← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ثم أن النحاة انقسموا على قسمين: قسم ذهب إلى أن الأولى هو إعمال الأول لسبقه وهم الكوفيون، وقسم ذهب إلى أن الثاني أولى بالعمل لقربه من المعمول وهم البصريون. وأيضا لو أعلمت الأول في العطف نحو (جاء ورجع خالد) لفصلت بين العامل ومعموله بأجنبي، ولعطفت على الشيء، وقد بقيت منه بقية، أي عطفت على بعض الجملة قبل أن تتم، وكلاهما خلاف الأصل (١). وأجمعوا على جواز إعمال أيهما شئت، ولكن الاختلاف في الأولى منها (٢)، فإن أعملت الأول أضمرت في الثاني كل ما يحتاج إليه من مرفوع، ومنصوب، ومجرور، وإذا أعملت الثاني أضمرت في الأول المرفوع، والمنصوب: العمدة، ولا يضمر غير ذلك (٣)، تقول: (قام وقعدا المحمدان) على إعمال الأول في الاسم الظاهر والثاني في ضميره، أي قام المحمدان وقعدا. وتقول: (قاما وقعدا المحمدان) على إعمال الثاني، فأضمرت في الأول الفاعل. قال الشاعر: جفوني ولم أجف الإخلاء إنني ... لغير جميل من خليلي مهمل وقال: هوينني وهويت الغانيات إلى ... أن شبت فانصرفت عنهن آمالي على أعمال الثاني في الاسم الظاهر والأول في الضمير (٤).

стр. 527

وكلهم يجيز (قام وقعد المحمدان) بإفراد الفعلين على إضمار فاعل الفعل الأول على رأي سيبويه والبصريين وتقديره مفردا، وهو ضعيف عندهم، أو حذف الفاعل الول على رأي الكسائي، أو جعل الفاعل للفعلين معا على رأي الفراء (١). قال الشاعر: تعفق بالأرض لها وأرداها ... رجال فبذت نبلهم وكليب وتقول: (أكرمت وأعظمته سعيدا) بأعمال الأول في الاسم الظاهر وقد أضمرت في الثاني ما يحتاجه كأنك قلت: أكرمت سعيدا وأعظمته. وتقول: أكرمني وأكرمته سعيد، على أعمال الأول في الاسم الظاهر، وتسليط الثاني على ضميره على معنى (أكرمني سعيد وأكرمته). وتقول: (اكرمني وأكرمت سعيدا) على اعمال الثاني في الاسم الظاهر، والفاعل مضمر في الأول. قال الفرزدق: ولكن نصفا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمس من مناف وهاشم وقال طفيل الغنوي: وكمتا مدماة كأن متونها ... رى فوقها واستشعرت لون مذهب وقال رجل من باهلة: ولقد أرى تغن به سيفانة ... تصبي الحليم ومثلها أصباه

стр. 528

قال سيبويه: " فالفعل الأول في كل هذا معمل في المعنى غير معمل في اللفظ والآخر معمل في اللفظ والمعنى" (١). ومن أعمال الأول قول عمر بن أبي ربيعة: إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخل فاستاكت به عود اسحل وقول المرار الأسدي فرد على الفؤاد هوى عميدا ... وسوئل لو يبين لنا السؤال وقد نغني بها ونرى عصورا ... بها يقتدننا الخرد الخدالا (٢) فأعمل الأول في الاسم الظاهر، واضمر في الثاني. وإعمال الثاني هو الأولى عند الجمهور، وبه ورد القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ [] الكهف: ٦٩، لو أعمل الأول لقال (افرغه عليه (٣))، قال سيبويه: " وقد يجوز (ضربت وضربني زيدا). ومثل ذلك في الجواز (ضربني وضربت قومك) والوجه أن تقول (ضربوني وضربت قومك) فتحمله على الآخر" (٤). يتضح من هذا أن لك أن تعمل الأول، أو الثاني ولكن الاختلاف في الأولى منهما، ونحن هنا لا يعنينا العمل، أو أن هناك تنازعا حقا، وإنما يعنينا هذا الإسلوب ومعناه. إننا لا نعتقد أن تعبيرا ههنا أولى من تعبير، وإنما هو بحسب القصد والمعنى، والراجح فيما نرى أنه ينبغي أن ينظر إلى هذا الإسلوب في ضوء قاعدتين.

стр. 529

١ - ما أعملته في الاسم الظاهر أهم عندك مما أعملته في ضميره، لأن الاسم الظاهر أقوى من الضمير. ٢ - ما ذكرته وصرحت به أهم مما حذفته. وإيضاح ذلك أنك تقول (أغضبت واهنت سعيدا) و (أغضبت وأهنته سعيدا) والفرق بينهما، أن الاهتمام في التعبير الأول بالإهانة، ولذا جعلت لها الاسم وحذفت مفعول الأول، وأما في قولك (أغضتب وأهنته سعيدا) فإن الاهتمام فيه بالاغضاب لأنك أعملته في الاسم الظاهر، وأما الإهانة فقد أعملتها في ضميره، والاسم الظاهر أقوى من الضمير (١). قال تعالى في السد الذي صنعه ذو القرنين ﴿آتوني أفرغ عليه قطرا﴾ [الكهف: ٩٦]. فإن الاهتمام بالافراغ أكبر من الايتاء، فأن المقصد من الايتاء بالقطر هو إفراغه، فأعمل الافراغ في صريح اللفط لأنه هو المقصود، فجعل (القطر) معمولا للإفراغ ولو جعله للاول لقال (آتوني أفرغه عليه قطرا). وقال في أصحاب اليمين: ﴿هاؤم اقرءوا كتابيه﴾ [الحاقة: ١٩]، جعل (الكتاب) مفعولا ولم يجعله لاسم الفعل لأن القراءة والاطلاع على الكتاب أهم من مجرد المناولة، لأن فيه فلاحة وفوزه، أما المناولة فلقصد القراءة وإطلاعهم عليه. ولو أعمل المناولة فيه لقال (هاؤم اقرؤوه كتابيه) فيكون عند ذلك أعمل المناولة في الظاهر والقراءة في الضمير وهو خلاف المقصود. وتقول: (حضروا واستمع الرجال) فالاهتمام ههنا بالاستماع لأنك أسندته إلى الاسم الظاهر، أما الحضور فقد أسندته إلى الضمير، والظاهر أقوى من الضمير، ولو قلت (حضروا واستمعوا الرجال) لكان اهتمامك بالحضور أشد وكنت بشأنه أعني.

стр. 530

وتقول أيضا (حضر واستمع الرجال) بإفراد الفعلين على ضعف في رأي الجمهور، ومعناه على مقتضى البصرين كمعنى (حضروا واستمع الرجال) لأن الأول أعملته في الضمير المفرد، والثاني أعملته في الاسم الظاهر. والذي يبدو لي أن اهتمام المتكلم بالحدثين سواء من حيث الاسناد مختلف من حيث التقديم والتأخير، فإنك تقدم حدثا آخر لملحظ معين، فقد يكون ذلك لتقده في الزمن، أو السبب أو الرتبة، او غير ذلك تقول (استيقظ وأفطر المسافرون) فالاستيقاظ مقدم على الافطار لأنه قبله في الزمن، وتقول: (أقبل ليدرس الطلاب) فالاقبال مقدم على الدرس لأنه سبب له، ونحوه (رسب فبكى الطالبان) فالرسوب سبب البكاء وهو قبله. وتقول: (اغتاب وبهت المتحدثون) فقدت الغيبة على البهتان، بادئا بما هو أقل وزرا وأهون ذنبا ونحو (همزونم الرجلان) أو لغير ذلك، من الملاحظ والأغراض. وتقول: (أكرمني وأكرمت محمدًا) و (أكرمت وأكرمني محمدٌ) فما ذكرته وصرحت به أهم عندك مما حذفته ودللت عليه بالآخر، وإيضاح ذلك أنك في الأولى ذكرت نفسك وذكرت الشخص الذي أكرمته صريحا ظاهرا فأخبارك عن إكرامك محمدا أهم عندك من إكرام محمد لك، ولذا سترت فاعل من أكرمك وأظهرت نفسك وأما الثاني فبالعكس، فإن العناية بمن اكرمك، لا بمن أكرمته، ولذا أظهرت مفعول اكرامه، وحذفت مفعول اكرامك. جاء في (دلائل الإعجاز): " فانظر إلى بيت البحتري: قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ ... دد والمجد والمكارم مثلا المعنى: قد طلبا لك مثلا ثم حذف لأن ذكره في الثاني يدل عليه، ثم إن في المجيء به كذلك من الحسن والمزية والمروعة ما لا يخفيى، ولو أنه قال: طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده، لم تر من هذا الحسن الذي تراه شيئا.

стр. 531

وسبب ذلك أن الذي هو الأصل في المدح والغرض بالحقيقة، هو نفي الوجود عن المثل فأما الطلب فكالشيء يذكر ليبني عليه الغرض، ويؤكد به أمره. وإذا كان هذا كذلك فلو أنه قال: قد طلبنا لك في السؤدد والمجد والمكارم مثلا فلم نجده، لكان يكون قد ترك أن يوقع نفي الوجود على صريح لفظ المثل، وأوقعه على ضميره ولن تبلغ الكناية مبلغ الصريح أبدًا. وإذا قد عرفت هذا فإن هذا المعنى بعينه قد أوجب في بيت ذي الرمة أن يضع اللفظ على عكس ما وضعه البحتري، فيعمل الأول من الفعلين، وذلك قوله: ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيما أن يكون اصاب مالا أعمل (لم أمدح) الذي هو الأول في صريح لفظ (اللئيم) وأرضى الذي هو الثاني في ضميره، وذلك لأن إيقاع نفي المدح عن اللئيم صريحا والمجيء به مكشوفا ظاهرا هو الواجب من حيث كان أصل الغرض، وكان الارضاء تعليلا له. ولو أنه قال: ولم أمدح لأرضى بشعري لئيما لكان يكون قد أبهم الأمر فيما هو الأصل، وأبانه فيما ليس بالأصل. فاعرفه. ولهذا الذي ذكرنا من أن للتصريح عملا لا يكون مثل ذلك العمل للكناية، كان لإعادة اللفظ في مثل قوله تعالى: ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل﴾ [الإسراء: ١٠٥]، وقوله ﴿قل هو الله أحد. الله الصمد﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]، من الحسن والبهجة ومن الفخامة والنبل ما لا يخفى موضعه على بصير، وكان لو ترك فيه الإضهار إلى الإضمار، فقيل: وبالحق أنزلناه وبه نزل وقل هو الله هو الصمد، لعدمت الذي أنت واجده الآن (١).

