ما يصح عطفه عليها فالعطف تكلف ظاهر، ثم إنه لا يصح العطف على كلام مقدر ليس عليه دليل، فلا يصح أن تقول ابتداء (ولا أعود) على تقدير (سأسافر ولا أعود).
وأما قول الرضي أنها إن لم تكن في أول القصيدة فكونها للعطف ظاهر، فليس الأمر فيه كذلك، بل قد يؤتى بها في أثناء القصيدة وليس هناك أثر للعطف كقوله:
وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهو بها غير معجل
فهذا ليس معطوفا على كلام سابق، وهو مما يؤيد ما ذهبنا إليه، ولو كانت لم تقع في أثناء القصيدة، إلا معطوفة على كلام فيه (رب) لكان لهم فيه حجة.
أما قولهم أنها لو لم تكن عاطفة لجاز دخول حرف العطف عليها كواو القسم، فنحن نقول ووالله، وفوالله، وثم والله فهذا مردود، فإن ثمة أكثر من واو لا تدخل عليها حروف العطف، مع أنها ليست عاطفة، منها واو الاستئناف، كقوله تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥]، وكقولك (بضاعتك رديئة وهي عليك مردودة) وواو الاعتراض كقوله:
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان.
وواو المعية في نحو (سرت والجدار)، وواو الحال (نحو رأيتك وأنت مسرع) فهي إذن حرف خاص ذو دلالة معينة، يختلف عن حرف العطف، وعن (رب) وليس بمعنى واحد منهما كما ذكرنا.
٦ - قد يكون فيها معنى التعجب، والتفخيم، كما ذهب إليه قسم من النحويين كقوله:
وليل يقول الناس من ظلماته ... سواء صحيحات العيون وعورها
وقوله:
وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
إن هذه الواو تعطي الجملة معنى لا يؤدي بالحذف فلو حذفت الواو من قوله:
وصدر أراح الليل عازب همه ... تداعي عليه الهم من كل جانب
стр. 772
وقلت: (صدر أراح عازب همه) لتغير المعنى، وصار الكلام مبهما عامًا غير مراد منه صدر معين، ويصبح الكلام لا فائدة فيه، وكذلك وقوله: (وأطلس عسال) وقوله: (وليلة نحس يصطلي القوس ربها) فلو قلت: (ليلة نحس يصطلي القوس ربها) لكان الكلا عاما، فالواو تؤدي معنى خاصا لا يؤدي بحذفها كما ذكرت.
وأما الفاء، وبل، فالأظهر أن بعدهما (رب) محذوفة، ولذا يصح إظهار (رب) بعدهما (١).، والمعنى لا يتغير وذلك كقوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
فإنه يصح القول (رب مثلك حبلى قد طرقت موضع)
وقد تكون الفاء هذه واقعة في جواب الشرط كقوله:
وإن أهلك فذي حنق لظاه ... علي يكاد يلتهب التهابا
والمعنى: فرب ذي حنق.
وكذلك (بل) قال الرضي: " وأما الفاء وبل فلا خلاف عندهم أن الجر ليس بهما بل بـ (رب) المقدرة بعدهما، لأن (بل) حرف عطف بها على ما قبلها، والفاء جواب الشرط (٢)." يعني في البيت السابق.
على
على للاستعلاء، حقيقيا كان أم مجازيا، ولفظها يدل على ذلك، فهي من العلو، جاء في المقتضب، " على تكون حرف خفض على حد قولك: على زيد درهم، وتكون فعلا نحو قولك: (علا زيدٌ الدابة) و (على زيد ثوب) و (علا زيدًا ثوب) والمعنى قريب (٣).
стр. 773
فمن الاستعلاء الحقيقي قولك: (هو على الجبل) و (حمله على ظهره)، ومن الاستعلاء المجازي قولهم: (عليه دين) كأن الدين علاه وركبه، ولذا تقول العرب: ركبتني ديون " كأنه يحمل ثقل الدين على عنقه أو على ظهره، ومنه على قضاء الصلاة وعليه القصاص لأن الحقوق كأنه راكبة لمن تلزمه" (١).
وتقول: (هو عليهم أمير) لاستعلائة عليهم من جهة الأمر (٢).، فإن أمره أعلى وأنقذ من امرهم.
جاء في (كتاب سيبويه): " أما علي فاستعلاء الشيء تقول: هذا على ظهر الجبل وهي على رأسه .. وتقول عليه مال، وهذا كالمثل كما يثبت الشيء على المكان كذلك يثبت هذا عليه فقد يتسع هذا في الكلام ويجيء كالمثل (٣).
قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء: ٣٤]، أي يتولون أمرهن، وفيه معنى الاستعلاء، فإن العرب تقول: (قام عليه) بمعنى تولى أمره، وتقول (قام به) بمعنى فعله. قال تعالى: ﴿كونوا قوامين بالقسط﴾ [النساء: ١٣٥]، وتقول (قام له) أي لأجله، قال تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط﴾ [المائدة: ٨]، وتقول (قام عنه) بمعنى إنصرف عنه، وتقول (قام إليه) بمعنى (قام ذاهبا إليه) ففي (على) معنى الاستعلاء.
وتقول العرب (أنت على ضلال) و (أنت في ضلال) فمعنى (في ضلال) أنه ساقط في الضلال سقوطه في اللجة، أو أن الضلال احتواه احتواء الظرف على ما في داخله، ومعنى (على ضلال) أنه اتخذ الضلال مركبا يقوده إلى كل سوء.
جاء في (تفسير الرازي) في قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ [البقرة: ٥]، " معنى الاستعلاء في قوله (على هدى) بيان لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه حيث شبهت حالهم بحال من اعتلي الشيء وركبه. ونظيره (فلان على الحق أو على الحق
стр. 774
أو على الباطل) وقد صرحوا به في قوله: جعل الغواية مركبا، وامتطى الجهل " (١).
وتستعمل العرب (على) للأفعال الشاقة المستثقلة، قال ابن جني: " وقد يستعمل (على) في الأفعال الشاقة المستقلة، تقول: قد سرنا عشرا وبقيت علينا ليلتان، وقد حفظت القرآن وبقيت علي منه سورتان .. وإنما اطردت (على) في هذه الأفعال حيث كانت على في الأصل للاستعلاء، والتفرع، فلما كانت هذه الأحوال كلفا ومشاق تخفض الإنسان وتضعه وتعلوه وتتفرعه، حتى يخنع لها ويخضع لها يتسداه، كان ذلك من مواضع (علي)، ألا تراهم يقولون: هذا لك وهذا عليك، فتستعمل الام تؤثره (على) فيما تكرهه" (٢).
قالوا: وقد تأتي لمعانٍ أخرى، منها:
المصحابة كـ (مع) نحو قوله تعالى: ﴿وآتي المال على حبه﴾ [البقرة: ١٧٧]، أي مع حب المال، ونحو (فلان على جلالته يقول كذا) أي معها (٣).
والظاهر أنها للاستعلاء وليست بمعنى (مع) تمامًا، فقوله (على حبه) قد يفيد أنه مستعل على حبه أو أنه يؤتى المال مع إنطواء قلبه على حبه، فحب المال في القلب، والقلب منطو عليه وهي حالة تختلف عن المصاحبة، فانطواء القلب على الشيء أنشد من مصاحبته له.
ونقول (هو ينفق على شحه)، و (هو ينفق مع شحه) والمعنى مختلف، فمعنى (على شحه) قد يفيد أنه مستعل على شحه، أو على معنى أنه ينفق مع إنطواء قلبه على الشح وهو غير المصاحبة.
وأما قولهم (هو على جلالته) فمعناه: أنه يلزمها لزوم الراكب لمركوبه من قولهم: ركبته الديون أي لزمته" (٤).
стр. 775
والمجاوزة كعن كقوله:
إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها.
" أي عني. ويحتمل أن (رضي) ضمن معنى (عطف) .. وقال:
في ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكي علينا إلا كواكبها
أي عنا وقد يقال ضمن يحكي معنى ينم (١).
قالوا ومن استعمالها في المجاوزة أنها " تختص بتعدية بعد، وخفي، وتعذر، واستحال، وغضب ورضي وحرم ونحوها، قال في الاغراب لذلك اشتركت هي وعن في تعدية كثير من هذا الباب" (٢).
والحق أنها تختلف في ذلك عن (عن) فقولك (بعد عنه) يختلف عن قولك (بعد عليه) فقولك (بعد خالد عنا) معناه أنه ابتعد بشخصه عنا، وأما (بعد عليه) ففيه معنى المشقة عليه. قال تعالى: ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة﴾ [التوبة: ٤٢]، فقد يكون الشيء بعيدًا عنك وليس بعيدا عليك، وتقول (بعدت على الطريق) بمعنى أنه من الصعوبة أن يصل إليه كما تقول: عسر عليه، وصعب عليه، فهو من الأفعال الشاقة التي أشار إليها ابن جني.
