٤ - الحال الدالة على التشبيه نحو بدت قمرًا، وتلفتت ظبيا.
٥ - الحال المواطئة، وهي الموصوفة ومعتمد الكلام على الصفة التي بعدها، نحو قوله تعالى: ﴿وكذلك أنزلناه قرءانا عربيا﴾ [طه: ١١٣].
وقوله: ﴿فتمثل لها بشرًا سويا﴾ [مريم: ١٧]
وفي رأينا أن لكيتهما أعني الحال والصفة، معتمدة.
٦ - الحال الدالة على ترتيب نحو (ادخلوا رجلا رجلا) و (قرأت الكتاب كلمة كلمة) و (حفظت القصيدة بيتا بيتا) " وضابطه أن تأتي للتفصيل بعد ذكر المجموع بجزئه مكررا" (١).
وفي نصب الثاني من المكرر خلاف، فقد ذهب الزجاج إلى أن الاسم الأول حال والثاني توكيد له، وفي نصب الثاني على التوكيد نظر، لأنه لو كان توكيدًا لأدى ما أداه الأول (٢).
وايضاح ذلك أن التوكيد يؤدي ما أداه المؤكد، فلو قلت (أقبل محمد) كان (محمد) الثاني هو الأول، ولو قلت (اشتريت حصانا حصانا) كان الحصان الثاني هو الأول وليست هذه الحال كذلك، فإنك لو قلت (أقبل الرجال صفا صفا) احتمل كلامك معنيين فإنه إذا كان الرجال أقبلوا صفا واحدا، كانت (صفا) الثانية تأكيدًا لأنها لم تزد على معنى الأولى. وإذا أقبلوا صفوفا فليست بتأكيد. وإذا قلت (شربت الدواء جرعة جرعة) فإن كنت شربته جرعة واحدة كانت الثانية تأكيدًا لأنك لم تزد على معنى الأولى. وإن كنت شربته جرعة واحدة كانت الثانية تأكيدًا، لأنك لم تزد على معنى الأولى، وإن كنت شربته جرعة بعد جرعة لم تكن توكيدًا.
وقد يمتنع إعراب المكرر إذا كان المعنى لا يحتمله، وذلك قولك (أقبل الطلاب فردًا
стр. 667
فردًا) فهنا يمتنع التوكيد، لأنه لا يمكن أن يكون الطلاب فردا واحدا، وكذلك لو قلت (حفظت القصيدة بيتا بيتا) فإنه لا يمكن أن تكون القصيدة بيتا واحدا، وكذلك نحو (قرأت الكتاب كلمة كلمة) فإنه يمتنع أن تقول (قرأت الكتاب كلمة)، ولذلك كان هذا الاعراب فيه نظر وإنما هو بحسب المعنى، فقد يحتمل في بعض التعبيرات أن يكون توكيدا وربما لم يحتمل وكل له معنى.
وذهب بعضهم إلى أنها عطف بتقدير الفاء، أو ثم، فقولك (حضروا رجلا رجلا) معناه: حضروا رجلا فرجلا أو رجلا ثم رجلا (١)، جاء في (الهمع): " ولو ذهب ذاهب إلى أن النصب إنما هو بالعطف على تقدير حذف الفاء، أي رجلا فرجلا، وبابا فبابا لكان وجها حسنا عاريًا عن التكلف، لأن المعنى: ادخلوا رجلا بعد رجل، وعلمته الحساب بابًا بعد باب" (٢).
وأرى في هذا التقدير نظرًا أيضا، فالفاء تفيد الترتيب والتعقيب، و (ثم) تفيد الترتيب والتراخي، فقولك (حضروا رجلا فرجلا) معناه حضر الرجل بعد الآخر بلا مهلة، وإن قلت (ثم) كان المعنى حضر الرجل بعد الآخر وبين كل رجل وآخر مهلة، وهذا المعنى غير مراد، فإن العرب لو أرادت الترتيب والتعقيب لجاءت بالفاء، ولو أرادت التراخي لجاءت بثم، ولكنها أرادت أنهم دخلوا رجلا بعد الآخر، فقد يكون دخل بعضهم بعد الآخر بلا مهلة، وقد يكون دخل بعضهم بمهلة، فإن قدرت أحد الحرفين تعين أحد المعنيين.
وقد يعسر التقدير أحيانا، أو يمتنع، وذلك نحو (قرأت الكتاب كلمة كلمة) فإنه على تقدير الفاء، يكون المعنى أنك قرأت الكتاب كله كلمة بعد أخرى بلا مهلة حتى أنهيته. وقد يكون الكتاب كبيرا يستعرق شهورا، فإنه يعسر أن تكون قرأت الكتاب بلا مهلة، كلمة بعد كلمة حتى أنهيته.
стр. 668
وتقدير (ثم) أبعد، إذ المعنى يكون على ذلك أنه قرأ كلمة، ثم جعل لنفسه مهلة ليقرأ بعدها كلمة أخرى، وهكذا فيكون تراخ بعد كل كلمة وهذا لا يكون، فإن قلت: قرأته حرفا حرفا كان أبعد، إذ المعنى على هذا أنك قرأت حرفا ثم تركت القراءة وعدت فيما بعد لتقرأ الحرف الثاي وهكذا، فإذا قرأت كلمة (طمأنينة) مثلا، قرأت الطاء أولا، ثم تركت القراءة وعدت فيما بعد لتقرأ الميم، حتى إذا قرأتها تركت القراءة وهكذا، حتى تنهى الكلمة وهذا ممتنع.
فإنه إذا صح تقدير الفاء، أو ثم في تعبير، فإنه لا يصح في تعبير آخر، ثم إن التقدير يقيد المعنى بنحو معين، ولما كانت العرب لا يريدون هذا النحو المعين، أطلقوا.
وذهب الجمهور إلى أن الكلمة الأولى حال أولي، والكلمة الثاني حال ثانية، قيل وهو المختار (١).
وهو ليس مختارا فيما أرى، وذلك أن في نحو قولك (أقبل محمد راكضا ضاحكا) حالين، ولكل حال معنى، يمكن أن يستغني الكلا بها، فراكضا حال، وضاحكا حال أخرى ولكن في نحو قولك (اقبلوا رجلا رجلا) لا يتم المعنى إلا بذكر الكلمتين معا، ولا تؤدي الكلمة وحدها معنى فإنه لا يصح أن تقول (أقبلوا رجلا) وتسكت.
والاختيار فيما نرى أن يكون مجموع الكلمتين حالا واحدة، لأن مجموع الكلمتين يفيد معنى الترتيب، وهذا اختيار أبي حيان وجماعة. جاء في (الهمع): " وقال أبو حيان: الذي أختاره، أن كليهما منصوب بالعامل السابق، لأن مجموعهما هو الحال لا أحدهما، ومتى اختلف بالوصفية أو غيرهما لم يكن له مدخل في الحالية، إذ الحالية مستفادة منهما فصارا يعطيان معنى الفرد، فأعطيا إعرابه وهو النصب" (٢).
ثم إن التركيب غير عزيز في اللغة، لا في المبنيات ولا في العربات، فمن المركب
стр. 669
المبني الأحوال المركبة، كقولهم (تفرقوا شذر مذر) و (هو جاري بيت بيت) أي ملاصقا، وكالظروف المركبة نحو صباح مساء، وبين بين.
ومن المركب المعرب، المركب المزجي، نحو بعلبك، وحضر موت، فلا ينكر أن يكون مجموع الكلمتين يؤدي معنى واحدا، أو يعرب إعرابا واحدا.
٧ - الدالة على طور فيه تفضيل، وذلك أن يفضل الشيء في حال على نفسه، أو على غيره في حال أخري، نحو (الذهب قلادة أجمل منه خاتما) و (الذهب قلادة اجمل من الفضة قلادة) و (تمرك بسرا اطيب مه رطبا).
فقد فضلت الذهب حال كونه قلادة، عليه حال كونه خاتمًا، وفضلت الذهب حال كونه قلادة، على الفضة حال كونها قلادة، وفضلت التمر حال كونه بسرا، عليه حال كونه رطبا جاء في (المقتضب): " ومثل ذلك هذا قولك (هذا بسرا اطيب منه تمرا) فإن او مأت إليه وهو بسر تريد: هذا إذا صار بسرا أطيب منه إذا صار تمرا، وإن أومأت إليه وهو تمر قلت: هذا بسرا أطيب منه تمرا، أي هذا إذ كان بسرا أطيب منه إذ صار تمرا، فإنما على هذا يوجه لأن الانتقال فيه موجود.
فإن أومأت إلى عنب قلت: هذا عنب أطيب منه بسر، ولم يجزإلا الرفع لأنه لا ينتقل فتقول: هذا عنب أطيب منه بسر تريد، هذا عنب البسر أطيب منه" (١).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " وهذا إنما يكون فيما يتحول من نوع إلى نوع آخر، نحو (هذا عنبا أطيب منه زبيبا) لأن العنب يتحول زبيبا، ولو قلت (هذا عنبا أطيب منه تمرا) لم يجز لأن العنب لا يتحول تمرا، وإذا كان كذلك لم يجز فيه إلا الرفع فتقول: (هذا عنب أطيب منه تمر) فيكون (هذا) مبتدأ و (عنب) الخبر، و (أطيب منه) مبتدأ آخر و (تمر) الخبر، والجملة الثانية في موضع صفة لعنب فاعرفه" (٢).
стр. 670
والفرق واضح بين المعنيين، فإنك إذا قلت (هذا بسرا أطيب منه رطبا) فقد فضلت الشيء على نفسه، أي هذا عند ما كان بسرا أطيب منه عندما رطبا أو عندما يكون.
وأما إذا قلت (هذا بسر أطيب منه عنب) كان المعنى أن هذا بسر يفضله العنب. وتقول في غير الجامدة (محمد شاعرا أحسن منه كاتبا) أي محمد حال كونه شاعرا خير منه حال كونه كاتبا، وتقول (محمد شاعر أحسن منه كاتب) أي أن محمدا شاعرا يفضله كاتب، فأحسن مبتدأ آخر وكاتب خبر له، وهذا الجملة صفة.
٨ - المصدر نحو (أقبل أخوك ركضا) و (قدم الجيش زحفا) فركضا وزحفا حالان جامدان لأنهما مصدران وليسا وصفين. إلى غير ذلك من المواطن.
