← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

(دونك) بمعنى (خذ) و (رويد زيدا) بمعنى أمهله، و (عليك) بمعنى إلزم، و (إليك) بمعنى تنح لكان في قوله وجاهة. وهي من حيث ذكر الفعل وعدمه نظيرة المصدر النائب عن فعل الأمر، في نحو قولنا (إقدامنا يا سعيد) فمعنى (إقداما) هنا معني فعل الأمر (إقدم) والنحاة يقدرون فعلا محذوفا واجب الحذف في نحو هذا، وهو هنا (أقدم) مع أنه يصح أن يقال: (أقدم اقداما يا سعيد) قال تعالى: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾ [المعارج /: ٥]، وقال: ﴿اهجرهم هجرا جميلا﴾ [المزمل: ١٠]، وهو كما ترى نظير مسألتنا في التخذير. يقول النحاة في التخذير: إياك من الكذب، الفعل واجب الحذب، وتقديره احذر، أو احفظ علما بأنه يصح أن نقول: احذرك من الكذب. ويقولون في باب المفعول المطلق، اقداما يا سعيد، الفعل واجب الحذف، وتقديره اقدم مع أنه يصح أن نقول: أقدم إقداما يا سعيد. فما تفسير هذا الأمر. في مسألة المفعول المطلق إذا قلنا (إقداما يا سعيد) كان المصدر نائبا عن فعل الأمر ومعناه (أقدم يا سعيد) ولكن إذا قلنا (أقدم إقداما يا سعيد) تغير المعنى، وكان المصدر مؤكدا، وليس نائبا عن فعل الأمر. وكذلك إذا قلت (صبرا جميلا يا فلان) فمعناه (إصبر) ولكن إذا قلت (إصبر صبرا جميلا) تغير المعنى، واصبح المصدر مبينا للنوع فقط، فإنه يصح ان تقول: (صبرا جميلا) وفعله واجب الحذف عند النحاة، ومعناه الأمر وهو نائب عن فعله، ويصح أن تقول (اصبر صبرا جميلا) لكن ليس بالمعنى الأول، فهنا صبرا ليست نائبة عن فعل الأمر، ولا بمعنى الأمر، وإنما هي ههنا مبنية فحسب، فالنحاة يقدرون في صبرا جميلا إصبر محذوفا وجوبا لضرورة تمشية الصناعة الإعرابية لأن كل منصوب لابد له من ناصب عندهم، ولو ذكرته لصح، لكن ليس بالمعنى الأول كما أوضحت.

стр. 492

وكذلك الأمر في التحذير فـ (إياك) في التحذير نائبة عن فعل التبعيد، والمنع، والتحذير ويقدرون لها فعلا معناه (احذر)، ونحو ولكن لو أظهرته لتغير المعنى، ولأصبح التحذير بالفعل المذكر لا بإياك، فلو قلت: (إياك من الكذب) كان التحذير بإياك وحده، ولو قلت (احذرك من الكذب) لكان التحذير بالفعل (احذر) لا بالضمير، وكذلك لو قلت (إياك احذر من الكذب) كان التحذير بالفعل لا بـ (إيا) وقدمت الضمير للاختصاص، وعند ذلك لا يكون (إيا) كناية التبعيد والمنع، ولا نائبا عن فعل التحذير، وإذا قلت (احذك إياك أن تفعل) كانت (إيا) ليست تحذيرا، وإنما هي بدل من ضمير الخطاب على رأي الجمهور، أو توكيد له على رأي آخرين، فأنت لا تذكر الفعل إذا كانت (إيا) تقوم مقام فعل التحذير ولو ذكرت الفعل كانت ضمير نصب غير مكني به عن التحذير. والذي يدل على أن (إيا) في التحذير ليست مثلها في غير التحذير، ان بعض العرب قد تغير في (إياك) التي للتحذير، وتتصرف فيها بخلاف التي لغير التحذير، فتقول: (إياك) بفتح الهمزة، و (هياك) بإبدال الهمزة هاء، وذلك في التحذير فقط، جاء في (لسان العرب): " ومنهم من يجعل التحذير وغير التحذير مكسورا، ومنهم من ينصب في التحذير ويكسر ما سوى ذلك للتفرقة .. ، قال الفراء: والعرب تقول (هياك وزيدا) إذا نهوك، قال: ولا يقولون هياك ضرب" (١). إنها طريقة من طرائق التعبير في المنع والتبعيد، إنك كما تقول في الأمر: قم بالواجب، وقياما بالواجب. اصبر على الحق، وصبرا على الحق، فتأمرة مرة بالفعل، ومره بالمصدر، وكما تقول: إلزم نفسك، وعليك نفسك خذ الكتاب ودونك الكتاب. فتأمره مرة بالفعل، ومرة باسمه، كذلك تقول:

стр. 493

أعظك أن تجهل، وإياك أن تجهل. فالأول تحذير بالفعل، والثاني تحذير بالاسم، أو بالكناية. ثم إن التحذير بـ (إيّا) هو منع عام بصيغة التبعيد المطلق، في حين ان التحذير بالفعل مقيد بمعنى ذلك الفعل فقولك (احذر) مقيد بمعنى فعل التحذير، و (أعظك) مراد منه الوعظ و (أنهاك) مراد به معنى النهي وهكذا. وأما ما كان بغير (إيا) من المكرر والمعطوف، فحذف فعله واجب عند الأكثرين، وأما ما لم يكن مكررا فذكر فعله جائز كما سبق أن ذكرنا. قالت سيبويه: " وإنما حذفوا الفعل في هذه الأشياء حين ثنوا (١) لكثرتها في كلامهم واستغناء بما يرون من الحال وبما جرى من الذكر، وصار المفعول الأول بدلا من اللفظ بالفعل حين صار عندهم مثل إياك .. ولو قلت (نفسك) أو رأسك، او الجدار كان إظهار الفعل جائزا نحو قولك اتق رأسك أو احفظ نفسك، واتق الجدار فلما ثنيت صار بمنزلة إياك (٢) ". وذكر غيره أن سبب الحذف هو أن الوقت يضيق عن ذكر غير المحذوف منه قال الرضي: " وحكمة اختصاص وجوب الحذف بالمحذر منه المكرر، وكون (٣) تكريره دالا على مقارية المحذر منه للمحذر بحيث يضيق الوقت إلا عن ذكر المحذر منه على أبلغ ما يمكن، وذلك بتكريره، ولا يتسع لذكر العامل مع هذا المكرر وإذا لم يكن الاسم جاز إظهار العالم اتفاقا (٤). وقال: وإنما وجب الحذف في الأول والثاني [أي ما كان بذكر المحذر، والمحذر

стр. 494

ومنه وما كان بذكر المحذر منه ومكررا] لأن القصد .. أن يفرغ المتكلم سريعا من لفظ التحذير حتى يأخذ المخاطب حذره من ذلك المحذور، وذلك لأنه لا يستعمل هذه الألفاظ إذا إذا شارف المكروه أن يرهق" (١). وجاء في (ملا جامي) في التحذير: " وإنما وجب حذف الفعل فيه لضيق الوقت عن ذكره" (٢) وفي حاشية ملا جامي: " في كلا قسمي (٣).التخذير ضيق وقت، وهو أضيق من القسم الثاني منه، ولهذا لا يذكر إلا المحذر منه" ((٤) وجاء في (الإتقان) للسيوطي إن من دواعي الحذف " التنبيه على ان الزمان يتقاصر على الاتيان بالمحذوف، وأن الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت المهم، وهذه هي فائدة باب التحذير والاغراء". (٥) والأمر عندي فيه تفصيل وهو أنه ليس كل مكرر واجب الحذف، ولا كل مفرد جائز الحذف، وإنما الأمر يعود على القصد والمعنى والمقام، فإذا كان ذكر اللفظ من المحذر والمحذر منه نائبا عن فعل التحذير مفهوما منه التحذير بما يرى من الحال، وكان المقام يضيق عن ذكر الفعل حذف فعله، ولا يذكر وكان المذكور يقوم مقام فعل التحذير، كما في (أيا) سواء كان مكررا، ام غير مكرر وإلا جاز ذكره. وإيضاح ذلك أنك تقول لصاحبك (إحذر زيدا) ثم ترى أنه لم يسمع كلمة (زيد) أو ذهب إلى خالد، فتؤكد زيدا وهذه من فوائد التوكيد اللفظي، فتقول: (إحذر زيدا زيدا) فإذا كان زيدا قريبا منه، وهو له عدو ينوي قتله، وكان الوقت يضيق عن ذكر غير المحذر قلت: زيدا زيدا زيدا، ليست نائبة عن فعل التحذير بخلاف الثانية فإنها نائبة عنه ومفهمة معناه.