стр. 532

المفعول المطلق سمى المفعول المطلق بذلك لأنه مطلق القيود، أي غير مقيد، بخلاف المفعولات الأخرى، فإنها مقيدة بحروف الجر ونحوها، فالمفعول به مقيد بالباء، أي الذي فعل به فعل، والمفعول فيه مقيد بفي، أي الذي حصل فيه الفعل، والمفعول معه مقيد بالمصاحبة، والمفعول له أي الذي فعل لأجله الفعل، أما المفعول المطلق فهو غير مقيد، بخلاف غيره من المفعولات. قال ابن عقيل: " وسمي مفعولا مطلقا لصدق المفعول عليه، غير مقيد بحرف جر، ونحوه، بخلاف غيره من المفعولات، فإنه لا يقع عليه اسم المفعول إلا مقيدا كالمفعول به، والمفعول فيه، والمفعول معه، والمفعول له (١) ". وهو الفعول الحقيقي الذي أحدثه الفاعل، فإذا قلت (مشى محمد) دل ذلك على أن المشي أحدثه محمد، وأنه مفعول له، فأن قلت (مشيا) فقد ذكرت المصدر الذي دل عليه الفعل. قال ابن يعيش، أعلم أن المصدر هو المفعول الحقيقي لأن الفاعل يحدثه ويخرجه من العدم إلى الوجود، وصيغة الفعل تدل عليه، والأفعال كلها متعدية إليه، سواء كان يتعدى الفاعل او لم يتعده، نحو ضربت زيدا ضربا وقام زيدا قياما، وليس كذلك غيره من المفعولين ألا ترى أن زيدا من قولك: ضربت زيدا ليس مفعولا لك على الحقيقة، وإنما هو مفعول الله سبحانه، وإنما قيل له مفعول على المعنى، أن فعلك وقع به (٢) ". أنواعه: ذهب النحاة إلى أن أنواع المفعول المطلق ثلاثة:

стр. 533

١ - المؤكد لعامله. ٢ - المبين لنوعه. ٣ - المبين لعدده (١). ١ - المؤكد لعامله: يسمى النحاة المفعول المطلق في نحو (قمت بالأر قيامًا) مؤكدًا لعامله. والعامل هنا الفعل. والحقيقة أنه في نحو هذا مؤكد لمصدر الفعل لا للفعل، لأن الفعل ما دل على حدث مقترن بزمن، أما المصدر فهو الحدث المجرد، فعندنا تقول: (قمت قياما) تكون قد أكدت الحدث وحده، ولم تؤكد الحدث والزمن جميعا، فالمتكلم قد يحتاج إلى توكيد الفعل كله فيكرره فيقول قام قام محمد، فيكون قد آكد الحدث والزمن، وقد يحتاج إلى توكيد الحدث فقط يقول: قام محمدا قياما، وقد يؤكد الزمن الذي تضمنه الفعل دون الحدث فيأتي بالظرف المؤكد فيقول (قام محمد حينا) فـ (حينا) مؤكد للزمن الذي تضمنه الفعل (قام)، لأن القيام لابد أن يكون في حين، ونحو قوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، لأن الإسراء لا يكون إلا في الليل. فهذا القسم من المفعول المطلق إذن مؤكد لمصدر عامله سواء، كان فعلا أم وصفا نحو (محمد قائم قياما)، فالمفعول المطلق مؤكد لمصدر الوصف، لا للوصف الذي يدل على الحدث والذات، ولو أردت توكيد الوصف لقلت (محمد قائم قائم)، ولا يؤكد إلا إذا كان مصدرا نحو عجبت من ضربك خالدا ضربا. قال الرضي: " المراد بتأكيد المصدر الذي هو مضمون الفعل بلا زيادة شيء عليه من وصف أو عدد وهو في الحقيقة تأكيد لذلك المصدر المضمون، لكنهم سموه تأكيدا للفعل توسعًا، فقولك (ضربت) بمعنى أحدثت ضربا، فلما ذكرت بعده (ضربا) صار بمنزلة قولك: أحدثت ضربا ضربا.

стр. 534

فظهر أنه تأكيد للمصدر المضمون وحده، لا للاخبار والزمان اللذذين تضمنها الفعل (١). وذهب بعضهم إلى أن المصدر المؤكد " عوض عن تكرار الفعل مرتين. فقولك (ضربت ضربا) بمنزلة قولك (ضربت ضربت) ثم عدلوا من ذلك، واعتاضوا عن الجملة بالمفرد" (٢). وهذا ليس بسديد ولو كان أمر كذلك لألغى التوكيد اللفظي. أن العرب قد تكرر الفعل مرتين إذا أردت ذلك وقد تأتي بالمصدر المؤكد، إذا أرادت فهذا تعبير وذاك تعبير، وكل يؤدي غرضا ومعنى. أن ثمة فرقا في المعنى بين قولنا (تحدث تحدث محمد) و (تحدث محمد تحدثا) فإن قولنا (تحدث تحدث محمد) إنما كرر الفعل فيه لأن المتكلم قد يظن أن المخاطب لم يسمع الكلمة الأولى. أو انصرف ذهنه إلى فعل آخر فتعيد له الكلمة لتزيل ذلك عنه، أما قولنا (تحدث محمد تحدثا) فلإزالة الوهم من أن الفاعل لم يفعل ذلك، وإنما فعل ملازمه او فعلا قريبا منه، فإذا قلت مثلا (ركض الرجل) فقد ينصرف الذهن إلى أنه أسرع في المشي وقد جعلت المشي ركضا تجوزا، فإذا قلت: (ركضا) فقد أزلت التجوز الذي قد ينصرف إليه ذهن السامع. وقررت أنه قام بالحدث حقا. ٢ - المبين للنوع. ويقصد به المبين لنوع العامل نحو انطلقت انطلاقا سريعا، وانطلاق السهم. وادرجوا تحت هذا القسم ما ينوب عن المصدر من كلية المصدر، وبعضيته، ونوعه وصفته، وهيئته، ومرادفه، وضميره، والإشارة إليه، ووقعته وآلته، وعدده، ونحوها (٣).

стр. 535

٣ - المبين للعدد: ويقصد به عدد العامل سواء كان العدد معلومًا، أو مبهما، فالأولى نحو: ضربته ضربتين والثاني نحو ضربته ضربات. وفي هذا التقسيم نظر - فيما نرى - لأنه لم يستوف أقسام المفعول المطلق، أولا، ولأنه لو اقتصرنا على هذه الأقسام لأوقعنا ذلك في إشكالات لا مفر منها. من ذلك على سبيل المثال قولهم: (أنت ابني حقا) و (له على الف دينار اعترافا) فهذا في أي قسم من الأقسام التي ذكرها النحاة يدرج؟ أهو يدرج في المؤكد لعامله، وهذا لا يمكن، لأن حذف عامل المؤكد ممتنع كما يقول النحاة، وهو ليس مبينا للنوع ولا للعدد. وقد جعل النحاة هذا من المؤكد لنفسه، أو المؤكد لغيره، أفالمؤكد لنفسه أو لغيره غير المؤكد لعامله، أم هو نفسه؟ فإن كان غيره كان صنفا آخر، وإن كان إياه نفسه، فقد انتقض الحكم القائل بعدم جواز حذف عامل المؤكد. ونحو قولهم: خالد سيرا، وخالدا سيرا سيرا، مما لا يصح أن يكون المصدر فيه خبرا عن المبتدأ، وهو ما قال فيه ابن مالك: كذا مكرر وذو حصر ورد ... نائب فعل لاسم عين استند فهم يقولون إننا إذا كررنا المصدر في نحو هذا، كان الحذف واجبا وإن لم نكرره كان الحذف جائزا، ففي قولنا (خالد سيرا) يكون ذكر العامل وحذفه جائزين، فأصل خالد سيرا، هو خالد يسير سيرا، ولكنا لو قلنا لأحد من المنتسبين إلى هذا العلم: أحذف العامل يسير، من هذا الجملة لقال لنا، هذا متنع لأنه لا يجوز حذف عامل المؤكد، وهذا تناقض - كما ترى - فهو يقولون: هو جائز الحذف وهم يمنعون حذفه. فنحن أما أن نقول هذا قسم آخر، أو أن نبطل قاعدة عدم جواز حذف عامل المؤكد. وغير ذلك وغيره.

стр. 536

إن أقسام المفعول المطلق ثلاثة فيما أرى وهي: ١ - المفعول المطلق المؤكد. ٢ - المبين. ٣ - النائب عن الفعل. ١ - المفعول المطلق المؤكد ولا أعني به المؤكد لعامله فحسب، كما يقول النحاة بل هو اوسع من ذلك، فيه المؤكد لمصدر عامله كما ذكرت، نحو (انطلقت انطلاقا) ويدخل فيه غيره من المؤكد لمضمون الجملة، وهو ما يسميه النحاة المؤكد لنفسه، والمؤكد لغيره، نحو (أنت ابني حقا) ونحو قوله تعالى: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فإنه حين أمر بالتمتيع علم أن ذلك حق لهن، وأكد ذلك بقوله: ﴿حقا على المحسنين﴾. ونحو قوله: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١]، فإنه لما ذكر أن للمطلقات أن يمتعن بالمعروف، علم أن ذلك حق لهن وقد اكد مضمون الجملة بقوله: ﴿حقا على المتقين﴾ فهذا توكيد لمضمون الجملة، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان﴾ [التوبة: ١١١]، فلما ذكر ان الله ضمن للمجاهدين في سبيله الجنة، علم أن هذا وعد منه وقد اكد بقوله: ﴿وعدا عليه حقا﴾، ونحو قوله تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء﴾ [النمل: ٨٨]، فالجبال كما نعلم من صنع الله وأمد هذا الأمر بقوله: ﴿صنع الله﴾. ونحوه قوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، فلما ذكر أن النفس لا تموت إلا بإذن الله، علم أن ذلك بأجل منه، وقد أكده بقوله ﴿كتابا مؤجلا﴾ ونحوه قوله تعالى: ﴿آلم، غلبت الروم في أدنى الأرض

