: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون﴾ [الفرقان: ٣]، وكذلك في كل شيء كان خبرا على خلاف العادة، وعما كان يستغرب من الأمر نحو أن تقول: ألا تعجب من فلان يدعي العظيم وهو يعني (١) باليسير.
ومما يحسن ذلك فيه، ويكثر الوعد والضمان، كقول الرجل: انا أعطيك، أنا أكفيك .. وذلك أن من شأن من تعده وتضمن له، أن يعترضه الشك في تمام الوعد، وفي الوفاء به فهو أحوج شيء إلى التأكيد.
وكذلك يكثر في المدح كقولك: أنتَ تعطي الجزيل .. وكذلك المتفخر. ويزيدك بيانه أنه إذا كان الفعل مما لا شك فيه، ولا ينكر بحال لم يكد يجيء على هذا الوجه، ولكن يؤتى به غير مبني على اسم، فإذا أخبرت بالخروج مثلا عن رجل من عادته أن يخرج في كل غداة قلت: قد خرج ولم تحتج إلى أن تقول: هو قد خرج ذاك لأنه ليس بشيء يشك فيه السامع فتحتاج أن تحققه وإلى أن تقدمه فيه ذكر المحدث عنه (٢).
٧ - قصد الجنس وهذا يكون في النكرات إذا تقدمت نحو: رجل حضر وأما قولك (حضرني رجل) فإنه يحتمل الجنس الواحد. ونحوه قولك (جاءني طالب) أي واحد من الطلاب ويحتمل أيضا الإخبار عن جنس من جاءك. وأما قولك: (طالب جاءني) فإنك تخبر به إن الذي جاءك هو من جنس الطلاب، لا من غيرهم، فإن السامع يعلم أن أحدًا جاءك لكنه لا يعلم جنسه، أو يظن أنه طالبة مثلا، جاء في (دلائل الإعجاز): " إذا قلت: أجاءك رجل؟ فأنت ترى أن تسأل: هل كان مجيء من أحد من الرجال إليه؟ فإن قدمت الاسم فقلت أرجل جاءك؟ فأنت تسأله عن جنس من جاء، أرجلٌ وأمرأة؟ ويكون هذا منك إذا كنت عملت أنه قد أتاه آت، ولكنك لم تعلم جنس ذلك الآتي .. وإذا كان كذلك كان محالا أن تقدم الاسم النكرة وأنت لا تريد السؤال عن الجنس ..
стр. 432
وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام، فإن الخبر عليه، فإذا قلت: (رجل جاءني) لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت، فإن لم ترد ذاك كان الواجب أن تقول: (جاءني رجل) فتقدم الفعل (١).
٨ - ويتضح الفرق بين التقديم والتأخير في النفي والاستفهام، فلو قلت مثلا (ما سعى محمد في حاجتك) لكنت نفيت السعي عن محمد ولم تثبته لغيره، ولو قلت: (ما محمد سعى في حاجتك) لكان المعنى أنك نفيت السعي عن محمد وأثبته لغيره، أي ليس محمد هو الساعي في حاجتك ولكن الذي سعى غيره، ولذا لا يصح أن تقول: (ما محمد سعى في حاجتك ولا غيره) لأنه تناقض فإنك بقولك (ما محمد سعى في حاجتك) أثبت السعي لغيره أي لم يسع محمد، ولكن سعى غيره، فكيف تقول بعد: ولا غيره؟ بخلاف ما لو قلت: (ما سعى محمد في حاجتك ولا غيره) فإنك نفيت السعي أصلا. جاء في (البرهان): "فإذا قلت: ما ضربت زيدًا كنت نافيا للفعل الذي هو ضربك إياه. وإذا قلت: (ما أنا ضربته) كنت نافيا لفاعليتك للضرب.
فإن قلت: الصورتان دلتا على نفي الضرب فما الفرق بينهما؟ قلت من وجهين: أحدهما ان الأولى نفي ضربا خاصا وهو ضربك إياه، ولم تدل على وقوع ضرب غيرك ولا عدمه، إذ نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم ولا ثبوته.
والثانية نفت كونك ضربته ودلت على أن غيرك ضربه بالمفهوم" (٢).
ونحو هذا أن تقول: (أأعطاك محمد الكتاب)؟ فأنت تسأل أحصلَ هذا الأمر، أي هل حصل إعطاء؟ ولو قلت (أمحمدٌ أعطاك الكتاب) لكان السؤال عمن أعطاك الكتاب أهو محمد؟ فالإعطاء قد حصل في الجملة الثانية أي أن السائل يعلم أن شخصا أعطاه الكتاب، ولكن عنده شك في المعطي، فسأل عنه أهو محمد.
стр. 433
ونحوه أن تقول: أضرب محمد خالدا؟ وأمحمد ضرب خالدا؟ ففي الجملة الأولى حصل الشك في الضرب، وأما في الثانية فإن الضرب قد حصل، ولكن السؤال عن الضارب، جاء في (دلائل الإعجاز): " وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها وترك تقديمه. ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة، فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت: أفعلت؟ فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده، وإذا قلت: أانت فعلت؟ فبدأت بالاسم كان الشك في الفاعل من هو؟ وكان التردد فيه، ومثال ذلك أنك تقول: أبنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أقلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه، ؟ تبدأ في هذا ونحوه بالفعل، لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه، لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه، مجوز أن يكون قد كان وأن يكون لم يكن وتقول: أأنت قلت هذا الشعر؟ أأنت كتبت هذا الكتاب؟ فتبدأ في ذلك كله بالاسم، ذلك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان، كيف وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر، مقولا، والكتاب مكتوبا؟ وإنما شككت في الفاعل من هو؟ فهذا من الفرق لا يدفعه دافع ولا يشك فيه شاك، ولا يخفي فساد أحدهما في موضع الآخر، فلو قلت: أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ خرجت من كلام الناس وكذلك لو قلت: أبنيت هذه الدار؟ أقلت هذا الشعر؟ أكتبت هذا الكتاب؟ قلت ما ليس بقول" (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل﴾ [الفرقان: ١٧]، "والمعنى أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق، أم هم ضلوا عنه بأنفسهم؟ " (٢).
стр. 434
وقال: " فإن قلت: ما فائدة (أنتم) و (هم) وهلا قيل أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل؟
قلت: ليس السؤال عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب وإنما هو عن متوليه فلابد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام حتى يعلم أنه مسؤول عنه" (١)
إلى غير ذلك من الأغراض (٢) التي مناطها على الاهتمام والعناية.
