ريثما:
ريث مصدر راث يريث إذا أبطأ، وقد استعمل بمعنى الزمان، وقد تليه (ما) زائدة، أو مصدرية.
" وإذا استعمل في معنى الزمان جاز أن يضاف إلى الفعل فتقول: أتيتك ريث قام زيد، أي قدر بطء قيام زيد، فلما خرجت إلى ظروف، الزمان جاز فيها ما جاز في الزمان" (١).
سحر:
وهو ظرف غير متصرف إذا أريد به سحر يوم بعينه، ومتصرف إذا نكر أو حلي بأل. تقول: (خرجت يوم الخميس سحر) وقال تعالى: ﴿إلا آل لوط نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤].
وإذا قصد به التعيين كان ممنوعا من الصرف، وإن لم يقصد به التعيين صرفته، ويجر بالكسر إذا حلي بأل شأن الممنوع من الصرف، تقول: جاء بالسحر وسمعت صوتا بالسحر وهرب سحرًا (٢).
عند:
ظرف مكان أو زمان تقول: عندك مال، وأقبل عند الليل، وهي تفيد أقصى نهايات القرب قال الليث: " عند حرف صفة يكون موضعا لغيره، ولفظه نصب، لأنه ظرف لغيره وهو في التقريب شبه اللزق" (٣).
وجاء في (الهمع) أنها " لبيان كون مظروفها حاضرا حسا أو معنى أو قريبا حسا أو عنى فالأول نحو: ﴿فلما رءاه مستقرا عنده﴾ (٤) [النمل: ٤٠]، والثاني نحو: ﴿قال الذي
стр. 597
عنده علم من الكتاب﴾ [النمل: ٤٠]، والثالث نحو: ﴿عند سدرة المنتهى. عندها جنة المأوى﴾ [النجم: ١٤ - ١٥]، والرابع نحو: ﴿وعند مليك مقتدر﴾ [القمر: ٥٥]، ﴿رب ابن لي عندك بيتا ي الجنة﴾ [التحريم: ١١]، ﴿وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار﴾ [ص: ٤٧]، ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾ [النحل: ٩٦] (١)
وقال سيبويه: "وقالوا: عندك، تحذره شيئا بين يديه، أو تأمره أن يتقدم وهو من أسماء الفعل لا يتهدى، وقالوا أنت عندي ذاهب أي في ظني".
وهي لا تفرق النصب على الظرفية إل إلى الجر بمن قال تعالى ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾ [الكهف: ٦٥].
عوض:
وهو اسم للزمان والدهر وخصص بالمستقبل، كما أن قط للماضي. وهو من لفظ العوض وسمي الزمان عوضا لأنه كلما مضى جزء منه عوض جزء آخر، فصار الثاني كالعوض من الأول، وهو لاستغراق المستقبل مثل (ابدا) إلا أنه يكاد يكون مختصا بالنفي. تقول: لا أكلمه عوض، ولا تقول: ما كلمته عوض بل تقول: ما كلمته قط.
وهو مبني على الضم فإن أضفته أعربته تقول: لا أفعله عوض العائضين أي دهر الداهرين. ومعنى الداهر والعائض الذي يبقى على وجه الدهر، فكان لمعنى: ما بقي في الدهر داهر.
ويقال: افعل من ذي عوض، كما يقال من ذي أنف، فيما يستقبل، وأكثر ما يستعمل عوض مع القسم كقوله:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما ... بأسحم داج عوض لا نتفرق
стр. 598
غدوة:
ظرف زمان ووقته من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو ممنوع من الصرف إذا كان معينا أي من يوم بعينه، كأن تقول: (آتيه يوم الجمعة غدوة) فإن نكرت صرفت، تقول: سير عليه غدوة من الغدوات.
ومثله بكرة وهو من طلوع الشمس إلى الضحى (١). قال تعالى: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾ [مريم: ٦٢].
جاء في (المقتضب): " أما غدوة وبكرة فاسمان متمكنان معرفة لا ينصرفان لأجل التأنيث تقول: سير عليه بكرة يا فتى وغدوة، إذا أقمت (بكرة) مقام الفاعل وإن أردت نصبه على الظرف فكذلك تقول (سير عليه بكرة يا فتى وغدوة يا فتى).
وإنما صار معرفة لأنك بنيت غدوة اسما لوقت بعينه، وبكرة في معناها.
ألا ترى أنك تقول: هذه غداة طيبة، وجئتك غداة طيبة، ولا تقول على هذا: جئتك غدوة طيبة، ولكن تقول: آتيتك يوم الجمعة غدوة يا فتى، فإن نكرت صرفت، فقلت: سير عليه غدوة من الغدوات وبكرة من البكر (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " غدوت وبكرة غير منصرفين اتفاقا وإن لم تكونا معينتين لكونهما من أعلام الجنس كأسامة تقول في التعيين: آتيتك اليوم غدوة، أو بكرة/ وفي غير التعيين لقيته العام الأول، أو يوما من الأيام غدوة، أو بكرة، فتمنع واحدا من الجنس غير معين ..
وإذا لم يقصد تعيينهما جاز أيضا تنوينهما اتفاقا، قال تعالى: ﴿ولقد صبحهم بكرة﴾ [القمر: ٣٨]، وإذا قلت: كل غدوة أو بكرة، أو رب غدوة وبكرة، فهما منونتان لا غير، لأن كلا ورب من خواص النكرات (٣).
стр. 599
قط:
ظرف لاستغراق ما مضى من الزمان، وهو بفتح القاف وتشديد الطاء مبني على الضم. قال الليث: " وأما قط فإنه هو الأبد الماضي" (١).
وهو يختص بالنفي أو شبهه تقول: ما فعلته قط، وهل فعلته قط؟ ولا تقول: لا أفعله قط، بل لا أفعله عوض وأبدا.
واشتقاقه من القط أي القطع وقططته أي قطعته " فمعنى ما فعلته قط، ما فعلته فيما انقطع من عمري، لأن الماضي منقطع عن الحال والاستقبال.
وبنيت لتضمنها معنى مذ وإلى، إذ المعنى مذ أن خلقت، أو مذ خلقت إلى الآن (٢).
لدن .
هو بمعنى (عند) إلا أنه أقرب مكانا من عند اخص منه، فإن (عند) تقع على المكان وغيره تقول: لي عند فلان مال أي في ذمته ولا يقال في ذلك لدن" (٣).
وهو مثل (عند) يكون اسما لمكان الحضور أو زمانه، غير أنه ملازم لابتداء، الغايات الزمنية والمكانية، و (عد) غير ملازمة لمبدأ الغايات تقول: جلست عنده، ولا تقول، جلست لدنه، لأن ليس في هذا التعبير مبدأ غاية.
وتقلو: جئت من عنده ومن لدنه، قال تعالى: ﴿قد بلغت من لدني عذرا﴾ [الكهف: ٧٦]، جاء في (التسهيل) أن (لدن) لأول غايات، زمان أو مكان (٤).
стр. 600
ولذا كان معناه في الحقيقة هو (من عند) لا (عند) جاء في (شرح الرضي على الكافية): "ولدى بمعنى (لدن) إلا أنّ (لدن) ولغاتها المذكورة يلزمها معنى الابتداء، فلهذا يلزمها (من) أما ظاهرة وهو الأغلب، أو مقدرة فهي بمعنى: من عند" (١).
إن الغالب في (لدن) أن تكون مجرورة بمن، ولم ترد في القرآن إلا كذلك لملازمتها لابتداء الغايات وقد تضاف إلى الجمل بخلاف (عند) قال الشاعر:
صريع غوان راقهن ورقنه ... لدن شب حتى شاب سود الذوائب
ولا تقع عمدة أي لا تقع خبرا ولا نحوه، فلا تقول: الكتاب من لدنك بخلاف (عند) تقول: الكتاب عندك (٢).
قال أبو سعيد السيرافي: " لدن إنما تضاف إلى ما بعده من زمان متصل به أو مكان إذا اقترن بها (إلى) كقولك: جلست من لدن صلاة العصر إلى وقت المغرب" (٣).
وجاء في (حاشية التصريح): " وقال بعضهم (لدن) أبلغ من (عند) قال تعالى: ﴿لينذر بأسا شديدا من لدنه﴾ (٤) [الكهف: ٢].
ونود تعقيبا على هذا القول أن نخص (لدن) بزيادة تفصيل فنقول: أن لفظ (لدن) مشابه للفظ (اللدن) المأخوذ من اللدانة واللدونة.
و(اللدن) اللين من كل شيء من عود، أو حبل، أو خلق، وامرأة لدنة، ريا الشباب ناعمة، وتلدن في الأمر، تلبث وتمكث، ولم يثر ولم ينبعث عليه، والتلدن والتمكث (٥). فاللدونة الليونة واللدن اللين.
стр. 601
وقد ورد كلمة (لدن) الظرفية في القرآن الكريم سبع عشر مرة، كلها في الرحمة، والحنان، والخير، واللين، ونحوه، وهو استعمال قريب لمعنى الليونة، وأحيانا لمعنى التلبث وهو استعمال طريف، اعني إكساء معنى (لدن) الظرفية معنى اللدونة.
قال تعالى: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب﴾ [آل عمران: ٨].
وقال: ﴿هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء﴾ [آل عمران: ٣٨].
وقال: ﴿إذ أوي الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا﴾ [الكهف: ١٠]، وقال: ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾ [الكهف: ٦٥]، وقال: ﴿وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا﴾ [مريم: ١٣].
