← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

البيت نارا) فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت في طرفيه ووسطه، وتقول: (اشتعلت النار في البيت) فلا يفيد ذلك بل يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانبا منها، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتزته فلا يعقل من اللفظ البتة. ونظير هذا في التنزيل قوله : ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾ [النجم: ١٢]، التفجير للعيون في المعنى أوقع على الأرض في اللفظ، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس. وقد حصل بذلك من معنى الشمول ههنا مثل الذي حصل هناك، وأنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيونا كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها، ولو أجرى اللفظ على ظاهرة فقيل: وفجرنا عيون الأرض أو العيون في الأرض لم يفد ذلك ولم يدل عليه ولكان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض، وتبجس من أماكن منها" (١). ومثله نحو (طاب محمد نفسا) و (حسن أخوك خلقا، وهو قريب من معنى الأولى في إفادة الشمول، فهناك فرق بين قولك (طابت نفس محمد) و (طابت محمد نفسا) ففي الأول اسندت الطيب إلى النفس مباشرة، وفي الثانية أسندته إلى محمد كله ثم خصصت النفس بالذكر فقد مدحته مرتين، مدحته كله بقولك (طاب محمد) ويدخل في ذلك نفسه، ثم خصصت النفس بالذكر فكنت تمدحه مرتين جاء في (شرح ابن يعيش) في نحو طاب زيد نفسا وتصبب عرقا، وتفقأ شحما أنه " لا يوصف زيد بالطيب، والتصبب والتفقؤ فعلم بذلك أن المراد المجاز، وذلك أنه في الحقيقة لشيء من سببه، وإنما أسند إليه مبالغة وتأكيدًا، ومعنى المبالغة أن الفعل كان مسندًا إلى جزء منه فصار مسندًا إلى الجميع، وهو أبلغ في المعنى، والتأكيد أنه لما كان يفهم منه السناد إلى ما هو أن تطيب نفسه بأن تنبسط ولا تنقبض، وأن يطيب لسانه بأن يعذب كلامه، وأن يطيب قلبه بأن

стр. 702

يصفو انجلاؤه، تبين المراد من ذلك بالنكرة التي هي فاعل في المعنى، فقيل طاب زيد، نفسا. وكذا الباقي" (١). وجاء في (الأشموني) في التمييز المحول عن فاعل، أنه " قد حول الإسناد عنه إلى غيره لقصد المباللغة" (٢). وجاء في (حاشية الصبان) تعليقا على كلام الأشموني: " قوله لقصد المبالغة أي في إسناد الطيب لزيد، فإنه يفيد قبل التخصيص بالتمييز، أنه طاب من جميع الوجوه، فالمبالغة من حيث أول الكلام" (٣). ثم إن هذا تفصيل بعد الإجمال، ومعنى ذلك أنك أسندت الطيب إلى زيد جملة ثم فصلت فيما بعد جهة الطيب، والنفس تتشوق إلى الإيضاح بعد الإبهام، والتفصيل بعد الإجمال. جاء في (حاشية الصبان): " أنه إنما عدل عن هذا الأصل ليكون فيه إجمال، ثم تفصيل فيكون أوقع في النفس لأن الآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا طلب" (٤). أسلوب التمييز ومعناه ذكرناه قبل قليل إسلوب التمييز المحول والغرض من تحويله، والآن نذكر أمورا أخرى بإسلوب التمييز إن التمييز في الكلام يأتي على صور مختلفة، فقد يأتي منصوبا نحو (عندي نسيجٌ حريرا) وقد يأتي مع (من) كقولك (عندي نسيج من حرير)، وقد نضيف المميز نحو (هذا ننسيج حرير) وقد نتبع التمييز المميز، كقولك (هذا نسيجٌ حريرٌ) فهل هناك فرق بين هذه التعبيرات؟

стр. 703

تقول: عندي خاتمٌ ذهبا وعندي خاتمُ ذهبٍ. وعندي خاتٌم من ذهبٌ وعندي خاتمٌ ذهبٌ وتقول: اشتريت قدحا ماء. واشتريت قدح ماءٍ، وتقول: ما أحسنه خطيبًا. وما أحسنه من خطيب، ولله دره كاتبا والله دره من كاتب. فما الفرق بين هذه التعبيرات في المعنى؟ لاشك أن لكل تعبير معنى يختلف عن التعبير الآخر فما معنى كل تعبير وما الفرق بينه وبين التعبيرات الأخرى؟ معنى النصب والجر: تقول (عندي حُبٌ عسلاً) و (حُبُّ عسلٍ) و (قدحٌ ماءً) و (قدحُ ماءٍ) فما الفرق بينهما؟

стр. 704

والجواب أنك إذا قلته بالنصب، تعين أن عندك التمييز، فقولك (عندي حبٌّ عسلاً) معناه أن عندك عسلا مقدار حب، وقولك (عندي قدحٌ ماءً) بالنصب معناه أن عندك ماء مقدار قدح. أما الجر فيحتمل معنيين: الأول: أن عندك التمييز كالأول، أي عندك عسل مقدار حب، وماء مقدار قدح. والثاني: أن عندك الإناء أي عندك الحب وليس عندك العسل، وعندك القدح وليس عندك الماء. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " فهذه المقادير إذا نصبت عنها التمييز أردت بها المقدرات، لا المقادير، لأن قولك (عندي عشرون درهما) و (ذراع ثوبا) و (رطل زيتا) المراد بعشرين هو الدراهم، لا مجرد العدد، وبذراع المذروع، لا ما يذرع به، وبرطل الموزون لا ما يوزن به، وكذا في غيرهما" (١). وجاء في (شرح الأشموني): " النصب في نحو ذنوب ماء، وحب عسلا، أولى من الجر لأن النصب يدل على المتكلم أراد عنده ما يملأ الوعاء الذكور من الجنس، وأما الجر فيحتمل أن يكون مراده ذلك، وأن يكون مراده بيان أن عنده الوعاء الصالح لذلك" (٢). وجاء في (الأصول): " وتقول (عندي زق عسل سمنا) تضيف الأول وتنصب الثاني تريد مقدار زق عسل سمنا، ولا يجوز عندي ملء زق عسلا سمنا، إلا في بدل الغلط خاصة لأنه لا يكون عندك ملء زق سمنا، وملؤه عسلا" (٣). وذلك أنك إذا نصبت عسلا، تعين أن عندك ملء الزرق عسلا، فكيف تقول سمنا؟ أو

стр. 705

يعني أن الزق مملوء بالعسل والسمن مخلوطين، جاء في (الهمع): " وإذا كان المقدار مخلوطا من الجنسين، فقال الفراء لا يجوز عطف أحدهما على الآخر، بل تقول (عندى رطل سمنا عسلا) إذا أردت أن عندك من السمن والعسل مقدار رطل، لأن تفسير الرطل ليس للسمن وحده، ولا للعسل وحده، وإنما هو مجموعهما فجعل سمنا عسلا اسما للمجموع على حد قولهم (هذا حلو حامض)، وذهب غيره إلى العطف بالواو .. وقال بعض المغاربة: الأمران سائغان، العطف وتركه" (١). فإن أردت الآلة تعين الجر بالإضافة، ولا يصح النصب فإذا أردت أن عندك القدح الذي هو للماء قلت (عندي قدح ماء) بالجر، ولا يصح النصب، جاء في (الهمع): " والمقادير إذا أريد بها الآلآت التي يقع بها التقدير، لا يجوز إلا إضافتها نحو عندي منو اسمين، وقفيز بر، وذراع ثوب، يريد الرطلين اللذين يوزن بها السمن، والمكيال يكال به البر، والآلة التي يذرع بها الثوب، وإضافة هذا النوع على معنى اللام لا على معنى من" (٢). وقد تقول: هذا واضح في المقادير وشبهها، فيكف يكون المعنى، في نحو (عندي خاتم ذهبا) و (عندي خاتم ذهب) وعندي نسيج حريرا، ونسيج حرير؟ وقد قال الرضي أن المعنى فيهما سواء، قال الرضي: ويدخل فيه [يعني التمييز] المضاف إليه في نحو خاتم فضة، كما يدخل فيه إذا انتصب، لأن معنى النصب والجر سواء" (٣). والحق أن المعنى مختلف أيضا من وجوه عدة، وليس كما قال الرضي. ومن هذه الأوجه أن النصب يكون إيضاحا بعد الإبهام، وهو أوقع في النفس كما ذكرنا. وإيضاح ذلك أنك تقول (عندي خاتم ذهبا) بالنصب (وعندي خاتم ذهب) بالإضافة فبالنصب يكون الكلام قد تم بكلمة (خاتم) المنونة، ثم جئت بعدها بما يفسر الخاتم فكأنك أخبرت بخبرين: الأول (عندي خاتم) حتى إذا انصرف الذهن عن الكلام،