وقوع المصدر حالا:
وقد يقع المصدر حالا وقد استعملت العرب ذلك كثيرا، ومه قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥]، أي زاحفين وقوله: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية﴾ [البقرة: ٢٧٤]، أي مسرين ومعلنين، قوله: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي طائعا وكارها وقوله: ﴿وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا﴾ [الأنعام: ١١٥]، أي صادقة وعادلة، وقوله: ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾ [الأحقاف: ١٥]، أي كارهة، ونحو قولك (أقبل علي ركضا) و (قتله صبرا) و (طلع بغتة) و (كلمته مشافهة) ونحو ذلك (١)، وهو ليس بمقيس عند النحاة على كثرته (٢)، وعند المبرد هو مقيس فيما كانت الحال فيه نوعا من عاملها، فإن قلت (أقبل ركضا) جاز لأن الركض نوع من الاقبال، ولو قلت (جاء بكاء وضحكا) لم يجز لأن البكاء والضحك ليسا نوعا من المجيء، قال المبرد في (المقتصب): " ولو قلت: (جئته إعطاء) لم يجز، لأن الاعطاء ليس من المجيء، ولكن (جئته سعيا) فهذا جيد لأن
стр. 671
المجيء يكون سعيا، قال الله : ﴿ثم ادعوهن يأتينك سعيا﴾ (١) [البقرة: ٢٦٠].
ورأي المبرد أسوغ من رأي النحاة، وذلك لأنه كثير والكثرة تخول القايس عليها.
وقد يعرض هذا السؤال وهو: لم يعدل العرب عن الوصف إلى المصدر أحيايا؟ وهل لذلك غرض؟
الحق أنه لا يعدل من تعبير إلى تعبير إلا يصحبه عدول من معنى إلى معنى، فقولك (أقبل ركضا) وإن كان في التأويل (أقبل راكضا) لا يطابقه في المعنى. وإنما يعدا من الوصف إلى المصدر لغرضين:
الأول: المبالغة، فإن المصدر هو الحدث المجرد، والوصف هو الحدث مع الذات، فـ (ساعيا) في قولك (اقبل أخوك ساعيا) يدل على الحدث وذات الفاعل، أما المصدر فهو الحدث المجرد من الذات والزمن، ولذا يمتنع الأخبار بالمصدر عن (الذات، لا تقول (محمد سعيٌ) ولا (هو ركضٌ) بل تقول (محمد ساعٍ)، و (هو راكض).
فإن قلت (أقبل أخوك سعيا) كان المعنى أن أخاك تحول إلى سعي، ولم يبق فيه شيء من عنصر الذات، لم يبق فيه ما يثقله من عنصر المادة بل تحول إلى حدث مجرد وهذا مبالغة، وكذلك قولك (أقبل ركضا) معناه أنه تحول إلى الركض عند إقباله، ومثله قوله تعالى: ﴿ثم ادعوهن يأتينك سعيا﴾ فقد قال (سعيا) ولم يقل (ساعيات) والسياق يوضح ذلك قال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٦٠].
إن الأثر يقول أن الله تعالى أمر سيدنا إبراهيم (ع) أن يأخذ أربعة من الطير، فيذبحهن ويقطع أوصالهن، ويدقهن جميعا، حتى يكن عجينة واحدة، مختلطة متماثلة ثم أمره أن يجزيء هذا الكتلة المتماثلة إلى أربعة أجزاء، ثم يجعل على كل جبل جزءا.
стр. 672
في منطقنا ومنطق العقل أنه إذا قطع الرأس فحسب، وبقيت الأعضاء سليمة على وضعها كانت إعادة الحياة إليه مستحيلة فكيف إذا تمزقت الأعضاء، وتهشمت العظام، ودق اللحم والعظم والريش، واختلطت أجزاء الطيور بعضها ببعض حتى أصبحت عجينة واحدة متماثلة؟
إن أعادة الحياة إلى هذه أعسر وأعسر، فهذه الحالة في أقصى حالات الهمود والسكون وآناها عن الحياة والحركة، ثم قال له: ادعهن، فإنهن يأتينك سعيا، أي يتحولن إلى سعي، يتحولن من أقصي الهمود إلى أقصى الحركة، ولم يقل (ساعيات)، أي لم يكن فيهن ما يثقلهن من عنصر المادة، ففي التعبير بالمصدر مبالغة لا تكون في الوصف.
ولذا يمنع النحاة قياس وقوع المصدر حالا، قالوا لأنه يلزم الاخبار بالمعنى عن الذات. قال ابن الناظم: "ومقتضى هذا أن لا يكون المصدر حالا، لئلا يلزم الاخبار بمعنى عن عين" (١).
والحق أنه إذا أراد المبالغة فلا مانع من ذلك، بل ينبغي أن يقوله في موطنه فهذا تعبير، والوصف تعبير آخر.
وقوع المصدر حالا تعبير مجازي، أما الوصف فهو تعبير حقيقي، وكلاهما مراد وله موطنه.
الثاني: التوسع في المعنى وذلك أنك إذا عبرت بالوصف فقد أردت معى واحدا فإذا قلت (جاء خالد ماشيا) كان (ماشيا) حالا، ليس غير، ولكن إذا عبرت بالمصدر اتسع المعنى، وكسبت أكثر من قصد وغرض، فقد تكسب معنى المصدرية والحالية، كقولك (اقبل راكضا) فهذا يحتمل المفعولية المطلقة، أي يركض ركضا أو اقبال ركض، أيا كان التقدير ويحتمل الحالية فقد كسبت معنيين: وأنت تريدهما معا، قال ابن القيم.
стр. 673
" وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال، بل الاتيان بالحال ههنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر، مع زيادة فائدة الحال، فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما" (١).
وقد يحتمل الحالية، والمفعولية لأجله، والمفعولية المطلقة (٢) فتكسب ثلاثة أغراض في تعبير واحد منه قوله تعالى: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ [الأعراف: ٥٦].
فلو قال (ادعوه خائفين وطامعين) لكان المعنى واحدا هو الحالية، ولكن بعدو له إلى المصدر اتسع المعنى، وأصبح يؤدي ثلاثة معان في آن واحد، وهي الحالية أي خائفن. والمفعول لأجله، أي للخوف والطمع، والمفعولية المطلقة أي تخافون خوفا، وتطمعون طمعا، أو دعاء خوف، وطمع، وهذه المعاني كلها مرادة، فإننا يبغي أن ندعو ربنا ونحن في حالة خوف، وطمع وندعوه للخوف والطمع، وندعوه ونحن نخاف خوفا، ونطمع طمعا، فجمعها ربنا في تعبير واحد، بعدوله من الوصف إلى المصدر فهو بدل أن يقول: ادعوه خائفين، وطامعين وادعوه للخوف، والطمع وادعوه دعاء خوف، وطمع، أو تخافون خوفا، وتطمعون طمعا، جمعها كلها بهذا التعبير القصير، فقال: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾.
تنكير صاحب الحال:
ذهب جمهور النحاة إلى أن صاحب الحال يكون معرفة، ولا يأتي نكرة إلا بمسوغن ومن هذه المسوغات:
١ - تقديم الحال على صاحبها النكرة، نحو: (أقبل حافظا رجل) فأصل الكلا (اقبل رجل حافظ) فـ (حافظ) نعت، ثم قدت الصفة على صاحبها، فنتصبت على الحال، لأنه لا يجوز أن تتقدم الصفة على الموصوف، قالو وسبب ذلك أن تقدم الحال يؤمن التباس الحال بالصفة وأما إذا تأخر نحو (جاءني رجل راكبا) فقد يتشبه في حال انتصاب ذي الحال بالوصف نحو (رأيت رجلا راكبا) فطرد المنع رفعا وجرًا" (٣).
стр. 674
وجاء في (الكليات) لأبي البقاء: " كل صفة نكرة قدمت على الموصوف انقلبت حالا. ففارقها لفظ الصفة لامعناها، لأن الحال صفة في المعنى" (١).
٢ - أن يكون مسبوقا بنفي، أو شبه النفي، نحو (ما أقبل طالب مقصرا) و (لا يأتيني طالب مقصرا) و (هل جاءني طالب مقصرا) ومنه قول الشاعر:
لا يركنن أحد إلى الأحجام ... يوم الوغي متخوفا لحمام
فمتخوفا حال من (أحد) وهو نكرة والمسوغ النهي.
٣ - أن تكون النكرة مخصصة بإضافة، أو وصف، كقولنا (أقبل رجل علم حافظا) و (قدم طفل صغير باكيا).
وغير ذلك من المسوغات (٢).
قال أبو سعيد السيرافي: " الحال من المعرفة كالحال من الكرة فيما يوجبه العامل غير أن الحال من النكرة تنوب عن معناها الصفة، والصفة مشاكلة للفظ الأول، فيكون أولى من الحال المخالفة للفظ الأول، وذلك قولك (جاءني رجل راكب) في حال مجيئه وأما المعرفة فإن فائدة الحال فيها غير فائدة الصفة، فإذا قلت: جاءني زيد أمس راكبا فالركوب في حال مجيئة، لا في حال أخبارك" (٣).
ومن هذه الحال نفهم أن الحال بمعنى الصفة، فإذا تأخرت كانت نعتا، نحو (أقبل طالب مقصر) وإذا تقدمت أصبحت نحو (أقبل مقصرا طالب)، وإذا الكلام منفيا، كانت حالا وإن كان مثبتا صارت صفة، وكذلك باقي المسوغات.
وفي هذا الكلام نظر، أي نظر.
فإن الحال غير الصفة، والحال لها معنى والصفة لها معنى آخر، فقولك (أقبل رجل
стр. 675
حافظ) معناه متصف بالحفظ، كما تقول (أقبل رجل مقريء) أي متصف بالإقراء، ولكن إذا قلت (أقبل حافظا رجل) كان المعنى أنه حافظ في إقباله هذا، تقول (في الدار رجل مقريء) أي متصف بالإقراء، وليس معناه أنه يقوم الآن بالإقراء، فإن قلت (في الدار مقرئا رجل) تعين أنه بالاقراء حال كونه في الدار، ولا تقوله إلا إذا كان يقوم بالاقراء.
وتقول (أقبل طالب مهمل) أي متصف بالإهمال، كما تقول (هذا طالب مهمل) فإن قلت (أقبل مهملا طالب) كان المعنى أنه مهمل في إقباله هذا، وليس ذلك سمته العام. وكذلك بالنسبة للمسوغات الأخرى.