وقال موسى للرجال الصالح: ﴿إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا﴾ [الكهف: ٧٦]، ولم يأت بعند وهي هنا كما تفيد معنى الظرفية، تفيد معنى التمكث والتلبث، وليس في (عند) هذا المعنى فكأنه قال: قد بلغت العذر في تمكثك وصبرك علي، وتلبثك على إلحاحي في السؤال وهو استعمال رفيع.
وقد تقول: الم يرد قوله تعالى: ﴿لينذر بأسا شديدا من لدنه﴾ [الكهف: ٢]، وهذا ليس في اللين والرحمة؟
فأقول أن هذا هو الموطن الوحيد الذي اقترن به البأس فيه والشدة بلدن، ومع ذلك هو في الرحمة، والنص يوضح ذلك، قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا. قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا﴾ [الكهف: ١ - ٣]، فهذا الكلام هو في القرآن الكريم الذي هو خير، ورحمة، منذرا ومبشرا، والخير يكون فيهما جميعًا.
стр. 602
ثم أنه لما كانت (لدن) أخص من (عند) لكونها أقرب مكانا منهما، كانت أبلغ من (عند) لأنها مبدأ المكان والزمان، ولم تستعمل (لدن) في القرآن الكريم، إلا مع الله نحو قوله ﴿من لدن حكيم خبير﴾ [هود: ١]، ﴿من لدن حكيم عليم﴾ [النمل: ٦]، ﴿من لدنا أجرا عظيما﴾ [النساء: ٦٧]، ﴿رزقا من لدنا﴾ [النساء: ٥٧].
﴿من لدنك سلطانا نصيرا﴾ [الإسراء: ٨٠]، إلا في موطن واحد هو قوله: ﴿قد بلغت من لدني عذرا﴾ [الكهف: ٧٦].
فهي أبلغ من (عند) لأنها الصق، وقد استعملت في القرآن الكريم في خصوصيات الألطاف، والتعليم والرحمة والإلهية، وبموازنة ذلك بين واستعمال (عند) يتضح الأمر.
لدى:
وهي بمعنى (عند) لا بمعني (لدن)، تلازم ابتداء الغاية المكانية والزمانية، ولذا كثر جرها بمن، أما لدي فلا تستعمل مجرورة بمن، وذكروا أن الفرق بينهما وبين وعند أن (عند) تكون ظرفا للاعيان، والمعاني .. و (لدى) لا تكون ظرفا للمعاني، بل للاعيان خاصة، يقال: عندي هذا القول صواب، ولا يجوز لدي، ذكره ابن الشجري في أماليه ومبرمان في حواشيه، .. وأنك تقول (عندي مال) وإن كان غائبا، ولا تقول (لدى مال) إلا إذا كان حاضرًا" (١).
وجاء في (شرح الرضي): " وأما (لدى) فهو بمعنى (عند)، ولا يلزمه معنى الابتداء و (عند) اعم تصرفا من (لدي)، لأن (عند) تستعمل في الحاضر القريب، وفيما هو حرزك، وإن كان بعيدًا بخلاف (لدي)، فإنه لا يستعمل في البعيد" (٢).
стр. 603
مع:
" اسم لمكان الاجتماع أو وقته، (زيد مع عمرو)، و (جئت مع العصر) ويدل على اسميتها تنوينها في قولك: معا (١) ".
وجاء في (لسان العرب): " مع بتحريك العين كلمة تضي الشيء إلى الشيء وهو اسم معناه الصحبة" (٢).
وقد تنون فيقال معا نحو جاؤوني معا، وهما معا في الدار " والفرق بين قولنا معا وفعلنا جميعا أن معنا يفيد الاجتماع في حال، الفعل وجميعا بمعنى (كلنا) سواء اجتمعوا أولا" (٣).
وسط:
بسكون السين ظرف بمعنى (بين)، يقال: (جلست وسط القوم) بالتسكين، أما وسط بفتح فهو اسم، تقول: ضربت وسطه، جاء في (المقتضب): " وتقول: وسط رأسك دهن يا فتى، لأنك خبرت أنه استقر في ذلك الموضع، فأسكنت السين ونصبت لأنه ظرف.
وتقول: وسط رأسك صلب لأنه اسم غير ظرف وتقول: ضربت وسطه لأنه المفعول بعينه.
وتقول حفرت وسط الدار بئرا إذا جعلت الوسط كله بئرا، كقولك خرب وسط الدار" (٤).
стр. 604
وجاء في (لسان العرب): " وسَط الشيء ما بين طرفيه .. فإذا سكنت السين من وسط صار ظرفا .. ويقال: جلست وسْط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم .. وكل موضع صلح فيه (بين)، فهو وسط، وإن لم يصلح فيه (بين) فهو وسط بالتحريك ..
فإن قلت: قد ينتصب الوسط كما ينتصب الوسط كقولهم: جلست وسط الدار .. الجواب أن نصب الوسط على الظرف، إنما جاء على جهة الاتساع والخروج عن الأصل" (١).
وقال الفراء: " إذا أحسنت فيه (بين) كان ظرفا نحو قعد وسط القوم، وإن لم تحسن فاسم احتجم وسطه رأسه، ويجوز في كل منهما التسكين والتحريك لكون السكون أحسن في الظرف والتحريك أحسن في الاسم" (٢).
стр. 605
المفعول له
المفعول له أو المفعول لأجله مصطلح بصري، وهو عندهم ما أفاد تعليلا من المصادر بشروط، معينه نحو قوله ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت﴾ [البقرة: ١٩]، جاء في (الكتاب): " هذا باب ما ينتصب من المصادر لأنه عذر) لوقوع الأمر فانتصب لأنه مرفوع لهن ولأنه تفسير لما قبله لم كان، وليس بصفة لما قبله ولا منه .. وذلك قولك: فعلت ذاك حذار الشر، وفعلت ذاك مخافة فلان، وادخار فلان، وقال الشاعر وهو حاتم بن عبد الله الطائي:
واعفر عوراء الكريم ادخاره ... وأصفح عن شتم اللئيم تكرما
وفعلت ذلك أجل كذا وكذا، فهذا كله ينتصب لأنه مفعول له، كأنه قيل: لم فعلت كذا وكذا؟ فقال لكذا وكذا ولكنه لما طرح اللام عمل فيه ما قبله (١). وعند الكوفيين والزجاج هو مفعول مطلق الفعل، ، محذوف عند الزجاج، وللفعل المذكور عند الكوفيين (٢). فنحو (جئتك إكراما لك) تقديره عند الزجاج: جئتك اكرام اكراما لك، وعند الكوفيين أن معنى جئتك هنا أكرمتك.
ويقول الجرمي: "أن ما يسمى مفعولا له منتصب نصب المصادر، التي تكون حالا فيلزم تنكيره ويقدر، نحو قوله تعالى (حذر الموت) متحاذرين" (٣).
والذي يبدو أن رأي البصريين ارجح، وأقرب إلى طبيعة اللغة، وإن كان المعنى في قسم من التعبيرات يحتمل رأي الكوفيين وغيرهم، وذلك من وجوه عدة منها:
стр. 606
١ - أنه يصح بلا خلاف أن أقول (فعلت ذلك ابتغاء مرضاة الله) جوابا عن سؤال لما فعلت ذاك؟ فهنا أفدت التعليل والسبب قال تعالى: ﴿وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم﴾ [الأعراف: ١٦٤]، فهنا بين علة الوعظ وسببه. في حين أن المفعول المطلق والحال ليسا لبيان العلة فالمفعول المطلق يكون لبيان التوكيد ولبيان النوع والعدد عند النحاة وهذا ليس واحدا منها، والحال مبنية للهيئة ومؤكدة وهذا عذر وسبب. فالمفعول له يؤدي غرضا مغايرا لغرض الحال والمفعول المطلق.
أنه قد يصح تقديره بالحال أو بالمفعول المطلق لكن لمعنى سيختلف وذلك نحو قولك (جئت طمعا في رضاك) فإن قدرته (طامعا) كان حالا وإن قدرته (أطمع طمعا) كان مفعولا مطلق وإن أردت العلة والسبب كان مفعولا له ولكل معنى.
٢ - العطف على العلة الصحيحة وذلك نحو قوله تعالى ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [النحل: ٦٤]، فهنا ذكر علة إنزال الكتاب باللام فقال: ﴿لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ وهذه علة لا حال ولا مفعولية مطلقة ثم عطف عليها بقوله (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) فهو إذن علة مثله وسبب لا حال ولا مفعول مطلق لأنه لا يصح عطف الحال على ما ليس حالا ولا عطف المفعول الملطق على ما ليس مفعولا مطلقا.
ومثله قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين أمنوا وهدى وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ١٠٢] فهي مثل الأولى.
٣ - إن القول برأي الكوفيين يفضي إلى أخراج الأفعال من معانيها إلى معان أخرى قد تكون بعيدة عنها من دون موجب وذلك نحو قولنا (قلت ذاك خوفا منه) فيكون القول عندهم بمعنى الخوف في حين أن القول حسي والخوف قلبي. ونحو قوله: ﴿وما اختلف فيه إلا الذي أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم﴾ [البقرة: ٢١٣]، فيكون الاختلاف بمنى البغي. ونحو قوله: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾ [البقرة: ٢٦٤].
стр. 607
فيكون الإنفاق بمعنى الطلوع وبمعنى الكره، ونحو قوله: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا﴾ [الرعد: ١٢]، فتكون رؤية البرق بمعنى الخوف والطمع.
