← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الاستثناء المفرغ: وهو ما لم يذكر فيه المستثنى منه، نحو (ما حضر إلا سالم) وكقوله تعالى: ﴿إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ [الأنعام: ٢٥]، ولا يكون هذا الاستثناء عند اكثر النحاة إلا في الموجب، وهو المسبوق بنفي، أو نهي، أو استفهام نحو: ﴿هل هذا إلا بشر مثلكم﴾ [الأنبياء: ٣]، و (لا تضرب إلا المقصر)، ولا يجوز وقوعه في الموجب، فلا يصح أن تقول (حضر إلا خالد) لأن المعنى حضر جميع الناس إلا خالدا، وهو باطل (١). فإذا استقام المعنى في الإيجاب صح وذلك كأن تكون هناك قرينة على إرادة جماعة مخصوصة، فنقول (قام إلا محمد) إذا كنت تستثنى محمدا من جماعة مخصوصة، وتقول (قرات إلا يوم الخميس) إذا خصصت يوم الخميس من اسبوع معين، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " ويمكن أن يقع في بعض المواضع على بعض معين من الجنس المعلوم، دخول لمستثنى فيه دليل كما أنه إذا قيل لك (ما لقيت صناع البلد) فتقول (لقيت إلا فلانا) لكن الأغلب عدم التفريغ في الموجب (٢). فنقول في الإيجاب (يعلم تعالى الأقدم العالم أو حدوث ذاته) وقال تعالى: ﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله﴾ [الأنفال: ١٦]، فهذا الاستثناء مفرغ من الإيجاب (٣). لأن المعنى مستقيم وقد يفرغ في الإيجاب لقصد المبالغة كأن تقول: (ضربني إلا محمد) والمراد كل من يتصور منه الضرب من معارفك، أو المقصود منه المبالغة في غلو المجتمعين على ضربك" (٤). ويجوز التفريغ في موجب مؤول بالنفي (٥) كقوله تعالى: ﴿فأبى أثكر الناس إلا

стр. 632

كفورا﴾ [الفرقان: ٥٠]، وقوله: ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ [التوبة: ٣٢]، وكقوله تعالى: ﴿عاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده﴾ [يوسف: ٧٩]، فهذا استثناء مفرغ لأن معناه لا نأخذ، إلا من وجدنا متاعنا عنده. القصر في الاستثناء المفرغ: الاستثناء المفرغ يفيد القصر، فإذا قلت (ما حضر إلا خالد) فقد نفيت الحضور كله، إلا حضور خالد بخلاف ما لو قلت (حضر خالد) فإنه يجوز أن يكون حضر معه غيره، جاء في (المقتضب): " وإنما احتجت إلى النفي والاستثناء لأنك إذا قلت (جاءن زيد) فقد يجوز أن يكون معه غيره، فإذا قلت (ما جاءني إلا زيد) نفيت المجيء كله إلا مجيئه (١). وقال ابن يعيش: " وفائدة الاستنثاء في قولك: ما قام إلا زيد إثبات القيام له، ونفيه عمن سواه، ولو قلت (قام زيد) لا غير لم يكن فيه دلالة على نفيه عن غيره" (٢). والحقيقة أن (إلا) سواء كانت في التفريغ أم في غيره تفيد الاختصاص، فإذا قلت: (قام الرجال إلا خالدا) فقد أثبت القيام لجميع الرجال، ونفيته عن خالد حصرا، وإذا قلت (ما قام إلا خالد) فقد نفيت القيام عن كل أحد وأثبته لخالد حصرا، قال الرماني: " معنى (إلا) اللازم لها الاختصاص بالشيء دون غيره، فإذا قلت (جاءني القوم إلا زيدا) فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجيء ولذا قلت (ما جاءني إلا زيدا) فقد اختصصته بالمجيء، وإذا قلت (ما جاءني إلا زيد) فقد اختصصت هذه الحال دون غيرها من المشيء والعدو ونحوه" (٣). غير أن القصر في التفريغ أعم وأشمل، وذلك إذا قلت (ما حضر الرجال إلا خالدا) فقد استثنيت حضور خالد من الرجال، وقد يكون أطفال أو نساء فإن قلت: (ما حضر إلا خالد) فقد نفيت كل حضور غير حضوره، ولذا لا يصح أن نقول (حضر إلا خالدا)

стр. 633

لأنه على ذلك يكون معناه أنه حضر كل من يمكن حضوره في الدنيا من رجال ونساء وأطفال وغيرهم، إلا خالدا، وهو غير صحيح، فإنه يمكن أن لا يجيئك إلا واحد، ولكن يمتنع أن يأتيك أهل الدنيا كلهم إلا واحدا. فالقصر في التفريغ اعم وأشمل. والقصر له اساليب وأدوات، فقد يكون القصر بـ (إنما) نحو (إنما أنتَ مبطل). وقد يكون بالنفي والاستثناء نحو (ما أنت إلا شاعرٌ). وقد يكون بحرف العطف، نحو: ﴿أقبل محمد لا خالد)، وقد يكون بتقديم ما حقه التأخير نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، و (محمد أكرمت). وقد مر (القصر) بـ (إنما) في الأحراف المشبة بالفعل، ومر القصر بالتقديم في المبتدأ والخبر وفي المفعول به، وقد عرفنا أن القصر بإنما يكون لما هو ظاهر مما لا ينكره المخاطب، أو ما نزل هذه المنزلة نحو (إنما هو أخاك) ﴿إنما نح مصلحون﴾ [البقرة: ١١]، ويحسن وقوعها في التعريض كقوله تعالى: ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ [الرعد: ١٩]. وأما القصر بالفي والاستثناء فإنما يكون لما ينكره المخاطب كأن تقول (ما ضر به إلا قاسم) إذا كان المخاطب ينكر أن يكون الضارب قاسمًا جاء في (نهاية الإيجاز) أن قولهم ما هو إلا كذاب، وإن هو إلا كذاب إنما يستعمل في الأمر الذي ينكره المخاطب، أو ما ينزل هذه المنزلة وإذا كان كذلك فلا يصح استعمال هذه العبارة في الأمر الظاهر، فلا تقول للرجل الذي ترققه على أخيه، وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم (ما هو إلا أخوك). مثال الأول إذا رأيت شخصا من بعيد فقلت (ما هو إلا زيد) لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه غير زيد ويجد في إنكار أنه زيد" (١).

стр. 634

وأما القصر بالعطف نحو (جاء محمد لا خالد) فإنما يكون بين أمرين، أو أمور تثبت بعضها منها، وتنفي بعضا فقولك (جاء محمد لا خالد) إنما ثبت فيه المجيء لمحمد ونفيته عن خالد، وأما قولك (ما جاء إلا خالد) فقد أثبت في المجيء لخالد ونفيته عمن سواه، فالقصر عن طريق النفي والاستثاء أعم، فالبعطف تذكر أمورًا معينة، يكون الاثبات لبعضها والنفي لبعضها الآخر، فقولك (أكرمت محمدا لا سعدا) إنما ذكرت فيه شخصين فقط، أثبت الاكرام لأحدهما ونفيته عن الاخر، بخلاف قولك (ما أكرمت إلا محمدا) فقد نفيت الاكرام عن كل شخص إلا محمدا، فالقصر عن طريق النفي والاستثناء أعم وأشم. وأما القصر بالتقديم فقد يكون لغير إنكار، أو دفع لإرادة تخصيص المتقدم بالحكم وقد يكون السامع لا ينكر هذا الأمر، كأن تقول (خالدا أكرمته) أي خصصته بالكرم والمخاطب لا ينكر هذا ولا يدفعه، قال تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥] وقال: ﴿أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوي أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ [البقرة: ٨٧]، فهذا لا يحسن المجيء بالنفي وإلا وإن كان المعنى على القصر، وذلك أن المعنى أنكم من الرسل على طريقتين أما أن تقتلوهم وإما أن تكذبوهم وهم لا ينكرون ذلك بما يقرونه، فهم خصوا فريقا بالتكذيب، وخصوا فريقا بالقتل. ونحو قوله تعالى: ﴿أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتسون ما تشركون﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١]، فهم يقرون أنهم إذا أصابهم الضر خصوا ربهم بالدعاء، ونسوا ما يشركون. وقد يكون الأمر يجهله المخاطب، وذلك كقوله (هو لانفسه ينصر ولا ابنه يزجر) أي هو لا يقدر أن يخص نفسه بنصر، ولا ابنه بزجر، وتقول (هو نفسه يظلم وصديقه يحرم). وقد يكون التقديم لغرض التوجيه والتعليم، وليس من باب الرد على فعل أو اعتقاد، أي أن هذا الأمر ينبغي أن يكون مخصوصا بالمتقدم، وذلك كقوله تعالى لرسوله ﷺ :

стр. 635

﴿وربك فكبر﴾ [المدثر: ٣]، أي خص ربك بالتكبير فهذا من باب التوجيه. والتعليم، وليس ردا على فعل أو اعتقاد بخلاف القصر بالاستثناء الذي فيه رد على إنكار وفيه قوة وتأكيد، وقد جاءه التوكيد والقوة من الرد على الإنكار. لأن المنكر يحتاج إلى قوة وتأكيد في الرد عليه ولذا يؤتى به في المواقف التي يحتاج إلى تأكيد كبير أو إلى رد على إنكار قال تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله﴾ [البقرة: ٨٣]، فجاء به في مقام التوكيد والتغليظ وهو أخذ العهود المواثيق، وقال: ﴿إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾ [هود: ٨٨]، وهو على لسان شعيب ﵇، بعد أن أنكر عليه قوما قائلين: ﴿قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ [هود: ٨٧]، فرد على إنكارهم بالنفي والاستثناء، ومنه قوله تعالى على لسان يوسف ﵇ ناعيا على الشرك وأهله: ﴿أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله امر ألا تعبدون إلا إياه﴾ [يوسف: ٣٩ - ٤٠]، فانظر كيف جاء بالحصر على طريقة النفي والاستثناء منكرا عليهم شركهم: ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتوها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: ٤٠]. وقد يكون التقديم لغير إرادة القصر بل لمجرد الاهتمام بخلاف الاستثناء المفرغ الذي لا يكون إلا للعصر وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونوحا هدينا من قبل﴾ [الأنعام: ٨٤]، فإنه ليس معناه لم نهد إلا نوحا، ونحو قوله تعالى: ﴿فأما اليتيم فلا تقهر: وأما السائل فلا تنهر﴾ [الضحى: ٩ - ١٠]، فإنه ليس على معنى القصر، وذلك لأنه على القصر يكون المعنى أنه منهي عن قهر اليتيم دون غيره من الخلق، فإنه يجوز له أن يقهر غير اليتيم، وينهر غير السائل، وهذا المعنى غير مراد، وإنما قدم ما قدم للاهتمام، وذلك لأن اليتيم ضعيف وأنه مظنة للقهر، وكذلك السائل فقدمهما للاهتمام بأمرها.