стр. 706

وظن المخاطب أنه تم، قلت (ذهبا) بخلاف قولك (عندي خاتم ذهب) فإن الكلام جعلته سردا واحدا فلم يتم بكلمة (خاتم)، بل أن السامع ينتظر بقية الكلام، فالتمييز في الأولى منتصب بعد تمام الكلام، وهذا يكون إذ أردت إبهام الأمر على السامع أولا، ثم إيضاحه فيما بعد إذا أردت أن المقام يستدعي ذلك، كأن يكون الخاتم من نوع ثمني، أو من معدن نادر يستدعي الإبهام، أو هو عند شخص غير متوقع أن يكون عنده هذا الخاتم، أو لغير ذلك من الملاحظ فتبهم الأمر عليه، ثم توضح له، وهذا المعنى غير موجود في الإضافة. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقيل أن الأصل في التمييز أن يكون موصوفا بما انتصب عنه سواء، كان مفردا أو عن نسبة، وكان الأصل (عندي خل راقود) و (رجلٌ مثله) و (سمن منوان) وكذا كان الأصل في (طالب زيد نفسا) لزيد نفس طابت، وإنما خولف بها لغرض الإبهام أولا، ليكون أوقع في النفس لأنه يتشوق النفس إلى معرفة ما أبهم عليها، وأيضا إذا فسرته بعد الإبهام فقد ذكرته إجمالا وتفصيلا وتقديمه مما يخل بهذا المعنى، فلما كان تقديمه يتضمن إبطال الغرض من جعله تمييزا لم يستقم" (١). وجاء في (حاشية الصبان): " وإنما عدل هذا الأصل ليكون فيه إجمال ثم تفصيل فيكون اوقع في النفس، لأن الآتي بعد الطلب أعز من المنساق بلا طلب" (٢). وقد يختلف المعنى بين النصب والجر من وجه آخر، وذلك نحو أن تقول (هذا مقص حديد) و (هذا مقص حديدا) فقولك هذا مقص حديد، بالإضافة، يحتمل أن المقص من حديد، ويحتمل أنه مقص للحديد، أي يقص الحديد، كما تقول هذا منشار خشب أي ينشر الخشب، مع أنه حديد بلا خلاف ما لو قلت هذا منشار خشبا، فإنه يعني أنه من خشب، ونحوه أن تقول (هذه مسامير حديد، مسامير حديدا) فقولك (مسامير حديد) بالاضافة يحتمل أنها من الحديد، ويحتمل أنها للحديد، كما تقول (هذه مسامير

стр. 707

خشب ومسامير اسمنت) أي للخشب والسمنت. ونحوه (عندي محفظة ذهب وهبا) فبالجر يحتمل أن عندك محفظة تحفظ بها الذهب ويحتمل أنها من ذهب، بخلاف قولك (ذهبا) فإن معناه أنها من الذهب، أو عندك ملؤها ذهبا. وقد يأتي النصب لمعنى آخر، فتقول (عندي خاتم ذهبا) بمعنى عندك من الذهب مقدار خاتم. وهذا المعنى لا يأتي في الجر. معنى الاتباع: قد تقول: (هذا خاتم ذهب) و (قماش صوف) و (باب ساج) بالاتباع، فما الفرق بينه وبين ما ذكرنا من الجر والنصب؟ الأشهر في مثل هذا أن لا يراد بيان الجنس، وإنما هو للتشبيه، فقولك (خاتم ذهب) معناه أنه مثل الذهب، وكذلك (قماش صوف) أي شبيه بالصوف، وكذلك (باب ساج) لأنه لا يوصف بالجواهر، وهذا رأي كثير من النحاه، جاء في (المقتضب): " وكان سيبويه يقول: جيد أن تقول: (هذا خاتمك حديدا) و (هذا سرجك خزا) ولا تقول على النعت: هذا خاتم حديد، إلا مستكرها إلا أن تريد البدل، وذلك لأن حديدا وفضة وما أشبه ذلك من جواهر، فلا ينعت بها لأن النعت تحلية، وإنما يكون هذا نعتا مستكرها إذا أردت التمثيل. وتقول: هذا خاتم مثل الحديد، أي في لونه وصلابته، وهذا رجل أسد أي شديد فإن أردت السبع بعينه لم تقل: مررت برجل أسد أبوه هذا خطا" (١). وجاء فيه أيضا: " فإن اعتل بقوله: مررت برجل فضة خاتمه، ومررت برجل أسد أبوه على قبحه فيما ذكره، وبعده فإن هذا في قولك فضة خاتمة غير جائز، إلا أن تريد شبيه بالفضة ويكون الخاتم غير فضة ..

стр. 708

وعلى هذا مررت برجل أسد لأنه وضعه في موضع شديد أبوه، ألا ترى أن سيبويه لم يجز مررت بدابة أسد أبوها، إذا أراد السبع بعينه، فإذا أراد الشدة جاز على ما وصفت" (١). وجاء في منثور الفوائد: " يقول مررت بدار ساج بابها، إن أردت الساج بعينه لم يجز فيه إلا الرفع وإن اردت الصلابة جاز الجر" (٢). وجاء في (شرح الرضي على الكافية) " قال سيبويه: يستكره نحو خاتم طين وصفة خز، وخاتم حديد، وباب ساج في الشعر ايضا. قال السيرافي: إذا قلت: مررت بسرج خز صفته، وبصحيفة طين خاتمها، وبرجل فضة حلية سيفه، وبدار ساج بابها، وأردت حقيقة هذه الأشياء لم يجز فيها غير الرفع، فيكون قولك بداية أسد أبوها، وأنت تريد بالأسد السبع بعينه لأن هذه جواهر. فلا يجوز أن ينعت بها. قال وإن أردت المماثلة والحمل على المعنى جاز، هذا كلامه. قلت: وما ذكره خلاف ظاهر لأن المعنى فضة حلية سيفه، أنها فضة حقيقة، وكذا في طين خاتمها، لكنه جوز على قبح الوصف بالجواهر على المعنى بتأويل معمول من طين ومعمول من فضة .. وإن اريد التشبيه كان معنى بسرج خز صفته، أي بسرج لين صفته كالخز، وليس بخز وكذا فضة حلية سيفه، أي مشرقة وإن لم يكن فضة" (٣). والحق أنهما لغتان، فاللغة الشهيرة أنك عندما تقول (عندي خاتم ذهب) ونحوه بالاتباع، لا تقصد بذلك بيان الجنس، وعند آخرين أنه قد يقصد به الجنس، جاء في (كتاب سيبويه) " هذا باب ما ينتصب لأنه قبيح أن يكون صفة " وذلك قولك هذا راقود خلا وعليه نحي سمنا، وإن شئت قلت راقود خل، وراقود من خل، وإنما فررت إلى النصب في هذا الباب، كما فررت إلى الرفع في قولك بصحيفة طين خاتمها، لأن الطين اسم وليس مما يوصف به، ولكنه يضاف إليه ما كان فهكذا مجرى هذا وما أشبهه.

стр. 709

ومن قال مررت بصحيفة طين خاتمها، قال: هذا راقود خل، وهذا صفة خز، وهذا قبيح أجري على غير وجهه" (١). بل ذكر يونس أنه لم يسمع الوصف بالجوهر من ثقة، جاء في (كتاب سيبويه): " هذا باب ما يكون من الأسماء صفة مفردا، وليس بفاعل، ولا صفة تشبه بالفاعل، كالحسن وأشباهه) وذلك قولك مررت بحية ذراع طولها، ومررت بثوب سبع طوله ومررت برجل مائة أبله، فهذه تكون صفات .. ولا تقول: مررت بذراع طوله، وبعض العرب يجره، كما يجر الخز حين يقول مررت برجل حز صفته، ومنهم من يجره، وهو قليل، كما تقول مررت برجل أسد ابوه إذا كنت تريد أن تجعله شديدا، ومررت برجل مثل الأسد أبوه، إذا كنت تشبهه فإن قلت (مررت بدابة أسد ابوها) فهو رفع لأنك إنما تخبر أن أباها هذا السبع، فإن قلت (مررت برجل أسد أبوه) على هذا المعنى، رفعت إلا أنك لا تجعل أباه خلقه كخلقته الأسد، ولا صورته هذا لا يكون ولكنه يجيء كالمثل، ومن قال: مررت برجل أسد ابوه قال: مررت برجل مائة ابله وزعم يونس أنه لم يسمعه من ثقة" (٢). فتبين من هذا أن معنى النصب يختلف عن معنى الاتباع، فإن النصب لا يراد به التشبيه بخلاف الاتباع، فإن الأشهر فيه أن لا يقصد به بيان الجنس، بل التشبيه، وقد يقصد به بيان الجنس قليلا على الجمع بين اللغتين. المجرور بمن: تقول (عندي خاتم من ذهب) و (عندي خاتم ذهبا) و (هذا خاتمك ذهبا) و (هذا خاتمك من ذهب) و (ما أكرمه فارسا) و (ما أكرمه من فارس) فما الفرق بينهما؟ الظاهر أن (من) يؤتى بها للتنصيص على التمييز، أما النصب فقد يحتمل التمييز