стр. 495

قال تعالى: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ [النساء: ١]، فذكر فعل التحذير لأن لفظ الجلالة لم يقم مقام التحذير، ولأن هناك سعة من الوقت ولو حذف لقال (الله والأرحام). وعلى مقتضي قول النحاة أن هذا واجبة الحذف، لأنها معطوفة، والحق ما ذكرت، وهو أنه إذا كان المذكور مفيدًا للتحذير من مجرد ذكره، وأنه نائب عن فعل التحذير وكان الزمان يتقاصر عن ذكر الفعل حذف وجوبا، نحو (الحية والعقرب)، وإن لم يكن كذلك ذكرت، فتقول: (احذر الحية والعقرب) وهذا كما يكون في المكرر والمعطوف يكون في المفرد. ومثله الإغراء قال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾ ﴿آل عمران: ٢٣﴾، فذكر فعل الإغراء مع العطف لأن الاسم المذكور. لم يقم مقام فعل الإغراء. وقال: ﴿وأوفوا الكيل والميزان﴾ [الأنعام: ١٥٢] فذكر الفعل لما ذكرت. وخلاصة الأمر في هذا الباب أن لك أن تقول: إياك أن تفعل واحذرك ان تفعل وإياك أحذر أن تفعل واحذرك إياك أن تفعل، فكل ذلك جائز ولكل قصد ومعنى، فإذا ذكرت إياك وحده كان مفيدا للتحذير بنفسه، وإذا ذكرت أي فعل معه كان التحذير بذلك لا بـ (إيا). ولك أن تقول (الكذب) و (الكذب الكذب) و (الكذب والخيانة) و (رأسك والحائط) ولك أن تقول: (احذر الكذب) و (احذر الكذب الكذب) و (احذر الكذب والخيانة) و (امنع رأسك والجدار) فيكون التحذير في الجمل الأولى بما ذكرت من المحذر والمحذر منه، وفي الثانية يكون التحذير بالفعل، وإذا ذكرت الفعل معها لم تكن هذه نائبة عن فعل التحذير، ولا مفيدة له، بل يكون التحذير بما ذكرت من الفعل. ففي كل هذه المسائل يجوز ذكر الفعل وعدمه، ولكن إذا أردت التحذير بالاسم نيابة عن الفعل حذفت الفعل ولم تذكره، وإذا اردت التحذير بالفعل ذكرت الفعل وخرجت الأسماء عن كونها للتحذير.

стр. 496

الواو في التحذير: قد تدخل الواو على المحذر منه مع ذكر المحذر وبدونه وذلك نحو قولنا: (إياك والمراء) و (يدك والنار) و (الكذب والخيانة) فما هذه الواو؟ ذهب النحاة إلى أن هذه الواو عاطفة وتكلفوا لذلك تقديرات نذكر أشهرها بإيجاز: ا ١ - إياك والمراء: ذهب النحاة إلى أن الواو في نحو هذا عاطفة ثم اختلفوا في التقدير فذهب السيرافي وكثيرون إلى أن ما بعد الواو (المحذر منه) معطوف على ما قبله (المحذر) والتقدير عندهم: احذر نفسك أن تدنو من المراء والمراء أن يدنو منك، فحذف ما حذف من الأفعال والحروف، والأسماء إلى أن صار (إياك والمراء) وهو عندهم من عطف المفردات، واعتراض بأن (إياك) محذر و (المراء) محذر منه، فكيف نعطف محذرا على محذر منه، والعطف يقتضي المشاركة في المعنى؟ جاء في (حاشية الصبان): " فإن قلت: المعطوف في حكم المعطوف عليه، وإياك محذر والأسد محذر منه، وهما متخالفان فكيف جاز العطف؟ فالجواب أنه لا يجب مشاركة الاسم المعطوف عليه، إلا في الجهة التي انتسب بها المعطوف عليه إلى عامله وهي هنا كونه مفعولا به أي مباعدا وكذا الاسم مباعدا، إذ المعنى إياك باعد وباعد الأسد (١) ". وذهب ابن طاهر وابن خروف إلى أن ما بعد الواو منصوب بفعل آخر محذوف، والتقدير إياك بعد من الشر، واحذر الشر فيكون الكلام جملتين (٢). وهو تكلف فإنك إذا قلت إياك باعد من الشر كان تحذيرا من الشر، فلا داعي لأن يقول: واحذر الشر.

стр. 497

واختار ابن مالك قولا ثالثا، وهو أن يكون معطوفا، عطف مفرد على مفرد، على التقدير (اتق تلاقي نفسك والمراء) فحذف الفعل، ثم حذف المضاف (تلاقي)، وأقيم المضاف إليه مقامه فصار (نفسك والمراء) ثم حذف المضاف (نفس) واقيم المضاف إليه مقامه، وهي الكاف ثم حول ضمير الجر، إلى ضمير نصب منفصل فصار (إياك والمراء) (١). وهي تكلف واضح تبدو فيه كثرة الحذف بدون موجب، وذلك في الآراء كلها. والراجح في مثل هذا أن تكون الواو للمعية، والمعنى إياك وممارسة المراء، أو التلبس به او مصاحبته ونحو ذلك، ولا داعي لهذه التقديرات المتكلفة. قال ابن مالك في التسهيل: (ولا يعطف في هذا الباب إلا بالواو، وكون ما يليها مفعولا معه جائز (٢)) وجاء في شرح الرضي على الكافية: ولا يمتنع أن يدعى أن الواو التي في المحذر بمعنى مع (٣). وهو فيما نرى ليس جائزا فقط بل هو الراجح الذي يؤدي المعنى بدون تكلف، ولا كثرة حذف. ٢ - رأسك والحائط: وهي كالتي قبلها والواو عندهم للعطف، والتقدير قِ رأسك واحذر الحائط، فيكون الكلام جملتين، ويذكرون وجوها أخرى مشابهة كما مر في (إياك والمراء) (٤)، وهي في جملتها تقديرات متكلفة مقاربة لما ذكرناه في العبارة السابقة، والراجح أن تكون أيضا للمعية، أي احفظ رأسك من الحائط، ومصاحبته، ونحو (يدك والنار) أي يحذره أن تمس يده النار وتصاحبها.

стр. 498

وقد تكون هذه العبارة لمعنى آخر غير التحذير على تقدير دع رأسك والحائط، وخله وإياه أي إضرب رأسك بالحائط إن شئت، ويدك والنار أي دع يدك والنار، جاء في (كتاب سيبويه): " ومن ذلك رأسه والحائط، كأنه قال خل أو دع رأسه من الحائط، فالرأس مفعول والحائط مفعول معه، فانتصبا جميعا، ومن ذلك قولهم شأنك والحج كأنه قال: عليك شأنك من الحج (١) ". وهذه ليس من التحذير وليس مما نحن فيه. ٣ - الكذب والخيانة: يجوز أن تكون الواو عاطفة أي إحذر الكذب والخيانة، بل هو الراجح أن يكون الثاني مفعولا معه أي إحذر الكذب مصاحبا الخيانة، وهو مرجوح هنا لأن النهي يكون عن المصاحبة، ولو فعل أحدهما ما كان بمحذور، وهذا المعنى غير مراد، ولو قلت (الأكل والضحك) لكانت المعية راجحة لأنها نهي عن المصاحبة، والجمع بينهما. الإغراء تنبيه المخاطب عن امر محمود ليفعله، نحو المروءة والنجدة، وأخاك والإحسان إليه، وإخاك أخاك، ولا يكون بـ (إيّا) لأنها خاصة بالتحذير، وتقدير فعله عند النحاة (إلزم). وحكم الاسم المنصوب في الاغراء حكمه في التحذير (٢)، ونقول فيه وفي واوه ما قلنا في التحذير.

стр. 499

الاختصاص (الاختصاص في الأصل مصدر اختصصته بكذا، أي خصصته به، وفي الاصطلاح تخصيص حكم علق بضمير ما تأخر عنه، من اسم ظاهر معروف (١)). والنحاة يخصون في هذا المصطلح بما يقع بعد ضمير المتكلم، أو المتكلم المشارك معه غيره من اسم ظاهر معرفة موضحا لذلك الضمير ومبينا له نحو (نحن المسلمين نفي بالعهود) و (علي خالد يعتمد). ولا يصح أن يوضح الضمير في هذا الباب نكرة، ولا اسم مبهم، فلا يصح أن يبين باسم إشارة ونحوه من المبهمات، قال سيبويه: (واعلم إنه لا يجوز لك أن تبهم في هذا الباب فتقول (إني هذا أفعل كذا وكذا) ولكن تقول (إني زيدا أفعل) ولا يجوز أن تذكر إلا اسما معروفا، لأن الأسماء إنما تذكر هنا توكيد وتوضيحا للمضمر، وتذكيرا فإذا ابهمت فقد جئت بما هو أشكل من الضمير، ولو جاز هذا لجازت النكرة فقلت، أنا قومها فليس هذا من مواضع النكرة، والمبهم، ولكن هذا موضع بيان كما كانت الندبة موضع بيان، فقبح إذا ذكروا توكيدا لما يعظمون أمره أن يذكروه مبهما (٢)). وإيضاح ذلك أن الضمائر قد تحتاج إلى إيضاح لأنها كنايات عن المتكلم، والمخاطب والغائب، ولذلك سميت (ضمائر)، فالضمير فعيل بمعنى (مفعل) أي مضمر من (أضمر) وأضمر أخفي، وأضمر خيرا أو شرا أي أخفي ذلك في نفسه، قالوا وسمي ضميرا لأنه يستتر أي يخفي، وأرى أنه سمي ضميرا لأنه يستر تحته الاسم الصريح، ويخفي كما مر بيان ذلك، فإذا قلت (أنا) فأنت لم تصرح باسمك، وإنما أخفيته تحت الضمير.

