← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

تضمن الظرف معنى في: لا يسمى النحاة اسم الزمان ولا المكان ظرفا، حتى يتضمن معنى (في) الظرفية، وذلك نحو (سرت يمينك) فالسير كان في جهة اليمين، ونحو (قدمت صباح اليوم)، فالقدو كان في الصباح، أي كان اليمين ظرفا للسير احتواه كاحتواء الوعاء للماء، والصباح كان ظرفا للقدوم أي وقع كما تحتوي الآنية ما فيها. فإن لم يتضمن معنى (في) فلا يسميه النحاة ظرفا وذلك نحو قوله تعالى ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البقرة: ٤٨]، فـ (يوما) ليس ظرفا لأن الإتقاء ليس واقعا فيه بل هو قبله، فكيف يكون ظرفا للاتقاء، وهو لم يقع فيه؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ [مريم: ٣٩]، فيوم الحسرة وهو يوم القيامة ليس ظرفا، لأن الإنذار ليس في يوم القيامة، وإنما هو قبل يوم القيامة، فلا يكون ظرفا له بل هو مفعول به، ونحوه لو قلت (أخاف يوم القيامة) فهو مفعول به، لا ظرف، لأن الخوف ليس واقعا في يوم القيامة بل قبله، فلو قلت (أخاف أعمالي يوم القيامة) كان ظرفا لأن الخوف واقع فيه، ونحوه لو قلت: (أتذكر يوم سافرنا قبل عامين) كان اليوم مفعولا به وليس ظرفا لأن الذكر واقع بعد يوم السفر لا فيه. ولو قلت (اذكرني يوم سفرك) كان ظرفا، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦]، فالنسيان ليس في الحسبان بل قبله، فهو ليس ظرفا له. ونحوه أن تقول (نسيت يوم السفر)، فهو ليس ظرفا، ولكن لو قلت (نسيت الكتاب يوم السفر) كان ظرفا لأن النسيان وقع في يوم السفر. ومما لا يتضمن معنى (في) قولك (يومنا مشرق)، فإنك لم تذكر حدثا وقع فيه، وإنما هو مبتدأ، ونحوه أن تقول (ذهب وقت الشباب بما فيه) فإنه فاعل وليس متضمنا معنى (في) لأن الوقت هو الذي ذهب، لا أن شيئا ذهب فيه، جاء في (التصريح): "وخرج عن الحد .. نحو ﴿يخافون يوما﴾ [النور: ٣٧]، من أسماء الزمان نحو ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]، من أسماء المكان فإن (يوما) و (حيث) وإن كانا من

стр. 562

أسماء الزمان والمكان، فليسا ظرفين فإنهما ليسا على معنى (في) إذ ليس المراد أن الخوف واقع في ذلك اليوم، والعلم واقع في ذلك المكان، وإنما المراد أنهم يخافون نفس اليوم، وإن الله يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة، فانتصابهما على المفعول به، لأن الفعل واقع عليهما لا فيهما (١). وجاء في (المقتضب): "اعلم أن كل ظرف متمكن فالاخبار عنه جائز، وذلك قولك إذا قال قائل (زيد خلفك) أخبر عن (خلف) قلت: (الذي زيد فيه خلفك)، فترفعه لأنه اسم وقد خرج من أن يكون ظرفا، وإنما يكون ظرفا إذا تضمن شيئا نحو (زيد خلفك) لأن المعنى: زيد مستقر في هذا الوضع، والخلف مفعول فيه، فإن قلت (خلفك واسع) لم يكن ظرفا. ورفعت لأنك عنه تخبر" (٢). وجاء في (الكتاب): "هذا باب من ينتصب من الأماكن والوقت، وذلك لأنها ظروف تقع فيها الأشياء وتكون فيها، فانتصب لأنه موقوع فيها ومكون فيها، وعمل فيها ما قبلها .. وكذلك يعمل فيها ما بعدها وما قبلها" (٣). فإن صرح بـ (في) لم يسم ظرفا في الاصطلاح نحو (نحن في وقت طيب) و (جئت في الساعة الثالثة) ومعنى التضمن أن يكون الحرف مقدرا في الكلام، وإن لم يصح التصريح به أحيانا (٤). فقد يمتنع التصريح بـ (في) وهو مع ذلك متضمن معنى (في) عند النحاة وذلك نحو قبل، وبعد، ومع، وإذا وفوق وتحت وإذ، فأنت تقول (الكتاب فوق المنضدة) ولا يصح أن تقول (في فوق المنضدة) ولكن المعنى أنه جاء في الزمان الذي سبق مجيء محمد، أو الذي بعده، وأن الكتاب حال في هذا المكان، فـ (قبل محمد) احتوي المجي، وكان ظرفا له لأن الحدث وقع فيه، و (فوق منضدة) احتوى الكتاب، وقد حل فيه، وهكذا.

стр. 563

ولا بد أن يذكروا أنه فضلة وإلا فنحو (انْطُلقَ يومان) و (سوفر يومُ الخميس) متضمن معنى (في) وليس ظرفا وإنما هو نائب فاعل. ومعنى الاطراد هو ان تتعدي إليه سائر الأفعال، مع بقاء تضمنه لذلك الحرف (١). وإيضاح ذلك أنك تقول: (جلست فوق المنضدة) و (نمت فوق السرير) و (أكلت فوق السطح) و (بعت الحاجة فوق الحصان) و (صببت الماء فوق رأسه) فأنا نجد أن كلمة (فوق) تعدت إليها أفعال متعددة، وقد بقيت متضمن لمعنى (في)، بخلاف قولك (دخلت البيت) فالمعنى دخلت في البيت فـ (البيت) هنا متضمن معنى (في)، ولكنه غير مطرد في سائر الأفعال، فلا تقول (بعت البيت) بمعنى بعت في البيت ولا (أكلت البيت) بمعنى أكلت في البيت ولا (نمت البيت) بمعنى نمت في البيت، ولا (قرأت البيت) بعنى قرأت في البيت (٢)، فالبيت لا يسمى ظرفا لأنه لا يتضمن معنى (في) باطراد أي في جميع الأفعال. وعلى هذا يلزم إخراج أسماء المقادير من الظرفية، كالفرسخ والميل، فإنهما لا يطرد تعدي الأفعال إليها، وإنما تتعدى إليها أفعال السير خصوصا (٣). فإنك تقول (سرت ميلا) و (ركضت فرسخا) ولا تقول (بعت ميلا) ولا (جلست ميلا) ولا (نسيت ميلا). كما يلزم أن يخرج نحو (جلست مجلس محمد) أي ما صيغ من أسماء المكان والزمان، فإنها لا تنصب على الظرفية إلا إذا تعدي إليها ما اجتمع معها من مادتها (٤)، فلا يقال: (نمت مجلس محمد)، ولا (أكلت مجلس محمد) وهما مستثنيان عند النحاة.

стр. 564

ونعود إلى تضمن الظرف معنى (في) فقد ذكرنا أن الظرف عند النحاة ما تضمن معنى (في) باطراد، وفي هذا نظر، فإن من الظرف ما لا يتضمن معنى (في) بل إذا قدرت هذا الحرف معه تغير المعنى وذلك نحو قوله: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦]، فإنه لا يصح أن تقول: يعمر في ألف سنة، لأن المعنى إنما هو يعمر ألف سنة، لا في ألف سنة، والفرق واضح بين المعنيين فإنك إذا قلت (عمرت الدار في سنتين) كان المعنى قد أنه استغرق لتعميرها مدة سنتين، وأما يعمر ألف سنة فمعناه يبقى ألف سنة، ونحو قوله تعالى: ﴿قال قائل منهم كم لبثم قالوا لبثنا يوما او بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩]، فليس المعنى أنه لبث في يوم أو في بعض يوم، ومثله أن تقول (جلست في القاعة خمسين دقيقة) فلا يصح أن يقال (في خمسين) وتقول: (سرت خمسة أميال) ولا يصح في خمسة اميال، ونحو أن تقول (فعلت هذا سبعة أيام) و (فعلت هذا في سبعة أيام) فإن معنى الجملة الأولى انني كررت الفعل سبعة أيام، ومعنى الثانية انه استغرق فعله سبعة أيام. ونحو قوله تعالى: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: : ٢٠]، وقوله: ﴿فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسئمون﴾ [فصلت ٣٨]، فالأولى معناها يسبحون الأبد لا ينقطعون ولا يفترون، والثانية معناها أنهم يسبحون في هذين الوقتين كما تقول (أنام في الليل والنهار) أي في هذين الوقتين وأدرس في الليل والنهار، أي في هذين الوقتين، وليس التدريس مستمرا لا يفتر بحلاف قولك: أدرس الليل والنهار، فإن معناه الاستمرار، فإن الأولى جواب لمتى، والثانية جواب لكم، وما كان جواب (كم) لا يكون العمل فيه إلا متصلا بخلاف (متى) (١). فليس الظرف إذن ما يتضمن (في) باطراد فحسب، فهذا النوع واحد من الظرف، وإنما الظرف على ثلاثة أقسام فما أرى: ١ - معنى (في) أي ما حل فيه الحدث، وذلك نحو جئت يوم الخميس وسافرت يوم الجمعة.

