← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

أو قد يخص الحرف باستعمال معين أو بدلالة معينة، مما استعملته اللغة وهذا واضح في الاستعمال القرآني، فقد يخص اللفظ باستعمال معين، فإنه مثلا خص لفظ (العيون) بالعيون الجارية (والأعين) خصها بمعنى الباصرة، أو بمعنى الرعاية، قال تعالى: ﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٤] وخص لفظ (الصوم)، بمعنى الصمت، و (الصيام) بالعبادة المعروفة وغير ذلك من الاختصاصات. وهذا الاستعمال الفني هو الذي يدفع اللغة إلى إمام فيجعلها أكثر دقة، وتخصصا، وغناء ونماء لا الاستعمال العامي الساذج غير المخصص ولا الدقيق. ونعود إلى نيابة الحروف، فنقول ما سبق أن قلناه: أن الأصل ألا نتوب حروف الجر بعضها عن بعض، بل إبقاؤها على أصل معناها ما أمكن، فإن لم يكن ذلك ففي الاتساع وعدم التكلف مندوحة، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " واعلم أنه إذا أمكن في كل حرف يتوهم خروجه عن أصله، وكونه بمعنى كلمة أخرى أو زيادته أن يبقى على أصل معناه الموضوع هو له، ويضمن فعله المعدي به معنى من المعاني، يستقيم به الكلام فهو الأولى بل الواجب" (١).

стр. 737

التضمين ذكرنا أنه قد ينوب حرفُ عن حرفٍ لأداء معنى معين، ولكن الأصل عدم النيابة بل إبقاء الحرف على أصل معناه. ولسنا نذهب مذهب من يجعل نيابة الحروف عن بعضها هي الأصل، وأن الحرف الواحد يقع بمعنى عدة حروف بصورة مطردة. فـ (من) مثلا تأتي عندهم بمعنى على، وبمعنى عن وبمعنى في، وبمعنى الباء، وبمعنى عند. و(الباء) تأتي بمعنى من، وبمعنى عن، وبمعنى علي، وبمعنى إلى، وبمعنى مع، و (إلى) تأتي بمعنى اللام، وفي ومن، وعند، وغير ذلك والصواب أن كثيرًا منه او أكثره خارج على التضمين. ومعنى (التضمين) إشراب لفظ معنى لفظ فيعطونه حكمه، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين كقولهم (سمع الله لمن حمده) أي استجاب فعدى (يسمع) باللام وإنما أصله أن يتعدي بنفسه مثل ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق﴾ [ق: ٤٢]، وكقول الفرزدق: كيف تراني قالبًا مجني ... قد قتل الله زيادًا عني أي صرفه عني بالقتل (١). وجاء في (حاشية السيد الجرجاني على الكشاف): " التضمين أن تقصد بلفظ فعل معناه الحقيقي ويلاحظ معه معنى فعل آخر يناسبه، ويدل عليه بذكر شيء من متعلقاته، كقوله (أحمد إليك فلانا) لاحظت فيه مع الحمد معنى الانهاء، ودللت عليهب ذكر صلته، أعني (إلى) أي أنهي حمده إليك.

стр. 738

وفائدة التضمين إعطاء مجموع المعنيين فالفعلان مقصودان معًا قصدًا وتبعًا" (١). وجاء في الكشاف في قوله تعالى: ﴿ولا تعد عيناك عنهم﴾ [الكهف: ٢٨]، " يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره .. وإنما عدي بـ (عن) لتضمن (عدا) معنى (نبا) و (علا) في قولك نبت عنه عينه، وعلت عنه عينه، إذا اقتحمته ولم تعلق به. فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعل عيناك عنهم قلت: الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ، ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك ولا تقتحمهم عيناك مجاوزين إلى غيرهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ٢]، أي ولا تضموها إليها آكلين لها (٢). وجاء في (الخصائص): اعلم أن الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف، والآخر بآخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين، موقع صاحبه إيذانا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في معناه وذلك كقول الله عز اسمه: " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأنت لا تقول رفثت إلى المرأة، وإنما تقول رفثت بها، لكنه لما كان الرفث هنا في معنى الافضاء وكنت تعدي أفضيت بـ (إلى) كقولك (أفضيت إلى المرأة) جئت بـ (إلى) مع الرفث، إيذانا وإشعارا إنه بمعناه" (٣). وجاء في (أمالي ابن الشجري) في قوله تعالى: ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤]، أن الجاري على ألسنتهم ظفرت به وأظفرني الله به، ولكن جاء أظفركم عليهم محمولا على أظهركم عليهم (٤).

стр. 739

فللتضمين غرض بلاغي لطيف، وهو الجمع بين معنيين بأخصر أسلوب، وذلك بذكر فعل وذكر حرف جر يستعمل مع فعل آخر، فنكسب بذلك معنيين: معنى الفعل الأول ومعنى الفعل الثاني، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، فقد ذهب قوم إلى أن (من) ههنا بمعنى (على)، وهذا فيه نظر، فإن هناك فرقا في المعنى بين قولك (نصره منه) و (نصره عليه) فالصر عليه يعني التمكن منه والاستعلاء عليه والغلبة، قال تعالى: ﴿ويخزهم وينصركم عليهم﴾ [التوبة ١٤]، وقال: ﴿فانصرنا على القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أي مكنا منهم، وليس هذا معنى نصره منه. أما (نصرناه منهم) فإنه بمعنى نجيناه منهم، أو منعناه منهم، قال تعالى: ﴿ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم﴾ [هود: ٣٠]، فليس المعنى من ينصرني على الله، بل من ينجيني ويمنعني منه؟ وقد تقول: ما الفرق بين قولنا ﴿ونجيناه من القوم﴾ وقولنا ﴿نصرناه من القوم﴾ والجواب أن النتيجة تتعلق بالناجي فقط، فعندما تقول ﴿نجيته منهم﴾ كان المعنى أنك خلصته منهم، ولم تذكر أنك تعرضت للآخرين بشيء، كما تقول (أنجيته من الغرق) ولا تقول (نصرته من الغرق)، لأن الغرق ليس شيئا ينتصف منه. أما النصر منه ففيه جانبان في الغالب: جانب الناجي، وجانب الذين نجي منهم، فعندما تقول (نصرته منهم) كان المعنى أنك نجيته وعاقبت أولئك، أو أخذت له حقه منهم. وهذه فائدة التضمين ففيه كسب معنيين في تعبير واحد معنى الفعل المذكور والفعل والمحذوف الذي ذكر شيء من متعلقاته. وللتضمين صور أخرى، فقد يضمن فعل متعد معني فعل لازم كقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ [النور: ٦٣]، فإن (خالف) فعل متعد يقال: (خالفت أمره) ولا يقال: (خالفت عن أمره)، ولكن ضمن معنى الابتعاد والخروج، والانحراف، كأنه قال: فليحذر الذين يبتعدون عن أمره، أو ينحرفون عن أمره.

стр. 740

وقد يضمن فعل لازم معنى فعل متعد، كقوله تعالى: ﴿ولا تعزموا عقدة النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٥]، لأن (عزم) فعل لازم، وقد ضمن معنى (ولا تنووا) (١). والعدول إلى طريقة ما في التعبير بأقصر طريق، ظاهرة من ظواهر العربية، من ذلك ما مر في المفعول المطلق من ذكر فعل وذكر مصدر فعل آخر، يلاقيه في الاشتقاق معه، كما في قوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ [المزمل: ٨]، فقد جمع معني: التبتل والتتيل، أي التدرج والكثرة في آن واحد، ومنه ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ [الأعراف: ٥٦]، فقد كسبنا باستعمال المصدر بدلا من اسم الفاعل معنى الحالية، والمفعول لأجله، والمفعولية المطلقة، بخلاف ما لو قال (أدعوه خائفين) فإنه ليس فيه إلا معنى الحالية، كما مر ذكر ذلك مفصلا. أما من حيث قياسية التضمين وعدمها، فأمثل ما نذكره في هذا الباب قرار المجمع اللغوي القاهرى في دور انعقاده الأول وهو: " التضمين أن يؤدي فعل أو ما في معناه في التعبير مؤدي فعل آخر، أو ما في معناه فيعطي حكمه في التعدية واللزوم. ومجمع اللغة العربية يرى أنه قياسي لا سماعي، بشروط ثلاثة: الأول: تحقيق المناسبة بين الفعلين. الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر، ويؤمن معها اللبس. الثالث: ملاءمة التضمين للذوق العربي. ويوصي المجمع ألا يلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي (٢).