ويفضي هذا الرأي إلى أن يكون للفعل الواحد معان متعددة متناقضة، وذلك نحو (قلت هذا خوفا منك) و (قلت هذا إظهارا للحق) و (قلت هذا إكراما له) وقلت هذا تحقيرا له، وقلت هذا إطفاء لنار الفتنة. وقلت هذا تملقا، وقلت هذا طمعا في خيره، وغيره ذلك فيكون معنى (قلت) على هذا: خفت، وأظهرت الحق، وأكرمت، وحقرت، وأطفأت نار الفتنة، وتملقت، وطمعت، وغير ذلك وهي معان متعددة متغايرة، ولا موجب لهذا كله.
حده:
يحد النحاة المفعول له بأنه: المصدر الفضلة المعلل لحدث شاركه في الزمان والفاعل" (١).
وعلى هذا فالمفعول له هو ما اجتمع فيه اربعة شروط وقيل خمسة:
١ - أن يكون مصدرا.
٢ - أن يكون مذكورا للتعليل.
٣ - أن يشارك الحدث في الزمان، ونحو قوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت﴾ [البقرة: ١٩]، فزمن جعل الأصابع هو زمن الحذر، ولا يصح أن تقول: خرجت اليوم مخاصمة خالد غدا.
٤ - أن يشاركه في الفاعل أي يكون فاعل الحدث والمصدر واحدا، نحو (قتله عدوانا) ففاعل القتل والعدوان واحد، ولا يصح أن تقول: (جاء خالد اكرام محمد له)، لأن فاعلي المجيء والاكرام مختلفان (٢).
стр. 608
٥ - أن يكون قلبيا فلا يصح أن تقول: (جئت قتلا للكافر) لأن القتل ليس قلبيا (١).
فإن فقد شرط أو كثر من هذه الشروط جر بحرف التعليل، فمثال ما لم يكن مصدرا قوله تعالى: ﴿وإذ استسقي موسى لقومه﴾ [البقرة: ٦٠]، وقوله: ﴿والأنعام خلقها لكم﴾ [النحل: ٥]، و ﴿كذلك سخرها لكم﴾ [الحج: ٣٦]، ومثال المختلف مع عاملة في الوقت (جئت اليوم للاكرام غدا) والمختلف في الفاعل نحو (جاء خالد لاكرام سعيد له).
والفاقد للقلبية نحو قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ [الأنعام: ١٥١]، لأن الملاقي حسي ونحو (جئتك لحراثة الأرض) (٢).
والذي يبدو لي أنه لا يشترط في المفعول له إلا كونه مصدرا، فضلة، مفيدا للتعليل، أما الشروط الأخرى ففيها نظر، جاء في (الهمع): " وشرط بعض المتأخرين فيه، أن يكون من أفعال النفس الباطنة .. وشرط الأعلم والمتأخرون مشاركته في الوقت والفاعل، نحو ضربت انبي تأديبا .. ولم يشترط ذلك سيبويه ولا أحد من المتقدمين، فيجوز عندهم: أكرمتك أمس طمعا غدا في معروفك، وجئت حذر زيد، ومنه: ﴿يريكم البرق خوفا وطمعا﴾، ففاعل الإرادة هو الله، والخوف والطمع من الخلق (٣).
ولا أرى سببا مقبولا في منع نحو (قصدت مكة أداء لفريضة الحج) فزمن القصد غير زمن أداء الفريضة، قال تعالى: ﴿وأنزل التوراة والإنجيل. من قبل هدى للناس﴾ [آل عمران: ٣ - ٤]، ومن المعلوم أن هداية الناس ليست مقارنة لوقت الانزال، وإنما هي بعده. فالتوراة أنزلت على سيدنا موسى (ع) ثم أصبحت بعد هداية للناس وكذلك الإنجيل فزمن الانزال غير زمن الهداية.
стр. 609
ومثله قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين أمنوا وهدى وبشري للمسلمين﴾ [النحل: ١٠٢]، فالتثبيت والهداية والبشري بعد التنزيل لاوقته.
وقد ذهب أبو علي إلى إجازة عدم المقارنة في الزمان (١).
وأما المشاركة في الفاعل فليست ضرورية، وهو الذي ذهب إليه ابن خروف " تمسكا بقوله تعالى: ﴿يريكم البرق خوفا وطمعا﴾ [الرعد: ١٢]، إذ أن فاعل الإرادة هو الله والخوف من المخاطبين" (٢). وقد جعل النحاة على تأويل الخوف والطمع بالإخافة والإطماع، أو تأويل (يريكم البرق) بيجعلكم ترون، وهو تأويل بعيد دعت إليه قاعدتهم، ولم تدع إليه ضرورة تعبير.
ومن عدم الاتحاد في الفاعل أيضا قوله تعالى: ﴿فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا، استكبارا في الأرض ومكر السيء﴾ [فاطر: ٤٢ - ٤٣]، ففاعل زيادة النفور النذير، وفاعل الاستكبار الكفار، فالفاعل مختلف، وقال: ﴿تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر﴾ [القمر: ١٤]، ففاعل الجري السفينة، وفاعل الجزاء هو الله، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وبعض النحاة لا يشترط تشاركهما في الفاعل، وهو الذي يقوي في ظني وإن كان الأغلب هو الأول والدليل على جواز عدم التشارك قول أمير المؤمنين علي ﵁ في نهج البلاغة (فأعطاه الله النظرة استحقاقا للسخطة واستتماما للبلبة) والمستحق للسخطة إبليس، والمعطي للنظرة هو الله تعالى، لا يجوز أن يكون (استحقاقا) حالا من المفعول لأن (استتماما) إذن يكون حال المفعول وكذا قول العجاج:
يركب كل عاقر جمهور ... مخافة وزعل المحبور
والهول من تهور الهبور
стр. 610
فإن الهول بمعنى الافزاع، لا الفزع، والثور ليس بمفزع بل هو فزع (١).
ولا يشترط كذلك أن يكون قلبيا فيما ارى، وإن كان الكثير أن يكون قلبيا فإنه لا مانع من أن تقول: (فعلت هذا اطفاء لنار الفتنة) وهو غير قلبي، كما لا يمنع أن تقول: (فعلت هذا اطفاء لنار الفتنة)، وهو غير قلبي، كما لا يمنع أن تقول (فعلت هذا عملا بنصيحتك) وفرض الله الجهاد محقا للظلم، وازهاقا للباطل ونشرا للخير، واستئصالا للفساد، واخطب كل يوم في داري تمرينا للساني، وتعويدا له على الأداء السليم. وهذه كلها ليست قلبية: قال تعالى: ﴿وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله﴾ [الأنعام: ١٤٠]، والافتراء ليس قلبيا.
وقال: ﴿فاتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا﴾ [يونس: ٩٠]، وقال: ﴿أولم نمكن لهم حرما أمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا﴾ [القصص: ٥٧].
وقال: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨]، وقال: ﴿ما زادهم إلا نفورا، استكبارا في الأرض ومكر السييء﴾ [فاطر: ٤٢].
فهذه كلها من المفعول لأجله وهي ليست قليلة، ونحو ذلك قول الكميت:
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب ... ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
جاء في شرح الرضي على الكافية: أن ذلك أي كونه قلبيا ينتقض بجواز نحو جئتك اصطلاحا لأمرك وضربته تأديبا اتفاقا.
فإن قال هو بتقدير حذف مضاف أي إرادة إصلاح وإرادة تأديب، قلنا فجوز أيضا جئتك اكرامك لي وجئتك اليوم اكراما لك غدا، بتقدير المضاف المذكو بل جوز جئتك سمنا ولبنا فظهر أن المفعول له هو الظاهر لا المقدر المضاف" (٢).
стр. 611
وأما إذا كان المفعول لأجله مصدرا مؤولا فلا يشترط فيه شيء من ذلك، قال تعالى ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾ [التوبة: ٢]، فـ (أن صدوكم) مفعول لأجله، والتقدير لأن صدوكم، والفاعل مختلف ففاعل (يجرمنكم) هو (الشنان) أي البغض، وفاعل الصد هم الكفار، والصدر ليس قلبيا، وقال: ﴿وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥]، ففاعل الإلقاء هو الله، وفاعل الميد هي الأرض، والميد ليس قلبيا، والزمن مختلف فخلق الجبال قبل خلق البشر، وقال ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، وقال: ﴾ عبس وتولى، أن جاءه الأعمى ﴿[عبس: ١ - ٢]، فهذه كلها الفاعل فيها مختلف، وهي ليست قلبية، وقد يكون الزمن أيضا نحو (اكرمته اليوم أن اكرمني أمس) وهذا ليس قلبيا، والفاعل والزمن مختلفان، وهو الذي نرجحه في المصدر الصريح أيضا، جاء في الهمع: ولا يتعين الجر مع أن وأن وإن كانا غير مصدرين لأنهما يقدران بالمصدر، وإن لم يتحد فيهما الفاعل او الوقت، لأن حرف الجر يحذف معهما كثيرا نحوا ازورك أن تحسن إلي، أو أنك تحسن إلي (١) ".
стр. 612
التعليل
التعليل في المفعول له على ضربين:
الضرب الأول ما يكون علة يراد تحصيلها، أي أن العلة ليست موجودة في أثناء الفعل وإنما هي غاية مرادة، وذلك نحوك (ضربت ابني تأديبا)، أي لأجل التأديب، فالتأديب علة حاملة على الضرب، وهي ليست موجودة في أثناء الضرب، بل يراد تحصيلها به، وهذا كما تقول في تعبير آخر: (جئت لأستفيد) أي الذي حملك على المجيء بل مطلوب تحقيقها.