стр. 500

والغرض الأساسي من الاختصاص توضيح الضمير المتقدم، وتبيينه ولذلك لا يجوز هنا أن تذكر إلا اسما معرفا كما قال سيبويه، فلا يصح أن نأتي باسم الإشارة، ولا موصول لأنها كنايات أيضا وليست تصريحا وإذا جئت بها فقد جئت بما هو اشكل. من المضمر فلو قلت (إني هذا أفعل وأفعل) لم يكن (هذا) تبيننا للضمير، ولا توضيحا له. وكذلك لا يصح أن تاتي بنكرة، فلا تقول (أنا معشرا نفعل كذا وكذا) لأن الضمير معرفة والنكرة أعلم منه، فلم تبينه وإنما جئت بما هو اغمض منه وأخفي، ولم توضح المقصود بخلاف ما لو قلت: (إنا معشر العراقيين أو معشر الأدباء) ونحو ذلك. فالاختصاص يراد به توضيخ الضمير المذكور وتخصيصه، وتخليصه من غيره، وتمييزه عنه، والباعث عليه فخر، نحو (علي أيها الكريم يعتمد) ونحو (بنا تميما يكشف الضباب) أو تواضح، نحو (أنا المسكين محتاج إلى أعانتك) أو بيان المقصود، نحو (إنا معاشر الأنبياء لا نورث) ونحو (نحن الطلبة نريد حقوقنا) (١). والأصل في أن يكون للمتكلم كما ذكرت، فلا يقع بعد ضمير غائب، فلا يقال: (بهم معشر العرب ختمت المكارم)، ولا بعد اسم ظاهر نحو (بزيد العالم يقتدي) ويقل بعد ضمير الخطاب نحو (بك الله نرجو الفضل (٢)). ومن هنا يتبين أن المقصود به المتكلم، فقولك (علي أيها الكريم يعتمد) المقصود بالكريم هو المتكلم، وقولك (إنا أيها الراحل أحل عنك ما تريد)، الراحل فيه هو المتكلم وليس المخاطب، فأن قصد المخاطب فهو نداء وليس اختصاصا.

стр. 501

أسلوبه أسلوب الاختصاص على ضربين: ١ - ان يكون بـ (أي) مبنية على الضم متلوة بـ (ها) مثلها في نداء المحلى بأل وتستعمل للمحلى بأل نحو (علي أيها الكريم يعتمد) و (أنا أيها الراحل أحمل عنك ما تريد). ٢ - أن يكون بغير (أي) مضافا او معرفا بأل أو علما منصوبا نحو قوله: إنا بني منقر قوم ذوو حسب ... فينا سراة بني سعد وناديها وقوله: أنا بني نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالابناء يشيرنا وقولهم (نحن العرب أقرب الناس لضيف) وقوله (بنا تميما يكشف الضباب)، وهو منصوب عند النحاة، بفعل تقديره أعني أو أخص، قال سيبويه: "وذلك قولنا أنا معشر العرب نفعل كذا وكذا، كأنه قال اعني، ولكنه فعل لا يظهر ولا يستعمل كما لم يكن ذلك في النداء، لأنهم اكتفوا بعلم المخاطب، وأنهم لا يريدون ان يحملوا الكلام على أوله، ولكن ما بعده محمول على أوله" (١). وقد أوضح سيبويه أن العرب في الاختصاص لا يريدون ان يحملوا الكلام على أوله، ولكن ما بعده محمول على أوله، وذلك نحو قوله (أنا بني منقر قوم ذوو حسب) فإنه لم يرد أن يخبر بأنهم بنو منقر، وإنما أراد أن يخبر بأنهم قوم ذوو حسب، وأوضح المقصود بالضمير فقال (أنا بني منقر) أي أعني بني منقر. ولو رفع فقال (إنا بنو منقر) لكان المعنى أنه أراد أن يخبر عنه نفسه وجماعته بأنهم بنو منقر. وكذلك لو قلت (نحن الطلبة نريد حقوقنا) فأنت لم ترد أن تخبر عنك بأنكم طلبة وإنما أردت أن تخبر بأنكم تريدون

стр. 502

حقوقكم ثم بينت من أنتم؟ ونحو لو قلت (أنا خالدا اقوم بهذا الأمر) فإنك لم ترد أن تخبر عن نفسك بأنك خالد، وإنما أردت أن تخبر بأنك تقوم بالأمر ثم بنيت نفسك. وجملة الإختصاص في نحو (علي يعتمد أيها الرجل) يقدرها النحاة حالا أي أي مخصوصا، قال ابن الناظم: " ومن ذلك الاختصاص لأنه خبر يستعمل بلفظ النداء كقولهم: (اللهم اغفر لنا أيتها العصابة) و (نحن نفعل كذا أيها القوم) و (أنا أفعل كذا أيها الرجل) يراد بهذا النوع من الكلام الإختصاص على معنى، اللهم اغفر لنا متخصصين من بين العصائب، ونحن نفعل كذا مخصوصين من بين الأقوام، وأنا أفعل كذا مخصوصا من بين الرجال (١). وفي نحو (علي خالد يعتمد) يعربونها إعتراضية (٢)، وهو الراجح فيما أرى في كل أساليب الاختصاص، لأنه ليس القصد من نحو قولك (نحن أيها الطلبة نريد حقوقنا) إنك تريدون حقوقكم حال كونك خصوصين من بين الطلبة، بل ذكرت أنكم تريدون حقوقك وقد بينت من أنتم، وهو نظير قولك (نحن الطلبة نريد حقوقنا)، فلماذا تكون جملة الاختصاص ههنا اعتراضية وهناك حالية؟ الفرق بينه وبين النداء: ذهب الأخفش إلى أن الاختصاص نداء قال: " ولا ينكر أن ينادي الإنسان نفسه ألا ترى أن عمر قال: كل الناس أفقه منك يا عمر (٣) ". ونظرة إلى طبيعة المنادي واستعماله، وإلى طبيعة الاختصاص واستعماله، توضح الفرق بينهما.

стр. 503

١ - فالغرض من الاختصاص كما أوضحنا توضيح الضمير المتقدم، وتبيينه، وتمييزه، من غير أما النداء فإنه طلب الإقبال بحرف النداء، فأنت حين تقول (نحن العرب أقري الناس ضيفا)، لا تنادي العرب إنما تبين بذكرهم الضمير (نحن)، وكذلك حين تقول (علي خالد يعتمد) لم تناد نفسك، وإنما أوضحت الضير المتقدم، ولذلك لا يؤتى بـ (يا النداء) في الاختصص، لأنه ليس لغرض أن تنبه أحدا وتدعوه إليك، قال ابن يعيش: " والفرق بين هذا الاختصاص واختصاصا النداء، أنك في النداء تختص واحدا من الجماعة ليعطف عليك، عند توهم غفلة عنك، وفي هذا الباب تختصه بفعل يعمل فيه النصب، تقصد به الاختصاص على سبيل الافتخار، والتفصيل له، والاسم المنصوب في هذا الباب لابد أن يتقدم ذكره (١). وجاء في (المقتضب): "اللهم اغفر لنا أيتها العصابة فأجروا حرف النداء على العصابة، وليست مدعوة لأن فيها الاختصاص الذي في النداء، وإنما حق النداء أن تعطف به المخاطب عليك ثم تخبره أو تأمره، أو تسأله، أو غير ذلك مما توقعه إليه، فهو مختص من غيره في قولك يا زيد ويا رجال. فإذا قلت: اللهم اغفر لنا أيتها العصابة، فأنت لم تدع العصابة ولكنك اختصصتها من غيرها كما تختص المدعو فجرى عليها اسم النداء، أعني (أيها) لمساواتها إياه في الاختصاص .. وعلى هذا تقول: على المضارب الوضعية أيها الرجل، ولا يجوز أن تقول يا أيها الرجل، ولا يا أيتها العصابة لأنك لا تنبه إنسانا، إنما تختص، و (يا) إنما هي زجر وتنبيه (٢) ". أما قول الأخفش انه لا ينكر أن ينادي نفسه كقول عمر (كل الناس أفقه منك يا عمر) فهذا صحيح فإن الإنسان قد يجرد من شخصه شخصا آخر فيخاطبه، كأن يقول الإنسان مخاطبا نفسه: يا نفس لما فعلت كذا وكذا؟ وماذا حملك على هذا يا فلان؟ فهذا نداء وليس الغرض منه توضيح الضمير، وتمييزه من غيره، فإنه يخاطب نفسه فلا يحتاج إلى إيضاح، وليس هناك موطن إبهام بخلاف الاختصاص فإنه يخاطب غيره موضحا نفسه.

стр. 504

ثم ألا ترى إنه جاء بـ (يا) النداء، في قوله (يا عمر) مما يدل على أنه نداء حقا، بخلاف الاختصاص الذي لا يؤتى فيه بحرف النداء البته. ٢ - ومما يبين الفرق بينهما أن الاسم المنصوب على الاختصاص، لا يكون نكرة ولا اسم إشارة ولا ضميرا ولا موصولا، بخلاف المنادى، فإنه يكون نكرة، ومعرفة، مبهما وغير مبهم، فإنك تقول: يا هذا، يا مارا أنجدني، ويا من يعز علينا أن نفارقهم. ٣ - ثم أن الاختصاص لا يقع في اول الكلام، بل في إثنائه، وذلك لأن الغرض منه توضيح الضمير المتقدم، أما النداء فإنه يقع أولا ومتوسطا وآخرا. ٤ - لابد أن يقدم على المختص ذكر له، وهو ضميره المتقدم بخلاف النداء. ٥ - الأصل في النداء أن يكون للمخاطب، والأصل في الاختصاص أن يكون للمتكلم. ٦ - المفرد منه منصوب بخلاف المنادى، وذلك كقوله: (بنا تميما يكشف الضباب) وتقول (علي خالد يعتمد) أما المنادى في نحو هذا فإنه يكون مبنيا على ما يرفع به. ٧ - يصح أن يكون الاسم المختص المعرف بأل منصوبا بدون (أي)، كقولهم (نحن العرب أقرى الناس لضيف) و (نحن العلماء ورثة الانبياء) ولا يصح أن يكون منادى لأن المحلي بأل لا ينادي إلا بأي (١)، إلى غير ذلك من الفروق. فاتضح بهذا أن المختص ليس منادى. الفرق بينه وبين المقطوع: يقدر النحاة للاسم المنصوب على الاختصاص فعلا تقديره اعني، أو أخص وقد قدره سيبويه بأعني قال: " وذلك قوله: (إنا معشر العرب نفعل كذا وكذا) كأنه قال أعني، ولكنه فعل لا يظهر ولا يستعمل".