стр. 710

وغيره أحيانًا، وذلك نحو قولك (ما أحسنه خطيبا) و (ما أحسنه من خطيب) فقولك (خطيبا) يحتمل الحال والتمييز، أما (من) فقد نصبت على التمييز. وتقول: (كفى به شاعرًا) فهذا يحتمل التمييز والحال، فإذا قلت (من شاعر) تعين انه تمييز، ومعنى الحال الدلالة على الهيئة كما قلنا بخلاف التمييز. وتقول (ما أشجعه فارسًا وما أجبنه رجلا) أي هو شجاع في هذه الحال، جبان في حال أخرى، فإذا قلت (ما أشجعه من فارس) كان المعنى أنه فارس شجاع. وتقول (عندي خاتم ذهبا) فهذا يحتمل أن عندك خاتما من الذهب، ويحتمل أن عندك ذهبا مقدار خاتم فإذا قلت (من ذهب) تعين جنس الخاتم. وتقول (هذا خاتمك ذهبا) فهو يحتمل أن جنسه من ذهب، ويحتمل أن خاتمك الآن هو في حال ذهب، أي غير مصوغ، كما تقول (هذا حطبك رمادا) و (هذا خاتمك قرطا) أي أصبح قرطا، فإن قلت (هذا خاتمك من ذهب تعين أنك تريد الجنس). جاء في (الأصول): " فأما قولهم: حسبك بزيد رجلا، وأكرم به فارسا، وما أشبه ذلك ثم تقول: حسبك به من رجل وأكرم به من فارس، ولله دره من شاعر، وأنت لا تقول: عشرون من درهم، ولا هو افره منك من عبد، فالفصل بينهما أن الأول كان يلتبس فيه التمييز بحال فأدخلت (من) لتخلصه للتمييز لا ترى انك لو قلت: أكرم به فارسا، وحسبك به خطيبا لجاز أن تعني في هذه الحال؟ وكذلك إذا قلت: كم ضربت رجلا؟ لم يدر السامع أردت: كم مرة ضربت رجلا واحدا، أم كم ضربت من رجل، فدخول (من) قد أزال الشك" (١). وجاء في (كتاب سيبويه): " هذا باب ما ينتصب انتصاب الاسم بعد المقادير " وذلك قولك ويحه رجلا، ولله دره رجلا، وحسبك به رجلا، وما أشبه ذلك، وإن شئت قلت:

стр. 711

ويحه من رجل، وحسبك به من رجل، ولله دره من رجل، فتدخل (من) ههنا كدخولها في (كم) توكيدا وانتصب الرجل، لأنه ليس من الكلام الأول" (١). ولعله يقصد بقوله أنها دخلت توكيدا، أنها دخلت لقصد النص على التمييز، فإن عرفت المجرور بمن احتمل معنى آخر، وهو ان تكون (ال) للعهد، فقولك (هذا خاتم من ذهب) يحتمل أن يكون المعنى أن جنس الخاتم من الذهب، ويحتمل أن يكون من الذهب المعهود بينكما، أي أن هناك ذهبا معهودا، فتقول: هذا الخاتم من ذلك الذهب. وعلى هذا فقولك: (عندي منشار حديدا) يعني أن جنسه من الحديد، ويحتمل أن يكون عندك حديد بمقدار منشار، فإن قلت: (هذا منشارك حديدا) احتمل أن يكون المنشار في حال حديد أي المنشار الآن في حال حديد، وليس في هيئة منشار. وقولك: (عندي منشار حديد) يحتمل أن يكون المعنى أنه لنشر الحديد، لا لنشر الخشب مثلا، كما يحتمل أن يكون جنسه من الحديد. وقولك (عندي منشار حديد) يحتمل أن يكون أنه كمنشار قوي كالحديد، أو يشبه الحديد، وهو الراجح، أو من حديد على اللغة الأخرى. وقولك: (عندي منشار من حديد) يتعين أن يكون جنسه من الحديد: وقولك: (عندي منشار من الحديد) يحتمل أن يكون جنسه من الحديد، ويحتمل أن يكون عنده منشار من الحديد المعروف عند المخاطب، أي أن هناك حديدا معينا، وهذا منشار منه.

стр. 712

التمييز بعد اسم التفضيل: إن التمييز بعد اسم التفضيل إذا كان فاعلا في المعنى، تعين نصبه وإن لم يكن فاعلا في المعنى تعين جره بالإضافة، وذلك نحو قولك (محمد أوسع دارا) فـ (دارا) فاعل في المعنى، وذلك أن معناه: محمد وسع داره. وعلامة الفاعل في المعنى أن يصلح فاعلا عند جعل أفعل التفضيل فعلا له، وعلامته الأخرى أن لا يكون المفضل بعضا من التمييز، فإن كان المفضل بعضا من التمييز لم يكن فاعلا في المعنى، فقولك (محمد أوسع دارا) ليس فيه محمد بعضا من الدار، والمقصود بالبعض هنا الجنس أو النوع. ومثال ما ليس فاعلا في المعنى (محمد أكرم رجل) فلا يصح أن تقول (محمد كرم رجله) كما أن المفضل بعض من التمييز، وليس مغايرا له ولذا وجب جره بالإضافة. فإن كان اسم التفضيل مضافا إلى غير التمييز، وجب نصب التمييز، نحو (محمد أكرم الناس رجلا). وعلى هذا فمعنى الجر غير النصب، فإن قولك (محمد أحسن كاتبا) معناه إذا قصدت به التمييز إن كاتب محمد أحسن من غيره، وإن قلت (محمد أحسن كاتب) كان المعنى أن محمدا هو الكاتب، وهو أحسن من غيره. وتقول (هو أفره عبدا) إذا كان عبده فارها، فإن قلت (هو أفره عبدٍ)، كان المعنى، أنه عبد فاره. جاء في الأصول أن " نحو قولك (زيد أفرههم عبدا) و (هو أحسنهم وجهًا (١))، فالفاره في الحقيقة هو العبد، والحسن هو الوجه. إلا أن قولك أفره وأحسن في اللفظ لزيد، وفيه ضميره والعبد غير زيد والوجه بعضه .. فإذا قلت (أنت أفره عبدٍ في الناس) فمعناه أنت أفره من كل عبد، إذا أفردوا عبدا عبدًا، كما تقول (٢): هذا خير اثنين في الناس، أي إذا كان لناس اثنيت اثنين" (٣).

стр. 713

وجاء في (شرح الرضي): " واعلم أنه لو قيل: أن أفعل التفضيل إذا أضيف إلي الشيء فالذي يجري عليه أفعل التفضيل بعض المضاف إليه، نحو (هذا الثوب أحسن ثوب) وإن نصبت ما بعده على التمييز، فالمنصوب سبب لمن جرى عليه أفعل، ومتعلقة نحو (زيد أحسن منك ثوبا)، ففي قولك (زيد أفره عبد) زيد هو العبد، وفي قولك (زيد أفره منك عبدًا) زيد هو مولى العبد. أقول: وليس هذا بمطرد، ألا ترى أنك تقول: هو أشجع الناس رجلا، وهما خير الناس اثنين على ما أورده سيبويه، أي هو أشجع رجل في الناس، وهما خير اثنين في الناس والمنصوب على التمييز هو من جرى عليه أفعل لا سببه، والدليل على أنه تمييز قولك (هو أشجع الناس من رجل) و (هما خير الناس من اثنين) كما تقول: حسبك بزيد رجلا ومن رجل، قال الله تعالى: ﴿فالله خير حافظا﴾ [يوسف: ٦٤]، انتصب (حافظا) على التمييز أي خير من حافظ، فهو والجر سواء، نحو حافظ وخير حافظا، فهو حافظ في الوجهين" (١). أما قوله (وليس هذا بمطرد) فغير وارد لما ذكره أنه إذا أضيف اسم التفضيل إلى غير التمييز وجب نصب التمييز. وأما قوله أن معنى (فالله خير حافظا) و (خير حافظٍ) بالجر سواء، ففيه نظر ذلك لأن المعنى مختلف فيما يظهر. ذلك أن المعنى بالنصب يحتمل معنيين: الحال والتمييز، كما تقول (هو أكرم أبا) و (هو أفضل كاتبا) فهذا يحتمل، أي هو أحسن في هذه الحال. ويحتمل التمييز: ومعنى التمييز في النصب غير معناه في الجر، وذلك أن المعنى في النصب على إرادة التفضيل المقارن بمن، فـ (من) مقدرة أن لم تذكر فقولك (محمد أكرم أبا) معناه أنك تريد أن تفضله على واحد أو أكثر، أي منك أو نكم. وأما قولك (محمد