стр. 565

٢ - ما دل على مدة أو مقدار زمان الحدث، أو مكانه وذلك نحو ﴿سخرها عليهم سبع ليال﴾ [الحاقة: ٧]، ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة﴾ [البقرة: ٩٦]. وسرت يومين، وسرت ميلين، وفسح له مد البصر، وانتظرني صلاة ركعتين أي مقدار زمان ذلك، أو مكانه. ٣ - ما دل على عدد أزمنة الحدث، أو أمكنته نحو أن تقول (فعلت هذا سبعة أيام) أي تكرر الحدث في سبعة أيام فهذا ليس مبينا لمدة الحدث وإنما لعدد أزمنة الحدث، ونحو (جلست خمسة مجالس) أي تكرر الحدث في خمسة أمكنة، قال تعالى: ﴿وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع﴾ [الجن: ٩]. والذي ينطبق عليه حد النحاة هو القسم الأول، وأما الثاني والثالث لا ينطبق عليها الحد، ولذا نرى أن الأولى أن يحد الظرف بما يأتي: " اسم فضلة يدل على زمان، أو مكان وقوع الحدث، أو مقدارهما أو عددهما". فحد النحاة لا يشمل إلا ثلث المفعول فيه وهو القسم الأول. وعند الكوفيين، أن ما يكون العمل في جميعه، نحو ﴿سخرها عليه سبع ليال﴾ [الحاقة: ٧]، ونحو (جلست خمسين دقيقة) ليس ظرفا، وإنما هو ينتصب انتصاب المشبه بالمفعول " لأن الظرف عندهم ما انتصب على تقدير (في) وإذا عم الفعل الظرف لم يتقدر عندهم فيه (في) لأن (في) يقتضي عنده التبعيض، وإنما جعلوه مشبها بالمفعول لا مفعولا لأنهم رأوه ينتصب بعد الأفعال اللازمة، قال أبو حيان، وما ذهبوا إليه باطل لأنهم بنوه على أن (في) تقتضي التبعيض، وإنما هي للوعاء قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات﴾ [فصلت: ١٦]، فأدخل (في) على الأيا والفعل واقع في جميعها بدليل ﴿سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾ وقال: ﴿فترى القوم فيها صرعى﴾ فأدخل (في) على ضمير الأيام والليالي، مع أن الرؤية متصلة في جميعها (١).

стр. 566

ويمكن رد أبي حيان بأن الآية ذكرت الأيام منكرة والأيام النحسات كثيرة وأيام عاد منها فتكون للتبعيض. ويرد الكوفيون بنحو قولنا (بنيت الدار في سبعة ايام) وقولنا (فعلت هذا في ساعتين) فإنها تفيد الاستغراق لا التبعيض، ومنه قوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ [الأعراف: ٥٤] ونرى أن تسمية هذا الباب بـ (الزمان والمكان) أولى من تسمية الظرف لما ذكر في أول الباب. وقد يرعض سؤال في هذا المجال فيقال: قد نصرح بـ (في) أحيانًا وقد نسقطها في التعبير الواحد نحو (حضر ليلا) و (حضر في ليل) فهل هناك من فرق بينهما وسنجمل طرفا من الاختلاف بينهما، وإن كنا قد ذكرنا قبل قليل طرفا من الخلاف بين التصريح بـ (في) وعدمه: ١ - إن (في) تفيد الحلول نصا وحذفها ليس فيه تنصيص على الحلول، تقول: هو في السوق، والزيت في القارورة، وأكلت في الإناء فجعلت (في) هذه المحال ظروفا لما فيها، ولو حذفتها لم يفهم المعنى، فهي تجعل ما لا يصلح أن يكون ظرفا اصطلاحا صالحا للظرفية. ونحوه أن تقول: (نحن في وقت طيب) و (نحن في زمن كله خير) ولا يصح إسقاطها فلا يصح ان تقول: (نحن وقتا طيبا وزمنا كله خير) لأنه ليس فيه تنصيص على الحلول. ٢ - قد يفيد ذكرها استمرار الحدث طوال الزمان المذكور، بخلاف حذفها نحو قولنا (فعلت هذا في سبعة ايام) و (فعلت هذا سبعة أيام) فإن ذكرها أفاد حلول الحدث في هذه الأزمنة، أي استغراق الحدث سبعة أيام، وأما حذفها فليس فيه هذا المعنى، بل المعنى الحدث تكرر في سبعة أيام.

стр. 567

٣ - قد يفيد ذكرها النص على توقيت الحدث وإما عدم الذكر فقد يفيد استمرار الحدث وعدم انقطاعه فالأول جوا (متى) والثاني جواب (كم). وإيضاح ذلك أن الظرف على ضربين: ما يصلح أن يكون جوابا لكم، وما يصلح أن يكون جوابا لمتى. فما كان جوابا لكم استغرقه الحدث، أن إمكن ذلك " كما إذا قيل لك: كم سرت؟ فقلت شهرا. استغرق السير جميع الشهر ليله ونهاره، إلا أن تقصد المبالغة والتجوز وكذلك إذا قلت: شهر رمضان فإن لم يمكن استغراق الجميع، استغرق منه ما أمكن، كما تقول: شهرا في جواب كم صمت؟ وكم سريت؟ فالأول يعم جميع أيامه، والثاني جميع لياليه (١). وجاء في (الهمع): " ما صلح أن يقع جوابا لكم، ولا يصلح أن يكون جوابا لمتى، هو ما كان موقتا غير معرف ولا مخصص بصفة، نحو ثلاثة أيام، ويومين فإنه يصلح أن يكون جواب (كم سرت؟ ) فهذا النوع يكون الفعل في جميعه، إما تعميما وإما تقسيطا، فإذا قلت: سرت يومين، أو ثلاثة أيام، فالسير واقع في اليومين: أو في الثلاثة من الأول إلى الآخر وقد يكون في كل واحد من اليومين أو الثلاثة وإن لم يعم من أول اليوم إلى آخره، ومن التعميم صمت ثلاثة أيام، ومن التقسيط: أذنت ثلاثة أيام، ومن الصالح لهما تهجدت ثلاث ليال، ولا يجوز أن يكون الفعل في أحد الأيام أو الليالي .. وما صلح أن تقع جوابًا لمتى، فإن كان اسم شهر غير مضاف إليه لفظة شهر، فكذلك يكون الفعل واقعا في جميعه تعميما، أو تقسيطا، نحو سرت المحرم، وسرت صفر يحتمل الأمرين .. وإن كان غير اسم شهر، فالعمل مخصوص ببعضه، نحو متى قدمت؟ فيقال: يوم الجمعة فيكون القدوم في بعضه، وكذا إن كان اسم شهر مضافا إليه لفظ شهر،

стр. 568

فإنه يجوز أن يكون في بعضه، وفي جميعه نحو قدم زيد شهر رمضان، وصمت شهر رمضان .. وكذلك إذا كان جواب متى، الأبد، والدهر، والليل والنهار، مقرونة بالألف واللام فإنها مثل (رمضان) إذا لم يضف إليه شهر، يكون للتعميم، نحو سير عليه الليل والنهار والدهر والأبد ولا يقال: لقيته الليل والنهار، وأنت تريد لقاءه في ساعة من الساعات، ولا لقيته الدهر والأبد وأنت تريد يومًا فيه، فإن قصدت المبالغة جاز إطلاقه على غير العام، نحو سير عليه الأبد تريد المبالغة مجازا لا تعميم السير في جميع الأبد. وما سوى ما ذكر من جواب متى، إعلام الشهور غير المضاف إليها شهر، والأبد ونحوه، وذلك نحو اليوم والليلة، ويوم كذا، وليلة كذا، وأسماء الأيام، وأشباه ذلك يجوز فيه التعميم والتبعيض، إن صلح له، فالأول نحو قام زيد اليوم، والثاني نحو لقيت زيدا اليوم، وتجعلونها نحو سار زيد اليوم (١). وجاء في (كتاب سيبويه): " ومما لا يكون العمل فيه من الظرف إلا متصلا في الظرف كله قولك سير عليه الدهر، والليل والنهار والأبد وهذا جواب لقوله: كم سير عليه؟ إذا جعله ظرفا لأنه يريد في كم سير عليه؟ فتقول مجيبا له: الليل والنهار، والأبد على معنى في الليل والنهار والأبد، ويدلك على أنه لا يجوز أن يجعل العمل في يوم دون الأيام، وفي ساعة دون الساعات، أنك لا تقول: لقيته الدهر، والأبد وأنت تريد يوما منه بعينه، ولا لقيته الليل وأنت تريد لقاءه في ساعة دون الساعات وكذلك النهار إلا أن تريد سير عليه الدهر أجمع، والليل كله على التكثير .. وإنما جاء هذا على جواب كم، لأنه حمله على عدة الأيام والليالي" (٢).