стр. 505

وتقدير الفعل أعني أو أخص لا يختص بهذا الباب، فإنا نلحظ هذا التقدير في الأسماء المقطوعة في المدح، والشتم، وغيرهما، نحو مررت بمحمد الكريم، وكقوله تعالى: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤]، أي اعني وأخص، فهل هذا داخل في باب الاختصاص الذي أوردناه أو ليس إياه؟ جاء في (شرح الرضي على الكافية): " قالوا وإن كان الاختصاص باللام أو الإضافة بعد ضمير الغائب نحو مررت به الفاسق، أو بعد الظاهر نحو الحمد لله الحميد، أو كان المختص منكرا، فليس من هذا الباب بل هو منصوب أما على المدح، نحو الحمد لله الحميد، او الذم نحو (وامرأته حمالة الحطب) أو الترحم نحو قوله: ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي. بفعل لا يظهر وهو اعني أو أخص في الجميع، أو مدح او ذم أوترحم كل في موضعه، هذا ما قيل، ولو قيل في الجميع بالنقل من النداء لم يبعد، لأن في الجميع معنى الاختصاص، فنكون قد أجرينا هذا الباب مجرى واحدا" (١). وأرى أن بينهما فرقا، أما النداء فقد ذكرنا فيه ما فيه الكفاية، فيما أحسب، وأما المقطوع فهناك خلاف فيما بينهما، أذكر طرفا منه: ١ - قال ابن يعيش موضحا الفرق بينهما: " ونصب هذه الأسماء كنصب ما ينتصب على التعظيم والشتم، بإضمار أريد، أو أعني، أو أختص فالاختصاص نوع من التعظيم والشتم، فهو أخص منهما لأنه يكون للحاضر، نحو المتكلم، والمخاطب وسائر التعظيم والشتم يكون للحاضر والغائب. وهذا الضرب من الاختصاص يراد به تخصيص المذكور بالفعل، وتخليصه من غيره على سبيل الفخر والتعظيم، وسائر التعظيم والشتم ليس المراد منه التخصيص والتخليص من موصوف آخر، وإنما المراد المدح أو الذم، فمن ذلك الحمد لله الحميد، والملك لله أهل الملك.

стр. 506

وكل ذلك نصب على المدح ولم ترد ان تفصله من غيره (١). فالغرض - كما اسلفنا - من الاختصاص تبيين الضمير وتخليصه من غيره، بخلاف النعت المقطوع. ٢ - ذكرنا أن الغرض من الاختصاص هو توضيح الضمير المتقدم، وتبيينه باسم علم أو باسم معرفة غير مبهم كقولك (علي خالدا يعتمد). وكقولك (نحن العراقيين نجل المخلصين) أما الغرض من النعت المقطوع فإنه بيان أن الموصوف بالصفة المقطوعة معلوم بهذه الصفة، مشهور بها، يعلمها المخاطب كما يعلمها المتكلم، فإذا قلت (مررت بمحمد الكريم) وقطعت، كان المعنى مررت بمحمد المعروف بخصلة الكرم المشتهر بها، في حين لبس الأمر كذلك في الاختصاص، فلو قلت (نحن الطلبة نريد حقوقنا) كان المقصود بيان الضمير، وتوضيحه وليس المقصود بيان أن المخاطب يعلم الخصلة معينه، كما يعلم المتكلم. ٣ - ثم أن المقطع قد يكون إلى الرفع، أو النصب، فقد يقطع من المنصوب، إلى الرفع ومع المرفوع إلى النصب، ومع المجرور إلى الرفع، او النصب، كقولك مررت بمحمد الكريم أو الكريم، وتقول: رأيت خالدا الكريم واقبل سليم البائس، في حين أن الاختصاص لا يكون إلا نصبا نحو (أنا بني نهشل لا ندعي لأب) فدل على أن هذا غير ذاك. ٤ - قد يقع القطع في العطف كقوله تعالى: ﴿الموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾ [البقرة: ١٧٧]، فقطع إلى النصب في العطف، وكقوله: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما﴾ [النساء: ١٦٢]. فقطع إلى النصب وهذا لا يكون في الاختصاص.

стр. 507

٥ - ثم إن القطع قد يكون في النكرات كقولك (مررت برجل طويل كريما) وكقوله: ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالي أما الاختصاص فلا يكون إلا في المعارف فالغرض مختلف من كل قسم، كما أن الإسلوب مختلف فيهما، ولذلك لا أرى ضرورة دمجها. وسيأتي بشأن القطع تفصيل في مكانه إن شاء الله تعالى.

стр. 508

الاشتغال معناه: الاشتغال عند النحاة هو كل اسم بعده فعل أو ما يشبه الفعل، كاسم الفاعل، واسم المفعول، اشتغل عنه بضميره أو بمتعلقه، لو سلط عليه هو أو مناسبه لنصبه (١). ومعنى ذلك أن يتقدم اسم، ويتأخر عنه فعل، او اسم فاعل أو نحوهما، فينصب ذلك الفعل ضمير ولو لم يشتغل بضميره لنصبه، نحو (خالدا أكرمت)، و (خالدا أنا مكرمه)، فالفعل أكرم نصب ضمير خالد، واسم الفاعل اشتغل بضمير خالد، ولو لم يكن هذا الضمير موجودا لنصبا الاسم المتقدم. والاشتغال له صوره منها ما ذكرت ومنها أن يشتغل متعلقه نحو: خالدا أكرمت أخاه وسعيدا ضربت صديقه. وقد يكون الفعل يصح تسلطه على الاسم المتقدم بنفسه، كما ذكرت وقد يكون لا يصح تسلطه عليه بنفسه نحو خالدا سلمت عليه وأخاك مررت به، وكقوله تعالى ﴿والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ [الإنسان: ٣١]، فـ (أعد) متسلط على (عذاب)، ولا يصح أن يتسلط على (الظالمين) بنفسه هنا. ولابد في الاشتغال من ضمير يعود على الاسم المتقدم كما رأيت، وهذا الضمير قد يكون منصوبا بالفعل المتقدم نحو (خالدا أكرمته) وقد يكون مجرورا بحرف جر، نحو (خالدا سلمت عليه) ونحو قوله تعالى: ﴿والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ [الإنسان: ٣١]، وقد يكون مضافًا إليه نحو (خالدا أكرمت أخاه)

стр. 509

وهناك صور أخرى وكلها تجتمع في عود الضمير على الاسم المتقدم (١). ناصبه: اختلف النحويون في ناصب الاسم المشغول عنه فذهب جمهور النحويين البصريين إلى أن ناصبه فعل مضمر وجوبا مماثل للفعل المذكور في نحو (خالدا أكرمته) أي أكرمت خالدا أكرمته، ويناسبه في المعنى في نحو (خالدا سلمت عليه) والتقدير: حييت خالدا سلمت عليه، و (خالدا ضربت أخاه) والتقدير أهنت خالدا ضربت أخاه، قال سيبويه: " وإن شئت قلت (زيدا ضربت) وإنما نصبه على إضمار فعل هذا تفسير كأنك قلت: ضربت زيدا ضربته، إلا أنهم لا يظهرون هذا الفعل استغناء بتفسيره، فالاسم هنا مبني على المضمر. فإن قلت (زيد مررت به) فهو من النصب أبعد من ذلك .. وإن شئت قلت: (زيدًا مررت به) تريد أن تفسر له مضمرا كأنك قلت، إذا مثلت: جعلت زيدًا على طريقي مررت به .. وإذا قلت: (زيد لقاك اخاه) فهو كذلك وإن شئت نصبت لأنه إذا وقع على شيء من سببه، فكانك قد وقع به، والدليل على ذلك أن الرجل يقول: أهنت زيدا باهانتك أخاه وأكرمته بإكرامه أخاه" (٢). وذهب الكسائي إلى أن نصب الاسم المتقدم بالفعل المتأخر، وأن الضمير ملغي، وذهب الفراء إلى أن الاسم والضمير منصوبان بالفعل المذكور، لأنهما في المعنى لشيء واحد. ويرد عليهما نحو (سعيدا مررت به) فإن الفعل (مر) لا يصح أن ينصب الاسم المتقدم كما لا يصح أن يلغي الضمير المجرور لأن الفعل لا يتعدى إليه إلا بالحرف، ونحو (زيدا هدمت داره) و (خالدا خطت قميصا له) فإنه لا يصح تسلط الفعل على الاسم المنصوب قبله (٣).