стр. 537

وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين﴾ [الروم: ١ - ٤]، فلما ذكر أنهم سيغلبون في بضع سنين، علم أن هذا وعد منه وقد أكده بقوله: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده﴾ [الروم: ٦]، ونحوه. قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك .. ﴾ [النساء: ١١]، فعلم بهذا أن هذا فرض افترضه علينا في المواريث وقد أكده بقوله: ﴿فريضة من الله﴾. فهذه وأمثالها مؤكدة لمضمون الجملة، وليست مؤكدة لعاملها، إذ لو كانت مؤكدة لعاملها ما جاز حذفه، لأن حذف عامل المؤكد ممتنع عند النحاة. فهذا إذن ليس مؤكدا لعامله، ولا مبينا للنوع، ولا للعدد، وإنما هو قسم برأسه يفيد التوكيد والمصدر المؤكد على هذا هو كل مصدر فضلة غير تابع، دل على معنى ما تقدمه من مفرد أو جملة. ٢ - المبين: قسم النحاة المصدر المبين إلى مصدر مبين لنوع عامله، ومبين لعدده، كما ذكرنا. والحق أن التبيين، لايختص بهذين القسمين، بل يكون مبينا لهما ولغيرهما، فقد يكون المصدر مبينا للنوع والعدد، وقد يكون مبينا للمقدار ايضا، وإن كثيرا مما أدرجه النحاة في المبين للنوع ليس كذلك، وإنما هو مبين للمقدار. فمن المبين للمقدار قولنا (أنا لا أظلمك ذرة من الظلم أو مثقالا من الظلم) فهذا بيان للوزن وهو تعبير مجازي، فإن المصدر لا يوزن، وإنما يقصد به بيان المقدار، ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء: ٤٠]، وذلك أن المعنى يحتمل أن يكون المراد: لا يظلم مثقال ذرة من العمل أو نحو ذلك، فإذا كان المثقال يعود على الظلم كان إعرابه مفعولا مطلقا، وإذا لم يعد على المصدر كان مفعولا به.

стр. 538

فإذا كان بالمعنى الأول كان المفعول المطلق مبينا للمقدار، وليس مبينا للنوع، ولا العدد، ومنه قوله ﷺ : " سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته" فقوله: (رضا نفسه) ليس مبينا لنوع عامله المقدر، وهو (اسبح)، ولا لعدده، وإنما المعنى مقدار ذلك. ثم إن قوله (زنة عرشة) في أي قسم من الأقسام التي ذكرها النحاة يسلك؟ أنك إذا قلت (سبحان الله عدد الرمال وزنة الجبال) فهل يكون (زنة الجبال) مبينا لنوع العامل؟ إنه إذا كان قولك (عدد الرمال) مبينا لعدد العامل فإن قولك (وزنة الجبال) يكون مبينا لوزن العامل. ومن هذا القسم فيما أرى ما كان دالا على كلية المصدر، وبعضيته، نحو ضربته كل الضرب، وضربته بعض الضرب، وشيئا من الضرب، وجزءا منه ونصيبا منه) فهذا ليس مبينا لنوع الضرب، ولا لعدده، وإنما هو لبيان مقدار الضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾ [النساء: ٤٩]. فقوله (فتيلا) ليس مؤكدا لعامله، ولا مبينا لنوعه، ولا لعدده، بل المقصود أنهم لا يظلون ظلما وإن كان قليلا فهو مبين لمقدار العامل. إن النحاة يجعلون هذا من المبين للنوع، وأحسب أن في هذا بعدا فقولك (ضربت كل الضرب) يختلف عن قولك (ضربت ضربا شديدا مبرحا) فالأولى بيان لكمية الضرب، لا لنوعه، بخلاف الجملة الأخرى، فإنها مبينة لنوع الضرب، وكذلك لو قلت: (ضربت جزءا من الضرب أو نصيبا منه) فإنها مبينة لمقدار الضرب لا لنوعه. إن النحاة يلحون على تقسيمهم المذكور، ولا يحاولون أن يجدوا عنه معدلا، ولو كان فيه تعسف وبعد، ألا ترى أن بعض النحاة يجعل (العدد) من المبين للنوع ففي قوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤]، يجعل العدد (ثمانين) من المبين للنوع ولا يجعله نائبا عن المبين للعدد (١)، فأي تعسف أبعد من هذا؟

стр. 539

بل أنه لا داعي لذكر جزئيات المبين - فيما أرى - بل الأولى أن يكتفي بإطلاق التبيين فيقال: (المصدر المبين) فقد يكون المصدر مبينا للنوع، وقد يكون مبينا للعدد وقد يكون مبينا للمقدار، وقد يكون مبينا لغير ذلك، فإنه يبدو لي أن نيابة الآلة عن مصدر المفعول المطلق لا تدخل في بيان نوع الفعل ولا مقداره، فإذا قلت (طعنه سكينا)، و (ضربه سوطا) فهذا بيان لنوع الآلة التي استعملت في الفعل وليست بيانا لنوع الفعل: قد تثور شبهة في نفسك وهي أن الأمثلة التي ذكرتها آنفا كلها من باب النيابة عن المصدر وليست مصادر، وهذا لا يضير فإن النحاة يحددون انواع المفعول المطلق بهذه الأنواع الثلاثة سواء كان مصدرا أو نائبا عنه، ولا يخرج النائب عندهم عن الأنواع التي ذكروها في انواع المفعول المطلق كما هو موضح في كتب النحو. ٣ - النائب عن الفعل: وهو قسم مستقل برأسه، وليس مؤكدا او مبينا للنوع كما يذهب النحاة، وذلك نحو (إقداما يا سعيد) فإن معناه الأمر، أي أقدم، ولو قيل (إقدم إقداما يا سعيد) لم يفد المصدر معنى الأمر، وإنما يفيد التوكيد. أي حذف عالم مؤكد ممتنع عند النحاة قال ابن مالك: وحذف عامل المؤكد امتنع ... وفي سواه لدليل متسع قيل لأنه مسوق لتقوية عامله وتقرير معناه، والحذف ينافي ذلك (١). ومعنى التقوية تثبيت معناه في النفس لتكريره، والمقصود بتقرير المعنى رفع توهم المجاز عنه (٢)، أي يراد به معناه الحقيقي.

стр. 540

وقد ذهب ابن الناظم إلى أنه يجوز حذف عامل بعض المصدر المؤكد قال: يجوز حذف عامل المصدر إذا دل عليه دليل، كما يجوز حذف عامل المفعول به وغيره، ولا فرق بين أن يكون المصدر مؤكدا أو مبينا. والذي ذكره الشيخ ﵀ في هذا الكتاب، وفي غيره أن المصدر المؤكد لا يجوز حذف عامله. قال في (شرح الكافية) لأن المصدر المؤكد يقصد به تقوية عامله وتقرير معناه وحذف مناف لذلك فلم يجز، فإن أراد أن المصدر المؤكد يقصد به تقويه عامله وتقرير معناه دائما، فلا شك أن حذفه مناف لذلك القصد، ولكنه ممنوع ولا دليل عليه، وإن أراد أن المصدر المؤكد قد يقصد به التقوية والتقرير، وقد يقصد به مجرد التقرير، فمسلم، ولكن لا نسلم أن الحذف مناف لذلك القصد، لأنه جاز أن يقرر معنى العامل المذكور بتوكيده بالمصدر، لأن يجوز أن يقرر معنى العامل المحذوف لدلالة قرينة عليه. أحق وأولى. ولو لم يكن معنا ما يدفع هذا القياس لكان دفعه بالسماع كفاية فإنهم يحذفون عامل المؤكد حذفا جائزا، إذا كان خبرا عن اسم عين في غير تكرير، ولا حصر، نحو أنت أسيرا وميرا، وحذفا واجبا في مواضع يأتي ذكرها نحو سقيا، ورعيا، وحمدا، وشكرا، ولا كفرا (١). وقد رد ابن عقيل عليه بقوله إن نحو " ضربا زيدا، ليس من التأكيد في شيء، بل هو أمر خال من التأكيد بمثابة اضرب زيدا ... وكذلك جميع الأمثلة التي ذكرها ليست من باب التوكيد في شيء، لأن المصدر فيها نائب مناب العامل، دال على ما يدل عليه، وهو عوض عنه، ويدل على ذلك عدم جواز الجمع بينهما، ولا شيء من المؤكدات يمنع الجمع بينهما وبين المؤكد.

стр. 541

ومما يدل أيضا على أن (ضربا زيدا) ونحوه، ليست من المصدر المؤكد لعامله، أن المصدر لا خلاف في انه لا يعمل، واختلفوا في المصدر الواقع موقع الفعل (١). وجاء في (حاشية الخضري) ان نحو (ضربا زيدا) قسم برأسه، وليس مؤكدا " فالمصدر إما مؤكد، او نوعي أو عددي، أو بدل من فعله، ولا ضرر في زيادة ذلك" (٢). أن قول ابن الناظم أن المؤكد قد يقصد به التقوية والتقرير، فلا يحذف عامله، وقد يقصد به التقرير فقط، فيجوز عند ذاك حذف عامله فيه نظر، فمن يقول أن ((اعترافا)) في قولك (له علي دينار اعترافا) مثلا لا يراد به التقوية إذا ذهبنا أنه مؤكد لعامله، كما ذهب إليه ابن الناظم؟ وأن قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١]، لا يراد به تقوية العامل، وتقرير معناه، وأي دليل على ذلك؟ وكذلك قوله ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان﴾ [التوبة: ١١١]، فاخراج هذا من أن يراد به التقوية فيه نظر. وهذا عندنا من المؤكد لممضون الجملة - كما مر. أن قول ابن الناظم أنه قد يقصد بالمصدر المؤكد التقرير فقط مردود، يرده قوله تعالى ﴿ومكروا مكرا ومكرنا مكرا﴾ [النمل: ٥٠]، فهو لم يرفع المجاز، فإن قوله تعالى (مكرنا مكرا) مجاز. جاء في (البرهان): " قال ابن الدهان: ومما يدل على ان التأكيد لا يرفع المجاز قول الشاعر:

стр. 542

قرعت ظنابيب الهوى يوم عالج ... ويوم اللوى حتى قسرت الهوى قسرا قلت: وكذا قوله: ومكروا مكرا، ومكرنا مكرا (١). وجاء (حاشية الصبان): " وقوله، وتقرير معناه أي رفع توهم المجاز عنه لا يؤكد، نقله الزركشي، في البحر المحيط في الأصول ونقض بقوله (ومكرنا مكرا) وقول الشاعر: وعجبت عجيجا من جذام المطارف (٢) وأجيب بأنه يرفع فيما يحتمل الحقيقة والمجاز، كقتلت قتلا لا فيما هو مجاز لا غير، كذا في القسطلاني على البخاري، فالمتعين للمجاز يؤكد كما في الآية والبيت. فقولهم: المجاز لا يؤكد، ليس على إطلاقه (٣). أنه لابد من إضافة قسم آخر إلى ما ذكره النحاة وهو النائب عن الفعل، يختلف عنها في المعنى والحكم. إن النائب عن فعله يحذف عامله جوازا، ووجوبا عند النحاة، أما الؤكد فلا يجوز حذف عامله فنحو قولنا (إكراما الضيف) لا يجوز أن يكون مؤكدا لحذف فعله، فتعين أن يكون نائبا عن فعله وهو غير المؤكد. ما ينوب عن المصدر: ينوب عن المصدر ما يدل عليه نحو، كلية المصدر، وبعضيته، ونوعه، وصفته، وهيئته، ومرادفه، وضميره، والإشارة إليه، واسم المصدر، وملاقيه في الاشتقاق، وغيرها (٤).