стр. 741

معاني حروف الجر إلى الأصل في (إلى) أن تكون لإنتهاء الغاية تقول: (جئت إليك) أي نهاية مجيئي إليك. قال تعالى: ﴿والأمر إليك﴾ [النمل: ٣٣]، أي منته إليك قال سيبويه: وأما إلى فمنتهى الابتداء الغاية تقول من كذا إلى كذا (١). وجاء في (المقتضب): " وأما إلى فإنما هي للمنتهى ألا ترى أنك تقول: ذهبت إلى زيد وسرت إلى عبد الله ووكلتك إلى الله" (٢). وإذا دلت قرينة على عدم دخول ما بعدها فيما قبلها، كقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإن الليل لا يدخل في الصيام، أو على الدخول كقولك (قرأت القرآن من أوله إلى آخره) فإنه آخر القرآن داخل في القراءة، وكقولك (صمت رمضان من أوله إلى آخره) فإن آخره داخل في الصيام فهو كذلك وإلا فإن الأكثر عدم دخول ما بعدها فيما قبلها، لأن الأكثر عدم الدخول فيما دلت عليه القرائن (٣). جاء في (شرح الرضي على الكافية): " والأكثر عدم دخول حدي الابتداء والانتهاء في المحدود، فإذا قلت: اشتريت من هذا الموضع إلى ذلك الموضع، فالموضوعات لا يدخلان ظاهرا في الشري، ويجوز دخولهما فيه مع القرينة" (٤). وذكر النحاة لها معاني ترجع في حقيقتها إلى معنى الانتهاء منها: المعية: وقد جعلوا منها قوله تعالى: ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [الصف: ١٤]

стр. 742

والتحقيق إنها بمعنى الانتهاء، أي من يضيف نصرته إياي إلى نصرة الله (١). تقول: (من ينصرني إلى خالد) أي من يضيف نصرته إلى نصرة خالد، وهي قريبة المعنى من (من) غير أنها تختلف عنها، فأنت تقول (من ينصرني مع خالد) وقد تريد بذلك من يضيف نصرته إلى نصرة خالد، أي أن يتصاحبا في نصرته، أو تريد أن خالدا مطلوب أن ينصر معك، والمعنى من ينصرني وخالدا، أي من ينصرني وينصر خالدا؟ ويحتمل قولك (من ينصرني إلى خالد) معنى آخر هو (من ينصرني حتى أصل إلى خالد) كما تقول: (من ينجيني إلى خالد)؟ و (من يمنعني إلى خالد)؟ إي ينتهي المنع إلى خالد. وعلى هذا يكون معنى الآية: من أنصاري حتى ننتهي إلى الله؟ وتحتمل معنى آخر هو (من أنصاري في دعوتي إلى الله) وذكر انها تكون بمعنى (في) وجعلوا منه قوله: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب. أي في الناس. قيل والأولى أن تكون على بابها على تضمين معنى مبغض إلى الناس. قيل: ولو صح مجيء (إلى) بمعنى (في) لجاز (زيد إلى الكوفة (٢).) بمعنى في الكوفة. وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " والوجه أنها بمعناها وذلك لأن معنى (مطلي به القار أجرب) مكره مبغض، والتكريه يعدي بـ (إلى). قال تعالى: ﴿وكره إليكم الكفر﴾ [الحجرات: ٧]، حملا على التحبيب المضمن معنى الإمالة، قال تعالى: ﴿حبب إليكم الإيمان﴾ [الحجرات: ٧] (٣).

стр. 743

وهو أولى من الرأي الأول، فإن هناك فرقًا بين قولك: كأنني في الناس مطلي به القار أجرب)، وقولك (كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب) فـ (في) لا تدل إلا على أنه بينهم على هذه الحال، أما الثانية فمعناها أنني أبدو إليهم كأنني كذلك، وينظرون إلى كأنني كذلك، ففيها معنى النفرة. فأنت تقول (هي فيهن فحمة) بمعنى أنها بينهن كالفحمة وليس فيه أنهن يبغضنها، فإذا قلت: (هي إليهن فحمة) كان المعنى أنها تبدو لهن كالفحمة، أي يرينها غير جميلة، أو بمعنى أنها بالنسبة إليهن كالفحمة، أي إذا قيست إليهن كانت كالفحمة، وكذلك قولك (هي إليه شمس) أي تبدو إليه كذلك أي يراها جميلة أو على معنى أنها إذا قيست إليه كانت كالشمس. قيل وقد تأتي بمعنى (من) كقوله: تقول وقد عاليت بالكور فوقها ... أيسقي فلا يروى لي ابن أحمرا أي مني (١). وقيل بل المعنى (فلا يروى طوؤه إليّ) (٢). أي يبقى ظامئا إليها فلا يروى، وهو أولى وذلك أنك تقول (هو لا يروى من هذا الماء) أي أنه لا يرويه بمعنى أنه مهما شرب منه فلا يزال غير مرتو. أما قولك (ولا يروى إلى هذا الماء) ففيه معنى الشوق إليه، تقول (هو لا يروي من ماء البحر) بمعنى أن ماء البحر لا يروى الظمآن، وأنه كلما شرب منه إزداد ظمأ وطلبا للماء، ولا تقول (هو لا يروى إلى ماء البحر) لأن المعنى عند ذاك يكون: هو لهِفٌ إلى هذا الماء متشوق إليه، لا ينقطع ظمؤه إليه ولا لهفته له. وأصل المعنى هو الانتهاء، تقول (ملت إليه) و (ملت منه) ففي الأول يكون المعنى نهاية الميل إليه أي أحببته، وتقول (ملت إلى هذا المكان) أي عرجت عليه. أما (ملت منه) فمعناه أن مبتدأ الميل كان منه، وملت عنه أي انحرفت عنه

стр. 744

وتقول (ظمئت إليه) أي كان الظمأ منتهيا إليه بمعنى أردته. وتقول: (لا أظمأ إليه) أي أريده و (لا أظمأ منه) أي يأتي منه ظمأ إلي كما تقول: أنا لا أظمأ من الطعام الملح، ولا أظمأ من السمك، أي لا يكون سببا في ظمئي وهكذا بقية معاني هذا الحرف، فإنها لا تكون تخرج عن معنى الانتهاء والأولى كما ذكرنا إبقاء الحرف على اصل معناه ما أمكن. الباء معنى الباء الرئيس هو الالصاق، وما ذكر لها من معاني أخرى تحمل هذا المعنى، قال سيبويه: " وباء الجر إنما هي للالزاق والاختلاط، وذلك قولك خرجت بزيد ودخلت به وضربته بالسوط، ألزقت ضربك إياه بالسوط. فما اتسع من هذا في الكلام فهذا أصله (١). قيل: ولا يفارقها هذا المعنى (٢). والالصاق حقيقي ومجازي، فمن الالصاق الحقيقي. قولك (أمسكت بمحمد) " إذا قبضت على شيء من جسمه، أو على ما يحبسه من يد، أو ثوب، أو نحوه. ولو قلت (أمسكته) احتمل ذلك، وأن تكون منعته من التصرف (٣). ومنه قولك تعلقت به، وتشبثت به، والتصقت به. ومن الالصاق المجازي قولك (بخل به) أي إلتصق بخله به، وتعلق به إذا كان التعلق معنويا، ورأفت به أي ألتصقت رأفتك به

стр. 745

ومن التوسع في الالصاق قولك (مررت به) بمعنى الصقت مروري بمكان يقرب منه (١). وليس على معنى انك الصقت نفسك به في مرورك، قال تعالى: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾ [المطففين: ٣٠]، أي قريبًا منهم. ومن معانيها الاستعانة، نحو قطعت بالسكين وكتبت القلم (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿واستعيوا بالصبر والصلاة﴾ [البقرة: ٤٥]، وفيها معنى الالصاق كما هو بين. ومنها المصاحبة، ، كقوله تعالى: ﴿دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾ [المائدة: ٦١]، واشترى الدار بآلاتها، وفيها معنى الالصاق والاختلاط ومن قوله تعالى: ﴿اهبط بسلام﴾ [هود: ٤٨] (٣). قالوا وللتعدية نحو ذهبت به، ودخلت به، وخرجت به، قالوا هي في معنى أذهبته وأدخلته، وأخرجته (٤). وذهب قوم إلى أن بين التعديتين فرقا فإنك إذا قلت (ذهبت بزيد) كنت مصاحبا له في الذهاب (٥). جاء في الكشاف: " فإن قلت: أي فرق بين تعدية (ذهب) بالباء وبينها بالهمزة؟ قلت: إذا عدي بالباء فمعناه الأخذ والاستصحاب، كقوله تعالى: ﴿فلما ذهبوا به﴾ [يوسف: ١٥]، وأما الأذهاب فكا لإزالة" (٦).