стр. 510

وهذا التقدير دعت إليه صنعة الإعراب لأن كل منصوب، لابد له من ناصب عند النحاة ولما لم يجدوا ناصبا للاسم المتقدم، اضطروا إلى التقدير. إن التقديم الذي ذهب إليه النحاة في هذا الباب مفسد للمعنى، مفسد للجملة فإن الجملة تتمزق، وتنحل بتقديرنا (أكرمت خالدا أكرمته)، و (سررت خالدا أحببت رجلا يحبه) وبنحو ذلك من التقديرات. وما ذهب إليه الفراء مقبول في نحو (خالدا أكرمته) غير مقبول، في نحو (خالدا سلمت عليه) و (محمدا خطت قميصا له) وكذلك ما ذهب إليه الكسائي. فتقدير الجمهور متمش مع الصنعة الإعرابية إلا أنه مفسد للمعنى، مفسد للجملة وما ذهب إليه الفراء والكسائي مفسد للصنعة الإعرابية ولا يستقيم في كثير من التعبيرات. ونحن هنا لا تعنينا تقديرات النحاة واختلافاتها، وإنما الذي يعنينا هو المعنى وإنما ذكرت هذه التقديرات، لأنها تترتب عليها أمور ذات علاقة بالمعنى - كما سنرى -. وحقيقة الأمر فيما نرى أنه ليس ثمة اشتغال ولا مشغول عنه بهذا المعنى، وإنما هو اسلوب خاص يؤدي غرضا معينا في اللغة ومما يدل على ذلك قولهم (محمدا سلمت عليه) و (خالدا أكرمت أخاه) و (سعيد انطلقت مع أخيه) فأي اشتغال في هذا الأمر؟ وهل يمكن تسليط الفعل على الاسم المنصوب المتقدم فإن الفعل قد يكون لازما كما نرى. وأما على رأي الكسائي والفراء فليس ثمة اشتغال أصلا، وإذا كان نرغب في الابقاء على اصطلاح الاشتغال والمشغول عنه فإنا نقصد به معنى آخر سنذكره، لا ما ذكره القوم. أما فيما يخص الإعراب فإنه يمكن أن يعرب الاسم المتقدم مشغولا عنه منصوبا ولا داعي لأنه نذكر له ناصبا لأن التقديم الناصب مبني على نظرية العامل التي لا موجب لها، فإنه يمكن أن يقال أن الفاعل، في العربية مرفوع، والمفعول به منصوب، والمبتدا مرفوع والمشغول عنه منصوب، وهكذا ولا داعي للسؤال عن العامل الذي أحدث هذا وإذا كان لابد من الجواب، فالعرب هم الذين فعلوا هذا وأحدثوه.

стр. 511

أقسامه: يذكر النحاة في هذا الباب خمسة أقسام: ١ - ما يجب فيه النصب. ٢ - ما يجب فيه الرفع. ٣ - ما يجوز فيه الامران والرفع أرجح. ٤ - ما يجوز فيه الأمران والنصب أرجح. ٥ - ما يجوز فيه الأمران على السواء (١). أما ما لا يجب فيه الرفع فليس من باب الاشتغال لأنه لم ينطبق معنى الاشتغال عليه، وذلك أنهم قالوا أنه لو فرغ الفعل من الضمير لنصب الاسم وذلك ممتنع، من وجوب الرفع نحو (خرجت وإذا أخوك يضربه خالد (٢)). وأما مسألة وجوب النصب فالأمر فيها كما ذكره النحاة. وأما مسألة جواز الأمرين مع الترجيح أو بدون ترجيح ففيها نظر فيما نرى، وذلك أننا نعتقد أن لكل وجه معنى لا يؤديه الوجه الآخر، فمعنى النصب غير معنى الرفع، فإن أردت معنى معينا، وجب عليك أن تقول تعبيرا معينا. أنه لا يصح أن تقول (محمدٌ أكرمته) كما يصح أن تقول (محمدًا أكرمته)، ولكن هل هما بمعنى واحد؟ هذا ما لا يكون، أن (محمدا) في قولك (محمدا أكرمته) فضلة، و (محمد) في (محمد أكرمته) عمدة فهل تكون الفضلة كالعمدة؟ كيف يمكن أن يكون ذاك؟ أنه كان المأمول أن يقول النحاة: ورد عن العرب قولهم (محمد أكرمته) وهو بمعنى كذا، و (محمدًا أكرمته) وهو بمعنى كذا فإن اردت المعنى الفلاني تعين الرفع وإن أردت.

стр. 512

المعنى الآخر تعين النصب، وكل ترجيح من دون النظر إلى المعنى ترجيح باطل لا يقوم على الأساس. ولذلك ينبغي أن يعالج موضوع الاشتغال على غير الشاكلة، التي عالجها النحاة. هل يفيد الاشتغال تخصيصا أو تأكيدا ؟ ذهب البيانيون إلى أن الاشتغال قد يفيد تخصيصا أو توكيدا، وذلك بحسب تقدير الفعل المحذوف، فإذا قدرنا الفعل المحذوف بعد الاسم المنصوب، أفاد تخصيصا وإذا قدرنا الفعل المحذوف قبل الاسم المنصوب أفاد توكيدا، وذلك نحو قولك (محمدًا أكرمته) فإن قدرت (محمد أكرمت أكرمته) أفاد تخصيصا، لأن المفعول إذا تقدم على فعله، أفاد تخصيصا كما مر في بحث المفعول، وأن قدرت (أكرمت محمدا أكرمته) أفاد توكيدا، وذلك لتكرير اللفظ، جاء في (الإيضاح: ) " وأما نحو قولك (زيدا عرفته) فإن المفسر المحذوف قبل المنصوب أي عرفت زيدا عرفته فهو من باب التوكيد أعنى تكرير اللفظ وأن قدر بعده (زيدا عرفت عرفته) أفاد التخصيص (١) ". وجاء في (شرح المختصر) للتفتازاني: " وأما نحو (زيدا عرفته) فتأكيد أن قدر المحذوف المفسر بالفعل المذكور قبل المنصوب، أي عرفت زيدا عرفته، وإلا أي وأن لم يقدر المفسر قبل المنصوب، بل بعده فتخصيص أي زيدا عرفت عرفته، لأن المحذوف المقدر كالمذكور، فالتقديم عليه كالتقديم على المذكور .. فنحو (زيدا عرفته) محتمل للمعنيين: التخصيص والتأكيد، فالرجوع في التعيين إلى القرائن وعند قيام القرينة على أنه للتخصيص يكون أوكد من قولنا (زيدا عرفت) لما فيه من التكرار" (٢). وذهب النحويون إلى أنه يجب تقدير المفسر قبل الاسم المنصوب، جاء في (المغنى) فيجب أن يقدر المفسر في نحو (زيدا رأيته) مقدما عليه.

стр. 513

وجوز البيانيون تقديره مؤخرا عنه وقالوا: لأنه يفيد الاختصاص حينئذ وليس كما توهموا" (١). وجاء في (التصريح): "وجميع ما يقدر في هذا الباب يقدر متقدما على الاسم المنصوب إلا أن يمنع مانع من حصر أو غيره فيقدر متأخرا عنه (٢) " فلا يفيد تخصيصا عند النحاة. والذي أراه في هذا الباب أن الاشتغال لا يفيد تخصيصا، ولا توكيدا وإنما هو إسلوب خاص يؤدي غرضا معينا لأنه ليس معنى: (خالدا أكرمت) كمعنى (خالداً أكرمته). ولا معنى (على محمد سلمت) كمعنى (محمدا سلمت عليه). فمعنى (خالدا أكرمت) خصصته بالكرم، وأما (خالدا أكرمته) فتفيد إكرام خالد، لا تخصيصه بالاكرام، وقد قدمته للعناية، وكذلك قولك (على محمد سلمت) و (محمدا سلمت عليه) فالأولى تفيد التخصيص، بخلاف الثانية فإنك قدمت الاسم للاهتمام به. واي تخصيص في نحو قولك (محمدا رأيت رجلا يحبه) و (خالدا أهنت أخاه)؟ وهل في قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ [النحل: ٥]. وقوله: ﴿ولوطا آتيناه حكما وعلما﴾ [الأنبياء: ٧٤]، تخصيص؟ وأي دليل على أن الفعل متأخر عن الاسم، وهو لم يظهر البته؟ وهو لا يفيد توكيدا أيضا إذ لو كان توكيدا لجاز ذكره بل لوجب ذكره، عند بعض النحاة لأن الحذف ينافي التوكيد، فلا مانع في التوكيد من أن تقول (أكرمت محمدا أكرمت محمدا) و (أكرمت محمدا أكرمته) فتعيد الضمير على الاسم المتقدم. إن الاشتغال تعبير خاص وأسلوب معين له غرض معين كما ذكرت.

стр. 514

الفرق بين الرفع والنصب: ١ - تقول خالدا أكرمت، وخالدٌ أكرمته، فما الفرق بين التعبيرين؟ قال تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥]، بالنصب، وقال: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، بالرفع فلم ذاك وما وجه الاختلاف بينهما؟ أنه يصح من حيث التركيب النحوي، أن تقال كل جملة من الجملة التي ذكرناها بالرفع وبالنصب، ولكن هل تكون بمعنى واحد؟ نحن ذكرنا رأي النحاة في ذلك، وذكرنا أن عندهم ترجيحات لا تقوم على أساس، فما حقيقة هذا الأمر؟ من الواضح أن المتحدث عنه في نحو قولك (محمد أكرمته) هو محمد، وفي محمدًا أكرمته، هو المتكلم وكذلك في نحو قولك (زيد سلمت عليه) الاخبار فيه عن زيد وفي (زيدا سلمت عليه)، الاخبار عن المتكلم، جاء في (الإيضاح في علل النحو: ) " قال ابو العباس: الفرق بين (ضربت زيدا) و (زيد ضربته) إنك إذا قلت (ضربت زيدا) فإنما أردت أن تخبر عن نفسك، وتثبت أين وقع فعلك، وإذا قلت (زيد ضربته) فإنما أردت ان تخبر عن زيد" (١). ولكنك قدمت (زيدا) في قولك (زيدًا ضربته) للاهتمام به، والحديث عنه غير أنه حديث لا يرقي إلى درجة العمدة. وبتعبير آخر أنت قدمت المنصوب في الاشتغال للحديث عنه بدرجة أقل من المبتدأ، لأن المبتدأ متحدث عنه، والحديث يدور عليه أساسا بخلاف المشغول عنه، فإن الحديث يدور على غيره أساسا، فالفرق بين ولنا (محمدا اكرمته) و (محمد أكرمته) أنك بالرفع جعلت مدار الحديث محمدا، وجعلت أخبارك عنه وهو مدار الاهتمام. أما الأولى فقد قدمت فيها محمدا للاهتمام، قدمته لتتحدث عنه بدرجة أقل من العمدة، فإن الإخبار عن المتكلم، ولكن قد يقتضي السياق أن تخص محمدا بحديث، وأما (محمدًا أكرمت) فللاختصاص.

