يغير ما أراد الله، فإذا أضله الله فمن يستطيع هدايته غيره سبحانه؟ بخلاف ما لو قبل (من اضل).
وهناك خط واضح وظاهرة بينة في التعبير القرآني، وهي أن الله سبحانه يذكر نفسه تنزيها لها عن فعل الشر وإرادة السوء، فإنه مثلا عندما يذكر النعم ينسبها إليه، ولم يبن فعل النعمة للمجهول، لأن النعمة خير وتفضل منه، قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿قد أنعم الله علي﴾ [النساء: ٧٢]، وقال: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ [النساء: ٦٩]، وقال: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونا بجانبه، وإذا مسه الشر كان يؤوسا﴾ [الإسراء: ٨٣]، ففي النعمة أظهر نفسه فقال (أنعمنا) وفي الشر قال (مسه الشر) ولم يقل (مسسناه بالشر) وقال: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة: ٧]، وقال: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه﴾ [الزخرف: ٥٩]، وقال: ﴿الذي خلقني فهو يهدين، والذين هو يطعمني ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٠].
فأنت ترى أن نسب الخير إلى ربه فقال: ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾ ونسب السوء إلى نفسه، فقال: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ ولم يقل وإذا أمرضني فنسب المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله تعالى.
وقال: ﴿وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا﴾ [الجن: ١٠]، فبني الشر للمجهول (أشر أريد) ونسب الخير والرشد إلى الرب سبحانه (أريد بهم ربهم رشدا).
ومن ذلك ما جاء في القرآن الكريم في قصة موسى والرجل الصالح.
قال ﴿أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما، وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغها أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن امري﴾ [الكهف: ٧٩ - ٨٢].
стр. 457
فقال في خرق السفينة: ﴿فأردت أن أعيبها﴾ وقال في قتل الغلام: ﴿فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة واقرب رحما﴾ وقال في إقامة الجدار ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾. وهذا داخل فيما ذكرناه من هذه الظاهرة، فإنه نسب العيب إلى نفسه ولم ينسبه إلى الله تعالى تنزيها له، فقال ﴿فأردت أن أعيبها﴾ (١) اما في قتل الغلام فجاء في بالضمير مشتركا لأن العمل مشترك فإن فيه قتل غلام وهو في ظاهر الأمر شر، وإبدال خير منه وهو خير فجاء بالضمير المشترك للعمل المشترك ثم قال: ﴿يبدلهما ربهما خيرا منه﴾ فأسند الإبدال إلى الله وحده. وأما إقامة الجدار فعمل كله خير فأسنده إلى الله سبحانه فقال: ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما﴾.
ومن ذلك قوله تعالى ﴿واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾ [الحجرات: ٧]، فأسند تزيين الإيمان في القلوب إلى ذاته سبحانه.
وقال: ﴿زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة﴾ [آل عمران: ١٤]، فبني تزين حب الشهوات للمجهول، ولم ينسبه إلى نفسه، وقال: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب﴾ [الصافات: ٦].
وقال: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ [الملك: ٥]. وقال: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين﴾ [الحجر: ١٦]. فأسند هذا التزيين الحسن إلى ذاته.
وقال: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين أمنوا﴾ [البقرة: ٢١٢]، وقال: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل﴾ [الرعد: ٣٣]، وقال: ﴿كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ [الأنعام: ١٢٢].
стр. 458
وقال: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرءه حسنا﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وكذلك زين لفرعون سوء عمله، وصد عن السبيل﴾ [غافر: ٣٧]، وقال: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء﴾ [الفتح: ١٢].
فأنت ترى تزيين الخير إلى نفسه، وتزيين القبيح يبنيهل للمجهول، أو ينسبه إلى الشيطان كقوله تعالى: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [الأنفال: ٤٨]، وقال: ﴿وزين لهم الشيطان أعمالهم﴾ [العنكبوت: ٣٨].
وقد تجد في القرآن نحو (زينا لهم أعمالهم) لغرض إقامة العقيدة الصحيحة، ولبيان أن كل ذلك بأمر الله، ولكن لا تجد فيه، نحو ﴿زينا لهم سوء أعمالهم﴾ بذكر السوء بل لا تجده إلا مبنيا للمجهول، والفرق ظاهر بين الأمرين.
ومن هذا الباب ما نراه في القرآن الكريم في الذين أوتوا الكتاب فإنه على العموم، إذا كان المقام مقام مدح وثناء، أظهر ذاته ونسب إتيان الكتاب إلى نفسه، فيقول: ﴿آتيناهم الكتاب﴾، وإذا كان المقام مقام ذم وتقريع قال: ﴿أوتوا الكتاب﴾ ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾ [البقرة: ٥٣].
وقوله: ﴿ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين﴾ [الجاثية: ١٦].
وقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾ [البقرة: ١٢١].
وقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾ [البقرة: ١٤٦]. وقوله: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة﴾ [الأنعام: ٨٩].
وقوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ [الأنعام: ٤١١].
стр. 459
وقوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك﴾ [الرعد: ٣٦]. وقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٣].
وقوله: ﴿وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به﴾ [العنكبوت: ٤٧].
وقوله: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما﴾ [النساء: ٥٤]، فأنت ترى أنه أسند لاتيان إلى نفسه في مقام المدح والثناء، في حين قال: ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾ [البقرة: ١٠١].
وقال: ﴿وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون، ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾ [البقرة: ١٤٤ - ١٤٥].
وقال: ﴿وما اختلف الذين اوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم﴾ [آل عمران: ١٩].
وقال: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب لله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ [آل عمران: ٢٣].
وقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ [آل عمران: ١٠٠]. وقال: ﴿ولتسمعن من الذين آوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾ [آل عمران: ١٨٦].
وقال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا﴾ [آل عمران: ١٨٧].
стр. 460
وقال: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل﴾ [النساء: ٤٤].
وقال: ﴿يا أيها الذين آوتوا الكتاب أمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت﴾ [النساء: ٤٧].
وقال: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين أمنوا سبيلا﴾ [النساء: ٥١].
وقال: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء﴾ [المائدة: ٥٧].
وقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩].
وقال: ﴿ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم﴾ [الحديد: ١٦]، وغير ذلك من الآيات: فأنت ترى في مقام الذم يبني فعل الإيتاء للمجهول.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا﴾. [الأعراف: ١٣٧]. وقوله: ﴿ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولى الألباب﴾ [غافر: ٥٣ - ٥٤].
بإسناد الأمر إلى ذاته في مقام المدح، في حين قال: ﴿وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب﴾ [الشوري: ١٤]، وقال: ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا﴾ [الجمعة: ٥]، في مقام الذم (١).
стр. 461
فأنت ترى أن الله سبحانه يذكر ذاته في خير العام، وينسبه إلى نفسه بخلاف الشر. والسوء، قال ابن القيم: " إن افعال الإحسان والرحمة، والجود تضاف إلى الله ، / فيذكر فاعلها منسوبه إليه ولا يبني الفعل معها للمفعول، فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف الفاعل وبني الفعل معها للمفعول، أدبا في الخطاب، وإضافته إلى الله أشرف قسمى أفعاله، فمنه هذه الآية يعني: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ فإنه ذكر النعمة فأضافها إليه، ولم يحذف فاعلها .. ومنه قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نساءكم﴾ [البقرة: ١٨٧].
فحذف الفاعل وبناه للمفعول وقال: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربوا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
لأن في ذكر الرفث ما يحسن منه، ألا يقترن بالتصريح بالفاعل (١)
وكلام ابن القيم فيه صحة كثيرة غير أن قوله "فإذا جيء بأفعال العدل والجزاء والعقوبة حذف الفاعل وبني الفعل معا للمفعول"، فيه نظر، فليس هذا الكلام على إطلاقه، بل أسند الله مثل هذا الأمر إلى نفسه في مواطن عديدة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فدمرناها تدميرا﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير، فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة﴾، [الحج: ٤٤ - ٤٥]، وقوله: ﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما﴾. [الفرقان: ٣٧].
فإن إهلاك المفسدين وتدمير الظالمين والبطش بهم من الخير العام.
وليس من الخير المطلق أن يترك الفسد يعيث في الأرض، يسفك الدماء بل البطش به وعقوبته وإزالته واستئصاله من أكبر الخير، ولذلك قد يظهر الله فيه نفسه، وذلك نحو ما مر ونحو قوله: ﴿دمر الله عليكم وللكافرين أمثالها﴾ [محمد: ١٠]، وقوله: ﴿فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد﴾ [هود: ٧٢ - ٨٣].
стр. 462
فإن في نسبة الأمر إليه في عقوبة هؤلاء وإزالتهم وإنزال بالغ نقمته عليهم، ما لا يخفى من الخبر.
والأمر حسب السياق فقد يقتضي السياق هذا وقد يقتضي ذاك.
ما ينوب عن الفاعل
١ - يذكر النحاة أنه إذا بني الفعل المتعدي إلى مفعولين للمجهول، وكان من باب (أعطي) جاز إقامة الأول مقام الفاعل وكذلك الثاني تقول: منع خالد الخير ومنع الخير خالدًا، وأعطي محمد دينارا، وأعطي دينار محمدًا، إلا إذا حصل لبس فإنه عند ذاك يتعين إقامة الأول، نحو أعطيت زيدًا عمرا فيقال: أعطي زيد عمرا.
ومذهب الكوفيين، أنه إذا كان الأول معرفة والثاني نكرة تعين إقامة الأول فتقول: أعطي زيدٌ درهما ولا يجوز عندهم إقامة الثاني فلا تقولك أعطي درهم زيدا (١).