стр. 636

وعلى هذا فالحصر بالنفي و (إلا) يكون لما ينكره المخاطب، ويدفعه وأما الحصر بالتقديم فيكون لأغراض منها: ١ - إرادة تخيص المتقدم بحكم مما لا ينكره الخاطب. ٢ - تخصيص المتقدم بحكم يجهله المخاطب. ٣ - التخصيص لغرض التوجيه والتعليم. ٤ - التقديم للاهتمام لا الحصر. أحكام المستثنى الاعرابية: ومن المعلوم أنه إذا كان الاستثناء تاما وكان موجبًا فالمستثنى منصوب وجوبا نحو: (حضر الرجال إلا خالدا) قال تعالى: ﴿فشربوا منه إلا قليلا﴾ [البقرة: ٢٤٩]. أما إذا لم يكن موجبا فإن كان مفرغا فالمستثنى بحسب ما يستحق من الإعراب، نحو (ما حضر إلا خالد) و (ما أكرمت إلا محمدا) و (مامررت إلا بخالد) وإن كان مفرغا وهو غير موجب، فإن كان الاستثناء متصلا فالأرجح الاتباع، ويجوز النصب نحو (ما حضر الرجال إلا خالد) ويجوز (إلا خالدا)، وإن كان منقطعا فالنصب واجب عند الحجازيين، راجح عند التميمين، تقول: (ما حضر الطلاب إلا البواب) بالنصب قال تعالى: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾ [النساء: ١٥٧]، فالنصب فهو منصوب وجوبا في لغة الحجاز أما في لغة تميم فالنصب راجح ويجوز الاتباع عندهم على البدلية، فإن لم تصح البدلية وجب النصب أيضا عند بني تميم، نحو (ما زاد هذا المال إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر) (١) ويبدو أن اختيار النصب في المنقطع أو إيجابه على لغتي أهل الحجاز وتميم إنما هو عائد إلى التساهل في الابدال وعدمه، وذلك أن الحجاز يبين كما يبدو متشددون في

стр. 637

الإبدال من المنقطع، فيمنعون الاتباع، وأما التميميون فقد يتسامحون فيه، ولذا كان النصب عندهم راجح على الأصل، فإذا أرادوا التجوز اتبعوا، فإن تعذر الابدال وجب النصب وامتنع الاتباع عند الجميع، جاء في (كتاب سيبويه): " هذا باب ما يختار فيه النصب لأن الآخر ليس من نوع الأول " وهو لغة أهل الحجاز وذلك قولك ما فيها أحد إلا حمارا، جاؤا به على المعنى ولكن حمارا وكرهوا ان يبدلوا الآخر من الأول فيصير كأنه من نوعه .. وأما بنو تميم فيقولون: (لا أحد فيها إلا حمار) أرادوا ليس فيها إلا حمار ولكنه ذكر أحد توكيدا، لأن يعلم أن ليس فيها آدمي ثم إبدل. . ومثل ذلك قوله (مالي عتاب إلا السيف) جعله عتابه كما انك تقول (ما أنت إلا سير) إذا جعلته هو السير وعلى هذا أنشدت بنو تميم قول النابغة الذبياني: يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد وقفت فيها أصيلانا اسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أواري لأيا ما أبينها ... والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد وأهل الحجاز ينصبون. ومن ذلك من المصادر (ماله عليه بسلطان إلا التكلف) لأن التكلف ليس من سلطان .. وأما بنو تميم فيرفعون هذا كله يجعلون اتباع الظن علمهم، وحسن الظن علمه والتكلف سلطانه (١) وجاء في (شرح التصريح): " فإنه تارة يمكن التسليط العامل على المستثنى وتارة لا يمكن، فإن لم يمكن تسليط العامل على الستثنى، وجب النصب في المستثنى اتفاقا من الحجازيين والتميميين نحو (ما زاد هذا المال إلا ما نقص). . وإن أمكن تسليطه أي

стр. 638

العامل على المستثنى نحو (ما قام القوم إلا حمارا) إذ يصح أن يقال (قام حمار) فالحجازيون يوجبون النصب لأنه لا يصح فيه الإبدال حقيقة .. وبنو تميم ترجحه وتجيز الاتباع" (١). وفي ترجيح النحاة وجها على وجه في المتصل نظر، وظاهر كلام سيبويه ان الاتباع والنصب في المتصل لغتان جاء في (كتاب سيبويه): (هذا باب ما يكون فيه المستثنى فيه بدلا مما نفي عنه دا أدخل فيه) وذلك قولك (ما أتانا أحد إلا زيد) و (ما مررت بأحد إلا عمرو) و (ما رأيت أحدا إلا عمرا) جعلت المستثنى بدلا من الأول، فكأك قلت (ما مررت إلا بزيد) و (ما أتاني إلا زيد) وما لقيت إلا زيدا، كما أنك إذا قلت (مررت برجل زيد) فكأنك قلت (مررت بزيد) فهذا وجه الكلام أن تجعل المستثنى بدلا من الذي قبله لأنك تدخله فيما أخرجت منه الأول .. ومن قال (ما أتاني القوم إلا اباك) لأنه بمنزلة قوله (أتاني القوم إلا أباك) فإنه ينبغي له أن يقول (ما فعلوه إلا قليلا منهم) (٢). وجاء فيه: " هذا باب النصب فيما يكون مستثنى بدلا" حدثنا بذلك يونس وعيسى جميعا أن بعض العرب الموثوق بعربيته يقول: (مامررت باحد إلا زيدا، وما أتاني أحدٌ إلا زيدا) وعلى هذا (ما رأيت أحدا إلا زيدا) فتنصب (زيدا) على غير رأيت، وذلك أنك لم تجعل الآخر من الأول ولكنك جعلته منقطعا مما عمل في الأول" (٣). إن النحاة يعللون كلا من الاتباع والنصب. فالاتباع يكون على البدلية، والبدل على نية إحلال محل الأول، والمبدل منه على نيه السقوط، فإذا قلت (ما قام أحد إلا خالد) فرفعت فكأنك قلت (ما قام إلا خالد) لأن أحدا على نية السقوط، هو عند النحاة بمنزلة

стр. 639

ما ليس منه في الكلام. وإذا نصبت جعلت اعتماد كلامك على النفي، فكأنك قلت (ما قام أحدٌ) ثم استثنيت. جاء في (الأصول): " فإذا قلت (ما قام أحد إلا زيدا) فإنما رفعت لأنك قدرت إبدال (زيد) من (أحد) فكأنك قلت: (ما قام إلا زيد) وكذلك البدل من المنصوب، والمخفوض تقول: (ما ضربت أحد إلا زيدا) و (ما مررت بأحد إلا زيد) فالمبدل منه بمنزلة ما ليس منه في الكلام، وهذا يبين في باب البدل. فإن لم تقدر البدل وجعلت قولك: (ما قام أحدٌ) كلاما تاما لا ينوي فيه الإبدال من (أحد) نصبت فقلت: ما قام أحدٌ إلا زيدا (١). وذكر ابن يعيش أن " الفرق بين البدل والنصب في قولك ما قام أحد إلا زيد أنك إذا نصبت جعلت معتمد الكلام النفي، وصار المستثنى فضلة فتنصبه كما تنصب المفعول به، وإذا أبدلته منه كان معتمد الكلام، إيجاب القيام لزيد وكان ذكر الأول كالتوطئة" (٢). وعلى هذا يكون الفرق بين البدل والنصب أنك إذا قلت: (ما قام أحد إلا زيدا) بالرفع كأن المعنى (ما قام إلا زيدٌ) أي ان القصد اثبات القيام لزيد، وذكرت ما قبله توطئه له وتمهيدا لأن البدل أهم من المبدل منه، لأن المبدل مه على نية الطرح عند النحاة، وإذا قلت: (ما قام أحد إلا زيدا) كان المعنى: ما قام أحد أي أردت أن تنفي القيام عن كل أحد وهذا هو المهم عندك ثم استثنيت (زيدا) لأنه خرج عن الإجماع لا لأنه هو الأهم. فالمهم في النصب هو الإخبار بالنفي، والمهم في الاتباع هو الاخبار بالإيجاب. وفي هذا التعليل نظر فإنه على ما ذهب إليه النحاة يكون الاستثناء التام كالمفرغ، وذلك أن معنى (ما جاء الرجال إلا خالدا) كمعنى (ما جاء إلا خالد) عندهم لأن البدل

стр. 640

على نية السقوط فيكون مفيدا للقصر كالفرغ، وفي هذا نظر فإن المعنى فيهما مختلف، فإنك إذا قلت (لم يزرني أصدقائي إلا خالد) جعلت خالدا من أصدقائك وقد استثنيته منهم، وقد يكون زارك أحدٌ من غير أصدقائك فإن قلت (لم يزرني إلا خالد) دل على أنه لم يزرك أحد من أصدقائك أو من غيرهم، إلا خالد فالمبدل منه له معنى وفائدة. وكذلك لو قلت (لم يحضر الطلاب إلا سعيد) جعلت (سعيدا) من الطلاب، وقد يكون حضر واحد أو أكثر من غير الطلاب مع سعيد، كالأساتذة أو البوابين، إلا أنه لم يحضر من الطلاب إلا سعيد. ولكن لو قلت (لم يحضر إلا سعيد) نفيت الحضور عن كل واحد إلا عن سعيد، فلم يحضر أحد من الناس إلا سعيد، ونحوه أن تقول (ما حضر الفائزون إلا محمدٌ)، فمحمدٌ وحده هو الحاضر من الفائزين، وقد يكون حضر معه غيره من غير الفائزين كالمشاهدين ولكن لو قلت (ما حضر إلا محمد) دل على أنه ل يحضر أحد البته إلا محمد. وعلى هذا فرأي النحاة أن البدل على نية احلاله محل المبدل منه، وإن المبدل منه على نية السقوط، فيه نظر، فإن المعنى يختلف إذا ذكر المبدل منه، وإذا فرغ الاستثناء، وعلى ذلك فهذا الفرق غير وارد. إن الفرق بين الاتباع والنصب من أوجه منها: ١ - إن الاتباع يدل حتما على أن المستثنى بعض من المستثنى منه، بخلاف النصب فإنه من المتحمل أن يكون بعضا منهم، وأن لا يكون فإنك إذا قلت (ما حضر الطلاب إلا سعيدٌ) بالرفع كان سعيد من الطلاب حتما، وإذ قلت (ما حضر الطلابُ إلا سعيدا) احتمل أن يكون (سعيد) من الطلاب، وأن لا يكون منهم، وذلك بأن يكون موظفا، أو بوابا فيكون منقطعا، وبهذا نعلم أن الاتباع يدل قطعا على أنه أنه إما متصل أما النصب فإنه تعبير احتمالي أي يحتمل الاتصال والانقطاع. ٢ - قد يراد بالنصب البعد عن المستثنى منه جنسا أو نوعا أو غيرهما، أو التبعيد عنه، أي تنزيله منزلة البعيد بخلاف الاتباع فإنه يراد به الالصاق، فإن أردت إبعاد محمد عن