стр. 569

وأما ما كان جوابا لمتى، فالمراد به التوقيت قال سيبويه: " وأما متى فإنما تريد بها أن يوقت لك وقتا ولا تريد بها عددا فإنما الجواب فيه: اليوم أو يوم كذا أو شهر كذا أو سنة كذا، أو الآن، أو حينئذ، وأشباه هذا" (١). وقال: " هذا باب وقوع الاسم ظروفا، وتصحيح اللفظ على المعنى، فمن ذلك قولك: متى يسار عليه؟ وهو يجعله ظرفا فيقول: اليوم، او غدا، أو بعد غدا، أو يوم الجعة: وتقول: متى سير عليه؟ فيقول أمس وأول من أمس، فيكون ظرفا، على أنه يكون السير في ساعة دون سائر ساعات اليوم، أو حين دون سائر أحيان اليوم. ويكون أيضا على أنه يكون السير في اليوم كله لأنك قد تقول: سير عليه في اليوم، ويسار في يوم الجمعة، والسير كان فيه كله" (٢). فما كان جوابا لمتى، أفاد التوقيت نحو (وصلت إلى البيت صباح الجمعة)، ولا يراد به الاستمرار، أما إذا كان الحدث صالحا للاستمرار، فهو أمر يعود إلى الحدث نفسه، لا إلى التوقيت. والخلاصة أن من الجمل ما يقع جوابا لكم فقط، نحو قولك: (سرت شهرا) والمراد به استغراق الحدث ما أمكن، ومنها ما يقع جوابا لمتى فقط، نحو (وصلت يوم الجمعة أو في يوم الجمعة) ويراد به التوقيت فقط. ومنها ما يصلح أن يقع جوابا لهما، نحو قولك (سرت المحرم) و (سرت يوم الجمعة) فإن قدرتها جوابا لمتى فقد أردت بها ذكر الوقت فقط، ولا يهمنا تطاول الحدث وانقطاعه، وإن كان جوابا لكم فالمراد به تعيين مدة السير، لا وقته وهو هنا استغراق الوقت فإن ذكرت (في) فقد نصصت على التوقيت نحو: سرت يوم الجمعة.

стр. 570

٤ - إن ذكرها يفيد عدم تعيين الزمن في قسم من التعبيرات، وحذفها يفيد التعيين وذلك نحو قولك: جئت صباحا، ومساء، وليلا وعشاء، فإن هذا لا يقال إلا إذا كان الوقت معينا. فتقول (جئت صباحا) إذا أردت صباح يومك بعينه، أو صباح يوم آخر بعينه، فإذا قلت (خرجت في صباح اليوم) كان اليوم غير معين. جاء في (كتاب سيبويه): " ومثل ذلك صيد عليه صباحًا، ومساء، وعشية، وعشاء إذا أردت عشاء يومك، ومساء، ليلتك لأنهم لم يستعملوه على هذا المعنى إلا ظرفا .. وكذلك سير عليه ليلا ونهارا إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك" (١). وجاء في (الأمالي الشجرية): " القسم الثالث وهو الذي ينصرف ولا يتصرف أسماء أوقات الزموها الظرفية، فلم يرفعوها ولم يجروها، وهي صباح، وعشاء، وضحوة، وعتمة، تقول: خرجت عتمة، وخرج زيد ضحوة، وعشاء إذا أردت ضحوة يومك، أو يوم غيره بعينه وكذلك تريد عتمة ليلتك، أو ليلة بعينها. فلو رفعت شيئا من هذا أو خفضته فقلت: سير على عتمة، أو ضحوة، أو خرجت في عتمة، ولم يجز لأنهم لم يرفعوه ولم يجروه" (٢). ٥ - إن حذفها قد يفيد اقتران الحدث بالظرف، وذكرها يدل على حلول الحدث في الظرف، وذلك نحو قولك (عشنا زمنا طيبا) و (عشنا في زمن طيب) فالأول يدل على اقتران الحدث بالظرف، أي هم عاشوا الزمن الطيب، والثاني قد يفيد ذاك وقد يكون لمعنى آخر، هو أن الزمن الذي عاشوا فيه كان طيبا وإن لم يقترن خصوص عيشهم بالطيب، ونحوه أن نقول: (صمنا في أيام ضاحكة أياما باكية) فهذا يدل على أنه اقترن صومهم بزمن البكاء، ولكن عموم الزمن كان ضاحكا، كما تقول: (عشنا في وقت سعيد أياما دامية) فقد اقترن عيشهم بالزمن الدامي، وإن كان الزمن العام سعيدا. ٦ - قد يكون ذكرها للتنصيص على الظرفية، وذلك إذا كان حذفها يؤدي إلى احتمال

стр. 571

المفعولية والظرفية، نحو قولك (قد أنسى يوم السفر) فهذا يحتمل أنك تنسى اليوم نفسه فيكون مفعولا به، ويحتمل أن يحصل النسيان عندك في يوم السفر، فيكون ظرفا له، فإن أردت التنصيص على الظرفية قلت (قد أنسى في يوم السفر). ما ينصب على الظرفية: اسم المكان لا يقبل النصب على الظرفية من أسماء المكان إلا ثلاثة أقسام هي: ١ - المبهم: كالجهات، نحو فوق، وتحت ويمين وشمال والمراد بالمبهم هنا ما ليس له حدود محصورة، فعندما تقول: (هو فوقك) ليس للفوق حدود، فهو يمتد من رأسك إلى أعلى، فالسقف فوقنا، والسماء فوقنا، قال تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنينها﴾ [ق: ٦]، وقال: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ [الملك: ١٩]، ثم هذه الجهات نسبية، فما يكون فوقا لك، قد يكون تحتا لشيء آخر، وما يكون يمينا لك قد يكون شمالا لشيء آخر، وما يكون أماما لك قد يكون وراء لشيء آخر، تختلف باختلاف الكائن (١). جاء في (التصريح): " قال أبو البقاء في شرح لمع ابن جني: الابهام يحصل في المكان من وجهين: أحدهما أن لا يلزم مسماه، ألا ترى أن خلفك قدام لغيرك وقد تتحول عن تلك الجهة فيصير ما كان خلفك جهة أخرى لك، لأن الجهات تختلف باختلاف الكائن في المكان فهي جهات له وليس كل واحدة منهما حقيقة منفردة. والوجه الثاني أن هذه الجهات لا أمد لها معلوم، فخلفك اسم لما وراء ظهرك إلى آخر الدنيا" (٢).

стр. 572

فنحو فوق محمد، ويمين سعيد، وإمام خالد، مبهمة ولا تكون مختصة بسبب الإضافة بل هي مع إضافتها مبهمة لما ذكرنا. أما المختص أو المحدود، فهو ماله حدود محصورة ونهايات مضبوطة كالدار والسوق فلا تكون ظروفا، فلا يصح أن تقول: نمت البيت، وبعت السوق، بل لابد أن تأتي بفي، ومن المختص جوف الدار، وداخل المسجد، وخارج البيت، فهذه مختصة، لأن لها حدودا ونهايات، فلا تقع ظروفا، فلا تقول هو داخل المسجد، ولا خارج البيت، بل يلزم أن تقول: هو في داخل المسجد، وفي جوف البيت (١). ٢ - المقادير: نحو ميل وفرسخ، فهي عند الجمهور مبهمة، وعند بعضهم ليست مبهمة لأنها معلومة المقدار (٢). والصواب أنها شبه مبهمة، فهي معلومة المقدار، غير أنها تشبه المبهم في عدم التعيين وذلك إن الميل مثلا، يختلف مكان بدئه ونهايته وجهته (٣). فهو ليس كالدار، والمدرسة، والمسجد، فإن لها حدودا معلومة، ونهايات محصورة، ولا كالجهات، لأنها لا تنتهي فأنت تبدأ بالمقدار، من أي مكان، وإلى أية جهة، فقد تبدأ به من هنا، أو هناك، وإلى جهة اليمين، أو اليسار أو الأعلى، غير أن مسافته مضبوطة محدودة، ولذا فهو شبه مبهم. ٣ - أسماء المكان بشرط أن يكون الواقع فيها من لفظها، نحو جلست مجلس خالد وقعدت مقعد سعيد، فلو كان الواقع فيها من غير لفظها تعين جرها بفي، نحو نمت في مجلس خالد، وبعت في مقعد سعيد (٤).

стр. 573

وهذه الأماكن مختصة معلومة، لأنها معلومة محدودة غير أن العرب أجرتها مجرى غير المختص، وشذ هو منى منزلة الشغاف، ومناط الثريا ومقعد الأزار، وتعبيرات أخرى قليلة (١). اسم الزمان: اما إسم الزمان فإنه يقبل النصب على الظرفية، مبهما كان أو غير مبهم، فالزمان المبهم ما دل على زمان غير مقدر، ولا حد له يحصره، نحو حين، وزمن، ومدة، ووقت، وانتصابه على أنه ظرف مؤكد للزمن الذي تضمنه الفعل، نحو (سرت حينا) ومدة فالسير لا يكون إلا في مدة، ونحو قوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا﴾ [الإسراء: ١]، وقوله ﴿فأسر بعبادي ليلا﴾ [الدخان: ٢٣]، لأن الإسراء لا يكون إلا في الليل (٢). وقد ذكرنا في باب المفعول المطلق، أن المفعول المطلق المؤكد، إنما هو مؤكد لمصدر الفاعل، وإن من الظرف ما يكون مؤكدا للزمن الذي تضمنه الفعل. أما المختص من الزمان فماله نهاية تحصره، بأن يكون معلوم الوقت، أو المقدار، سواء كان معرفة، أم نكرة نحو يوم وليلة وشهر ويوم وجمعة والصيف والشتاء، نحو سرت يوما أو يومين، وصمت يوم الخميس، وقمت ليلة القدر. وقد يكون مقدرا غير معلوم، نحو سرت زمنا طويلا، وزمنا قليلا (٣) وقد يكون اللفظ الواحد مرة مختصا، ومرة مبهما، بحسب القصد فمثلا (يوم) إذا أريد به المدة المعلومة، كان مختصا نحو صمت يوما، وسرت يوما، وقد يكون مبهما وذلك إذا لم يرد به المدة المعلومة، نحو خرجت يوما إلى البصرة، ونحو ليلة وساعة ولحظة،