إضمار الفعل:
الأصل أن يذكر فعل الفاعل نحو أقبل خالد، وقد يضمر إذا دلت علي القرينة كأن تقول من زاركم؟ فيقال: إبراهيم. أي زارنا. قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله﴾ [لقمان: ٢٥]، أي خلقهن الله.
قال ابن يعيش: "اعلم أن الفاعل قد ينكر وفعله الرافع له محذوف لأمر يدل عليه، وذلك أن الإنسان قد يرى مضروبا أو مقتولا ولا يعلم من أوقع به ذلك الفعل من الضرب أو القتل، وكل واحد منهما يقتضي فاعلا في الجملة فيسأل عن الفاعل فيقول: من ضربه؟ أو من قتله؟ فيقول المسؤول: زيدٌ أو عمرو يريد ضربة زيد أو قتله عمرو، فيرتفع الاسم بذلك الفعل المقدر.، وإن لم ينطق به لأن السائل لم يشك في الفعل، وإنما يشك في فاعله، ولو أظهره فقال: ضربه زيدًا لكان أجود شيء، وصار ذكر الفعل كالتأكيد" (٣).
ومن إضمار الفعل ما يذكره النحاة في نحو قراءة من قرأ (يسبح له فيها بالغدو والأصال رجال) بفتح الباء، إذ يقدرون فعلا يدل عليه الأول، كأنه قيل من يسبحه؟ فيقتل يسبحه رجال، وكقول الشاعر:
ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح
стр. 435
ببناء الفعل للمجهول ورفع (ضارع) على الفاعلية، فإنه لما قال (ليبك يزيد) كأن قائلا قال: من يبكيه؟ فأجابه: ضارع لخصومة أي يبكيه ضارع (١) " وعلى هذا تقول: أكل الخبز زيد، وركب الفرس محمدٌ فترفع زيدًا ومحمدًا بفعل ثان يدل عليه الأول ..
ونحوه قول الآخر:
أسقى الإله عدواتِ الوادي ... وجوزه كل ملث غادي
كل أجش حالك السواد
لأنه، إذا أسقاها الله كل ملث، فقد سقاها ذلك الأجش (٢)
وجعل جمهور النحاة من إضمار الفعل نحو قوله تعالى: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الإنشقاق: ١]، وقوله: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمةِ ربي﴾ [الإسراء: ١٠٠]، وقولهم (لو ذات سوار لطمتني) فهم يرون أن الفعل محذوف وجوبا يفسره المذكور، والتقدير إذا انشقت السماء انشقت، وإن استجارك أحد استجارك، وقل لو تملكون تملكون، ولو لطمتني ذات سوار لطمتني.
وذكر أنه عند الكوفيين فاعل مقدم، ومبتدأ عند الأخفش (٣).
وفي رأي الجمهور نظر، فإنه إذا قدر فعل بعد الأداة لم يكن ثمة معنى للتقديم، وأصبح معنى قولنا (إذا جاء محمد فأكرمه)، و (إذا محمد جاءك فأكرمه) واحدا، ولم يفد التقديم شيئا إلا ما يذكرونه من أن التفسير أفاد الفعل قوة وتأكيدًا.
والذي أراه - وهو ما ينسجم مع طبيعة التعبير العربي- أن معنى التقديم غير معنى التأخير، وأن ما قدم من نحو هذا، فإنما يقدم لغرض من أغراض التقديم التي أشرنا إلي طرف منهما.
стр. 436
فقد يكون التقديم للقصر كقولك (إذا محمد جاءك فأكرمه) فهناك فرق بين قولك (إذا جاء محمد فأكرمه) و (إذا محمد جاءك فأكرمه)، ففي الجملة الأولى تأمر المخاطب بإكرام محمد، ولم تنهه عن إكرام غيره.
وأما قولك (إذا محمد جاءك فأكرمه) فإنه يدل على قصر الاكرام على محمد دون غيره، وهو نظير قولك (أكرم محمدًا) و (محمدًا أكرم) فالأولى أمر بإكرام محمد دون إشارة إلى غيره، والثانية تخصيص محمد بالإكرام وقصره عليه، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق﴾: " وتقديره لو تملكون .. فأما يقتضيه علم البيان، فهو أن (تملكون) فيه دلالة على الاختصاص وأن الناس هم المختصون بالشح المتبالغ، ونحوه قول حاتم: (لو ذات سوار لطمتني) وقوله المتلمس:
ولو غير أخوالي أرادوا نقيضتي
وذلك لأن الفعل الأول لما سقط لأجل المفسر برز الكلام في صورة المبتدأ والخبر (١).
والزمخشري مع وقوعه على المعنى الصحيح تابع الجمهور في التقدير ههنا، علمًا بأنه إذا كان الكلام دالا على الاختصاص، دل بحكم ذلك على أن المسند إليه مقدم على فعله، وليس كا ذهب إليه الجمهور.
وقد يكون التقديم للتهويل كقوله تعالى: ﴿إذا السماء انفطرت. وإذا الكواكب انتثرت. وإذا البحار فجرت﴾ [الإنفطار: ١ - ٣]، وكقوله: ﴿إذا الشمس كورت﴾ [التكوير: ١]، فإن في تقديم المسند إليه تهويلا لا تجده في التأخير، ألا ترى أن السماء لم يسبق لها أن انفطرت، ولا الكواكب انتثرت، ولا البحار فجرت، ولا الشمس كورت، فهذه الإجرام مستقرة على عادتها الدهور المتطاولة والاحقاب المتوالية حتى ذهب بعض الناس إلى أنها على حالها
стр. 437
منذ الأزل، وستبقي كذلك أبدًا، ولذلك قدمها إشارة إلى الهول العظيم والحدث الجسيم الذي يصيب هذه الأجرام، ألا ترى إلى قوله تعالى مثلا: ﴿إذا زلزت الأرض زلزالها﴾ [الزلزلة: ١]، كيف أخر المسند، لأن الزلزلة معهودة، مستمرة الحصول، بخلاف ما سبق ونحوه قوله تعالى: ﴿فإذا برق البصر. وخسف القمر﴾، [القيامة: ٧ - ٨]، ولم يقل (وإذا القمر خسف) لأن خسوف القمر معتاد الحصول، ونحوه بريق البصر، وقد يكون لغير ذلك من أغراض التقديم التي ذكرنا طرفا منها.