стр. 641

الفائزين قلت (ما حضر الفائزون إلا محمد) فإنك هنا بعدته عنهم، وقد يكون البعد حقيقة أو تجوزا، فقد تنصب لقصد التبعيد من المستثنى منه، بأن تجعله ليس بعضا منه، وإن كان منه حقيقة بخلاف الاتباع فإنه يراد به الالصاق بالمستثنى منه، فإن تعذر جعله بعضا منه ولو تجوزا وجب النصب عند بني تميم وغيرهم. وقد مر بنا أن بني تميم يقولون (مالي عتاب إلا السيف) يجعلون السيف عتابه ويقولون (ماله عليه سلطان إلا التكلف) ونحو ذلك (١). فهم إذا تجوزوا فجعلوا السيف عتابا، وإلا واري أحدا والتكلف سلطانا، اتبعوا وإن أرادوا التبعيد من ذلك قطعوا. وهذا ملاك الأمر وهو أن العرب إذا أردوا الصاق المستثنى بالمستثنى منه، أتبعوا وإن أرادوا التبعيد نصبوا. فإن امتنع جعله بعضا منه قطعوا، نحو مازاد هذا المال لا ما تنقص) وعلى هذا تقول (ما جاءني الطلاب إلا خالد) إذا جعلت خالدا بعض الطلاب فإن قلت (خالدا) أبعدته منهم وإن كان طالبا حقا، وذلك لأن تقصيره وعدم انتظامه وقلة معرفته جعلك تسلكه في عداد غير الطلبة وهذا المعنى تجوزي فنى. ٣ - قد يؤتى بالنصب لرد لكلام سابق وذلك كأن يقول قائل (قام القوم إلا محمدا) فتجيب (ما قام إلا محمدا) وليس معنى الجملة الأخيرة إثبات القيام لمحمد، وإنما نفي الجملة كلها أي أن قولك (قام القوم إلا محمدا) غير صحيح، فقد يكون ليس هو المخالف الوحيد أو أن محمدًا قام مع من قام ونحو ذلك. وهو هنا واجب النصب، ولا يصح فيه الرفع فإنك إن رفعت أثبت القيام لمحمدٍ، وحده جاء في (الأصول): " والقياس عندي إذا قال قائل: قام القوم إلا أباك، فنفيت في هذا الكلام أن تقول: (ما قام القوم إلا أباك) لأن حق حرف النفي أن ينفي الكلام الموجب بحاله وهيئته، فأما إن كان لم يقصد إلى نفي هذا الكلام الموجب بتمامه وبنى

стр. 642

كلامه على البدل قال: ما قام القوم إلا أبوك " (١). وعند ابن مالك إن النصب مختار في نحو هذا (٢). والصواب في مثل هذا وجوب النصب، لأن الرفع يعني إثبات القيام له. ٤ - اختار قسم من النحاة ومنهم ابن مالك النصب في المتراخي نحو: ما ثبت أحد في الحرب ثباتا نفع الناس إلا زيدا، لأنه ضعف التشاكل بالبدل، لطول الفصل بين البدل والمبدل منه (٣). وفي هذا نظر فإن الاعراب ليس أمرا لفظيا، بل هو أمر معنوي فالاعراب إنما هو إعراب عن المعنى، ولذا لا نعتقد بصحة ما اختاره ابن مالك، قال أبو حيان ردا على ابن مالك بقوله: " وهذا الذي ذكره لم يذكره أصحابنا" (٤). ٥ - يحتمل في الاتباع ان تكون إلا وصفا بمعنى غير، وليست للاستثناء، وذلك إذا كان الموصوف منكرا أو شبهه، وهو المعرف بأل الجنسية، جمعا او واحدا في معنى الجمع، فلو قلت (ما حضر الرجال إلا خالدٌ) احتمل أن يكون المعنى ما حضر الرجال الذين هم غير خالد، وهذا لا يختصر بغير الموجب بل يكون في الموجب أيضا فلو قلت (حضر العاملون إلا الخاملون) كان المعنى: حضر العاملون غير الخاملين أي الذي ليسوا خاملين (٥)، ولو نصب كان استثناء نصا.

стр. 643

إلا الوصفية: ذكرنا قبيل قليل أن (إلا) قد تأتي صفة بمعنى (غير)، كما أن (غيرا) قد تأتي بمعنى (إلا) فنقول (اقبل رجال إلا سعيد) أي غير سعيد، والعنى اقبل رجال مغايرون لسعيد قال ابن يعيش: " وقد حملوا (إلا) على (غير) في الوصفية، فوصفوا بها وجعلوها وما بعدها تحلية للمذكور بالغايرة، وأنه ليس إياه أو من صفته كصفته، ولا يراد بها اخراج الثاني مما دخل في الأول، فتقول (جاءني القوم إلا زيدا) فيجوز نصبه على الاستثناء ورفعه على الصفة للقوم، وذا قلت: (ما أتاني أحد إلا زيدا) جاز أن يكون إلا وما بعدها بدلا من أحد، وجاز أن يكون صفة بمعنى (غير) قال تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والمراد غير الله فهذا لا يكون إلا وصفا، ولا يجوز أن يكون بدلا يراد به الاستثناء" (١). وأكثر النحاة على انه يشترط لأن تكون وصفا، شرطان هما: ١ - أن يكون موصوفها جمعا منكرا أو شبهه وذلك كقوله تعالى: ﴿لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، والمعنى غير الله، ولا يصح أن تكون ها هنا استثناء، لأن المعنى على الاستثناء " لو كان فيهما آلهة ليس فيهم الله لفسدتا، وذلك يقتضي بمفهومه أنه لو كان فيهما آلهة فيهم الله لم تفسدا (٢) " وهذا باطل. وشبه المنكر أن يكون معرفا بأل الجنسية لأن الجنسية قريبة من النكرة بخلاف العهدية فتقول (أقبل الرجال إلا المقعدون) أي غير وفي الأثر: (الناس هلكى إلا العالمون) وأجاز بعضهم أن يوصف بها المعرف بأل العهدية (٣). ٢ - فإن لم يكن جمعا فواحد في معنى الجمع وذلك كان تقول (ما أقبل أحد خالدٌ) أي غير خالد، وأجاز سيبويه ان يوصف بها كل نكرة وذلك كقولك:

стр. 644

(لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا (١)) ومعنى ذلك أنه لا يجوز أن تقع صفة إلا في الموضع الذي يجوز أن تكون فيه استثناء فلا يجوز أن تقول (اقبل) إلا لئيم بمعنى غير لئيم (٢)، ولك أن تقول: (عندي درهم إلا دانقٌ) لأنه لا يجوز أن تقول (عندي درهما إلا دانقا) ويمتنع: عندي درهم إلا جيد. ومعنى (عندي درهم إلا دانق) بالاتباع: عندي درهم كامل، أي عندي دره وليس دانقا، والدرهم ليس دانقا، وعلى الاستثناء يكون المعنى: عدي درهم إلا سدسا لأن الدانق سدس درهم (٣). وذكر صاحب المغنى أن النحويين قالوا: " إذا قيل: (له عندي عشرة إلا درهما) فقد اقر له بتسعة، فإن قال (إلا درهم) فقد أقر له بعشرة، وسره أن المعنى حينئذ عشرة موصوفة بأنها غير درهم. وكل عشرة فهي موصوفة بذلك، فالصفة هنا مؤكدة صالحة للاسقاط مثلها في (نفخة واحدة (٤)) والمعنى عندي عشرة وليس درهما. وجاء في (الأصول) أنه: " إذا قال القائل: الذي له عندي مائة درهم إلا درهين فقد أقر بثمانية وتسعين، وإذا قال: الذي له عندي مائة إلا درهما فقد أقر بمائة لأن العنى: له عندي مائة غير درهين، وكذا لو قال: له علي مائة ألف كان له مائة" (٥). وهذا واضح فإنه إذا قال: له عندي مائة إلا درهمان، كان المعنى له عندي مائة وليس درهين بخلاف الاستثناء.

стр. 645

غير (غير) كلمة تفيد المغايرة، وأصلها أن تكون تفيد مغايرة مجرورها لموصوفها، أما ذاتا أو صفة. فالمغايرة بالذات نحو (محمدٌ غيرُ إبراهيم) و (مررت برجلٍ غير علي). فشخص محمد غيرُ شخص إبراهيم، وكذلك شخص الرجل الذي مررت به غير شخص علي. والمغايرة بالصفة نحو قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾ [النساء: ٩٥] بالرفع على أنه صفة للقاعدين، وكقوله: ﴿نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾ [فاطر: ٣٨]، وهذا درهم غير جيد، ومررت برجل غير طويل (١). و(غير) من مبتدعات العربية لا تشاركها اللغات السامية فيها (٢). ولكونها تفيد المغايرة حملت على (إلا) في الاستثناء، فأصيح يستثني بها وذلك لأن الاستثناء مغايرة أيضا ولكن هناك فرق بين مغايرة (غير) ومغايرة (إلا)، وذلك أن (غيرا) كما ذكرنا تفيد المغايرة ذاتا أو صفة، بغض النظر عن الاثبات والنفي، وإما (إلا) فتفيد المغايرة نفيا وإثباتا بغض النظر عن المغايرة بالذات أو الصفة فتقول، حضر الرجال إلا خالدا. فهنا أفادت (إلا) المغايرة بالإثبات والنفي، فالرجال حضروا وخالد لم يحضر، بغض النظر عن الصفة أو الذات، كما حملت (إلا) على (غير) فأصبحت صفة تفيد المغايرة بالذات أو بالصفة، جاء في (حاشية الخضري): " واعلم أن أصل (غير) كونها صفة مفيدة لمغايرة مجرورها لموصوفها ذاتا أو صفة .. وأما (إلا) فأصلها مغايرة ما بعدها لما قبلها نفيا وإثباتا، فلما اتفقا في مطلق المغايرة حملت (غير) على (إلا) في الاستثناء بها أي في المغايرة نفيا وإثباتا، بلا نظر لمغايرة ذات أو صفة" (٣).