стр. 574

كقولك (نمت ليلة) و (خرجت ليلة)، فالأولى مختصة والثانية مبهمة، وكلاهما يقبل النصب على الظرفية الزمانية. ما ينوب عن الظرف: مما ينوب عن الظرف صفته نحو: ﴿ومن كفر فأمتعه قليلا﴾ [البقرة: ١٢٦]، أي زمنا قليلا ويحتمل أن يكون المعنى تمتيعا قليلا، فيكون نائبا عن المصدر وهو ما يفيد معنيين كما ذكرنا في حث المفعول المطلق، ونحوه جلست شرقي الدار أي مكانا شرقي الدار. ومما ينوب عنه العدد، نحو قوله تعالى: ﴿بل لبثت مائة عام﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ونحو (سرت عشرين يوما) وسرت خمسة أميال، كما ينوب عنه كلية الظرف وجزئيته، ونحو مشيت كل اليوم، وجميع اليوم، وكل المسافة، وجميع الميل نحو (لبثنا يوما أو بعض يوم) [الكهف]: وسرت بعض الميل، وجزءا من الميل (١) واسم الإشارة نحو جئت هذا الوقت، وخرج محمد هذه الساعة، وسرت هذه المسافة. والمصدر قد ينوب عن الزمان، وشرطه افهام وقت أو مقدار، فالأول نحو (جئت طلوع الشمس، وصلاة العصر) أي وقت طلوع الشمس، ووقت صلاة العصر. والثاني نحو (انتظرته حلب ناقة)، وصلاة ركعتين، أي مقدار حلب ناقة، ومقدار صلاة ركعتين، وينوب عن ظرف المكان مفهما مكانا أو مقدرا (٢). نحو جلست قربك، أي مكان قربك، وفسح له مد البصر، أي مقدار مد البصر، وركضت رمية سهم، أي مقدار رمية سهم. وهو في ظرف الزمان أكثر. وقد يقام اسم عين مقامه، على تقدير مضاف محذوف نحو (لا أكلمك القارظين) أي مدة غيبتها، والقارضان رجلان خرجا يجنيان القرظ، ولم يعودا فضرب بهما المثل.

стр. 575

ونحو لا آتيك الفرقدين أي مدة بقائهما (١). وذكروا أنه تنوب عن ظرف الزمان، ألفاظ مسموعة توسعوا فيها، نحو: أحقا أنك ذاهب؟ وذهب المبرد إلى أن حقا مصدر والصدر الؤول فاعله (٢)، وإليه أميل. الظرف التصرف وغير المتصرف: ينقسم اسم الزمان والمكان إلى متصرف وغير متصرف، فالمتصرف من ظروف الزمان أو المكان ما استعمل ظرفا وغير ظرف، كيوم ومكان، فإن كل واحد منهما يستعمل ظرفا نحو سرت يوما، وجلست مكانا ويستعمل مبتدأ نحو يوم الجمعة يوم مبارك ومكانك حسن، وفاعلا نحو جاء يوم الجمعة وارتفع كانك (٣). وغير المتصرف ما لا يستعل إلا ظرفا أولا يفارق الظرفية إلا إلى الجر بمن فمن غير المتصرف قط وعوض، وذات يوم، وذات ليلة من ذلك سحر، إذا أردت به سحر يوم بعينه تقول: (خرجت يوم الجمعة سحر) فإن لم ترده من يوم بعينه، فهو متصرف قال تعالى ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤]، ومثله صباحا ومساء وعشية، وعشاء، وليلا ونهارا إذا أردت صباح يومك، ومساءه وعشيته، وعشاءه وليله ونهاره أو يوما آخر بعينه تقول: جئت يوم السبت عشاء، فلا يكون إلا ظرفا، وجئت يوم الخميس صباحا أو مساء أو ليلا قال تعالى: ﴿وجاءوا أباهم عشاء يبكون﴾ [يوسف: ١٦]، أي في عشاء ذلك اليوم الذي خرجوا فيه، فهذا لا يكون إلا ظرفا، فلا يصح أن تقول: هذا صباح مشرق، وهذا ليل طويل، وأقبل أخوك بليل، وهو يؤذن بليل، قال سيبويه: " ومثل ذلك صيد عليه صباحا ومساء، وعشية وعشاء، إذا أردت عشاء يومك، ومساء ليلتك، لأنهم لم يستعملوه على هذا المعنى إلا ظرفا .. وكذلك سير عليه ليلا ونهارا إذا أردت ليل ليلتك ونهار نهارك" (٤).

стр. 576

وقال: " وتقول سير عليه ضحوة من الضحوات، إذا لم تعن ضحوة يومك، لأنهما بمنزلة قولك ساعة من الساعات، وكذلك قولك: سير عليه عتمة من الليل، لأنك تقول: أتانا بعدما ذهبت عتمة من الليل" (١). أولا يفارقها إلا الجر بمن في الأكثر، نحو عند، ولدن، وقبل، وبعد، وفوق، وتحت (٢) نحو قوله تعالى: ﴿آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ [الكهف: ٦٥]، وقد تجر (متى) بإلى، وحتى، وتنجر (أين) بإلى، ومن مع عدم تصرفهما. وربما وقعت بعض الظروف ذات التصرف الناقص مفعولا به، ومضافا إليه نحو (إذ)، قال تعالى: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض﴾، [الأنفال: ٢٦] وقال: ﴿بعد إذ أنزلت إليك﴾ [القصص: ٨٧]، ونه يومئذ وحينئذ (٣). " واختلف في (من) الداخلة على قبل، وبعد، فقال الجمهور: لابتداء الغاية ورد بأنها لا تدخل عندهم على الزمان .. وأجيب بأنهما غير متأصلين في الظرفية، وإنما هما في الأصل صفتان للزمان، وزعم ابن مالك أنها زائدة، وذلك مبني على قول الأخفش في عدم الإشتراط لزيادتها" (٤). وجاء في (لسان العرب): " قال الجوهري: وقد تدخل (من) توكيدا لغويا قال الأخفش ومنه قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ (٥) [الزمر: ٧٥]. وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " ومن الداخلة على الظروف غير المتصرفة أكثره بمعنى (في) نحو جئت من قبلك، ومن بعدك .. وأما نحو جئت من عندك

стр. 577

﴿هب لي من لدنك﴾ [آل عمران: ٣٨]، فلا ابتداء الغاية" (١). ومن هذه يتبين أن هناك ثلاثة آراء في (من) الداخلة على بعض من الظروف غير المتصرفة: ١ - أنها لابتداء الغاية. ٢ - أنها بعنى في. ٣ - زائدة التوكيد والذي يبدو لي أن الأمر هو الراجح، وليست بمعنى (في)، لأن الأصل عدم النيابة، وليست بزائدة لأن الأصل عدم الزيادة، وإذا أمكن عدم إخراجها من معناها الذي وضعت له فهو الأولى، ولا تصرف عن معناها الأساسي إلا إذا تعذر إبقاؤها عليه. وأرى أنه يمكن الإبقاء على معنى الابتداء في هذه الظروف، ولكن قد يتضح معنى الابتداء نحو قوله تعالى: ﴿لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ [المائدة: ٦٦]، و (انطلقت من تحت الشجرة) فإنه لا يصح في نحو ذلك أن تكون بمعنى (في)، ولا زائدة لأن المعنى يكون على ذلك (لأكلوا من فوقهم وتحت أرجلهم) [المائدة: ٦٦]، و (انطلقت من تحت الشجرة)، فإنه لا يصح في نحو ذلك أن تكون بمعنى (في)، ولا زائدة لأن المعنى يكون على ذلك (لأكلوا من فوقهم وتحت ارجلهم) وهو ممتنع، وكذلك قولنا (انطلقت من تحت الشجرة)، وذلك لأن مبدأ الإنطلاق من هذا المكان، والمعنى يتغير بتقديرها بـ (في) أو بجعلها زائدة. وأحيانا يدق المعنى حتى يحتاج إلى غوص واستخراج، وفي نحو هذا يحصل الخلاف، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: ﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا﴾ [النحل: ١٦]. وقوله: ﴿ومنكم من يتوفي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا بهيج﴾ [الحج: ٥].

стр. 578

فالأولى بدون (من) والثانية بمن، وقد يبدو ان (من) ههنا زائدة زيادة ظاهرة، ولكن لدي التدقيق يتبين أنها ليست زائدة، ومن مقارنة السياقين يتبين ذلك. قال تعالى في سورة النحل: ﴿وأوحي ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون، ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناء إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا إن الله عليم قدير﴾ [النحل: ٦٨ - ٧٠]. وقال في سورة الحج: ﴿يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفي ومنكم من يرد إلى ارذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبت من كل زوج بهيج﴾ [الحج: ٥]. فأنت ترى أن الآية الثانية رد على من هو في ريب من البعث، وإيضاح بالغ قدرة الله له وكيف أنه خلقه من التراب بشرا فطوره إلى أن يرد إلى أرذل العمل فيجهل من بعد العلم، إلى غير ذلك، من مظاهر قدرة الله، فذكر (من) هنا بخلاف آية النحل لسر لطيف وهو أن قوله (لكيلا يعلم من بعد علمه شيئا) معناه أنه الجهل يبدأ من بعد العلم بلا مهلة، فهناك حالة علم تبدأ منها حالة الجهل التام، أما قوله (بعد علم) فيحتمل الزمن القريب والبعيد، فهو كقولك جئت بعد خالد، يحتمل الزمن القريب، والبعيد وأما من فقد أفادت الابتداء، أي يبدأ الجهل المباشر بعد العلم، بلا مهلة ولا فاصل، وهو أدل على قدرة الله وذلك لأنه انتقال مباشر من العلم إلى الجهل، أما قوله (بعد علم) فيحتمل أن مرت عليه مدة طويلة من غياب بعض المعلومات ونسيانها إلى الجهل، فمعنى (من بعد علم) أنه قادر على أن يغير بأقرب وقت من حال إلى حال، وهو المناسب لمقام تبيان القدرة لمنكري البعث.