وأظن أن تفسير مثل هذا وبيان معناه، أولى من ذكر الخلاف الذي لا طائل تحته، فيحس دارس العربية أن لهذا غرضا يرمي إليه المتكلم فيراعيه هو في كلامه، بخلاف ما يذكر من خلافات وأعاريب وتقديرات سمجة، نحو إذا انشقت السماء، وإذا انفجرت البحار فجرت مما يتنزع عنه الكلام البليغ، ولا يهضمه العقل، وينبو عنه الذوق.
تقديم المفعول على الفاعل:
الأصل أن يتقدم الفاعل على المفعول نحو قولك (أكرم خالد سعيدًا) فهذا التعبير هو التعبير الطبيعي في اللغة، ويقال والمخاطب خالي الذهن. فإن حصل أي تغيير في هذه الصورة فإنما يحصل لغرض، وذلك كأن تقول: خالد أكرم سعيدًا بتقديم المسند إليه، كما أسلفنا أو أكرم سعيدا خالد خالد بتقديم المفعول به على الفاعل، أو سعيدا أكرم خالد بتقديم المفعول به على الفعل، والذي يعنينا هنا تقديم المفعول به على الفاعل.
يذكر النحاة أن الأصل أن يلي الفاعل الفعل (١)، ويجوز تقديم المفعول على الفاعل إلا إذا حصل لبس، فإنه عند ذلك يجب الابقاء على الأصل، وذلك كأن يخفى الأعراب ولا قرينة، نحو ضرب موسى عيسى، وأكرم هذا ذاك، وأكرم أخي صديقي، وأهان هذا من زاركم. فإن المتقدم هو الفاعل، فإن كانت هناك قرينة جاز التقديم، نحو أكل الكمثري موسى، وضرب ليلى عيسى.
стр. 438
كما يجب تقديم الفاعل على المفعول في الحصر نحو: إنما أكرم خالد محمدًا، لأنه لو تأخر لانقلب المعنى. (١)
وهناك مواطن لوجوب تقديم المفعول على الفاعل ليس هذا موطن ذكرها، وإنما الذي يعنينا هنا مواطن جواز تقديم المفعول على الفاعل، لأنه موطن التعرف، لأنه موطن التصرف، وأما مواطن الوجوب فهي لازمة ليس فيها تصرف.
إن مدار المفعول على الفاعل في اللغة إنما يدور على الاهتمام والعناية كسائر مواطن التقديم قال سيبويه: " وإن قدمت المفعول، وأخرت الفاعل جرى اللفظ كما جرى في الأول، وذلك قوله: ضرب زيدا عبد الله، لأنك إنما أردت به مؤخرا ما أردت به مقدما، ولم ترد أن تشغل الفعل بأول منه، وإن كان مؤخرا وهو عربي جيد كثير، كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعني وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم (٢).
فمدار الأمر إذن هو الاهتمام والعناية وإن كان موطن الاهتمام مختلفا بحسب المقام قال تعالى: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ ﴿آل عمران: ١٤٠﴾، فأنت ترى ههنا أنه قدم المفعول (القوم) على الفاعل (قرح)، وذلك هو الوجه هنا. أن هذه الآية نزلت في معركة أحد التي أصاب المسلمين فيها أذى شديد، وقتل فيها من قتل، من المسلمين، وشج وجه رسول الله ﷺ فانزل الله هذه الآيات يواسيهم ويمسح عنهم الحزن الذي أصابهم، قال تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس القوح قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين أمنوا ويتخذ منكم شهداء﴾ [آل عمران: ١٣٩ - ١٤٠] ,
стр. 439
فأخبرهم أن القرح والأذى لم يصبهم وحدهم إنما أصاب أعداءهم أيضا وقدم العدو لأنه هو الذي يعني المسلمين ههنا، إذ ليس المهم القرح، وإنما المهم من أصاب، فقدم القوم لأن أصابه هؤلاء بأعينهم هو الذي يواسي المسلمين ويخفف عنهم الحزن.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ يتوفي الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠]، قدم المفعول به (الذين كفروا) على الفاعل لأن السياق على الذين كفروا، وتغليظ عقوبة الكفر وبيان عاقبة الكافرين قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ [الأنفال: ٣٠]، ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله﴾ [الأنفال: ٣٦]، ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله﴾ [الأنفال: ٣٩]، ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غز هؤلاء دينهم﴾ [الأنفال: ٤٩]، ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ [الأنفال: ٥٠].
فإن المراد بيان حال هؤلاء عند الاحتضار، ولم يقدم الملائكة لأنه لا يتعلق غرض بذكرهم، فإن الملائكة يتوفي بني آدم جميعا، مؤمنهم وكافرهم قال تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١].
إن الغرض ههنا كما ذكرت، بيان احتضار الكافر وإنه ليس كاحتضار المؤمن، وإنه يلقى عذابا ومشقة في احتضاره، وإنه يبدأ صب العذاب عليه حين التوفي، فالمقصود هنا تشنيع حالة الكفر وبيان غلظ عقوبة الكافرين فقدم الذين كفروا، ولو قدم الملائكة في هذا الموطن لم يفد هذا المعنى.
وقد تقول: ألم يقدم الله تعالى المفعول به في قوله: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١]، وقوله: ﴿توفته رسلنا﴾ [الأنعام: ٦١]، والجواب، إن هذا من مواطن وجوب تقديم المفعول به، لأنه ضمير واجب الاتصال كما هو معلوم، ولا يصح تأخيره كما تقول: أكرمك محمد ولا تقول: أكرم محمدٌ إياك، وكلامنا فيما كان مجال للتصرف والاختيار.
стр. 440
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين﴾ [هود: ٦٧]، وهو نظير ما مر لأن الكلام على الذين ظلموا وعاقبتهم، وهذا بخلاف قوله تعالى ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾ [الشعراء: ١٠٥]، ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾ [الشعراء: ١٤١]، فإنه أخذ يسرد أحوال هؤلاء المكذبين ثم عاقبتهم، فكان المناسب تقديمهم، وكذلك قوله ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال﴾ [الرعد: ١١]، فإن المراد بيان أن إرادة الله لا تقهر ولا تغلب، ولا راد لها فإذا أراد الله امرا أنفذه، فالمناسب هنا تقديم الفاعل (الله)، ثم إن السياق، في بيان قدرة الله تعالى وبالغ علمه وقوته: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون، وإن تعجب فعجب قولهم أذنا كنا ترابا أءنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب، ويقول الذي كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد. الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا اراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال، هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشيء السحاب الثقال﴾ [الرعد: ٢ - ١٢].