فإنه يصح أن تقول (ما أقبل طالب مقصر) وتقول (ما أقبل طالب مقصرا) لوجود المسوغ وهو النفي، ولكن هل المعنى واحد؟ كلا! فإن قولك (ما أقبل طالب مقصر) معناه أنه لم يقبل طالب متصف بالتقصير، وأما قولك (ما أقبل طالب مقصرا) فمعناه نفي التقصير عنه في إقباله هذا، وقد يكون قبل هذا مقصرا، ومتصفا به نحو (لا يأت طالب مهمل) و (لا يأت طالب مهملا) فالأولى نهي عن اتيان طالب متصف بالاهمال، والثانية معناه النهي عن الاهمال في هذا المجيء، وانظر إلى قول قطري:
لا يركنن أحد إلى الاحجام ... يوم الوغي متخوفا لحمام
فإنه لم يقل (متخوف) لأن المعنى يمنع من ذلك، فإنه إذا قال (متخوف) فمعناه أن التخوف وضعه العام. فكيف ينهاه عن الإحجام إذا كان متخوفا؟ ولكن قال (متخوفا)، لأنه أراد ان لا يتخوف يوم الوغي، وفرق بين المعيين.
وكذلك قولك (جاءني طالب صغير مقصرا) و (مقصر) فبالاتباع يكون سمته العام التقصير وفي النصب يكون مقصرا في مجيئه هذا.
ونحن نرى أن لا داعي لهذه المسوغات، وإنما المسوغ المعنى، فمعنى الحال غير معنى الصفة، فإن أردت الحالية نصبت وإن أردت الصفة اتبعت، وقد ذهب الخليل وسيبويه إلى أنه يجوز الحال من النكرة بلا مسوغ من هذه المسوغات، جاء في
стр. 676
(الكتاب):
" وقد يجوز نصبه على النصب (هذا رجل منطلقا) وهو قول عيسى، وزعم الخليل أن هذا جائز ونصبه كنصبه في المعرفة، جعله حالا ولم يجعله وصفا، ومثل ذلك (مررت برجل قائما) إذا جعلت المرور به في حال قيام، وقد يجوز على هذا (فيها رجل قائما)، وهو قول الخليل، ومثل ذلك (عليه مائة بيضا) والرفع الوجه، و (عليه مائة عينا) والرفع الوجه" (١).
وهذا هو الحق فيما نرى فإن المعنى هو المسوغ غير أننا لا نوافق سيبويه. في قوله (والرفع الوجه) لأنه يكون عند ذاك صفة، والحال في المعنى غير الصفة، كما أوضحنا.
فإن قلت: أن هذا يتضح في المرفوع والمجرور، لا يتضح في المنصوب، فإنه يتبين النعت من الحال في قولك (أقبل طالب مقصر)، و (أقبل طالب مقصرا)، ولكن كيف يتبين ذلك في النصب؟ كيف نميز الحال من النعت في نحو قولك (رأيت طالبا مقصرا) كما ذكر الرضي؟ فوجود المسوغ ضروري لمعرفة الحال من النعت.
وهذا كلام مردود، فإننا لا نستطيع أيضا أن نميز الحال، من النعت إذا كان صاحب الحال منصوبا مع وجود المسوغ، كيف نميز بين الحال والصفة في قولنا: (ما رأيت طالب مقصرا) و (هل رأيت طالب مقصرا) و (رأيت طالب علم مقصرا)، ففي هذه الجمل مسوغات هذه النفي والاستفهام، والاضافة أفكلمة (مقصر) هنا نعت أم هي حال؟ هل الفرق المسوغ بين الحال والنعت؟
إن وجود المسوغ وعدمه سواء. إن قولك (رأيت طالبا مقصرا) و (ما رأيت طالبا مقصرا) سواء في الإبهام، وهي مع وجود المسوغ يمكن أن تعرف حالا، كما تعرف تعتا فليكن كذلك مع عدمه.
إن هذه الجملة من الجمل الاحتمالية، فتقول أن هذه الكلمة تحتمل الحالية، وعليه يكون معناه كذا، وتحتمل النعت وعليه يكون معناها كذا.
стр. 677
أما تقديم الحال على صاحبها النكرة فليس لتسويغ الحالية، وإنما هو لغرض من أغراض التقديم، وهو الاهتمام، فإنك تقول (جاءني طالب مقصرا) فإن اهتممت بالحال قلت (جاءني مقصرا طالب) كما هو معلوم من أغراض التقديم.
تقديم الحال:
إن التعبير الطبيعي هو أن يتقدم الفعل ثم صاحب الحال ثم الحال، فتقول (حضر محمد ماشيا).
فإن كان السامع يعنيه مشي محمد وذلك كأن يكون محمد مكسور الساق أو حصل له مرض أقعده عن المشي قدمت ما هو أهم، وأنت بشأنه اعني، لأن العرب يقدمون ما هو اهم، لهم وهم ببيانه أعني، كما يقول سيبويه فتقول: (حضر ماشيا محمد) ونحوه أن تقول (أقبل مضروبا خالد) وذلك إذا كان ضرب خالد أهم.
فإن كان السامع يظن أن محمدًا حضر راكبا لا ماشيا، قدمت الحال على فعلها لإزالة الوهم من ذهنه ولإرادة معنى التخصيص، فتقول (ماشيا قدم محمد) أي لم يقدم على الحال غيرها، فهو لم يقدم راكبا مثلا.
وهذا شأن التقديم عموما، فإنك تقدم لغرض من الأغراض، فقد يكون ذلك للتعجب والتفاؤل والتشاؤم والتهويل والتخصيص وغير ذلك من الاغراض التي ذكرناها في أكثر من موضع، جاء في (شرح المختصر للتفتازاني): " ومثل (زيدا عرفت) في إفادة الاختصاص قولك (بزيد مررت) .. أمن اعتقد أنك مررت بإنسان وأنه غير زيد، وكذلك يوم الجمعة سرت، وفي المسجد صليت، وتأديبا ضربته، وماشيا حججت، والتخصيص لازم للتقديم غالبا " (١).
стр. 678
الحال الجملة
تقع الحال جملة كما تقع مفردا، تقول (أقبل أخوك يضحك) و (أقبل أخوك وهو يضحك) كما تقول: (أقبل ضاحكا) ويشترط النحاة أن تكون جملة الحال خبرية خالية من دليل استقبال أو تعجب (١)، فلا يصح أن تقع الجملة الإنشائية حالا، فلا تقول: (أقبل محمد وهل هو راكض؟ )، على أنها حال، كما لا يصح عند النحاة أن تكون الجملة المصدرة بدليل استقبال حالا فلا تقول (حضر محمد سيكتب) على أنها حال، وقوله تعالى: ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾ [الصافات: ٩٩]، ليست الجملة (سيهدين) فيه حالا. جاء في (شرح الرضي): " ويشترط في المضارع الواقع حالا خلوه من حروف الاستقبال، كالسين ولن ونحوهما، ولك أن الحال الذي نحن في بابه، والحال الذي يدل عليه المضارع، وإن تباينا حقيقة لأن في قولك مثلا (اضرب زيدا غدا يركب) لفظ (يركب) حال بأحد المعنيين، غير حال بالآخرة، لأنه ليس في زمان المتكلم، لكنهم التزموا تجريد صدر هذه الجملة، أي المصدرة بالمضارع من علم الاستقبال، لتناقض الحال والاستقبال في الظاهر وإن لم يكن التناقض ههنا حقيقيا" (٢).
وهذا التعليل غير مقبول، وذلك أنه إذا أقر النحاة أن تكون هناك حال مقدرة، وهي التي يكون وقوعها بعد وقوع عاملها، فلا داعي لهذا الشرط، لأن المصدرة بدليل استقبال، ليست إلا كذلك قال تعالى: ﴿أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدنا وحصورا ونبيا من الصالحين﴾ [آل عمران: ٣٩]، وهذه الأحوال مقدرة لأنها بعد التبشير، ولذا ترى أن كل ما احتمل أن يكون حالا في المعنى مما صدر بدليل استقبال، صح أن يكون كذلك، وذلك نحو (عرفت محمدا إن تستعنه أعانك) فجملة الشرط حال، وهي مصدرة بدليل استقبال، وتقول (مالك لا تذهب)؟ و (لا) عند النحاة تفيد الاستقبال وإن كان لنا فيها رأي آخر قال تعالى: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه﴾ [يس: ٢٢]، فجملة (لا أعبد) حالية، والله أعلم.
стр. 679
واو الحال:
قد تقع قبل قسم من الجمل الحالية واو تسمى واو الحال، وجوبا أو جوازا، نحو (أقبل محمد أخوه معه)، و (أقبل محمد وأخوه معه) فما فائدة هذه الواو؟ وهل تؤدي معنى خاصا بها؟ وما الفرق بين الجملتين السابقتين. ونحوهما في المعنى؟
إن الواو في العموم تفيد الاجتماع، جاء في (المخصص): " فالواو إذا لم يكن بدلا من الحرف الجار لزمته الدلالة على الاجتماع، كلزوم الفاء الدلالة على الاتباع، وهي مع ذلك تجيء على ضربين:
أحدهما: أن تأتي دالة على الاجتماع، متعرية من معنى العطف، في نحو ما حكاه النحويون من قولهم (ما فعلت وأباك؟ ).
والآخر أن تأتي عاطفة مع دلالتها على الاجتماع، في نحو (مررت بزيد وعمرو) فهذا الضرب يوافق الأول في الدلالة على الجمع، ويفارقه في العطف، لأن الواو هناك لم تدخل الاسم الآخر في إعراب الاول، كما فعلت ذلك في الباب الثاني، فإذا كان ذلك علم أن المعنى الذي يخص به بالواو الاجتماع.
وقد تجيء الواو غير عاطفة على غير هذا الوجه، في نحو قوله تعالى: ﴿يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فهي لغير العطف في هذا الموضع أيضا، وذلك أن الجملة التي بعدها غير داخلة في اعراف الاسم الذي قبلها ولا هي معطوفة على الجملة التي قبلها، وإنما الكلام مجوعه في موضع نصب بوقوعه موقع الحال فهذا ما ينبئك عن استحكام الواو في الدلالة على الاجتماع، إذ كان حكم الحال أن تكون مصاحبة لذي الحال" (١).