стр. 579

ومن قال بالزيادة للتوكيد، لأن المقام مقام توكيد، فقوله ليس بمطرح، لكن الأولى عدم إخراجها عن معناها ما أمكن. ومثله قوله تعالى: ﴿يحي الأرض بعد موتها﴾ [الحديد: ١٧]، وقوله: ﴿فأحيا به الأرض من بعد موتها﴾ [العنكبوت: ٦٣]. إن آيات وردت من دون (من) في مواطن عدة من القرآن وبـ (من) في موطن واحد ويتضح من السياق سبب ذلك. قال تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقال: ﴿والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لأية لقوم يسمعون﴾ [النحل: ٦٥]. وقال: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحي تظهرون، يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون﴾ [الروم: ١٧/ ١٩]. وقال: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فحيى به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ [الروم: ٢٤]. وقال: ﴿فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾ [الروم: ٥٠]، وقال: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور﴾ [فاطر: ٩].

стр. 580

وقال: ﴿إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين. وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون، واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصرف الرياح آيات لقوم يعقلون﴾ [الجاثية: ٣ - ٥]. وقال: ﴿اعلموا أن الله يحي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون﴾ [الحديد: ١٧]. في حين قال: ﴿ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقلون الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون﴾ [العنكبوت: ٦٣]. فأنت ترى أنه لم يذكر (من) في ثمانية مواط وذكرها في موطن واحد، والسبب واضح وهو أن الآية في سورة العنكبوت تدور حول المشركين الذين يشركون بالله، ويعبدون معه آلهة أخرى، وهي تعجيب من عقولهم، وإظهار لمقدار تفكيرهم وباطلهم، فهم يعبدون آلهة من الحجر، أو من غيره في حين لو سألتهم: ﴿من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله﴾ [العنكبوت: ٦١]، ولئن سألتهم من نزل السماء ماء فأحيا به الأرض ليقولن الله. فهذا السياق يختلف عن كل ما سبق وهو نظير ما مر في منكري البعث، فأدخل (من) في هذا الموطن للدلالة على مقدار قدره الله وعظمها، وذلك أن قوله (أحيا الأرض بعد موتها) يعني في الزمن الذي هو بعد الموت، وهو يحتمل الزمن القريب والبعيد، أي يحصل الأحياء بعد إنزال الماء، وقد يطول الزمن بعده أو يقصر، كما ذكرنا في (بعد علم). ولكن قوله (أحيا الأرض بعد موتها) معناه، يكون الاحياء بعد الموت بلا مهلة ولا فاصل، ومعنى ذلك أن الله قادر على أن يحيى الميت فورا بلا مهلة، فهو لا يحتاج إلى زمن لاحيائه، وهو أدل على قدرة الله وإن كان كلاهما من قدرة الله وحده، وقد جاء بمن في هذا المقام للدلالة على أنهم يشاهدون ذلك، ويقرون أن الله يحيى الأرض من الموت، بلا مهلة، ومع ذلك يعبدون غيره.

стр. 581

وهو نظير ما سبق فهي ليست زائدة للتوكيد، ولكن لمعنى الابتداء، ولو قال قائل أنها هنا أدخلت توكيدا لأن المقام مقام توكيد، لكان في قوله مندوحة، ولكن فالأولى ابقاؤها على معناه الذي أوضحناه. ومثله قوله تعالى: ﴿ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق﴾ [البقرة: ١٠٩]. وقوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾ [آل عمران: ١٠٠]. ففي الآية الأولى ذكر (من) وفي آية آل عمران لم يذكرها وذلك أنه ذكر في الآية الأولى أن كثيرا من الكفار يتمنون لو أنهم ردوا المسلمين من بعد الإيمان كافرين، أي بلا مهلة، حسدا من عند أنفسهم، فهم يتمنون الاسراع في تفكيرهم، وأن ينقلوهم من حالة الإيمان إلى حالة الكفر فورا، في حين أن آية آل عمران تحذير للمسلمين من إطاعة الكافرين، لأنهم ينفثون فيهم أوهامهم وضلالهم، شيئا فشيئا، حتى يردوهم بعد الإيمان كافرين وليس معناه أنهم ينقلونهم فورا من الإيمان إلى الكفر، ولكن معناه أنهم يضلونهم شيئا فشيئا حتى يخرجوا الإيمان من قلوبهم. فالأولى مقام تمن، والثانية مقام التحذير من الإضلال. ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦]، أي لم يتركهم مدة طويلة ميتين، ثم قال: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما أتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون. ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين﴾ [البقرة: ٦٣ - ٦٤].

стр. 582

وقال: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، ولتنصرنه قال اقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين. فمن تولى بعد لك فأولئك هم الفاسقون﴾ [آل عمران: ١٨ - ٨٢]. والفرق واضح وذلك أن آية البقرة في بني إسرائيل، وتعداد نعمه عليهم، وعصيانهم مع ظهور الآيات البينات، فقد قال تعالى: ﴿وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون﴾ [البقرة: ١٥]، فهم بعد أن فرق بهم البحر وأغرق آل فرعون اتخذوا العجل، بلا مدة فاصلة، فجاء بمن قال (من بعده) ولم يقل (بعده)، ثم عفا عنهم من بعد ذلك، ثم إنهم قال لموسى إنهم لن يؤمنوا بعد كل ذلك حتى يروا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فأماتهم، ثم بعثهم، من بعد الموت، ثم رفع فوقهم الطور، ثم تولوا من بعد ذلك فجأة، فما أقسى قلوبهم وما أضلهم، وهذا دليل على تقلب قلوبهم، وتمكن الضلال من نفوسهم، يعصون بعد الآيات فجأة. وليس الأمر كذلك في آية آل عمران، لأن الكلام مع النبيين، وليس المقام مقام تبكيت ولا أنهم يتولون مباشرة من بعد الميثاق، وإنما هو مقام ترهيب وتوعد لمن تولى بعد الميثاق، والفرق واضح بين المقامين. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: ٧]، وقوله: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجال نوحي إليهم فسئلوا اهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٤٣]. فلم يذكر (من) في آية الأنبياء، وذكرها في آية النحل، وسر ذلك أن (من) تفيد الابتداء كما ذكرنا، أي أن الأمر كذلك ابتداء من قبلك إلى القديم، بخلاف أية الأنبياء فهي ليست لهذا المعنى، والذي يدل على ذلك سياق الآيتين.

стр. 583

جاء في النحل: ﴿قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ [النحل: ٢٦]. وقال: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباءنا ولا حرمنا من دونه من شيء، كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين. ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾. [النحل: ٣٣ - ٣٦]. فهذا يدل على أن هذا شأن القرى من رسلهم منذ القديم، ثم قال: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسن ولآجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون﴾ [النحل: ٤١]، أي هاجروا من بعد الظلم، فلم يكن فاصل بين الظلم والهجرة، ولو قال (بعد ما ظلموا) لاحتمل أن ثم مدة ليس فيها ظلم لأنه بعد الظلم قد يحتمل الطول والقصر بخلاف قوله (من بعد ما ظلموا). ثم قال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم .. ﴾ أي هذا هو الشأن منذ القديم ابتداء من قبلك إلى الأقدم ثم قال ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون﴾ [النحل: ٤٥]، وهو فعل مشابهة لفعل الذين من قبلهم (قد مكر الذين من قبلهم) فهو خط واحد من الأول إلى الآخر. وأما سورة الأنبياء فليس فيها مثل هذا المعنى ولا القصد أن هذا شأنهم من القديم وإليك الآيات: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون، قال ربي يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع

стр. 584

العليم، بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون، ما أمنت قبلهم من قرة أهلكنها أفهم يؤمنون﴾ [الأنبياء: ١ - ٦]. فلم يذكر (من) لعدم إرادة الابتداء وإنما هو إخبار أن الذين قبلهم لو يؤمنوا ثم قال: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [الأنبياء: ٧]، فاتضح الفرق بين السياقين. وأظن الآن أنه اتضح الفرق بين ذكر (من) وعدمه في مواطن قد يبدو ان الفرق فيها غير ظاهر. فـ (من) تدل على الابتداء، قال تعالى: ﴿قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ويجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]، ولم تق (فوقها) لأن كلمة (فوق) تحتمل المسافة القريبة والبعيدة قال تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم﴾ [ق: ٦]، وقال: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ [البقرة: ٦٣]. وقال: ﴿أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن﴾ [الملك: ١٩]. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ [الزمر: ٧٥] , وقد جعل الأخفش (من) فيه زائدة، وهي ليست زائدة، ولكنها للابتداء والله أعلم، وذلك أن المعنى أن صفوف الملائكة تبدأ مباشرة من حول العرش، ولو قال (حول العرش) لاحتمل المسافة القريبة والبعيدة، في حين أن (من) أفادت أن الصفوف تبدأ مباشرة من حول العرش. ونحوه قوله تعالى: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ [الزمر: ١٦]، ولم يقل (فوقهم) أي أن الظلل تكون ابتداء من فوقهم، ومن تحت أرجلهم بلا فاصل بينها وبينهم، بخلاف ما لو قال فوقهم وتحتهم، لأن ذلك يحتمل المسافة القريبة والبعيدة، والله أعلم بمراد كلامه.