стр. 746

وهو الصواب فيما نرى، فإنك إذا قلت (أدخلت محمدا على الأمير) جاز أنك دخلت معه وجاز أنك لم تدخل معه، وأما قولك: (دخلت به) ففيها معنى المصاحبة، ومنه قول الأستاذ (أدخلت الطالب الصف) أو (أخرجته منه) فهو يحتمل الدخول معه، وعدم الدخول، وأما قولك (دخلت به) و (خرجت به)، فليس فيه إلا معنى المصاحبة. ومنها الظرفية (١). كقوله تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد﴾ [البلد: ١ - ٢]، وقوله: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى﴾ [الأنفال: ٤٢]، وقوله: ﴿ومن هو مستخف بالليل وسارب النهار﴾ [الرعد: ١٠]، وقوله: ﴿إنك بالواد المقدس طوى﴾ [طه: ١٢]، وقوله: ﴿نجيناهم بسحر﴾ [القمر: ٣٤]. وفيها معنى الالصاق كما سنوضح ذلك في الفرق بين ظرفيه الباء وظرفيه (في). ومنها المقابلة، والعوض، كقوله تعالى: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾ [البقرة: ٦١]، ونحو (اشتريته به) و (بدلته به)، وقوله تعالى: ﴿اشتروا الحياة الدينا بالآخرة﴾ [البقرة: ٨٦]، واشتريته بألف (٢). وتكون الباء مع الذاهب، وفيها معنى الالصاق كأن الذي هو خير كان معهم فأخذوا مكانه الذي هو أدنى، ونحوه قولك (اشتريته بمائة) فالثمن كان معك فدفعته وأخذت بدله ما اشتريته، وقوله تعالى: ﴿اشتروا الحياة الدينا بالآخرة﴾ [البقرة: ٨٦]، فكان الآخرة كانت معهم قريبة منهم، وفي متناول أيديهم، ولكن أعطوها واشتروا بها الدنيا، وفيها كلها معنى الالصاق واضح. ومنها البدل كقوله: فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنوا الإغارة فرسانًا وركبانا

стр. 747

وقوله ﷺ : ما يسرني بها حمر النعم " أي بدلها (١). وهو قريب من المعنى السابق. ومنها السببية، كقوله تعالى: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ [البقرة: ٥٤] (٢).، وقوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾ [المائدة: ١٣]، وسنبحث معنى السببية بالباء واللام وغيرهما في مكان لاحق من هذا الباب. قالوا ومن معانيها المجاوزة، كـ (عن) وجعلوا منه قوله: ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ [المعارج: ١]، بدليل قوله تعالى: ﴿يسئلون عن أنبائكم﴾ [الأحزاب: ٢٠]، قوله: ﴿الرحمن فسئل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]. جاء في (المخصص): " فمهما رأيت الباء بعدما سألت، أو ساءلت، أو ما تصرف منهما فاعلم أنها موضوعة موضع عن (٣). وجعلوا منه في غير السؤال قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾ [الحديد: ١٢]، وقوله: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾ [الفرقان: ٢٥] (٤). وأنكر البصريون هذا المعنى. أما ما قاله صاحب المخصص من أن كل باء بعد سأل وما تصرف منه بمعنى (عن) ففيه نظر، فقوله تعالى: ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ [المعارج: ١]، ليس بمعنى عن عذاب، فهناك فرق بين سأل به وسأل عنه، ولا مجال للاستدلال بقوله تعالى: ﴿يسئلون عن أنبائكم﴾ [الأحزاب: ٢٠] و ﴿يسئلونك عن الساعة﴾ [النازعات: ٤٢]، ونحو ذلك فإن المعنى مختلف.

стр. 748

فإن السائل في قوله تعالى: ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ لم يأل عن العذاب وموعده كما سأل عن الساعة وعن الأنباء، وسبب نزول الآية أن النضر بن الحارث قال: ﴿إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ [الأنفال: ٣٢] (١). فأنزل الله تعالى: ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾ أي دعا بالعذاب لنفسه، وطلبه لها، ولم يسأل عن العذاب وموعده، فـ (سأل به) معناه (دعا به وطلبه) جاء في (الكشاف) في هذه الأية: " ضمن (سأل) معنى (دعا) فعدي تعديته كأنه قيل دعا داع بعذاب واقع من قولك: دعا بكذا إذا استدعاه وطلبه، ومنه قوله تعالى: ﴿يدعون فيها بكل فاكهة﴾ [الدخان: ٥٥] (٢). وأما سأل عنه فمعناه بحث عنه، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿الرحمن فسئل به خبيرا﴾ [الفرقان: ٥٩]، " فسأل به كقوله اهتم به واعتني به واشتغل به، وسأل عنه كقلك بحث عنه وفتش عنه ونقر عنه" (٣). وأما قوله تعالى: ﴿الرحمن فسئل به خبيرا﴾ فيحتمل ان المعنى فاسأل خبيرا به، أي سل " عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته أو فسل رجلا خبيرا به وبرحمته" (٤). وأما قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيدهم وبأيمانهم﴾ فليس على معنى المجاوزة والله أعلم لأن معنى (عن ايمانهم) مبتعد عن أيمانهم، وليس هناك دليل عليه في هذه الآية، بل الأقرب أن النور قريب من اليمين أو مختلط باليمين، لا مبتعد عنها، كما في قوله تعالى: ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ [طه: ١٧]. وأما قوله تعالى: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمم﴾ [الفرقان: ٢٥]، فليس على المجاوزة أيضا والله أعلم، فإن هناك فرقا بين قولك (انشقت التربة عن النبتة) و (انشقت التربة بالنبتة)

стр. 749

فمعنى الأول، أنها انكشفت عن النبتة، ومعنى الثاني أنها انشقت بسببها، قال تعالى: ﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعا﴾ [ق: ٤٤]، أي تنكشف عنهم فإنهم كانوا تحتها فتشق عنهم، وليس ذلك معنى (تشقق بهم) فأنت إذا قلت (تشقق بهم) فهو إما بسببهم، وأما أن تنشق وهم بها، تقول (أنشقت به الأرض)، و (انشقت عنه الأرض) فانشقت عنه إذا كان تحتها، وانشقت به إذا كان عليها، فقولك (تشقق السماء عن الغمام) معناه: أن الغمام كان داخلا في السماء، وكانت السماء تعطيه وتحجبه، كما تقول (انشقت عنه الأرض) وأما قولك (انشقت به السماء) فمعناه أن الغمام عليها وتتشقق بوجوده، كما تقول انشقت به الأرض، والمعنى - والله أعلم - أنها تشقق ممتلئة بالغمام، وذهب الزمخشري إلى أنها بمنزلتها في شققت السنام بالشفرة على ان الغمام جعل كالآلة التي يشق بها (١). والمعنى ما ذكرته والله أعلم. قالوا وتكون بمعنى على وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿من إن تأمنه بقنطار﴾ [آل عمران: ٧٥]، بدليل قوله تعالى: ﴿هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل﴾ [يوسف: ٦٤]، وقول الشاعر: أرب يبول الثعلبان برأسه. بدليل تمامه: لقد هان من بالت عليه الثعالب (٢). والحق أن المعنى مختلف، فقولك (امنته به) يختلف عن قولك (امنته عليه) فقولك (لا آمنه عليك)، معناه لا آمنه أن يحيف عليك أو يهجم عليك أو يتعدى عليك وما إلى ذلك ففيه معنى الاستعلاء والتسلط والعدوان.

стр. 750

وأما قولك (لا آمنه بدرهم) فمعناه لا آمنه من أن يتصرف به، أو يعبث به، لأن (على) تفيد الاستعلاء، و (الباء) تفيد الالصاق، والمعنى انه لا يلتصق أمنه بدرهم، بل ستفارقه أمانته ويتصرف به. فأمنه عليه تستعمل للهجوم والاعتداء، وأمنه به تستعمل للتصرف كما ذكرنا، تقول: لا آمن عليك الذئاب، ولا آمن غوائل الطريق، ولا تقول: لا آمن بك الذئاب. ولذلك - والله أعلم - استعمل القرآن (أمنه عليه) مع الأشخاص، و (أمنه به) مع الأمواللأ. فقال: ﴿قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف﴾ [يوسف: ١١]، وقال: ﴿هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل﴾ [يوسف: ٦٤]، وقال في الأموال: ﴿ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقناطر يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾ [آل عمران: ٧٥]، لأن في الأولى معنى العدوان، وفي الثانية معنى التصرف، وإن كان يجوز أن يقال (لا آمنه على هذا المال) بمعنى التسلط عليه والاستحواذ، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار، أي وثقت بك فيه، وقولك: (أمنت عليه) أي جعلتك أمينا عليه، وحافظًا له" (١). وأما البيت فإنه كما ذكرنا قد يوقع الشاعر حرفا موقع حرف آخرـ ومع ذلك فالمعنى محتمل المغايرة فقوله: (أرب يبول الثعلبان برأسه) كأنه جعل رأسه وعاء بال فيه. وقوله: (لقد هان من بالت عليه الثعالب) معناه: من علته الثعالب ببولها من فوق إلى أسفل فكسته إياه. قالوا وللتبعيض بمعنى (من) وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿عينا يشرب بها عباد الله﴾ [الإنسان: ٦] (٢).، أي منها، وقيل بل ضمن شرب معنى روي (٣).