стр. 646

الاستثناء بغير وإلا: عرفنا أن الأصل في (غيير) أن تفيد المغايرة، وليس الأصل فيها أن تكون للاستثناء بخلاف (إلا)، ولذلك تستعمل غير في مواطن لا تصلح فيها (إلا) إذ لا تفيد الاستثناء كأن تقول (خالد غير لئيم) ونحو قوله: غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن وقوله تعالى: ﴿ويقتلون الأنبياء بغير حق﴾ [آل عمران: ١٢٢]، وقوله: ﴿بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم﴾ [الروم: ٢٩]، وقوله: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد﴾ [ق: ٣١]، فـ (غير) هنا تفيد المغايرة ولا تفيد الاستثناء، ولا يصح استعمال (إلا) في موطنها. وقد تحمل (غير) على (إلا) الاستثناء كقولك (أقبل الرجال غير عباس)، وهي تأخذ حكم الاسم الواقع بعد إلا. قال سيبويه: " وكل موضع جاز فيه الاستثناء بالإجاز بغير وجرى مجري الاسم الذي بعد (إلا) لأنه اسم بمنزلته وفيه معنى إلا " (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية) أن غيرا الاستثنائية تقع " في جميع مواقع (إلا) في المفرغ وغيره، والموجب وغيره، والمنقطع وغيره مؤخرا عن المستثنى منه ومقدما عليه، وبالجملة في جميع محاله إلا أنه لا يدخل على الجملة كالاعتذار لتعذر الإضافة إليها" (٢). ومثل الجملة الجار والمجرور فإن غيرا لا تدخل عليه قوله تعالى: ﴿ليس لهم طعام إلا من ضريع﴾ [الغاشية: ٦]، فلا يصح أن يقال (غير من ضريع)، لأن غيرا تلزم الإضافة، معنى دون لفظ، ولا (من غير ضريع)، لأن المعنى يتغير، ولذلك لا تدخل (غير) على الجار والمجرور.

стр. 647

وتقول (ما جائت إلا طلبا للعلم) فلا يصح وضع (غير) ههنا لأن المفعول له، لا يكون إلا مصدرا و (غير) ليست مصدرا. وعلى أي حال ففي الأكثر أن تقع في مواقع (إلا). إن غيرا وإن دخلت معنى الاستثناء، قد تحمل معها معناها الخاص بها أحيانا، فلا تطابق (إلا) تماما فقولك (ما قام إلا محمد) و (ما قام غير محمد) ليسا متطابقين في المعنى تماما، فإنك في الجملة الأولى أثبت القيام لمحمد وحده، ونفيته عمن عداه، وأما الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل معنى آخر، وهو أن (غير محمد لم يقم) فيكون نفي القيام عن غير محمد وسكت عن محمد. ومعنى ذلك أن ما بعد (إلا) هو المقصود بالاستثناء، وهو الذي يدور عليه الحكم أما في (غير) فإن الكلام قد يدور على ما بعد غير، وقد يدور على (غير) نفسها، لا على المجرور بها، فقوله تعالى مثلا: ﴿وما أضلنا إلا المجرون﴾ [الشعراء: ٩٩]، معناه أن المجرمين هم الذين أضلوهم، ولو قال (وما أضلنا غير المجرمين) لاحتمل المعنى السابق ولاحتمل معنى آخر، وهو أن غير المجرمين لم يضلونا أي نفي الضلال عن غير المجرمين أما بالنسبة إلى المجرمين فلم يتعرض لهم. وكقوله تعالى: ﴿ولا تزد الظالمين إلا ضلالا﴾ [نوح: ٢٤]، فإنه طلب أن يزيدهم الضلال ولا يزيدهم شيئا آخر غير الضلال ولو قال: (ولا تزد الظالمين غير ضلال) لاحتل أن يكون المعنى كالمعنى السابق ولاحتمل معنى آخر وهو أنه طلب إلا يزيديهم غير الضلال أما الضلا فمسكوت عنه. ونحوه أن تقول (لا يدخل الجنة إلا المسلم) وأن تقول (لا يدخل الجنة غير المسلم) فالجملة الثانية قد تكون بمعنى الأولى، وقد تكون لمعنى آخر، وهو أن غير المسلم لا يدخل الجنة، وليس في هذا المعنى حصر، ومثله قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ [النساء: ١٧١]، وقولك (ولا تقولوا على الله غير الحق) فالثانية قد تكون بمعنى الأولى، وقد تكون لمعنى آخر وهو النهي عن قول غير الحق، أما الحق فمسكوت عنه وهو كما تقول: إن لم تقل الحق فلا تقل غير الحق، أي اسكت.

стр. 648

ونحوه أن تقول (لا تعبد إلا الله) و (لا تعبد غير الله) فالمطلوب في الأولى عبادة الله وحده، والثانية قد تكون بمعنى الأولى وقد تكون لمعنى آخر، وهو النهي عن عبادة غير الله، وغير الله الصنم والحجر وغيرهما، فكأنه قال في الجملة الثانية: لا تعبد الصنم لا تعبد الحجر لا تعبد الشجر ونحوه، فالأولى طلب العبادة لله وحده، والثانية نهي عن عبادة غير الله، وعبادة الله مفهومه من المخالفة. جاء في (الإيضاح): " واعلم أن حكم (غير) حكم (إلا) في إفادة القصرين، أي قصر الموصوف على الصفة، وقصر الصفة على الموصوف" (١). والحقيقة أنها لا تفيد ما تفيده (إلا) تماما فـ (إلاّ) تفيد القصر نصًا، أما (غير) فتفيد القصر تضمنا، فقولك (لا تعبد إلا الله) أفاد الحكم، وهو الأمر بعبادة الله نصا صريحا، وأما قولك (لا تعبد غير الله) فهو نهي عن عبادة غير الله، ومضمونه الأمر بعبادة الله. إن قولك (ما دخلها إلا خائفا) يختلف عن قولك (ما دخلها غير خائف) ففي الجملة الأولى أثبت الدخول له خائفا، وفي الثانية نفيد الدخول غير خائف، أما الدخول خائفا فقد سكت عنه وهو مفهوم من مضمون الجملة، جاء في (شرح ابن يعيش): " فأصل (غير) أن يكون وصفا والاستثناء فيه عارض معار من (إلا) ويوضح ذلك ويؤكده، أن كل موضع يكون فيه (غير) استثناء يجوز أن يكون صفة، وليس كل موضع يكون فيه صفة يجوز أن يكون استثناء، وذلك نحو قولك (عندي مائة غير درهم) إذا نصبت كانت استثناء، وكنت مخبرا، ان عندك تسعة وتسعين درهما، وإذا رفعت كنت قد وصفته بأنه مغاير لها، وتقول عندي درهم غير زائف، ورجل غير عاقل، فهذا لا يكون فيه (غير) إلا وصفا لا غير، لأن الزائف ليس بعضا للدرهم، لا العاقل بعض الرجل. والفرق بين (غير) إذا كانت صفة وبينها إذا كانت استثناء، أنها إذا كانت صفة لم توجب للإسم الذي وصفته بها شيئا، ولم تنف عنه شيئا لأنه مذكور على سبيل التعريف فإذا قلت: (جاءني رجلٌ غيرُ زيد) فقد وصفته بالمغايرة له وعدم المماثلة، ولم تنف عن

стр. 649

زيد المجيء وإنما كان قبلها إيحاب فما بعدها نفي وإذا كان قبلها نفي فما بعدها إيجاب لأنها ههنا محمولة على (إلا) فكان حكها كحكمه" (١). ثم أنه يجوز التفريغ في (غير) في الإثبات، ولا يجوز في (إلا) تقول (قام غير محمد) ولا يجوز أن تقول (قام إلا محمد) وذلك لأن غيرا وإن كانت تعني كل ما عدا المذكور في الوجود- قد تعين أيضا بها شخصا معينا غير محمد، أو شخوصا معينين، فقولك (قام غيرُ محمد) يحتمل أن يكون معناه: قام خالد، أما الاستثناء بإلا، فيفيد في نحو هذا، ما عدا محمدًا من الناس، ولا تعني به شخصا معينا أو شخوصا معينين، ولذا لا يصح (قام إلا محمد) لأنه يثبت القيام لجميع الناس دون محمد. ولذا فهي لا تطابق (إلا) تماما في الاستثناء.

стр. 650

سوى ذهب جمهور البصريين إلى أن (سوى) ظرف، وأنها لا تخرج عن الظرفية، ومعناها (مكان) فإذا قلت: (جاءني القوم سواك) كان المعنى جاءني القوم مكانك، وبدلك، ثم دخلها معنى الاستثناء، جاء في (كتاب سيبويه): " وأما أتاني القوم سواك، فزعم الخليل أن هذا كقولك: أتاني القوم مكانك، وما أتاني أحدٌ مكانك إلا أن في سواك معنى الاستثناء" (١). قالوا والدليل على أنها ظرف أنها تكون صلة تقول: مررت بمن سواك (٢) وأن العامل يتخاطاها ويعمل فيما بعدها كقول لبيد: وابذل سوام المال إ ... ن سواءها دهما وجونا ولا يكون ذلك في شيء من الأسماء إلا ما كان ظرفا (٣). وهذان الدليلان لا يدلان إلا على أنها تقع ظرفا، ولايدلان على أنها ملازمة للظرفية فإنه من المعلوم أن ثمة ظروفا متصرفة تقع ظرفا، وتخرج عن الظرفية، كقولك (جلست مكانك) و (عظم مكانك). وفي الدليل تخريج آخر (٤). وذهب أبو القاسم الزجاجي، وابن مالك إلى أنها ليست ظرفا، بل هى كغير مطلقا ويتفرد بلزوم الإضافة لفظا، بوقوعه صلة دون شيء قبله" (٥).