стр. 543

وذلك لأداء معان لا يؤديها مصدر الفعل أحيانا. فقد يراد بالنيابة الدلالة على الكلية والجزئية نحو (فلا تميلوا كل الميل) [النساء: ١٢٩]، (ضربته بعض الضرب)، ويسير الضرب وشطر الضرب لأن المصدر لا يدل بنفسه على الكلية، والجزئية، لأن المقصود به الجنس، وهو يدل على القليل والكثير كالماء والخل، والتراب، والعسل فيؤتى بما يدل على الجزئية والكلية، ليفيد ذاك. وقد يراد الدلالة على الآلة والعدد، ونحو ذلك. إن أهم أغراض النيابة التوسع في المعنى، فالإتيان بنائب المصدر قد يوسع المعنى توسيعا لا يؤديه ذكر المصدر، وذلك كالمجيء بصفة المصدر بدلا منه، فإنك إذا حذفت المصدر وجئت بصفته فربما احتمل معنى جديدا، لم يكن ذكره المصدر يفيده، ولا يحتمله، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار﴾ [آل عمران: ٤١]، فهنا تحتمل كلمة (كثير) أن يراد بها الدلالة على المصدر، أي ذكرا كثيرا، ويحتمل أن يراد بها الدلالة على الوقت، أي زمنا كثيرا. فهذا تعبير يحتمل معنيين في آن واحد بخلاف ما لو ذكرت الموصوف، فإنه لا يدل إلا على معنى واحد. وقد يكون المعنيان مطلوبين، أي ذكرا كثيرا، زمنا كثيرا فتكسبهما بالحذف، فيكون الحذف قد أدى معنيين في آن واحد، وهذا توسع في التعبير وزيادة في المعنى. ومثله قوله تعالى: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا﴾ [التوبة: ٨٢]، فأنت ترى أنه إذا قال ضحكا قليلا وبكاء كثيرا كان نصا على الضحك والبكاء. وإذا قال زمنا قليلا أو كثيرا كان نصا على الزمن، في حين أنه لما حذف الموصوف احتمل معنيين: المصدرية أي ضحكا قليلا، والزمن أي زمنا قليلا وقد يكون المعنيان مرادين في آن واحد فكسبهما من أيسر طيق وأوجز تعبير، فبدل أن يقول: فليضحكوا ضحكا قليلا وقتا قليلا، وليبكوا بكاء كثيرا وقتا كثيرا قال: ﴿فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا﴾ فأدى المعنيين معًا.

стр. 544

وقد يكتسب بحذف الموصوف معنى المفعولية والمصدرية، كأن تقول: هو لا يفقه إلا قليلا قال تعالى: ﴿بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا﴾ [الفتح: ١٥]، فقد يحتمل أن يراد بـ (قليل) المفعولية، أي إلا قليلا من الأمور، وقد يحتمل المصدرية، أي فقها قليلا، وقد جمع المعنيين بحذف الموصوف أي لا يفقهون إلا قليلا من الأمور فقها قليلا والله أعلم. فإن أريد التنصيص على المصدرية، جيء بالمصدرية، كقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢]. وربما لا يؤدي ذكر المصدر إلا مجرد التوكيد لا التنصيص كأن تقول (نمت عميقا) فأنت هنا ذكرت الصفة، ولو قلت: (نمت نوما عميقا) لكان أفاد التوكيد، إضافة إلى الوصف، ونحوه أن تقول: (أهجر جميلا واصبر جميلا) فهنا حذفت المصدر وجئت بصفته، لأن الغرض تعلق بذكر الصفة، أما المصدر فإنه مفهوم، ولو ذكرته لأفاد ذكره التوكيد، كما في (نمت عميقا). وقد يؤدي مثل هذا التوسع الذي ذكرناه أن تأتي باسم جامد بدل المصدر، كقوله تعالى: ﴿ولا يظلمون فتيلا﴾ [النساء: ٤٩]، فقد يراد بالفتيل هنا معناه الحقيقي وهو مقدار فتيل، والفتيل الخيط الذي في شق النواة فيكون مفعولا به، وقد يكون المقصود، ولا يظلمون ظلما مقدار فتيل، أي ظلما قليلا، فيكون المراد بالفتيل المصدر، فيكون مفعولا مطلقا، هذا توسع في المعنى، فقد كسبنا معنى المفعولية والمصدرية في آن واحد، فالظلم ههنا منفي من جهتين: المصدرية والمادية. ومثله قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا﴾. [آل عمران: ١١٦]، فقد يكون المعنى لن تغني عنهم ولا أولادهم من الله إغناء، ولو قل فيكون المراد بـ (شيء) المصدر، وقد يكون المراد بالشيء الشيء المادي. ونحوه: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ [يونس: ٤٤]، فقد يكون الشيء كناية عن الظلم فيكون المعنى أن الله لا يظلم الناس ظلما، وإن قل فيكون مفعولا مطلقا، وقد يكون

стр. 545

(شيء) هنا شيئا ماديا، فيكون مفعولا به، والمعنيان مرادان والله أعلم. ومنه قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فقد يراد به ما يقرض فيكون مفعولا به، وقد يراد به إقراضا حسنا، فيكون مفعولا مطلقا، وقد كسب المعنيين في هذا التعبير. ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾ [النساء: ٣٦]، فقد يكون الشيء كناية عن الشرك، أي لا تشركوا به شيئا من الشرك، وإن قل، وقد يراد بالشيء المخلوقات مما يعبد من دون الله، والمعنيان مرادان، والله أعلم. وقد يتسع به أكثر من هذا فيؤدي أكثر من معنيين، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيرا﴾ [النساء: ١٦٠]، فهنا يحتمل أن يكون المراد بـ (كثير) المصدر أي صدا كثيرا، ويحتمل أن يراد به الوقت، أي وقتا كثيرا، ويحتمل أن يراد الخلق أي خلقا كثيرا، فجمعت ثلاثة معان في آن واحد، وهو توسع في التعبير كثير. وقد يكون التوسع على نحو آخر، وذلك أن يؤتي بملاقي الفعل في الاشتقاق فنكتسب معنيين وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ [المزمل: ٨]، فقد جاء بالفعل (تبتل) لكن لم يجيء بمصدره، وإنما جاء بمصدر (بتل)، فمن المعلوم أن صدر تبتل هو التبتل كتعلم تعلم، أما التبتيل فهو مصدر (بتل) مثل علم تعليم، فجاء بالفعل (تبتل) ولكن لم يجيء بمصدره، وإنما جاء بمصدر فعل آخر، فجمع معنيين في آن واحد. وتوضيح ذلك أن تبتل على وزن (تفعل) وهو يفيد التدرج. والتكلف، نحو تحسي الماء، أي شربه حسوة حسوة، وتجرع الدواء أي شربه جرعة جرعة، ونحوه تحسس وتجسس ونحو مشي وتمشى، أي تدرج في المشى، وخطا وتخطى. أما (فعل) فيفيد التكثير وذلك نحو كسر وكسر، فكسر يفيد التكثير والمبالغة تقول: كسرت القلم وكسرته، ففي كسرته تكثير، ومثله قطع اللحم وقطعه، فالتقطيع يفيد التكثير، ونحو ذبح، فجاء بالفعل الدال على التدرج والتكلف، وهو (تبتل) والمصدر

стр. 546

الدال على التكثير وهو (تبتيل) فجمع المعنيين: التدرج والتكثير. ولو نظرت إلى هذه الآية لرأيتها مصوغة صياغة فنية عالية، فالتبتل معناه الانقطاع إلى الله في العبادة، والعبادة تأتي في بالتدرج وحمل النفس، وتكلف مشاقها فجاء بالفعل الدال على التدرج أولا، ثم جاء بالمصدر الدال على الكثير ومعنى ذلك أبدا بالتدرج وانته بالكثرة، وهو توجيه تربوي سليم، ولو عكس فجاء بالفعل الدال على الكثرة اولا ثم جاء بعده بالمصدر الدال على التدرج لم يفد هذه الفائدة. ولو قال: (تبتل تبتيلا) لم يزد على معنى التدرج، ولو قال (بتل نفسك إليه تبتيلا) ما زاد على معنى الكثرة، ولكن اراد المعنيين فجاء بالفعل من صيغة، والمصدر من صيغة أخرى فجمعهما، فهو بدل أن يقول: (وتبتل إليه تبتلا وبتل إليه تبتيلا) أخذ فعلا لمعنى آخر فجمعهما ثم قدم التدرج على الكثرة. وهناك أمر فني آخر جميل، وهو أنه جاء بما يدل على التدرج بصيغة الفعل، لأن الفعل يدل على التجدد والحدوث، وجاء بما يدل على الكثرة بالمصدر، لأن الاسم فيه مبالغة وثبوت. وفمن المعلوم أن الفعل يدل على التجدد والحدوث والاسم يدل على الثبوت نحو يتعلم، ومتعلم ويحفظ وحافظ فجاء لمعنى التدرج بصيغة الفعل الدالة على التجدد والحدوث، وجاء لمعنى الكثرة بصيغة المصدر الدالة على الثبوت والمبالغة، لأنها الحالة الثابتة لمرادة في العبادة، أما حالة التدرج فهي حالة موقوتة يراد منها الانتقال لا الاستمرار، والاستقرار لكل معنى بما يناسبه. جاء في (التفسير القيم) في قوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾: "ومصدر تبتل إليه تبتل كالتعلم والتفهم ولكن جاء على التفعيل مصدر فعل لسر لطيف. فإن في هذا الفعل إيذانا بالتدرج والتكلف، والتعمل والتكثير والمبالغة، فأتى بالفعل الدال على احدهما وبالمصدر الدال على الآخر فكأنه قيل: بتل نفسك إلى تبتيلا وتبتل إليه تبتلا ففهم المعنيان من الفعل ومصدره، وهذا كثير في القرآن وهو من حسن الاختصار والإيجاز" (١).