стр. 441
ألا ترى كيف أن المناسب هنا تقديم الفاعل المريد، الذي لا يرد حكمه، ولا يقوم لأمره شيء؟
وقد أوضح عبد القاهر شيئا من هذا فقال: " واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئا يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم بشأنه أعني، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم ولم يذكر في ذلك مثالا.
وقال النحويون: أن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما، أن يقع بإنسان بعينه، ولا يبالون من أوقعه كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعيث ويفسد ويكثر به الأذى، إنهم يريدون قتله، ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء. فإذا قتل وأراد مريد الاخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي، فيقول (قتل الخارجي زيد) ولا يقول (قتل زيد الخارجي) لأنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له (زيد) جدوى وفائدة، فيعنيهم ذكره ويهمهم ويتصل بمسرتهم، ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه، متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنهم قد كفوا وتخلصوا منه.
ثم قالوا فإن كان رجل ليس له بأس، ولا يقدر فيه أن يقتل فقتل رجلا وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر القاتل فيقول: قتل زيد رجلا. ذلك لأن الذي يعينه، ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته، وموضع الندرة فيه، وبعده كان من الظن. ومعلوم انه لم يكن نادرا وبعيدا من حيث كان واقعا بالذي وقع به، ولكن من حيث الذي كان واقعا من الذي وقع منه (١).
وإليك مثلا آخر يوضح الفرق بين هذه التعبيرات تقول:
أعان محمد خالدًا، ومحمد أعان خالدًا.
стр. 442
وأعان خالدًا محمدٌ، وخالدًا أعان محمدٌ.
فالتعبير الأول (أعان محمد خالدا) تقوله والمخاطب خالي الذهن، فأخبرته إخبارا ابتدائيا.
والتعبير الثاني (محمد أعان خالدا) يقال إذا كان المخاطب يعلم أن شخصا ما أعان خالدا، ولكنه يظن أنه سعيدا مثلا، لا محمد فتقدم له المسند إليه لتزيل هذا الوهم، أو تقوله بقصد الحصر أو لشيء من الأعراض التي سبق ذكرها.
والتعبير الآخر (أعان خالدا محمد) يقال إذا كان الخاطب يعنيه أمر خالد، كأن يكون أخاه أو صديقه فيهمه أمر المعان لا المعين، إذ المهم أن يكون خالد هو المعان لا من أعانه فأخر الفاعل، وقدم المفعول لذلك.
وقولنا (خالدا أعان محمد) يقال بقصد الحصر، أي أن محمدا لم يعن غير خالد، كقوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥]، أو يقال بقصد إزالة الوهم من ذهن المخاطب، إذا كان السامع يعلم أن محمدًا أعان شخصا ولكنه يظن إنه سعيد لا خالد، فقدم المفعول لإزالة هذا الوهم. أو لغير ذلك من الأغراض التي سبق أن أشرنا إليها.
تذكير الفعل وتأنيثه (١):
يذكر النحاة أن تاء التأنيث تلزم الفعل في موضعين: أحدهما أن يسند الفعل إلى ضمير مؤنث متصل سواء كان المؤنث حقيقا أم مجازيا، نحو هند قامت والشمس طلعت وهند تقوم والشمس تطلع، ولا تقول قام ولا طلع.
فإن كان الضمير منفصلا لم يؤت بالتاء نحو هند ما قام إلا هي.
والآخر أن يكون الفاعل ظاهرا حقيقي التأنيث (٢) غير مفصول عن الفعل،
стр. 443
نحو قامت هند، أما المجازي التأنيث فلا تلزمه التاء نحو طلعت الشمس وطلع الشمس، فإن فصل بين الفعل وفاعله المؤنث الحقيقي بغير (إلا) جاز إثبات التاء وحذفها والأجود الإثبات، فتقول: أتي خالدا سلمى، والأجود أتت.
فإن فصل بين الفعل والفاعل المؤنث بـ (إلا) لم يجز إثبات التاء عند الجمهور، فتقول ما قام إلا هند، ولا يجوز ما قامت إلا هند (١).
أما بالنسبة إلى الجمع فإنه يدل إذا أسند الفعل إلى جمع مذكر سالم فحكم الفعل فيه كحكمه مع واحده فتقول: حضر المحمدون، ولا تقول حضرت المحمدون.
وما عدا هذا الجمع فيجوز فيه إثبات التاء وحذفها، قال تعالى ﴿قالت الأعراب أمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ [يوسف: ٣٠]، وتقول: (قامت الطالبات) و (قام الطالبات)، وفي التعبير الأخير خلاف، فإن البصريين يذهبون إلى وجوب تأنيث جمع المؤنث السالم الحقيقي التأنيث، ونحو طالبات لا كظلمات وثمرات وأما التذكير في قوله تعالى: ﴿إذا جاءك المؤمنات﴾ [الممتحنة: ١٢]، فللفصل بالكاف (٢).
والذي يهمنا من هذا موطن الجواز لا موطن الوجوب، فإن النحاة يذكرون - كما أسلفنا - إنه إذا كان الفصل بين الفعل وفاعله المؤنث الحقيقي بغير (إلا) جاز إثبات التاء وحذفها، والأجود الإثبات فتقول: أتي القاضي بنت الواقف والأجود أتت (٣).
стр. 444
وقال سيبويه: " وقال بعض العرب: قال فلانة، وكلما طال الكلام فهو أحسن، نحو قولك حضر القاضي امرأة، لأنه إذا طال الكلام كان الحذف أجمل" (١).
والذي أراه أن هذا الكلام ليس على إطلاقه وإنما الذي يقرره المعنى، فليس إثبات التاء في الحقيقي التأنيث أجود، ولا إذا طال الكلام كان الحذف أجمل، سواء كان المؤنث حقيقيا أم مجازيا ودليلنا على ذلك كلام الله تعالى.
قال تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقال: ﴿قد جاءتكم موعظة﴾ [يونس: ٥٦]، فذكر الفعل في الأولى مع أن الفصل أقل، لأنه بالهاء وأنث في الثانية مع أن الفصل أكثر لأنه بـ _ (كم).
وقال: ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿من بعد ما جاءهم البينات﴾ [البقرة: ١٠٥]، فمره أنث ومرة ذكر والفصل واحد. وقال: ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ ﴿هود: ٦٧﴾. وقال: ﴿وأخذت الذين ظلموا الصيحة﴾ [هود: ٩٤]، فمره أنث، ومره ذكر، والفصل واحد.
وقال: ﴿أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات﴾ [الممتحنة: ١٠].