والضرب الثاني أن تكون علة موجودة وهي كانت السبب في دفع الفاعل إلى الفعل، وهي حاصلة ولا يراد تحصيلها، وذلك نحو قولك (قعد جبنا) فالجبن كان سببا في القعود والجب حاصل ولا يراد تحصيلة، ومثله (عقن اصبعه ندما) أي عض اصبعه من الندم، فالندم كان سببا في حصول العض، وهو حاصل ولا يراد تحصيله ومثله: قتل نفسا نفسا (١).
جاء في (ملا جامي): " المفعول له هو ما فعل لأجله، أي لقصد تحصيله، أو بسبب وجوده .. فعل " (٢).
وقد علق عليه المحشي بقوله: " أراد أن المفعول له قسمان، قسم يفعل لأجل تحصيله، ويكون غرضا ومقصودا من الفعل، يحصل منه فيترتب عليه، بكون علة بحسب التعقل، ومعلولا بحسب الخارج.
وقسم يفعل لفعل لأجل وجوده، وبكونه محصولا وموجودا، قبل الفعل وهو العلة يكون على في الخارج كقولك: قعدت عن الحرب جبنا، فإن الجبن علة مؤثرة للقعود موجودة قبله (٣).
стр. 613
المفعول له المنصوب والمجرور:
المفعول له في الاصطلاح هو المنصوب، نحو (جئت رغبة في الخير) أما المجرور نحو (جئت لرغبة في الخير) فلا يسمى مفعولا له اصطلاحا، وإن كان الجر هو الأصل عند النحاة.
إن النحاة يرون الأصل هو المجرور بحرف التعليل، وذلك نحو (جئت لطمع في نائلك) ثم اسقط حرف الجر الذي يفيد التعليل توسعا، فأصبح التعبير (جئت طمعا في نائلك) وعلى هذا فالمفعول له منصوب بنزع الخافض (١).
وهنا قد يعرض سؤالك وهو: هل هناك فرق في المعنى بين إظهار حرف التعليل وإسقاطه؟ هل هناك فرق في المعنى بين قولنا (دعوته طمعا في رضاه) و (دعوته لطمع في رضاه).
لقد سبق أن ذكرنا أنه لا يعد من تعبير إلى تعبير، إلا يصحبه عدول من معنى إلى معنى، ولذا كان لابد من الاختلاف بين معني التعبيرين ومن أوجه الخلاف بينهما:
١ - أن المجيء بحرف الجر هو نص في التعليل بخلاف اسقاطه فإنه لا يكون نصا في التعليل، بل هو محتمل له، وللحالية أو لغيرهما، وذلك نحو قولك (جئت لرغبة في الخير) فهذا نص في التعليل أما إذا قلت (جئت رغبة في الخير) فهذا يحتمل التعليل ويحتمل الحالة أي جئت راغبا في الخير ويحتمل المفعولية المطلقة، أي جئت مجيء رغبة فالأول تعبير، والثاني تعبير احتمالي، وقد سبق أن ذكرنا أن التعبير في العربية على ضربين: قطعي أو نصي، وتعبير احتمالي.
وهو بحسب القصد فإذا أردت التنصيص على العلة، جئت بحرف العلة وإن أردت التوسع في المعنى أسقطت الحرف فتكسب أكثر من معنى، فإذا قلت مثلا (ينفق ماله
стр. 614
لمراءاة الناس) جعلت المراءاة علة، وإذا قلت (ينفق ماله رئاء) أفدت ثلاثة معان في آن واحد وهي العلة كما ذكرت أي ينفق ماله للمراءاة، والحالية أي ينفق ماله مرائيا، والمفعولية المطلقة، أي ينفق ماله انفاق رئاء أو يرائي رئاء، جاء في (المغني) في (ما يحتمل المصدرية، والحالية، والمفعول لأجلة): من ذلك ﴿يريكم البرق خوفا وطمعا﴾ أي فتخافون خوفا تطعمون طمعا، وابن مالك يمنع حذف عامل المصدر المؤكد إلا فيما استثنى أو خائفين، وطامعين أو لأجل الخوف والطمع .. وتقول (جاء زيد رغبة) أي يرغب رغبة أو مجيء رغبة أو راغبا للرغبة" (١).
ومنه قوله تعالى: ﴿وادعوه خوفا وطمعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، فإنه يحتمل المفعول له، أي للخوف والطمع ويحتمل الحالية أي ادعوه خائفين وطامعين ويحتمل المفعولية المطلقة أي ادعوه دعاء خوف وطمع، وهذه المعاني كلها مرادة والله أعلم، فإنه أراد ادعوه للخوف وأنتم في حالة خوف، ودعاء خوف، وهو اتساع كبير فبدل أن يقول ثلاثة تعبيرات مختلفة قال تعبيرا واحدا جمعها كلها. بخلاف ما لو قال (ادعوه للخوف والطمع) فإنه يكون للتعليل فقط.
وبهذا نرى أن المعنى اتسع اتساعا كبيرا باسقاط حرف الجر.
٢ - أن الأصل في اتيان المفعول له منصوبا، أن يدل على حصول العلة وحدوثها أما إذا جئت بالحرف فإنه قد يفيد الحصول وعدمه، ومن ذلك على سبيل المثال قولك (فعل ذلك عدوانا) و (فعل ذلك للعدوان) فإن الأولى معناها أن العدوان حصل، أما قولك (فعله لعدوان) فقد يحتمل وقوع العدوان، ويحتمل أيضا أنه أراد أنه فعله تمهيدا لعدوان أو سببا لايقاع عدوان فيما بعد، وعلى هذا المعنى الأخير فالعدوان لم يقع بعد، ألا ترى أنه يصح أن تقول: فعل ذلك لعدوان يبيته. ولا يصح مثل ذلك في المنصوب.
стр. 615
ونحوه قوله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا﴾ [النمل: ١٤]، فالظلم حاصل، ولو قال لظلم وعلو لاحتمل المعنى، أن هذا الجحود إنما هو تمهيد لظلم وعلو سيقعان.
ونحوه أن تقول (فعلت هذا اختبارا له، ولا ختبار له) فالجملة الأولى أفادت أن الاختبار حصل، أما الثانية فتحتمل ذلك، وتحتمل أنه فعله لاختبار سيجريه عليه، ألا ترى أنه يصح أن تصرح بذلك، فتقول: فعلت هذا لاختبار أجريته عليه، وفعلت هذا لاختبار سأجريه عليه. ولا يصح ذلك في المنصوب.
وهذا مرتبط إلى حد كبير باتحاد المفعول له مع فعله في الزمن.
وقد تقلو: أنك ذكرت قبل قليل أن المفعول له المنصوب لا يشترط اتحاده مع فعله في الزمن.
فنقول: نحن منعنا قولهم أنه لا ينصب، إلا إذا اتفقنا في الزمن فنحن نجيز النصب مع اختلاف الزمانين بالدليل. فإن لم يكن هناك دليل على اختلافهما في الزمان، تعين أنه مقارن له، فالأصل في النصب أن يكون مقارنا لفعله، إلا إذا دل دليل على خلاف ذلك، أما الجر بالحرف فهو يحتمل الاختلاف والاتحاد في الزمان ابتداء.
٣ - في حالة النصب تكون العلة محدودة معلومة بخلاف الجر، وذلك على سبيل المثال قولك (فعله عدوانا) و (فعله لعدوان) فالعدوان الأول معلوم وهو محدود بالفعل المذكور، أما إذا قلت (لعدوان) فهو يحتمل أنه فعل ذلك لقصد عدوان بعد، وأنا لا نعلم مدى العدوان المتوقع، ومثله (ضربك ظلما) و (ضربك لظلم) فإن مدى الظلم في الأول محدود بالضرب وأما الثانية فقد يحتمل غير ذلك كأن يكون ضربه لقصد ظلم سيوقعه به فإنا لا نعلم مدى الظلم الذي سيحلقه به.
وفي هذا شبيه بما مر في الظرف في نحو (جئت صباحا) و (جئت في الصباح) ففي حالة النصب يكون الصباح معينا أي صباح يوم بعينه، وفي الثانية يكون الصباح غير معين ففي كلا التعبيرين أفاد النصب التعيين بخلاف المجرور.
стр. 616
٤ - في حالة النصب يكون فاعل الحدث والعلة واحدًا، ما لم يدل على خلاف ذلك وأما في حالة الجر فإنه يحتمل الاتحاد في الفاعل وعدمه ابتداء، وقد مر بنا أن النحاة اشترطوا للنصب الاتحاد في الفاعل وذلك.
نحو أن تقول (حرم هذا على الله) و (حرم هذا الافتراء على الله) فالأولى نص على أن المحرم هو المفتري، وأما الثانية فتحتمل أن المحرم غير المفتري أي حرم هذا لافتراء افتراه شخص آخر فأخبره أن هذا حرام.
ونحوه أن تقول: (عرضت له عدوانا) فالعارض والمعتدي واحد، ولو قال (عرضت له لعدوان) لاحتمل أن يكون العدوان من شخص آخر أو من جهة أخرى.
ولا يراد على هذا ما رددناه على النحاة من اشتراط الاتحاد في الفاعل لصحة النصب. فإنا نقول: أن الأصل في النصب هو الاتحاد في الفاعل، إلا إذا دل دليل على غير ذلك فإن لم يدل دليل على أن الفاعل مختلف تعين اتحادهما فيه، أما الجر فهو يحتمل المخالفة ابتداء.
إننا نجيز أن يختلف الفاعلان في النصب بالقرائن، ولكن إذا لم تكن هناك قرينة تدل على اختلاف الفاعلين تعين أن الفاعل واحد بخلاف الجر المحتمل للاختلاف ابتداء. فالأصل في النصب الاتحاد في الفاعل ما لم يدل دليل على اختلافهما بخلاف الجر، وهو نظير ما ذكرناه في الاختلاف في الزمان.