стр. 547

ومثله قوله تعالى: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا﴾ [نوح: ١٧]، أي أنبتكم فنبتم نباتا (١). أي طاوعتم أمر ربكم ولو قال (إنباتا) لما زاد على المعنى، ونحوه أن تقول: (اخرجته خروجا) أي أخرجته فخرج خروجا فكسبنا المعنيين في آن واحد، الاخراج والخروج. ونحو أن تقول: أدبته تأدبا أي أدبته فتأدب تأدبا، أي قبل التأدب. ومنه قوله تعالى في مريم ﵍ ﴿وأنبتها نباتا حسنا﴾ [آل عمران: ٣٧]، ولم يقل (إنباتا لأنه لو قال (إنباتا) لم يجعل لها فضلا، لأنه لم يزد على معنى الإنبات، وإنما قال (نباتا حسنا) على معنى أنها قبلت الانبات فنبتت نباتا حسنا، فجعل لها في معدنها الكريم، وشخصها الطاهر قبولا لذلك الانبات واستجابة له، ولو قال (إنباتا) لجردها من هذا المعنى، والله أعلم. ومنه قوله تعالى: ﴿ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا﴾ [النساء: ٦٠]، والقياس أن يضلهم أضلالا بعيدا، لأن مصدر (أضل) الإضلال، أما الضلال فهو مصدر (ضل)، قال تعالى: ﴿فقد ضل ضلال بعيدا﴾ [النساء: ١١٦]، والمعنى أن يضلهم فيضلوا ضلالا بعيدا، وقد جمع المعنيين: الإضلال والضلال في آن واحد، والمعنى أن الشيطان يريد أن يضلهم ثم يريدهم بعد ذلك أن يضلوا هم بأنفسهم، فالشيطان يبدأ المرحلة وهو يتمونها، فهو يريد منهم المشاركة في أن يبتدعوا الضلال ويذهبوا فيه كل مذهب. يريد أن يطمئن أنهم يقومون مهمته هو. والقاعدة أنه ما أختلف فيه لفظ الفعل عن لفظ المفعول المطلق فالمراد زيادة المعنى بجمع معنيين أو أكثر ما وسعت ذلك اللغة واتسع المقام.

стр. 548

حذف الفعل ذهب النحاة إلى أنه لا يجوز حذف عامل المصدر المؤكد، وذلك لأنه جيء به لتقوية المؤكد وتقرير معناه، والحذف ينافي ذلك - كما أسلفنا. وأما فعل المصدر المبين للنوع والعدد، فجائز الحذف، لدليل حالي أو مقالي كأن يقال: ألم تهن المقصر؟ فتقول: بلى إهانة بالغة أو أهانات متعددة، وكقولك لمن تراه ينوي السفر: سفرًا قاصدًا، ولمن قدم قدوما مباركا، ولمن عاد من حج، حجا مبرورا، ونحو ذلك (١). المصدر النائب عن الفعل . ١ - النائب عن فعل الأمر والدعاء: يذكر النحاة أنه يحذف فعل المصدر وجوبا إذا وقع المصدر بدلا من فعله، وهو مقيس في الأمر والنهي والدعاء، مثل قياما لا قعودا، وصبرا جميلا، وسقيا لك، بمعنى قم لا تقعد واقدم، واصبر صبرا جميلا، وسقاك الله (٢). وهنا قد يعرض سؤال وهو أنه لا يصح أنه يقال: قم قياما وأقدم إقداما واصبر صبرا جميلا؟ إنه جائز بلا شك، قال تعالى: ﴿فاصبر صبرا جميلا﴾ [المعارج: ٥]، وقال: ﴿واهجرهم هجرا جميلا﴾ [المزمل: ١٠]، إذن فلماذا يقول النحاة: إن هذا محذوف الفعل وجوبا، وهو كما نرى جائز؟

стр. 549

والحقيقة أنه يمكن أن يقال (صبرا جميلا) كما يقال (اصبر صبرا جميلا) ويقال (إقداما في المعركة) كما يقال (أقدم في المعركة إقداما) ولكن ليس القولان بمعنى واحد، فهناك فرق بين قولنا (إقداما) وقولنا (أقدم إقداما) و (صبرا جميلا) و (اصبر صبرا جميلا) إن قولنا: (إقداما يا فلان) معنى الصدر فيه معنى الأمر، ولكن إذا قلنا (أقدم إقداما يا فلان) كان المصدر مؤكدا للفعل، وليس دالا على الأمر، وكذلك إذا قلنا (صبرا جميلا) كان معنى المصدر فيه (إصبر) لكن إذا قلنا (اصبر صبرا جميلا) كان المصدر مبينا للنوع، وليس نائبا عن فعل الأمر، ولا يؤدي معناه، فإنه يحق لك أن تقول العبارتين، ولكن كلا بمعنى، فإذا أردت أن ينوب المصدر عن فعل الأمر جئت بالمصدر فقط، وإذا لم ترد ذلك وإنما أردت أن يكون الصدر مؤكدا أو مبينا اتيت بعامله. وهذا الأمر نفسه جار في الدعاء، تقول: سقيا لك ورعيا له، وتقول: سقاك الله سقيا ورعاك الله رعيا، فالمصدر في التعبيرين الأخيرين لا يراد به الدعاء، وإنما هو مؤكد للفعل، فإذا أردت أن يكون المصدر نفسه للدعاء جئت بالمصدر بلا فعل، جاء في (الكتاب): " هذا باب ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره، وذلك قولك سقيا ورعيا، ونحو قولك: خيبة، ودفرا، وجدعا، وعقرا، وبؤسا، وافة وتفة، وبعدا وسحقا، ومن ذلك قولك: تعسا وتبا وجوعا وجوسا .. وإنما ينتصب هذا وما أشبهه إذا ذكر مذكور فدعوت له، أو عليه على إضمار الفعل، كأك قلت: سقاك الله سقيا ورعاك رعيا .. وإنما اختزل الفعل هنا لأنهم جعلوه بدلا من اللفظ بالفعل، كما جعل الحذر بدلا من احذر، وكذلك هذا كأنه بدل من سقاك الله، ورعاك الله .. وما جاء منه لا يظهر له فعل فهو على هذا المثال نصب، كأنك جعلت بهرًا بدلاً من بهرك الله، فهذا تمثيل ولا يتكلم به" (١).

стр. 550

فاتضح بهذا أن المصدر المؤكد غير النائب كل يؤدي معنى، ووظيفتها مختلفة في الجملة. وقد تقول: وما الفرق بين قولنا: إصبر يا خالد .. وصبرا يا خالد سقاك الله .. وسقيا لك والجواب عن ذلك أن صبرا مصدر واصبر فعل، والمصدر أقوى وأثبت من الفعل: ثم أن المصدر هو الحدث المجرد، والفعل هو الحدث المقترن بالزمن، فأنت حين تأمر بالمصدر فقد امرت بالحدث المجرد، وهو آكد من الفعل لمجيئنا بالحدث وحده، وذكر الرضي أنه حذف إبانة لقصد الدوام واللزوم، بحذف ما هو موضوع للحدث والتجدد، أي الفعل، في نحو حمدا لك، وشكرا لك، وعجبا منك، ومعاذ الله وسبحان الله (١). ولعله يقصد إلى أنه أدوم من الفعل، وأثبت منه، أما الرفع فإنه أدوم منهما وأثبت، وهو نظير الفعل، واسم الفاعل، والصفة المشبهة، فاسم الفاعل أثبت من الفعل، والصفة المشبهة أثبت من اسم الفاعل، نحو ساد سائد وسيد. ثم أن الفعل قد يكون بصيغ متعددة، فقد يكون ماضيا ومضارعا، وأمرا، نحو قولك سقاك الله، ويرعاك الله، فإذا جئت بالمصدر فقلت: سقيا لك، ورعيا لك، فقد جئت بالحدث بلا دلالة على زمن. ثم أن الفعل لابد له من فاعل، غير أنه قد يكون الغرض لا يتعلق بذكر الفاعل وإنما يتعلق بالحدث المأمور به، أو المدعو به، وهو المصدر، نحو سقيا لك، وسقاك الله، فإذا قلت: سقاك الله وسقتك الغوادي، فقد ذكرت الفاعل، لأنه تعلق غرض بذكره، ونحوه إذا قلت قوما وقوموا، وقمن، وربما لم يتعلق غرض بذكره، فلا تأتي به،

стр. 551

نحو قوله تعالى: ﴿والذين كفروا فتعسا لهم﴾ [محمد: ٨]، فهو دعاء بالتعس غير مقيد بزمن، ولا بفاعل معين، بل هو تعس عام، ونحو قوله تعالى: ﴿وقيل بعدا للقوم الظالمين﴾ [هود: ٤٤]، فهذا دعاء بالهلاك غير مقيد بزمن ولا بفاعل. جاء في (الأشباه والنظائر) أن الحدث على ثلاثة أضرب، ضرب يحتاج إلى الاخبار عن فاعله، وإلى اختلاف أحوال الحدث فيشتق منه الفعل، دلالة على كون الفاعل مخبرا عنه وتختلف أبنيته دلالة على اختلاف أحوال الحدث. وضرب يحتاج إلى الإخبار عن فاعله على الإطلاق، من غير تقييد بوقت، ولا حال فيشتق منه الفعل ولا تختلف أبنيته. وضرب لا يحتاج إلى الخبار عن فاعله، لكن يحتاج إلى ذكره خاصة على الإطلاق مضافا إلى ما بعده نحو (سبحان الله)، فإنه ينبيء عن العظمة والتنزيه، فوقع القصد إلى ذكره مجردا من التقييدات بالزمان، أو بالأحوال، ولذلك وجب نصبه، كما يجب كل مقصود إليه بالذكر نحو: إياك وويله، وويحه، وهما مصدران لم يشتق منهما فعل، حيث لم يحتج إلى الأخبار عن فاعلهما ولا إلى تخصيصها بزمن، ونصبها كنصبه لأنه مقصود إليه (١). وأما رفع المصادر هذه فدلالة على الثبوت والاستقرار كما سبق تفصيله في باب المبتدأ والخبر، تقول (صبرا جميلا) إذا أمرت بالصبر، فإن قلت (صبر جميل) كان امرا بالصبر الدائم الطويل، وهو بمعنى المصدر المنصوب إلا أنه أثبت وأدوم، وكما أن المصدر المنصوب إلا أنه أثبت وأدوم، وكما أن المصدر المنصوب للدلالة على الأمر لا فعل له، فالمرفوع لا مبتدأ له. قال ابو البقاء: " والرفع في باب المصادر التي أصلها النيابة عن افعال يدل على الثبوت والاستقرار، بخلاف النصب فلا يدل إلا على التحدث والحدوث المستفاد من عامله