وهذا صحيح، فالواو العاطفة لمطلق الجمع، وهي تفيد التشريك في الحكم، نحو (حضر محمد وخالد) والواو التي ينتصب الاسم بعدها تفيد المعية والمصاحبة،
стр. 680
وهو اجتماع أيضا، نحو (جئت والليل)، والتي ينتصب بعدها الفعل المضارع تفيد المصاحبة، وهو اجتماع أيضا، نحو (لا تأكل ولا تتكلم) والحالية تفيد مصاحبة، ما بعدها لما قبلها نحو (جئت والشمس طالعة) أي مصاحبة طلوع الشمس، ولذا عدها بعض النحاة للمعية (١) لأنها تفيد المصاحبة، والجملة بعدها مفعول معه.
والاستئنافية تفيد الجمع في ذكر حكمين أو أكثر، نحو (لا تأكل وتشرب) بضم الباء، أي أنت منهي عن الأكل، مباح لك الشرب فقد جمع بين حكمين.
وهي تفيد الجمع ضميرا، نحو إذهبوا وقوموا، وحرفا نحو (مدرسون وقائمون) فالواو على العموم تفيد الاجتماع.
وذكر عبد القاهر الجرجاني، أن الواو الحال يؤتى بها لقصد استئناف حال أخرى تضمها إلى ما قبلها، جاء في (دلائل الإعجاز): " فاعلم أن كل جملة وقعت حالا ثم امتنعت من الواو، فذاك لأجل أنك عمدت إلى الفعل الواقع في صدرها، فضممته إلى الفعل الأول في إثبات واحد وكل جملة جاءت حالا ثم اقتضت الواو، فذاك لأنك مستأنف بها خبرا، وغير قاصد إلى أن تضمها إلى الفعل الأول في الإثبات.
تفسير هذا أنك قلت: (جاءني زيد يسرع) كان بمنزلة قولك (جاءني زيد مسرعا) في أنك تثتب مجيئا فيه إسراع، وتصل أحد المعنيين بالآخر، وتجعل الكلام خبرا واحدا، وتريد أن تقول: جاءني كذلك وجاءني بهذه الهيئة، وهكذا قوله:
وقد علوت قتود الرحل يسفعني ... يوم قديديمة الجوزاء مسموم.
كأنه قلت: وقد علوت قتود الرحل بارزا للشمس ضاحيا.
وإذا قلت: (جاءني وغلامه يسعي بين يديه) و (رأيت زيدا وسيفه على كتفه) كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرًا، وابتدأت اثباتا ثانيا لسعي على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية، ثم استأنفت خبرا، وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه. ولما كان المعنى على استئناف الاثبات
стр. 681
احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء بالواو كما جيء بها في قولك (زيد منطلق وعمرو ذهاب)، و (العلم حسن والجهل قبيح)، وتسميتنا لها واو لحال لا يخرجها عن أن تكون مجتلبة لضم جملة إلى جملة" (١).
وجاء في (الطراز): أن الواو إذا كانت محذوفة فهي في حكم التكملة والتتمة لما قبلها تنزل منزلة الجزء منها، .. وإذا كانت الواو موجودة كانت في حكم الاستقلال بنفسها" (٢).
وذهب بعضهم إلى أنها لتأكيد الالتصاق جاء في (حاشية الشمني على المغنى): " وقال نجم الدين سعيد .. الواو أكدت الالتصاق، باعتبار أنها من أصلها للجمع المناسب للالصاق". (٣)
وجاء في (كليات أبي البقاء): " وقالوا إذا دخلت على الشرط بعد تقدم الجزاء يراد به تأكيد الوقوع بالكلام الأول وتحقيقه كقولهم (أكرم أخاك وإن عاداك) أي أكرمه بكل حال. وقد تزاد الواو بعد إلا لتأكيد الحكم المطلوب إثباته، إذا كان في محل الرد والانكار، كما في قوله (ما من أحد إلا وله طمع أو حسد) (٤).".
وأصل هذا القول ما قاله الزمخشري في قوله تعالى: " وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤]، قال: " ولها كتاب جملة واقعة صفة لقرية، والقياس لا يتوسط الواو بينهما، كما في قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون﴾ [الشعراء: ٢٠٨] وإنما يتوسط لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كا يقال في الحال (جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب) " (٥).
стр. 682
وقال نحو هذا القول في قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢]، قال: " فإن قلت: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة، ولم دخلت عليها دون الأوليين؟
قلت: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الواقعة حالا عن المعرفة في نحو قولك (جاءني رجل ومعه آخر) و (مررت بزيد وفي يده سيف) ومنه قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن إتصافه بها أمر ثابت مستقر، وهذه الواو هي التي آذنت بأن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كما غيرهم" (١).
فقد ذكر أن لها فائدتين:
الأولى تأكيد الالتصاق، والثانية أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر.
والجمهور ينكرون مجيء الجملة جملة، الصفة بعد هذه الواو (٢)، ويعدون هذه الواو واو الحال، جاء في (المغنى): " الواو الداخلة على الجملة الموصوف بها لتأكيد لصوقها بموصوفها، وإفادتها ان اتصافه بها أمر ثابت، وهذه الواو أثبتها الزمخشري ومن قلده وحملوا على ذلك مواضع الواو فيها كلها واو الحال". (٣)
وعند سيبويه هي بمعنى (إذا) أي للزمن الماضي، جاء في (كتاب سيبويه): " وأما قوله ﴿يغشى طائفة منكم وطائفة قد اهمتهم أنفسهم﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فإنما وجهوه على أنه يغشى طائفة منكم، وطائفة في هذه الحال، كأنه قال (إذ طائفة في هذه الحال)، فإنا جعله وقتا، ولم يرد أن يجعلها واو عطف، إنما هي واو الابتداء" (٤).
стр. 683
وقد سماها بعضهم واو الوقت، جاء في (كتاب الأصول): " وإذا ذكرت (أن) بعد واو الوقت كسرت، لأنه موضع ابتداء، نحو قولك (رأيته شابًا وأنه يومئذ يفخر (١)).
وبعضهم ذكر واو الحال وواو الوقت، على أنها واوان مختلفان، جاء في (لسان العرب): " ومنها واوات الحال، كقولك (أتيته والشمس طالعة)، أي في حال طلوعها، قال تعالى: ﴿إذ نادى وهو مكظوم﴾ [القلم: ٤٨].
ومنها واو الوقت، كقولك (اعمل وأنت صحيح) أي في وقت صحتك، والآن وأنت فارغ، فهذه واو الوقت، وهي قريبة من واو الحال" (٢).
وهما بمعني واحد كما واضح وليستا مختلفتين.
وذهب بعضهم إلى صرف كلام سيبويه وتأويله عن معناه، جاء في (الهمع): " وقدرها سيبويه والأقدمون بإذ، ولا يريدون أنها بمعنى (إذ) إذ لا يرادف الحرف الاسم، بل أنها وما بعدها قيد للفعل السابق، كما أن (إذ) كذلك" (٣)
وكلام السيوطي فيه نظر ظاهر كلام سيبويه أنها بمعنى (إذ) قال: " كأنه قال إذ طائفة في هذه الحال فإنما جعله وقتا" وكما ذكر المبرد، وابن السراج، وغيرهما وسموها واو الوقت، لأنها تفيد التوقيت، والجملة بعدها جارية مجرى عن الراجع إلى ذي الحال، إجراء لها مجرى الظرف، لانعقاد الشبه بين الحال وبينه، تقول (أتيتك وزيد قائم) و (لقيتك والجيش قادم)، قال: وقد اغتدى والطير في وكناتها" (٤).
جاء في (المغني): " ومما يشكل قولهم في نحو (جاء زيد والشمس طالعة) أن الجملة الإسمية حال، مع أنها لا تنحل إلى مفرد ولا تبين هيئة فاعل، ولا مفعول ولا هي حال مؤكدة.
стр. 684
فقال ابن جني: تأويلها جاء زيد طالعة الشمس عند مجيئه، يعني فهي كالحال، والنعت السببين، كمررت بالدار قائمًا سكانها، وبرجل قائم غلمانه.
وقال ابن عمرون: وهي مؤولة بقولك مبكرا ونحوه.
وقال صدر الأفاضل تلميذ الزمخشري إنما الجملة مفعول معه، وأثبت مجيء المفعول معه جملة، وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿والبحر يمده من بعده سبعة أبحر﴾ [لقمان: ٢٧]، في قراءة من رفع البحر، هو كقوله:
وقد اغتدى والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
و(جئت والجيش مصطف)، ونحوهما من الأحوال التي حكمها حكم الظرف، فلذلك عريت عن ضمير ذي الحال" (١).
والتحقيق أن واو الحال تفيد الوقت كثيرا، وهي بمعنى (إذ) الظرفية غالبا، وايضاح ذلك أنك تقول: (ما بالك تركض)؟ و (ما بالك راكضا)؟
فأنت تسأل عن سبب ركضه، وتقول: (ما بالك وأنت تركض؟ ) فأنت تسأله عن شيء حدث له، وهو يركض كأنك قلت: ما بالك حين تركض؟
وتقول: (مالك تسكت؟ ) و (مالك ساكتا؟ ) فهذه سؤالان عن سبب سكوته
وتقول: مالك وأنت ساكت؟ فهذا السؤال عن شيء حدث له وهو ساكت كأنه قال: ما حصل لك حي كنت ساكتا؟
وتقول: (لماذا جئتنا هاربا؟ ) ولماذا جئتنا وأنت هارب؟ فالأولى سؤال عن سبب مجيئه هاربا، أي سؤال عن سبب الهرب، والثانية سؤال عن سبب المجيء مع أنه هارب، أي لماذا جئت وهذه حالك؟
وتقول: (كيف وصلت ليس لك مال؟ ) و (كيف وصلت وليس لك مال؟ ) فالأولى
стр. 685
سؤال عن سبب فقدان المال، والثانية سؤال له أنه كيف وصل وهذه حالة، أي كيف وصل مع أنه ليس له مال؟ كما تقولك لماذا جئت وأنت مريض؟ أي وهذه حالك. فحاله المعلومة في الثانية عدم المال.
جاء في (كتاب سيبويه): " وبعض العرب يقول: (كلمته فوه إلى في) كأنه يقول (كلمته وفوه إلى في) أي كلمته وهذه حاله.
فالرفع على قوله: كلمته وهذه حاله، والنصب على قوله، كلمته في هذه الحال، فانتصب لأنه حال وقع فيه الفعل.