٥ - إن ذكر الحرف أوسع في إفادة التعليل من عدمه، فهو يوقع للعلية ما لا يصلح أن يقع بدونه، وذلك كأن تكون العلة ليست مصدرًا نحو قوله تعالى: ﴿كذلك سخرنها لكم لعلكم تشكرون﴾ [الحج: ٣٦] وقوله: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ [الرحمن: ١٠]، ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥]، أو لإرداة تعيين زمان لا يؤديه المصدر نحو ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ [الأنعام: ١٥١]، ونحوه: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ [آل عمران: ١٥٢]،
стр. 617
فزمن الأول ماض، وزمن الثاني حال أو استقبال، علاوة على أنه يؤتى بالحرف في كل ما جاز نصبه نحو (فعلت هذا ابتغاء مرضاة الله) أو لابتغاء مرضاة الله.
فهو أوسع استعمالا وتعليلا من النصب.
٦ - قد يؤتى بالحرف لإرادة معنى لا يؤديه النزع، ولارادة معنى خاص به لا يؤديه حرف آخر، فإن لكل حرف من حروف التعليل معنى خاصا به، وإن كانت كلها تفيد التعليل ولذا لا يصح أن نجعل حرفا مكان آخر دوما فلا يصح مثلا في قوله تعالى ﴿سخرها لكم﴾ [الحج: ٣٧]، أن يقال سخرها بكم، وسخرها فيكم بقصد التعليل.
ولا يصح في قوله تعالى ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ [الرحمن: ١٠]، أن يقال: والأرض وضعها على الأنام، أو في الأنام، أو بالأنام، لارادة معنى التعليل، وإن كانت الباء قد تأتي للتعليل وفي وعلى وغيرها.
تقول: هجاه ظلما، وهجاه لظلم وهجاه بظلم، فإن معنى الأولى كما مر أن الظلم كان سببا للهجاء، والظلم والهجاء متحدان في الوقت، والفاعل كما أن الظلم محدود بالهجاء - وأما (هجاه لظلم) فتحتمل عدة معان منها أنه هجاه لظلمه أن الهاجي ظالم للمهجو، وتحتمل أنه هجاه لظلم وقع من المهجو، أي أن المهجو ظلم فهجاه الشاعر لظلمه، وتحتل أنه هجاه لإرادة ظلم سيوقعه به أي الظلم لم يقع بعد.
وأما قولنا (هجاه بظلم) فمعناه أن سبب الهجاء هو الظلم من المجهو، فالهجاء مقابل للظلم الذي فعله المهجو.
ونحوه: بظلم فعل هذا، ولظلم فعل هذا، فالأولى فيها الظلم حاصل، وفي الثانية قد يكون حاصلا وقد يكون متوقعا. ونحو ذلك أن تقول: لم فعلت هذا؟ وبم فعلت هذا؟
стр. 618
فإن الأولى استفسار عن علة الفعل، والثانية سؤال عن المقابل الذي دعاك إلى الفعل لأن العلية بالباء إنما هي مقابل لشيء حصل، أي حصل هذا بهذا، قال تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ [البقرة: ٨٨]، وقال: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ ﴿آل عمران: ١٥٩﴾، و ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ [الحج: ٣٩]، أما اللام فقد تكون لما لم يقع، ولما نحو (جئت للاستفادة) فالاستفادة مطلوب تحصيلها، وقد تكون الاستفادة حاصلة.
وتقول: أرسلته اختبارا له، أو باختباره، فالأولى تفيد أنه أرسله للاختبار، وأن وقت الارسال هو وقت الاختبار، وأن المرسل هو المختبر.
وأما الثانية فتفيد أن سبب الارسال هو الاختبار، وقد يكون الاختبار لم يقع بعد وقد يكون فاعل الاختبار شخصا آخر.
وتقول: أرسلته لتجربته وأرسلت بتجربته، فقد تفيد الأولى أنه أرسله ليجربه، والثانية تفيد أنه أرسله لأنه مجرب. وكذلك (من) التي تفيد الابتداء مع التعليل، تقول (عض أصبعه ندما) أي من الندم، ومعنى عص أصبعه من الندم أن الندم كان مبدءا للعض، وعلة له ولا يحسن أن تقول: عض أصبعه بالندم لأنك لا تريد أن تقابله به.
فالباء في الغالب تفيد المقابلة مع التعليل، و (من) تفيد الابتداء مع التعليل، و (في) تفيد الظرفية مع التعليل، و (الكاف) تفيد التشبيه مع التعليل، ونحو ذلك. فكل حرف خصوصية في التعليل لا يشركه الآخر فيها، وإن كنت ترى أنه يصح أن تجعل حرفا مكان آخر في تعبير ما، فذلك لأن التعبير يحتمل أداء عدة معان، لا لأن الحرف كان بمعنى الحرف الآخر.
ولنا عودة إلى هذا، في بحث حروف الجر بإذن الله.
стр. 619
المفعول معه
حده:
يحد النحاة المفعول معه، بأنه" اسم فضلة بعد واو أريد بها التنصيص على المعية مسبوقة بفعل، أو فيه حروفه ومعناه (١) " نحو سرت والشارع.
ومن هذا يتبين أن المفعول معه ما اجتمع فيه ثلاثة أمور:
١ - أن يكون اسما نحو (جئت والليل) فيخرجون بهذا نحو (لا تأكل السمك وتشرب اللبن) و (لا تأكل وتضحك) بنصب الفعل لأنه ليس اسما، والحقيقة هو اسم لأنهم يجعلون صبه بأن المصدرية بعد الواو فكان ينبغي ادخاله في المفعول معه، وهو أولى من عد الواو عاطفة والمصدر المؤول معطوفا، على المصدر المتصيد بمعنى: لا يكن منك أكل وضحك كما ذهب إليه الجمهور. وكونه مفعولا معه ذهب إليه بعض النحاة (٢).
٢ - أن يكون واقعا بعد جملة فيها فعل، أو ما فيه معنى الفعل، وحروفه نحو (أنا سائر والطريق) فـ (سائر) فيه معنى الفعل وحروفه.
وفي هذا الشرط نظر، فقد ورد المفعول معه مع غير الفعل، ومع غير ما فيه معنى الفعل وحروفه نحو قوله:
إذا كات الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند
فليس (حسبك) فعلا ولا فيه حروف الفعل، وقوله:
فقدني وإياهم فإن الق بعضهم ... يكونوا كتعجيل السنام المسرهد
ونحو قولك (مالك وخالد؟ ) قال المسكين الدرامي:
стр. 620
فمالك والتلدد حول نجد ... وقد غصت تهامة بالرجال
ونحو (ما شأنك ومحمدا؟ ) و (كيف أنت والنحو؟ ) و (ما أنت وسعيدا؟ ) ولا داعي للتقديرات المتكلفة.
٣ - أن يكون واقعا بعد الواو الدالة على المصاحبة، وهي التي تفيد التنصيص على المعية.
فالمفعول معه في الحقيقة هو " اسم فضلة تال لواو المصاحبة".
معنى المصاحبة:
يعني النحاة بالمصاحبة أو بالتنصيص على المعية، مصاحبة ما بعد الواو لما قبلها في وقت واحد، سواء اشتركا في الحكم ام لا ن فقولك (جئت ومحمدا) معناه أنكما جئتما في وقت واحد، وهذا هو الفرق بين واو المعية وواو العطف، فواو العطف تقتضي التشريك في الحكم سواء اقترن معه بالزمان أم لم يقترن، وأما واو المعية فتفيد الاقتران بالزمان سواء اشترك بالحكم أم لا.
وايضاح ذلك أنك حين تقول (جاء محمدًا وخالدًا) بالنصب فقد اردت التنصيص على المصاحبة أي أنهما جاءا في وقت واحد، وإن قلت (جاء محمد وخالد) فقد أفدت اشتركا في المجيء ولم تنص على أنهما جاءا في وقت واحد، فبالعطف يحتمل أنهما جاءا معا، ويحتمل أن محمدًا جاء قبل خالد ويحتمل أن خالدا جاء قبل محمد بخلاف المعية ولهذا لا يصح أن يقال (جاء محمد وخالدا قبله أو بعده) لأن المعية ستكون مفقودة وإنما هذا متعين للعطف.
فإذا أردت التنصيص على المصاحبة نصبت، وإن لم ترد التنصيص على ذلك عطفت. وقد يقع بعد الواو ما لا يصح اشتراكه في الحكم مع ما قبلها نحو (سرت والجدار) و (مشت والطريق) فهذا معية لا عطف، لأنه لا يصح أن يشترك الجدار والاسم السابق في السير، ولا في الطريق مع ما قبله في المشي.
стр. 621
فالمعية هي المصاحبة سواء اشتركا في الحكم ام لم يشتركا، والعطف هو الاشتراك في الحكم سواء تصاحبا أم لا. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ويعني بالمصاحبة كونه مشاركا لذلك المعمول في ذلك الفعل في وقت واحد فـ (زيد) في (سرت وزيدا) مشاركة للمتكلم في السير وقت واحد، أي وقع سيرهما معا. وفي قولك (سرت أنا وزيد) بالعطف يشاركه في السير لكن لا يلزم كون السيرين في وقت واحد .. وإنما يعدل ما بعده عن العطف إلى النصب نصبا على المعنى المراد من المصاحبة، لأن العطف في (جاءني زيد وعمرو) يحتمل تصاحب الرجلين في المجيء، ويحتمل حصول مجيء أحدهما قبل الآخر. والنصب نصب على المصاحبة وفي قولك (ضربت زيدا وعمرا) لا يمكن التنصيص بالنصب على المصاحبة لكون النصب في العطف الذي هو الأصل أظهر (١).