стр. 651

قال ابن مالك في الألفية: ولسوى سوى سواء اجعلا ... على الأصح ما لغير جعلا وذهب الكوفيون وآخرون إلى أنها تستعمل ظرفا، وغير ظرف، فمن استعمالها ظرفا قولهم (جاءني الذي سواك) ومن استعمالها غير ظرف بل اسما بمعنى (غير) قوله ﷺ : " دعوت ربي ألا يسلط علي أمتى عدوا من سوى أنفسها" وقوله: " ما أنتم في سواكم من الأمم إلا كالشعرة البيضاء في الثور الأسود" وقول الشاعر: ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا وهو كثير نثرا وشعرا (١). قال الرضي: " إنما انتصب (سوى) لأنه في الأصل صفة ظرف مكان، وهو (مكانا) قال تعالى: ﴿مكانا سوى﴾ [طه: ٥٨]، أي مستويا ثم حذف الموصوف، وأقيم الصفة مقامه مع قطع النظر عن معنى الوصف، أي معنى الاستواء الذي كان في سوى فصار سوى بمعنى مكانا فقط، ثم استعمل (سوى) استعمال لفظ (مكان) لما قام مقامه في إفادة معنى البدل، تقول (أنت لي مكانا عمرو) أي لأن البدل ساد مسد المبدل منه، وكائن مكانه ثم استعمل بمعنى البدل في الاستثناء لأنك قلت: (جاءني القوم بدل زيد) أفاد زيدا لم يأتك فجرد عن معنى البدلية أيضا لمطلق معنى الاستثناء. فسوى في الأصل مكان مستو، ثم صار بمعنى مكان، ثم بمعنى بدل، ثم بمعنى الاستثناء" (٢). والحق أنها ليست كغير مطلقا، فإنه يصح أن تقول (مررت برجل غير لئيم) ولا يصح أن نقول (سوى لئيم) قال تعالى: ﴿إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين﴾ [المائدة: ٥]، وقال: ﴿بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم﴾ [الروم: ٢٩]. وقال: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد﴾ [ق: ٣١]، ولا تحسن (سوى) في هذا ونحوه.

стр. 652

إن (غيرا) من المغايرة و (سوى) من المساواة كما هو ظاهر من لفظها، فقولهم (مكان سوى) معناه مكان مستو، أي متساو ليس بعضه أعلى من بعض. ويكون (سوى) بمعنى العدل ومنه قولهم: هذا يساوي درهما، أي يعادل قيمته درهما (١). وهذا يساوي ذلك. فإذا قلت (مررت برجال سوى سعيد) كان المعنى أنهم يسدون ويقومون مقامه، أي يساوونه. جاء في (المقتضب): " أنك إذا قلت (عندي رجل سوى زيد)، فمعناه عندي رجل مكان زيد، أي يسد مسده ويغني غناءه " (٢) فسوف تختلف عن غير. إن قولك جاءني رجل غير زيد، يختلف عن جاءني رجل سوى زيد، في أصل المعنى، وذلك أن معنى الأولى: جاءني رجل ليس زيدا، أي مغايرا لزيد، ومعنى الثانية: جاءني رجل مساو لزيد، أي يقوم مقامه ويغني غناءه، ثم دخلها معنى المغايرة، لأن في (سوى) مغايرة من وجه، وذلك أن قولك (مررت برجل سوى زيد) معناه برجل غير رجل. إلا أنه يماثله فهو رجل آخر غير زيد، فهما متشابهان من وجه، مختلفان من وجه آخر ثم دخلهما معنى الاستثناء. ولذا كان الراجح عندنا أنها تكون ظرفا، وغير ظرف، وليس أصلها أن تكون ظرفا بل معنى الظرفية منقول إليها، وذلك أن قولك (جاءني رجل سوى زيد) معناه يقوم مقامه ويسد مسده، ويكون مكانه وبدله، ومن هنا دخلها معنى الظرفية. كما أنه ليس الكثير فيها أن تقع ظرفا، بل الكثير فيها أن تقع غير ظرف، وقد تقع ظرفا، وتقع استثناء وغير استثناء من دون النظر إلى معنى المساواة الذي هو أصل معناها، بل انمحى عنها معنى المساواة وبقي فيها معنى المغايرة، وهذا كثير في اللغة فقط تنمحي عن الكلة دلالتها الأولى، ويبقي ملازمها أو جانب من جوانب المعنى فقط،

стр. 653

فمن ذلك في لغتنا الدارجة (العلوة) مثلا فهي الأصل للمكان المرتفع من العلو، توضع فيه الخضروات، والحبوب ونحوها لغرض بيعها، ثم انمحي عن المكان معنى العلو، وأصبحت تطلق على مكان بيع هذه الأشياء، وإن لم يكن مرتفعا بل وإن كان منخفضا، ومنه قولنا في الدراجة (نتسوق) أي ندخل السوق للشراء ثم أصبحت بمعنى الشراء، وإن لم يكن من السوق، ومنه في العربية (رفع عقيرته) وأصله أن رجلا رفع رجله المقطوعة وصاح بأعلى صوته، ثم انمحى عنه رفع الرجل المقطوعة وبقي المصاحب له، وهو الصياح فصاح بمعنى (صاح) وهكذا أمر سوى. ليس ولا يكون أستُعمل كل من (ليس) و (لا يكون) للاستثناء، نحو (أقبل الرجال ليس محمدا) و (أقبلت النساء لا يكون هندا) وفي الحديث: ما أنهر الدم فكلوا ليس السن والظفر. وهذان الفعلان إذا استعملا في الاستثناء كانا بلفظ واحد، هو الافراد والتذكير، (ليس) و (لا يكون) فلا يؤنثان ولا يسندان إلى اسم ظاهر ولا إلى الضمير بارز فتقول (أقبل النساء ليس فاطمة ولا يكون فاطمة) و (اقبل الرجال ليس محمدا، ولا يكون محمدا) ولا تقول: (ليست فاطمة) و (ولا تكون (١))، ولا ليسوا ولا يكونوا، ولا يسبق (يكون) غير (لا) من حروف النفي، وهما لا يطابقان (إلا) في الاستعمال، ولا في المعنى. أما من حيث الاستعمال، فإنه لا يصح في المستثنى بهما الاتباع فلا تقول في (ما حضر الطلاب إلا سعيدا) (ما حضر الطلاب ليس سعيد) بالاتباع، ولا في (ما مررت بالطلاب إلا سعيد) (ما مررت بالطلاب ليس سعيد ولا يكون سعيدٍ). ولا يستعملان في الاستثناء المفرغ فلا تقول: (ما حضر ليس محمدٌ) كما تقول: (ما حضر إلا محمدٌ).

стр. 654

تقول: (ما مررت إلا بخالد) ولا تقول: (ليس بخالد)، وتقول: (لا تزده إلا عذابا) ولا تقول: (ليس عذابا) وتقول: (ما جئت إلا طلبا للعلم)، ولا تقول: (ليس طلبا للعلم). قال بعضهم: ولا يستعملان في المنقطع (١)، فلا تقول: (أقبل القوم ليس بعيرا) ومثلها: لا يكون. وأما من حيث المعنى فإنهما لا يطابقان (إلا) أيضا، وذلك أنهما في الأصل للنفي، تقول: (ليس الإيمان بالتمنى)، وتقول: (لا يكون البغل مهرا) ثم تضمنها معنى الاستثناء كما مر في (غير) التي معناها المغايرة، وهما يحملان هذا المعنى معهما، جاء في (كليات أبي البقاء) أن الاستثناء بليس، ولا يكون فيه معنى النفي (٢)، فإذا قلت: (حضر الطلاب ليس خالدا) كان المعنى قريبا من قولك (حضر الطلاب وليس خالدا) فهما في الأصل رد على كلام سابق، كأن قائلا قال: (حضر خالد لا الطلاب) فقيل له: (حضر الطلاب ليس خالدا) ثم تضمنها معنى الاستثناء، غير أنهما يحملان معهما معنى التفي. فالاستثناء بليس ولا يكون رد على كلام سابق حقيقة، أو تجوزا، ونفي لما تصوره المخاطب، ففي قولك (حضر الطلاب ليس سعيدا) كأن المخاطب تصور أن سعيدا هو الذي حضر، فنفيت ذلك عنه، وفي قوله ﷺ : " يطبع المؤمن على كل خلق" كأن المخاطب تصور ايضا أنه يطبع على الكذب والخيانة، فنفي ذلك عنه قال: (ليس الكذب والخيانة) أي ليس من خلق المؤمن الكذب والخيانة. فهما للنفي وقد تضمنا معنى الاستثناء.

стр. 655

خلا وعدا خلا: خلا في الأصل فعل لازم تقول: خلا المكان، والشيء يخلو خلوا، إذا لم يكن فيه أحدٌ. وخلت الدار إذا لم يبق فيهما أحد، وخلا إذا تبرأ من ذنب قرف به. وقد استعمل معدى فقالوا: افعل كذا، وخلاك ذم، أي سقط عندك الذم (١). وقال بعضهم: خلا مصدر أيضا (٢). جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما خلا فهو في الأصل لازم، يتعدى إلى المفعول بمن، نحو خلت الدار من الأنيس، وقد تضمن معنى (جاوز) فيتعدى بنفسه كقولهم: (إفعل هذا وخلاك ذم) وألزموها هذا التضمين في باب الاستثناء، ليكون ما بعدها في صورة المستثنى بإلا التي هي أم الباب، ولهذا الغرض التزموا إضمار فاعله، وفاعل عدا، ولم يظهر معهما (قد) مع كونهما في محل النصب على الحال، ولهذا أوجبوا إضمار إسمي ليس ولا يكون" (٣). فهو إذن فعل متصرف من الخلو، ضمن معنى الاستثناء فجمد على صورة واحدة، كما فعل بليس ولا يكون. وهو في الأصل فعل لازم، ثم استعمل متعديا في بعض التعبيرات، وفي الاستثناء، ليكون المستثى به على صورة المستثنى بإلا. وبعض العرب يجر المستثنى به، فالنصب لغة والجر لغة أخرى، قال سيبويه: " وبعض العرب يقول: ما أتاني القوم، خلا عبد الله، فجعلوا خلا بمنزلة حاشا، فإذا قلت