وأما (يدا بيد) فليس فيه إلا النصب، لأنه يحسن أن تقول (بايعته ويد بيد) ولم يرد أن يخبر أنه بايعه ويده في يده ولكنه أراد أن يقول: بايعته بالتعجيل، ولا يبالي أقريبا كان أم بعيدا.
وإذا قال: (كلمته فوه إلى في) فإنما يريد أن يخبر عن قربه، وأنه شافهه، لم يكن بينهما أحدٌ" (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿أتمدونني بمال فما آتاني الله خيرٌ مما أتاكم﴾ [النمل: ٣٦]، " فإن قلت: ما الفرق بين قولك: (أتدني بامل، وأنا أغني منك؟ ) وبين أن تقوله بالفاء؟
قلت: إذا قلته فقد جعلت مخاطبي عالما بزيادتي عليه في الغني واليسارن وهو مع ذلك يمدني بالمال، وإذا قلته بالفاء فقد جعلته ممن خفيت عليه حالي، فأنا أخبره بالساعة بما لا أحتاج إلى إمداده، كأني أقول له: أنكر عليك ما فعلت فإنني غني منه" (٢).
فجعل الواو للحال المعلومة.
قال تعالى: ﴿فما لكم في المنافقين فئتين﴾ [النساء: ٨٨]، ولو قال: (فما لكم في
стр. 686
المنافقين وأنتم فئتان) لتغير المعنى، فالأولى سؤال عن سبب انقسامهم فئتين، والثانية سؤال عما حصل لهم في أمر المنافقين عندما كانوا فئتين.
وتقول (بعثه قائدا عليهم) أي جعله قائدًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا﴾ [البقرة: ٢٤٧]، ولو قال: (بعثه وهو ملك) لكان المعنى أنه بعثه عندما كان ملكا، أي كان ملكا قبل أن يبعث عليهم، ونحوه إذا قلت (بعثه وهو قادئد) فمعناه أنه أرسله حين كان قائدا، فالقيادة حالة المستقرة، ولو قال (بعثه قائدا) لكان المعنى أنه جعله قائدا عليهم، ولم تكن تلك حاله المستقرة قبل بعثه.
جاء في (الأصول) أن الرجل: إذا قال: بعتك هذا الطعام مكيلا، وهذا الثوب مقصورا فعليه أن يسلمه إليه مكيلا ومقصورا.
وإذا قال: (بعتك وهو مكيل) فإنما باعه شيئا موصوفا بالكيل ولم يتضمنه البيع" (١).
فجعل الكيل قبل البيع.
قال تعالى: ﴿فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧٢]، ولو قال: (فقعوا له وأنتم ساجدون) لاحتمل أن يكون أمرًا بوقوعهم، حين يكونون ساجدين، فالسجود حالهم المستقرة قبل الوقوع وهذا غير جائز.
ومثله قوله تعالى: ﴿يخرون للأذقان سجدا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، ولو قال (وهم سجد) لاحتمل المعنى أنهم يخرون للأذقان، حين يكونون سجدا، أي وهذه حالهم.
وهذا غير مراد إذ كيف يخرون للأذقان حين يكونون ساجدين؟
وقال تعالى: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا﴾ [الفرقان: ٧٣]، ولم يقل (لم يخروا عليها وهم صم وعميان) لأن المعنى يكون عند ذاك، أن حالهم المستقرة الصم والعمى.
стр. 687
وقال تعالى على لسان سليمان (ع) " ﴿ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون﴾ [النمل: ٣٧]، وقال: ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ [آل عمران: ١٢٣].
فالأولى (أذلة) بدون واو لأن الذلة سيكون مقارنا للخروج، ولم يكونوا قبل ذلك أذلة، أما الثانية فمعناها أنه نصرهم وهذه حالهم المستقرة، أي كانوا أذلة قبل النصر، أي نصرك إذ كنت أذلة أي حين كنتم أذلة.
فالواو تكون لما قد استقر، ولذا لا تكون الجملة المسبوقة بالواو مقدرة، أي مستقبلة قال تعالى: ﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها﴾ [التوبة: ٦٨]، فـ (خالدين) حال مستقبلة، فالخولد يكون بعد الوعد، لا مقارنا له، ولو قال (وعدهم وهم خالدون) لكان المعنى أن الوعد حصل حين خلودهم.
وقال: ﴿وبشرناه بإسحاق نبينا من الصالحين﴾ [الصافات: ١١٢]، فـ (نبيا) حال مقدرة لأنها بعد البشرى، ولو قال (وهو نبي) لكان المعنى أنه بشره بإسحاق، حين كان اسحاق نبيا وهو مستحيل فالمسبوقة بالواو لا تكون مقدرة.
ثن أن واو الحال ليست بمعنى (إذ) دوما، بل هو الغالب كما ذكرنا، فقد تكون الجملة قبلها مستقبلة، فتمتنع أن تكون بمعنى (إذ)، لأن (إذ) للمضي في الغالب، وذلك نحو (سأجيئك والليل ساج) أي وقت الليل ساج، فهي بمعنى (وقت)، وهذا الوقت قد يكون ماضيا وقد يكون غيره، بحسب الجملة.
وأما قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤]، فليست فيه الجملة بعد الواو صفة، بل الواو واو الحال، بخلاف (لها منذرون) في قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذورن﴾ [الشعراء: ٢٠٨]، فإنها تحتمل الوصفية والحالية، فقد يؤتى بالواو للفصل بين الحال والنعت، ولكن قصد، فأنت تقول (ما مررت برجل إلا له مال) و (ما مررت برجل إلا وله مال) فمعنى الأولى أنك إذا مررت برجل ذي مال، أي غني وإنك لم تمر إلا برجل غني.
стр. 688
أما الثانية فمعناها أنك لم تمر برجل إلا حين يكون له مال، أي لم تمر به في وقت لم يكن له مال. فالأولى نعت، وهي صفة عام، أما الثانية فهي حال منتقلة، كما مر في قولنا (ما جاءني طالب مقصر) و (ما جاءني طالب مقصرًا).
ونحوه أن تقول (مررت برجلٍ أخوه منطلق) و (مررت برجل وأخوه منطلق) فمعنى الأولى أنك مررت برجل منطلق الأخ، وانطلاقه قد يكون قبل المرور، وأما الثانية فمعنها أنك مررت به في هذا الوقت.
وتقول (مررت برجل فرسه سابق) و (مررت برجل وفرسه سابق) فالأولى قد يكون فيها السبق قبل المرور، والثانية مررت به في هذا الوقت.
وتقول: (مررت برجل أخوه مقريء) و (مررت برجل وأخوه مقريء) فإن معنى الأولى أنك وصفت الرجل بأن أخاه مقريء، ولا يشترط أنك مررت به في وقت الاقراء، فقد يكون الأخ غير مقريء في وقت المرور، وأما الثانية فإنها تفيد أنك مررت به في حين أن أخاه يقوم بالاقراء فعلا، فالأولى وصف عام والثانية حال.
وتقول ما مررت برجل إلا أخوه مقرئ، أي ما مررت برجل إلا أنه موصوف بأن أخاه مقريء، وتقول: ما مررت برجل إلا وأخوه مقريء، أي ما مررت به إلا في حال الاقراء. فمعنى: قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون﴾ إننا لم نهلك إلا قرية منذرة ولم يأت بالواو، لأن المعنى عند ذاك يكون أنه لم يهلك قرية، إلا وهذه حالها، أي لم يهلك قرية إلا وقت إندارهم، في حين أنه عند الاهلاك يخرج الرسل والمؤمنون بهم من القري ويتركونها فلا يكونون فيها عند اهلاكها، كما في قوم لوط وغيرهم، فلو قال (ولها منذرون) لكان المعنى أنهم فيها وقت الاهلاك كما أوضحنا، بخلاف آية الحجر فإن الأجل حال وقت الاهلاك حاق عليهم مصاحب لاهلاكهم.
يتبين من هذا أن واو الحال تدخل لأغراض منها:
стр. 689
١ - أنها تكون بمعنى (إذ) أي للوقت الماضي، كقوله تعالى: ﴿إذ نادى وهو مكظوم﴾ [القلم: ٤٨]، ونحو (ما بالك وأنت راكض) أي حين كنت راكضا.
٢ - أنها تكون للوقت غير الماضي أيضا نحو (سأزورك والقمر طالع).
٣ - قد يؤتي بها للدلالة على إن الحال بعدها أمر ظاهر ومعلوم نحو (كيف تعطيني وأنا منك) قال تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي حسبتم أن تدخلوا الجنة: ولم تكن هذه حالكم الظاهرة؟
٤ - قد يؤتي بها للدلالة على أن ما بعدها مستقر قبل الحدث المصاحب لها نحو: (بعثه وهو ملك) ومنه قوله تعالى: ﴿وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا﴾ [البقرة: ٢٦٤] فالاخراج استقر وحدث قبل القتال.
٥ - قد يؤتى بها للاهتمام نحو (عبر النهر ولم يحرك يده) و (قفز خمسة أمتار وعلى ظهره حمل وبيده ثقل و (دخل على الأمير وبيده سيفه).
٦ - قد يؤتى بها للفصل بين الحال والنعت نحو (رأيتك رجلا عنده مال) و (رأيت رجلا وعنده مال) و) رأيت رجلا فرسه سابق (، و (رأيت رجلا وفرسه سابق).
٧ - قد يؤتى بها لإزالة التنصيص على الاستئناف، كقولك (أقبل أخوك هو فرح) و (أقبل أخوك وهو فرح) فالأولى استئناف أخبار جديد نصا، والثانية أزالت فيها الواو التنصيص على الاستئناف، فكان ما بعدها يحتمل الحالية وهو الظاهر، ويحتمل الاستئناف أيضا.
قال تعالى: ﴿كما أخرج ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ [الأنفال: ٥]، ولو حذفت الواو لكان اسئتنافا نصا، فذكر الواو أزال التنصيص على الاستئناف، وأصبحت الجملة تحتمل الحالية وهو الظاهر وتحتمل الاستئناف أيضا.
نقول: (هو يحرف القول وأنه يعلم بذلك) فالواو تحتمل الحالية والاستئنافية، وحذفها ينص على الاستئناف
стр. 690
وتقول (لم يدخلها وهو يطمع) و (لم ياتني وهو طامع) فهذه تحتمل الحال، أي لم يدخلها طامعا، وإنما دخلها غير طامع، وتحتمل الاستئناف، فيكون المعنى أنه لم يدخلها ولكنه يطمع في الدخول، وحذفها ينص على الاستئناف.