стр. 515

ونحوه: محمدٌ سلمت عليه. ومحمدٌ سلمت عليه ففي الأولى المتحدث عنه محمدٌ، والجملة الصغرى إخبار عنه، وإما في الثانية فقد قدمته للاهتمام به وجئت بالضمير في (عليه) لإرادة الإخبار عنه بصورة ثانوية، وإنما الحديث على المتكلم. إن المشغول عنه على صورة المبتدأ من حيث إرادة الحديث عنه، ولذا لابد له في الجملة المتأخرة عنه من ضمير يربطها بالاسم المتقدم، كالمبتدأ الذي لابد له من رابط يربط جملة الخبر به، ليصح الحديث عنه ولكن الفرق بينهما أن الحديث في الابتداء يدور أساسا على المبتدأ، بخلاف الاشتغال الذي يدور فيه الحديث على شيئين: أمر أساسي وهو المسند إليه، وأمر دونه وهو المنصوب المتقدم. وبهذا نستطيع أن نقول أن الاشتغال مرحلة دون المبتدأ، وفوق المفعول، إذ هو متحدث عنه من جهة لكنه لا يرقي إلى درجة المبتدأ، فيكون معنى الاشتغال على هذا أنه إنما جيء بالاسم المنصوب، المتقدم لارادة الحديث عنه، ثم شغل عنه بالحديث عن المسند إليه فهو إسلوب على صورة المبتدأ والخبر. وإليك مثلا يوضح الفرق بين المشغول عنه والمبتدأ .. إن المبتدأ - كما ذكرنا - هو المتحدث عنه، أما في باب الاشتغال، فالمسند إليه هو المتحدث عنه، وقد قدم المشغول عنه للتحدث عنه بصورة ثانوية، لا كالمبتدأ تقول: (الظالم يكرهه الناس ويحتقرونه في أنفسهم، ثقيل عليهم مبغض إلى قلوبهم، أما العادل فإن الناس يحبونه ويحترمونه) فأنت تلاحظ أن الكلام على الظالم فترفعه وتقول: (ألا ترى إلى ربك وعقابه، وأنه إذا أمهل لا يهمل، عاقب الكافر، والظالم أهلكه، والمستعبد أذلة وقهره، والباطل أزاله) فإن الكلام على الله سبحانه، وقدم ما قدم

стр. 516

للاهتمام، فنصب الظام والمستبعد والباطل. وهذا وجه الكلام: ولو نظرنا في الآيات القرآنية الكريمة لوجدنا مصداق ذلك. قال تعالى: ﴿والأرض ممدناها وألقينا فيها رواسي﴾ بالنصب ولو رجعنا إلى السياق لوضح السبب، وإليك السياق: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزينها للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم، إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين. والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون، وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ [الحج: ١٦ - ٢٠]. فالكلام إنما هو على الله الذي جعل في السماء بروجا وزينها، ومد الأرض وألقى فيها رواسي وأنبت فيها من كل شيء، وجعل فيها المعايش. فالكلام - كما ترى - على الله تعالى لا على الأرض ولكن قدم الأرض للاهتمام بها من بين ما ذكر، والحديث عنها من بين ما عدد فقال (والأرض مددناها .. إلخ) فإنه وإن كان الكلام في الأصل يدور على الله تعالى، وقدرته، خص الأرض بالاهتمام فقدمها، والكلام فيها قبل وبعد على الله تعالى، ولو رفع (الأرض) لكان الحديث يدور عنها والإسناد إليها والسياق غير ذلك. وإليك مثالا آخر يوضح ذلك، قوله تعالى ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ [الحجر: ٢٧]، بالنصب فلم يرفع؟ إن السياق يوضح ذلك. إن الكلام على الله تعالى وهو في سياق الآيات التي سردناها آنفا، قال تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، قال يإبليس مالك ألا تكون مع الساجدين. قال لم اكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون، قال فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال رب فانظرني إلى يوم

стр. 517

يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم، قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين. قال هذا صراط على مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين﴾ [الحجر: ٢٦ - ٤٢]. فالكلام على الله تعالى وخلقه، لكنه أراد أن يفرد الجان بحديث، فقدمه وأعاد عليه الضمير للكلام عليه، وقد تقول: ولم لم يقدم الإنسان، وقد ذكر الإنسان أيضا؟ والجواب أنه وإن ذكر الإنسان فإن مدار الحديث في هذه الآيات عن الجن فالكلام على إبليس ومجادلته ربه. فأنت ترى أنه قدم الأرض في الآيات الأول، لأن الحديث عليها أهم، وقدم الجان لأن القصد يتعلق بذكرهم. وإليك مثالا آخر، قال تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون﴾ [النحل: ٥]، فإنه نصب (الأنعام) ول يرفعها، والسياق يوضح سبب ذلك قال تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون﴾ [النحل: ٣ - ٨]، فأنت ترى أن الكلام على الله تعالى، ولكنه قدم الانعام للاهتمام بها، والحديث عنها من بين ما ذكر، فقد ذكر خلقه السماوات والأرض والإنسان، والأنعام، والخيل، والبغال، والحمير، ولكن أكثر الحديث في هذه الآيات عن الأنعام، فقدمها للحديث عنها والاهتام بها في هذا المجال. وقال تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣]، فنصب (كل) ولم يرفعها وذلك لأن الكلام إنما هو على الله، وقدم (كل إنسان) للاهتمام، وهذا سياق الآيات يوضح ذلك: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا. وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا﴾ [الإسراء: ١٢ - ١٣].

стр. 518

في حين قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بها رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين﴾ [النور: ٢ - ٣]. فرفع، لأن الكلام على الزاني والزانية. ومثله قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾ [المائدة: ٣٨]، لأن الكلام عليهما. وقال: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، برفع الشعراء لأن الكلام عليهم ولو نصب لكان الكلام على الغاوين والسياق يوضح ذلك قال تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون. وانهم يقولون ما لا يفعلون. إلا الذين أمنوا وعلموا الصالحات﴾ [الشعراء: ٢٢٤ - ٢٢٧]. وقال تعالى: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ [الرحمن: ٥٥]، فنصب السماء لأن الكلام على الله تعالى فبدأ السورة بقوله: ﴿الرحمن. علم القرآن، خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان، والنجم والشجر يسجدان، والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان، والأرض وضعها للأنام، فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام. والحب ذو العصف والريحان﴾ [الرحمن: ١ - ١٢]. فالكلا على الله، الرحمن الخالق، لا على السماء والأرض، ولكن قدمهما للاهتمام بهما. وقال تعالى: ﴿والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ فنصب لأن الكلام على الله تعالى، المجازي، المحسن بالاحسان، والمسيء بالإساءة، قال تعالى: ﴿نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا، إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما. يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ [الإنسان: ٢٨ - ٣١].

стр. 519

وقال (والأرض بعد ذلك دحاها) بالنصب لأن الكلام على الله تعالى قال تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسوها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها، أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها، متاعا لكم ولأنعامكم﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣]. فالكلام على الله ونعمه، من خلق السماء ودحو الأرض، وإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال. وأظن أنه اتضح الفرق بين المشغول عنه والمبتدأ اتضاحا لاغموض فيه. ٢ - وينصب الاسم إذا خيف في الرفع أن يلتبس الفعل بالصفة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر﴾ [القمر: ٤٩] قال السيرافي ما ملخصه: " فإن قال قائل: قد زعمتم أن نحو: (إني زيد كلمته) الاختيار فيه الرفع، لأن الجملة في موضع الخبر، فلم اختير النصب في (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وكلام الله تعالى أولى بالاختيار؟ فالجواب أن في النصب هنا دلالة على معنى ليس في الرفع، فإن التقدير على النصب أنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر، فهو يوجب العموم، وإذا رفع فليس فيه عموم إذ يجوز أن يكون (خلقناه) نعتا لشيء، وبقدر خبرا لكل، ولا يكون فيه دلالة على خلق الأشياء كلها، بل إنما يدل على أن ما خلقه منها، خلقه بقدر (١). وإيضاح ذلك أن رفع (كل) يدل على معنيين: أما أن يكون خلقناه خبرا عن كل فيكون المعنى: إنا خلقنا كل شيء بقدر، وإما أن يكون خلقناه صفة لكل، والخبر بقدر فيكون المعنى: كل شيء مخلوق لنا، بقدر، ومقتضي ذلك أن هناك خالقا مع الله سبحانه فما خلقه الله خلقه بقدر، وما خلقه غيره قد يكون ليس مخلوقا بقدر، تعالى الله عن ذلك.