стр. 751

وفيها معنى آخر، وهو أن الباء تفيد الالصاق، فقولك (يشربون بالعين) معناه أنهم يكونون بها، كما تقول (أقمنا بالعين وأكلنا وشربنا بها) أي هم قريبون من العين يشربون منها، بخلاف قولك (يشربون منها) فإنه ليس فيه نص على معنى القرب من العين، فقولك (اكلت من تفاح بستانك) لا يدل دلالة قاطعة على أنك كنت بالبستان، بل ربما حمل إليك. فقوله (يشرب بها) يدل على أنهم نازلون بالعين، يشربون منها، فهو يدل على القرب والشرب، فالتمتع حاصل بلذتي النظر والشراب بخلاف الأولى، جاء في (البرهان) أن " العين ههنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء نفسه نحو (نزلت بعين) فصار كقوله: مكانا يشرب به" (١). قالوا: وقد تأتي للغاية بمعنى إلى، نحو قوله تعالى: ﴿وقد أحسن بي﴾ [يوسف: ١٠٠]، قالوا: هي بمعنى إلي، وقيل بل ضمن (أحسن) معنى (لطف) أي لطف بي (٢). وثمة فرق بين أحسن إليه، وأحسن به، فإن معنى (أحسن إليه) قدم إليه إحسانا، أو صنع له إحسانا، أما (أحسن به) فمعناه وضع إحسانه به، ومن ذلك أنك تقول: أحسنت بهذا الأمر وأحسنت بعملك أي الصقت إحسانك بعملك ووضعته به، ولا تقول: أحسنت إلى عملك، ولا أحسنت إلى هذا الأمر إلا على معنى آخر، وهو أنك قدمت إليه إحسانا وهو معنى مجازي. فإن الإحسان في (أحسن به) ألصق إذ إن فيه معنى الرعاية واللطف، قال تعالى: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ [القصص: ٧٧]، وقال على لسان سيدنا يوسف ﵇: ﴿وقد أحسن بي﴾ [يوسف: ١٠٠]، ففي الثانية إحسان خاص يختلف عن الأول، فإن الآية الأولى في عموم الخلق، وإحسان الله إلى الخلق إحسان عام يشترك فيه سيدنا يوسف

стр. 752

وبقية الخلق، أما قوله: (وقد أحسن بي) فإن فيه إحسانا خالصا ألصق من الأول إذ أخرجه من السجن وبوأه مكانة عالية وجاء إليه بأهله وما إلى ذلك من العناية الربانية واللطف. وتأتي للقسم قال تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ [الواقعة: ٧٥]، وللقسم موضع خاص به نبحثه فيه بإذن الله. وتأتي للتجرد نحو قولهم (رأيت بمحمدٍ أسدًا) قالوا: أي برؤيته (١). جاء في (جواهر الأدب) أن الباء تأتي للتجريد وهي التي تثبت لمدخولها صفة عظيمة، أما مدخا أو ذما نحو (لقتي بزيد بحرا) وبعمرو أسدًا وبخالد سفيها، ومنه قوله: لقيت به يوم العريكة فارسا ... على أدهم كالليل صبحه الفجر كأن الباء تجرد مصحوبها عن غير هذه الصفة، مثبتة لها إياها كأنه منطبع، ومنجبل عليها أي ليست صفته إلا البحرية في الجود، والفروسية في الشجاعة " (٢). وفي (شرح الدماميني على المغنى): أن في باء التجريد قولين أحدهما أنها للسبية كما قال المصنف فجردت من زيد أسدًا مبالغة في كمال شجاعته، حيث بلغ أن ينتزع منه أسد .. والثاني أنها للظرفية، أي لقيت في زيد الأسد كذا قال الشيخ بهاء الدين السبكي قلت وقد عدوا مثل قوله: وشوهاء تعدو بي إلى صارخ الوغي ... بمستلئم مثل العتيق المرجل من التجريد والباء فيه للمصاحبة. (٣). وكونها للظرفية أظهر فيما يبدو لي، وذلك أن قولك (رأيت بخالد أسدًا) معناه حل به أسد، كما تقول حل بالمكان ونزل به، فقد جردت خالدًا من شخصه وجعلت بدله أسدًا، وهي على معنى الالصاق.

стр. 753

وتأتي زائدة وذكروا لها مواطن، ومن مواطن زيادتها، زيادتها في: فاعل فعل التعجب، نحو: أكرم بخالد، وهذه فيها خلاف، ومواطنها التعجب وستبحث في موطنها. ومنها زيادتها في فاعل (كفى) نحو: ﴿وكفي بالله شهيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، و ﴿وكفي بالله حسيبا﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وهذه الزيادة غالبة، قال الزجاج: " دخلت لتضمن كفى معنى اكتفن وهو من الحسن بمكان .. ويوجب قولهم: (كفى بهند) بترك التاء .. ولا تزاد في فاعل كفى التي بمعنى أجزأ، أو أغنى، ولا التي بمعنى وقى. والأولى متعدية لواحد كقوله: قليل منك يكفيني ولكن ... قليلك لا يقال له قليل والثانية متعدية لاثنين، كقوله تعالى: ﴿وكفي الله المؤمنين القتال﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة: ١٣٧] (١). وعلى هذا هي لا تزاد في فاعل كفى باطراد، فلا تزاد في نحو قولك (يكفيني قليل من الماء) ولا في نحو (كفاني محمد هذا الأمر) ولا نحو (كفاك علم محمد) وإنما تزاد لتضمن كفى معنى اكتف، كما قال الزجاج على معنى هو يكفيك عن غيره. واكثر ما يكون ذلك لدلالة على التعجب، نحو (كفي به فارسا)، و (كفى به شاعرًا) والتعجب قد يؤتي معه بالباء نحو: أكرم به ونحو: ناهيك به رجلا، بمعنى هو يكفيك عن غيره، وللمدح والذم نحو: (كفاك به رجلا) وفيه معنى التعجب، جاء في معاني القرآن للفراء: وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدح به صاحبه، ألا ترى أنك تقول: كفاك به، ونهاك به، وأكرم به رجلا وبئس به رجلا، ونعم به رجلا، وطاب بطعامك طعاما، وجاد بثوبك ثوبا، ولو لم يكن مدحا أو ذما لم يجز دخولها، ألا ترى أن الذي يقول: قام أخوك أو قعد أخوك لا يجوز له أن يقول:

стр. 754

قام بأخيك ولا قعد بأخيك إلا أن يريد قام به غيره وقعد به" (١). وزيدت في مفعول كفى للدلالة على هذه المعاني، نحو (كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع) أي ليكتف بهذا الاثم وكقول الشاعر: كفى بك داء أن ترى الموت شافيا ... وحسب المنايا أن يكون أمانيا ومن مواطن زيادتها زيادتها في المبتدأ، وذلك نحو (ناهيك بمحمد) فـ (محمد) مبتدأ والمعنى: ينهاك محمد على طلب غيره لما فيه من الكفاية. جاء في (حاشية التصريح): " قال الدنوشري: من المبتدأ المقرون بالحرف الزائد قولهم (ناهيك بزيد) فزيد مبتدأ مؤخر، وناهيك خبر مقدم، والمعنى أن زيدًا ناهيك عن غيره لما فيه من الكفاية (٢). وهذا المعنى قريب من المعنى السابق الذي ذكرناه في كفى قالوا: ومن زيادتها في المبتدأ، نحو قولهم: خرجت فإذا بمحمد، وهو المبتدأ الواقع بعد إذا الفجائية (٣). والحق أنها ليست زائدة، وليس دخولها كخروجها، فهناك فرق بين قولك (خرجت وإذا بمحمد) وقولك (خرجت وإذا محمد)، وقولك (خرجت وإذا بأخيك يركض) و (خرجت وإذا أخوك يركض). فإن أصل الجملة الأولى فيما ارى: خرجت وإذا أنا بمحمد، وخرجت وإذا أنا بأخيك يركض، فهي ليست زائدة، والخبر محذوف، وتقدير الكلام: وإذا أنا أُبصر بمحمد أو بأخيك، أو افجأ به، أو ملتق به ونحو ذلك.

стр. 755

وتقول: (خرجت وإذا بدوي عظيم) تقدير الكلام، وإذا أنا بدوي، والخبر محذوف وتقديره وإذا أنا افجأ بدوي، أو محس بدوي، ونحو ذلك. جاء في (التطور النحوي): " وقد يدخل على الاسم التالي لا ذا الباء نحو (بينما هو يسير إذا برهج) ومعنى الباء هنا يتضح من مثل (فلما توسطت الدرب، إذا أنا بصوت عظيم) أي أنا شاعر بصوت عظيم، غير أنه لا لزوم لتقدير ضمير في (إذا برهج) بل معناه إذا شعور برهج، فهي من أشباه الجملة أيضا، ليست جملة كاملة" (١). قالوا ومنها زيادتها في المبتدأ الواقع بعد (كيف)، نحو: كيف بك إذا كان كذا (٢). وعلى هذا يكون المعنى: كيف أنت؟ والحق أنها ليست زائدة أيضا، تقول: كيف بك إذا نجح الطلاب وأنت راسب؟ وتقدير الكلام: كيف تبصر بنفسك، وكيف تحس بنفسك، وكيف تشعر بنفسك، وكيف يبلغ بك الأمر، وما إلى ذلك من معان، ألا ترى أنه لا يحسن أن تقول: كيف بك؟ وتسكيت حتى تذكر أمرًا بعده، في حين تقول: كيف أنت؟ وتسكت. فالمعنى مختلف وهي ليست زائدة. جاء في (التطور النحوي): " ومن الروابط بين المبتدأ والخبر الباء، وهي تلحق بالخبر وأكثر ذلك عند النفي، نحو ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ [فصلت: ٤٦]، وقد تلحق بالمبتدأ نحو كيف به، أي كيف هو، غير أن بين الاثنين فرقا والتقدير الأقرب إلى معنى (كيف به) هو كيف به الحال، فيظهر أن (كيف به) ليست في الأصل بجملة إسمية كاملة مبتدؤها ضمير الغائب، بل هي من أشباه الجمل المذكورة آنفا (٣). ومنها زيادتها في الخبر المنفي، نحو (ما أخوك بحاضر)، و ﴿أليس الله بكاف عبده﴾ [الزمر: ٣٦]، وهي تفيد توكيد النفي، وقد مر ذكرها في (كان وأخواتها).