ورأي الجمهور أرجح، لأنه لا مانع من أن يكون الفاعل نكرة، من كون المفعول معرفة فلا مانع أن تقول ضرب رجل محمدا، وكذلك ما ينوب عنه.
وما ذكره النحاه في إنابة أي المفعولين صحيح، غير أنه ينبغي أن لا ننسي أن ذلك بحسب المعنى، فقد تنيب الأول أو الثاني بحسب ما ترمي إليه من غرض، فإنك تقيم مقام الفاعل ما كان أولى بالعناية والإهتمام، فإذا قلت مثلا: (أعطي محمد دينارا) كان اهتمامك منصبا على (محمد) والحديث يدور عنه، وإذا قلت: (أعطي دينار محمدا) كان الحديث منصبا على الدينار وذلك كأن يكون قليلا أو كثيرا أو لغير ذلك. ونحو ذلك أن تقول: (أعطي محمدٌ الجائزة) إذا كان الاهتمام منصبا على أخذ الجائزة. وتقول:
стр. 463
(أعطيت الجائزة محمدا) إذا كان الاهتمام منصبا على الجائزة لا على الآخذ، فإذا كانت حصلت منافسة بين أقران مثلا، لنيل جائزة وكان الناس مهتمين بهؤلاء الأقران معنيين بأمرهم، فشخص يرى أنه سيأخذ محمد، والآخر خالد، وهكذا ولا يهمهم أمر الجائزة بقدر ما يهمهم صاحبها قلت: أعطي محمدٌ الجائزة.
وإذا كان لناس معنيين بأمر الجائزة، لأنها جائزة فريدة ثمينة. ولا يهمهم آخرها قلت: أعطيت الجائزة محمدًا. فجعلتها هي المتحدث عنه. ونحو ذلك أن تقول: (أعطي محمد الكتاب) إذا كان يعينك شأن الآخذ، أو تقول: أعطني الكتاب محمدًا، إذا كان يعنيك شأن الكتاب.
أما إذا كان الفعل من باب ظن وأخواتها، أو كان متعديا إلى ثلاثة مفاعيل فالأشهر عند النحويين أنه يجب إقامة المفعول الأول، يمتنع إقامة الثاني، أو الثالث، فتقول: (ظن محمد قائمًا) ولا تقول: (ظن محمد قائم) (١) وذهب قوله إلى أنه لا يتعين إقامة الأول لكن يشترط أن لا يحصل لبس فتقول: ظن زيد قائم قال ابن يعيش: " إن المفاعيل متساوية في صحة بناء الفعل لما لم يسم فاعله، وإقامة أي المفاعيل شئت مقام الفاعل .. إلا ما استثناه وهو المفعول الثاني في باب علمت والثالث في باب أعملت لأن المفعول الثاني في باب، علمت قد يكون جملة من حيث كان في الأصل خبر المبتدأ. (٢)
٢ - فإن كان هناك مفعول به، ومصدر وظرف، وجار ومجرور، فالذي عليه جمهور النحاة أنه يتعين إقامة المفعول به مقام الفاعل، تقول: ضُرب خالد ضربا شديدا، يوم الخميس. ولا يجوز إقامه غيره فلا تقول: ضُرب خالدًا في بيته.
ومذهب الكوفيين أنه يجوز إقامة غيره مع وجوده فتقول ضرب ضربٌ شديدٌ زيدًا واستدلوا لذلك بقراءة أبي جعفر - وهو من العشرة - (ليجزي قوما بما كانوا يكسبون). (٣)
стр. 464
وذهب بعض النحاة إلى أن الأحق بالنيابة ما كان أهم في الكلام، مفعولا أو غيره، فمثلا إذا كان المقصود الأصلي وقوع الضرب أمام الأمير، أقيم ظرف المكان مقام الفاعل مع وجود المفعول به (١).
وهو ما نراه الصواب فإن المعنى هو الحاكم في مثل ذلك.
٣ - فإن لم يكن هناك مفعول به وكان في الجملة ظرف متصرف مختص (٢)، أومصدر متصرف مختص، أو جار ومجرور صالح للنيابة أقيم أحدها مقام الفاعل فتقول: سير يومان، وأنطلق انطلاق شديد، وجلس في القاعة (٣) وإذا اجتمعت هذه الثلاثة الصدر، والظرف، والمجرور، فالذي عليه الأكثرون أنها متساوية في النيابة، ولا يفضل بعضها بعضا، تقول: جلس في الدار جلوسا طويلا يوم الجمعة، إذا جعلت المجرور هو النائب، أو تقول: جلس في الدار جلوس طويل يوم الجمعة، أو جلس يوم الجمعة في الدار جلوسا طويلا (٤).
والحق أن يقال أنه ينوب عن الفاعل ما كان أهم وأدخل في عناية المتكلم، فإذا كان المجرور هو المهم أنيب، وإذا كان المصدر هو المهم أنيب وإذا كان الظرف هو المهم أنيب، قال الرضي: " والأولى أن يقال كل ما كان أدخل عناية المتكلم واهتمامه بذكره
стр. 465
وتخصيص الفعل، به فهو أولى بالنيابة (١).
وإيضاح هذا الأمر أن المتكلم قد يعنيه ذكر الحدث مع ما ارتبط به من مجرور، أو ظرف، دون أن يعينه ما وراء ذلك فيقتصر عليه، فيقول مثلا: جلس في الدار واقتتل يوم الخميس. قال تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾ [الزمر: ٦٨]، فإن المهم هو المجرور، ونحو قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨]، وقوله: ﴿لا يقضي عليهم فيموتوا﴾ [فاطر: ٣٦]، ونحوه ﴿اجتمع يوم الخميس﴾ إذا لم يعنك من اجتمع.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى المصدر فتقول: (انطلق انطلاق شدي).
وقد يعنيه عدة أمور بعضها أهم من بعض، فيجعل مدار حديثه ما كان أدخل في عنايته وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾ [الحاقة: ١٣]، فالمصدر الدال على المرة هنا هو الأهم، لا المجرور كما في الآيات السابقة، ولذلك أنابه عن الفاعل. ومما يدل على أن الاهتمام منصب على المصدر الدال على المرة قوله تعالى: ﴿وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة﴾ [الحاقة: ١٤]، فقد جاء بالمصدر الدال على المرة أيضا.
وقد يجري الفعل المتعدي في ذلك مجرى اللازم، إذا لم يتعلق غرض بذكر مرفوعه نحو قولك: (أكرم في الحفل)، و (حفظ في الدار) إذا لم يعنك ما أكرم، ولا ما حفظ، جاء في (المفصل): " إن قصدت الإقتصار على ذكر المدفوع إليه والمبلوغ به قلت: دفع إلى زيد وبلغ بعطائك" (٢).
وقد يعينك ذكر أحد المفعولين درن الآخر ولا يعنيك ذكر الفاعل أيضا فتنيب عن الفاعل المفعول الذي يعنيك فتقول مثلا (أكرم خالد) إذا لم يكن يعنيك من أكرمه، ولا ما أكرم، وتقول (منحت الشهادات في الحفل) إذا لم يكن يعنيك المانح، ولا من منح،
стр. 466
وقد يعنيك ذكرهما كليهما، فتنيب ما كان ادخل في عنايتك، فتقول (أكر خالد مالا كثيرا) وقد يعنيك ذكر الفاعل أيضا، فتقول: (أكرم محمود خالدا مالا كثيرا) بالبناء للفاعل وهكذا
فعل وانفعل
ويرى قسم المعنيين بهذا العلم أن معنى (فعل) و (انفعل) واحدُ، وأن (الزجاجة) في قولنا (كسرت الزجاجة) فاعل، كما في (انكسرت الزجاجة) أو نقول إن كليهما نائب فاعل.
والظاهر أن الأمر على خلاف ذلك ففي (فُعل) دافع خارجي بخلاف (انفعل) الذي يبدو فيه الفعل كأنه حصل ذاتيا.
ألا تحس أن ثمة فرقا بين قوله تعالى: ﴿وغيض الماء وقضي الأمر﴾ [هود: ٤٤]، وقوله (انغاض الماء وانقضي الأمر؟ ) ففي الأولى تحس كأن هناك يدا خفية غاضت الماء بخلاف انغاض، وكأن هناك قاضيا قضي الأمر وحسمه، بخلاف (انقضى الأمر) فإنه كأنه تصرم من نفسه.
ثم انظر إلى قوله تعالى: ﴿وإذا البحار فجرت﴾ [الإنفطار: ٣]، وإلى قوله: ﴿اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثتنا عشرة عينا﴾ [البقرة: ٦٠].
فإن انفجار الماء من الصخرة حدث ذاتيا، بخلاف قوله (فجرت) الذي يفيد أن مفجرًا فجرها، ألا ترى فرقا بين قولك (انفجر الماء من الصخرة)، و (فجر الماء من الصخرة)؟ فأنت تفهم أن الانفجار في الأولى حصل ذاتيا، وفي الثانية حصل بمفجر خارجي.
ثم ألا تحس فرقا بين قولك (فرط العقد)، و (انفرط العقد)، وقولك (بعث إليه)؟ فإن قولك (بُعث) يفيد أن هناك باعثا بعث، وأما انبعث فهو انبعاث داخلي من النفس، قال تعالى: ﴿إذ انبعث أشقها﴾ [الشمس: ١٢]، أي ذهب من نفسه، بخلاف قوله تعالى:
стр. 467
﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون﴾ [الشمس: ١٠٠] فالموتى يبعثون، ولا ينبعثون من أنفسهم.
ومثله الفرق بين: اندفع إليه، ودفع إليه، وانفصل وفصل، وانشطر، وشُطر، وانقسم، وقُسم.