٨ - أن يؤتى بها للتنصيص على إرادة الحال لا التعليل، وذلك كقولك (جئته أنه أمير) و (جئته وأنه أمير) فالأول تعليل لملجيء، والثانية معناها جئته وهذه حاله، أي وقت هو أمير، قال تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال: ٣٣]، ولو قال (ما كان الله ليعذبهم أنك فيهم) لكان المقصود به التعليل، أي بيان السبب، إلى غير ذلك من الأغراض.
الحال المؤكدة
تنقسم الحال إلى مؤسسة، وهي المبينة للهيئة، نحو أقبل أخوك ضاحكا، ومؤكدة وهي التي يستفاد معناها مما قبلها نحو (ولي مدبرا).
وتقسم المؤكدة على ثلاثة أقسام:
المؤكدة لعاملها وهي التي تكون بمعنى عاملها، سواء خالفته في اللفظ، أو وافقته، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [البقرة: ٦٠]، لأن العثي هو الفساد، وكقوله تعالى: ﴿ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا﴾ [النحل: ٩٢]، فنقض الغزل جعله أنكاثا، وكقوله تعالى: ﴿ويوم يبعث حيا﴾ [مريم: ١٥]، وقوله: ﴿وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا﴾ [النساء: ٧٩] فمعنى أرسلناك أنك رسول.
والمؤكدة لصاحبها كقوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا أدخلوا في السلم كافة﴾ [البقرة: ٢٠٨]، فكافة حال مؤكدة للضمير في (ادخلوا) وقوله: ﴿ولو شاء ربك لأن من في الأرض كلهم جميعا﴾ [يونس: ٩٩]، فجميعا حال مؤكدة لـ (من). وقوله: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة﴾ [النحل: ٢٥]، أي جميعها.
والمؤكدة لمضمون الجملة وهي التي يستفاد معناها من مضمون الجملة قبلها نحو (هو
стр. 691
المتبني شاعرا) فالمتنبي مشهور بالشعر، معروف به، فقولك (شاعرًا) يؤكد مضمون الجملة قبله. ونحو (هم حاتم جوادا) فإن حاتما مشهور بالجود، و (محمد أبوك عطوفا) لأن من لوزام الأبوة العطف.
وليست الحال المؤكدة نحو (أنا أخوك منطلقا) لأنه ليس من لوزام الأخوة الانطلاق وللحال المؤكدة لمضمون الجملة أغراض وشروط، فمن أغراضها أن تكون لبيان اليقين نحو هو خالد معلومًا، وهو أخوك معروفا، وهو الحق صادقا.
وللفخر نحو (أنا أبوك كريما) و (أنا خالد مقداما)
وللتعظيم نحو (هو ربنا منعما) و (هو استاذنا عالما). وللتحقير نحو (هو سالم ذليلا) وهو الجاني مقهورا. وللتصاغر: نحو أنا عبدك فقير إليك، وأنا عبد الله آكلا كما يأكل العبيد. وللوعيد نحو: أنا سعيد قائلا، وأنا عباس متمكنا منك (١). وللترحم نحو (هو المسكين مرحوما) وهو خالد بائسا. وللذم نحو (هو العاصي مطرودا من رحمة ربه) و (هو زيد سارقا) وللأطماع نحو (هو ربنا غافرا لمن يتوب). إلى غير ذلك من الأغراض.
وللحال المؤكدة لمضمون الجملة شروط يذكرها النحاة هي:
أن تكون الجملة إسمية وجزءاها اسمان معرفتان جامدان (٢)
قالو وكونها معرفة الجزءين لأنه لا يؤكد إلا المعرفة، وكون جزءيها اسمين جامدين لأنه
стр. 692
إذا كان أحد الجزءين مشتقا، أو في حكمة، كان عاملا في الحال (١)، فلا تكون مؤكدة لمضمون الجملة.
وإيضاح ذلك أنك إذا قلت (هو حاتم جوادا) لم يكن في الجملة ما يصلح العمل في الحال وإنما عامله محذوف وجوبا تقديره (أحقه) عند الكثيرين، فإن كان أحد الجزئين فعلا أو اسما مشتقا كان هو العامل في الحال فتكون الحال مبنية أو مؤكدة لعاملها، وذلك نحو (هو القادم فرحا) و (هو القادر مستطيعا) فـ (القادم) مشتق، وهو العامل في (فرح) فهي حال مؤسسة، و (القادر) اسم مشتق، وهو العامل في (مستطيع) وهي حال مؤكدة لعاملها لأنها بمعناه.
وفي هذه الشورط نظر فيما أرى.
فإنه لا داعي لاشتراط أن يكون الاسمان جامدين، فالحال المؤكدة لمضمون الجملة قد تكون مع الأسماء الجامدة والمشتقة، وذلك بحسب دلالتها، وذلك نحو أن تقول: (هو الجاني مقهورا) فهذه الحال تحتمل معنيين: إما ان يكون المعنى، أن الجاني مقهور مغلوب، أمره منهزم النفس، وهذا من لوازم الجناية، فتكون الحال مؤكدة لمضمون الجملة كما تقول (هو أخوك عطوفا)، وإما أن يكون المعنى، هو الذي جنى مقهورا أي هو الذي جنى ف حالة قهره فتكون مبينة. فإن أردت المعنى الأولى كانت لمضمون الجملة و (الجاني) اسم مشتق.
ونحوه (هو المنتصر فرحا) فالمنتصر مشتق، و (فرحا) حال مؤكدة، وذلك لأن من لوزام الانتصار الفرح، فإن جعلت (المنتصر) عاملا في الحال كان المعنى هو الذي انتصر في حال فرحه، فإن أردت هذا المعنى كانت مبينة، وإن أردت أن شأن المنتصر أن يكون فرحا كانت حالا مؤكدة لمضمون الجملة.
стр. 693
ومثله (هو المجرم مأخوذا بجرمه) والمجرم مشتق وهذه حال مؤكدة لمضمون الجملة وليست مبينة، لأنها لو كانت مبينة لكان معناه أنه إجرام حال كونه مأخوذا بجرمه، وهذا معنى بعيد.
ومثله (هو المسكين مرحوما) والمسكين مشتق (ومرحوما) حال مؤكدة، وذلك أن من لوزام المسكنة رحمة الناس، وإذا جعلت (المسكين) عاملا كان المعنى: هو الذي أصبح مسكينا في حال رحمة الناس له، وهذا لا يصح.
ونحوه (هو البائس مكروبا) و (الكاذب مبغوضا) و (هو الظالم مكروها) و (هو العادل محبوبا) و (هو الثمل خائر القوى) وهذه كلها أسماء مشتقة، والحال فيها مؤكدة لمضمون الجملة كما هو واضح.
كما أنه لا داعي لاشتراط التعريف، وإن قولهم (لا يؤكد إلا المعرفة) باطل، لأن هذا رأي البصريين في التوكيد المعنوي الذي هو تابع، نحو (أقبل محمد نفسه)، وهذا ليس منه فنحن نقول (ما ولي رجل منا مدبرا) فنكون قد اكدنا العامل وصاحب الحال نكرة، ولم يمنع التنكير من التوكيد، ونقول (قضيت ستة أيام كاملة) فـ (كاملة) تحتمل الحالية، وهي عند ذاك مؤكدة لصاحبها وهو نكرة.
كما أنه يصح توكيد النكرة توكيدا لفظيا نحو (حضر رجل رجل) ولم يمنعها التنكير من التوكيد.
والحق فيما نرى أنه يصح أن تقع الحال المؤكدة لمضمون الجملة بعد نكرة، وذلك نحو قولك (هو رجل صدق معلوما) و (خالد رجل سوء معروفا) و (محمد رجل عدل معروفا) فكل من (معلوما) و (معروفا) حال مؤكدة لمضمون الجملة، ورجل صدق ورجل سوء نكرتان لأنهما مضافتان إلى نكرة، و (رجل عدل) نكرة موصوفة، وهذه كلها تعبيرات فصيحة.
стр. 694
جاء في (كتاب سيبويه): " ومما ينتصب لأنه حال وقع فيه أمر قول العرب (هو رجل صدق معلوما ذاك) و (هو رجل صدق معروفا ذاك) و (هو رجل صدق بينا ذاك) كأنه قال: هذا رجل صدق معروفا صلاحه" (١).
فالأحوال في هذه الجمل مؤكدة لمضمون الجملة، كما هو واضح، مع أن أحد الجزءين نكرة. وليس من شأننا في هذا البحث النظر في العوامل، إلا بقدر ما يتعلق بالمعنى.
وعلى هذا ففي عامل هذه الحال الذي يقدره النحاة نظر من حيث المعنى، وذلك أن كثيرا من النحاة ذهبوا إلى أن عاملها محذوف وجوبا تقديره (أحقه)، فالعامل في قولك (محمد أخوك عطوفا) محذوفة تقديره (أحقه عطوفا) ومعنى أحقه، أثبته، وأعرفه، وهذا لا يصح لأن قولك (أعرفه عطوفا) معناه أعرفه في حال عطفه، وهذا المعنى غير مراد، لأنه لا معنى لقولك: محمد أخوك أعرفه في حالة عطفه، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " واختلف في العامل في المؤكدة التي بعد الإسمية فقال سيبويه: العامل مقدر الجملة تقديره زيد أبوك أحقه عطوفا، يقال حققت الأمر أي تحققته وعرفته، أي أتحققه وأثبته عطوفا.
وفيه نظر إذ لا معنى لقولك تيقنت الأب وعرفته في حال كونه عطوفا، وإن أراد أن المعنى اعلمه عطوفا فهو مفعول ثان لاحال.
وقال الزجاجي: العامل هو الخبر لكوه مؤولا بمسمى نحو: أنا حاتم سخيا، وليس بشيء لأنه لم يكن سخيا وقت تسميته بحاتم، ولا يقصد القائل بهذا اللفظ هذا المعنى، وأيضا لا يطرد ذلك في نحو: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب﴾ [هود: ٦٤]، وغير ذلك مما ليس الخبر فيه علمًا" (٢).
ولا داعي إلى تقدير عامل فيما نرى.
стр. 695
التمييز
حقيقته:
التمييز عند النحاة هو اسم نكرة متضمن معنى (من) لبيان ما قبله من إبهام ذات أو نسبة (١).