стр. 756

ومنها زيادتها في التوكيد بالنفس والعين (١).، تقول: أقبل محمد نفسه، وأقبل محمد بنفسه، ولها دلالة لا تظهر في الحذف تقول (أقبل الرجل نفسه)، و (أقبل الرجل نفسه) فقولك (أقبل الرجل نفسه) معناه أنه هو الذي جاء وليس غيره، وأما قولك (أقبل الرجل بنفسه) فهو - وإن كان فيه الدلالة على أنه هو الذي جاء - يحمل معنى آخر وهو أنه لم ينب أحدًا عنه وقد كان متوقعًا أن ينيب عنه أحد غلمانه مثلا، ففيه معنى الاهتمام والتعظيم للرجل. وتقول (فعليه رئيس النجارين بنفسه) على معنى أنه لم يكلف أحد صناعه، ففيه الدلالة على الاهتمام والتعظيم. وتقول (جاءني الأمير نفسه) و (جاءني الأمير بنفسه) وتقول (لا أفعله حتى يأتي سعيد بنفسه) وذلك إذا كان يندر حضوره، بأن تكون له منزلة ومكانة، أو لغير ذلك، أو لأن الأمر مهم يستدعي حضوره بنفسه. وعلى هذا فالباء يؤتى بها للاهتمام والتعظيم، فقولك (اشتريت السوار بنفسي) فيه الدلالة على تعظيمك الأمر والاهتمام به. ونستعمل معها في العامية تعبيرات أخرى تحمل الدلالة نفسها، فنقول مثلا: (لا أفعله حتى يأتي برجله) وفيها كلها معنى الاهتمام، وأحسبها في الفصيحة كذلك. وسيأتي في شأنها مزيد بحث في باب التوكيد إن شاء الله. ومنها زيادتها في المفعول، نحو قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقيل بل ضمن (تلقوا) معنى (تفضوا) وقيل: " المراد (ولا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم) فحذف المفعول به، والباء للآلة، كما في قولك (كتبت بالقلم)، أو المراد بسبب أيديكم، كما يقال لا تفسد أمرك برأيك (٢).

стр. 757

وكل ذلك أولى من جعلها زائدة. قيل: " وتزاد قياسًا في مفعول علمت، وعرفت وجهلت وسمعت، وتيقنت، وأحسست وقولهم (سمعت بزيد وعلمت به) أي بحال زيد على حذف المضاف (١). قيل ومنه قوله تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ [العلق: ١٤]، قالوا: الباء فيه زائدة لقوله تعالى ﴿ويعلمون أن الله هو الحق المبين﴾ [النور: ٢٥] (٢). والصواب أن هناك فرقا بين قولك علمته، وعلمت به، فقولك (علمته) معنى علمت الأمر بنفسه، أما (علمت به) فالمعنى علمت بحاله، فقوله تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾ لا يطابق (ألم يعلم أن الله يرى) فمعنى الثانية ألم يعلم رؤية الله، ومعنى الأولى ألم يعلم بهذا الأمر؟ ألم يخبر به؟ ألم يسمع بهذا الأمر سماع علم ونحو ذلك. جاء في (درة التنزيل) للخطيب الإسكافي في قوله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم بمن يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [الأنعام: ١١٧]، وقوله: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾ [القلم: ٧]. للسائل أن يسأل عن الفرق بين اللفظين وحذف الباء وإثباتها، وهل كان يصح اللفظ الذي ههنا، هناك، وإن الذي هناك هنا.؟ والجواب أن يقالأ: إن مكان كل واحد يقتضي ما وقع فيه، وبين اللفظين فرق في المعنى يوجب اختصاص اللفظ الذي جاء له، فقوله (إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله) معناه: الله يعلم أي المأمورين يضل عن سبيله، أزيد ام عمرو؟ وهذا المعنى يقتضي ما تقدم هذه الآية وما جاء بعدها مما تعلق بها، فالذي قبلها: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦]، أي: إن تطع الكفار يضلوك عن طاعة الله وعبادته. ثم أخبر أنه يعلم من الذي يغوونه ويضلونه، ومن الذي لا يتمكنون من إضلاله ..

стр. 758

وأما قوله: ﴿إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله﴾ فمعناه عني معنى ما في الآية الأولى أي: الله أعلم بأحوال من ضل كيف كان ابتداء ضلاله، وما يكون من مآله أيصر على باطله، أم يرجع عنه إلى حقه (١). وعلى هذا فهي ليست زائدة تؤدي معنى زئدا، فقولك (عرفت أخاك) يختلف عن قولك (عرفت بأخيك) فعرفت أخاك معناه عرفت شخصه أو حقيقته. و(عرفت بأخيك) معناه أنك عرفت حاله، كأن يكون هناك أمر حصل له من ربح أو خسارة أو مرض أو تقدم وما إلى ذلك، وليس معناه أنك عرفت شخصه. وكذلك قولك (سمعته) و (سمعت به) فقولك (سمعت خالدا) يتعلق بالمسموع من صوته وحركته، وأما (سمعت به) فمعناه أنك سمعت بحاله من تقدم وتأخر، أو كسب وخسارة أو هدى وضلال، وما إلى ذلك. وهكذا بقية ما يذكره النحاة، والأصل أنه أدى إذا الحرف معنى زائدًا لا يفهم من حذفه فليس زائدًا. التاء التاء حرف قسم وهو مختص بلفظ الله تعالى، ولا يكاد يذكر مع غيره إلا نادرًا، قال تعالى ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧]، وقال: ﴿تالله تفتؤا تذكر يوسف﴾ [يوسف: ٨٥]، وفيها معنى التعجب، جاء في (الكتاب): " والحلف توكيد وقد تقول تالله وفيها معنى التعجب" (٢). وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض﴾ [يوسف: ٧٣]، " تالله قسم فيه معنى التعجب، مما أضيف إليهم" (٣).

стр. 759

وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿وتالله لأكيدن أصنامكم﴾ [الأنبياء: ٥٧]: " إن التاء فيها زيادة معنى وهو التعجب كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده، وتأتيه، لأن ذلك كان امرًا مقنوطا منه لصعوبته وتعذره" (١). وللقسم موطن خاص يعالج فيه بإذن الله حتى حتى حرف غاية وتكون حرف جر، ومجرورها على ضربين: الضرب الأول: أن يكون مجرورها داخلا في حكم ما قبلها، أي يكون مشاركًا لما قبلها في الحك، كقولك (ضربت القوم حتى خالد) فخالد مضروب، وكقولك (قرأت القرآن حتى سورة الناس) فسورة الناس مقروءة، وهي هنا بمعنى العاطفة، ولذا يصح العطف بها فتقول (ضربت القوم حتى خالدًا) و (قرأت القرآن حتى سورة الناس) بالنصب. والضرب الثاني: أن لا يكون مجرورها داخلا في حكم ما قبلها، بل ينتهي الأمر عنده كأن تقول (صمت رمضان حتى يوم الفطر) فيوم الفطر ليس داخلا في الصوم، بل انتهى الأمر عنده، وهذا الضرب لا يجوز فيه العطف، فلا تقول (صمت رمضان حتى يوم الفطر) لأنه لم يشاركه في الحكم فكيف تعطفه عليه (٢). وأكثر ما يكون مجرورها مذكورا لتحقير أو تعظيم، أو قوة أضعف، فقولك مثلا (ضربت القوم حتى خالد) لابد فيه أن يكون خالد أرفعهم أو أوضعهم، وإلا فلا معنى لذكره، جاء في (الأصول) وإنما يذكر - يعني مجرورها - لتحقير أو تعظيم، أو قوة أو ضعف، وذلك قولك (ضربت القوم حتى زيد) فزيد من القوم وانتهى الضرب به، فهو مضروب مفعول، ولا يخلو أن يكون أحقر من ضربت، أو أعظمهم شأنا، وإلا فلا معنى لذكره (٣).