صحيح أن قسما من اللغات السامية استعملت (انفعل) للمبني للمجهول (١)، ولكن العربية لها صيغة أخرى هي صيغة (فُعل)، والعربية تميل إلى التخصيص، فلا تجعل صيغتين بمعنى واحد، كما هو واضح في استعمالاتها، وقد خصت كل صيغة باستعمال، ومعنى. ألا ترى أنه يمكن أن يكتفي بالفعل اللازم المبني للمجهول، والجار والمجرور فيقال: (جُلس في الحديقة)، و (ذُهب إلى خالد)، ولا يمكن أن يستعمل نحو هذا الاستعمال في (انفعل) مما يدل على اختلاف بينهما؟
فهناك فرق ظاهر بين الصيغتين كما هو مبين.
المفعول به .
يقول النحويون أن المفعول به " هو الذي يقع عليه فعل الفاعل، في مثل قولك: ضرب زيد عمرا وبلغت البلد (٢) قيل: " والأقرب في رسم المفعول به أن يقال: هو ما يصح أن يعبر عنه باسم مفعول غير مقيد، مضمون من عامله المثبت أو المجعول مثبتاً" (٣).
стр. 468
وتفسير ذلك أنك تستطيع أن تصوغ معه من فعل (١) المفعول به، اسم مفعول غير مقيد بحرف جر، أو غيره نحو قولنا (أكرمت محمدا) فإنك تستطيع أن تقول (محمد مكرم) و (نصرت سعيدا) فتقول (سعيد منصور) و (خلق الله السماوات) فتقول (السماوات مخلوقة) بخلاف قولنا مثلا (انطلق انطلاقا)، فلا يصح أن يقال (الإنطلاق منطلق)، و (خرجت صباحا) فلا يقال (الصباح مخروج) بل نقيده بحرف جر، فنقول (الصباح مخروج فيه).
وعلى أي حال فحد المفعول ورسمه لا يهماننا كثيرا في هذا البحث، وإنما الذي يهمنا ماله علاقة بالمعنى، كالتقديم والتأخير، والذكر والحذف، ونحو ذلك، وإنما ذكرت هذا الضابط لأنه حصل وهم عند قسم من النحاة في إدخال قسم من المفعول به، في المفعول المطلق.
تقديم المفعول به .
الأصل في الجمل التي تحتوي مفعولا به أن يؤتى بالفعل، فالفاعل، فالمفعول به (٢).
وذلك نحو ينصر الله المجاهدين، ولا يعدل عن مثل هذا التعبير، إلا لسبب فيقدم المفعول به على الفاعل نحو (ينصر المجاهدين الله) أو يقدم المفعول به على الفعل نحو (المجاهدين ينصر الله).
وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما يتعدى المفعولين، فإن الأصل أن يتقدم الفعل ففاعله ثم المفعول الأول الذي هو الفاعل في المعنى - كما يقول النحاة - ثم المفعول الثاني (٣)
стр. 469
نحو (ألزم سعيدٌ محمدا الأمر) فمحمد هو المفعول الأول، وهو الفاعل في المعنى، لأنه هو الذي التزم بالأمر، و (الأمر) المفعول الثاني، ونحو (ألبس خالدٌ سعدا ثوبا) فسعد هو المفعول الأول، وهو الفاعل في المعنى، لأنه هو اللابس وثوبا مفعول ثان (١). ولا يعدل عن هذا التعبير إلا لسبب نحو: الزم سعدا الأمر محمدا، وألبس خالد ثوبا سعدا.
وتتلخص صور التقديم فيما يتعدي إلى واحد بما يأتي:
١ - أن يتقدم الفاعل على المفعول، نحو (يجعل الناس العلماء) وهذا في الحقيقة ليس من باب تقديم ما يستحق التأخير، بل هو التعبير الطبيعي كما ذكرت.
٢ - أن يتقدم المفعول على الفاعل نحو: نصر أخاك محمود.
٣ - أن يتقدم المفعول على الفعل نحو: أخاك نصر محمود.
أما صور ما يتعدى إلى مفعولين، فكثيرة أذكرها باختصار.
١ - أن يتقدم الفعل والفاعل ثم المفعول الأول (الفاعل في المعنى)، ثم المفعول الثاني وذلك نحو (منح خالد سعيدا دارا) وهذا هو التعبير الطبيعي الذي ليس فيه تقديم ما يستحق التأخير.
٢ - أن يتقدم المفعول الثاني على الأول نحو (منح خالدا دارا سعيدا).
٣ - أن يتقدم المفعولان ويتأخر الفاعل نحو (منح سعيدا دارا خالد) و (منح دارا سعيدا خالد) وتحت هذا صورتان - كما ترى - تقديم المفعول الأول، وتقديم المفعول الثاني.
٤ - أن يتقدم أحد المفعولين على الفاعل، ويتأخر الثاني عنه، نحو (منح سعيدا خالدٌ دارا) و (منح دارا خالد سعيدًا).
٥ - أن يتقدم المفعولان على الفعل والفاعل، نحو (سعيدا دارا منح خالد) و (دارا سعيدا منح خالد) وتحت هذا صورتان كما ترى.
стр. 470
٦ - أن يتقدم أحد المفعولين على الفعل ويتأخر الثاني على الفعل والفاعل، نحو (سعيدا منح خالد دارا) و (دارا منح خالد سعيدا).
٧ - أن يتقدم أحد المفعولين على الفعل ويتقدم الآخر على الفاعل، نحو (سعيدا منح دارا خالد) و (دارا منح سعيدا خالد).
ولا شك أن كل عدول من التعبير الطبيعي الذي هو الأول يصحبه عدول من معنى إلى معنى.
ونحن سنذكر أوجها من هذه الصور لنستعين بها على بقية الوجوه وهذه كلها هي جزء من موضوع رئيس هو موضوع التقديم والتأخير الذي يشمل المفعول وغيره ولكني آثرت أن أبحثها مجزأة على أبواب النحو لأنه يعسر أحيانا على بعض الناس أن يجري القاعدة العامة على الجزئيات.
١ - تقديم الفاعل على المفعول به: نحو (أكرم خالد الزائرين) وهو التعبير الطبيعي، وهو ليس من باب تقدي ما حقه التاخير كما ذكرنا، يقول المتكلم إذا كان المخاطب خالي الذهن لا يعلم المسألة، فتفيده بها كلها وهي بجزيئاتها إخبار جديد وكأن هذا النوع من الجمل إنما هو جواب سؤال: ماذا حدث؟ فتخبره بما حدث.
٢ - تقديم المفعول على الفاعل: وذلك كقوله تعالى: ﴿وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه﴾ [الروم: ٣٣]، وقوله: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون﴾ [المؤمنون: ٩٩].
وهذه المسألة ذكرناها في باب الفاعل وبينا الغرض من التقديم فلا داعي لإعادة القول فيها.
٣ - تقديم المفعول على الفعل: وذلك كقوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، وكقولك (محمدا أكرمت) وله أغراض أهمها:
١ - الاختصاص: وهو أبرز غرض في تقديم المفعول بل في عموم مسائل التقديم. فقوله تعالى (إياك نعبد) معناه نخصك بالعبادة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٥ - ٦]، كيف قدم
стр. 471
المفعول في العبادة والاستعانة، لا نعبد أحدا إلا إياك، ولا نستعين أحدا إلا إياك، ولا يصح ذلك في طلب الهداية إذ لا يصح، أن تقول (إيانا اهدنا) لأن المعنى سيكون خصا بالهداية، أي اهدنا دون غيرنا بخلاف (إهدنا)، فإن المعنى نسألك الهداية لنا لا قصر الهداية علينا.
وهو كما تقول: أكرم محمدا، ومحمدا أكرم، وأعطنا، وإيانا أعط، فإن معنى قولك (أكرم محمدا) أن تطلب لمحمد الإكرام من المخاطب، ولا تطلب حصر الإكرام به، أما (محمد أكرم) فمعناه خص محمدا بالكرم، وكذلك (أعطنا) و (إيانا أعط) جاء في (الكشاف): في قوله تعالى ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ " تقديم المفعول لقصد الإختصاص كقوله تعالى: ﴿قل افغير الله تأمروني أعبد﴾ [الزمر: ٦٤]، ﴿قل أغير الله أبغي ربا﴾ [الأنعام: ١٦٤]، والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة" (١).
وجاء في (المثل السائر): " فإن في قولك (زيدا ضربت) تخصيصا له بالضرب دون غيره، وذلك بخلاف قولك (ضربت زيدا) لأنك إذا قدمت الفعل كنت بالخيار في إيقاعه على أي مفعول شئت، بأن تقول: ضربت خالدا أو بكرا أو غيرهما، وإذا أخرته لزم الاختصاص للمفعول (٢).
وكذلك الأمر في النفي نحو قولك: ما شتمت خالدا وما خالدا شتمت، فإنك في الجملة الأولى نفيت الشتم عن خالد ولم تثبته لغيره فقد تكون شتمت غيره أو لا تكون. أما قولك (ما خالدا شتمت) فإن معناه انك نفيت الشتم عن خالد، وأثبت وقوعه على غيره.
ولذا لا يصح أن تقول (ما شتمت خالدا ولا غيره)، ولا يصح أن تقول: (ما خالدا شتمت ولا غيره) لأنه تناقض، إذ قولك (ما خالدا شتمت) معنا شتمت غيره، فكيف يصح أن تقول: (ولا غيره)؟
стр. 472
جاء في (دلائل الإعجاز): " ويجيء لك هذا الفرق على وجه في تقديم المفعول وتأخيره، فإذا قلت: ما ضربت زيدا فقدمت الفعل، كان المعنى انك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات وتركته مبهما محتملا.