стр. 656

(ما خلا) فليس فيه إلا النصب لأن (ما) اسم، ولا تكون صلتها إلا الفعل هنا" (١). فمن نصب بها من العرب أبقاها على فعليتها، ومن جر بها أجراها مجرى الحروف لجمودها ولا يستنكر أن تكون الكلمة الواحدة مرة فعلا، ومرة حرفا، ولا مرة اسما ومرة حرفا، مثل علي، وعن. جاء في (المقتضب): " وقد تكون خلا حرف خفض فتقول: جاءني القوم خلا زيد. فإن قلت: فكيف يكون حرف خفض، وفعلا على لفظ واحد. فإن ذلك كثير منه حاشا .. ومثل ذلك (على) تكون حرف خفض على حد قولك: (على زيد ردهم) وتكون فعلا نحو قولك: علا زيدٌ الدابة" (٢). ويحتمل أن تكون مصدرا إذا جروا ما بدعها فإن قلت: ولم تحتمل أن تكون حرف استثناء إذا نصب ما بعدها؟ والجواب ذلك أنها لا يصح التفريغ بعدها، ولو كانت حرفا كـ (إلا) لصح التفريغ بعدها، فإنه يصح أن تقول (ما حضر إلا محمد) على أنه فاعل حضر، ولا يصح أن تقول (ما حضر خلا محمدٌ). ونقول: (ما محمد إلا رسولٌ) على أنه خبر محمد، ولا يصح (ما محمد خلا رسول). وتدخل (إلا) على الفعل، قال تعالى: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ [الأنعام: ٥٩]، ولا يصح خلا يعلمها. وتقول: (ما كنت إلا أقوم بواجبي) ولا يصح في نحو ذلك (خلا)، ولو كانت حرفا لم يكن هناك مانع من ذلك، غير أنه لأنها فعل تعذر التفريغ، فيبقي الفعل الأول بلا فاعل ويقي المبتدأ بلا خبر وهكذا، وامتنع دخولها على الفعل أيضا. وقد تسبقها (ما) المصدرية فينتصب ما بعدها، فتقول: (جاء القوم ما خلا محمدًا)،

стр. 657

ويكون معناها عند ذاك بمعنى الجر، إذا عددنا (خلا) مصدرًا وهو مما يقوي مصدريتها. فقولك (جاء الرجال خلا محمد) معناه في الأصل: خلا مجيئهم من محمد، أو خلا الرجال من محمد، ثم ضمن معنى الاستثناء. وقولك (جاء الرجال ما خلا محمدًا) معناه جاؤا خلوهم من محمد، ومعناه وقت خلوهم أو خالين من محمد، بمعنى الظرف، أو الحال (١). وفي هذين الظرف والحال معنى الاستثناء (٢). وقولك (جاء الرجال خلا محمد) معناه جاؤا خلو محمد من المجيء، أو خلوهم من محمد إذا عددنا (خلا) مصدرا، وهذا معنى (جاء الرجال ما خلا محمد). أما من ذهب إلى أنها حرف جر فقد تصور أن هذا اللفظة انمحت عنها كل دلالة على الفعلية، ولم يبق فيها إلا معنى الخلو، نظير قولك (محمد علا السطح)، و (محمد على السطح) فقد انحى من (على) كل معنى للفعلية، ولم يبق فيها إلا دلالة العلو، وكما تحول المنصوب بـ (علا) إلى المجرور بـ (على) تحول المنصوب بـ (خلا) الفعلية إلى مجرور بخلا الحرفية. وينبني على القول بالفعلية والحرفية أمر آخر، وهو أن الكلام من النصب جملتان ومن الجر جملة واحدة، فقولك (جاء الرجال خلا محمدا) متألف من جملتين: الأولى (جاء الرجال) والثانية: (خلا محمدًا) وهي جملة حالية أو استئنافية. وقولك (جاء الرجال خلا محمد) جملة واحدة، ومعنى ذلك أنك أنت أردت في حالة النصب الإخبار بجملتين: الأولى جاء الرجال، ثم بدا لك أن تخبر أخبارا أخرى، وهو (خلا محمدا) تكمل فيها المعنى، او أردت ان تخبر عن حالة مجيء الرجال، بأنه خال من محمد وهو إخبار واحد مقيد.

стр. 658

ولا بد أن كل واحد من المتملكين بهذا التعبير أو ذاك، كان يلحظ ملحظًا معينا فأخبر بهذه الصورة أو تلك، والله أعلم. عدا: وأما عدا ففعل متعد بمعنى جاوز تقول: عدا الأمر يعدوه وتعداه كلاهما تجاوزه، وعدا طوره، وقدره، جاوزه .. ويقال ما يعدو فلان أمرك أي ما يجاوزه، والتعدي مجاوزة الشيء إلى غير .. يقال تعديت الحق واعتديته وعدوته، أي جاوزته .. وعدي عن الأمر جاوزه إلى غير وتركه وعد عنا حاجتك، أي اطلبها عند غيرنا، فإنا لا نقدر لك عليها (١). فإن قلت (جاء الرجال عدا سعيدا) كان المعنى أنهم تجاوزوا سعيدا، فلم يأت معهم أو تجاوز مجيئهم سعيدًا. ومثله أن تقول: أنت تعديت سعيدا فجئت إلي، أي تجاوزته فلم تأته. وكذلك قولك (رأيت عدا خالدا)، معناه تجاوزت رؤيتي سعيدًا، أي لم تقع رؤيتي عليه، ثم ضمن معنى الاستثناء. ولم يحك سيبويه الجر بها، وقد حكاه أبو الحسن الأخفش (٢)، وعلى حكاية الأخفش يكون الجر بعدها لغة. وقد تسبقها (ما) المصدرية، فتقول: (رأيت الناس ما عدا محمدا) أي مجاوزة رؤيتي محمدًا، أي وقت المجاوزة، أو متجاوزا محمدا، فيكون تأويل ذلك كما مر في (خلا). حاشا حاشا كلمة تفيد التنزيه في كل معانيها، وأصلها من الحشا والحاشية وهو الناحية والطرف، قال الفارسي: " وهو فاعل من الحشا الذي هو الناحية، أي صار في ناحية، أي بُعد مما رُمي به، وتنحى عنه، فلم يغشه، ولم يلابسه (٣) ".

стр. 659

وقولهم حاشا لله، معناه تنزيها لله من كل سوء، وهي في الاستثناء كذلك، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإذا استعمل حاشا في الاستثناء، وفي غيره معناه تنزيه الذي بعده من سوء ذكر في غيره، أو فيه، فلا يستثنى به إلا في هذا النوع، وربما أرادوا تنزيه شخص من سوء، فيبتدئون بتنزيه الله من السوء، ثم يبرئون ذلك الشخص مما يصحبه، فيكون آكد، وأبلغ قال تعالى: ﴿فلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾ (١) [يوسف: ١٥]. وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى (حاشا لله): " حاشا كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حاشا زيد .. وهي حرف من حروف الجر، فوضعت موضع التنزيه والبراءة، فمعنى حاشا الله، براءة الله، وتنزيه الله" (٢). وجاء في (ملا جامي) أن معناها " تبرئة المسثنى عما نسب إلى المستثني منه، نحو ضرب القوم عمرا حاشا زيد، أي برأه الله عن ضرب عمرو". (٣) وذا ينبغي استعمالها في مواطن التنزيه، فلا يحسن أن نقول (قام القوم حاشا زيد) لأن القيام ليس من المواطن التي يتنزه منها إلا إذا كان قياما إلى سوء. جاء في (الكليات) أن (حاشا) " كلمة استعملت للاستثناء فيما ينزه عن المستثنى منه، كقولك (ضربت القوم حاشا زيدا)، ولذلك لم يحسن (صلى الناس حاشا زيدا) لفوات معنى التنزيه" (٤).

стр. 660

الحال حقيقتها: الحال وصف أو ما قام مقامه، فضلة مسوق لبيان الهيئة، أو للتوكيد. ومن هذا يتبين أن الحال على قسمين: مبينة للهيئة وتسمى مؤسسة، وسميت كذلك لأنها تؤسس معنى جديدا، يستفاد بذكرها نحو: رجع خالد خائبا. وحال مؤكد وهي التي يستفاد معناها مما قبلها، نحو: ﴿وليتم مدبرين﴾ [التوبة: ٢٥]، فمعنى (مدبرين) مستفاد من (وليتم)، وكلامنا الآن على الأولى. الحال المؤسسة: هي التي تبين هيئة صاحبها عند وقوع الحدث غالبا فإذا قلت: (أقبل الطالب سابقا) كان المعنى أنه سابق في وقت الاقبال، وهذا فرق ما بين الحال والصفة فإنك إذا قلت: (أقبل الطالب السابق) لم ينص قولك هذا على أنه سابق في أثناء الإقبال، بل قد يكون ممن اتصف بالسبق فيما مضى. ومثله أن تقول: (أقبل الرجال الحافظ) أي من اتصف بالحفظ، فإن قلت (أقبل الرجل حافظا) كان المعنى أنه حافظ في إقباله هذا وقد يكون لم يحفظ قبل ذلك، ونحوه أن تقول: (أقبل الطالب المقصر)، و (أقبل الطالب مقصرا) فقوله (أقبل الطالب المقصر) معناه أنه اتصف بالتقصير، وإن لم يكن في إقباله هذا مقصرًا، واما قولك (أقبل الطالب مقصرا) فمعناه أنه مقصر في إقباله هذا، وقد يكون في وصفه العام غير مقصر، وتقول: هذا الرجل المقريء، وأقبل الرجل المقريء، أي من اتصف بالاقراء، وقد تشير إليه وهو ماش، أما إذا قلت: (هذا الرجل مقرئا) فإنك لا تشير إليه إلا وهو في حال إقراء، وتقول: (أقبل الفرس السابق)، و (هذا الفرس السابق) وقد يكون غير سابق في أثناء

стр. 661

الإشارة، بل قد يكون مربوطا أو ماشيا، فإن قلت: (هذا الفرس سابقا) أو (أقبل الفرس سابقا) فإنه يتعين أن لا تقوله، إلا وهو سابق في أثناء الإشارة أو الإقبال. وقد يؤتى بالصفة لتفرق بين إسمين مشتركين في اللفظ، أما الحال فهي زيادة في الفائدة جاء في (كتاب الأصول): " والفرق بين الحال وبين الصفة [أن الصفة] تفرق بين اسمين مشتركين في اللفظ، والحال زيادة في الفائدة والخبر، وإن لم يكن للاسم مشارك في لفظه. ألا ترى أنك إذا قلت: (مررت بزيد القائم) فأنت لا تقول ذلك إلا وفي الناس رجل آخر اسمه زيد، وهو غير قائم، ففصلت بالقائم بينه وبين من له هذا الاسم، وليس بالقائم، وتقول: (مررت بالفرزدق قائما) وإن لم يكن أحد اسمه الفرزدق غيره، فقولك (قائما) إنما ضممت به إلى الأخبار بالمرور، خبرا آخر متصلا به مفيدا. فهذا فرق بين الصفة والحال، وهو أن الصفة لا تكون إلا لاسم مشترك فيه لمعنيين او لمعان، والحال قد تكون للإسم المشترك والإسم المفرد (١). أما قوله: " أن الصفة لا تكون إلا لاسم مشترك" ففيه نظر فللصفة أغراض متعددة، وقد تكون لغير المشترك نحو (باسم الله الرحمن) و (باسم الله العظيم) فليس (الله) اسما مشتركا. وسيأتي بيان هذا الأمر في بابه، إن شاء الله تعالى: وقال المبرد: " فإذا قلت: (جاءني زيدٌ ماشيا) لم يكن نعتا لأنك لو قلت: (جاءني زيد الماشي) لكان معناه المعروف بالمشي، وكان جاريا على زيد لأنه تحلية له، وتبين أنه زيد المعروف بهذه السمة، ليفصل ممن اسمه مثل اسمه بهذا الوصف. فإذا قلت: (جاءني زيد ماشيا) لم ترد أنه يعرف بأنه ماش، ولكن خبرت بأن مجيئه وقع في هذه الحال، ولم يدلل كلامك على ما هو فيه قبل هذه الحالة أو بعدها" (٢).