стр. 585

الظروف المركبة: من الظروف غير المتصرفة، الظروف المركبة نحو صباح مساء، وليل نهار، ويوم يوم، وحين حين، نحو هو يزورنا صباح مساء، ومعنى (صباح مساء) كل صباح ومساء، وهي مبنية على فتح الجزءين، جاء في (الهمع): " الحق بالممنوع التصرف في التزام النصب على الظرفية ما لم يضف مركب الأحيان، كفلان يزورنا صباح مساء، ويوم يوم أي كل صباح ومساء، وكل يوم .. وقال: آت الرزق يوم يوم فأجمل ... طلبا وابغ للقيامة زادا وهي مبني حينئذ لتضمنه معنى حرف العطف، كخمسة عشر، بخلاف ما إذا أضيف الصدر إلى العجز، فإنه يتصرف فيقع ظرفا وغير ظرف كقوله: ولولا يوم يوم ما أردنا وكذا إذا لم يركب بل عطف نحو فلان يتعاهدنا صباحا ومساء (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقد استعمل جوازا كخمسة عشر مبنية الجزءين ظروف كيوم يوم، وصباح مساء، وحين حين .. ويجوز أيضا إضافة الصدر من هذه الظروف والأحوال إلى العجز .. إذ يحتمل أن يكون كلها بتقدير حروف العطف وأن لا تكون فإذا قدرنها قلنا أن معنى لقيته يوم يوم وصباح مساء وحين حين أي يوما فيوما وصباحا فمساء وحينا فحينا أي كل يوم وكل صباح، ومساء وكل حين، والفاء يؤدي معنى هذا العموم، كما في قولك انتظرته ساعة ساعة، أي في كل ساعة، إذ فائدة الفاء التعقيب، فيكون المعنى يوما فيوما عقيبة بلا فصل إلى مالا يتناهي .. وإن لم تقدر حرف العطف قلنا أن المعنى يوما بعد يوم، وصباحا بعد مساء، وحينا بعد حين" (٢).

стр. 586

وجاء في (الكتاب): "ومثل ذلك أنه ليسار عليه صباح مساء، إنما معناه صباحا، ومساء وليس يريد بقوله صباحا ومساء، وصباحا واحدا، ومساء واحدا، ولكنه يريد صباح أيامه ومساءها (١) ". وذهب الحريري في (درة الغواص) إلى أن معنى الإضافة غير معنى التركيب، فقولك: هو يزورنا صباح مساء، معناه أنه يزورنا في الصباح، وأما في قولك: صباح مساء فمعناه هو يزورنا صباحا ومساء، جاء في (درة الغواص): " ومن ذلك أنهم لا يفرقون بين قولهم (زيد يأتينا صباح مساء) على الإضافة، ويأتينا (صباح مساء) على التركيب، وبينهما فرق يختلف المعنى فيه، وهو أن المراد به مع الإضافة أنه يأتي في الصباح وحده، إذ تقدير الكلام يأتينا في صباح مساء، والمراد عند تركيب الإسمين وبنيتهما على الفتح أنه يأتي في الصباح والمساء، وكان الأصل: هو يأتينا صباحا ومساء، فحذفت الواو العاطفة، وركب الاسمان وبنيا على الفتح. لأنه أخف الحركات كما فعل في العدد المركب من أحد عشر إلى تسعة عشر" (٢). وعند الجمهور أن المعنى في التركيب والإضافة والعطف واحد (٣). وجاء في (الهمع): أن ابن بري رد على الحريري زعمه هذا (بأن هذا الفرق لم يقله أحد، بل صرح السيرافي بأن (سير عليه صباح مساء) و (صباح مساءِ) و (صباحا ومساء) معناهن واحد، ثم قال: وليس (سير عليه صباح مساء) مثل قولك (ضربت غلامَ زيدٍ) في أن السير لا يكون إلا في الصباح، كما شهر أن الضرب لا يقع إلا بالأول وهو الغلام دون الثاني، لأنك إذا لم ترد أن السير وقع فيهما لم يكن في مجيئك بالمساء فائدة، وهذا نص واضح" (٤).

стр. 587

والصواب أن الإضافة والتركيب لغتان فمن العرب من يقولها بالتركيب، ومنهم من يقولها بالإضافة والمعنى واحد، لأن الاختلاف في اللغات لا يدل حتا على الاختلاف في المعنى جاء في (كتاب سيبويه): " وأما يوم يوم، وصباح مساء، وبيت بيت، وبين بين، فإن العرب تختلف في ذلك، يجعله بعضهم بمنزلة اسم واحد، وبعضهم يضيف الأول إلى الاخر ولا يجعله اسما واحد" (١). ولو كان التعبيران من لغة واحدة لكان القياس ما قاله الحريري، ويكون القصد آنذاك الاهتمام بالمضاف إليه، فإن قلت مثلا: لقد زارنا صباح مساء كان المساء مهتما به، أي زارنا في صباح مساؤه عظيم، أو نحو ذلك، كما تقول: جاءنا في صباح مساء حافل بالبشر. واإلإضافة لا تفيد التكرار نصا، كما يفيده التركيب، لأن القياس أن يكون المضاف هو المقصود بالظرفية. أما العطف فيختلف عن التركيب إذ التركيب يفيد التكرار أما العطف فهو يحتمل التكرار وعدمه فمن الأول قوله تعالى: ﴿قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا. فلم يزدهم دعاءي إلا فرارا﴾ [نوح: ٥ - ٦]، وقوله: ﴿وسبحوه بكرة وأصيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢]، أي كل بكرة وأصيل، ومن عدم التكرار قولك (كلمته صباحا ومساء) فهو يحتمل التكرار وعدمه، أي في صباح واحد ومساء واحد. طائفة من الظروف هذه طائفة من الظروف نشرحها بصورة موجزة إكمالا للفائدة: الآن: اسم لزم الحال، وهو الذي يقع في كلام المتكلم الفاصل بين ما مضى وما هو آت وهو مبني على الفتح (٢)، وهو من آن الشي أينا بمعنى (حان)، فمنى (الآن) هذا الحين

стр. 588

وهو ملازم للألف واللازم، وفي سبب بنائه، وفي الألف واللام الداخلة عليه كلام لسنا بصدده هنا (١). إذ: وهي ظروف للمضي في أصل وضعها، نحو: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ [التوبة: ٤٠]. وقال قسم من النحاة أنها قد تقع للاستقبال، خلافا للجمور، قال تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ [الزلزلة: ٤]، وقال: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١]. وقد تكون للتعليل، نحو قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ [الزخرف: ٣٩]، أي ولن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، لأجل ظلمكم في الدنيا. وترد للمفاجأة وهي الواقعة بعد بنا وبينما، كقوله: فبينما العسر إذ دارت مياسر (٢). والأولى حرفيتها في المعنيين الأخيرين. وهي تدل على الجملة الإسمية والفعلية، نحو قوله تعالى: ﴿إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه﴾ [التوبة: ٤٠]، وقد تختلف الجملة المضاف إليها، فيؤتى بالتنوين عوضا عنها نحو (يومئذ تحدث أخبارها).

стр. 589

إذا: وهي في الغالب تكون " ظرفا للمستقبل مضمنة معنى الشرط، وتختص بالدخول على الجملة الفعلية .. قيل وقد تخرج عن كل من الظرفية والاستقبال ومنعى الشرط" (١). فمن خروجها عن الظرفية ووقوعها مفوعلا به قوله (ص) لعائشة: " أني لأعلم إذا كنت راضية عني وإذا كنت علي غضبى" وذلك أنه يعلم زمن الرضا، والغضب لا أنه يعام شيئا حل في زمن الرضا والغضب والجمهور، على أنها لا تخرج عن الظرفية. وقد تخرج عن الاستقبال فتستعمل للمضي كقوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالو لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم﴾ [آل عمران: ١٥٦]. " لأن قالوا ماض فيستحيل أن يكون زمانه مستقبلا، ومثله قوله تعالى: ﴿حتى إذا أتوا علي واد النمل﴾ [النمل: ١٨]، ﴿حتى إذا جاءوك يجادلونك﴾ [الأنعام: ٢٥]، ﴿حتى إذا بلغ بين السدين﴾ [الكهف: ٩٣]، ﴿حتى إذا ساوي بين الصدفين﴾ [الكهف: ٩٦]، ﴿حتى إذا جعله نارا﴾ [الكهف: ٩٦]، ﴿وإذا رأوا تجارة أو لهوا انقضوا إليها﴾ [الجمعة: ١١]، لأن الانفضاض واقع في الماضي. وتجيء للحال كقوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى﴾ [النجم: ١]، ﴿واليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى﴾ [الليل: ١ - ٢]، وتستعمل أيضا للاستمرار كقوله: ﴿وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا أمنا﴾ [البقرة: ١٤]، وقوله ﴿لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض﴾ فهذا فيما مضى لكن دخلت (إذا) لتدل على أن هذا شأنهم أبدا ومستمر فيما سيأتي كما في قوله: وندمان يزيد الكأس طيبيا ... سقيت إذا تغورت النجوم (٢)