وإذا قلت: ما زيدا ضربت فقدمت المفعول كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد فنفيت أن يكون معناه إياه.
فلك أن تقول في الوجه الأول: (ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس)، وليس لك في الوجه الثاني، فلو قلت، ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس كان فاسدا.
ومما ينبغي أن تعمله أنه يصح لك أن تقول: (ما ضربت زيدا ولكنه أكرمته) فتعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو وضده، ولا يصح أن تقول: ما زيدا ضربت ولكن أكرمته، وذاك أنك لم ترد أن تقول: لم يكن الفعل هذا، ولكن ذاك، ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا، ولكن ذاك، فالواجب إذن أن تقول ما زيدا ضربت ولكن عمرا (١).
جاء في (الهمع) أنه: " إذا قدم المفعول أفاد الاختصاص عند الجمهور، نحو ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ أي لا غيرك (بل الله فاعبد) [الزمر: ٦٦]، أي لا غيره. وخالف في ذلك ابن الحاجب، ووافقه أبو حيان فقالا: الاختصاص الذي يتوهمه كثير من الناس من تقدم المفعول وهم (٢).
والحق أن تقديم المفعول قد يفيد الاختصاص، والحصر. بل هو غالب كما ذكرنا، وذلك كقوله تعالى: ﴿واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون﴾ [البقرة: ١٧٢]، وكقوله تعالى: ﴿بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ [الزمر: ٦٦]، لكن ليس معنى ذلك أن التقديم لا يفيد إلا الاختصاص، فقد يتقدم المفعول لغير الاختصاص، جاء في (البرهان):
стр. 473
" ما ذكرناه من ان تقديم المعمول يفيد الاختصاص، فهمه الشيخ أبو حيان في كلام الزمخشري وغيره والذي عليه محققو البيان أن ذلك غالب لا لازم بدليل قوله تعالى: ﴿كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل﴾ (١) [الأنعام: ٨٤].
وهو الصواب فقد يكون التقديم لغير ذلك كرد الخطأ، وغيره.
٢ - رد الخطأ في التعيين جاء في (الإيضاح): " وأما تقديم مفعوله ونحوه فلرد الخطأ في التعيين، كقولك (زيدا عرفت) لمن اعتقد أنك عرفت إنسانا وأنه غير زيد، وأصاب في الأول دون الثاني. وتقول لتأكيده وتقريره. زيدا عرفت لا غيره (٢).
وإيضاح ذلك أنك تقول: (محمدا أكرم خالد) ومعنى هذا أما أن يكون أن خالدا خص محمدا بالاكرام كما - ذكرنا في (التخصيص) - أو قد يكون لغرض آخر وهو رد الخطأ والمعنى أن المخاطب كان يظن أن خالدا أكرم سعيدا مثلا، فتقول له: محمد أكرم خالدا أي أن خالد أكرم محمدا لا سعيدا.
٣ - وقد يكون للتعجب كقولك (دينار أعطي خالد) إذا كانت مثل هذه الحادثة مستغربه، كان يكون أكبر من أن يعطيه خالد، أو أقل فيكون مثار تعجب.
٤ - او للمدح والثناء كما قال تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل﴾ [الأنعام: ٨٤]، وقال: ﴿وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين﴾ [الأنعام: ٨٦].
فهذا ليس من باب التخصيص والحصر، إذ ليس معناه ما هدينا إلا نوحا من قبل وإنما هو من باب المدح والثناء، وكذلك قوله: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين﴾ [الأنبياء: ٧٢].
٥ - أو للعناية بالمتقدم لأهميته كقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ [المدثر: ٤].
стр. 474
٦ - أو للحذر منه كقوله ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥].
٧ - أو لتعظيمه كقولك لمن سأل الله: عظيما سألت.
٨ - أو للتوجيه والإرشاد كقوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر، وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: ٩ - ١٠]، فهذا ليس من باب الحصر كما هو واضح، إذ المعنى على الحصر يكون أنه منهي عن قهر اليتيم دون غيره أي يباح له ان يقهر غير اليتيم، وأن ينهر غير السائل وهو غير مراد.
إلى غير ذلك من الاغراض التي تعلم من مواطن القول.
وهذا الأمر جار في نفسه فيما يتعدى إلى مفعولين، فقد ذكرنا في أول البحث أن الأصل أن يتقدم الفعل، فالفاعل ثم المفعول الأول الذي هو الفاعل في المعنى، ثم المفعول الثاني، نحو (منح سعيدا خالدا ارضا) ويقال هذا إذا كان المخاطب خالي الذهن لا يعلم شيئا عن الموضوع بجملته.
وقد يتقدم المفعول الثاني على الأول لغرض بلاغي يقتضيه المقام، نحو (منح سعيدا أرضا خالدا) إذا كان الاهتمام منصبا على الأرض لا على الأخذ، ونحوه قوله تعالى ﴿وأورثنا بني إسرائيل الكتاب﴾ [غافر: ٥٣].
وقوله: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ [فاطر: ٣٢]، ففي الآية الأولى قدم بني (اسرائيل) وهو المفعول الأول على (الكتاب) وفي آية فاطر قدم الكتاب على الذين اصطفينا من عبادنا، ولذلك سبب واضح يتبين من سياق الآيتين، ففي آية فاطر الكلام جار على الكتاب، ولذلك قدمه قال تعالى: ﴿إن الذين يتلون كتاب الله واقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور﴾ [فاطر: ٢٩].
﴿والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير﴾ [فاطر: ٣١] ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير﴾ ﴿فاطر: ٣٢﴾. فناسب تقديم الكتاب.
стр. 475
أما في سورة غافر فالكلام على حملة الكتاب، فلذلك قدمهم قال تعالى ﴿قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعوا الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٥٠]، ﴿إنا للنصر رسلنا والذين أمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد﴾ [غافر: ٥١]، ﴿ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب﴾ [غافر: ٥٣]، فناسب كما ترى ان يتقدم الحملة على الكتاب بخلاف الآية الأولى كما هو واضح.
وكذلك بالنسبة إلى تقديم المفعولين أو أحدهما على الفعل، فقد يقدم للتخصيص، أو لغرض من الأغراض التي سبق أن ذكرناها، وذلك نحو:
- خالد منح سعيد أرضا، المعنى أن سعيدا خص خالدا بذلك، ولم يمنح غيره أو للرد على المخاطب إذا كان يظن أن سعيدا منح أرصا محمدا، فأزال الوهم من ذهنه، والمخاطب في هذه الجملة يعلم جانبا من الحدث فهو يعلم أن سعيدا منح ارضا وإنما حصل الوهم في الشخص الممنوح، وكان هذا جواب سؤال، من منح سعيدا أرضأ؟
- أرضا منح سعيدا، المعنى أن سعيدا خص خالدا بالأرض لا بشيء آخر، ولازالة الوهم من ذهن المخاطب الذي كان يظن أنه منح خالدا نقودا فقدمها لإزالة الوهم، والمخاطب في هذا يعلم أن سعيدا منح خالدا شيئا ولكن الوهم حصل في الشيء الممنوح وكأن هذا جواب عن سؤال: ماذا منح سعيد خالدا؟
- خالدا أرضا منح سعيد، المعنى أن سعيدا خص خالدا بأرض، أي لم يمنح غيره سعيد، ولم يمنح غير أرض أو لازالة الوهم إذا كان المخاطب يظن أن سعيدا منح محمدا نقودا مثلا فهنا حصل الوهم في الشخص الممنوح والشيء الممنوح فقدم المفعولين لازالة الوهم وهنا المخاطب يعلم ان سعيدا منح شيئا ما ولكن لا يعلم الشخص الممنوح ولا الشيء.
وهكذا القياس، وكل ما تقدمه فهو الأهم بقصد التخصيص، أو بقصد آخر يستدعيه المقام.
стр. 476
الحذف
حذف المفعول به على ضربين:
١ - أن يحذف من الكلام لفظا لكنه مراد معنى وتقديرا وهو الذي يمسيه النحويون: (الحذف اختصارا) ولا يحذف إلا لديل ولذلك نحو قوله تعالى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾ [المدثر: ١١]، أي من خلقته لأن الاسم الموصول لابد له من عائد، وكقوله: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾ [البقرة: ٤٠]، أي أنعمتها ومن هذا الحذف قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [البقرة ٢٣]، أي فإن لم تفعلوا الاتيان ولن تفعلوه، وقد حذف للعلم به لأنه مر ذكره ونحوه قوله تعالى: ﴿والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ومن هذا الباب نحو قوله تعالى: ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى﴾ [طه: ٧٩]، أي وما هداهم غير أن الحذف هنا له غرض لطيف علاوة على الإيجاز وذلك أنه أخرجه مخرج العموم أي أن فرعون لا يتصف بصفة الهداية البتة وذلك أنه لو قال (وما هداهم) لكان عدم الهداية مقيدا بقومه إذ يحتمل أنه هدي غيرهم لكنه قال (وما هدي) أي ما هدي أحدا. ومثله قوله تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ [طه: ١٢٢]، أي وهداه غير أنه اخرجه مخرج العموم فلم يقصر الهداية على آدم ﵇.
ويذكر النحاة أن المفعول قد يحذف لتناسب الفواصل كقوله تعالى: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣]، أي وما قلاك، غير أنني أرى لهذا الحذف غرضا بديعا وسرا لطيفا علاوة على ما ذكروه، وهو أن الحذف ههنا للاكرام والتعظيم وذلك أنه تعالى لم يرد أن يواجهه بالقلي فيقول (وما قلاك) وإنما اكتفي بالمفعول السابق أكراما لرسول الله من أن يناله الفعل. ونحو هذا يجري في كلامنا كأن يقول أحد لآخر بلغني عنك أنك شتمت وقلت وقلت، فيقول: لا والله ما شتمت ولا قلت، فحذف المفعول من الفعلين تعظيما له من أن يناله الفعل.