стр. 760

فإن لم يكن مجرورها كذلك، أي لا يفيد تعظيما أو تحقيرًا وجب كونه آخر الاجزاء حسا أو ملاقيًا له (١).، وذلك قولك (قرأت القرآن حتى سورة الناس) فسورة الناس آخر القرآن وهي آخر ما قرأ، و (صمت رمضان حتى يوم الفطر) يوم الفطر ملاق للآخر. وهي حرف غاية، إلا ان استعمالها في الغاية يختلف عن (إلى) فإن (إلى) أمكن (٢). في الغاية من (حتى) وأعم، وإيضاح ذلك أن (إلى) تستعمل لعموم الغايات، سواء كانت آخر جزء من الشيء أم لا، فتقول: (نمت إلى آخر الليل، ونمت إلى الصباح، ونمت إلى ثلث الليل، ونمت إلى منتصب الليل) وقرأت الكتاب إلى آخره، وقرأته إلى نصفه، وقراته إلى ثلثه). وأما (حتى) فلا تستعمل إلا لما كان آخرا أو متصلا به، فتقول: (نمت حتى آخر الليل) و (نمت حتى الصباح) لأن آخر الليل هو آخر جزء من الليل، والصباح ملاق لآخره، أي متصل بآخره، ولا يجوز أن تقلو (نمت حتى منتصف الليل) و (نمت حتى ثلثه) لأن منتصف الليل ليس آخر الليل وكذلك ثلثه. فـ (حتى) تستعمل غاية لآخر الأمر، ولفظها يوحي بهذا المعنى، فإن لفظها يبدو أنها من (الحت) ومعنى (الحت) الاستئصال والإزالة والخلوص إلى النهاية، أي الوصول إلى نهاية الأمر، جاء في (لسان العرب) الحت فركك الشيء اليابس عن الثوب ونحوه، يحته حتا فركه وقشره فانحت وتحات .. وفي الحديث أنه قال لامرأة سألته عن الدم يصيب ثوبها فقال: حتيه ولو بضلع، معناه حكيه وأزيليه .. والحت والقشر سواء .. قال شمر: (تركتهم حتا فتا بتا) إذا استأصلتهم .. وحت الله ما له حتا، أذهبه فأفقره على المثل .. وقال بعضهم: (حتى) (فَعْلَى) من الحتّ وهو الفراغ من الشيء، مثل (شتى) من الشت. قال الأزهري: وليس هذا القول مما يعرج عليه، لأنها لو كانت فعلى من الحت كانت الإمالة جائزة، ولكنها حرف أداة، وليست باسم ولا فعل.

стр. 761

وقال الجوهري: حتى فعلى (١). أما قول الأزهري أنها لو كانت (فَعلى) من الحث كانت الأمالة جائزة فهو مردود، فإن أمالتها محكية (٢).، ويمكن أن يقال إنها أخذت من الحت فجمدتـ، فكانت حرفا أو كالحرف فلا تمال، وواضح أن بين اللفظتين (حتى) والحت تقاربا لفظيا ومعنويا. ويترجح عندي أنها من لفظ الحث ثم جمدت، مثل على اصلها من لفظ العلو ثم جمدت. والاختلاف الآخر بين استعمال (إلى) و (حتى) في الغاية، أن (حتى) تفيد تقضي الفعل قبلها شيئا فشيئا إلى الغاية - وهذا معنى الحت - و (إلى) ليست كذلك ولذا يجوز أن تقول (كتبت إلى زيد) ولا يجوز أن تقول: (كتبت حتى زيد) (٣)، لأن الكتابة لا تنقضي شيئا فشيئا حتى تصل إلى زيد، ويقال: أنا إلى عمرو ولا يقال: أنا حتى عمرو، لما ذكرنا (٤). والاختلاف الآخر بينهما أن (حتى) لا يقابل بها ابتداء الغاية، يقال (سرت من البصرة حتى الكوفة) بل يقال: إلى الكوفة، قالوا: وذلك لضعف (حتى) في الغاية (٥). فـ (إلى) أوسع وأعم في استعمال الغاية من (حتى) ولذا تستعمل في عموم الغايات بخلاف (حتى). جاء في (كتاب سيبويه): ويقول الرجل: إنما أنا إليك، أي أنما أنت غايتي ولا تكون (حتى) ههنا فهذا أمر (إلى) وأصله وإن اتسعت. وهي أعم في الكلام من (حتى) تقول: (قمت إليه) فجعلته منتهاك من مكانك ولا تقول: حتاه (٦).

стр. 762

أما دخول ما بعدها في حكم ما قبلها فالأكثر فيه الدخول إلا إذا كانت هناك قرينة تدل على خلاف ذلك (١). فقولك (أكلت السمكة حتى رأسها) الرأس مأكول، وقولك (أنه ليصوم الأيام حتى يوم الفطر) يوم الفطر غير داخل في الصوم. رب ذهب سيبويه إلى أن (رب) بمعنى (كم) الخبرية، أي أنها تفيد التكثير، جاء في الكتاب، واعلم أن كم في الخبر بمنزلة اسم يتصرف في الكلام غير منون .. والمعنى معنى (رب) وذلك قولك (كم غلام لك قد ذهب) .. واعلم أن (كم) في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه (رب) لأن المعنى واحد، إلا أن (كم) اسم و (رب) غير اسم بمنزلة من (٢). وذهب أكثر النحاة إلى أنها حرف يفيد التقليل، جاء في (المقتضب): " ورب معناها الشيء يقع قليلا" (٣). وذهب آخرون إلى أنها تفيد التكثير كثيرا، والتقليل قليلا، جاء في المغنى: وليس معناها التقليل دائما خلافا للأكثرين، ولا التكثير دائما خلافا لابن درستويه وجماعة بل تردد للتكثير كثيرا، وللتقليل قليلا. فمن الأول ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢]، وفي الحديث (يارب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) .. ومن الثاني قول أبي طالب في النبي ﷺ :

стр. 763

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامي عصمة للأرامل (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): ووضع (رب) للتقليل، تقول في جواب من قال (ما لقيت رجلا): (رب رجل لقيت) أي لا تنكر لقائي للرجال بالمرة فإني لقيت منهم شيئا وإن كان قليلا .. هذا الذي ذكرنا من التقليل أصلها، ثم تستعمل في معنى التكثير، حتى صارت في معنى التكثير كالحقيقة، وفي التقليل كالمجاز المحتاج إلى القرينة، وذلك نحو قوله: رب هيضل جب لففت بهيضل وقوله: ماوي ياربتما غارة ... شعواء كاللذعة بالميسم (٢). ويبدو لي أنها لفظة وضعت اول ما وضعت للدلالة على الجماعة، قليلة كانت أو كثيرة، ثم كثر استعمالها في التقليل، بل في أقل القليل أيضا، وهو الواحد وقد تستعمل للتكثير ايضا، والذي يدل على ذلك لفظها، فهي كما يبدو لي مأخوذة من الربة والربة الفرقة من الناس، قيل هي عشرة آلاف ونحوها، والجمع ربب .. الربة وهي الجماعة (٣). ويتضح معناها من القرائن، فمن استعمالها في التكثير قوله ﷺ : (يارب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) وذلك لأن أهل الضلال أكثر من أهل الحق قال تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ [يوسف: ١٠٣]، وقال: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾ [الأنعام: ١١٦]، ومن استعمالها في الواحد قول الشاعر ألا رب مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان

стр. 764

والأول هو عيسى، والثاني هو آدم ﵉. ونظيرها في دلالة اللفظ الواحد على معنيين متقابلين (قد) الداخلة على المضارع فأصلها للدلالة على التقليل، كقولك (قد يشفي المريض) و (قد يصدق الكذوب) وقد تدل على التحقيق، كقوله تعالى: ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾ [الأحزاب: ١٨]، وقوله ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة: ١٤٤]، ويميز بينهما القرائن. قالوا وهي جواب لكلام ظاهر أو مقدر، فأنت لا تقول ابتداء (رب رجل أكرمت) وإنما هو رد على كلام قيل لك (ما أكرمت رجلا) أو قدرت ذلك، أي كأنه قيل لك ذلك، قال ابن السراج، والنحويون كالمجتمعين على أن (رب) جواب، إنما تقول (رب رجل عالم) لمن قال [ما] (١). رأيت رجلا عالما، أو قدرت ذلك فيه، فتقول (رب رجل عالم) تريد: رب رجل عالم قد رأيت .. وكذلك إذا قال (رب رجل جاءني فأكرمته وأكرمته) فههنا فعل أيضا محذوف، فكأنه قال له قائل، ما جاءك رجل فأكرمته وأكرمته، أي قد كنت فعلت ذاك .. فإذا قال: ما أحسنت إلي، قلت: رب إحسان قد تقدم إليك منى (٢). وليست كذلك دومًا فيما أرى، بل قد ترد لمجرد ذكر الأمر من غير رد أو تقدير رد، وذلك كقوله (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) ورب مبلغ أوعى من سامع، ورب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة، ورب هيجا هي خير من دعه. ويارب أم وطفل حين بينهما ... كما تفرق أرواح وأبدان

стр. 765

ربّه: قد تدخل العرب (ربّ) على ضمير الغيبة وتفسره بالتمييز، فتقول (ربه رجلا أكرمت). وهذا الضمير عند الجمهور لا يكون إلا مفردًا مذكرًا مفسرًا بتمييز مطابق للمعنى، فتقول (ربه رجلين أكرمت) و (ربه رجالا أكرمت) و (ربه امرأة أكرمت) و (ربه نساء أكرمت) قال الشاعر: ربه فتية دعوت إلى ما ... يورث المجد دائمًا فأجابوا وأجاز الكوفيون مطابقة الضمير للتمييز فتقول (ربه رجلا) و (ربهما رجلين) و (ربهم رجالا) و (ربها امرأة) و (ربهن نساء) وغير ذلك (١). قال ابن السراج: " من وحد فلأنه كناية عن مجهول، ومن لم يوحد فلأنه رد كلام، كأنه قال: مالك جوار؟ فقال: ربهن جوار قد ملكت" (٢). وهذا الضمير يؤتى عند إرادة التفخيم والتعظيم، فيضمرون قبل الذكر، قال ابن يعيش: " وهذا إنما يفعلونه عند إرادة تعظيم الأمر وتفخيمه، فيكنون عن الاسم قبل جري ذكره ثم يفسرونه بظاهر بعد البيان" (٣). وجاء في (الهمع): إن قولك (ربه رجلا) " بمنزلة رب رجل عظيم لا أقدر على وصفه" (٤). وجاء في (شرح الرضي على الكافية) أن هذا الضمير إنما يؤتي به في الأغلب "فيما فيه معنى المبالغة والتفخيم كمواضع التعجب نحو ياله رجلا، ويالها قصة، ويا لك ليلا .. ومن هذا الباب أي الذي فيه التفخيم (ربه رجلا لقيته) إذ هو جواب في التقدير لمن قال (ما لقيت رجلا) فكأنه قيل: لقيت رجلا وأي رجل ردًا عليه (٥).