стр. 714

أكرم أب) فليس فيه هذا المعنى إذ ليس فيه التفضيل المقارن، بل يراد به التفضيل العام ولذا لا يجوز ذكر (من) معه، وعلى هذا فالنصب يختلف عن الجر من نواح عدة أهمها: ١ - النصب يحتمل الحال والتمييز، بخلاف الجر. ٢ - النصب على إرادة التفضيل المقارن بمن، بخلاف الجر. ٣ - النصب يدل على أن المنصوب فاعل في المعنى، بخلاف الجر. ٤ - النصب يدل على أن التمييز مغايرة للمفضل، بخلاف الجر. والآية هذه يحكيها الله تعالى على لسان يعقوب ﵇ لابنائه، إذ طلبوا منه أن يرسل معهم أخاهم من أبيهم، وقد كانوا فرطوا في يوسف من قبل، قال تعالى: ﴿قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خيرٌ حافظا وهو أرحم الراحمين﴾ [يوسف: ٦٤]، فكأنه تعريض بحفظهم، أي لم يستطيعوا حفظ يوسف، فلعلهم لا يستطيعون حفظ الآخر أيضا، فالمعنى أن الله خيرٌ حافظًا منك. ولا يتأتي هذا المعنى في الجر، إذ لا يراد به المقارنة بمن هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أن النصب يدل على الفاعلية، وأنه مغاير للمفضل أي أن الحافظ الذي يجعله الله خيرا منكم، كما قال تعالى: ﴿ويرسل عليكم حفظه﴾ [الأنعام: ٦١]، وقال: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظوه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]، فالحافظ هنا من يرسله الله من حفظة، كما تقول (هو أحسن عبدًا) أي عبده أحسن من عبدك، وكما تقول (هو أحسن ولدا) أي ولده أحسن من ولدك. (وهو أنشط عاملا) أي عامله أنشط من عاملك، و (هو خير حافظا) أي حافظه خير منكم بخلاف الجر، فإنه يكون هو الحافظ، كما تقول (هو أحسن رجل وأنشط عامل) فحافظ الله خير منهم، فليست المقارنة بينهم وبين الله، وإنما المقارنة بينهم وبين حفظة الله ولا يتأتي هذا المعنى في الجر. ويحتمل أن تكون حالا أيضا بمرجوحية، والله أعلم.

стр. 715

تمييز العدد لا نريد ههنا أن نبحث شأن العدد مع المعدود فإن لهذا موضعه الخاص به، وإنما أن نبحث ههنا تمييز العدد. إن وضع العدد مع المعدود في العربية لا يجري على نسق واحد فهو يختلف في الاعداد من الثلاثة إلى العشرة، عنه في الاعداد المركبة والمعطوفة، ويختلف في المائة والألف عنهما، وإليك إيضاح ذلك: ١ - تمييز العدد من ثلاثة إلى عشرة: إن المعدود بعد العدد من ثلاثة إلى عشرة يكون جمعا مجرورا بالإضافة، نحو قوله تعالى: ﴿سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيامٍ حسوما﴾ [الحاقة: ٧]، ونحوه (أقبل خمسة رجال). وقد تحتمل الإضافة معنى آخر، هو معنى التملك وشبهه، تقول (هذه خمسة محمد) أي ملكه، وتقول (هذه خمسة رجال) أي ملكهم، وتقول (هذه خمستكم، وهذه خمسة رجال آخرين) فلا يراد بالمضاف إليه المعدود. فالمضاف إليه قد يراد به المعدود، وهو الظاهر، وقد يراد به الإضافة على غير هذا المعنى. وقد يكون المعدود تابعًا للعدد، فتقول: (أقبل خمسةٌ رجالٌ) و (حضر ثمانية أطفال) وهو بدل أو عطف بيان (١). وقد يأتي منصوب نحو (أقبل خمسة رجالا)، وهو يحتمل الحالية والتمييز، فمعنى الحال أنهم جاؤا في هذه الحال، كما تقول (أقبل أربعةٌ صغارا) أي في حال صغرهم،

стр. 716

وكما تقول (أقبل أربعةٌ راكبين) أي في هذه الحال. وقد يراد به التمييز وهو قليل، قال سيبويه ومعناهما عند ذاك واحد، قال: " لأنه لو جاز في الكلام او اضطر شاعر فقال: ثلاثة أبوابا كان معناه ثلاثة أبواب، وقال يزيد بن ضبة: إذا عاش الفتى مائتين عاما ... فقد ذهب المسرة والفتاء (١). ٢ - تمييز العدد من أحد عشر إلى تسعة وتسعين: إن المعدود يكون مع هذا العدد مفردًا منصوبًا، نحو قوله تعالى: ﴿فانفجرت منه اثتنا عشرة عينا﴾ [البقرة: ٦٠]، وقوله: ﴿له تسع وتسعون نعجة﴾ [ص: ٢٣] وقد يقع بعده الاسم جمعا منصوبا، نحو (أقبل خمسة عشر رجالا)، على الحال أو التمييز، فمعنى الحال أنهم جاؤا في هذه الحال، كما تقول (أقبل خمسة عشر راكبين) أي في هذه الحال. وقد يراد به التمييز على معنى الجماعات، وذلك أنك عندما تقول (أقبل خمسة عشر رجالا) يكون المعنى أقبل خمس عشرة جماعة، كل جماعة هي رجال. تقول (عندي عشرون سمكة) أي عشرون واحدة، فإن قلت (عشرون سمكا) كان المعنى أن عندك عشرين نوعا منه أو عشرين مجموعة، قال ابن يعيش: " فإن قلت: عندي عشرون رجالا، كنت قد أخبرت أن عندك عشرين، كل واحد منهم جماعة رجال (٢). وقال ابن الناظم: " وقد تميز بجمع صادق على واحد منها، فيقال (عندي عشرون دراهم) على معنى عشرون شيئا، كل واحد منها دراهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وقطعناهم في اثنتى عشرة أسباطا أمما﴾ [الأعراف: ١٦٠]، والمعنى والله أعلم، وقطعناهم اثنتي

стр. 717

عشرة، فرقة كل فرقة منهم أسباط" (١). وقد يقع الجمع تابعا للعدد فتقول (أقبل خمسة عشر رجالٌ) و (أقبل عشرون أولادٌ) على البدل. وقد يكون ما بعد مجرورا على الإضافة بمعنى الملك ونحوه، تقول (هذه خمسة عشرك) وخمسة عشر محمدٍ أي له وهذه خمسة عشر رجل آخر، جاء في (شرح ابن يعيش): " فإن أضفته إلى مالكه، وقلت (هذا أحد عشرك وخمسة عشرك) جاء لأن الإضافة إلى المالك ليست لازمة كلزوم المميز" (٢). وجاء في (التصريح): " يجوز في العدد المركب غير اثنى عشر، واثنتي عشرة أن يضاف إلى مستحق المعدود فيستغني عن التمييز نحو هذه أحد عشر زيد" (٣). وتحذف النون من ألفاظ العقود عند الإضافة فتقول (هذه عشروك)، و (رأيت أربعيك) جاء في (المقتضب): " اعلم انك إذا أضفت عددا حذفت منه النون والتنوين أي ذلك كان فيه فتقول: هذه عشروك وثلاثوك، وأربعوك، ورأيت ثلاثيك، وأربعيك، وهذه مائتك وألفك" (٤). ٢ - تمييز المائة والألف. إن المعدود بعد المائة والألف يكون مفردًا مجرورا بالإضافة نحو قوله تعالى: ﴿لبثت مائة عام﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله: ﴿فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما﴾ [العنكبوت: ١٤]

стр. 718

وقد تكون الإضافة على معنى الملك، ونحوه، تقول: (هذه مائة محمد) و (هذه مائة رجل) و (ألف رجل) وهذه مائتك وتلك مائة رجل آخر. وقد يكون الإسم تابعا على البدلية، نحو (أقبل مائة رجلٌ)، وقد يقع بعدها الاسم منصوبا على الحال أو التمييز، فالحال نحو (أقبل مائة فرسانا ومائة مشاة) أي مائة في حال ركوب على الخيل، ومائة في حال مشي، كما تقول (أقبل ألف راكبين) أي في حال ركوب. وتقول في التمييز (أقبل مائة رجلا) على معنى جماعات أي مائة جماعة، وكل جماعة هي رجال، كما في نحو (أقبل خمسة عشر رجالا) و (عندي عشرون سمكا). جاء في (شرح ابن يعيش): " وأما قوله تعالى: ﴿ثلاث مائة سنين﴾ [الكهف: ٢٥]، فإن سنين نصب على البدل من ثلاثمائة، وليس بتمييز، وكذلك قوله: ﴿اثنتي عشرة أسباطا أمما﴾ [الأعراف: ١٦٠]، نصب أسباطا على البدل .. وهذا رأي أبي إسحاق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة، لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد، وكل واحد سنون، وهو جمع، والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون (سنين) تمييزا" (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " قال الزجاج لو انتصب سنين على التمييز لوجب أن يكونوا لبثوا تسعمائة سنة ووجهه أنه فهم أن مميز المائة واحد من مائة، كقولك مائة رجل، فرجل واحد من المائة، فلو كان (سنين) تمييزا لكان واحد من ثلاثمائة. وأقل السنين ثلاثة فكان كأنه قال: ثلاثمائة ثلاث سنين، فتكون تسعمائة، قال المصنف، وهذا يطرد في قوله تعالى: ﴿اثنتي عشرة أسباطا﴾ [الأعراف: ١٦٠]، فلو كانوا تمييزا لكانوا ستة وثلاثين على رأيه ..