стр. 477
قالوا وقد يحذف المفعول لاحتقاره، نحو: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١]، قالوا أي الكافرين، وأرى أن حذفه علاوة على هذا لاخراجه مخرج العموم فالغلبة عامة له وإن كان المقصود بها الكافرين.
أو للاستهجان، كقول عائشة ﵂ (ما رأيت منه ولا رأى مني) أي العورة.
أو للجهل به في نحو قولك (ولدت فلانة) وأنت لا تدري ما ولدت، إلى غير ذلك من الأغراض (١).
٢ - ان لا يذكر المفعول (٢)، وهو غير مراد هو الذي يسميه النحويون (الحذف اقتصارا).
والحقيقة أن هذا ليس من باب الحذف، بل هو أن تقتصر على الحدث وصاحبه من إرادة المفعول، وليس له تقدير ولا نية، وذلك بحسب الحاجة والقصد، فقد تكون الحاجة إلى أن تذكر مفعولين، كقوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر: ١]، وكقوله: ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾ [الكهف: ٦٥]، وكقوله هو يكرم السائلين الدنانير ويطعم المحتاجين القوت، ويمنح طلاب العلم الكتب، فقيدت الاكرام والاطعام والمنح بالمعطي والمعطي له.
وقد يتعلق الغرض بذكر مفعول واحد، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى: ٥]، فقد ذكر مفعولا واحد لأنه هو الذي تعلق الغرض بذكره ولم يذكر ما سيعطيه، لأنه لا يتعلق غرض بذكره.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ [المائدة: ٥٥]، وقوله: ﴿الذي يؤتي ماله يتزكى﴾ [الليل: ١٨]، فلم يذكر لمن يؤتون الزكاة، لأنه لا يتعلق.
стр. 478
غرض بذكرهم فإنه أراد أن يصف المؤمنين بإيتاء الزكاة.
ونحو هذا أن تقول (هو يطعم اللحم ويكرم الدنانير) فقد ذكرت أنه متصف بصفة إطعام اللحم وإكرام الدنانير، ولم يتعلق غرض بذكر آكل اللحم وآخذ الدنانير، بل أردت أن تقول أن هذه صفته وخصلته، وأنه مختص بهذا النوع من الاطعام والاكرام، فإن قلت (هو يكرم السائلين ويطعم الجائين) قيدته بالصنف الذي يكرمه ويطعمه أي هو متصف بهذه الخصلة وهي إكرام السائلين وإطعام الجائعين ولم ترد أن تذكر ماذا يكرم أو يطعم.
وقد يراد مجرد الحدث مسندا إلى فاعله دون تعلقه بشيء آخر فلا تذكر له مفعولا كأن تقول (هو يكرم ويطعم) أي هو متصف بهذه الخصلة ولا تريد ان تذكر ماذا يكرم أو من يكرم ولا ماذا يطعم أو من يطعم، ومثله أن تقول (قد وقع منك ما يؤذي) أي يؤذي إلى الإيذاء فأخرجته مخرج العموم، ولو قلت (ما يؤذيني) لكنت قيدت الإيذاء بك، وهناك فرق بين التعبيرين كما هو ظاهر، فالأولى الإيذاء فيه عام، والثاني مقيد وما يؤذيك ربما لا يؤذي غيرك، فإذا أردت أن ما وقع منه يؤدي إلى الإيذاء عموما، أي مما يتأذى به الخلق لم تذكر المفعول، وإن أردت أن ما وقع منه يؤذي واحدًا أو صنفا بعينه، ذكرت ذلك الصنف الواحد.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿فأما من أعطي واتقى، وصدق بالحسنى﴾ [الليل: ٥ - ٦]، ولم يذكر من اعطى ولا ما أعطى، وإنما أراد ان يصفهم بصفة العطاء والتقوى، ونحوه قوله تعالى: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ [طه: ٥٢]، أي لا يتصف بالنسيان، الا ترى لو قلت: (هو لا ينسى المواعيد) لكنت قيدت عدم النسيان بالمواعيد، وقد ينسى غيرها بخلاف ما لو قلت (هو لا ينسى) أي غير متصف بالنسيان، ومثله قوله تعالى: ﴿ليس علىكم جناح أن تأكلوا جميعا أو اشتاتا﴾ [النور: ٦١]، فلم يذكر مفعولا لفعل الأكل لأنه لا يتعلق غرض بذكره، ولو ذكره لكان السامع يحسب أن عدم الجناح من حيث أكل ذلك الشيء بعينه فلو قال مثلا (ليس عليكم جناح أن تأكلوا اللحم جميعا أو أشتاتا) لفهم منه أنه لو أكل غير اللحم لكان عليه جناح، ومثله قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم
стр. 479
الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾، [البقرة: ١٨٧]، وقوله: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا﴾ [الفرقان: ٦٧]، فلم يذكر ماذا ينفقون، وقوله: ﴿هو يطعم ولا يطعم﴾ [الأنعام: ١٤]، أي متصف بصفة الإطعام، دون تقييد بصنف معين ولا طعام معين.
ومن هذا الباب قوله: ﴿هو الذي يحيى ويميت﴾ [غافر: ٦٨]، وقوله: ﴿وأنه أضحك وأبكى، وأنه أمات وأحيا﴾ [النجم: ٤٣ - ٤٤]، أي متصف بصفة الإضحاك والإبكاء والإماتة والإحياء، ومنه قوله ﴿لم يلد ولم يولد﴾ [الإخلاص: ٣]، فلم يذكر ما يلد ولو ذكر لفسد المعنى.
فالمفعول في مثل هذه التعبيرات غير مراد ولا يصح تقديره ولو كان الفعل متعديا في الأصل، لأن تقدير، أي مفعول مفسد للمعنى، فهذا إنما يكون بحسب قصد المتكلم - كما أسلفنا - فقد يقصد إلى أنه يخبر بمجرد الحدث أو أن يخبر بالحدث، منسوبا إلى فاعله، أو أن يخبر بالحدث وقع عليه. جاء في (دلائل الإعجاز): " إذا اريد الإخبار بوقوع الضرب ووجوده في الجملة من غير أن تنسب إلى فاعل، أو مفعول أو يتعرض لبيان ذلك، فالعبارة فيه أن يقال: كان ضرب، أو وقع، ضرب أو وجد ضرب، وما شاكل ذلك من الفاظ تفيد الوجود المجرد في الشيء.
وإذ قد عرفت الجملة فاعلم أن أغراض الناس تختلف في ذكر الأفعال المتعدية، فهم يذكرونها تارة ومرادهم أن يقتصروا على إثبات المعاني التي اشتقت منها للفاعلين من غير أن يتعرضوا لذكر المفعول به فإذا كان الأمر كذلك، كان الفعل المتعدي كغير المتعدي مثلا في أنك لا ترى له مفعولا لا لفظا ولا تقديرا، ومثال ذلك في قول الناس: فلان يحل ويعقد، ويأمر وينهى، ويضر وينفع وكقولهم: هو يعطي ويجزل، ويقري ويضيف المعنى في جميع ذلك على إثبات المعنى في نفسه للشيء على الإطلاق وعلى الجملة، من غير أن يتعرض لحديث المفعول، حتى كأنك قلت: صار إليه الحل والعقد صار بحيث يكون منه حل، وعقد، وأمر، ونهي، وضر، ونفع وعلى هذا القياس.
стр. 480
وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: ٩]، هل يستوي من له علم ولا علم له، من غير أن يقصد النص على معلوم، وكذلك قوله ﴿وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا﴾ [النجم: ٤٣ - ٤٤]، المعنى هو الذين منه الإحياء والإماتة .. ألا ترى أنك إذا قلت (هو يعطي الدنانير) كان المعنى على أنك قصدت ان تعلم السامع ان الدنانير تدخل في عطائه وأنه يعطيها خصوصا دون غيرها وكأن غرضك على الجملة بيان جنس ما تناوله الإعطاء لا الإعطاء نفسه (١).
وجاء فيه: " وإن أردت أن تزداد تبيينها لهذا الأصل - أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله، ولا يدخله شوب، فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير فسقى لهما ثم تولى إلى الظل﴾ [القصص: ٢٣ - ٢٤].
ففيها حذف مفعول في اربعة مواضع، إذ المعنى وجد عليه أمة الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما وقالتا لا نسقي غنمنا فسقي لهما غنهما. ثم أنه لا يخفي على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، ومن المرأتين ذود. وأنهما قالتها: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وانه كان من موسى ﵇ من بعد ذلك سقى. فأما ما كان المسقي أغنما أم أبلا غير ذلك، فخارج عن الغرض، موهم خلافه. وذاك أنه لو قيل: وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما، ولم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو منع غنم، حتى لو كان مكان الغنم ابل، لم ينكر الذود، كما إنك إذا قلت: مالك تمنع أخاك.؟ كنت منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ" (٢).
стр. 481
وجاء في (المغني): " جرت عادة النحويين أن يقولوا: يحذف المفعول اختصارا واقتصارا. ويريدون بالاختصار الحذف لدليل، وبالاقتصار الحذف لغير دليل، ويمثلونه بنحو ﴿كلوا واشربوا﴾ [الطور: ١٩]، أي أقعوا هذين الفعلين وقول العرب فيما يتعدى إلى اثنين (من يسمع يخل) أي تكن منه خيلة.