وتقول: ليس عليك ببعيد أن تفعل كذا، وليس على الله ببعيد أن يغير الأمور، ولا تقول في نحو هذا بعيد عنه.
وكذلك خفي عليه وخفي عنه، فخفي عنه يستعمل في الأمور المادية، قال الشاعر:
وتلفتت عيني فمذ خفيت ... عني الطلول تلفت القلب
стр. 776
وتقول: خفيت عنا المدينة.
وأما (خفي عليه) فيستعمل في الأمور المعنوية، تقول (لا يخفي عليك هذا الأمر) بمعنى أنت مطلع عليه، قال تعالى: ﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾ [آل عمران: ٥]، أي لا يند عنه.
وقال: ﴿إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا﴾ [فصلت: ٤٠]، وأما تعذر عليه واستحال عليه فلما فيهما من معنى الكلفة والمشقة، أي: يشق عليه ويصعب.
وأما غضب عليه فليس فيه مجاوزة، بل معناه أنه أنزل غضبه عليه وأحل غضبه عليه، والعرب تقول: صب جام غضبه عليه. و (رضي عليه) بمعنى عطف عليه، أو بمعنى أحل عليه رضوانه، كما جاء في الأثر فاليوم أحل عليهم رضواني وأما رضي عنه فمعناه تجاوز عنه بالرضا.
وأما حرمه، عليه فلما فيه من معنى العهد والالتزام، كما تقول: علي عهد الله وعلي يمين الله، وفي الحديث القدسي (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا (١).) ثم إن فيه استعلاء، فإن الذي بيده التحريم مستعل لأنه بيده ذلك الأمر.
وللتعليل كـ (اللام) نحو ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: لهدايته إياكم (٢). وسنبحث التعليل في موطن لاحق.
وللظرفية كقوله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ [القصص: ١٥]، وقولهم: كان ذلك على عهد فلان، أي في عهده (٣)، وسنبحث ذلك في موطن لاحق.
ولموافقة (من)، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿إذا اكتالوا على الناس يستوفون﴾.
стр. 777
[المطففين: ٢] (١). وقيل بل هو متضمن معنى التسلط على الناس والتحكم، أي تسلطوا عليهم بالاكتيال (٢).
والظاهر أنه هو الصواب، لأن هناك فرقا بين قولك: اكتال منه، واكتال عليه، فاكتال منه لا يفيد أنه ظلمه حقه، وهضمه ماله، بخلاف اكتال عليه، فإن فيه معنى التسلط والاستعلاء وهذا في المطففين قال تعالى: ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ [المطففين: ١ - ٣]، فهم إذا أخذوا منهم، اخذوا أكثر من حقهم، وإذا أعطوهم أعطوهم أقل من حقهم، ففيه إذن معنى التحكم، والجور، والظلم، وهو أبلغ من (من) ها، وليست بمعنى (من) ولا تفيد (من) هذا المعنى.
ثم انظر إلى التعبير اللطيف الآخر بعده، وهو قوله: (وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) ولم يقل كالوا لهم أو وزنوا لهم، وكلاهما جائز، ولكن في حذف اللام معنى لا يؤديه ذكره قالوا، وذلك أن اللام تفيد الاستحقاق، وهم لم يعطوهم حقهم فحذف اللام الدالة على الاستحقاق إشارة إلى أنهم منعوهم حقوقهم.
وتأتي للاستدراك والاضراب كقولك: فلان لا يدخل الجنة لسوء صنيعه على أنه لا ييأس من رحمة الله .. وقوله:
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
ثم قال:
علي أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود (٣).
وتأتي اسما بمعنى فوق إذا دخلت عليها (من) كقولك سقط من على السطح
стр. 778
قال الشاعر:
غدت من عليه تنفض الطل بعدما ... رأت حاجب الشمس استوى فترفعا (١).
وليست هي بم عن ى (فوق) تمامًا وإنما هي قريبة من معناها، فأنت تقول: (سقطت الصورة من على الحائط) وليست هي فوق الحائط، وإنما هي معلقة عليه.
وتقول: سقط من عليه الثوب، والثوب ليس فوقه وإنما هو محتويه، فإن قلت سقط من فوقه احتمل أن يكون الثوب فوق رأسه فسقط واحتمل أن يكون في مكان أعلى من رأسه فسقط.
وتقول: أمررت يدي فوق المنضدة، ولا يشترط في ذلك أنك لامست المنضدة، فقد تكون لامستها، وربما لم تكن لامستها، وتقول: أمررت يدي على المنضدة ومن على المنضدة، ومعنى ذلك أنك لامستها.