فحذف التاء مع أنه حقيقي التأنيث. وعلى قول النحاة يكون هذا خلاف الأجود. فالحق أن المعنى هو الحاكم في كل ذلك، فمرة يكون التأنيث أجود، ومرة يكون التذكير أجود، بحسب القصد والسياق، طال الفصل أم قصر.
стр. 445
فقد تقصد باللفظ المؤنث معنى مذكر، فتذكر الفعل له، وقد تقصد باللفظ المذكر معنى المؤنث، فتستعمله استعمال المؤنث، حملا على المعنى، جاء في (الخصائص): فمن تذكير المؤنث قوله:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
ذهب بالأرض إلى الموضع والمكان .. وكذلك قوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه﴾ لأن الموعظة والوعظ واحد .. وعليه قول الخطيئة:
ثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد جار الزمان على عيالي
ذهب بالنفس أي الإنسان، فذكر.
وتذكير المؤنث واسع جدا، لأنه رد فرع إلى أصل، لكن تأنيث المذكر أذهب في التناكر والاغراب .. وأنشدوا:
أتهجر بيتا بالحجاز تلفعت ... به الخوف والأعداء من كل جانب
ذهب بالخوف إلى المخافة ..
وقال:
يا أيها الراكب المزجي مطيتة ... سائل بني أسد ما هذه الصوت
ذهب إلى تأنيث الاستغاثة، وحكى الأصمعي عن أبي عمرو، أنه سمع رجلا من أهل اليمن يقول: فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت له: أتقول: جاءته كتابي؟
فقال: نعم أليس بصحيفة!
قلت: فما اللغوب؟ قال: الأحمق (١).
стр. 446
والحمل على المعنى مدار كثير من أحوال التذكير والتأنيث في القرآن الكريم، ولقد يكون، لغرض آخر، كتنزيل المذكر منزلة المؤنث وبالعكس، أو لغير ذلك من الأغراض
ومما ورد في القرآن الكريم من هذا الباب تذكير وتأنيث (الشفاعة) فقد ورد معها الفعل مؤنثا حيثما وردت إلا في موطن واحد. قال تعالى: ﴿ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨]، وقال ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن﴾ [طه: ١٠٩]، وقال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده﴾ [سبأ: ٢٣]، وقال: ﴿إن يردن الرحمن بض لا تغني عني شفاعتهم شيئا﴾ [يس: ٢٣].
وقال: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا﴾ [النجم: ٢٦].
أما الموطن الذي ورد بتذكيرها فهو قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون﴾ [البقرة: ٤٨]، وسبب ذلك، والله أعلم أن الآيات التي وردت بتأنيث الشفاعة هي بمعناها لمؤنث، أما الآية التي وردت بتذكيرها فمعنى الشفاعة فيها هو (الشفيع) أو على معنى (ولا يقبل منها طلب شفاعة) ويدلك قوله تعالى ههنا (ولا يقبل منها)، بخلاف الآيات الآخرى التي فيها (لا تنفع)، و (لا تغني)، مما يدل على الشفاعة في الآيات السابقة بمعناها دون الأخرى، لأن الكافرين لا يشفعون لأنفسهم وإنما يطلبون الشفاعة من غيرهم لهم، أي يطلبون شفيعا يشفع لهم عند ربهم.
ومعلوم أن الشفيع يشفع لغيره لا لنفسه (١).
فمعني الشفاعة هنا إذن (الشفيع) أو (ذو الشفاعة) أو طلب الشفاعة، بخلاف ما ورد في الآيات الأخرى ولذلك ذكرها.
стр. 447
ومن ذلك ما جاء فيه تذكير وتأنيث الموعظة. فقد استعملت فاعلة في موطنين مرة مذكرا مرة مؤنثا قال تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وامره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فاستعملها مذكرة وذلك لأنها بمعنى (النهي) ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ أي جاءه نهي فانتهى، وإلا فالموعظة ليست نهيا، فقط، بل هي أوامر ونواه فالموعظة هنا معناها النهي عن الربا ولذلك ذكرها.
وقال: ﴿هو يحي ويميت وإليه ترجعون. يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور﴾ ﴿يونس: ٥٦ - ٥٧﴾.
فاستعمالها مؤنثة لأنها بمعناها، وليس بمعنى مذكر.
ومن ذلك ما جاء فيه من تذكير وتأنيث (الضلالة) فقد استعملها فاعلة في موطنين مرة مذكرة، ومرة مؤنثة، قال تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون. فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠].
وقال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدي الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [النحل: ٣٦].
ذكر الضلالة في آية الأعراف، لأنها بمعنى العذاب، لأن الكلام في الآخرة فإن المعنى: تعودون كما بدأكم أي يعيدكم كما أنشأكم فريقين، فريقا هداه الله وفريقا حق عليه العذاب، كما قال تعالى في موطن آخر ﴿وكثير حق عليه العذاب﴾ [الحج: ١٨]، لأن الآخرة ليست مقام ضلال، فإن الأمر انتهي وانكشف والغطاء، واتضح ما كان مستورا خفيا، وبان ما كان يذكره رسل الله، وكأن المعنى (وفريقا حق عليه مؤدى الضلالة) ومؤدى الضلالة العذاب.
стр. 448
أما في آية النحل/ فالضلالة بمعناها فأنثها لذلك، وهي في الدنيا وليست في الآخرة، ألا ترى إلى قوله تعالى فيما بعد ﴿فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ بخلاف الآية الأولى.
ومن ذلك استعمال القرآن (العاقبة) مذكرة، حيث وقعت بمعنى العذاب قال تعالى: ﴿كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [الأنعام: ١١].
﴿كيف كان عاقبة المكذبين﴾ [النحل: ٣٦] ﴿كيف كان عاقبة الكذبين﴾ [آل عمران: ١٣٧]، ﴿كيف كان عاقبة المجرمين﴾ [الأعراف: ٨٤]. ﴿كيف كان عاقبة المجرمين﴾ [النمل: ٦٩]، ﴿كيف كان عاقبة المفسدين﴾ [الأعراف: ٨٥]، ﴿كيف عاقبة المفسدين﴾ [النمل: ١٤]، ﴿كيف كان عاقبة الظالمين﴾ [يونس: ٣٩]، ﴿كيف كان عاقبة الظالمين﴾ [القصص: ٤٠]، ﴿كيف كان عاقبة المنذرين﴾ [يونس: ٧٣] ﴿كيف كان عاقبة المنذرين﴾ [الصافات: ٧٣]. ﴿كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٥١].