والتحقيق أن يقال أنه تارة يتعلق الغرض بالإعلام بمجرد وقوع الفعل من غير تعيين من أوقعه عليه، فيحاء بمصدره مسندا، إلى فعل كون عام، فيقال: حصل حرق أو نهب. وتارة يتعلق بالإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل فيقتصر عليهما، ولا يذكر المفعول، ولا ينوي إذا المنوي كالثابت، ولا يسمى محذوفا لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة مالا مفعول له، ومنه ﴿ربي الذي يحيى ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ﴿هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون﴾، ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ [الأعراف: ٣١]، ﴿وإذا رأيت ثم﴾ [الإنسان: ٢٠]، إذ المعنى ربي الذي يفعل الإحياء والإماتة، وهل يستوي من يتصف بالعلم، ومن ينتفي عنه العلم، وأوقعوا الأكل والشرب، وذورا الإسراف، وإذا حصلت منك رؤية هنالك.
وتارة يقصد إسناد الفعل إلى فاعله، وتعليقه بمفعوله، فيذكران نحو: ﴿لا تأكلوا الربا﴾ [آل عمران: ١٣٠].
﴿ولا تقربوا الزنا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وقولك ما أحسن زيدا، وهذا النوع إذا لم يذكر مفعوله قيل محذوف نحو: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى: ٣]
وقد يكون في اللفظ ما يستدعه فيحصل الجزم بوجوب تقديره، نحو ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ [الفرقان: ٤١]، (وكلا وعد الله الحسنى)
حميت حمى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (١)
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾ [البقرة: ١٧]
стр. 482
" والمفعول الساقط من لا يبصرون من قبيل المتروك المطروح الذي لا يلتفت إلي اخطاره بالبال، لا من قبيل المقدر المنوي، كأن الفعل غير متعد أصلا نحو (يعمهون) في قوله: ﴿ويذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ (١). [الأعراف: ١٨٦].
حذف مفعول فعل المشيئة:
حذف مفعول فعل المشيئة كثير في كلام العرب، وقد ذكر النحويون والبيانيون نحو قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بمسعهم وأبصارهم﴾ [البقرة: ٢٠]، وقوله: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾ [الأنعام: ١١٢]، والتقدير: لو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم، ولو شاء ربك أن لا يفعلوه ما فعلوه، ولا يكاد يذكر المفعول إلا إذا كان أمرا عظيما أو غريبًا كأن تقول: (لو شاء أن يبني قصرا من ذهب لفعل)، جاء في (دلائل الإعجاز): " وإذا استقريت الأمر وجدت الأمر كذلك أبدًا، متى كان مفعول المشيئة أمرا عظيما أو بديعا غريبا كان الأحس أن يذكر ولا يضمر، يقول الرجل يحبر عن عزة نفسه: لو شئت أن أراد على الأمير رددت، ولو شئت أن ألقي الخليفة كل يوم لقيت، فإذا لم يكن مما يكبره السامع فالحذف كقولك: لو شئت خرجت، ولو شئت قمت، ولو شئت أنصفت، ولو شئت لقلت، وفي التنزيل: ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ [الأعراف: ١٨٦].
وكذا الحكم في غيره من حروف المجازاة تقول: إن شئت قلت: وإن اردت دفعت قال الله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾ [الشورى: ٢٤]، وقال عز اسمه ﴿من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ (٢) [الأنعام: ٣٩].
وجاء في (الكشاف): في قوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾ [البقرة: ٢٠]، "ومفعول (شاء) محذوف لأن الجواب يدل عليه، والمعنى ولو شاء الله ان يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها. ولقد تكاثر هذا الحذف في شاء، وأراد لا يكاد يبرزون المفعول إلا في الشيء المستغرب كنحو قوله:
стр. 483
ولو شئت أن أبكي دما لبكيته ... [عليه ولكن ساحة الصبر أوسع]
وقوله تعالى: ﴿لو أردنا أن نتحذ لهوا لاتخذناه من لدنا﴾ [الأنبياء: ١٣٠]. و ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا﴾ (١) [الزمر: ٤]
قالوا وأكثر ما يقع ذلك بعد أداة الشرط، لأن مفعول المشيئة مذكور في جوابها (٢).
واشترط بعض النحاة لحذفه دخول أداة الشرط على الفعل (٣).
ويجدر بنا هنا أن ننبه على أمرين:
١ - اشتراط الحذف بدخول أداة الشرط، كما ذهب إليه بعض النحاة.
٢ - إدخال أفعال الإدارة مع افعال المشيئة في هذا الحذف، فقد ذهب أهل البيان أن افعال المشيئة والإرادة مشتركة في هذا الأمر كما صرح به الزمخشري في النص الذي نقلناه آنفا (٤).
اما بالنسبة إلى الأمر الأول وهو اشتراط الحذف بدخول اداة الشرط كما هو ذهب إليه ابن النحوية محمد بن يعقوب فهو غير صحيح، بل ورد الحذف كثيرا من غير دخول أداة شرط وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾ [آل عمران: ٦]، أي كيف يشاء أن يصوركم، وقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾ [الزمر: ٧٤]، وقوله: ﴿في أي صورة ما شاء ركبك﴾ [الإنفطار: ٨]، وقوله: ﴿فكلما من حيث شئتما﴾ [الأعراف: ١٨]، وقوله ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله﴾ [الأنعام: ١١١] إلى غير ذلك من الآيات.
стр. 484
وبهذا يتضح أن اشتراط هذا الشرط غير صحيح.
ومما ورد مذكورا معه مفعول المشيئة، قوله تعالى: ﴿قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ [الفرقان: ٥٧]، وقوله: ﴿لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر﴾ [المدثر: ٣٧]، وقوله: ﴿إلا أن يشاء ربي شيئا﴾ [الأنعام: ٨٠].
أما بالنسبة إلى الأمر الثاني، وهو إخال أفعال الإرادة مع افعال المشيئة، فإنه - وإن كان مقبولا في القياس لم أجد ما يؤيده في القرآن الكريم، على كثرة ما ورد من هذا الفعل فيه، فقد ورد هذا الفعل مقتضيا للمفعول به في (١٣٦) مائة وستة وثلاثين موطنا، من القرآن الكريم ولم يحذف مفعوله في واحد منها، إلا في عائد الأصل، كقولك تعالى ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾ [هود: ١٠٧]، ﴿وإنك لتعلم ما نريد﴾ [هود: ٧٩]، وهذا غير مختص بفعل دون فعل كما هو معلوم، فحذف عائد الصلة المنصوب كثير في عموم الأفعال كقوله تعالى: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولا﴾ [الفرقان: ٤١]، أي بعثه، وقوله ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾ [المدثر: ١١].
وهذا الحذف في عائد الصلة ورد في فعل الإرادة في سبعة مواطن، وفي (١٢٩) مائة وتسعة وعشرين موطنا من فعل الإرادة لم يحذف في واحد منها، وذلك كقوله تعالى ﴿وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له﴾ [الرعد: ١١].
وقوله: ﴿فأراد ربك أن يبلغا أشدهما﴾ [الكهف: ٨٢]، ﴿قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى ما يخلق ما يشاء﴾ [الزمر: ٤]، إلى غير ذلك من الآيات، فلا يصح فيما أرى أن يجعل الإرادة نظيرا لفعل المشيئة في حذف مفعوله، فالفرق بينهما ظاهر في الاستعمال والله أعلم.
стр. 485
التحذير والإغراء
التحذير تنبيه المخاطب على أمر مكره ليجتنبه (١) وهو على ضربين:
١ - ذكر المحذر مع المحذر منه ، نحو (إياك والغيبة) و (يدك والنار) فالمحذر في الأولى (إياك) وفي الثانية (يدك)، والمحذر منه (الغيبة)، و (النار) في المثالين.
٢ - ذكر المحذر منه مكررا أو غير مكرر نحو، النار النار، الأسد (٢).
١ - ذكر المحذر مع المحذر منه:
المحذر إما أن يكون بـ (إيا) للمخاطب، وإما يكون بالأسماء المضافة إلى ضمير المخاطب نحو: يدك ونفسك، ورجلك، وعينك، ثم يؤتى بالمحذر منه تاليا للواو، أو (من) نحو (إياكم والكذب)، و (إياكم من الكذب)، و (رأسك والحجر، أو من الحجر)، ولا يجوز عند سيبويه والجمهور حذف الواو (من) فلا يصح عندهم أن يقال (إياك خالدا) ولا (رأسك الجدار)، وأجازه قسم من النحاة (٣).
وأما نحو (إياك أن تفعل) فجاز لصلاحية تقدير (من) (٤)، قال سيبويه " واعلم أنه لا يجوز ان تقول: إياك زيدا، كما إنه لا يجوز أن تقول رأسك الجدار، حتى تقول: من الجدار، أو الجدار، وكذلك أن تفعل، إذا أردت إياك والفعل، فإذا قلت (إياك أن تفعل) تريد إياك اعظ مخافة أن تفعل، أو من أجل أن تفعل، جاز، لأنك لا تريد أن تضمه إلى الاسم الأول، كأنك قلت: إياك نح لمكان كذا وكذا.
стр. 486
ولو قلت (إياك الأسد) تريد من الأسد لم يجز، كما جاز في (أن) إلا أنهم زعموا أن ابن أبي إسحاق هذا البيت في شعر:
إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء وللشر جالب
كأنه قال (إياك)، ثم اضمر بعد إياك فعلا آخر، فقال: إتق المراء (١).
وعلى هذا فأساليب التحذير من هذا القسم، هي ما يأتي:
١ - إياك والكذب.
٢ - إياك من الكذب.
٣ - إياك أن تكذب
٤ - رأسك والحجر
٥ - رأسك من الحجر
وهذه متفق على صحتها ٦ - أياك الكذب
٧ - رأسك الحجر
عند قسم من النحاة.