стр. 719

ومما ذكره الزجاج غير لازم، وذلك لأن الذي ذكره مخصوص بأن يكون المميز مفردا أما إذا كان جمعا فالقصد فيه كالقصد في وقوع التمييز جمعا في نحو ثلاثة أثواب" (١). ومن هذا يتبين: ١ - أن الجر يحتمل الإضافة بمعنى الملك ونحوه، إضافة إلى قصد إرادةا لمعدود في قسم من العدد. ٢ - أن المفرد المنصوب يقصد به التمييز. ٣ - ان الجمع المنصوب يحتمل الحال والتمييز، والتمييز على معنى الجماعات والأنواع. ٤ - التبعية على معنى البدل. ثم أن (مائة) تقع بعد العدد من ثلاثة إلى تسعة، مفردة مجرورة، فيقال ثلاثمائة وأربعمائة والقياس ثلاث مئات، وأربع مئات. إلا أن العرب قد تستعمل الجمع قليلا، فتقول ثلاث مئات، وثلاث مئين، وقد يستعمل الجمع لقصد آخر، فيقال هذه ثلاث مئات، وهذه أربع مئات، بمعنى هذه أربع مجموعات كل مجموعة مائة، ولو قلت هذه أربعمائة، لاحتمل أن يكون المقصود أن المجموع أربعمائة وليست كل مجموعة على حده هي مائة. وقال: كم مائة عندك؟ فتقول: عندي أربع مئات. ولو قال: عندي أربعمائة لاحتمل المعنى أن عندك أربعمائة مائة، والله أعلم.

стр. 720

كم وهي كناية عن العدد المبهم، تقع على القليل منه، والمتوسط، والكثير، وهي على قسمين: (١). ١ - استفهامية. ٢ - خبرية. كم الاستفهامية: يسأل بها عن كمية الشيء، (٢) وتميزها يكون مفردا منصوبا (٣)، تقول: (كم رجلا عندك؟ ) و (كم درهما لك؟ ) تسأله عن عدد الرجال والدراهم. وقد يأتي بعدها الاسم جمعا منصوبا، نحو (كم لك غلمانا؟ ) و (كم عندك رجالا؟ ) على معنى الحال (٤).، أو الجماعات كما مر في العدد. فمعنى الحال: كم لك في حالة الغلمان، وكم عنك في حال الرجال؟ ومعنى التمييز يكون على إرادة الجماعات، فإذا قلت (كم رجالا عندك؟ ) كان المعنى كم جماعة من الرجال عندك؟ جاء في (شرح الرضي): " ولا يكون مميز كم الاستفهامية مجموعا كمميز المرتبة الوسطى خلافا للكوفيين، وعلى ما أجاز السيرافي في العدد (عشرون غلمانا لك) إذا أردت طوائف من الغلمان، ينبغي جوازكم غلمانا لك بهذا المعنى.

стр. 721

وقال البصريون: لو جاءهم نحوكم غلمانا لك؟ فالمنصوب حالا لا تمييز، والتمييز محذوف أي كم نفسا لك في حال كونهم غلمانا" (١). وجاء في (الهمع) أن " كم الاستفهامية لا تفسر بالجمع، إنما هو بشرط أن يكون السؤال عن عدد الأشخاص، وأما إن كان السؤال عن الجماعات، فيسوغ تمييزها بالجمع، لأنه إذ ذاك بمنزلة المفرد، وذلك نحو (كم رجالا عندك)، تريدكم جمعا من الرجال إذا اردت أن تسأل عن عدد اصناف القوم الذين عنده، لا عن مبلغ اشخاصهم، ويسوغ باسم الجنس نحو (كم بطا عندك) تريدكم صنفا من البط عندك" (٢). كم الخبرية: وكم الخبرية تكون بمعنى (كثير)، ويستعملها من يرد الافتخا والتكثير (٣). وسميت خبرية لأنها لا تحتمل الصدق والكذب بخلاف الاستفهامية (٤)، وذلك أنك إذا قلت (كم رجل أكرمت) كنت قد أخبرته بأنك أكرمت رجالا كثيرين، وهذا يحتمل الصدق والكذب، وإن قلت (كم رجلا أكرمت) كان السؤال عن عدد الرجال الذين أكرمتهم، وهذا لا يحتمل الصدق والكذب. قال ابن يعيش: (فإن أردت الخبر خفضت (رجلا) وقلت (بكم رجلٍ مررت) والفرق بينهما انه في الاستفهام يسأل عن عدد من مر بهم من الرجال، وفي الثاني يخبر أنه مر بكثير من الرجال فالمسألة الأولى تقتضي جوابا والثانية لا تقتضي جوابا (٥).

стр. 722

وتمييز (كم) الخبرية يكون مفردا مجرورا أو جمعًا مجرورا تقول (كم رجلٍ أكرمت! ) و (كم رجالٍ أكرمت! ). قالوا والأفراد أكثر في الاستعمال، وأبلغ في المعنى من الجمع (١)، فقولك (كم رجل أكرمت) أبلغ في المعنى، وأكثر في العدد من (كم رجالٍ أكرمت)، وذلك لأن المفرد المجرور يقع تمييزا للمائة، والألف، فتقول (مائة رجل) و (ألف رجلٍ) أما الجمع المجرور فيقع تمييزا للعدد من الثلاثة إلى العشرة، أي للقلة نحو ثلاثة رجال، وعشرة رجال. قالوا وقد يراد بالجمع معنى الجماعة كما مر في (كم) الاستفهامية، والعدد، جاء في (الهمع): (وقيل يكون الجمع على معنى الواحد فإذا قلت (كم رجال) كأنك قلت: كم جماعة من الرجال) (٢). فإن فصل بين (كم الخبرية ومميزها بفعل متعد، وجب الاتيان بمن لئلا يلتبس المميز بمفعول ذلك الفعل المتعدي، نحو قوله تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون﴾ [الدخان: ٢٥]، و ﴿كم أهلكنا من قرية﴾ (٣)، [القصص: ٥٨]. وجاء في (الأصول): (فإن قلت: كم ضريت رجلا؟ لم يدر السامع أردت: كم مرة ضربت رجلا واحدًا أم كم ضربت من رجل؟ فدخول (من) قد أزال الشك) (٤). فإن رفعت بعد (كم) تغير المعنى، فإذا قلت (كم رجلا لك قال الحق) بالنصب كان استفهاما من عدد الرجال الذين قالوا الحق. وإن جررت كان المعنى أن كثيرا من الرجال قالوا الحق.

стр. 723

وإن رفعت كان المعنى (كم قالوا الحق رجلٌ لك) أي كم مرة قال الحق رجلك؟ فالرجل هنا واحد بخلاف النصب والجر، جاء في (المقتضب): " واعلم أن هذا البيت ينشد على ثلاثة أوجه، وهو: كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري فإذا قلت: كم عمةٍ، فعلى معنى رب وإذا قلت: كم عمةً، فعلى الاستفهام وإذا قلت: كم عمةٌ أوقعت (كم) على الزمان، فقلت: كم يوما عمةٌ، وخالةٌ لك قد حلبت على عشاري، وكم مرة (١)، نحو ذلك. فإذا قلت: كم عمةٍ فلم تقصد إلى واحدة، وكذلك إذا نصبت، وإن رفعت لم تكن إلا واحدة لأن التمييز يقع واحدة في موضع الجميع، وكذلك ما كان في معنى (رب)، لأنك إذ قلت: رب رجل رأيته لم تعن واحدا، وإذا قلت: كم رجلا عندك فإنما تسأل أعشرون، أم ثلاثون ونحو ذلك. فإن قلت: كم درهمٌ عندك؟ فإنما تعني: كم دانقا هذا الدرهم الذي أسألك عنه؟ فالدرهم واحد مقصود قصده بعينه، لأنه خبر وليس بتمييز، وكذلك: كم جاءني صاحبك؟ إنما تريد: كم مرة جاءني صاحبك" (٢). وجاء في (شرح ابن يعيش) في هذا البيت: " فالرفع على أنه مبتدأ، وحسن الابتداء به حيث وصف بالجار والمجرور، وهو (لك)، وقوله: (قد حلبت على عشاري) في موضع الخبر، وتكون (كم) واقعة على الحلبات، فتكون مصدرا، والتقدير كم مرة أو حلبة عمة لك قد حلبت على عشاري، ويجوز أن تكون (كم) واقعة على الظرف، فيكون التقدير كم يوما أو شهرا أو نحوهما من الأزمنة (٣).