أما كون التمييز نكرة فهي مسألة خلافية، فالجمهور على أنه كذلك، وذهب قسم من النحاة إلى جواز تعريفه، مستشهدين بقول الشاعر:
صددت وطبت النفس يا قيس عن عمرو
وبنحو (محمد حسن وجهه) بنصب الوجه، والجمهور على زيادة (أل) في (النفس) وأن الوجه ليس تمييزا وإنما هو شبيه بالمفعول به (٢).
والظاهر أن التنكير هو الغالب، وهو الأصل وقد يرد معرفة في تعبيرات قليلة.
وأما تضمنه معنى (من) فليس المقصود أنه يقبل دخول (من) عليه، فمن التمييز ما يقبل دخول (من)، كما في نحو قولك (لله دره فارسا)، و (لله دره من فارس)، و (هذا ثوب حريرًا) و (هذا ثوب من حرير) ومنه ما لا تدخل عليه (من) نحو (أقبل خمسة عشر من رجل) ونحو (حسن محمد خلقا) فلا تقول فه (حسن محمد من خلق) وإنما التضمن أمر يعود إلى المعنى فمعنى (أقبل خمسة عشر رجلا) أقبل خمسة عشر من الرجال، ومعنى (حسن محمد من خلقا) حسن محمد من جهة خلقه.
وهذا فرق ما بينه وبين الحال، فإن التمييز على تقدير (من) البيانية وهو يزل الابهام عن الذات أو النسبة، أما الحال فهي لبيان الهيئة، تقول (عندي رطل عسلا) فقد أزالت
стр. 696
كلمة (عسل) الإبهام عن المقدار قبله، وهو على معنى (عندي رطل من عسل) وتقول (أقبل سالم مكتئبا) فقد بينت كلمة (كتئب) هيئة سالم.
وتقول: (هو أحسنهم كاتبا) وتعني بهذا التعبير أحد المعنيين: فهو إما أن يكون هو أحسنهم إذا كتب، أي أحسنهم في حال الكتابة فتكون حالا، وإما أن يكون المعنى أن كاتبه أحسن من كتابهم فيكون تمييزا، فإذا أردت الهيئة كانت حالا، وإن أردت المعنى الآخر كانت تمييزا.
وتقول: (ما أحسنه متحدثا) وقد تقصد بهذا أن تتعجب من حسنه، إذا تحدث، أي في حال التحدث فتكون حالا، وإما أن تقصد هو من أحسن المتحدثين كأنك قلت: ما أحسنته من متحدث، فتكون تمييزا بمعنى هو متحدث حسن.
وتقول: (كرم محمد أخا) فإن كنت تعني أن أخا محمد هو الذي كرم، كانت (أخا) تمييزا، وإن كانت تعني أن محمدًا كرم عندما صار أخا، كانت (أخا) حالا.
جاء في (المغنى): " ما يحتمل الحالية والتمييز: من ذلك (كرم زيد ضيفا) إن قدرت أن الضيف غير زيد، فهو تمييز محول عن الفاعل، يمتنع أن تدخل عليه من، وإن قدر نفسه احتمل الحال والتمييز، وعند قصد التمييز فالأحسن إدخال من" (١).
وجاء في الكامل في قول الشاعر:
لا تطلب خؤولة في تغلب ... فالزنجُ أكرم منهم أخوالا
" أخوالا منصوب على الحال، ومن زعم أنه تمييز فقد اخطأ" (٢).
وكلام المبرد صحيح، وذلك لأنه لم يقصد أن أخوال الزنج أكرم منهم، وإنما قصد أن الزنج إذا كانوا أخوالا أكرم من تغلب، إذا كانوا أخوالا. أي أن الزنج في هذه الحال أكرم من تغلب في مثلها، ولذا قال (لا تطلبن خؤولة في تغلب).
стр. 697
وجاء في (شرح الرضي) إن نحو لله درك، أو در زيد فارسًا، وكفي زيد شجاعا، أن الأكثرين قالوا فيها " هي تمييز وقال بعضهم: هي حال، أي ما أعجبه في حال فروسيته. ورجح المصنف الأول، قال: لأن المعنى مدحه مطلقا بالفروسية، فإذا جعل حالا اختص المدح وتقيد بحال فروسيته، وأنا لا أرى بينهما فرقا، لأن معنى التمييز عنده ما أحسن فروسيته، فلا يمدحه في غير حال الفروسية، إلا بها وهذا المعنى هو المستفاد من (ما أحسنه في حال فروسيته) وتصريحهم بمن في لله درك من فارس دليل على أنه تمييز" (١).
ونحن لا نوافق الرضي فيما ذهب إليه فإن ثمة فرقا في المعنى بينهما إذا جعلت حالا او جعلت تمييزا. فإنك إذا قلت (ما أحسن زيدا فارسا) فقد تقصد بذاك أنك تمدحه في حال فروسيته كما تقول: (ما أكرم زيدا فارسا، وما أبخله راجلا) أي هو كريم عندما يركب الفرس بخيل عندما يترجل، أي هو كريم في هذه الحال، بخيل في حال أخري، فهذا حال لا غير.
وهذا نظير قول القائل لمعبد بن طوق العنبري، وكان قد تكلم وهو قائم فأحسن، فلما جلس تتعتع: (ما أظرفك قائما وأموقك قاعدا (٢)).
وهو من الوضوح بمكان.
وإن قصدت (ما أحسن زيدا من فارس) أي هو فارس حسن، لا إنه حسن في حال الفروسية، كان تمييزا بمعنى هو من أحسن الفرسان، فهناك فرق بين المعنيين.
ونحوه ما ذكره ابن هشام في المنصوب بعد (حبذا) قال: " واختلف في المنصوب بعد (حبذا) فقال الأخفش والفارسي والربعي: حال مطلقا، وأبو عمرو بن العلاء: تمييز مطلقا، وقيل الجامد تمييز، والمشتق حال.
стр. 698
وقيل: الجامد تمييز والمشتق أن أريد تقييد المدح به كقوله:
يا حبذا المال مبذولا بلا سرف
فحال وإلا فتمييز نحو حبذا راكبا زيد" (١).
والحق أنه لا يحسن أن ينص على أنه حال ليس غير، أو تمييز ليس غير، وإنما هو بحسب المعنى، فقد يقصد به التمييز، وقد يقصد به الحال، والمعنى مختلف. فإذا قلت مثلا (حبذا هند صامتة ولا حبذا هند متكلمة) فإنك تريد بذاك مدح هند في حال الصمت، ولذا تكون (صامتة) حالا، وكذا (متكلمة) وكذا (حبذا أخوك راكبا) إذا أردت مدحه في حال الركوب، فإن قصدت حبذا أخوك من راكب أي هو راكب حسن كان تمييزا.
نوعا التمييز:
مر بنا في حد التمييز أن التمييز يذكر لبيان ما قبله من إبهام ذات، أو نسبة، وهذا يدل على أن التمييز قسمان: مبين إبهام ذات، ومبين إبهام نسبة.
١ - المبين إبهام ذات: هو الواقع بعد المقادير وشبهها، وبعد الإعداد، وبعدما هو فرع له.
والمقادير هي الوزن، والمساحة، والكيل، تقول: (اشتريت أقة عسلا) و (زرعت فدانا شعيرا) و (اشتريت صاعا حنطة ولترا نفطا).
والمقصود بالمقادير، ماله مقدار معلوم متفق عليه، فالأقة مثلا لها وزن معين، ومثلها في وقتنا (الكيلو) والفدان له مساحة معينة محدودة، ومثله الميل والمتر، والصاع له سعة معينة، ومثله اللتر في عصرنا.
والمقصود بشبه المقدار، ما ليس له مقدار معين، معلوم فليس له وزن محدود، أو مساحة محدودة، أو كيل محدود، وذلك نحو القدح، والحُب، والدن والنحي، وهو
стр. 699
الظرف. فالقدح يكون صغيرا وكبيرا. وكذلك الحب والدنـ، تقول (عندي حب عسلا) فالحب شبه مقدار لأنه ليس له سعة متفق عليها، فقد يكون صغيرا وكبيرا نحو القدح والدن.
وأما العدد فليس مقدارا عند كثير من النحاة، وذلك لأن المقادير تقع تمييزا له تقول: اشتريت اثنى عشر مثقالا ذهبا وأحد عشر لترا نفطا، فالوزن وقع تمييزا للعدد في الأولى، والكيل وقع تميبزا له في الثانية.
ولأنه يقال عندي مقدار رطل حنطة، ولا يقال عندي مقدار عشرين رجلا (١).
وسواء كان هذا أم ذاك، فتمييز العدد من تمييز الذات.
والقسم الآخر أن يقع بعد ما هو فرع له، وذلك نحو (اشتريت خاتما ذهبا) و (عندي بابٌ ساجًا) و (قميص كتانا) أي خاتم من ذهب، وباب من ساج، وقميص من كتاب. فالخاتم فرع من ذهب، والذهب أصل له، والباب فرع من الساج، والساج أصل له، وكذلك ما بعده.
٢ - المبين إبهام نسبة: وهو ما يبين إجمال نسبة شيء إلى شيء، وذلك نحو (حسن محمد خلقا) و (غزر أخوك علما) و (الفضة أنقي بياضا) و (الذهب أغلى ثمنا). فخلقا بين نسبة الحسن إلى محمد، فليس محمد مبهما، وإنما حسن محمد هو المبهم من أية جهة فهو فميز بالخلق، وكذلك غزاره أخيك ونقاء الفضة فهذا نسبة، وبعضهم يسميه مبينا لإبهام جملة، والصواب ما ذكرناه (٢)، لأنه قد تكون النسبة غير جملة، وذلك كأن تقول (عجبت من غزارة أخيك علما) و (عجبت من حسن محمد خلقا) فغزارة أخيك ليست جملة، وكذلك حسن محمد.
فتمييز الذات أو تمييز المفرد يزيل إبهاما وقع في ذات، أو مفرد، فقولك (عندي مثقال ذهبا) أزالت فيه كلمة (ذهب) الإبهام عن الوزن وحده، وقولك (في الصف
стр. 700
عشرون طالبة) ميزت فيه كلمة (طالبة) العدد وحده، أي زالت الإبهام الواقع في العدد، فهذا يسمى تمييز ذات أو تمييز مفرد.
وأما نحو (غزر محمد علما) فلا يزيل إبهامًا وقع في كلمة، فهو لا يزيل الإبهام عن (محمد) وإنما يزيل الإبهام عن غزارة محمد، فهذا يسمى تمييز نسبة.