وجاء في (حاشية الصبان) أن التنصيص على المصاحبة معناه: " مقارنته له في الزمان سواء اشتركتا في الحكم كجئت وزيدا أولا كاستوى الماء والخشبة وبذلك فارقتا واو العطف فإنها تقتضي المشاركة في الحكم، ولا تقتضي المقارنة في الزمان .. فلو لم يمكن التنصيص بها على المصاحبة لنصب ما قبلها وصحة تسلك العامل على ما بعدها كما في ضربت زيدا وعمرا كانت للعطف اتفاقا قاله الدماميني" (٢).
أما قولهم أن نحو (ضربت زيدا وعمرا) للعطف لا للمعية ففيه فهذا مما يحتمل المصاحبة وعدمها فهو من التعبيرات الاحتمالية التي سبق أن أشرنا إليها في نحو (جئت إكراما لك) فـ (اكراما) يحتمل المفعول لأجله والحالية. فالأولى أن يقال: أنه إذا أريد معنى الصحابة فهو مفعول معه وإلا فهو معطوف.
ويبدو لي أن معنى المصاحبة أوسع مما ذكره النحاة، فهي لا تنحصر في الاقتران بالزمان فقط وإنما هي لعموم الاقتران، ومن ذلك على سبيل المثال أن تقول (سرت
стр. 622
والشارع) فليس في هذا اقتران زماني بل هو اقتران مكاني، وقد يكون لغير ذلك نحو (مالك وخالدا) و (كيف أنت وخالدا) و (رأسك والحائط) و (شأنك والمال) و (إياك والكذب وإياك والمراء) فإن هذا مما صح أن يكون مفعولا معه عند النحاة (١) كما أسلفنا.
فهذا ليس اقتران زمان أو مكان، وإنما هو لعموم المصاحبة.
المعية والعطف:
يذهب النحاة إلى أن العطف أرجح من المعية إذا أمكن بلا ضعف، نحو: جاء محمد وخالد، وكيف أنت سعيد؟ وإذا ضعف العطف رجح النصب على لمعي نحو: جئت وخالدا، وإذا امتنع العطف وجبت المعية، وإذا تعين العطف امتنعت المعية، وعلى هذا فهم يقسمون الاسم الواقع بعد الواو أقساما هي:
١ - وجوب العطف نحو: جاء محمد وخالد قبله، ونحو (كل رجل وعمله) لعدم الصاحبة في الأولى، ولعدم تقدم جملة على الواو في الثانية، وأجاز بعضهم نصب الثانية مطلقا (٢).
٢ - وجوب المعية وذلك إذا كان العطف ممتنعا نحو (قمت وطلوع الشمس) لأنه لا يصح اشتراك ما بعد الواو مع قبلها في الحكم.
٣ - جواز الأمرين مع رجحان العطف، نحو (جاء محمد وخالد) و (كيف أنت ومحمد؟ ) و (ما أنت وسعيد) وذلك لأن الطف جائز بلا ضعف، قال ابن مالك.
والعطف أن يمكن بلا ضعف أحق ... والنصب مختار لدى ضعف النسق
стр. 623
٤ - جواز الأمرين مع رجحان المعية، نحو (جئت ومحمد) و (اذهب وعمرا) لأن العطف على ضمير الرفع المتصل لا يقوى إلا من الفصل، وجعل ابن هاشم منه نحو (كن أنت وزيدا كالأخ) قال: " وذلك لأنك لو عطفت على الضمير في (كن) لزم أن يكون زيد مأمورا، وأنت لا تريد أن تأمره، وإنما أن تأمرماخاطبك بأن يكون معه كالأخ" (١).
٥ - ما يجوز فيه الأمران على السواء نحو (رأسك والحائط، جاء في (الهمع): " ما يجوز فيه العطف والمفعول معه على سواء، وذلك إذا أكد ضمير الرفع المتصل نحو: ما صنعت أنت وأباك؟ ونحو رأسه والحائط أي خل أودع، وشأنك والحج أي عليك بمعنى الزم، وامرءا ونفسه أي دع، وذلك مقيس في كل متعاطفين على إضمار فعل لا يظهر، فالمعية في ذلك والعطف جائزان، والفرق بينهما من جهة المعنى أن المعية يفهم منها الكون في حي واحد دون العطف، لاحتماله مع ذلك التقدم والتأخير" (٢).
٦ - امتناع الأمرين نحو قوله:
علفتها تبنا وماء وباردا
وقوله:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا
فإن العطف ممتنع لأن الماء لا يشارك التبن، في العلف إذ لا يسمى الماء علفا، فلا يقال علفتها ماء، والمعية ممتنعة لانتفاء المصاحبة فإنه لابد من تقدم أحدهما.
وكذلك بالنسبة لقوله (وزججن الحواجب والعيونا) فإن العيون لا تشارك الحواجب في التزجيج لأن التزجيج هو التدقيق الطويل، كما أنه لا فائدة في الاخبار بمصاحبة العيون للحواجب لأنها مصاحبة لها دوما، فأما أن يؤول الفعل الأول بفعل مناسب نحو (أنلتها) في البيت الأول نحو (زين) في البيت الثاني أو يقدر عامل محذوف، نحو:
стр. 624
سقيتها ماء باردا وكحلن العيونا (١).
وفي هذا التقسيم نظر فإنه ليس عندنا جواز أمرين مع الترجيح، أو بدون ترجيح، وإنما ذلك بحسب المعنى، والقصد فإن قصد التنصيص على المصاحبة نصب، وإن لم يقصد عطف، ففي قولك (جاء محمد وخالد) لا يكون العطف أرجح وإنما هو بحسب المعنى والقصد، فإن أراد أنهما اشتركا في الجيء من دون نظر إلى المصاحبة عطف. وكذلك ليس قولك (كيف أنت ومحمد) بالرفع ارجح من النصب، وإنا هو بحسب المعنى فإن قصدت السؤال عنه وعن محمد، أي كيف أنت، وكيف محمد، عطفت لا غير، وأن إردت السؤال عن العلاقة ببينهما نصبت لا غير.
وكذلك نحو قوله (جئت ومحمدا) فليس النصب فيه ارجح، وإنما هو بحسب القصد كما ذكرت.
وأما قوله (كن أنت وزيدا كالأخ) فهذا مما لا يجوز فيه لعطف لأنك لا تأمر زيدا بشيء فتجويز ابن هشام العطف أمر غريب. ومثله قول الشاعر
فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال
فهذا مما لا يجوز فيه العطف لأنك لا تأمر بني أبيهم بشيء، قال أبو البقاء: " كان ينبغي من النصب يجب إذ ليس المعنى أنه أمر بني أبيهم بشي، بل أمرهم بموافقة بني أبيهم ويدل على ذلك أنه أكد الضمير بقوله أنتم، ولو كان المانع من الرفع كون المعطوف عليه مضمرا لجاز هنا" (٢).
وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما يجوز فيه الوجهان على السواء، في نحو ذكر السيوطي في (الهمع) نحو (ما صنعت أت وأباك) ونحوه (رأسه والحائط) مع أنه ذكر الفرق بينهما من جهة المعنى والحق أنه إذا أراد التنصيص على المعية معه لا غير، وإلا كان معطوفا.
стр. 625
فليس إذن هناك، وجه أرجح من وجه، وإنما هو بحسب القصد، جاء في (شرح الرضي على الكافية) في نحو قولهم (ما لزيد وعمرو وما شأن زيد وعمرو): " قال المصنف: العطف واجب فيه إذ هو الأصل فلا يصار إلى غيره لغير ضرورة، وليس بشيء لأن النص على المصاحبة هو الداعي إلى النصب، وقد يكون الداعي إلى النصب ضروريا، ولو سلمنا أنه ليس بضروري قلنا: لم لا يجوز مخالفة الأصل لداع وإن لم يكن ضروريا؟
وقال غيره: العطف هو المختار مع جواز النصب، والأولى أن يقال أن قصد النصب على المصاحبة وجب النصب وإلا فلا ..
والثاني نحو مالك وزيدا، وما شأنك بجعل الضمير مكان الظاهر المجرور .. فقال المصنف ههنا أنه يتعين النصب نظرا إلى لزوم التكلف في العطف، وقال الأندلسي: يجوز العطف على ضعف أن لم يقصد النص على المصاحبة وهو اولى" (١).
وجاء في (حاشية التصريح) في قولنا (جاء زيد وعمر): " قال الحفيد: اعلم ان معنى الرفع والنصب مختلف لأنه مع النصب يكون جاءا معا وفي الرفع يحتمل أن يكونا جاءا معا أو مفردين والثاني قبل الأول، أو بالعكس فكيف يحكم برجحان الرفع مع اختلاف المعنى.
والذي يظهر أن قصد المعية نصبا نصبت لا غير، وإن لم يقصد المعية نصا رفع لاغير" (٢).
وهذا ملاك الأمر. وأما القسم الأخير وهو امتناع العطف والعية، فهو على كلا التقديرين يكون من العطف. فإن ضمنت الفعل معنى فعل آخر، كانت الواو عاطفة وإن قدرت فعلا بعد الواو كانت الواو عاطفة جملة على جملة.