فاللفظة الأولى من هذه الجملة محذر، والثانية محذر منه فـ (إياك) و (رأسك) محذر، و (الكذب) و (الحجر) محذر منه. وتسميه نحو (رأسك) و (يدك) محذرا تجوز، والحقيقة إنه محذر لأجله، وإنما المحذر المخاطب.
стр. 487
وعند النحاة أن التحذير لا يكون للمتكلم، ولا الغائب، مع ورود نصوص قليلة بذلك نحو قول عمر بن الخطاب ﵁: (لتذك لكم الأسل والرماح والسهام وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب)، وقول زياد: (إياي ودعوة الجاهلية) وقوله أيضا: (إياي ودلج الليل) وقولهم: (إذ بلغ الرجل الستين فإياه وايا الشواب) (١).
جاء في كتاب سيبويه: "ومن ذلك أيضا قولك (إياك والأسد)، و (إياي والشر)، كأنه قال (إياك فاتقين والأسد) وكأنه قال:
(إياي لاتقين والشر) فإياك متقي، والأسد والشر، متقيان، فكلاهما مفعول ومفعول منه، ومثله (إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب)، ومثله (إياك وإياه) و (إياي وإياه) كأنه قال: إياك باعد، وإياه أونح.
ورغم أن بعضهم يقال له (إياك) فيقول: إياي، كأنه قال: إياي أحفظ وأحذر، وحذفوا الفعل في (إياك) لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، فصار بدلا من الفعل .. فكأنه قال: إحذر الأسد، ولكن لابد من الواوـ، لأنه اسم مضموم إلى آخر" (٢).
فذكر سيبويه إنه ورد تحذير الإنسان لنفسه لأتق، لأحذر، وتحذير المتكلم لنفسه على ضربين:
إما أن يكون المقصود به المخاطب، مع وروده بأسلوب تحذير النفس، وهو نحو قول عمر ﵁ (وإياك وأن يحذف أحدكم الأرنب) أي احذروني في أن يحذف أحدكم الأرنب، وهو إن كان أخرجه مخرج التحذير للنفس فإن المقصود به المخاطب وهو نظير قولك (لا ارينك هنا بعد اليوم) فهو وإن كان بإسلوب النهي للمتكلم إلا أن المقصود به المخاطب، ومنه قول زياد الذي ذكرته آنفا، وفي الحديث (إياي والتشادق) وهو من هذا الباب.
стр. 488
وإما أن يكون المقصود به المتكلم نفسه وهو ما ذكره سيبويه في نحو قولهم (إياي والشر) أي لأحذر الشر فهو يحذر نفسه منه. قال الرضي: " وقوله عمر رضي الله تعالى عنه لجماعة (إياي وأن يحذف أحدكم الأرنب بالعصا، وليذك لكم الأسل والرماح) يحتمل أمر المتكلم أي لأبعد نفسي عن مشاهدة حذف الأرنب، وأمر المخاطب أي بعدوني عن مشاهدة حذفه" (١).
وظاهر أن الكثير والشائع في التحذير أن يكون للمخاطب، ويصح أن يكون للمتكلم والغائب على قلة.
٢ - ذكر المحذر منه مكرر أو غير مكرر:
وذلك نحو النار، العقرب العقرب، الكذب والخيانة، فهذه ألفاظ محذر منها وردت مكررة وغير مكررة.
حذف فعله:
ذهب النحاة إلى أنه إذا كان أسلوب التحذير بـ (إيا) ففعله واجب الحذف مطلقا. سواء كررت أم لم تكرر، تقول: (إياك والكذب)، ولا يصح أن تقول: (إياك احذر والكذب) أو احذرك والكذب، وكذلك إذا كان بغير (إيا) إذا كان مكررا أو معطوفا نحو: النار النار، والكذب والخيانة، فإنه لا يصح أن تقول: إحذر النار النار، واحذر الكذب والخيانة (٢) وأجاز بعضهم إظهار الفعل معه، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأجاز قوم ظهور الفعل مع هذا القسم نحو احذر الأسد الأسد وإياك إياك احذر، نظرا إلى تكرير المعمول للتأكيد لا يوجب حذف العامل، كقوله تعالى: ﴿إذا دكت الأرض دكا دكا﴾ [الفجر: ٢١].
стр. 489
وإذا لم يكرر المعمول جاز إظهار عاملة اتفاقا (١).
وفي هذه المسألة بحث، فإنه عند جمهور النحاة أن حذف الفعل واجب في نحو قولك (إياك من المراء) و (إياك من الكذب) وفي نحو (الكذب والخيانة)، ولكن ألا يصح أن نقول: احذر من المراء، واحذر الكذب والخيانة؟ ألا يصح أن نقول: (احذرك من هذا الأمر) و (أحذرك العقوق والظلم)؟
إن هذه التعبيرات صحيحة بلا شك، وإذا حذفنا الفعل من هذه الجمل كانت من الجمل الواجبة حذف الفعل عند النحاة، فمثلا قولنا (احذرك من المراء) إذا حذفنا الفعل منه، كان (إياك من المراء) و (احذر من هذا الأمر) إذا حذفنا الفعل منه كان (إياك من هذا الأمر)، وإذا حذفنا الفعل من قولنا (احذرك الكذب والخيانة) قلنا (الكذب والخيانة)، فإذا كانت هذه الجمل مع ذكر الفعل صحيحة، فلماذا يقول النحاة أن الحذف واجب؟
أنه يصح أن تقول (احذرك من هذا الأمر) و (إياك من هذا الأمر) قال تعالى: ﴿يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا﴾ [النور: ١٧]، فذكر فعل التحذير (يعظ) ولو حذفه لكان القول (إياكم ان تعوداو لمثله ابدا) وقال ﴿إني اعظك ان تكون من الجاهلين﴾ [هود: ٤٦]، فذكر فعل التحذير، ولو حذفه لقال: (إياك أن تكون من الجاهلين)، قال: ﴿واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١]، ولو حذفه لقال: (الله والأرحام) .. وقال: (قل أطيعوا الله والرسول) [آل عمران: ٣٢]، ولو حذف فعل الأغراء لكان القول (الله والرسول). وقال ﴿وأوفوا الكيل والميزان﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ولو حذف فعل الإغراء لقال: الكيل والميزان.
فهذه كلها من أساليب التحذير والإغراء الواجبة حذف الفعل عند النحاة، وقد ذكر الفعل معها فكيف يفسر قول النحاة بوجوب الحذف، مع أن الذكر وارد في القرآن الكريم وفي غيره؟
стр. 490
ولا يذهب ذاهب إلى أن هناك فعلا بعينه، وهو الذي يلزم تقديره، بل كل ما يؤدي المعنى صح تقديره، قال سيبويه: (هذا باب ما جرى منه على الأمر والتحذير) " وذلك قولك إذا كنت تحذر: (إياك) كأنك قلت: إياك نح، وإياك باعد، وإياك اتق، وما أشبه ذا (١).
وجاء فيه: " فإذا قلت: (إياك أن تفعل)، تريد إياك أعظ مخافة أن تفعل، أو من أجل أن تفعل جاز (٢) ".
فقدر (أعظ) الذي ذكره القرآن الكريم.
قال الحفيد: " والحق أن يقال: لا يقتصر على تقدير باعد ولا على تقدير (احذر) بل الواجب تقدير ما يؤدي الغرض، إذ المقدر ليس أمرا متعبدا به لا يعدل عنه" (٣).
ونعود إلى سؤالنا وهو: ما معنى قول النحاة أن الحذف واجب، في نحو قولك: (إياك أن تكذب) مع أنه يصح ان نذكر الفعل ونقول: أحذرك أن تكذب؟
والجواب أن (إيا) في هذا الباب كناية عن المنع والتحذير، والتبعيد عن الشيء معناها (بعد) او باعد، أو احذر أو احفظ نفسك، أو ق نفسك، ونحو ذلك من معنى التحذير، والكاف للخطاب، وهي بمعنى فعل التخذير نائبة عنه، وتسد مسده، وقد ذكر ذلك سيبويه، قال: وإياك بدل من اللفظ بالفعل، كما كانت المصادر كذلك، نحو: الحذر الحذر (٤).
وقال ابن كيسان: وقد تكون إيا بمعنى التحذير (٥).
ولو قال قائل هي اسم فعل بمعنى بعد، أو احذر، ونحو ذلك، كما قالوا في
стр. 491
(دونك) بمعنى (خذ) و (رويد زيدا) بمعنى أمهله، و (عليك) بمعنى إلزم، و (إليك) بمعنى تنح لكان في قوله وجاهة.
وهي من حيث ذكر الفعل وعدمه نظيرة المصدر النائب عن فعل الأمر، في نحو قولنا (إقدامنا يا سعيد) فمعنى (إقداما) هنا معني فعل الأمر (إقدم) والنحاة يقدرون فعلا محذوفا واجب الحذف في نحو هذا، وهو هنا (أقدم) مع أنه يصح أن يقال: (أقدم اقداما يا سعيد) قال تعالى: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾ [المعارج /: ٥]، وقال: ﴿اهجرهم هجرا جميلا﴾ [المزمل: ١٠]، وهو كما ترى نظير مسألتنا في التخذير.
يقول النحاة في التخذير: إياك من الكذب، الفعل واجب الحذب، وتقديره احذر، أو احفظ علما بأنه يصح أن نقول: احذرك من الكذب.
ويقولون في باب المفعول المطلق، اقداما يا سعيد، الفعل واجب الحذف، وتقديره اقدم مع أنه يصح أن نقول: أقدم إقداما يا سعيد.
فما تفسير هذا الأمر.