стр. 662

ونحو هذا في الخبر أيضا تقول: (علي في الدار مقرئا) و (علي في الدار مقريء) فإن معنى الأولى يفيد أنه يقوم بالإقراء في الدار وقت الإخبار، وأما الرفع فعلى معنى أنه يقوم بالإقراء في الدار لا أنه الآن في الدار يقوم بالإقراء، وإنما إذا اقرأ يقريء في الدار وربما لم يكن في الدار الآن. وتقول: (هذا أخوك قائم بالسقي) على معنى أنه يقوم بالسقي أي متول، وإن لم يكن يقوم بالسقي وقت الإشارة، ولكن إذا قلت (هذا أخوك قائما بالسقي) كان المعنى أنه في وقت الإشارة كان يقوم بالسقي، ولا تقوله إلا إذا كان يقوم بالسقي وقت الإشارة إليه، وربما لم يكن يقوم به قبل ذلك. وتقول: (هذا خالد مجتهد) أي هو ممن اتصف بالاجتهاد، وإن لم يبذل الجهد في وقت الإشارة إليه، فهذا خبر كأنك قلت (هذا مجتهد)، فإن قلت (هذا خالد مجتهدا) كان المعنى أنه كان يجتهد في أثناء الإشارة إليه، ولا تقول إلا إذا كان ذلك. جاء في (كتاب سيبويه): " وأما قوله من ذا خير منك فهو على قوله: من ذا الذي هو خير منك، لأنك لم ترد أن تشير أو توميء إلى إنسان قد استبان لك فضله على المسؤول فيعلمكه ولكنك أردت: من ذا الذي هو أفضل منك؟ فإن أومأت إلى إنسان قد استبان لك فضله عليه فأردت أن يعلمكه نصبت خيرا منك كما قلت: من ذا قائمًا؟ كأنك قلت إنما أريد أن أسألك عن هذا الذي قد صار في حال قد فضلك بها، ونصبه كنصب ما شأنك قائما؟ (١). وجاء في (كتاب الأصول): " والحال إنما هي هيئة الفاعل، أو المفعول، أو صفته، في وقت ذلك الفعل المخبر به عنه، ولا يجوز أن تكون تلك الصفة إلا صفة متصفة غير ملازمة، ولا يجوز أن تكون خلقة، ولا يجوز أن تقول: جاءني زيد أحمر، ولا أحول (٢)، ولا جاءني عمرو طويلا، فإن قلت متطاولا، أو متحاولا، جاز لأن ذلك شيء يفعله،

стр. 663

وليس بخلقه" (١). وهذا شأن أكثر الحال، وقد تكون الحال لازمة كما سترى. أما بالنسبة للحال من حيث الزمن، فإن النحاة يقسمونها على ثلاثة أقسام: الحال المقارنة: وهي التي زمنها زمن عاملها، وهي الغالبة نحو (أقبل أخوك ضاحكًا) فالضحك مقارن للإقبال. والمقدرة: وهي المستقبلة وهي التي يكون وقوعها بعد زمن عاملها، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون﴾ [الفتح: ٢٧]، فكل من (محلقين) و (مقصرين) حال مستقبلة، لأن الحلق، والتقصير بعد الدخول وليسا مقارنين له (٢). وكقوله تعالى: ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها﴾ [التوبة: ٥٨]، وذلك نحو أن الخلود بعد الوعيد وليس مقارنا له، وكقوله تعالى: ﴿وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢]، وذلك أن نبوة إسحاق بعد التبشير وليست مقارنة له، فإن التبشير به قبل أن إسحاق (ع). ومثله قوله تعالى: ﴿أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾ [آل عمران: ٣٩] فهذه كلها أحوال مستقبلة، لأن زمنها بعد التبشير. والمحكية: وهي الماضية قالوا وهي نحو (جاء زيد أمس راكبا (٣)) وأنكرها بعض النحاة وذلك أنها مقارنة لعاملها، فالركوب مقارن للمجيء. ولعل من المحكية أن تقول (هذا مؤذ صغيرا وكبيرا) و (هذه تلسع صغيرةً وكبيرةً) إذا قلتها وهما كبيران، فتكون كل من (صغيرٍ) و (صغيرةٍ) حالا محكية.

стр. 664

المنتقلة واللازمة: الأصل في الحال أن تكون منتقلة، أي تلازم صاحبها، وذلك نحو (جاء أخوك غاضبا)، فالغضب يتحول، وقد تكون ملازمة لا تنفك عن صاحبها، ويذكر النحاة لذلك مواطن منها: ١ - أن يكون عاملها مشعرًا بالحدوث كقوله تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ [النساء: ٢٨]، ومعنى ذلك أن يكون عاملها، وهو الفعل أو غيره، يدل على أن صاحبها جاء إلى الوجود لأول مرة، وحدث بعد أن لم يكن، فكلمة (خلق) تدل على أن الإنسان جاء إلى الوجود لأول مرة فـ (ضعيفا) حال لازمة إذ لا ينفك الضعف عن الإنسان ونحوه قوله تعالى: ﴿قالت رب إني وضعتها أنثى﴾ [آل عمران: ٣٦]، فأنثى حال لازمة ونحو قولك (ولدته أزرق العينين أفطس الأنف) أو (وضعته صغير العينين، كبير الأذنين)، واسع الفم، أو حو (ولد أعمى) فكل تلك أحوال لازمة لا تنفك عن صاحبها، ويدل عاملها على الحدوث أي مجيء، بعد ان لم يكن. وليس معنى ذلك أن كل عامل يدل على الحدوث تكون حاله لازمة، وإنما هو أمر يعود إلى المعنى، فإذا قلت مثلا (ولدته باكيا) أو (وضعته مغمض العين) أو (وضعته باسطا كفيه) دل على أن هذه ليست أحوالا لازمة، وإنما منتقلة ومرد ذلك إلى المعنى. ومعنى الضابط أن الحال قد تأتي لازمة في هذا الموطن، وليس معناه أن كل حال تأتي في هذه المواطن تكون لازمة. ٢ - أن تكون مؤكدة بأنواعها نحو قوله تعالى: ﴿ولي مدبرا﴾ [القصص: ٣١]. فـ (مدبرًا) حال مؤكدة لعاملها (ولي) وهي بمعناه، إذ معنى (ولى) و (أدبر) واحد. والحق أن هذه ليست ملازمة لصاحبها ملازمة قولنا (ولد أعمى) أو (ولد دميما) بل هي ملازمة لعاملها، فهو مدبر ما دام موليا، فالحال موجودة ما دام العامل موجودا، ونحو (عاث في الأرض فاسدًا) لأن الإفساد ملازم للعيث.

стр. 665

وقد يكون العامل غير ملازم، فتنقضي الحال بانتقضائه، فمتى انتهى توليه انتهى إدباره، ومتى انتهى عيثه انتهى إفساده، فهذه الحال ليست ثابتة ثبوت الأولى. ٣ - أن تكون الحال جامدة غير مؤولة بالمشتق، نحو (هذا حطبك رمادا) و (هذا طحينك خبزا) ولس كل جامد غير مؤول بالمشتق حالا لازمة، ففي قولك (هذا تمرك بسرا) الحال غير لازمة، وفي قولك (هذا ذهبك خاتما) الحال غير لازمة، ومرد ذلك إلى المعنى. ٤ - في أمثلة مسموعة كقوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨]، فإن قيام ربنا بالقسط لا ينفك عنه، وكقوله تعالى: ﴿أن الله يبشرك بيجيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾ [اآل عمران: ٣٩]، فهذه أحوال لازمة لصاحبها، وكقوله تعالى: ﴿فجزاؤه جهنم خالد فيها﴾ [المائدة: ٩٣]، فالخلود ملازم له، لا ينفك عنه، وكقوله تعالى: ﴿وهذا صراط ربك مستقيما﴾ [الأنعام: ١٢٦]، فالاستقامة ملازمة لصراط الله سبحانه، والحق أن مرد اللزوم والانتقال إلى المعنى لا إلى موطن معن. الحال الجامدة: الأصل في الحال أن تكون وصفا، والمقصود بالوصف اسم الفاعل، واسم المفعول، وصيغ المبالغة، والصفة المشبهة، واسم التفضيل، وقد تكون اسما جامدًا، وذلك في مواضع منها: ١ - أن تكون الحال دالة على سعر نحو: اشتريت الكتب كتابا بنصف دينار، وبعت الدار ذراعا بدينار، واشتريت العسل حقه بعشرة دراهم. ٢ - أن تكون الحال دالة على تقسيط النحو: وضعت كتبي كتابا عند كل واحدـ، دفعت الزكاة عن كل أربعين دينارا. ٣ - الحال الدالة على تفاعل نحو بعته يدا بيد، وكلمته فاه إلى فمي.