وأكثر ما يكون تمييز النسبة محول عن فاعل، أو عن مفعول، وقيل عن غرهما أيضا وذلك نحو (غرز أخوك علما) والأصل (غرز علم أخيك) فحول الفاعل إلى تمييز، ونحو (أشعلت البيت نارا) والأصل (أشعلت نار البيت) فحول المفعول إلى تمييز، وقد يكون غير محول (١) نحو (ما أحس محمد فارسًا) و (ما أكرمه رجلا).
الغرض من التحويل:
وقد تقول: ما الغرض من تحول الفاعل أو المفعول إلى تمييز؟ وهل هناك اختلاف في المعنى بين قولنا (حسن محمد خلقا) و (حسن خلق محمد) مثلا؟
والجواب أنه لا يعدل من تعبير إلى تعبير، إلا يصحبه عدول من معنى إلى معنى كما ذكرنا في أكثر من مناسبة.
وأنه يعدل من الفاعل أو المفعول إلى التمييز لقصد الاتساع والشمول والمبالغة، وذلك نحو قولك (فاحت الحديقة عطرا) ونحو قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ [مريم: ٤]، والأصل فاح عطر الحديقة، غير أن بينهما فرقا في المعنى، فقولك (فاح عطر الحديقة) معناه أن عطرًا في الحديقة فاح، وأما قولك (فاحت الحديقة عطرا) فمعناه أن الحديقة امتلأت عطرا ونحوه قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ قالوا أصله (اشتعل شيب الرأس)، إلا أن هناك شيبا في الرأس متفرقا اشتغل، وأما قوله تعالى: ﴿واشتعل الرأس شيبا﴾ فمعناه أن الرأس قد امتلأت بالشيب، ومثله (اضطرمت نار البيت) و (اضطرم البيت نارا) جاء في (دلائل الإعجاز): " ووازن هذا أنك تقول (اشتعل
стр. 701
البيت نارا) فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: (اشتعلت النار في البيت) فلا يفيد ذلك بل يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبا منها، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة.
ونظير هذا في التنزيل قوله : ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾ [النجم: ١٢]، التفجير للعيون في المعنى أوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا مثل الذي حصل هناك، وأنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها، ولو أجرى اللفظ على ظاهرة فقيل: وفجرنا عيون الأرض أو العيون في الأرض لم يفد ذلك ولم يدل عليه ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها" (١).
ومثله نحو (طاب محمد نفسا) و (حسن أخوك خلقا، وهو قريب من معنى الأولى في إفادة الشمول، فهناك فرق بين قولك (طابت نفس محمد) و (طابت محمد نفسا) ففي الأول اسندت الطيب إلى النفس مباشرة، وفي الثانية أسندته إلى محمد كله ثم خصصت النفس بالذكر فقد مدحته مرتين، مدحته كله بقولك (طاب محمد) ويدخل في ذلك نفسه، ثم خصصت النفس بالذكر فكنت تمدحه مرتين جاء في (شرح ابن يعيش) في نحو طاب زيد نفسا وتصبب عرقا، وتفقأ شحما أنه " لا يوصف زيد بالطيب، والتصبب والتفقؤ فعلم بذلك أن المراد المجاز، وذلك أنه في الحقيقة لشيء من سببه، وإنما أسند إليه مبالغة وتأكيدًا، ومعنى المبالغة أن الفعل كان مسندًا إلى جزء منه فصار مسندًا إلى الجميع، وهو أبلغ في المعنى، والتأكيد أنه لما كان يفهم منه السناد إلى ما هو أن تطيب نفسه بأن تنبسط ولا تنقبض، وأن يطيب لسانه بأن يعذب كلامه، وأن يطيب قلبه بأن
стр. 702
يصفو انجلاؤه، تبين المراد من ذلك بالنكرة التي هي فاعل في المعنى، فقيل طاب زيد، نفسا. وكذا الباقي" (١).
وجاء في (الأشموني) في التمييز المحول عن فاعل، أنه " قد حول الإسناد عنه إلى غيره لقصد المباللغة" (٢).
وجاء في (حاشية الصبان) تعليقا على كلام الأشموني: " قوله لقصد المبالغة أي في إسناد الطيب لزيد، فإنه يفيد قبل التخصيص بالتمييز، أنه طاب من جميع الوجوه، فالمبالغة من حيث أول الكلام" (٣).
ثم إن هذا تفصيل بعد الإجمال، ومعنى ذلك أنك أسندت الطيب إلى زيد جملة ثم فصلت فيما بعد جهة الطيب، والنفس تتشوق إلى الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال. جاء في (حاشية الصبان): " أنه إنما عدل عن هذا الأصل ليكون فيه إجمال، ثم تفصيل فيكون أوقع في النفس لأن الآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا طلب" (٤).
أسلوب التمييز ومعناه
ذكرناه قبل قليل إسلوب التمييز المحول والغرض من تحويله، والآن نذكر أمورا أخرى بإسلوب التمييز
إن التمييز في الكلام يأتي على صور مختلفة، فقد يأتي منصوبا نحو (عندي نسيجٌ حريرا) وقد يأتي مع (من) كقولك (عندي نسيج من حرير)، وقد نضيف المميز نحو (هذا ننسيج حرير) وقد نتبع التمييز المميز، كقولك (هذا نسيجٌ حريرٌ) فهل هناك فرق بين هذه التعبيرات؟
стр. 703
تقول:
عندي خاتمٌ ذهبا
وعندي خاتمُ ذهبٍ.
وعندي خاتٌم من ذهبٌ
وعندي خاتمٌ ذهبٌ
وتقول: اشتريت قدحا ماء.
واشتريت قدح ماءٍ، وتقول: ما أحسنه خطيبًا. وما أحسنه من خطيب، ولله دره كاتبا والله دره من كاتب.
فما الفرق بين هذه التعبيرات في المعنى؟
لاشك أن لكل تعبير معنى يختلف عن التعبير الآخر فما معنى كل تعبير وما الفرق بينه وبين التعبيرات الأخرى؟
معنى النصب والجر:
تقول (عندي حُبٌ عسلاً) و (حُبُّ عسلٍ) و (قدحٌ ماءً) و (قدحُ ماءٍ) فما الفرق بينهما؟
стр. 704
والجواب أنك إذا قلته بالنصب، تعين أن عندك التمييز، فقولك (عندي حبٌّ عسلاً) معناه أن عندك عسلا مقدار حب، وقولك (عندي قدحٌ ماءً) بالنصب معناه أن عندك ماء مقدار قدح.
أما الجر فيحتمل معنيين:
الأول: أن عندك التمييز كالأول، أي عندك عسل مقدار حب، وماء مقدار قدح. والثاني: أن عندك الإناء أي عندك الحب وليس عندك العسل، وعندك القدح وليس عندك الماء.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " فهذه المقادير إذا نصبت عنها التمييز أردت بها المقدرات، لا المقادير، لأن قولك (عندي عشرون درهما) و (ذراع ثوبا) و (رطل زيتا) المراد بعشرين هو الدراهم، لا مجرد العدد، وبذراع المذروع، لا ما يذرع به، وبرطل الموزون لا ما يوزن به، وكذا في غيرهما" (١).
وجاء في (شرح الأشموني): " النصب في نحو ذنوب ماء، وحب عسلا، أولى من الجر لأن النصب يدل على المتكلم أراد عنده ما يملأ الوعاء الذكور من الجنس، وأما الجر فيحتمل أن يكون مراده ذلك، وأن يكون مراده بيان أن عنده الوعاء الصالح لذلك" (٢).
وجاء في (الأصول): " وتقول (عندي زق عسل سمنا) تضيف الأول وتنصب الثاني تريد مقدار زق عسل سمنا، ولا يجوز عندي ملء زق عسلا سمنا، إلا في بدل الغلط خاصة لأنه لا يكون عندك ملء زق سمنا، وملؤه عسلا" (٣).
وذلك أنك إذا نصبت عسلا، تعين أن عندك ملء الزرق عسلا، فكيف تقول سمنا؟ أو
стр. 705
يعني أن الزق مملوء بالعسل والسمن مخلوطين، جاء في (الهمع): " وإذا كان المقدار مخلوطا من الجنسين، فقال الفراء لا يجوز عطف أحدهما على الآخر، بل تقول (عندى رطل سمنا عسلا) إذا أردت أن عندك من السمن والعسل مقدار رطل، لأن تفسير الرطل ليس للسمن وحده، ولا للعسل وحده، وإنما هو مجموعهما فجعل سمنا عسلا اسما للمجموع على حد قولهم (هذا حلو حامض)، وذهب غيره إلى العطف بالواو .. وقال بعض المغاربة: الأمران سائغان، العطف وتركه" (١).
فإن أردت الآلة تعين الجر بالإضافة، ولا يصح النصب فإذا أردت أن عندك القدح الذي هو للماء قلت (عندي قدح ماء) بالجر، ولا يصح النصب، جاء في (الهمع): " والمقادير إذا أريد بها الآلآت التي يقع بها التقدير، لا يجوز إلا إضافتها نحو عندي منو اسمين، وقفيز بر، وذراع ثوب، يريد الرطلين اللذين يوزن بها السمن، والمكيال يكال به البر، والآلة التي يذرع بها الثوب، وإضافة هذا النوع على معنى اللام لا على معنى من" (٢).
وقد تقول: هذا واضح في المقادير وشبهها، فيكف يكون المعنى، في نحو (عندي خاتم ذهبا) و (عندي خاتم ذهب) وعندي نسيج حريرا، ونسيج حرير؟ وقد قال الرضي أن المعنى فيهما سواء، قال الرضي: ويدخل فيه [يعني التمييز] المضاف إليه في نحو خاتم فضة، كما يدخل فيه إذا انتصب، لأن معنى النصب والجر سواء" (٣).
والحق أن المعنى مختلف أيضا من وجوه عدة، وليس كما قال الرضي. ومن هذه الأوجه أن النصب يكون إيضاحا بعد الإبهام، وهو أوقع في النفس كما ذكرنا.
وإيضاح ذلك أنك تقول (عندي خاتم ذهبا) بالنصب (وعندي خاتم ذهب) بالإضافة فبالنصب يكون الكلام قد تم بكلمة (خاتم) المنونة، ثم جئت بعدها بما يفسر الخاتم فكأنك أخبرت بخبرين: الأول (عندي خاتم) حتى إذا انصرف الذهن عن الكلام،