стр. 766

ونحوه أن تقول: (ربه رجلا أنفذت) إذا كان الشخص الذي انقذته له مكانة كبيرة فانقاذ قائد الجيس في ساحة القتال مثلا أكبر من إنقاذ جندي، ففي الحالة الأولى تقول (ربه أنقذت)، وفي الثانية تقول: (رب رجل أنقذت). أو تكون الحالة التي أنقذته فيها تستدعي مثلا هذا التفخيم، فإنك إذا كنت في برية مثلا ومعك من الماء والزاد ما يكفي ورأيت رجلا يقتله الظمأ فسقيته مما عندك من الماء، فإنك أنقذته ولا شك. وإذا مررت بدار تحيط بها النار من جوانبها وسمعت أصوات استغاثة في داخلها والناس وقوف لا يعرفون ما يصنعون، ثم أنت اقتحمت النار وأخرجت من فيها، فهذا انقاذ أيضا ن ولكن هناك فرق بين الإنقاذين، فإن في الثانية مجازفة بحياتك ما ليس في الأولى فتقول في الحالة الأولى (رب رجل أنقذت) وتقول في الثانية: (ربه رجلا أنقذت) وهكذا. حذفها: يذكر النحاة أن (رب) تحذف بعد الواو، والفاء وبل، وحذفها بعد الواو أكثر كقوله: وليلٍ كموج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلي وبعد الفاء أقل نحو: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائم محول وبعد بل أقل نحو: بل بلد ملء الفجاج قتمه ... لا يشترى كتانه وجهرمه وبغير ذلك نادر نحو: رسم دار وقفت في طلله ... كدت أقضي الحياة من جلله

стр. 767

وعند البصريين أن الواو للعطف، والجر بـ (رب) محذوفة لا بالواو، قال سيبويه: وحذفوه - يعني حرف الجر - تخفيفا وهم ينوونه كما حذف (رب) في قوله: وجداء ما يرجى بها ذو قرابة ... لعطف وما يخشى السماة ريببها إنما يريدون رب جداء (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وأما الواو فللعطف أيضا عند سيبويه وليس بجارة، فإن لم تكن في أول القصيدة والرجز كقوله: وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل فكونها للعطف ظاهر، وإن كانت في أولهما كقوله: وقاتم الأعمال خاوي المخترق فإنه يقدر معطوفا عليه كأنه قال: " رب هول أقدمت عليه وقاتم الأعمال" وعند الكوفيين والمبرد أنها كات حرف عطف، ثم صارت قائمة مقام (رب) جارة بنفسها لصيرورتها بمعنى رب .. ولو كانت للعطف لجاز إظهار (رب) بعدها، كما جاز بعد الفاء وبل، فهذه الواو عندهم كانت حرف عطف قياسا على الفاء، وبل، ولكنها صارت بمعني رب فجرت كما تجر، ومع ذلك لا يجوز دخول حرف العطف عليها في وسط الكلام نحو ووليلة نحس، ولا فوليلة نحس اعتبارا لاصلها، بخلاف واو القسم فإنها لم تكن في الأصل واو العطف، فلذا جاز دخول واو العطف، والفاء وثم نحو والله، وفوالله وثم والله (٢). وجاء في (الأصول): " وقال بعض النحويين إن الواو التي تكون في النكرات ليست بخلاف من (رب) ولا (كم)، وإنما تكون مع حروف الاستفهام فتقول: وكم قد رأيت وكيف تكفرون، يدل على التعجب، ثم تسقط (كم) وتترك الواو ولا تدخل مع رب

стр. 768

ولو كانت خلفا من (كم) لجاز ان يدخل عليها النسق، كما فعل بواو اليمين، وهي عندي واو العطف وهذا أيضا مما يدل على أن رب جواب وعطف على كلام (١). والذي يبدو من استعمالها أنها لا تطابق (رب)، وأن الجر ليس بـ (رب) المحذوفة ولا هي عاطفة، بل هي حرف خاص له استعماله ويدل على ذلك أمور منها: ١ - انها لا يصح إبدالها بـ (رب) أو إظهار (رب) معها، فإنك تحس أن المعنى يختلف وذلك نحو قول الشاعر: ألا رب يوم لك منهن صالح ... ولا سيما يوم بدارة جلجل فلا يحسن أن يقال فيه (ويوم لك منهن صالح) وكذلك نحو قوله (رب مبلغ أوعى من سامع) وقوله (رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) و (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) و (رب أخ لك لم تلده أمك) و (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش) فأنت ترى أنه لا يصح إبدالها بـ (رب) فلا تقول: وكاسية في الدنيا عارية يوم القيامة، ولا وحامل فقه .. إلى آخره، ولو كانت بمعناها أو خلفا منها لصح إبدالها بها. ٢ - قد يراد بمجرور (رب) العموم، ولا يدل على شيء معين، وأما المجرور بعد الواو فلا بد فيه أن يكون مخصوصا، فقوله (رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) لا يدل على كاسية معينة، بل هو دال على العموم، وقوله: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) لا يراد به حامل فقه معين، وإنما يدل على العموم، ومثله: رب مبلغ أوعى من سامع، ورب أخ لك لم تلده أمك، بخلاف الواو فإنها تدل على أمر معين حصل، فقوله: ودار نداي عطلوها وأدلجوا، الكلام فيه على دار معينة.

стр. 769

وقوله: (وصدر أراح الليل عازب همه) يعني فيه صدره. وقوله: (وأطلس عسال وما كان صاحبا) يصف به ذئبا معينا. وقوله: (وبيضة خدر لا يرام خباؤها) يريد به امرأة معينة. فأنت تذكر مع الواو أمرًا معينا بخلاف (رب) التي قد يراد بها العموم ولو صح في النثر أن تقول (ومبلغ أوعى من سامع) (١). كما قيل: (رب مبلغ أوعى من سامع) لكان المعنى أنك تقصد مبلغا معيا والكلام لم يتم بعد. ولو صح القول وكاسية في الدنيا عارية يوم القيامة، لكان المعنى أنك تقصد به امرأة معينة بخلاف (رب)، وكذلك لو صح أن تقول (وأخ لك لم تلده أمك) لكنت تقصد به شخصا معينا، ثم تحس أن الكلام لم يتم بعد، فكأن المعنى بالواو: أخبرك عن دار، وأخبرك عن أطلس عسال، وأذكر لك كذا. ولقد لمح هذا المعنى برجشتراسر فقال: " والواو قد تعمل الجر أيضا وهي واو (رب) نحو: : وكأس شربت أي رب كأس شربت. غير أن معناها ليس معنى رب في كثير من الحالات، نحو: وتاجر فاجر جاء الاله به، أي أعرف تاجرا فاجرا أو أذكره. وأصل هذه الواو غامض جدًا (٢).