وغير ذلك ولم ترد في القرآن مؤنثة، إلا في موطنين، هما قوله: ﴿فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار﴾ [الأنعام: ١٣٥]، وقوله: ﴿وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكلم له عاقبة الدار﴾ [القصص: ٣٧]. وهما ليسا بمعنى العذاب كما هو ظاهر، بل معناهما (الجنة)، قال الزمخشري: " عاقبة الدار: العاقبة الحسنى التي خلق الله تعالى هذه الدار لها" (١). فأنثها لذلك فحيث ذكر العاقبة كانت بمعنى العذاب، وحيث أنثها كانت بمعنى الجنة.
стр. 449
ومن ذلك تذكير وتأنيث (البينة) فقد استعملها مذكرة، كما استعملها مؤنثة قال تعالى: ﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه اولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ [طه: ١٣٣].
وقال: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون، أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين. أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة﴾ [الأنعام: ١٥٥ - ١٥٧].
فقد أنث البينة في آية طه، لأنها بمعناها، أو هي بمعنى الآية والعلامة.
وذكر الثانية لأنها بمعنى الكتاب، والكتاب مذكر ألا ترى إلى السياق: وهذا كتاب.
إلى أن يقول: ﴿أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم﴾ أي جاءكم ما كنتم تتمنون وتطلبون، وهو الكتاب.
ونحوه تذكير وتأنيث (البينات) فقد أنثها حيث كانت بمعنى العلامات الدالة على النبوات قال تعالى: ﴿ياأيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين، فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم، هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور، سل بني اسرائيل كم آتيناهم من آية بينة﴾ [البقرة: ٢٠٨ - ٢١١]، أنث البينات لأنها بمعنى الآيات أي العلامات المظهرة للنبوات والدلائل إلا ترى بعدها قوله (هل ينظرون إلا .. ) وقوله (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة) فأنث لأنها بمعنى العلامات الدالة على النبوات.
وقال: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات﴾ [البقرة: ٢٥٣].
والبينات هنا أيضا بمعنى المعجزات، والآيات الدالة على النبوات، الا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات وآيدناه بروح القدس﴾.
стр. 450
وقال: ﴿يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات﴾ [النساء: ١٥٣].
وهي هنا أيضا بمعنى الآيات الدالة على النبوات والمعجزات، وذلك ظاهر، ألا تراها منتظمة مع سأله أهل الكتاب من الآيات؟ ثم إن اتخاذ العجل كان بعد ظهور الآيات مع السحرة، وانفلاق البحر، وغرق فرعون، وغيرها من الآيات.
في حين استعملها مذكرة في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات﴾ [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٥].
وذلك لأنها بمعنى الأمر والنهي، أو بمعنى الدين أو حبل الله، وليس بمعنى الآيات الدالة على النبوات، ألا تراها منتظمة في سياق الأمر والنهي، وليس في ساق الآيات والمعجزات؟
فحيث كانت بمعناها المؤنث انثت وحيث كانت بمعنى المذكر ذكرت.
ومن ذلك تأنيث وتذكير (الصيحة) فقال في قوم صالح ﴿وأخذ الذين ظلموا الصيحة﴾ [هود: ٦٧]، بالتذكير، وقال في قوم شعيب: ﴿وأخذت الذين ظلموا الصيحة﴾ [هود: ٩٤]، بالتأنيث وقد ذكر السهيلي أن " الصيحة في قصة صالح في معنى العذاب والخزي، إذ كانت منتظمة بقوله ﴿ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز﴾ فصارت الصيحة عبارة عن ذلك الخزي وعن العذاب المذكور في الآية فقوي التذكير بخلاف قصة شعيب فإنه لم يذكر فيها ذلك" (١).
стр. 451
وقال ابن القيم: " وعندي فيه جواب أحسن من هذا إن شاء الله، وهو أن الصيحة يراد بها لمصدر بمعنى الصياح، فيحسن فيها التذكير، ويراد بها الواحدة من المصدر فيكون التأنيث أحسن.
وقد أخبر تعالى عن العذاب الذي أصاب به قوم شعيب بثلاثة أمور كلها مؤنثة في اللفظ: أحدها الرجفة في قوله في (الأعراف): ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾ [الأعراف: ٧٨] (١) ".
الثاني: الظلة: ﴿فأخذهم عذاب الظلة﴾ [الشعراء: ١٨٩].
الثالث: الصيحة: ﴿وأخذت الذين ظلموا الصيحة﴾ وجمع لهم بين الثلاثة فإن الرجفة بدأت بهم فاصحروا إلى الفضاء خوفا من سقوط الأبنية عليهم فصهرتهم الشمس بحرها، ورفعت لهم الظلة فأهرعوا إليها يستظلون بها من الشمس، فنزل عليهم من العذاب وفيه الصيحة، فكان ذكر الصيحة مع الرجفة والظلة أحسن من ذكر الصياح، وكأن ذكر التاء والله أعلم (٢).
قال أبو البقاء: " وقد يترجح أحد المتساويين في نفس الأمر مع جواز الآخر كما في قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا﴾ [الحجرات: ١٤]، ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ [يوسف: ٣٠]، تنزيلا لهم منزلة الإناث في نقصان العقل إذ لو كملت عقولهم لدخل الإيمان في قلوبهم، ألا ترى ان النسوة لما وصفوا زليخا بالضلال المبين، وذلك من شأن العقل التام نزلن الذكور (٣) ".
وذكر الفراء أن تذكير الفعل في قوله تعالى: ﴿وقال نسوة﴾ ونحوه يدل على القلة بخلاف التأنيث. قال: " ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ [يوسف: ٣٠]، فذكر الفعل لقلة النسوة .. ومنه قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ [التوبة: ٥]، ولم يقل انسلخت
стр. 452
وكل صواب. وقال الله ﵎: ﴿إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك﴾ [الإسراء: ٣٦]، لقلتهن ولم يقل (تلك)، ولو قيلت كان صوابا" (١).
والذي يبدو صواب هذا القول، فقد استعمل القرآن التأنيث أحيانا للدلالة على الكثرة بخلاف التذكير، قال تعالى: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسول من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين﴾ [آل عمران: ١٨٣].