стр. 724

كأين كأين مركبة عند أكثر النحاة من كاف التشبيه، واي الاستفهامية المنونة، ثم حصل لهما بالتركيب معنى ثالث، لم يكن لكل واحد، منهما في حال الإفراد (١). وقيل بل هي اسم بسيط غير مركب، ويدل على ذلك تلاعب العرب بها في اللغات المتعددة، فتقول: كأين، كائن، وكأي، وكيي، وغير ذلك. (٢). وهي تفيد التكثير مثل كم الخبرية، وقد وردت للاستفهام قليلا واستدل له بقول أبي ابن كعب لابن مسعود: " كأين تقرأ سورة الأحزاب أية". فقال: " ثلاثا وسبعين". (٣). وتمييزها مفرد لم يرد إلا كذلك (٤). بخلاف تمييز كم الخبرية، فإنه يأتي مفردا أو جمعا كما ذكرنا. وأكثر العرب لا يتكلمون بها إلا مع (من)، ولم ترد في القرآن إلا كذلك، قال تعالى ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير﴾ [آل عمران: ١٤٦]، جاء في (كتاب سيبويه): " فإنما ألزموها (من) لأنها توكيد، فجعلت كأنها شيء يتم به الكلام، وصار كالمثل .. وقال إن جرها احد من العرب فعسى أن يجرها بإضار من" (٥).

стр. 725

والذي يبدو لي أنها تستعمل في مواطن التفخيم والتعظيم. إضافة إلى الكثير ويدل على ذلك الاستعمال القرآني لها .. جاء في (سورة الأعراف): ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون﴾ [الأعراف: ٤]. وجاء في (سورة الحج): ﴿فكأين من قرية أهلكناها هي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد﴾ [الحج: ٤٥]. فجاء في الأولى بكم، وفي الثانية بكأين، والسياق يوضح الفرق بين الاستعمالين. قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون، من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون .. كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين﴾ [الأعراف: ٣ - ٥]. وجاء في (سورة الحج): ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور. وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود، وقوم إبراهيم وقوم لوط، وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير، فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد، أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذن يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور﴾ [الحج: ٣٩ - ٤٦]. فأنت ترى أن هذه الآية في سياق آيات المظلومين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق وقد أذن لهم بالقتال، وفيه التأسي بما وقع للطوائف المؤمنة من قبل، فقد كذبهم قومهم واوذوا، فأملي ربك للكافرين ثم أخذهم أخذة قاصمة. ثم قال بعد ذلك: " فكأين من

стр. 726

قرية أهلكناها وهي ظالمة .. " فهذا موطن تفخيم، كأنه قال: وكم من قرية أية قرية، كما تقول: مررت برجل أي رجل، ووجود (أي) المبهمة يشعر بهذا المعنى، والتفخيم هنا لله الذي أخذ مثل هذه القرى المتجبرة العاتية الظالمة، كما قال: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم﴾ [محمد: ١٣]، وكما قال: ﴿وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا﴾ [الطلاق: ٨]. وليس السياق في الأعراف على هذا كما هو ظاهر. ومثله قوله تعالى: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في بيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٦]ـ فهذا موطن تفخيم ومواطن تأسيه للرسول والجماعة المؤمنة، لما حصل لهم في معركة أحد، فإن مثل هذا حصل لمن قبلهم من المؤمنين، قال تعالى: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين أمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين أمنوا ويمحق الكافرين. ام حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون، وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأين مات او قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين. وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٠ - ١٤٦]. فهذا موطن تفخيم وتأسية، وهكذا شأن كل ما ورد بكأين، فإن موطه التفخيم زيادة على التكثير. قال تعالى: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ [يوسف: ١٠٥]، أي وكم من آية تدعو إلى التامل والإيمان يمرون عليها وهم معرضون عنها، وهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت

стр. 727

لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون. وما أكثر الناس ولو حصرت بمؤمنين﴾ [يوسف: ١٠٢ - ١٠٣]. أي أن هذه القصص من أنباء الغيب، لا تعلمها أنت ولا قومك، كما يعرف الجميع وهو دليل ظاهر على نبوتك، ولكن مع ذلك لم يؤمنوا، وهذا شأنهم مع آيات الله الكونية في السماء والأرض. ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ [يوسف: ١٠٥]. فهذا موطن تفخيم وتعظيم. وقال تعالى: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم﴾ [العنكبوت: ٦٠]. وهذا موطن تفخيم وتعظيم لربنا سبحانه، إذ ان هناك دواب ضعيفة لا تحمل رزقها، يوصل الله إليها رزقها في مكانها، بل أنه قدم رزقها علينا، نحن أولى القوة والبأس والحيلة والعقل والتدبر والضرب في الأرض، فقال (الله يرزقها وإياكم)، والله أعلم.

стр. 728

كذا وهي كلمة مركبة من كاف التشبيه و (ذا) اسم الإشارة غير أنه " انخلع من (ذا) معنى الإشارة ومن الكاف معنى التشبيه، بدلالة أنك لست تشير إلى شيء، ولا تشبه شيئا بشيء، وإنما يكني بها عن العدد، ما فتنزلت الكاف في هذا الموطن منزلة الزائدة اللازمة" (١). و(ذا) في الأصل إشارة إلى ما في ذهن المتكلم من العدد، أو غير العدد غير أنها بتركيبها أصبحت كلمة واحدة، غير أن الإشارة إلى ما في الذهن لا تزال قائمة، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما بناء كذا فلأنه في الأصل (ذا) المقصود به الإشارة دخل عليه كاف التشبيه، وكان (ذا) مشارا به إلى عدد معين في ذهن المتكلم، مبهم عند السامع، ثم صار المجموع بمعنى (كم) وانمحي عن الجزءين معنى التشبيه والإشارة .. فصار الكلمتين ككلمة واحدة، ولذا تقول: أن كذا مالك، برفع مالك على أنه خبر إن (٢). فهيي بعد التركيب كلمة واحدة مكنى بها عن العدد (٣). قال سيبويه: " وذلك قولك له كذا وكذا درهما، وهو مبهم في الأشياء بمنزلة كم وهو كناية بمنزلة (فلان) إذا كنيت به في الأسماء وكقولك: كان في أمر ذية وذية، وذيت وذيت، وكيت وكيت (٤). وتميزها يجب نصبه، فلا يصح جره بمن اتفاقا، ولا بالإضافة عند الجمهور وأكثر ما تستعمل معطوفا عليها نحو: عندي كذا وكذا درهما، وذكر ابن خروف أنهم لم يقولوا

стр. 729

كذا درهما ولا كذا كذا درهما بدون عطف (١). وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز (أن يقال كذا ثوب، وكذا أثوابا، قياسا على العدد الصريح، ولهذا قال فقاؤهم أنه يلزم بقول القائل (له عندي كذا درهم) مائة، وبقوله (كذا دراهم) ثلاثة، وبقوله: (كذا كذا درهما) أحد عشر، وبقوله (كذا درهما) عشرون، وبقوله (كذا وكذا درهما) أحد وعشرون، حملا على المحقق من نظائرهن من العدد الصريح. ووافقهم على هذه التفاصيل غير مسألتي الإضافة المبرد والأخفش وابن كيسان، والسيرافي وابن عصفور (٢). وقال بعض النحاة أن هذا خروج عن لغة العرب، لأنه لم يرد مميز (كذا) في كلامهم مجرورا (٣). وقد ترد كذا على غير هذا الوجه، فقد تأتي كناية عن غير العدد، فقد تأتي كناية عن القول، وعن المكان، وعن الزمان، وغير ذلك، فمن ذلك أن يقال: قلت له كذا، (٤).وكقولهم: (أما بمكان كذا وكذا وجذ؟ )، ومنه الحديث: يقال للعبد يوم القيامة: أتذكر يوم كذا وكذا (٥). وقد ترد (كذا) على وجه آخر، وهو أن تكون كلمتين باقيتين على أصلهما من التشبيه والإشارة، نحو (هذا أمر خالدٍ، وكذا أمر علي) أي ومثله، ونحو قولهم (رأيت خالدًا كريما وكذا ومحمدًا) (٦).

стр. 730

حروف الجر وتسمى أيضًا حروف الإضافة، قالوا سميت بذلك؛ لأنها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء - أي توصلها إليها، ويسميها الكوفيون أيضًا حروف الصفات؛ لأنها تحدث صفة في الاسم كالظرفية (١) والبعضية والاستعلاء ونحوها من الصفات. قالوا إنما سميت حروف الجر؛ لأنها تجر معاني الأفعال إلى الأسماء، أي توصلها إليها (٢). والأظهر أنها سميت بذلك، لأن الأسماء تأتي بعدها مجرورة كما سميت حروف النصب والجزم لأن الأفعال تأتي بعدها منصوبة أو مجزومة (٣). ومعنى الجر هو جر الفك الأسفل إلى أسفل، إذ من المعلوم أن تسمية الحركات الضمة والفتحة، والكسرة، وتسمية حالاتها الإعرابية من رفع، ونصب، وجر، إنما هو قائم على أوصاف حركات الفم. فالضمة إنما سميت كذلك لأنها تكون بانضمام الشفتين، وسميت الحالة رفعا لأنك إذا ضممت الشفتين ارتفعتا. وأما الفتحة فسميت كذلك لأنها تحدث بفتح الفم، وسميت الحالة نصبًا، لأن الانتصاب هو القيام والوقوف، وبحصول هذه الحركة ينتصب الفم، أي يقف. وأما الجر فهو جر الفك الأسفل إلى أسفل، وتسمى الحركة كسرة. وأما السكون فهو عدم الحركة، فإذا قطعت الحركة كان الحرف ساكنا، وسميت الحالة الإعرابية جزمًا، لأن الجزم هو القطع لأنك بتسكينك الحرف تقطع الحركة عنه.