стр. 770

٣ - رب في الغالب تدل على التقليل، وقد يراد بها التكثير كما مر بنا، في حين أن الواو تدل على واحد، وحتى إذا كانت رب تفيد الواحد، يبقى المعنى مختلفا فقول الشاعر: ألا رب مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان لا يصح فيه إبدال الواو بها فنقول (ومولود ليس له أب) فنحن نحس أن الكلام غير تام ولا بد أن نذكر شيئا آخر يتعلق بهما. ٤ - ليس الكلام مع الواو ردا على كلام، ولا تقديرا له بل هو إخبار ابتدائي بخلاف (رب) فإن الكثير منها أن تكون ردا على كلام كما ذكرنا، فقوله: وأطلس عسال وما كان صاحبا ... دعوت بناري موهنا فأتاني اخبار ابتدائي وكذلك قوله: وصدر اراح الليل عازب همه ٥ - ثم إن هذه الواو ليست عاطفة، كما ذهب إليه البصريون، ولا أصلها عاطفة، كما ذهب إليه الكوفيون لأنها قد يبتدأ الشعر بها كقوله: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقوله: وليل كأن الصبح في إخرياته أما قولهم إنه يقدر معطوف عليه كأنه قال (رب هول أقدمت عليه وقاتم الاعماق) فهو تكلف، لأن الأمر يتعلق بذكر أمر معين وحده، وربما لم يقع قبله مثله، فمن المحتمل أنه لم يقع قبل الحادثة التي وصفها الشاعر بقوله: ودار ندامي عطلوها وأدلجوا

стр. 771

ما يصح عطفه عليها فالعطف تكلف ظاهر، ثم إنه لا يصح العطف على كلام مقدر ليس عليه دليل، فلا يصح أن تقول ابتداء (ولا أعود) على تقدير (سأسافر ولا أعود). وأما قول الرضي أنها إن لم تكن في أول القصيدة فكونها للعطف ظاهر، فليس الأمر فيه كذلك، بل قد يؤتى بها في أثناء القصيدة وليس هناك أثر للعطف كقوله: وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل فهذا ليس معطوفا على كلام سابق، وهو مما يؤيد ما ذهبنا إليه، ولو كانت لم تقع في أثناء القصيدة، إلا معطوفة على كلام فيه (رب) لكان لهم فيه حجة. أما قولهم أنها لو لم تكن عاطفة لجاز دخول حرف العطف عليها كواو القسم، فنحن نقول ووالله، وفوالله، وثم والله فهذا مردود، فإن ثمة أكثر من واو لا تدخل عليها حروف العطف، مع أنها ليست عاطفة، منها واو الاستئناف، كقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥]، وكقولك (بضاعتك رديئة وهي عليك مردودة) وواو الاعتراض كقوله: إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان. وواو المعية في نحو (سرت والجدار)، وواو الحال (نحو رأيتك وأنت مسرع) فهي إذن حرف خاص ذو دلالة معينة، يختلف عن حرف العطف، وعن (رب) وليس بمعنى واحد منهما كما ذكرنا. ٦ - قد يكون فيها معنى التعجب، والتفخيم، كما ذهب إليه قسم من النحويين كقوله: وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها وقوله: وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل إن هذه الواو تعطي الجملة معنى لا يؤدي بالحذف فلو حذفت الواو من قوله: وصدر أراح الليل عازب همه ... تداعي عليه الهم من كل جانب

стр. 772

وقلت: (صدر أراح عازب همه) لتغير المعنى، وصار الكلام مبهما عامًا غير مراد منه صدر معين، ويصبح الكلام لا فائدة فيه، وكذلك وقوله: (وأطلس عسال) وقوله: (وليلة نحس يصطلي القوس ربها) فلو قلت: (ليلة نحس يصطلي القوس ربها) لكان الكلا عاما، فالواو تؤدي معنى خاصا لا يؤدي بحذفها كما ذكرت. وأما الفاء، وبل، فالأظهر أن بعدهما (رب) محذوفة، ولذا يصح إظهار (رب) بعدهما (١).، والمعنى لا يتغير وذلك كقوله: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع فإنه يصح القول (رب مثلك حبلى قد طرقت موضع) وقد تكون الفاء هذه واقعة في جواب الشرط كقوله: وإن أهلك فذي حنق لظاه ... علي يكاد يلتهب التهابا والمعنى: فرب ذي حنق. وكذلك (بل) قال الرضي: " وأما الفاء وبل فلا خلاف عندهم أن الجر ليس بهما بل بـ (رب) المقدرة بعدهما، لأن (بل) حرف عطف بها على ما قبلها، والفاء جواب الشرط (٢)." يعني في البيت السابق. على على للاستعلاء، حقيقيا كان أم مجازيا، ولفظها يدل على ذلك، فهي من العلو، جاء في المقتضب، " على تكون حرف خفض على حد قولك: على زيد درهم، وتكون فعلا نحو قولك: (علا زيدٌ الدابة) و (على زيد ثوب) و (علا زيدًا ثوب) والمعنى قريب (٣).

стр. 773

فمن الاستعلاء الحقيقي قولك: (هو على الجبل) و (حمله على ظهره)، ومن الاستعلاء المجازي قولهم: (عليه دين) كأن الدين علاه وركبه، ولذا تقول العرب: ركبتني ديون " كأنه يحمل ثقل الدين على عنقه أو على ظهره، ومنه على قضاء الصلاة وعليه القصاص لأن الحقوق كأنه راكبة لمن تلزمه" (١). وتقول: (هو عليهم أمير) لاستعلائة عليهم من جهة الأمر (٢).، فإن أمره أعلى وأنقذ من امرهم. جاء في (كتاب سيبويه): " أما علي فاستعلاء الشيء تقول: هذا على ظهر الجبل وهي على رأسه .. وتقول عليه مال، وهذا كالمثل كما يثبت الشيء على المكان كذلك يثبت هذا عليه فقد يتسع هذا في الكلام ويجيء كالمثل (٣). قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤]، أي يتولون أمرهن، وفيه معنى الاستعلاء، فإن العرب تقول: (قام عليه) بمعنى تولى أمره، وتقول (قام به) بمعنى فعله. قال تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾ [النساء: ١٣٥]، وتقول (قام له) أي لأجله، قال تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط﴾ [المائدة: ٨]، وتقول (قام عنه) بمعنى إنصرف عنه، وتقول (قام إليه) بمعنى (قام ذاهبا إليه) ففي (على) معنى الاستعلاء. وتقول العرب (أنت على ضلال) و (أنت في ضلال) فمعنى (في ضلال) أنه ساقط في الضلال سقوطه في اللجة، أو أن الضلال احتواه احتواء الظرف على ما في داخله، ومعنى (على ضلال) أنه اتخذ الضلال مركبا يقوده إلى كل سوء. جاء في (تفسير الرازي) في قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ [البقرة: ٥]، " معنى الاستعلاء في قوله (على هدى) بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلي الشيء وركبه. ونظيره (فلان على الحق أو على الحق

стр. 774

أو على الباطل) وقد صرحوا به في قوله: جعل الغواية مركبا، وامتطى الجهل " (١). وتستعمل العرب (على) للأفعال الشاقة المستثقلة، قال ابن جني: " وقد يستعمل (على) في الأفعال الشاقة المستقلة، تقول: قد سرنا عشرا وبقيت علينا ليلتان، وقد حفظت القرآن وبقيت علي منه سورتان .. وإنما اطردت (على) في هذه الأفعال حيث كانت على في الأصل للاستعلاء، والتفرع، فلما كانت هذه الأحوال كلفا ومشاق تخفض الإنسان وتضعه وتعلوه وتتفرعه، حتى يخنع لها ويخضع لها يتسداه، كان ذلك من مواضع (علي)، ألا تراهم يقولون: هذا لك وهذا عليك، فتستعمل الام تؤثره (على) فيما تكرهه" (٢). قالوا: وقد تأتي لمعانٍ أخرى، منها: المصحابة كـ (مع) نحو قوله تعالى: ﴿وآتي المال على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي مع حب المال، ونحو (فلان على جلالته يقول كذا) أي معها (٣). والظاهر أنها للاستعلاء وليست بمعنى (مع) تمامًا، فقوله (على حبه) قد يفيد أنه مستعل على حبه أو أنه يؤتى المال مع إنطواء قلبه على حبه، فحب المال في القلب، والقلب منطو عليه وهي حالة تختلف عن المصاحبة، فانطواء القلب على الشيء أنشد من مصاحبته له. ونقول (هو ينفق على شحه)، و (هو ينفق مع شحه) والمعنى مختلف، فمعنى (على شحه) قد يفيد أنه مستعل على شحه، أو على معنى أنه ينفق مع إنطواء قلبه على الشح وهو غير المصاحبة. وأما قولهم (هو على جلالته) فمعناه: أنه يلزمها لزوم الراكب لمركوبه من قولهم: ركبته الديون أي لزمته" (٤).

стр. 775

والمجاوزة كعن كقوله: إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها. " أي عني. ويحتمل أن (رضي) ضمن معنى (عطف) .. وقال: في ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكي علينا إلا كواكبها أي عنا وقد يقال ضمن يحكي معنى ينم (١). قالوا ومن استعمالها في المجاوزة أنها " تختص بتعدية بعد، وخفي، وتعذر، واستحال، وغضب ورضي وحرم ونحوها، قال في الاغراب لذلك اشتركت هي وعن في تعدية كثير من هذا الباب" (٢). والحق أنها تختلف في ذلك عن (عن) فقولك (بعد عنه) يختلف عن قولك (بعد عليه) فقولك (بعد خالد عنا) معناه أنه ابتعد بشخصه عنا، وأما (بعد عليه) ففيه معنى المشقة عليه. قال تعالى: ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ [التوبة: ٤٢]، فقد يكون الشيء بعيدًا عنك وليس بعيدا عليك، وتقول (بعدت على الطريق) بمعنى أنه من الصعوبة أن يصل إليه كما تقول: عسر عليه، وصعب عليه، فهو من الأفعال الشاقة التي أشار إليها ابن جني. وتقول: ليس عليك ببعيد أن تفعل كذا، وليس على الله ببعيد أن يغير الأمور، ولا تقول في نحو هذا بعيد عنه. وكذلك خفي عليه وخفي عنه، فخفي عنه يستعمل في الأمور المادية، قال الشاعر: وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب
следующие страницы →