فقال ﴿قد جاءكم رسل﴾ تذكير الفعل، وقال: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق، ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعلمون﴾ [الأعراف: ٤٣]
فأنث الفعل، والفرق واضح بين الأمرين، فإن الأولى خطاب لبني إسرائيل فقال لهم ﴿قد جاءكم رسل﴾ والثانية في رسل الله جميعا، لأن الكلام على لسان أهل الجنة في الآخرة، فالرسل في الآية الثانية أكثر عددا مما في الآية الأولىى، فأنث الفعل للكثرة وذكره للقلة، وقال أيضا ﴿هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذي نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون﴾ [الأعراف: ٥٣].
وهذه الآية نظيرة الآية السابقة فإن الكلام في الآخرة أيضا، فأنث الرسل للدلالة على الكثرة والله أعلم.
وهذا ميدان واسع نكتفي منه بما ذكرنا.
стр. 453
الفاعل المفسر بالتمييز
يضمر الفاعل أحيانا ويفسر بالتمييز نحو قوله تعالى: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ [الكهف: ٥]، أي ما أكبرها كلمة وكقولك (بلغت خطبة ألقاها خطيب اليوم) أي ما أبلغها خطبة، ويقدر النحاة الفاعل ضميرا مستترا يفسره التمييز المذكور، ففي الآية يقدره النحاة كبرة الكلمة كلمة، وفي المثال يقدرونه: بلغت الخطبة خطبة.
ويفيد إضمار الفاعل وتفسيره بالتمييز، أن الفعل خرج من الخبر إلى معنى آخر، كالتعجب، أو إلى المدح، والذم، فقولك (بلغت خطبة ألفاها خطيب اليوم) يفيد التعجب كما ذكرنا، أو يفيد المدح كقولك (نعم الخطبة)، ولو صرحت بالفاعل فقلت (بلغت خطبة) أو (بلغت الخطبة) لاحتمل ذلك الأخبار، أي أخبرت أن خطبة بليغة ألقاها الخطيب واحتمل الإنشاء على معنى التعجب، أو إنشاء المدح والذم.
وسيأتي مزيد لهذا البيان في باب المدح والذم إن شاء الله تعالى، وقد يفيد الاستغناء بالتمييز عن الفاعل أن الفعل خرج إلى النهي، وذلك كما في فاعل (كفى) المفسر بالتمييز نحو (كفى إذلالا) و (كفى إرهاقا) و (كفى تعنتا)، والمقصود بهذا طلب الكف عن التمييز والانتهاء عنه، أي إنته عن الإذلال، والإرهاق، والتعنت/، ولذا لا يقال: كفى قلما ولا كفى شجرة لأنه لا يطلب الكف عن القلم والشجرة، أما إذا قلت (كفى الإذلال والإرهاق) فإنه يحتمل هذا المعنى، وهو طلب الكف عن الفاعل، ويحتمل الأخبار بأن هذا الأمر كفى عن غيره، كأن تقول: (كفى العلم أهل الفضل) أي كفاهم عن غيرهم، فهم قد اكتفوا به، ولا تقول (كفى علما أهل الفضل) على هذا المعنى، بل على معنى طلب الكف عن العلم، ويكون أهل الفضل منادي.
ويصح أن تقول (كفى قلمٌ) و (كفى كتابٌ) على معنى الإخبار، بأن القلم كان كافيا وكذلك الكتاب.
والخلاصة أن التمييز الذي يفسر الفاعل، ينقل الفعل من دلالة الأخبار إلى دلالة الإنشاء.
стр. 454
نائب الفاعل
قد يترك الفاعل ويؤتى بما ينوب عنه لأغراض متعددة، منها - كما يقول النحاة - لفظي كالسجع نحو قولهم (من طابت سريرته حمدت سيرته) ولإقامة النظم (١) كقوله:
علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري، وعلق أخري ذلك الرجل
ومعنوي كأن يحذف للجهل به، كقولك (سُرق المتاع)، و (كسر الباب)، إذا لم تعلم فاعله.
أو للعلم به فقد يكون معلومًا للمخاطب، فلا تكذهر له، كقولك (خلق الإنسان عجولا) أي خلق الله الإنسان.
وقد يحذف لأنه لا يتعلق غرض بذكره، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾ [البقرة: ١٩٦]، فإنه لا يتعلق غرض بذكر المحصر، إذ لو ذكر فاعلا بعينه لتوهم أن هذا الحكم مختص بهذا الفاعل دون غيره، وكقوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ [البقرة: ١٠٨]، وقوله: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾ [البقرة: ٢٤٦]، فإن الحكم لا يتغير بذكر المخرج، ونحوه قوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦]، فإنه حذف الفاعل لأنه لا يتعلق غرض بذكره. ومثله قوله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله: ﴿إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾ [النساء: ١٤٨].
أيا كان الظالم وقوله: ﴿وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]، أيا كان الذابح وقوله: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما﴾ [المائدة: ١٠٧]، ، أيا كان العاثر.
стр. 455
ففي هذه المواطن حذف الفاعل، لأنه لا يتعلق بذكره غرض.
جاء في (التصريح): " أو لغرض معنوي - أي يحذف الفاعل - كأن لا يتعلق بذكره غرض أي قصد، نحو (فإن احصرتم) (وإذا حييتم) ﴿إذا قيل لكم تفسحوا﴾ [المجادلة: ١١]، إذ ليس الغرض من هذه الأفعال إسنادها إلى فاعل مخصوص، بل إلى أي فاعل كان" (١).
وقد يحذف للخوف منه كأن تقول (هدم البناء)، وأنت تعلم الفاعل، فلا تذكره خوفا من أن ينالك بأذى، ومثله (كسر الباب)، و (سرق الكتاب).
أو للخوف عليه، فتستر ذكره، لئلا يناله أذى، نحو قولك (قتل خالد)، ولم تذكر فاعله خوفا من أن يؤخذ بقولك.
أو تقصد إبهامه، فلا يريد المتكلم إظهاره، كقولك (تصدق على مسكين) و (أهين متكبر) فلا تريد إظهار الفاعل بقصد التواضع مثلا، أو لغرض آخر، أو للتحقير كقولك (عمل الكنيف وكنس السوق).
أو للتعظيم نحو (خلق الخنزير، ) فتستر ذكره بجنب ذكر الخنزير تعظيما له (٢) وكقوله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلغي ماءك وياسماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر﴾ [هود: ٤٤]، فإن في ستره تعظيما للفاعل الذي يأمر السماء والأرض من وراء حجاب فيطاع.