стр. 552

الذي هو الفعل، فإنه موضوع للدلالة عليه" (١). إن المصدر المنصوب يدل على التوقيت، والمرفوع يدل على العموم والثبوت، جاء في (معاني القرآن) للفراء: " وأما قوله تعالى: ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ [البقرة: ١٧٨]، فإنه رفع، وهو بمنزلة الأمر في الظاهر، كما تقول: من لقي العدو فصبرا واحتسابا، فهذا نصبه ورفعه جائز، وإنما كن الرفع وجه الكلام لأنه عامة فيمن فعل، ويراد بها من لم يفعل، فكأنه قال: فالأمر فيها على هذا فيرفع، وينصب الفعل إذا كان أمرا عند الشيء يقع ليس بدائع، مثل قولك للرجل: إذا أخذت في عملك فجدا جدا وسير سيرا، نصبت لأنك لم تنو به العموم، فيصير كالشيء الواجب على من أتاه وفعله، ... وأما قوله: ﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤]، فإنه حثهم على القتل إذا لقوا العدو ولم يكن الحث كالشيء الذي يجب بفعل قبله فلذلك نصب وهو بمنزلة قولك: إذا لقيتم العدو فتهليلا وتكبيرا وصدقا عند تلك الوقعة .. كأنه حث لهم (٢). ونحو قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فرفع إمساكا وتسريحًا للدلالة على الدوام، وعلى أنها ليست حالة موقوتة. ويذكر النحاة فرقا آخر بين المرفوع والمنصوب، هو أن المرفوع قد يفيد أن الشيء قد حصل وثبت واستقر، بخلاف المنصوب نحو رحمة الله له، وويل له، بمعنى حصل له هذا، وثبت أما إذا قلت رحمة له وويلا، فأنت تدعو له أو عليه، ولم يحصل ذلك بعد جاء في (كتاب سيبويه): " هذا باب من النكرة يجري مجرى ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء، وذلك قولك: سلام عليك، ولبيك، وخير بين يديك وويل لك، وويح لك، وويس لك، وويلة لك، وعولة لك، وخير له، وشر له، ولعنة الله على الكافرين، فهذه الحروف كلها مبتدأة مبني عليها ما بعدها، والمعنى فيهن أنك ابتدأت شيئا قد ثبت عندك، ولست في حال حديث تعمل في إثباتها وتزجيتها، وفيما ذلك

стр. 553

المعنى كما أن حسبك فيه معنى النهي، وكما أن رحمة الله عليه في معنى رحمة الله، فهذا المعنى فيها، ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذا ذكرتها كنت في حال ذكرك إياها تعمل في إثباتها وتزجيتها (١). وجاء في (المقتضب): "وإنما تنظر في هذه المصادر إلى معانيها، فإن كان الموضع بعدها أمرًا أو دعاء لم يكن إلا نصبا، وإن كان لما قدم قد استقر، لم يكن إلا رفعا، وإن كان لهما جميعا كان النصب والرفع (٢) ". وأما إنه إذا كان أمرا أو دعاء لم يكن إلا نصبا، ففيه نظر، فإنه يجوز أن يكون أمرا وهو مرفوع، ودعاء وهو رفع على قصد إرادة الثبوت كما ذكرنا. وجاء في (شرح ابن يعيش): "أن الفرق بين النصب والرفع، أنك إذا رفعتها فكأنك ابتدأت شيئا قد ثبت عندك، واستقر، وفيها ذلك المعنى أعني الدعاء، كما أن حسبك فيه معنى النهي، وإذا نصبت كنت ترجاه في حال حديثك وتعمل في إثباته" (٣). وما ذكرناه في الفرق بين الرفع والنصب يجري عاما على المصادر المرفوعة والمنصوبة في هذا الباب، سواء كان مقصودا بها الانشاء أم الخبر. ٢ - المصدر الذي لا يصح الإخبار به عن المبتدأ: يذكر النحاة أن من مواطن حذف الفعل وجوبا، وقوع المصدر نائبا عن فعل أسند لاسم عين مكررا، أو محصورا، نحو محمد سيرا سيرا، وما محمد إلا سيرا (٤) أو مستفهما عنه أو معطوفا عليه نحو أأنت سيرا، وأنت أكلا وشربا (٥)، فإن لم يكن مكررا ولا محصورا، ولا نحوهما، جاز ذكر الفعل وعدمه، نحو أنت سيرا (٦).

стр. 554

أما اشتراط أن المصدر نائب عن فعل أسند لاسم عين، فغير سديد لأنه يجب أن يكون ذاك، وإنما الذي يجب هو أن يكون المصدر لا يصح الإخبار به عن المبتدأ، سواء كان اسم معنى، أم اسم ذات، نحو المنون تقريعًا تقريعا، وما الدهر إلا تقلبا (١). والإمتحان اقترابا اقترابا، والخوف انتشارا انتشارا، وهذه ليست أسماء أعيان. وأما اشتراط التكرار لوجوب الحذف، فلا أراه سديدا أيضا، لأن قولك (محمد سيرا) أصله عند النحاة (محمد سيرا سيرا) حذف فعله جوازا، فأصبح (محمد سيرا غير أن النحاة لا يجيزون حذف الفعل، من نحو قولنا (محمد يسير سيرا) لأنه مؤكد وهذا تناقض، فمرة يقولون هو ممتنع الحذف، ومرة يقولون هو جائز الحذف، والصواب فيما نرى أن هذا الصدر نائب عن الفعل وليس مؤكدا، وأنه واجب الحذف لا جائزه، لأنه لو ذكر لأصبح مؤكدا لا نائبا، ومثله المكرر فإنه يصح أن نقول (محمد يسير سيرا سيرا)، ولكن المصدر هنا مؤكد، والثاني توكيد له، وتكرر التوكيد غير عزيز في اللغة، قال تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾ [الحجر: ٣٠]، وقال: ﴿كلا إذا دكت الأرض دكا دكا﴾ [الفجر: ٢١]، وليس المصدر هنا أعني في قولنا (محمد يسير سيرا سيرا) نائب عن الفعل، بخلاف قولنا (محمد سيرا سيرا) فهذا تعبير وذاك تعبير، وليسا متماثلين ولا يؤديان غرضا واحدا. ولا يصح رفع المصدر في نحو هذا، إلا على ضرب من التجوز والمبالغة، فإنه لا يصح أن نقول (محمدٌ سيرٌ) لأنك تجعل بذاك محمدا سيرا، وهو ليس كذلك. إن ذلك لا يجوز في التعبير الحقيقي، وإنما يجوز على ضرب من التجوز، كما قالت الخنساء تصف ناقتها (فإنما هي إقبال وإدبار) فجعلتها إقبالا وادبارا لكثرة ما وقع ذلك منهما.

стр. 555

فإذا قلت (محمد سير)، فقد جعلت محمدا سيرا، لكثرة ما وقع ذلك منه، أي تحول إلى سير وهو تجوز ومبالغة. وأما النصب على معنى هو يسير سيرا، ولكن حذف الفعل وأنيب المصدر عنه، وجعلته بدلا منه لإرادة الحدث المجرد، فبالنصب يكون التعبير حقيقا، وبالرفع ويكون مجازا. إننا نقول (محمد سيرا) بحذف الفاعل إذا كان الحدث مستمرا متصلا، أي إذا كان متصفا بالسير الطويل، قال سيبويه: واعلم أن السير إذا كان مخبرا عنه في هذا الباب [يعني: في نحو ما أنت إلا سيرا، وأنت سيرا سيرا]، فإنما تخبر بسير متصل بعضه ببعض في أي الأحوال كان، وأما قولك (إنما أنت سيرٌ) فإنما جعلته خبرا لأنت، ولم تضمر فعلا .. وإن شئت رفعت هذا كله، فجعلت الآخر هو الأول فجاز على سعة الكلام من ذلك قول الخنساء: ترتفع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ فجعلها الإقبال والإدبار فجاز على سعة الكلام كقولك نهارك صائم وليلك قائم (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإنما وجب حذف الفعل، لأن المقصود من مثل هذا الحصر أو التكرير وصف الشيء بدوام حصول الفعل منه، ولزومه، ووضع الفعل على الحدث والتجدد، وإن كان يستعمل المضارع في بعض المواضع للدوام أيضا، نحو قولك: زيد يؤوي الطريد ويؤمن الخائف، والله يقبض ويبسط، وذلك أيضا لمشابهته لاسم الفعل الذي لا دلالة فيه وضعا على الزمان، فلما كان المراد التنصيص على الدوام واللزوم، لم يستعمل العامل أصلا لكونه أما فعلا، وهو موضوع على التجدد أو اسم الفاعل وهو من العمل كالفعل بمشابهته، فصار العامل لازم الحذف، فإن أرادوا زيادة المبالغة جعلوا المصدر نفسه خبرا عنه، نحو (زيد سير سير)، و (ما زيد إلا سيرا)، كما ذكرنا في المبتدأ في قولنا (فإنما هي إقبال وإدبار) فيمنحي إذن عن الكلام

стр. 556

معنى الحدوث أصلا لعدم صريح الفعل، وعدم المفعول المطلق الدال عليه، ولمثل هذا المعنى أعني زيادة المبالغة في الدوام رفعوا بعض المصادر المنصوبة .. تبيينا لمعنى الدوام قال: عجبت لتلك قضية وإقامتي ... فيكم على تلك القضية أعجب (١) ٣ - المصدر التشبيهي: ذهب النحاة إلى أن المصدر التشبيهي مما يجب فيه حذف فعله، نحو (له صراخ صرخ الثكلي) بتقدير يصرخ، وذلك إذا كان المصدر التشبيهي من الأفعال الظاهرة واقعا بعد جملة فيها الفاعل في المعنى، وفيها معنى المصدر، وليس فيها ما يصحل للعمل (٢). أما العمل فلسنا بصدده، ولكن إذا جارينا النحاة في ذلك، فإن المصدر الأول يصلح للعمل في الثاني في هذا الموطن. إن النحاة يقولون أن المصدر الأول لا يصلح أن يعمل في الثاني لأنه لا يصح أن يحل محله فعل مع حرف مصدري، ولا هو نائب عن الفعل، وإن المصدر لا يعمل إلا إذا كان نائبا عن فعله، أو مقدرا بالحرف المصدري، وهذا ليس منه (٣). ومن المعلوم أن اشتراط ذلك في عمل المصدر غالب لا لازم، فإنه يصح أن يقال (ضربي العبد مسيئا) ويصح أن يقال (إن أكرامك خالدًا حسنٌ وإهانتك سعيدًا قبيح)، فقد عمل المصدر فيما بعده وهو ليس واحدًا من الضربين، وعلى ذلك يجوز النصب بالمصدر الذي قبله (٤).