стр. 626
الواو ومع:
يذكر النحاة أن الواو في نحو (سرت ومحمد) بمعنى مع. فهل من فرق بين قولنا (سرت ومحمدا) و (سرت مع محمد)؟ أو بعبارة أخرى هل هناك فرق بين واو المعية ومع؟
١ - أن الفارق الرئيس بين واو المعية ومع، أن مع مكان أو زمان، فالأول نحو جئت مع سعيد، وأنا معك، والثاني نحو: جئت مع الغروب، بل الأكثر أن تكون للمكان، وقد وردت في القرآن الكريم في (١٦٠) مائة وستين موطنا كلها للمكان، أما الواو فهي حرف يفيد المصاحبة والاقتران، وليس مكانا أو زمان ولذا قد يختلفان في المعنى وفي ورودهما في التعبير، ومن ذلك على سبيل لمثال قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك﴾ [هود: ١١٢]، فهناك فرق بين قولك (ومن تاب معك)، وقولنا ومن تاب ياك، فمعنى من تاب معك، هنا من تاب كائنا معك، أو صائرا، معك فهي مكان ولو أبدل الواو بهذا لتغير المعنى، فلو قال: ومن تاب وإياك، لكان المعنى أنكما اقترنتما في التوبة أي تبتما في وقت واحد، وقد تحتمل مع معنى الواو أيضا إلا أنها هنا لا يراد بها إلا المكان لا الاقتران.
ومثله قوله: ﴿التي هاجرن معك﴾ الأحزاب: ٥٠]، والمعنى هاجرن كائنات معك، أو صائرات معك، ولو قال (هاجرن وإياك) لا تختلف المعنى، فقولنا (هاجرن وإياك) معناه انكم اقترنتم في الهجرة أو تصاحبتم في الهجرة أي في وقت واحد. ومن المعلوم أنه لا يصح القول هاجرن وإياك، لأنهن لم يحصبنه في الهجرة، وإنما صحبه أبو بكر فقط. ومع ذلك فإن مع تحتمل معنى الواو، إلا أنها هنا لا تحتمل إلا ما ذكرنا فقولنا هاجرن معك يحتمل معنيين: الصحبة في الهجرة أي الاقتران، ويحتمل أنهن هاجرن صائرات معك، أما الواو فلا تحتمل المعنى الأول.
ومثله قوله تعالى: ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾ ﴿آل عمران: ١٩٣﴾، أي توفنا داخلين مع الأبرار، ولا تصلح الواو هنا، فلو قلنا (توفنا والابرار) لكان المعنى أنهم يقترنون في
стр. 627
الوفاة أي يتوفون في وقت واحد وليس هذا المقصود. ومثله قوله تعالى: ﴿وأسلمت مع سلمان لله رب العالمين﴾ [النمل: ٤٤]، أي كائنة مع سليمان، أو صائرة معه، ولا تصلح الواو هنا لو قال (وأسلمت وسلمان) لكان لمعنى أنهما اقترنا في دخول الاسلام أي دخلا في الاسلام في وقت واحد، وهي غير صحيح لأن سليمان سبقهما في الإسلام.
ومثله قوله تعالى: ﴿فالذين أمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه اولئك هم المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٧] فلا يصح أن يقال: (اتبعوا النور الذي أنزل واياه) لأنهما لم يشتركا في الإنزال، ولم يتقرنا فيه فإن الرسول لم ينزل أصلا.
ومثله قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾ [الحديد: ٢٥]، فلا يصح أن يقول (أنزلنا وإياهم الكتاب) لأنهم لم يقترنوا في الإنزال، فإن الرسل لم تنزل.
فتبين من هذا أن الواو لمجرد الاقتران والاصطحاب بخلاف مع التي هي مكان او زمان، تقول: إياك والمراء، فهذا مفعول معه، ولا يصح أن يقال (إياك مع المراء) لأن المراد تحذيره من المراء.
٢ - ولكون (مع) مكانا أو زمانا صح الاخبار بها، ولا يخبر بالواو تقول (إن الله مع الصابرين) ولا تقول إن الله والصابرين، وتقول السفر مع سعيد، ولا تقول السفر وسعيدا.
فالواو حرف يفيد الاقتران، فلا يتم المعنى إلا بالخبر فلو قلت (السفر وسعيدا) لم يتم المعنى.
٣ - قد تكون مع للمساعدة والإعانة نحو: ﴿إن الله مع الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣]، ونحوه: ﴿إنني معكما أسمع وارى﴾ [طه: ٤٦]، ولا تكون الواو لهذا المعنى.
стр. 628
ومع ذلك فهما متقاربان فإن (مع) اسم للصحبة والاجتماع، ولكنهما ليسا متمالين تماما، جا في (التطور النحوي): وأن أن القدماء من النحويين أصابوا في رأيهم أن الواو في مثل (ما أنت والكلام) تؤدي معنى (مع) وتعمل النصب، وفي تسيتهم إياها واو المعية، مع أن أصلها وأصل عملها غامض جدا .. وواو المعية تستعمل في الجمل الكاملة أيضا نحو (استوي الماء والخشبة) أي كان كان سطح الماء في مستوي الخشبة، فمعنى الواو في هذا المثال، وفي أكثر الأمثلة الفصيحة، لا يطابق معنى (مع) تمام بل هو أخص منه كأنه الواو ترمز إلى شيء من تأثير الاسم السابق لهما، فيما بعده أو التأثير به" (١).
стр. 629
المستثنى
يحد النحاة الاستثناء بأنه" هو الاخراج بإلا أو إحدى أخواتها لما كان داخلا أو منزلا منزلة الداخل (١) "
والاستثناء كما هو ظاهر من الحد له أدوات نحو إلا وغير، وسوى وخلا وعدا، وحاشا، وغيرهما، وأهم أدوات الاستثناء هي إلا. و (إلا) أداة سامية استعملها الآراميون والسريان جاء في (التطور النحوي): و (إلا) تطابق الآرامية elle غير أن ella لم تبتعد عن أصلها ابتعاد (إلا) عنه، بيد ان السريانين قد يجمعون بين ellu وبين en أصلها، ولم تفعل العرب ذلك (٢) ..
غير أن العربية اتسعت فيه وفي أدواته اتساعا لا تماثله فيه سائر اللغات السامية جاء في (التطور النحوي): " وقد وضعت العربية القواعد الدقيقة للاستثناء وأكثرت من حروفه وفرقت بينها في بعض الأحوال فصار الاستثناء فيها بابا مستقلا بنفسه، لا يماثلها فيه أحد سائر اللغات السامية" (٣).
الاستثناء بإلا وأقسامه:
ينقسم الاستثناء بإلا إلى، تام ومفرغ، وينقسم التام إلى متصل، ومنقطع.
الاستثناء التام:
الاستثناء التام هو ما ذكر فيه المستثني منه نحو حضر الرجال إلا عليا. وهو على قسمين: متصل، ومنقطع.
стр. 630
١ - الاستثناء المتصل:
وهو ما كان المستثنى فيه بعضا من المستثنى منه، نحو سافر الرجال إلا سعيدا، فسعيد مستثنى متصل لأنه بعض الرجال، ونجح الممتحنون إلا خالدا فخالد مستثنى متصل لأنه بعض الممتحنين.
٢ - الاستثناء المنقطع:
وهو ما كان فيه المستثنى ليس بعضا من المستثنى منه، كقوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١]، فإبليس ليس من الملائكة، بل هو من الجن قال تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجد لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾ [الكهف: ٥٠]، والجن ليسوا من الملائكة، بدليل قوله تعالى: ﴿يوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة اهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم يهم مؤمنون﴾ [سبأ: ٤٠ - ٤١]، فهو إذن استثناء منقطع.
ومثله قوله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما﴾ [الواقعة: ٢٥ - ٢٦]، فقوله (قيلا سلاما سلاما) ليس من اللغو ولا من التأثيم لأن اللغو السقط، ومالا يعتد به من كلام وغيره، ومثله قوله تعالى: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ [النساء: ١٥٧]، والظن ليس علما، ونحو (حضر الطلاب إلا البواب)، فالبواب ليس من الطلاب.
ولا يشترط في المستثنى المنقطع أن يكون جنسه مغايرا لجنس المستثنى منه، كما في (جاءت النساء إلا نعجة) و (حضر القوم إلا حمارا) بل المنقطع ما كان فيه المستثنى ليس بعضا من المستثنى منه، سواء كانت المغيرة بالجنس أم بالنوع، أم بغيرهما فقولك حضر الطلاب إلا البواب، استثنا منقطع وإن كانوا جميعا من جنس واحد، وقولك حضر إخواتك إلا أخا سعيد، وأقبل بنوك إلا ابن محمد، منقطع وإن كانوا جميعا من نوع واحد وذلك لأن البواب ليس من بعض الطلاب وابن محمد ليس بعضا من بنيك (١).
стр. 631
الاستثناء المفرغ:
وهو ما لم يذكر فيه المستثنى منه، نحو (ما حضر إلا سالم) وكقوله تعالى: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ [الأنعام: ٢٥]، ولا يكون هذا الاستثناء عند اكثر النحاة إلا في الموجب، وهو المسبوق بنفي، أو نهي، أو استفهام نحو: ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ [الأنبياء: ٣]، و (لا تضرب إلا المقصر)، ولا يجوز وقوعه في الموجب، فلا يصح أن تقول (حضر إلا خالد) لأن المعنى حضر جميع الناس إلا خالدا، وهو باطل (١).
فإذا استقام المعنى في الإيجاب صح وذلك كأن تكون هناك قرينة على إرادة جماعة مخصوصة، فنقول (قام إلا محمد) إذا كنت تستثنى محمدا من جماعة مخصوصة، وتقول (قرات إلا يوم الخميس) إذا خصصت يوم الخميس من اسبوع معين، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ويمكن أن يقع في بعض المواضع على بعض معين من الجنس المعلوم، دخول لمستثنى فيه دليل كما أنه إذا قيل لك (ما لقيت صناع البلد) فتقول (لقيت إلا فلانا) لكن الأغلب عدم التفريغ في الموجب (٢).