стр. 520

ونحوه أن نقول (كل رجل أكرمته هنا) فبالنصب يكون المعنى: أكرمت كل رجل هنا، وبالرفع له معنيان: أما أن يكون كمعنى النصب، والخبر (اكرمته)، وأما أن يكون المعنى: كل رجل مكرم من قبلي هنا، فالخبر (هنا) و (أكرمته) نعت، أي قد يكون في المكان رجال لم تكرهم ولكن كل من أكرمتهم هنا. قال الرضي: " إذا أردت أن تخبر أن كل واحد من مماليك اشتريته بعشرين دينارا وأنك لم تملك أحدا منه إلا بشرائك بهذا الثمن، فقتل (كل واحد من مماليكي اشتريته بعشرين دينارا) بنصب (كل) فهو نص في المعنى المقصود لأن التقدير اشتريت كل واحد من مماليكي بعشرين. وإما إن رفعت (كل) فيحتمل أن يكون (اشتريته) خبرا له، وقولك (بعشرين) متعلقا به، أي كل واحد منهم مشترى بعشرين وهو المعنى المقصود. ويحتمل أن يكون (اشتريته) صفة لـ (كل واحد)، وقولك (بعشرين) هو الخبر، أي كل من اشتريته من المماليك، فهو بعشرين. فالمبتدأ إذن على التقدير الأول أعم، لأن قولك: كل واحد من مماليكي عم من اشتريته ومن اشترى لك، ومن حصل لك منهم بغير المشتري، من وجوه التملكات والمبتدأ على الثاني لا يقع إلا على من اشتريته أنت. فرفعه إذن مطرق لاحتمال الوجه الثاني، الذي هو غير مقصود ومخالف للوجه الأول. إذ ربما يكون ذلك على الوجه الثاني، منهم من اشتراه لك غيرك بعشرين، أو بأقل منها، أو بأكثر، وربما يكون أيضا لك منهم جماعة بالهبة، والوراثة أو غير ذلك، وكل هذا خلاف مقصودك فالنصب إذن أولى لكونه نصا في المعنى المقصود، والرفع محتمل له ولغيره (١).

стр. 521

فالأمر بحسب المعنى، فإذا أردت التنصيص على أن الفعل ليس صفة نصبت المتقدم، وإذا أردت الاحتمال رفعت، كما أنه إذا أردت التنصيص على أن الفعل صفة رفعت الاسم المتقدم، وذلك كقوله تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾ [القمر: ٥٢]، جا في (معاني القرآن) للفراء: " وأما قوله وكل شيء فعلوه في الزبر، فلا يكون إلا رفعا لأن المعنى- والله أعلم - كل فعلهم في الزبر مكتوب، فهو مرفوع بفي (١). وفعلوه صلة لشيء، ولو كانت في صلة فعلوه في مثل هذا من الكلام، جاز رفع كل ونصبها كما تقول: وكل رجل ضربوه في الدار، فإن أردت ضربوا كل رجل في الدار رفعت ونصبت وأن أردت: وكل من ضربوه هو في الدار رفعت " (٢). وإيضاح ذلك أن المعنى لا يحتمل النصب، لأن في النصب يكون المعنى: (فعلوا كل شيء في الزبر) والمعنى ليس عليه، وإنما أن ما فعلوه مثبت في الزبر، فـ (فعلوه) صفة لشيء، و (في الزبر) خبر، والمعنى أن الشيء الذي فعلوه هو مثبت في الزبر، والنصب لا يؤدي هذا المعنى. وهذا القسم عند النحاة مما يترجح فيه النصب على الرفع (٣)، والصواب أن هذا القسم ليس مما يترجح فيه النصب على الرفع، وإنما هو بحسب القصد فإذا أردت التنصيص على أن الفعل ليس صفة نصبت وجوبا، كما مر قوله تعالى (إنا كل شيء خلقناه بقدر) ونحوه من الأمثلة، وإن أردت التنصيص على أنه صفة رفعت وجوبا، وكذلك إذا أردت احتمال الوجهين فهو ليس من باب الجواز، وإنا هو من باب الوجوب بحسب المعنى، كما أوضحت. ٣ - وقال قسم من النحاة أنه يختار الرفع في الاسم المنظور فيه إلى العموم، نحو قوله تعالى ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ [النور: ٢]، وقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨].

стр. 522

لشبهه بالشرط في العموم والبهام. ويختار النصب في الاسم المنظور فيه إلى الخصوص بالأمر، كزيدا أضربه لعدم مشابهته للشرط (١). جاء في (معاني القرآن) للفراء: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " مرفوعان بما عاد من ذكرهما. والنصب فيهما جائز كما يجوز: أزيد ضربته، وأزيدا ضربته، إنما تختار العرب الرفع في (السارق والسارقة) لأنهما غير موقتين فوجها توجيه الجزاء، كقولك، من سرق فاقطعوا يده فـ (من) لايكون إلا رفعا، ولو أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها، كان النصب وجه الكلام (٢). وجاء في (التفسير الكبير) للرازي: " اختيار الفراء أن الرفع اولى من النصب، لأن الألف واللام في قوله (والسارق والسارقة) يقومان مقام (الذي)، فصار التقدير: الذي سرق فاقطعوا يده، وعلى هذا التقدير حسن إدخال حرف الفاء على الخبر، لأنه صار جزاء، وأيضا النصب إنما يحسن إذا أردت سارقا بعينه أو سارقة بعينها، فأما إذا أردت توجيه هذا الجزاء على كل من أتى بهذا الفعل، فالرفع أولى، وهذا القول هو الذي اختاره الزجاج وهو المعتمد (٣). وإيضاح ذلك أن الاسم المرفوع هنا أشبه اسم الشرط في العموم، بدليل وقوع الفاء في خبره، وعند قسم من النحاة أنه لا يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها، ولا يفسر عاملا في الاشتغال (٤). وعند بعضهم أنه لا يعمل الجواب في الشرط (٥)، فإذا أردت به التعيين جئت به منصوبا، فالسارق في النصب معلوم، أي من قد سرق في حين أن الرفع يدل على شبهه بالشرط فهو سار على كل سارق.

стр. 523

وعلى مقتضى هذا ينبغي أن تقول (الضيف أكرمه) بالنصب إذا كان الضيف معينا، والضيف أكرمه، بالرفع إذا كان الضيف غير معين، أي لا يراد به ضيف مخصوص، وأن تقول (العالم احترمه) إذا كان عالما معينا من بين العلماء، والعالم احترمه إذا لم يكن عالما معينا، بل كل من اتسم بسمة العلم. وأرى أن في هذا نظرا فإنه لا يح أن تقول بالرفع والنصب للمعلوم وغير المعلوم فإنك تقول (أكرم الضيف) سواء كان ضيفا معينا، أم غير معين، فقد يكون القول للتعليم والتوجيه، ونحوه (احترم العالم) وهذا هو تقدير الاشتغال عند النحاة: أكرم الضيف أكرمه، وأحترم العالم أحترمه. وإنما الأمر كما سبق أن أسلفنا في القاعدة العامة في الفرق بين الاشتغال والابتداء، إذا أردت الاخبار عن الاسم المتقدم والإسناد إليه رفعت، وإن لم ترد نصبت وقدمته للاهتمام. وأما الايتان فقد ذكرت الأمر فيهما، وهو إرادة الأخبار عن الاسمين المرفوعين، والله أعلم. وإما تعين العموم فبسبب الفاء الواقعة في الخبر لأنها اشبهت فاء الجزاء، والجزاء يراد به العموم وهو نظير قولك (الفائز فاعطه جائزة) والمعنى من يفز فأعطه جائزة، و (الفائز أعطه جائزة) وهو على معنيين، أما أن يكون كمعنى الأولى، وأما أن نقصد به فائزا معينا والفاء عينت قصد العموم. ونحوه أن تقول: الذي يدخل الدار فله مكافأة. الذي يدخل الدار له مكافأة. فبوجود الفاء تترتب المكافأة على دخول الدار، أي من يدخل الدار فله مكافأة فسبب المكافأة دخول الدار، فأشبه الموصول الشرط، وأريد به العموم.

стр. 524

وبغير الفاء تكون الجملة ذات احتمالين أما أن تكون كمعنى الأولى، وإما أن لا تترتب المكافأة على دخول الدار، وإنما هي لشخص معين يدخل الدار، فكأنك قلت: انظر إلى ذلك الذي يدخل الدار أن له مكافأة، فلم يعط الكافأة بسبب دخول الدار، وإنما أردت أن تعرفه للمخاطب بالصلة كما تقول (الذي يمسى رسب) فالرسوب لم يترتب على المشي ولا بسببه، فالذي عين قصد العموم هو الفاء وليس الرفع، ولو كان حق العام الرفع وحق الخاص النصب، لكان الراجح في قوله تعالى (والأنعام خلقها) الرفع لأنها ليست إنعاما خاصة، بل هي عموم الأنعام، ونحوه قوله تعالى ﴿وكل شيء فصلناه تفصيلا﴾ [الإسراء: ١٢]، وقوله: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾، وقوله: ﴿والظالمين أعد لهم عذابا أليما﴾ [الإنسان: ٣٢]، وقوله ﴿والجبال أرساها﴾ [النازعات: ٣٢]، فقد وردت كلها بالنصب وهي كلها للعموم. وكانت ينبغي النصب في قوله تعالى: ﴿النار وعدها الله الذين كفروا﴾ [الحج: ٧٢]، وقوله: ﴿جنات عدن يدخلونها﴾ [الرعد: ٢٣]، وقد وردتا بالرفع وهما معلومتان، وإنما الأمر كما ذكرت، والله أعلم.