стр. 557

ويجوز مع توفر الشروط رفع الثاني بدلا مما قبله، أو صفة له، أو على أنه خبر المبتدأ محذوف فتقول: (له صراخ صراخ الثكلي) واختلف في الراجح منهما فقيل: إن الرفع مرجوح لأن الثاني ليس هو الأول، والنصب السالم من هذا المجاز، وذهب ابن عصفور إلى أنها متكافئان لأن في النصب التقدير، والأصل عدمه (١).". وفي هذا الترجيح نظر لأن معنى الرفع غير معنى النصب، وأنت تعبر بحسب المعنى الذي تريد فلا تكافؤ ولا ترجيح. إن معنى النصب في نحو قولك (له بكاء بكاءَ الثكلي) أنك مررت به وهو يبكي، وكذلك (له قفز قفز الأرنب) معناه أنك مررت به وهو يقفز، أي يقوم بالعمل بخلاف الرفع، فإنه ليس معناه ذلك، وإنما أردت التشبيه، لا أنه يقوم به في اثناء مرورك، فكانك قلت (قفزه قفز الأرنب)، أي أردت أن تخبر عن قفزه. أنك إذا قلت (له بكاء بكاءُ الثكلى) بالرفع، إذا كان المعنى أنك وصفت بكاءه، بذلك، وهو أمر قد علمته قبل أن تخبر عنه بهذا الخبر، وليس المعنى أنه كان يبكي في اثناء مرورك به، جاء في (كتاب سيبويه): " هذا باب ما ينتصب فيه المصدر المشبه به على إضمار الفعل المتروك إظهاره، وذلك قولك: مررت فإذا له صوت صوت حمار، ومررت به فإذا صراخ صراخَ الثكلى .. فإنما انتصب هذا لانك مررت به في حال تصويت، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول وبدلا منه، ولكن لما قلت: له صوت، علم أنه قد كان، ثم عمل فصار قولك (له صوت) بمنزلة قولك فإذا هو يصوت، فحملت الثاني على المعنى (٢) وجاء فيه أيضا: " هذا باب من يختار فيه الرفع: وذلك قولك، له علم علم الفقهاء وله رأيٌ رأيُ الأصلاء، وإنما كان الرفع في هذا الوجه، لأن هذه خصال تذكرها في الرجل كالحلم، والعقل، والفضل ولم ترد أن تخبر بأنك مررت برجل في حال تعلم،

стр. 558

ولا تفهم، ولكنك أردت أن تذكر الرجل بفضل فيه، وأن تجعل ذلك خصلة قد استكملها كقولك، له حسبٌ حسبُ الصالحين، لأن هذه الأشياء وما يشبهها صارت تحلية عند الناس، وعلامات وعلى هذا الوجه رفع الصوت. وإن شئت نصبت فقلت له علم علم الفقاء، كأنك مررت به في حال تعلم، وتفقه، وكأنه لم يستكمل أن يقال له عالم .. وإذا قلت له صوتٌ صوتَ حمار، فإنما أخبر أنه مر هو يصوت صوت حمار، وإذا قال: له علمٌ علمُ الفقهاء، فهو يخبر عما قد استقر فيه قبل رؤيته، وقبل سمعه منه، أو رآه يتعلم فاستدل بحست تعلمه على ما عنده من العلم، ولم يرد أن يخبر أنه إنما بدأ في علاج العلم في حال لقيه إياه، لأن هذا ليس مما يثني به، وإنما الثناء في هذا الموضع أن يخبر بما استقر فيه، ولا أن يخبر أن أمثل شيء كا ممه النعلم في حال لقائه (١). وهو - كما ترى - لا يخرج عن القاعدة التي ذكرناها في أن المصادر المرفوعه تدل على الثبوت، والمنصوبة تدل على الحدوث، فبالرفع يكون المعنى أن حالته الثابتة كذلك فبكاؤه كذلك وقفزه كذلك، وأما النصب فلبيان حالة موقوته. ٤ - المصادر المثناة: وردت مصادر منصوبة بصورة المثنى، مضافة إلى الضمير نحو لبيك وسعديك وحذاريك، ودواليك، وهذه المصادر وإن كانت بصورة المثنى لا يراد منها التثنية، وإنما يراد بها التكثير قال سيبويه: هذا باب من يجيء من المصادر مثنى منتصبا، على إضمار الفعل المتروك إظهاره: وذلك قولك حنانيك كأنه قال تحننا بعد تحنن، كأنه يسترحمه ليرحمه ولكنهم حذفوا الفعل، لأنه صار بدلا منه ولا يكون هذا مثنى إلا في حال إضافة .. ومثل ذلك لبيك وسعديك .. ومثل ذلك حذاريك، كأنه قال ليكن منك حذر بعد حذر كأنه قال ليكن منك حذر بعد حذر كأنه اراد بقولك لبيك وسعديك إجابة بعد إجابة، كأنه يقول كلما أجبتك في

стр. 559

أمرا، فإنا في الأمر الآخر مجيب، وكأن هذه التثنية أشد توكيدًا" (١). وقال: " حدثنا أبو الخطاب أنه يقال للرجل المداوم على الشيء لا يفرقه، ولا يقلع عنه، قد ألب فلان على كذا وكذا، ويقالك قد أسعد فلان فلان على أمره وساعده، والألباب والمساعدة دنو ومتابعة، إذا ألب على الشيء فهو لا يفارقه، وإذا أسعده فقد تابعه، فكأنك إذا قال الرجل للرجل يا فلان، فقال لبيك وسعديك، فقد قال قربا منك ومتابعة لك. فهذا تمثيل وإن كان لا يستعمل في الكلام" (٢). وهذه المصادر هي مصادر مسموعة لا يصح القياس عليها فلا تقول مثلا: (اعانتيك) بمعنى إعانة بعد إعانة، ولا (حضوريك) بمعنى حضورا بعد حضور، ولا نحو ذلك، وإنما هي أشبه بالتعبيرات الاصطلاحية، ولا يذكر معها الفعل لكون الكلام مما يستحسن الفراغ منه بسرعة (٣) ولأن الكلام لا يقتضي إلا ذكر الحدث، ولا يقتضي ذكر الفاعل، ولا زمن كما أسلفنا. ولو تأت هذه المصادر إلا منصوبة في كلام العرب. ٥ - بقية المصادر . أما بقية المصادر النائبة عن عاملها كالواقعة بعد الاستفهام التوبيخي، وما وقع تفصيلا لعاقبة ما تقدمه، والمؤكد لنفسه، أو لغيره، فإنه يصح رفعها ونصبها، نحو: له علي ألف اعترافٌ واعترفا، وافعل ذلك وكرامةٌ أو كرامةً (٤). فالنصب على إرادة معنى الحدوث والتجدد والرفع على إرادة معنى الثبوت، كما أسلفنا.

стр. 560

المفعول فيه وهو المسمى ظرفا . يسمى النحاة البصريون المفعول فيه ظرفا، والظرف هو الوعاء التي توضع فيه الأشياء كالجراب، والعدل والأواني، وتسمى " ظرفا لأنه أوعية لما يجعل فيها، وقيل للأزمنة والأمكنة ظروف لأن الأفعال توجد فيها فصارت كالأوعية لها (١). وهي تسمية مجازية، وذلك لأن الظرف في الحقيقة هو الوعاء ذو الحدود، المتناهي الأطراف، كالقارورة، والزير، والحب، وسائر الآنية، وليس هذا كذلك، فإن كلمة فوق، وتحت، وزمن، وحين، ليس لها حدود متناهية كالظروف الحقيقة، وإنما سميت بذلك لأن الأحداث تكون فيها، وهي تحتويها كما تكون الأشياء في الآنية، ويسميه الفراء محلا والكسائي وأصحابه صفة، ولعله باعتبار الكينونة فيه (٢)، أي أن الشيء قد يكون متصفا بالفوقية والتحتية والبينية، وهي صفة له. فإن قلت: (هو فوقك) فقد اتصف بالفوقية، و (اقبل خلفك) أي اتصف بالخلفية وهكذا. حده: الظرف عند النحاة زمان، أو مكان ضمن معنى الظرفية باطراد، أو اسم عرضت دلالته على أحدهما، أو اسم جار مجراه (٣). ويقصدون بالاسم الذي عرضت دلالته على إحداهما ما ينوب عن الزمان والمكان من مصدر او عدد او غيرهما، وبالاسم الجاري مجراه ألفاظا مسموعة، وتوسعوا فيها نحو قولك (أحقا أنك ذاهب) فحقا هنا جارية مجرى الظرف عند الجمهور.