стр. 590

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٦]. وهذه حالة مستمرة. وقوله: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقوله: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وقوله: ﴿وإذا لقوكم قالوا أمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩]. وقوله: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما﴾ [يونس: ١٢]، وهذه حال الإنسان على وجه الاستمرار. ونحوه: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا﴾ [الإسراء: ٨٣]، وقوله: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها﴾ [النور: ٣٦]. وقد ذكر الفراء أنها تجيء للدوام والدأب فقال: " وأما قول الكميت: ماذاق بوس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق إنما أراد: لم يذقها فيما مضى ولن يذقها فيما يستقبل إذا كان لم يعشق. وتقول (ما هلك امرؤ عرف قدره) فلو ادخلت في هذا (إذا) كانت أجود من إذ لأنك لم تخبر بذلك عن واحد فيمون باذا وإنما جعلته كالدأب فجرى الماضي والمستقبل. ومن ذلك أن يقول الرجل للرجل: (كنت صابرا إذا ضربتك) لأن المعنى: كنت كلما ضربت تصبر، فإذا قلت: كنت صابرا إذا ضربت فإنما أخبرته عن صبره في ضرب واحد" (١).

стр. 591

وقد تتجرد للظرفية، فلا تتضمن معن الشرط نحو قوله تعالى: ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١] ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾ [الضحى: ١ - ٢]. وسيأتي في شأنهما تفصيل في بحث الشرط بإذن الله تعالى. أمس: وهو اسم لليوم الذي قبل يومك، وهو معرفة مبنية على الكسر عند الحجازيين، والتميميون يمنعوها من الصرف " فإن نكر أمس كقولك (كل غد يصير أمسا) و (كل أمس يصير أول من أمس) أو أضيف أمسنا، أو أدخله اللام نحو (ذهب الأس) بما فيه أعرب اتفاقا" (١). وإذا اقترن (أمس) بأل العهدية " فهو لليوم الماضي المعهود بين المتخاطبين، وليه يومك أم لا، وإذا نون كان صادقا على كل أمس" (٢). فالفرق بين قولك (فعلت هذا أمس) وقولك (فعلت هذا بالأمس) أن الأول قصدت به أنك في اليوم لذي قبل يومك، وأما الثاني فمعناه أنك فعلته في اليوم المعهود بينك وبين المخاطب، أي اليوم الذي يعلمه المخاطب، سواء كان اليوم الذي يليه يومك أما ما قبله. ومنه قوله تعالى: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس﴾ [يونس: ٢٤]، أي الأمس الذي أزينت فيه وليس معناه التنصيص على اليوم الذي قبل يومك. أيان: ظرف زمان مبهم بمعنى (متى) وهو مختص بالأمور العظام، وفيما يراد تفخيم أمره نحو قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الساعة أيان مرساها﴾ [النازعات: ٤٢]، وقوله: ﴿يسئل أيان يوم القيامة﴾ [القيامة: ٦]، ولا يقال: أيان نمت " وتختص إيان في الاستفهام بالمستقبل،

стр. 592

بخلاف متى، فإنه يستعمل في الماضي والمستقبل" (١) ولفظها يوحي بالاستبطاء، فقوله تعالى: ﴿أيان مرساها﴾ [النازعات: ٤٢]، يوحي أنهم يستبطئون يومها ونحوه: ﴿يسئل أيان يوم القيامة﴾ [القيامة: ٦]. بين بينا بينما: أصل (بين) أن تكون ظرفا للمكان، وقد تكون للزمان، وذلك بحسب ما تضاف إليه، فمن ورودها ظرفا للمكان، قوله تعالى: ﴿أجعل بينكم وبينهم ردما﴾ [الكهف: ٩٥]، ومن ورودها للزمان قولهم (بين المغرب والعشاء يفعل الله ما يشاء (٢)) جاء في (شرح لرضي على الكافية): " وأصل (بين) أن يكون مصدرا بمعنى الفراق، فتقدير (جلست بينكما) أي مكان فراقكما. وتقدير (فعلت بين خروجكم ودخولك) أي زمان فراق خروجك ودخولك فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (٣) " وإذا لحقتها الألف أو (ما) أضيف إلى الجمل، لا تكون عند ذاك إلا للزمان وذلك نحو قوله: فبينا نسوس المرء والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف وقوله: وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذا هو الرمس تعفوه الأعاصير وقد تضاف (بينا) إلى مصدر كقوله: بينا تعنقه الكماة وروعه ... يوما أتيح له جريء سلفع (٤) وقد تلقى بينا وبينما، بإذ وإذا اللتين للمفاجأة كما مر في البيتين.

стр. 593

جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإنما رتب بينا وبينما وكلما مع جملتيها ترتيب كلمات الشرط مع الشرط والجزاء، لما ذكرت من بيان لزوم مضمون الثانية للأولى لزوم الجزاء للشرط ولهذا أدخل إذا وإذ للمفاجأة في جواب بينا وبينما، ليدلا على اقتران مضمون الأولى بالثاني مفاجأة بلا تراخ فيكون آكد في معنى اللزوم" (١). وجاء فيه أيضا: " وقد تقع إذ وإذا في جواب بينا وبينما، وكلتاهما إذن للمفاجأة والأغلب في مجيء (إذ) في جواب بينما و (إذا) في جواب (بينما) قال: فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن منهم سوقة نتنصف ولا يجيء بعد (إذ) الفاجأة إلا الفعل الماضي، وبعد (إذا) المفاجأة إلا الإسمية. وكان الأصمعي لا يستفصح إلا تركهما في جواب بينا، وبينما لكثرة مجيء جوابها بدونهما، والكثرة لا تدل على ان المكثور غير فصيح بل تدل على أن الأكثر أفصح (٢) ". حيث: ظرف مكان مبني على الضم، ولا يستعمل إلا مضافا إلى الجمل، إسمية كانت أو فعلية نحو: ﴿فكلا من حيث شئتما﴾ [الأعراف: ١٩]، و (جلست حيث الهواء طيب) واجلس حيث الماء أي وفير أو موجود، وقد ترد للزمان كقوله: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه ويصح أن تكون للمكان ههنا أيضا. وقد تقع مفعولا به، نحو قوله: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ [الأنعام: ١٢٤]ـ إذ المقصود - والله أعلم - أنه يعلم مكان المستحق لوضع الرسالة، لا أنه يعلم شيئا في المكان (٣).

стр. 594

دون: تكون (دون) ظرفا وغير ظرف، فهي غير ظرفية بمعنى حقير، وخسيس، ومسترذل، يقال ثوب دون أي حقير. ورجل دون أي مسترذل ليس بلا حق هو دونك أي حقيرك. جاء في (المختص): " دون تقصير عن الغاية. وتمكن ولما اقتضي التقصير، وصفوا به ما ليس برفيع فقال: رجل دون وثوب دون" (١). ومعناها ظرفية إفادة التقريب، يقال هذا دون ذلك أي أقرب منه (٢) فلا تتصرف عند الجمهور جاء في (الهمع): " من الظروف المبنية في بعض الأحوال دون .. وهو للمكان تقول: قعد زيد دون عمرو، أي في مكان منخفض عن مكانه، وهو ممنوع التصرف عند سيبويه وجمهور البصريين. وذهب الأخفش والكوفيون إلى أنه يتصرف لكن بقلة وخرج عليه (ومنادون ذلك (٣)) (٤). " وقال بعض النحويين: لدون تسعة معان تكون بمعنى قبل، وبعنى أمام، وبمعنى وراء بمعنى تحت، وبمعنى فوق، وبمعنى الساقط من الناس، وغيرهم، وبمعنى الشريف، وبمعنى الأمر، وبمعنى الوعيد، وبمعنى الإغراء. فأما دون بمعنى قبل فكقولك: دون النهر قتال، ودون قتل الأسد أهوال، أي ما قبل أن تصل إلى ذلك. ودون بمعنى وراء كقولك: هذا أمير على ما دون جيحون، أي ما على ما وراءه، ما وراءه، والوعيد كقولك: دونك صراعي ودونك فتمرس بي. وفي الأمر دونك الدرهم أي أخذه.