стр. 666

٤ - الحال الدالة على التشبيه نحو بدت قمرًا، وتلفتت ظبيا. ٥ - الحال المواطئة، وهي الموصوفة ومعتمد الكلام على الصفة التي بعدها، نحو قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه قرءانا عربيا﴾ [طه: ١١٣]. وقوله: ﴿فتمثل لها بشرًا سويا﴾ [مريم: ١٧] وفي رأينا أن لكيتهما أعني الحال والصفة، معتمدة. ٦ - الحال الدالة على ترتيب نحو (ادخلوا رجلا رجلا) و (قرأت الكتاب كلمة كلمة) و (حفظت القصيدة بيتا بيتا) " وضابطه أن تأتي للتفصيل بعد ذكر المجموع بجزئه مكررا" (١). وفي نصب الثاني من المكرر خلاف، فقد ذهب الزجاج إلى أن الاسم الأول حال والثاني توكيد له، وفي نصب الثاني على التوكيد نظر، لأنه لو كان توكيدًا لأدى ما أداه الأول (٢). وايضاح ذلك أن التوكيد يؤدي ما أداه المؤكد، فلو قلت (أقبل محمد) كان (محمد) الثاني هو الأول، ولو قلت (اشتريت حصانا حصانا) كان الحصان الثاني هو الأول وليست هذه الحال كذلك، فإنك لو قلت (أقبل الرجال صفا صفا) احتمل كلامك معنيين فإنه إذا كان الرجال أقبلوا صفا واحدا، كانت (صفا) الثانية تأكيدًا لأنها لم تزد على معنى الأولى. وإذا أقبلوا صفوفا فليست بتأكيد. وإذا قلت (شربت الدواء جرعة جرعة) فإن كنت شربته جرعة واحدة كانت الثانية تأكيدًا لأنك لم تزد على معنى الأولى. وإن كنت شربته جرعة واحدة كانت الثانية تأكيدًا، لأنك لم تزد على معنى الأولى، وإن كنت شربته جرعة بعد جرعة لم تكن توكيدًا. وقد يمتنع إعراب المكرر إذا كان المعنى لا يحتمله، وذلك قولك (أقبل الطلاب فردًا

стр. 667

فردًا) فهنا يمتنع التوكيد، لأنه لا يمكن أن يكون الطلاب فردا واحدا، وكذلك لو قلت (حفظت القصيدة بيتا بيتا) فإنه لا يمكن أن تكون القصيدة بيتا واحدا، وكذلك نحو (قرأت الكتاب كلمة كلمة) فإنه يمتنع أن تقول (قرأت الكتاب كلمة)، ولذلك كان هذا الاعراب فيه نظر وإنما هو بحسب المعنى، فقد يحتمل في بعض التعبيرات أن يكون توكيدا وربما لم يحتمل وكل له معنى. وذهب بعضهم إلى أنها عطف بتقدير الفاء، أو ثم، فقولك (حضروا رجلا رجلا) معناه: حضروا رجلا فرجلا أو رجلا ثم رجلا (١)، جاء في (الهمع): " ولو ذهب ذاهب إلى أن النصب إنما هو بالعطف على تقدير حذف الفاء، أي رجلا فرجلا، وبابا فبابا لكان وجها حسنا عاريًا عن التكلف، لأن المعنى: ادخلوا رجلا بعد رجل، وعلمته الحساب بابًا بعد باب" (٢). وأرى في هذا التقدير نظرًا أيضا، فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب، و (ثم) تفيد الترتيب والتراخي، فقولك (حضروا رجلا فرجلا) معناه حضر الرجل بعد الآخر بلا مهلة، وإن قلت (ثم) كان المعنى حضر الرجل بعد الآخر وبين كل رجل وآخر مهلة، وهذا المعنى غير مراد، فإن العرب لو أرادت الترتيب والتعقيب لجاءت بالفاء، ولو أرادت التراخي لجاءت بثم، ولكنها أرادت أنهم دخلوا رجلا بعد الآخر، فقد يكون دخل بعضهم بعد الآخر بلا مهلة، وقد يكون دخل بعضهم بمهلة، فإن قدرت أحد الحرفين تعين أحد المعنيين. وقد يعسر التقدير أحيانا، أو يمتنع، وذلك نحو (قرأت الكتاب كلمة كلمة) فإنه على تقدير الفاء، يكون المعنى أنك قرأت الكتاب كله كلمة بعد أخرى بلا مهلة حتى أنهيته. وقد يكون الكتاب كبيرا يستعرق شهورا، فإنه يعسر أن تكون قرأت الكتاب بلا مهلة، كلمة بعد كلمة حتى أنهيته.

стр. 668

وتقدير (ثم) أبعد، إذ المعنى يكون على ذلك أنه قرأ كلمة، ثم جعل لنفسه مهلة ليقرأ بعدها كلمة أخرى، وهكذا فيكون تراخ بعد كل كلمة وهذا لا يكون، فإن قلت: قرأته حرفا حرفا كان أبعد، إذ المعنى على هذا أنك قرأت حرفا ثم تركت القراءة وعدت فيما بعد لتقرأ الحرف الثاي وهكذا، فإذا قرأت كلمة (طمأنينة) مثلا، قرأت الطاء أولا، ثم تركت القراءة وعدت فيما بعد لتقرأ الميم، حتى إذا قرأتها تركت القراءة وهكذا، حتى تنهى الكلمة وهذا ممتنع. فإنه إذا صح تقدير الفاء، أو ثم في تعبير، فإنه لا يصح في تعبير آخر، ثم إن التقدير يقيد المعنى بنحو معين، ولما كانت العرب لا يريدون هذا النحو المعين، أطلقوا. وذهب الجمهور إلى أن الكلمة الأولى حال أولي، والكلمة الثاني حال ثانية، قيل وهو المختار (١). وهو ليس مختارا فيما أرى، وذلك أن في نحو قولك (أقبل محمد راكضا ضاحكا) حالين، ولكل حال معنى، يمكن أن يستغني الكلا بها، فراكضا حال، وضاحكا حال أخرى ولكن في نحو قولك (اقبلوا رجلا رجلا) لا يتم المعنى إلا بذكر الكلمتين معا، ولا تؤدي الكلمة وحدها معنى فإنه لا يصح أن تقول (أقبلوا رجلا) وتسكت. والاختيار فيما نرى أن يكون مجموع الكلمتين حالا واحدة، لأن مجموع الكلمتين يفيد معنى الترتيب، وهذا اختيار أبي حيان وجماعة. جاء في (الهمع): " وقال أبو حيان: الذي أختاره، أن كليهما منصوب بالعامل السابق، لأن مجموعهما هو الحال لا أحدهما، ومتى اختلف بالوصفية أو غيرهما لم يكن له مدخل في الحالية، إذ الحالية مستفادة منهما فصارا يعطيان معنى الفرد، فأعطيا إعرابه وهو النصب" (٢). ثم إن التركيب غير عزيز في اللغة، لا في المبنيات ولا في العربات، فمن المركب

стр. 669

المبني الأحوال المركبة، كقولهم (تفرقوا شذر مذر) و (هو جاري بيت بيت) أي ملاصقا، وكالظروف المركبة نحو صباح مساء، وبين بين. ومن المركب المعرب، المركب المزجي، نحو بعلبك، وحضر موت، فلا ينكر أن يكون مجموع الكلمتين يؤدي معنى واحدا، أو يعرب إعرابا واحدا. ٧ - الدالة على طور فيه تفضيل، وذلك أن يفضل الشيء في حال على نفسه، أو على غيره في حال أخري، نحو (الذهب قلادة أجمل منه خاتما) و (الذهب قلادة اجمل من الفضة قلادة) و (تمرك بسرا اطيب مه رطبا). فقد فضلت الذهب حال كونه قلادة، عليه حال كونه خاتمًا، وفضلت الذهب حال كونه قلادة، على الفضة حال كونها قلادة، وفضلت التمر حال كونه بسرا، عليه حال كونه رطبا جاء في (المقتضب): " ومثل ذلك هذا قولك (هذا بسرا اطيب منه تمرا) فإن او مأت إليه وهو بسر تريد: هذا إذا صار بسرا أطيب منه إذا صار تمرا، وإن أومأت إليه وهو تمر قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، أي هذا إذ كان بسرا أطيب منه إذ صار تمرا، فإنما على هذا يوجه لأن الانتقال فيه موجود. فإن أومأت إلى عنب قلت: هذا عنب أطيب منه بسر، ولم يجزإلا الرفع لأنه لا ينتقل فتقول: هذا عنب أطيب منه بسر تريد، هذا عنب البسر أطيب منه" (١). وجاء في (شرح ابن يعيش): " وهذا إنما يكون فيما يتحول من نوع إلى نوع آخر، نحو (هذا عنبا أطيب منه زبيبا) لأن العنب يتحول زبيبا، ولو قلت (هذا عنبا أطيب منه تمرا) لم يجز لأن العنب لا يتحول تمرا، وإذا كان كذلك لم يجز فيه إلا الرفع فتقول: (هذا عنب أطيب منه تمر) فيكون (هذا) مبتدأ و (عنب) الخبر، و (أطيب منه) مبتدأ آخر و (تمر) الخبر، والجملة الثانية في موضع صفة لعنب فاعرفه" (٢).

стр. 670

والفرق واضح بين المعنيين، فإنك إذا قلت (هذا بسرا أطيب منه رطبا) فقد فضلت الشيء على نفسه، أي هذا عند ما كان بسرا أطيب منه عندما رطبا أو عندما يكون. وأما إذا قلت (هذا بسر أطيب منه عنب) كان المعنى أن هذا بسر يفضله العنب. وتقول في غير الجامدة (محمد شاعرا أحسن منه كاتبا) أي محمد حال كونه شاعرا خير منه حال كونه كاتبا، وتقول (محمد شاعر أحسن منه كاتب) أي أن محمدا شاعرا يفضله كاتب، فأحسن مبتدأ آخر وكاتب خبر له، وهذا الجملة صفة. ٨ - المصدر نحو (أقبل أخوك ركضا) و (قدم الجيش زحفا) فركضا وزحفا حالان جامدان لأنهما مصدران وليسا وصفين. إلى غير ذلك من المواطن. وقوع المصدر حالا: وقد يقع المصدر حالا وقد استعملت العرب ذلك كثيرا، ومه قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥]، أي زاحفين وقوله: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية﴾ [البقرة: ٢٧٤]، أي مسرين ومعلنين، قوله: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي طائعا وكارها وقوله: ﴿وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا﴾ [الأنعام: ١١٥]، أي صادقة وعادلة، وقوله: ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾ [الأحقاف: ١٥]، أي كارهة، ونحو قولك (أقبل علي ركضا) و (قتله صبرا) و (طلع بغتة) و (كلمته مشافهة) ونحو ذلك (١)، وهو ليس بمقيس عند النحاة على كثرته (٢)، وعند المبرد هو مقيس فيما كانت الحال فيه نوعا من عاملها، فإن قلت (أقبل ركضا) جاز لأن الركض نوع من الاقبال، ولو قلت (جاء بكاء وضحكا) لم يجز لأن البكاء والضحك ليسا نوعا من المجيء، قال المبرد في (المقتصب): " ولو قلت: (جئته إعطاء) لم يجز، لأن الاعطاء ليس من المجيء، ولكن (جئته سعيا) فهذا جيد لأن
следующие страницы →