فنقول في الإيجاب (يعلم تعالى الأقدم العالم أو حدوث ذاته) وقال تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾ [الأنفال: ١٦]، فهذا الاستثناء مفرغ من الإيجاب (٣). لأن المعنى مستقيم وقد يفرغ في الإيجاب لقصد المبالغة كأن تقول: (ضربني إلا محمد) والمراد كل من يتصور منه الضرب من معارفك، أو المقصود منه المبالغة في غلو المجتمعين على ضربك" (٤).
ويجوز التفريغ في موجب مؤول بالنفي (٥) كقوله تعالى: ﴿فأبى أثكر الناس إلا
стр. 632
كفورا﴾ [الفرقان: ٥٠]، وقوله: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة: ٣٢]، وكقوله تعالى: ﴿عاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده﴾ [يوسف: ٧٩]، فهذا استثناء مفرغ لأن معناه لا نأخذ، إلا من وجدنا متاعنا عنده.
القصر في الاستثناء المفرغ:
الاستثناء المفرغ يفيد القصر، فإذا قلت (ما حضر إلا خالد) فقد نفيت الحضور كله، إلا حضور خالد بخلاف ما لو قلت (حضر خالد) فإنه يجوز أن يكون حضر معه غيره، جاء في (المقتضب): " وإنما احتجت إلى النفي والاستثناء لأنك إذا قلت (جاءن زيد) فقد يجوز أن يكون معه غيره، فإذا قلت (ما جاءني إلا زيد) نفيت المجيء كله إلا مجيئه (١).
وقال ابن يعيش: " وفائدة الاستنثاء في قولك: ما قام إلا زيد إثبات القيام له، ونفيه عمن سواه، ولو قلت (قام زيد) لا غير لم يكن فيه دلالة على نفيه عن غيره" (٢).
والحقيقة أن (إلا) سواء كانت في التفريغ أم في غيره تفيد الاختصاص، فإذا قلت: (قام الرجال إلا خالدا) فقد أثبت القيام لجميع الرجال، ونفيته عن خالد حصرا، وإذا قلت (ما قام إلا خالد) فقد نفيت القيام عن كل أحد وأثبته لخالد حصرا، قال الرماني: " معنى (إلا) اللازم لها الاختصاص بالشيء دون غيره، فإذا قلت (جاءني القوم إلا زيدا) فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجيء ولذا قلت (ما جاءني إلا زيدا) فقد اختصصته بالمجيء، وإذا قلت (ما جاءني إلا زيد) فقد اختصصت هذه الحال دون غيرها من المشيء والعدو ونحوه" (٣).
غير أن القصر في التفريغ أعم وأشمل، وذلك إذا قلت (ما حضر الرجال إلا خالدا) فقد استثنيت حضور خالد من الرجال، وقد يكون أطفال أو نساء فإن قلت: (ما حضر إلا خالد) فقد نفيت كل حضور غير حضوره، ولذا لا يصح أن نقول (حضر إلا خالدا)
стр. 633
لأنه على ذلك يكون معناه أنه حضر كل من يمكن حضوره في الدنيا من رجال ونساء وأطفال وغيرهم، إلا خالدا، وهو غير صحيح، فإنه يمكن أن لا يجيئك إلا واحد، ولكن يمتنع أن يأتيك أهل الدنيا كلهم إلا واحدا.
فالقصر في التفريغ اعم وأشمل.
والقصر له اساليب وأدوات، فقد يكون القصر بـ (إنما) نحو (إنما أنتَ مبطل). وقد يكون بالنفي والاستثناء نحو (ما أنت إلا شاعرٌ). وقد يكون بحرف العطف، نحو: ﴿أقبل محمد لا خالد)، وقد يكون بتقديم ما حقه التأخير نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، و (محمد أكرمت).
وقد مر (القصر) بـ (إنما) في الأحراف المشبة بالفعل، ومر القصر بالتقديم في المبتدأ والخبر وفي المفعول به، وقد عرفنا أن القصر بإنما يكون لما هو ظاهر مما لا ينكره المخاطب، أو ما نزل هذه المنزلة نحو (إنما هو أخاك) ﴿إنما نح مصلحون﴾ [البقرة: ١١]، ويحسن وقوعها في التعريض كقوله تعالى: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الرعد: ١٩].
وأما القصر بالفي والاستثناء فإنما يكون لما ينكره المخاطب كأن تقول (ما ضر به إلا قاسم) إذا كان المخاطب ينكر أن يكون الضارب قاسمًا جاء في (نهاية الإيجاز) أن قولهم ما هو إلا كذاب، وإن هو إلا كذاب إنما يستعمل في الأمر الذي ينكره المخاطب، أو ما ينزل هذه المنزلة وإذا كان كذلك فلا يصح استعمال هذه العبارة في الأمر الظاهر، فلا تقول للرجل الذي ترققه على أخيه، وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم (ما هو إلا أخوك).
مثال الأول إذا رأيت شخصا من بعيد فقلت (ما هو إلا زيد) لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه غير زيد ويجد في إنكار أنه زيد" (١).
стр. 634
وأما القصر بالعطف نحو (جاء محمد لا خالد) فإنما يكون بين أمرين، أو أمور تثبت بعضها منها، وتنفي بعضا فقولك (جاء محمد لا خالد) إنما ثبت فيه المجيء لمحمد ونفيته عن خالد، وأما قولك (ما جاء إلا خالد) فقد أثبت في المجيء لخالد ونفيته عمن سواه، فالقصر عن طريق النفي والاستثاء أعم، فالبعطف تذكر أمورًا معينة، يكون الاثبات لبعضها والنفي لبعضها الآخر، فقولك (أكرمت محمدا لا سعدا) إنما ذكرت فيه شخصين فقط، أثبت الاكرام لأحدهما ونفيته عن الاخر، بخلاف قولك (ما أكرمت إلا محمدا) فقد نفيت الاكرام عن كل شخص إلا محمدا، فالقصر عن طريق النفي والاستثناء أعم وأشم.
وأما القصر بالتقديم فقد يكون لغير إنكار، أو دفع لإرادة تخصيص المتقدم بالحكم وقد يكون السامع لا ينكر هذا الأمر، كأن تقول (خالدا أكرمته) أي خصصته بالكرم والمخاطب لا ينكر هذا ولا يدفعه، قال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] وقال: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]، فهذا لا يحسن المجيء بالنفي وإلا وإن كان المعنى على القصر، وذلك أن المعنى أنكم من الرسل على طريقتين أما أن تقتلوهم وإما أن تكذبوهم وهم لا ينكرون ذلك بما يقرونه، فهم خصوا فريقا بالتكذيب، وخصوا فريقا بالقتل.
ونحو قوله تعالى: ﴿أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتسون ما تشركون﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]، فهم يقرون أنهم إذا أصابهم الضر خصوا ربهم بالدعاء، ونسوا ما يشركون.
وقد يكون الأمر يجهله المخاطب، وذلك كقوله (هو لانفسه ينصر ولا ابنه يزجر) أي هو لا يقدر أن يخص نفسه بنصر، ولا ابنه بزجر، وتقول (هو نفسه يظلم وصديقه يحرم).
وقد يكون التقديم لغرض التوجيه والتعليم، وليس من باب الرد على فعل أو اعتقاد، أي أن هذا الأمر ينبغي أن يكون مخصوصا بالمتقدم، وذلك كقوله تعالى لرسوله ﷺ :
стр. 635
﴿وربك فكبر﴾ [المدثر: ٣]، أي خص ربك بالتكبير فهذا من باب التوجيه. والتعليم، وليس ردا على فعل أو اعتقاد بخلاف القصر بالاستثناء الذي فيه رد على إنكار وفيه قوة وتأكيد، وقد جاءه التوكيد والقوة من الرد على الإنكار. لأن المنكر يحتاج إلى قوة وتأكيد في الرد عليه ولذا يؤتى به في المواقف التي يحتاج إلى تأكيد كبير أو إلى رد على إنكار قال تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ [البقرة: ٨٣]، فجاء به في مقام التوكيد والتغليظ وهو أخذ العهود المواثيق، وقال: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾ [هود: ٨٨]، وهو على لسان شعيب ﵇، بعد أن أنكر عليه قوما قائلين: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ [هود: ٨٧]، فرد على إنكارهم بالنفي والاستثناء، ومنه قوله تعالى على لسان يوسف ﵇ ناعيا على الشرك وأهله: ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله امر ألا تعبدون إلا إياه﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]، فانظر كيف جاء بالحصر على طريقة النفي والاستثناء منكرا عليهم شركهم: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠].
وقد يكون التقديم لغير إرادة القصر بل لمجرد الاهتمام بخلاف الاستثناء المفرغ الذي لا يكون إلا للعصر وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونوحا هدينا من قبل﴾ [الأنعام: ٨٤]، فإنه ليس معناه لم نهد إلا نوحا، ونحو قوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر: وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: ٩ - ١٠]، فإنه ليس على معنى القصر، وذلك لأنه على القصر يكون المعنى أنه منهي عن قهر اليتيم دون غيره من الخلق، فإنه يجوز له أن يقهر غير اليتيم، وينهر غير السائل، وهذا المعنى غير مراد، وإنما قدم ما قدم للاهتمام، وذلك لأن اليتيم ضعيف وأنه مظنة للقهر، وكذلك السائل فقدمهما للاهتمام بأمرها.