في مسألة المفعول المطلق إذا قلنا (إقداما يا سعيد) كان المصدر نائبا عن فعل الأمر ومعناه (أقدم يا سعيد) ولكن إذا قلنا (أقدم إقداما يا سعيد) تغير المعنى، وكان المصدر مؤكدا، وليس نائبا عن فعل الأمر.
وكذلك إذا قلت (صبرا جميلا يا فلان) فمعناه (إصبر) ولكن إذا قلت (إصبر صبرا جميلا) تغير المعنى، واصبح المصدر مبينا للنوع فقط، فإنه يصح ان تقول: (صبرا جميلا) وفعله واجب الحذف عند النحاة، ومعناه الأمر وهو نائب عن فعله، ويصح أن تقول (اصبر صبرا جميلا) لكن ليس بالمعنى الأول، فهنا صبرا ليست نائبة عن فعل الأمر، ولا بمعنى الأمر، وإنما هي ههنا مبنية فحسب، فالنحاة يقدرون في صبرا جميلا إصبر محذوفا وجوبا لضرورة تمشية الصناعة الإعرابية لأن كل منصوب لابد له من ناصب عندهم، ولو ذكرته لصح، لكن ليس بالمعنى الأول كما أوضحت.
стр. 492
وكذلك الأمر في التحذير فـ (إياك) في التحذير نائبة عن فعل التبعيد، والمنع، والتحذير ويقدرون لها فعلا معناه (احذر)، ونحو ولكن لو أظهرته لتغير المعنى، ولأصبح التحذير بالفعل المذكر لا بإياك، فلو قلت: (إياك من الكذب) كان التحذير بإياك وحده، ولو قلت (احذرك من الكذب) لكان التحذير بالفعل (احذر) لا بالضمير، وكذلك لو قلت (إياك احذر من الكذب) كان التحذير بالفعل لا بـ (إيا) وقدمت الضمير للاختصاص، وعند ذلك لا يكون (إيا) كناية التبعيد والمنع، ولا نائبا عن فعل التحذير، وإذا قلت (احذك إياك أن تفعل) كانت (إيا) ليست تحذيرا، وإنما هي بدل من ضمير الخطاب على رأي الجمهور، أو توكيد له على رأي آخرين، فأنت لا تذكر الفعل إذا كانت (إيا) تقوم مقام فعل التحذير ولو ذكرت الفعل كانت ضمير نصب غير مكني به عن التحذير.
والذي يدل على أن (إيا) في التحذير ليست مثلها في غير التحذير، ان بعض العرب قد تغير في (إياك) التي للتحذير، وتتصرف فيها بخلاف التي لغير التحذير، فتقول: (إياك) بفتح الهمزة، و (هياك) بإبدال الهمزة هاء، وذلك في التحذير فقط، جاء في (لسان العرب): " ومنهم من يجعل التحذير وغير التحذير مكسورا، ومنهم من ينصب في التحذير ويكسر ما سوى ذلك للتفرقة .. ، قال الفراء: والعرب تقول (هياك وزيدا) إذا نهوك، قال: ولا يقولون هياك ضرب" (١).
إنها طريقة من طرائق التعبير في المنع والتبعيد، إنك كما تقول في الأمر:
قم بالواجب، وقياما بالواجب.
اصبر على الحق، وصبرا على الحق، فتأمرة مرة بالفعل، ومره بالمصدر، وكما تقول: إلزم نفسك، وعليك نفسك خذ الكتاب ودونك الكتاب.
فتأمره مرة بالفعل، ومرة باسمه، كذلك تقول:
стр. 493
أعظك أن تجهل، وإياك أن تجهل.
فالأول تحذير بالفعل، والثاني تحذير بالاسم، أو بالكناية.
ثم إن التحذير بـ (إيّا) هو منع عام بصيغة التبعيد المطلق، في حين ان التحذير بالفعل مقيد بمعنى ذلك الفعل فقولك (احذر) مقيد بمعنى فعل التحذير، و (أعظك) مراد منه الوعظ و (أنهاك) مراد به معنى النهي وهكذا.
وأما ما كان بغير (إيا) من المكرر والمعطوف، فحذف فعله واجب عند الأكثرين، وأما ما لم يكن مكررا فذكر فعله جائز كما سبق أن ذكرنا.
قالت سيبويه: " وإنما حذفوا الفعل في هذه الأشياء حين ثنوا (١) لكثرتها في كلامهم واستغناء بما يرون من الحال وبما جرى من الذكر، وصار المفعول الأول بدلا من اللفظ بالفعل حين صار عندهم مثل إياك .. ولو قلت (نفسك) أو رأسك، او الجدار كان إظهار الفعل جائزا نحو قولك اتق رأسك أو احفظ نفسك، واتق الجدار فلما ثنيت صار بمنزلة إياك (٢) ".
وذكر غيره أن سبب الحذف هو أن الوقت يضيق عن ذكر غير المحذوف منه قال الرضي: " وحكمة اختصاص وجوب الحذف بالمحذر منه المكرر، وكون (٣) تكريره دالا على مقارية المحذر منه للمحذر بحيث يضيق الوقت إلا عن ذكر المحذر منه على أبلغ ما يمكن، وذلك بتكريره، ولا يتسع لذكر العامل مع هذا المكرر وإذا لم يكن الاسم جاز إظهار العالم اتفاقا (٤).
وقال: وإنما وجب الحذف في الأول والثاني [أي ما كان بذكر المحذر، والمحذر
стр. 494
ومنه وما كان بذكر المحذر منه ومكررا] لأن القصد .. أن يفرغ المتكلم سريعا من لفظ التحذير حتى يأخذ المخاطب حذره من ذلك المحذور، وذلك لأنه لا يستعمل هذه الألفاظ إذا إذا شارف المكروه أن يرهق" (١).
وجاء في (ملا جامي) في التحذير: " وإنما وجب حذف الفعل فيه لضيق الوقت عن ذكره" (٢) وفي حاشية ملا جامي: " في كلا قسمي (٣).التخذير ضيق وقت، وهو أضيق من القسم الثاني منه، ولهذا لا يذكر إلا المحذر منه" ((٤)
وجاء في (الإتقان) للسيوطي إن من دواعي الحذف " التنبيه على ان الزمان يتقاصر على الاتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والاغراء". (٥)
والأمر عندي فيه تفصيل وهو أنه ليس كل مكرر واجب الحذف، ولا كل مفرد جائز الحذف، وإنما الأمر يعود على القصد والمعنى والمقام، فإذا كان ذكر اللفظ من المحذر والمحذر منه نائبا عن فعل التحذير مفهوما منه التحذير بما يرى من الحال، وكان المقام يضيق عن ذكر الفعل حذف فعله، ولا يذكر وكان المذكور يقوم مقام فعل التحذير، كما في (أيا) سواء كان مكررا، ام غير مكرر وإلا جاز ذكره.
وإيضاح ذلك أنك تقول لصاحبك (إحذر زيدا) ثم ترى أنه لم يسمع كلمة (زيد) أو ذهب إلى خالد، فتؤكد زيدا وهذه من فوائد التوكيد اللفظي، فتقول: (إحذر زيدا زيدا) فإذا كان زيدا قريبا منه، وهو له عدو ينوي قتله، وكان الوقت يضيق عن ذكر غير المحذر قلت: زيدا زيدا زيدا، ليست نائبة عن فعل التحذير بخلاف الثانية فإنها نائبة عنه ومفهمة معناه.
стр. 495
قال تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١]، فذكر فعل التحذير لأن لفظ الجلالة لم يقم مقام التحذير، ولأن هناك سعة من الوقت ولو حذف لقال (الله والأرحام). وعلى مقتضي قول النحاة أن هذا واجبة الحذف، لأنها معطوفة، والحق ما ذكرت، وهو أنه إذا كان المذكور مفيدًا للتحذير من مجرد ذكره، وأنه نائب عن فعل التحذير وكان الزمان يتقاصر عن ذكر الفعل حذف وجوبا، نحو (الحية والعقرب)، وإن لم يكن كذلك ذكرت، فتقول: (احذر الحية والعقرب) وهذا كما يكون في المكرر والمعطوف يكون في المفرد.
ومثله الإغراء قال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ ﴿آل عمران: ٢٣﴾، فذكر فعل الإغراء مع العطف لأن الاسم المذكور. لم يقم مقام فعل الإغراء.
وقال: ﴿وأوفوا الكيل والميزان﴾ [الأنعام: ١٥٢] فذكر الفعل لما ذكرت.
وخلاصة الأمر في هذا الباب أن لك أن تقول: إياك أن تفعل واحذرك ان تفعل وإياك أحذر أن تفعل واحذرك إياك أن تفعل، فكل ذلك جائز ولكل قصد ومعنى، فإذا ذكرت إياك وحده كان مفيدا للتحذير بنفسه، وإذا ذكرت أي فعل معه كان التحذير بذلك لا بـ (إيا).
ولك أن تقول (الكذب) و (الكذب الكذب) و (الكذب والخيانة) و (رأسك والحائط) ولك أن تقول: (احذر الكذب) و (احذر الكذب الكذب) و (احذر الكذب والخيانة) و (امنع رأسك والجدار) فيكون التحذير في الجمل الأولى بما ذكرت من المحذر والمحذر منه، وفي الثانية يكون التحذير بالفعل، وإذا ذكرت الفعل معها لم تكن هذه نائبة عن فعل التحذير، ولا مفيدة له، بل يكون التحذير بما ذكرت من الفعل.
ففي كل هذه المسائل يجوز ذكر الفعل وعدمه، ولكن إذا أردت التحذير بالاسم نيابة عن الفعل حذفت الفعل ولم تذكره، وإذا اردت التحذير بالفعل ذكرت الفعل وخرجت الأسماء عن كونها للتحذير.