стр. 561

تضمن الظرف معنى في: لا يسمى النحاة اسم الزمان ولا المكان ظرفا، حتى يتضمن معنى (في) الظرفية، وذلك نحو (سرت يمينك) فالسير كان في جهة اليمين، ونحو (قدمت صباح اليوم)، فالقدو كان في الصباح، أي كان اليمين ظرفا للسير احتواه كاحتواء الوعاء للماء، والصباح كان ظرفا للقدوم أي وقع كما تحتوي الآنية ما فيها. فإن لم يتضمن معنى (في) فلا يسميه النحاة ظرفا وذلك نحو قوله تعالى ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البقرة: ٤٨]، فـ (يوما) ليس ظرفا لأن الإتقاء ليس واقعا فيه بل هو قبله، فكيف يكون ظرفا للاتقاء، وهو لم يقع فيه؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩]، فيوم الحسرة وهو يوم القيامة ليس ظرفا، لأن الإنذار ليس في يوم القيامة، وإنما هو قبل يوم القيامة، فلا يكون ظرفا له بل هو مفعول به، ونحوه لو قلت (أخاف يوم القيامة) فهو مفعول به، لا ظرف، لأن الخوف ليس واقعا في يوم القيامة بل قبله، فلو قلت (أخاف أعمالي يوم القيامة) كان ظرفا لأن الخوف واقع فيه، ونحوه لو قلت: (أتذكر يوم سافرنا قبل عامين) كان اليوم مفعولا به وليس ظرفا لأن الذكر واقع بعد يوم السفر لا فيه. ولو قلت (اذكرني يوم سفرك) كان ظرفا، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦]، فالنسيان ليس في الحسبان بل قبله، فهو ليس ظرفا له. ونحوه أن تقول (نسيت يوم السفر)، فهو ليس ظرفا، ولكن لو قلت (نسيت الكتاب يوم السفر) كان ظرفا لأن النسيان وقع في يوم السفر. ومما لا يتضمن معنى (في) قولك (يومنا مشرق)، فإنك لم تذكر حدثا وقع فيه، وإنما هو مبتدأ، ونحوه أن تقول (ذهب وقت الشباب بما فيه) فإنه فاعل وليس متضمنا معنى (في) لأن الوقت هو الذي ذهب، لا أن شيئا ذهب فيه، جاء في (التصريح): "وخرج عن الحد .. نحو ﴿يخافون يوما﴾ [النور: ٣٧]، من أسماء الزمان نحو ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]، من أسماء المكان فإن (يوما) و (حيث) وإن كانا من

стр. 562

أسماء الزمان والمكان، فليسا ظرفين فإنهما ليسا على معنى (في) إذ ليس المراد أن الخوف واقع في ذلك اليوم، والعلم واقع في ذلك المكان، وإنما المراد أنهم يخافون نفس اليوم، وإن الله يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة، فانتصابهما على المفعول به، لأن الفعل واقع عليهما لا فيهما (١). وجاء في (المقتضب): "اعلم أن كل ظرف متمكن فالاخبار عنه جائز، وذلك قولك إذا قال قائل (زيد خلفك) أخبر عن (خلف) قلت: (الذي زيد فيه خلفك)، فترفعه لأنه اسم وقد خرج من أن يكون ظرفا، وإنما يكون ظرفا إذا تضمن شيئا نحو (زيد خلفك) لأن المعنى: زيد مستقر في هذا الوضع، والخلف مفعول فيه، فإن قلت (خلفك واسع) لم يكن ظرفا. ورفعت لأنك عنه تخبر" (٢). وجاء في (الكتاب): "هذا باب من ينتصب من الأماكن والوقت، وذلك لأنها ظروف تقع فيها الأشياء وتكون فيها، فانتصب لأنه موقوع فيها ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها .. وكذلك يعمل فيها ما بعدها وما قبلها" (٣). فإن صرح بـ (في) لم يسم ظرفا في الاصطلاح نحو (نحن في وقت طيب) و (جئت في الساعة الثالثة) ومعنى التضمن أن يكون الحرف مقدرا في الكلام، وإن لم يصح التصريح به أحيانا (٤). فقد يمتنع التصريح بـ (في) وهو مع ذلك متضمن معنى (في) عند النحاة وذلك نحو قبل، وبعد، ومع، وإذا وفوق وتحت وإذ، فأنت تقول (الكتاب فوق المنضدة) ولا يصح أن تقول (في فوق المنضدة) ولكن المعنى أنه جاء في الزمان الذي سبق مجيء محمد، أو الذي بعده، وأن الكتاب حال في هذا المكان، فـ (قبل محمد) احتوي المجي، وكان ظرفا له لأن الحدث وقع فيه، و (فوق منضدة) احتوى الكتاب، وقد حل فيه، وهكذا.

стр. 563

ولا بد أن يذكروا أنه فضلة وإلا فنحو (انْطُلقَ يومان) و (سوفر يومُ الخميس) متضمن معنى (في) وليس ظرفا وإنما هو نائب فاعل. ومعنى الاطراد هو ان تتعدي إليه سائر الأفعال، مع بقاء تضمنه لذلك الحرف (١). وإيضاح ذلك أنك تقول: (جلست فوق المنضدة) و (نمت فوق السرير) و (أكلت فوق السطح) و (بعت الحاجة فوق الحصان) و (صببت الماء فوق رأسه) فأنا نجد أن كلمة (فوق) تعدت إليها أفعال متعددة، وقد بقيت متضمن لمعنى (في)، بخلاف قولك (دخلت البيت) فالمعنى دخلت في البيت فـ (البيت) هنا متضمن معنى (في)، ولكنه غير مطرد في سائر الأفعال، فلا تقول (بعت البيت) بمعنى بعت في البيت ولا (أكلت البيت) بمعنى أكلت في البيت ولا (نمت البيت) بمعنى نمت في البيت، ولا (قرأت البيت) بعنى قرأت في البيت (٢)، فالبيت لا يسمى ظرفا لأنه لا يتضمن معنى (في) باطراد أي في جميع الأفعال. وعلى هذا يلزم إخراج أسماء المقادير من الظرفية، كالفرسخ والميل، فإنهما لا يطرد تعدي الأفعال إليها، وإنما تتعدى إليها أفعال السير خصوصا (٣). فإنك تقول (سرت ميلا) و (ركضت فرسخا) ولا تقول (بعت ميلا) ولا (جلست ميلا) ولا (نسيت ميلا). كما يلزم أن يخرج نحو (جلست مجلس محمد) أي ما صيغ من أسماء المكان والزمان، فإنها لا تنصب على الظرفية إلا إذا تعدي إليها ما اجتمع معها من مادتها (٤)، فلا يقال: (نمت مجلس محمد)، ولا (أكلت مجلس محمد) وهما مستثنيان عند النحاة.

стр. 564

ونعود إلى تضمن الظرف معنى (في) فقد ذكرنا أن الظرف عند النحاة ما تضمن معنى (في) باطراد، وفي هذا نظر، فإن من الظرف ما لا يتضمن معنى (في) بل إذا قدرت هذا الحرف معه تغير المعنى وذلك نحو قوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦]، فإنه لا يصح أن تقول: يعمر في ألف سنة، لأن المعنى إنما هو يعمر ألف سنة، لا في ألف سنة، والفرق واضح بين المعنيين فإنك إذا قلت (عمرت الدار في سنتين) كان المعنى قد أنه استغرق لتعميرها مدة سنتين، وأما يعمر ألف سنة فمعناه يبقى ألف سنة، ونحو قوله تعالى: ﴿قال قائل منهم كم لبثم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩]، فليس المعنى أنه لبث في يوم أو في بعض يوم، ومثله أن تقول (جلست في القاعة خمسين دقيقة) فلا يصح أن يقال (في خمسين) وتقول: (سرت خمسة أميال) ولا يصح في خمسة اميال، ونحو أن تقول (فعلت هذا سبعة أيام) و (فعلت هذا في سبعة أيام) فإن معنى الجملة الأولى انني كررت الفعل سبعة أيام، ومعنى الثانية انه استغرق فعله سبعة أيام. ونحو قوله تعالى: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: : ٢٠]، وقوله: ﴿فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون﴾ [فصلت ٣٨]، فالأولى معناها يسبحون الأبد لا ينقطعون ولا يفترون، والثانية معناها أنهم يسبحون في هذين الوقتين كما تقول (أنام في الليل والنهار) أي في هذين الوقتين وأدرس في الليل والنهار، أي في هذين الوقتين، وليس التدريس مستمرا لا يفتر بحلاف قولك: أدرس الليل والنهار، فإن معناه الاستمرار، فإن الأولى جواب لمتى، والثانية جواب لكم، وما كان جواب (كم) لا يكون العمل فيه إلا متصلا بخلاف (متى) (١). فليس الظرف إذن ما يتضمن (في) باطراد فحسب، فهذا النوع واحد من الظرف، وإنما الظرف على ثلاثة أقسام فما أرى: ١ - معنى (في) أي ما حل فيه الحدث، وذلك نحو جئت يوم الخميس وسافرت يوم الجمعة.

стр. 565

٢ - ما دل على مدة أو مقدار زمان الحدث، أو مكانه وذلك نحو ﴿سخرها عليهم سبع ليال﴾ [الحاقة: ٧]، ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦]. وسرت يومين، وسرت ميلين، وفسح له مد البصر، وانتظرني صلاة ركعتين أي مقدار زمان ذلك، أو مكانه. ٣ - ما دل على عدد أزمنة الحدث، أو أمكنته نحو أن تقول (فعلت هذا سبعة أيام) أي تكرر الحدث في سبعة أيام فهذا ليس مبينا لمدة الحدث وإنما لعدد أزمنة الحدث، ونحو (جلست خمسة مجالس) أي تكرر الحدث في خمسة أمكنة، قال تعالى: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ [الجن: ٩]. والذي ينطبق عليه حد النحاة هو القسم الأول، وأما الثاني والثالث لا ينطبق عليها الحد، ولذا نرى أن الأولى أن يحد الظرف بما يأتي: " اسم فضلة يدل على زمان، أو مكان وقوع الحدث، أو مقدارهما أو عددهما". فحد النحاة لا يشمل إلا ثلث المفعول فيه وهو القسم الأول. وعند الكوفيين، أن ما يكون العمل في جميعه، نحو ﴿سخرها عليه سبع ليال﴾ [الحاقة: ٧]، ونحو (جلست خمسين دقيقة) ليس ظرفا، وإنما هو ينتصب انتصاب المشبه بالمفعول " لأن الظرف عندهم ما انتصب على تقدير (في) وإذا عم الفعل الظرف لم يتقدر عندهم فيه (في) لأن (في) يقتضي عنده التبعيض، وإنما جعلوه مشبها بالمفعول لا مفعولا لأنهم رأوه ينتصب بعد الأفعال اللازمة، قال أبو حيان، وما ذهبوا إليه باطل لأنهم بنوه على أن (في) تقتضي التبعيض، وإنما هي للوعاء قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات﴾ [فصلت: ١٦]، فأدخل (في) على الأيا والفعل واقع في جميعها بدليل ﴿سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ وقال: ﴿فترى القوم فيها صرعى﴾ فأدخل (في) على ضمير الأيام والليالي، مع أن الرؤية متصلة في جميعها (١).
следующие страницы →