стр. 525

التنازع ورد عن العرب نحو قولهم (حضر واستمع خالد) و (أعظمت وأكرمت عليا) ونحوه (أكرمني وأكرمت سالما) وهذا ما يسميه النحويون باب التنازع. وسبب تسميته بذلك أن النحاة رأوا أن العالمين يتنازعان معمولا واحدا كما يقولون. ففي الجملة طلب كل من الفعلين (حضر) و (استمع) الفاعل خالدا، ولما لا يمكن أن يكون الفعل بلا فاعل، كما أنه لا يمكن أن يكون الاسم فاعلا للفعلين معا، قالوا تنازع الفعلان على هذا الفعل كل منهما يطلبه. ومثل ذلك ما جاء في الجملة الثانية (أعظمت وأكرمت عليا) فكل من الفعلين أعظم وأكرم يطلب عليا والمعنى اعظمت عليا وأكرمت عليا. أما في الجملة الثانية فالمعنى أكرمني سالم، وأكرمت سالما، فأضمر الفاعل استغناء عنه بالمفعول، فالفعل الأول طالب للفاعل والثاني طالب للمفعول، ولا يمكن أن يكون سالم معمولا لهما لأنه لا ينبغي أن يكون فاعلا ومفعولا في آن واحد، أي مرفوعا ومنصوبا وهذا لا يكون. قال ابن يعيش: " اعلم أنك إذا ذكرت فعلين أو نحوهما من الأسماء العاملة، ووجهتهما إلى مفعول واحد نحو (ضربني وضربت زيدا) فأن كل واحد من الفعلين موجه إلى زيد من وجهة المعنى إذ كان فاعلا للاول، ومفعولا للثاني، ولم يجز أن يعملا فيه لأن الاسم الواحد لا يكون مرفوعا ومنصوبا في حال واحدة (١). من هذه الفكرة التي تقول أنه لا بد لكل فعل من فاعل، وأن المعمول لا يمكن ان يعمل فيه عاملان، ذهب النحاة إلى توجيه هذا الاسلوب توجيها خاصا، فقالوا أنه لا بد أن يكون من الفعلين عاملا فاضمروا وقدروا ما لم يكن مذكورا.

стр. 526

ثم أن النحاة انقسموا على قسمين: قسم ذهب إلى أن الأولى هو إعمال الأول لسبقه وهم الكوفيون، وقسم ذهب إلى أن الثاني أولى بالعمل لقربه من المعمول وهم البصريون. وأيضا لو أعلمت الأول في العطف نحو (جاء ورجع خالد) لفصلت بين العامل ومعموله بأجنبي، ولعطفت على الشيء، وقد بقيت منه بقية، أي عطفت على بعض الجملة قبل أن تتم، وكلاهما خلاف الأصل (١). وأجمعوا على جواز إعمال أيهما شئت، ولكن الاختلاف في الأولى منها (٢)، فإن أعملت الأول أضمرت في الثاني كل ما يحتاج إليه من مرفوع، ومنصوب، ومجرور، وإذا أعملت الثاني أضمرت في الأول المرفوع، والمنصوب: العمدة، ولا يضمر غير ذلك (٣)، تقول: (قام وقعدا المحمدان) على إعمال الأول في الاسم الظاهر والثاني في ضميره، أي قام المحمدان وقعدا. وتقول: (قاما وقعدا المحمدان) على إعمال الثاني، فأضمرت في الأول الفاعل. قال الشاعر: جفوني ولم أجف الإخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وقال: هوينني وهويت الغانيات إلى ... أن شبت فانصرفت عنهن آمالي على أعمال الثاني في الاسم الظاهر والأول في الضمير (٤).

стр. 527

وكلهم يجيز (قام وقعد المحمدان) بإفراد الفعلين على إضمار فاعل الفعل الأول على رأي سيبويه والبصريين وتقديره مفردا، وهو ضعيف عندهم، أو حذف الفاعل الول على رأي الكسائي، أو جعل الفاعل للفعلين معا على رأي الفراء (١). قال الشاعر: تعفق بالأرض لها وأرداها ... رجال فبذت نبلهم وكليب وتقول: (أكرمت وأعظمته سعيدا) بأعمال الأول في الاسم الظاهر وقد أضمرت في الثاني ما يحتاجه كأنك قلت: أكرمت سعيدا وأعظمته. وتقول: أكرمني وأكرمته سعيد، على أعمال الأول في الاسم الظاهر، وتسليط الثاني على ضميره على معنى (أكرمني سعيد وأكرمته). وتقول: (اكرمني وأكرمت سعيدا) على اعمال الثاني في الاسم الظاهر، والفاعل مضمر في الأول. قال الفرزدق: ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم وقال طفيل الغنوي: وكمتا مدماة كأن متونها ... رى فوقها واستشعرت لون مذهب وقال رجل من باهلة: ولقد أرى تغن به سيفانة ... تصبي الحليم ومثلها أصباه

стр. 528

قال سيبويه: " فالفعل الأول في كل هذا معمل في المعنى غير معمل في اللفظ والآخر معمل في اللفظ والمعنى" (١). ومن أعمال الأول قول عمر بن أبي ربيعة: إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخل فاستاكت به عود اسحل وقول المرار الأسدي فرد على الفؤاد هوى عميدا ... وسوئل لو يبين لنا السؤال وقد نغني بها ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخدالا (٢) فأعمل الأول في الاسم الظاهر، واضمر في الثاني. وإعمال الثاني هو الأولى عند الجمهور، وبه ورد القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ [] الكهف: ٦٩، لو أعمل الأول لقال (افرغه عليه (٣))، قال سيبويه: " وقد يجوز (ضربت وضربني زيدا). ومثل ذلك في الجواز (ضربني وضربت قومك) والوجه أن تقول (ضربوني وضربت قومك) فتحمله على الآخر" (٤). يتضح من هذا أن لك أن تعمل الأول، أو الثاني ولكن الاختلاف في الأولى منهما، ونحن هنا لا يعنينا العمل، أو أن هناك تنازعا حقا، وإنما يعنينا هذا الإسلوب ومعناه. إننا لا نعتقد أن تعبيرا ههنا أولى من تعبير، وإنما هو بحسب القصد والمعنى، والراجح فيما نرى أنه ينبغي أن ينظر إلى هذا الإسلوب في ضوء قاعدتين.

стр. 529

١ - ما أعملته في الاسم الظاهر أهم عندك مما أعملته في ضميره، لأن الاسم الظاهر أقوى من الضمير. ٢ - ما ذكرته وصرحت به أهم مما حذفته. وإيضاح ذلك أنك تقول (أغضبت واهنت سعيدا) و (أغضبت وأهنته سعيدا) والفرق بينهما، أن الاهتمام في التعبير الأول بالإهانة، ولذا جعلت لها الاسم وحذفت مفعول الأول، وأما في قولك (أغضتب وأهنته سعيدا) فإن الاهتمام فيه بالاغضاب لأنك أعملته في الاسم الظاهر، وأما الإهانة فقد أعملتها في ضميره، والاسم الظاهر أقوى من الضمير (١). قال تعالى في السد الذي صنعه ذو القرنين ﴿آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ [الكهف: ٩٦]. فإن الاهتمام بالافراغ أكبر من الايتاء، فأن المقصد من الايتاء بالقطر هو إفراغه، فأعمل الافراغ في صريح اللفط لأنه هو المقصود، فجعل (القطر) معمولا للإفراغ ولو جعله للاول لقال (آتوني أفرغه عليه قطرا). وقال في أصحاب اليمين: ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩]، جعل (الكتاب) مفعولا ولم يجعله لاسم الفعل لأن القراءة والاطلاع على الكتاب أهم من مجرد المناولة، لأن فيه فلاحة وفوزه، أما المناولة فلقصد القراءة وإطلاعهم عليه. ولو أعمل المناولة فيه لقال (هاؤم اقرؤوه كتابيه) فيكون عند ذلك أعمل المناولة في الظاهر والقراءة في الضمير وهو خلاف المقصود. وتقول: (حضروا واستمع الرجال) فالاهتمام ههنا بالاستماع لأنك أسندته إلى الاسم الظاهر، أما الحضور فقد أسندته إلى الضمير، والظاهر أقوى من الضمير، ولو قلت (حضروا واستمعوا الرجال) لكان اهتمامك بالحضور أشد وكنت بشأنه أعني.

стр. 530

وتقول أيضا (حضر واستمع الرجال) بإفراد الفعلين على ضعف في رأي الجمهور، ومعناه على مقتضى البصرين كمعنى (حضروا واستمع الرجال) لأن الأول أعملته في الضمير المفرد، والثاني أعملته في الاسم الظاهر. والذي يبدو لي أن اهتمام المتكلم بالحدثين سواء من حيث الاسناد مختلف من حيث التقديم والتأخير، فإنك تقدم حدثا آخر لملحظ معين، فقد يكون ذلك لتقده في الزمن، أو السبب أو الرتبة، او غير ذلك تقول (استيقظ وأفطر المسافرون) فالاستيقاظ مقدم على الافطار لأنه قبله في الزمن، وتقول: (أقبل ليدرس الطلاب) فالاقبال مقدم على الدرس لأنه سبب له، ونحوه (رسب فبكى الطالبان) فالرسوب سبب البكاء وهو قبله. وتقول: (اغتاب وبهت المتحدثون) فقدت الغيبة على البهتان، بادئا بما هو أقل وزرا وأهون ذنبا ونحو (همزونم الرجلان) أو لغير ذلك، من الملاحظ والأغراض. وتقول: (أكرمني وأكرمت محمدًا) و (أكرمت وأكرمني محمدٌ) فما ذكرته وصرحت به أهم عندك مما حذفته ودللت عليه بالآخر، وإيضاح ذلك أنك في الأولى ذكرت نفسك وذكرت الشخص الذي أكرمته صريحا ظاهرا فأخبارك عن إكرامك محمدا أهم عندك من إكرام محمد لك، ولذا سترت فاعل من أكرمك وأظهرت نفسك وأما الثاني فبالعكس، فإن العناية بمن اكرمك، لا بمن أكرمته، ولذا أظهرت مفعول اكرامه، وحذفت مفعول اكرامك. جاء في (دلائل الإعجاز): " فانظر إلى بيت البحتري: قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا المعنى: قد طلبا لك مثلا ثم حذف لأن ذكره في الثاني يدل عليه، ثم إن في المجيء به كذلك من الحسن والمزية والمروعة ما لا يخفيى، ولو أنه قال: طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده، لم تر من هذا الحسن الذي تراه شيئا.
следующие страницы →