стр. 731

جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وإنما قيل لعلم الفاعل رفع، لأنك إذا ضممت الشفتين لإخراج هذه الحركة، ارتفعتا عن مكانهما، فالرفع من لوزام مثل هذا الضم وتوابعه .. وكذلك نصب الفم تابع لفتحه، كأن الفم كان شيئا ساقطًا فنصبته، أي أقمته بفتحك إياه، فسمى حركة البناء فتحا وحركة الإعراب نصبًا. وأما جر الفك الأسفل إلى أسف وخفضه، فهو ككسر الشيء، إذ المكسور يسقط ويهوي إلى أسفل فسمى حركة الإعراب جرًا، أو خفضًا وحركة البناء كسرًا .. ثم الجزم بمعنى القطع، والوقف والسكون بمعنى واحد، والحرف الجازم كالشيء القاطع للحركة أو الحرف فسمى الإعرابي جزمًا، والبنائي وقفًا أو سكونا" (١). فالجر إذن هو جر الفك الأسفل إلى أسفل وسميت حروف الجر كذلك، لأن الاسم يأتي بعدها مجرورًا، ويسميها الكوفيون حروف الخفض، وهي المعنى نفسه فإن هذا خفض الفك الأسفل. وعلى أية حال فهو اصطلاح ولا مشاحة في الإصطلاح. نيابة حروف الجر بعضها عن بعض ذهب جمهور الكوفيين إلى أن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، فقد تأتي (من) بمعني (على)، كقوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، وقد تأتي بمعنى (عن) كقوله تعالى: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا﴾ [ق: ٢٢]. وقد تأتي (الباء) بمعنى (عن) كقوله تعالى: ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ [المعارج: ١]، وقد تأتي بمعنى (من)، كقوله تعالى: ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦]. وقد تأتي (على) بمعنى (في)، كقوله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ [القصص: ١٥]، وقد تأتي بمعنى (عن) كقول الشاعر:

стр. 732

إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها إلى غير ذلك مما سيأتي بيانه. ومذهب جمهور البصريين أن حروف الجر لا ينوب بعضها عن بعض، إلا شذوذا أما قياسًا فلا. وما أوهم ذلك فهو مؤول، أما على التضمين، أو على المجاز، كما في قوله تعالى: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]، فإن الكوفيين ذهبوا إلى أن (في) بمعنى (على)، وذهب البصريون إلى أنه ليس بمعنى (على) ولكن شبه المصلوب لتمكنه من الجذع بالحال في الشيء فهو من باب المجاز. وأما عن شذوذ إنابة كلمة عن أخرى (١). قالو ولا تصح إنابة حرف عن حرف كما لا تنوب حروف النصب والجزم عن بعضها (٢). ثم لو كان ذلك قياسًا لصح أن تقول (سرت إلى زيد) وأنت تريد (معه) وأن تقول (زيد في الفرس) وأنت تريد عليه، وأن تقول (رويت الحديث بزيد) وأنت تريد عنه، ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش (٣). والحق أن الأصل في حروف الجر أن لا ينوب بعضها عن بعض، بل الأصل أن لكل حرف معناه واستعماله، ولكن قد يقترب معنيان أو أكثر من معاني الحروف، فتتعاور الحروف على هذا المعنى. وإيضاح ذلك أن حرف الجر في العربية قد يستعمل لأكثر من معنى، (من) مثلا تستعمل لابتداء الغاية، وللتبعيض، ولبيان الجنس، وللتعليل وغيرها.

стр. 733

و (الباء) تستعمل للالصاق، والاستعانة والتعويض والتعليل وغيرها. و(اللام) للملك والاستحقاق، ولانتهاء الغاية، والتعليل وغيرها، و (في) للظرفية والتعليل، وغير ذلك من المعاني. وقد تقترب المعاني من بعضها، أو يتوسع في استعمال المعنى، فيستعمل بعضها في معنى بعض، أو قريب منه، فمثلا قد يتوسع في معنى الالصاق بالباء، فيستعمل للظرفية فتقول: أقمت بالبلد وفي البلد، ولكن يبقى لكل حرف معناه واستعماله المتفرد به، ولا يتماثلان تمامًا. وقد يتسع المتكلم في كلامه العادي غير المتعمل، أو المقصود، فيوقع الحروف بعضها موقع بعض من دون قصد إلى معنى معين، أو اختلاف ما، فنحن نقول في الدارجة (رحت له) و (رحت عليه) وهو محض أداء معنى عام، لا يقصد المتكلم فرقا بين له، وعليه. ونقول في الدارجة (رحت عَ الشط) أي على الشط أي النهر، و (رحت للشط) ولا فرق بينهما في ذهن المتكلم سوى أداء المعنى العام. ونقول في الدارجة (جه علي وكلمني) ونقول (جاني) والمعنى جاء إلي، وجاءني، ولا يقصد المتكلم فرقا بين الاستعمالين. فالمتكلم غير المتعمل يتكلم غالبا بأقرب شيء إلى لسانه، مما يؤدي المعنى. فالحروف كما نرى في العامية قد ينوب بعضها عن بعض، في الاستعمال، فنستعمل (على) لانتهاء الغاية، وكذلك اللام و (إلى) بلا نظر إلى فرق في المعنى. ولا يصح أن نقول أنه لو كانت (على) تنوب عن (إلى) أو تستعمل بمعنى (إلى) لصحت نيابتها عنها دومًا، فنقول (وضعت الكتاب إلى الرف) بمعنى: على الرف، فإن اللغة العامية وإن كانت توقع الحروف، بعضها موقع بعض، أو تستعمل للمعنى الواحد أكثر من حرف واحد، لا توقع الحرف موقع الحرف الآخر باطراد، فإنه يبقى

стр. 734

لعلى استعمالها ولـ (إلى) استعمالها، وللام استعمالها الخاص بها، وهكذا بقية الحروف كما قلنا في (وضعت الكتاب ع الرف) ولا يقولون إلى الرف، وللرف. وهكذا شأن المتكلمين العرب الأوائل، فإن المتكلم غير المتعمل قد يوقع حرفا موقع حرف آخر في معنى ما، فيقول ذهبت له، وإليه، ومررت به، وعليه، كما نقول الآن في لغتنا الدارجة (مريت بيه) و (مريت عليه) بمعنى (مررت به) أو عليه، من دون نظر إلى معنى معين، أو إلى فرق معين بين التعبيرين. ومن هنا نرى استعمال الحرف لأكثر من معنى، وأداء المعنى الواحد بأكثر من حرف. والشاعر أيضا قد يضطره شعره فيستعمل هذا الاستعمال من دونما حرج، أو نظر إلى فرق بين استعمال حرف دون دون آخر فإن هذا سائغ دائر في بيئته. ثم إن النيابة قياسية عند المتكلم بها في معنى معين يتعاور عليه حرفان أو أكثر، لا في استعمال الحرف مكان آخر على وجه العموم. ومن هنا يتبين لنا أنه لا مكان للرد الذي رد به قسم من النحاة، أنه لو كان يستعمل الحرف مكان حرف آخر لصح أن يقال (سرت إلى زيد) وأنت تريد معه، وأن تقول (زيد في الفرس) وأنت تريد عليه، جاء في (الأصول): " واعلم أن العرب تتسع فيها فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربت المعاني، فمن ذلك (الباء) تقول: (فلان بمكة وفي مكة) وإنما جازا معًا لأنك إذا قلت: فلان بموضع كذا وكذا، فقد خبرت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع، وإذا قلت في موضع كذا فقد خبرت بـ (في) عن احتوائه إياه وإحاطته به. فإذا تقارب الحرفان، فإن هذا التقارب يصلح للمعاقبة وإذا تباين معناها لم يجز. ألا ترى أن رجلا لو قال مررت في زيد، أو كتبت إلى القلم، لم يكن هذا يلتبس به، فهذا حقيقة تعاقب حروف الخفض، فمتى لم يتقارب المعنى لم يجز" (١).

стр. 735

وجاء في (الخصائص) في (باب استعمال الحروف بعضها مكان بعض): " وذلك أنهم يقولون إن (إلى) تكون بمعنى (مع) ويحتجون لذلك بقول الله سبحانه: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [الصف: ١٤]، أي: مع الله، ويقولون إن (في) تكون بمعنى (على) يحتجون بقوله عز اسمه: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]، أي عليها .. وغير ذلك مما يوردونه. ولسنا ندفع أن يكون ذلك كما قالوا، لكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع على حسب الأحوال الداعية إليه والمسوغة له، فأما في كل موضع، وعلى كل حال فلا. ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلا، هكذا لا مقيدًا لزمك عليه أن تقول (سرت إلى زيد) وأنت تريد معه، وأن تقول: (زيد في الفرس) وأنت تريد عليه، و (زيد في عمرو) وأنت تريد عليه في العداوة، وأن تقول: (رويت الحديث بزيد) وأنت تريد عنه ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش" (١). فالأمر كما ذكره ابن جني وكما أوضحناه، ليس المقصود به النيابة المطلقة. وهذا كله في الكلام الفصيح. غير أن هذا بعض اختلاف في الكلام الذي يتعمله صاحبه، ويتفنن فيه، فإنه في الكلام الفني قد يختار المتكلم حرفا على حرف، أو لفظًا على لفظ، لأداء معنى معين، أو لدلالة معينة، وربما لم يستعمل الحرفين في معنى واحد، كما يستعمل المتحدثون في أمورهم اليومية، أو قد يكون المعنى الذي يستعمله في حرفٍ، مختلفا عن مشابهه الذي يستعل في حرف آخر، فالظرفية التي يستعملها بالباء تختلف عن الظرفية التي يستعملها بـ (في) والتعليل الذي يستعمله باللام، يختلف عن التعليل الذي يستعمله بالياء، وهكذا.