стр. 595

وفي الإغراء دونك أي الزم زيدا في حفظه. وبمعنى تحت كقولك: دون قدمك خذ عدوك، أي تحت قدمك، وبمعنى فوق كقولك: إن فلانا لشريف، فجيب آخر فيقول: ودون ذلك، أي فوق ذلك (١). وجاء في (الرضي على الكافية): " وقد يدخل (دون) التي بمعنى (قدام) معنيان آخران هي في أحدهما متصرفة وذلك معنى أسفل، نحو أنت دون زيد، إذا كان لزيد مرتبة عالية وللمخاطب مرتبة تحتها، فيوصل إلى المخاطب قبل الوصول إلى زيد، ويتصرف فيها بهذا المعنى نحو هذا الشيء، دون أي خسيس. ومعناها الآخر (غير)، ولا يتصرف بهذا المعنى، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿آتخذ من دونه إلهة﴾ (٢) [يس: ٢٣]. وقوله: ﴿ويعلمون عملا دون ذلك﴾ [الأنبياء: ٨٢]، وقوله: ﴿إلهين من دون الله﴾ [المائدة: ١١٦]. وجاء في (البرهان): " وقد تكون صفة لا بمعنى رديء، ولكن على معناه من الظرفية نحو: رأيت رجلا دونك .. ومنه الدون للحقير ويستعمل للتفاوت في الحال، نحو زيد دون عمرو، أي في الشرف والعلم. واتسع فيه فاستعمل في تجاوز حد إلى حد، نحو قوله تعالى: ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين" (٣). يتبين من هذا أنها تكون وصفا بمعنى الحقير، وظرفا لمعان عدة يجمعها التقريب واسما بمعنى غير واغراء وأمرا.

стр. 596

ريثما: ريث مصدر راث يريث إذا أبطأ، وقد استعمل بمعنى الزمان، وقد تليه (ما) زائدة، أو مصدرية. " وإذا استعمل في معنى الزمان جاز أن يضاف إلى الفعل فتقول: أتيتك ريث قام زيد، أي قدر بطء قيام زيد، فلما خرجت إلى ظروف، الزمان جاز فيها ما جاز في الزمان" (١). سحر: وهو ظرف غير متصرف إذا أريد به سحر يوم بعينه، ومتصرف إذا نكر أو حلي بأل. تقول: (خرجت يوم الخميس سحر) وقال تعالى: ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤]. وإذا قصد به التعيين كان ممنوعا من الصرف، وإن لم يقصد به التعيين صرفته، ويجر بالكسر إذا حلي بأل شأن الممنوع من الصرف، تقول: جاء بالسحر وسمعت صوتا بالسحر وهرب سحرًا (٢). عند: ظرف مكان أو زمان تقول: عندك مال، وأقبل عند الليل، وهي تفيد أقصى نهايات القرب قال الليث: " عند حرف صفة يكون موضعا لغيره، ولفظه نصب، لأنه ظرف لغيره وهو في التقريب شبه اللزق" (٣). وجاء في (الهمع) أنها " لبيان كون مظروفها حاضرا حسا أو معنى أو قريبا حسا أو عنى فالأول نحو: ﴿فلما رءاه مستقرا عنده﴾ (٤) [النمل: ٤٠]، والثاني نحو: ﴿قال الذي

стр. 597

عنده علم من الكتاب﴾ [النمل: ٤٠]، والثالث نحو: ﴿عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]، والرابع نحو: ﴿وعند مليك مقتدر﴾ [القمر: ٥٥]، ﴿رب ابن لي عندك بيتا ي الجنة﴾ [التحريم: ١١]، ﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ [ص: ٤٧]، ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ [النحل: ٩٦] (١) وقال سيبويه: "وقالوا: عندك، تحذره شيئا بين يديه، أو تأمره أن يتقدم وهو من أسماء الفعل لا يتهدى، وقالوا أنت عندي ذاهب أي في ظني". وهي لا تفرق النصب على الظرفية إل إلى الجر بمن قال تعالى ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾ [الكهف: ٦٥]. عوض: وهو اسم للزمان والدهر وخصص بالمستقبل، كما أن قط للماضي. وهو من لفظ العوض وسمي الزمان عوضا لأنه كلما مضى جزء منه عوض جزء آخر، فصار الثاني كالعوض من الأول، وهو لاستغراق المستقبل مثل (ابدا) إلا أنه يكاد يكون مختصا بالنفي. تقول: لا أكلمه عوض، ولا تقول: ما كلمته عوض بل تقول: ما كلمته قط. وهو مبني على الضم فإن أضفته أعربته تقول: لا أفعله عوض العائضين أي دهر الداهرين. ومعنى الداهر والعائض الذي يبقى على وجه الدهر، فكان لمعنى: ما بقي في الدهر داهر. ويقال: افعل من ذي عوض، كما يقال من ذي أنف، فيما يستقبل، وأكثر ما يستعمل عوض مع القسم كقوله: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق

стр. 598

غدوة: ظرف زمان ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو ممنوع من الصرف إذا كان معينا أي من يوم بعينه، كأن تقول: (آتيه يوم الجمعة غدوة) فإن نكرت صرفت، تقول: سير عليه غدوة من الغدوات. ومثله بكرة وهو من طلوع الشمس إلى الضحى (١). قال تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم: ٦٢]. جاء في (المقتضب): " أما غدوة وبكرة فاسمان متمكنان معرفة لا ينصرفان لأجل التأنيث تقول: سير عليه بكرة يا فتى وغدوة، إذا أقمت (بكرة) مقام الفاعل وإن أردت نصبه على الظرف فكذلك تقول (سير عليه بكرة يا فتى وغدوة يا فتى). وإنما صار معرفة لأنك بنيت غدوة اسما لوقت بعينه، وبكرة في معناها. ألا ترى أنك تقول: هذه غداة طيبة، وجئتك غداة طيبة، ولا تقول على هذا: جئتك غدوة طيبة، ولكن تقول: آتيتك يوم الجمعة غدوة يا فتى، فإن نكرت صرفت، فقلت: سير عليه غدوة من الغدوات وبكرة من البكر (٢). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " غدوت وبكرة غير منصرفين اتفاقا وإن لم تكونا معينتين لكونهما من أعلام الجنس كأسامة تقول في التعيين: آتيتك اليوم غدوة، أو بكرة/ وفي غير التعيين لقيته العام الأول، أو يوما من الأيام غدوة، أو بكرة، فتمنع واحدا من الجنس غير معين .. وإذا لم يقصد تعيينهما جاز أيضا تنوينهما اتفاقا، قال تعالى: ﴿ولقد صبحهم بكرة﴾ [القمر: ٣٨]، وإذا قلت: كل غدوة أو بكرة، أو رب غدوة وبكرة، فهما منونتان لا غير، لأن كلا ورب من خواص النكرات (٣).

стр. 599

قط: ظرف لاستغراق ما مضى من الزمان، وهو بفتح القاف وتشديد الطاء مبني على الضم. قال الليث: " وأما قط فإنه هو الأبد الماضي" (١). وهو يختص بالنفي أو شبهه تقول: ما فعلته قط، وهل فعلته قط؟ ولا تقول: لا أفعله قط، بل لا أفعله عوض وأبدا. واشتقاقه من القط أي القطع وقططته أي قطعته " فمعنى ما فعلته قط، ما فعلته فيما انقطع من عمري، لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال. وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى، إذ المعنى مذ أن خلقت، أو مذ خلقت إلى الآن (٢). لدن . هو بمعنى (عند) إلا أنه أقرب مكانا من عند اخص منه، فإن (عند) تقع على المكان وغيره تقول: لي عند فلان مال أي في ذمته ولا يقال في ذلك لدن" (٣). وهو مثل (عند) يكون اسما لمكان الحضور أو زمانه، غير أنه ملازم لابتداء، الغايات الزمنية والمكانية، و (عد) غير ملازمة لمبدأ الغايات تقول: جلست عنده، ولا تقول، جلست لدنه، لأن ليس في هذا التعبير مبدأ غاية. وتقلو: جئت من عنده ومن لدنه، قال تعالى: ﴿قد بلغت من لدني عذرا﴾ [الكهف: ٧٦]، جاء في (التسهيل) أن (لدن) لأول غايات، زمان أو مكان (٤).

стр. 600

ولذا كان معناه في الحقيقة هو (من عند) لا (عند) جاء في (شرح الرضي على الكافية): "ولدى بمعنى (لدن) إلا أنّ (لدن) ولغاتها المذكورة يلزمها معنى الابتداء، فلهذا يلزمها (من) أما ظاهرة وهو الأغلب، أو مقدرة فهي بمعنى: من عند" (١). إن الغالب في (لدن) أن تكون مجرورة بمن، ولم ترد في القرآن إلا كذلك لملازمتها لابتداء الغايات وقد تضاف إلى الجمل بخلاف (عند) قال الشاعر: صريع غوان راقهن ورقنه ... لدن شب حتى شاب سود الذوائب ولا تقع عمدة أي لا تقع خبرا ولا نحوه، فلا تقول: الكتاب من لدنك بخلاف (عند) تقول: الكتاب عندك (٢). قال أبو سعيد السيرافي: " لدن إنما تضاف إلى ما بعده من زمان متصل به أو مكان إذا اقترن بها (إلى) كقولك: جلست من لدن صلاة العصر إلى وقت المغرب" (٣). وجاء في (حاشية التصريح): " وقال بعضهم (لدن) أبلغ من (عند) قال تعالى: ﴿لينذر بأسا شديدا من لدنه﴾ (٤) [الكهف: ٢]. ونود تعقيبا على هذا القول أن نخص (لدن) بزيادة تفصيل فنقول: أن لفظ (لدن) مشابه للفظ (اللدن) المأخوذ من اللدانة واللدونة. و(اللدن) اللين من كل شيء من عود، أو حبل، أو خلق، وامرأة لدنة، ريا الشباب ناعمة، وتلدن في الأمر، تلبث وتمكث، ولم يثر ولم ينبعث عليه، والتلدن والتمكث (٥). فاللدونة الليونة واللدن اللين.
следующие страницы →