والتعظيم قد يكون بذكر الفاعل، وقد يكون بتركه، فمما يكون بذكر الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله﴾ [النساء: ٨٨]، فإنه لا يحسن هنا حذف الفاعل فإنه لو قال: (أتريدون أن تهدوا من أضل) بالبناء للمجهول لكان من الممكن أن يقال: نعم: فإن مهمة الأنبياء والرسل والمصلحين هداية الضال، ولكن لما قيل ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل﴾ علم أن المقصود أن هؤلاء باقون على ضلالهم، وأنه لا يقدر أحد أن
стр. 456
يغير ما أراد الله، فإذا أضله الله فمن يستطيع هدايته غيره سبحانه؟ بخلاف ما لو قبل (من اضل).
وهناك خط واضح وظاهرة بينة في التعبير القرآني، وهي أن الله سبحانه يذكر نفسه تنزيها لها عن فعل الشر وإرادة السوء، فإنه مثلا عندما يذكر النعم ينسبها إليه، ولم يبن فعل النعمة للمجهول، لأن النعمة خير وتفضل منه، قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿قد أنعم الله علي﴾ [النساء: ٧٢]، وقال: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ [النساء: ٦٩]، وقال: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونا بجانبه، وإذا مسه الشر كان يؤوسا﴾ [الإسراء: ٨٣]، ففي النعمة أظهر نفسه فقال (أنعمنا) وفي الشر قال (مسه الشر) ولم يقل (مسسناه بالشر) وقال: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧]، وقال: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه﴾ [الزخرف: ٥٩]، وقال: ﴿الذي خلقني فهو يهدين، والذين هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٠].
فأنت ترى أن نسب الخير إلى ربه فقال: ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ ونسب السوء إلى نفسه، فقال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ ولم يقل وإذا أمرضني فنسب المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله تعالى.
وقال: ﴿وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا﴾ [الجن: ١٠]، فبني الشر للمجهول (أشر أريد) ونسب الخير والرشد إلى الرب سبحانه (أريد بهم ربهم رشدا).
ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم في قصة موسى والرجل الصالح.
قال ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغها أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن امري﴾ [الكهف: ٧٩ - ٨٢].
стр. 457
فقال في خرق السفينة: ﴿فأردت أن أعيبها﴾ وقال في قتل الغلام: ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة واقرب رحما﴾ وقال في إقامة الجدار ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾. وهذا داخل فيما ذكرناه من هذه الظاهرة، فإنه نسب العيب إلى نفسه ولم ينسبه إلى الله تعالى تنزيها له، فقال ﴿فأردت أن أعيبها﴾ (١) اما في قتل الغلام فجاء في بالضمير مشتركا لأن العمل مشترك فإن فيه قتل غلام وهو في ظاهر الأمر شر، وإبدال خير منه وهو خير فجاء بالضمير المشترك للعمل المشترك ثم قال: ﴿يبدلهما ربهما خيرا منه﴾ فأسند الإبدال إلى الله وحده. وأما إقامة الجدار فعمل كله خير فأسنده إلى الله سبحانه فقال: ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾.
ومن ذلك قوله تعالى ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]، فأسند تزيين الإيمان في القلوب إلى ذاته سبحانه.
وقال: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة﴾ [آل عمران: ١٤]، فبني تزين حب الشهوات للمجهول، ولم ينسبه إلى نفسه، وقال: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ [الصافات: ٦].
وقال: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ [الملك: ٥]. وقال: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين﴾ [الحجر: ١٦]. فأسند هذا التزيين الحسن إلى ذاته.
وقال: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين أمنوا﴾ [البقرة: ٢١٢]، وقال: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل﴾ [الرعد: ٣٣]، وقال: ﴿كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: ١٢٢].
стр. 458
وقال: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرءه حسنا﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وكذلك زين لفرعون سوء عمله، وصد عن السبيل﴾ [غافر: ٣٧]، وقال: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء﴾ [الفتح: ١٢].
فأنت ترى تزيين الخير إلى نفسه، وتزيين القبيح يبنيهل للمجهول، أو ينسبه إلى الشيطان كقوله تعالى: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [الأنفال: ٤٨]، وقال: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [العنكبوت: ٣٨].
وقد تجد في القرآن نحو (زينا لهم أعمالهم) لغرض إقامة العقيدة الصحيحة، ولبيان أن كل ذلك بأمر الله، ولكن لا تجد فيه، نحو ﴿زينا لهم سوء أعمالهم﴾ بذكر السوء بل لا تجده إلا مبنيا للمجهول، والفرق ظاهر بين الأمرين.
ومن هذا الباب ما نراه في القرآن الكريم في الذين أوتوا الكتاب فإنه على العموم، إذا كان المقام مقام مدح وثناء، أظهر ذاته ونسب إتيان الكتاب إلى نفسه، فيقول: ﴿آتيناهم الكتاب﴾، وإذا كان المقام مقام ذم وتقريع قال: ﴿أوتوا الكتاب﴾ ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾ [البقرة: ٥٣].
وقوله: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ [الجاثية: ١٦].
وقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١].
وقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦]. وقوله: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة﴾ [الأنعام: ٨٩].
وقوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام: ٤١١].
стр. 459
وقوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك﴾ [الرعد: ٣٦]. وقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٣].
وقوله: ﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به﴾ [العنكبوت: ٤٧].
وقوله: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ [النساء: ٥٤]، فأنت ترى أنه أسند لاتيان إلى نفسه في مقام المدح والثناء، في حين قال: ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾ [البقرة: ١٠١].
وقال: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون، ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ [البقرة: ١٤٤ - ١٤٥].
وقال: ﴿وما اختلف الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ [آل عمران: ١٩].
وقال: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب لله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ [آل عمران: ٢٣].
وقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ [آل عمران: ١٠٠]. وقال: ﴿ولتسمعن من الذين آوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وقال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا﴾ [آل عمران: ١٨٧].
стр. 460
وقال: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل﴾ [النساء: ٤٤].
وقال: ﴿يا أيها الذين آوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت﴾ [النساء: ٤٧].
وقال: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلا﴾ [النساء: ٥١].
وقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾ [المائدة: ٥٧].
وقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩].
وقال: ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ [الحديد: ١٦]، وغير ذلك من الآيات: فأنت ترى في مقام الذم يبني فعل الإيتاء للمجهول.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا﴾. [الأعراف: ١٣٧]. وقوله: ﴿ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولى الألباب﴾ [غافر: ٥٣ - ٥٤].
بإسناد الأمر إلى ذاته في مقام المدح، في حين قال: ﴿وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب﴾ [الشوري: ١٤]، وقال: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ [الجمعة: ٥]، في مقام الذم (١).