стр. 736

أو قد يخص الحرف باستعمال معين أو بدلالة معينة، مما استعملته اللغة وهذا واضح في الاستعمال القرآني، فقد يخص اللفظ باستعمال معين، فإنه مثلا خص لفظ (العيون) بالعيون الجارية (والأعين) خصها بمعنى الباصرة، أو بمعنى الرعاية، قال تعالى: ﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٤] وخص لفظ (الصوم)، بمعنى الصمت، و (الصيام) بالعبادة المعروفة وغير ذلك من الاختصاصات. وهذا الاستعمال الفني هو الذي يدفع اللغة إلى إمام فيجعلها أكثر دقة، وتخصصا، وغناء ونماء لا الاستعمال العامي الساذج غير المخصص ولا الدقيق. ونعود إلى نيابة الحروف، فنقول ما سبق أن قلناه: أن الأصل ألا نتوب حروف الجر بعضها عن بعض، بل إبقاؤها على أصل معناها ما أمكن، فإن لم يكن ذلك ففي الاتساع وعدم التكلف مندوحة، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " واعلم أنه إذا أمكن في كل حرف يتوهم خروجه عن أصله، وكونه بمعنى كلمة أخرى أو زيادته أن يبقى على أصل معناه الموضوع هو له، ويضمن فعله المعدي به معنى من المعاني، يستقيم به الكلام فهو الأولى بل الواجب" (١).

стр. 737

التضمين ذكرنا أنه قد ينوب حرفُ عن حرفٍ لأداء معنى معين، ولكن الأصل عدم النيابة بل إبقاء الحرف على أصل معناه. ولسنا نذهب مذهب من يجعل نيابة الحروف عن بعضها هي الأصل، وأن الحرف الواحد يقع بمعنى عدة حروف بصورة مطردة. فـ (من) مثلا تأتي عندهم بمعنى على، وبمعنى عن وبمعنى في، وبمعنى الباء، وبمعنى عند. و(الباء) تأتي بمعنى من، وبمعنى عن، وبمعنى علي، وبمعنى إلى، وبمعنى مع، و (إلى) تأتي بمعنى اللام، وفي ومن، وعند، وغير ذلك والصواب أن كثيرًا منه او أكثره خارج على التضمين. ومعنى (التضمين) إشراب لفظ معنى لفظ فيعطونه حكمه، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين كقولهم (سمع الله لمن حمده) أي استجاب فعدى (يسمع) باللام وإنما أصله أن يتعدي بنفسه مثل ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق﴾ [ق: ٤٢]، وكقول الفرزدق: كيف تراني قالبًا مجني ... قد قتل الله زيادًا عني أي صرفه عني بالقتل (١). وجاء في (حاشية السيد الجرجاني على الكشاف): " التضمين أن تقصد بلفظ فعل معناه الحقيقي ويلاحظ معه معنى فعل آخر يناسبه، ويدل عليه بذكر شيء من متعلقاته، كقوله (أحمد إليك فلانا) لاحظت فيه مع الحمد معنى الانهاء، ودللت عليهب ذكر صلته، أعني (إلى) أي أنهي حمده إليك.

стр. 738

وفائدة التضمين إعطاء مجموع المعنيين فالفعلان مقصودان معًا قصدًا وتبعًا" (١). وجاء في الكشاف في قوله تعالى: ﴿ولا تعد عيناك عنهم﴾ [الكهف: ٢٨]، " يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره .. وإنما عدي بـ (عن) لتضمن (عدا) معنى (نبا) و (علا) في قولك نبت عنه عينه، وعلت عنه عينه، إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم قلت: الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ، ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك ولا تقتحمهم عيناك مجاوزين إلى غيرهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، أي ولا تضموها إليها آكلين لها (٢). وجاء في (الخصائص): اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف، والآخر بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين، موقع صاحبه إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه وذلك كقول الله عز اسمه: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأنت لا تقول رفثت إلى المرأة، وإنما تقول رفثت بها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الافضاء وكنت تعدي أفضيت بـ (إلى) كقولك (أفضيت إلى المرأة) جئت بـ (إلى) مع الرفث، إيذانا وإشعارا إنه بمعناه" (٣). وجاء في (أمالي ابن الشجري) في قوله تعالى: ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]، أن الجاري على ألسنتهم ظفرت به وأظفرني الله به، ولكن جاء أظفركم عليهم محمولا على أظهركم عليهم (٤).

стр. 739

فللتضمين غرض بلاغي لطيف، وهو الجمع بين معنيين بأخصر أسلوب، وذلك بذكر فعل وذكر حرف جر يستعمل مع فعل آخر، فنكسب بذلك معنيين: معنى الفعل الأول ومعنى الفعل الثاني، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، فقد ذهب قوم إلى أن (من) ههنا بمعنى (على)، وهذا فيه نظر، فإن هناك فرقا في المعنى بين قولك (نصره منه) و (نصره عليه) فالصر عليه يعني التمكن منه والاستعلاء عليه والغلبة، قال تعالى: ﴿ويخزهم وينصركم عليهم﴾ [التوبة ١٤]، وقال: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي مكنا منهم، وليس هذا معنى نصره منه. أما (نصرناه منهم) فإنه بمعنى نجيناه منهم، أو منعناه منهم، قال تعالى: ﴿ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم﴾ [هود: ٣٠]، فليس المعنى من ينصرني على الله، بل من ينجيني ويمنعني منه؟ وقد تقول: ما الفرق بين قولنا ﴿ونجيناه من القوم﴾ وقولنا ﴿نصرناه من القوم﴾ والجواب أن النتيجة تتعلق بالناجي فقط، فعندما تقول ﴿نجيته منهم﴾ كان المعنى أنك خلصته منهم، ولم تذكر أنك تعرضت للآخرين بشيء، كما تقول (أنجيته من الغرق) ولا تقول (نصرته من الغرق)، لأن الغرق ليس شيئا ينتصف منه. أما النصر منه ففيه جانبان في الغالب: جانب الناجي، وجانب الذين نجي منهم، فعندما تقول (نصرته منهم) كان المعنى أنك نجيته وعاقبت أولئك، أو أخذت له حقه منهم. وهذه فائدة التضمين ففيه كسب معنيين في تعبير واحد معنى الفعل المذكور والفعل والمحذوف الذي ذكر شيء من متعلقاته. وللتضمين صور أخرى، فقد يضمن فعل متعد معني فعل لازم كقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]، فإن (خالف) فعل متعد يقال: (خالفت أمره) ولا يقال: (خالفت عن أمره)، ولكن ضمن معنى الابتعاد والخروج، والانحراف، كأنه قال: فليحذر الذين يبتعدون عن أمره، أو ينحرفون عن أمره.

стр. 740

وقد يضمن فعل لازم معنى فعل متعد، كقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٥]، لأن (عزم) فعل لازم، وقد ضمن معنى (ولا تنووا) (١). والعدول إلى طريقة ما في التعبير بأقصر طريق، ظاهرة من ظواهر العربية، من ذلك ما مر في المفعول المطلق من ذكر فعل وذكر مصدر فعل آخر، يلاقيه في الاشتقاق معه، كما في قوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ [المزمل: ٨]، فقد جمع معني: التبتل والتتيل، أي التدرج والكثرة في آن واحد، ومنه ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ [الأعراف: ٥٦]، فقد كسبنا باستعمال المصدر بدلا من اسم الفاعل معنى الحالية، والمفعول لأجله، والمفعولية المطلقة، بخلاف ما لو قال (أدعوه خائفين) فإنه ليس فيه إلا معنى الحالية، كما مر ذكر ذلك مفصلا. أما من حيث قياسية التضمين وعدمها، فأمثل ما نذكره في هذا الباب قرار المجمع اللغوي القاهرى في دور انعقاده الأول وهو: " التضمين أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدي فعل آخر، أو ما في معناه فيعطي حكمه في التعدية واللزوم. ومجمع اللغة العربية يرى أنه قياسي لا سماعي، بشروط ثلاثة: الأول: تحقيق المناسبة بين الفعلين. الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس. الثالث: ملاءمة التضمين للذوق العربي. ويوصي المجمع ألا يلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي (٢).
следующие страницы →