عن
عن تفيد المجاوزة، ومعنى المجاوزة الابتعاد. تقول: إنصرف عنه أي تركه بخلاف انصرف إليه، فإن معناه ذهب إليه، ووضعه عنه، بمعنى رفعه عنه بعد أن كان عليه. قال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ [الأعراف: ١٥٧]، بخلاف وضعه عليه، وتقول انتقل عنه، وابتعدد عنه، ونأى عنه، وانحرف عنه، كلها تفيد المجاوزة، وتقول عدل عنه، ومال عنه، أي ابتعد عنه بخلاف عدل إليه، ومال إليه، وتقول: (رغبت عنه) إذا ابتعدت رغبتك عنه وجاوزت. وتقول (رغبت فيه) إذا حلت رغبتك فيه، أي أردته.
стр. 779
وتقول (جلس عن يمينه) بمعنى جلس مبتعدا عن بدنه من جهة اليمين، أي لم يلتصق ببدنه جاء في (الكتاب): "وتقول جلس عن يمينه فجعله متراخيا عن بدنه وجعله في المكان الذي بحيال يمينه (١).
ويحتمل قولنا (جلس عن يمينه) معنى آخر فقد تقول (جلس يمينه) و (جلس عن يمينه) فقولنا (جلس يمينه) بمعنى جلس في جهة اليمين، وأما جلس عن يمينه فيحتمل أن يكون معناه أنه منحرف عن جهة اليمين، فلو قعد جماعة كل منهم عن جهة اليمين كان الجلوس قوسا أو منحرفا إلى جهة أخرى، ولو قلت (جلسوا يمينه) لكان المعنى أنهم جلسوا في خط مستقيم من جهة اليمين.
جاء في (الكتاب): " وأما عن، فلما عدا الشيء، وذلك قولك:
أطعمه عن جوع، جعل الجوع منصرفا تاركا له، قد جاوزه، وقال قد سقاه عن العيمة وكساه عن العري، جعلهما قد تراخيا عنه .. وتقول أخذت عنه حديثا أي عدا منه إلى حديث. وقد تقع (من) موقعها أيضا تقول: أطعمه من جوع، وكساه من عري، وسقاه من العيمة" (٢).
والحق أن المعنى مختلف، بين قولك أطعمه عن جوع وأطعمه من جوع، فقولك (أطعمه عن جوع)، بمعنى أبعد الجوع عنه بالطعام، وقولك كساه من عري معناه أبعد العري عنه بالكسوة، وأما قولك (أطعمه من جوع) فمعناه أن ابتداء الأطعام كان من الجوع جاء في (شرح ابن يعيش): وتقول (أطعمه من جوع، وعن جوع) فإذا جئت بـ (من) كانت لابتداء الغاية، لأن الجوع ابتداء الاطعام، وإذا جئت بـ (عن) فالمعنى أن الاطعام صرف الجوع لأن (عن) لما عدا الشيء" (٣).
стр. 780
فمعنى (أطعمه من جوعٍ) أنه كان جائعا فأطعمه، وليس معناه أنما أبعد الجوع عنه، فقد يكون أطعمه ولم يشبعه أي لم يبعد الجوع عنه، وسقاه ولم يروه، أي لم يبعد الظمأ عنه، ولكن المعنى أنه كان ظامئا فسقاه، أي: ابتداء السقي كان من حالة الظمأ، أي أول ما نزل الماء نزل على ظمأ، فالظمأ كان ابتداء للسقي وليس معناه أبعد الظمأ عنه.
وذكروا لها معاني أخرى، منها:
البدل، نحو قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ [البقرة: ٤٨]، وفي الحديث (صومي عن أمك) (١). وتقول: تكلم خالد عن القوم، أي: بدلهم.
وفي هذا معنى المجاوزة أيضا فمعنى الحديث: ارفعي الصوم عن أمك بصيامك إذ إن أمها كانت مدينة لله يصوم فقال: ارفعي هذا الدين عنها. وكذلك الآية فإن معناها أنه لا يحتمل أحد عن أحد شيئا من الوزر، أو العذاب أي لا يبعده عنه، وكذلك قولك (تكمل خالد عن القوم) فإن معناه أبعد الكلام عنهم وتكلم هو، ففيها معنى المجاوزة.
والاستعلاء نحو قوله تعالى: ﴿ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه﴾ [محمد: ٣٨]، أي على نفسه، وقيل بل هي على بابها والمعنى يبعد الخير عن نفسه بالخبل (٢).
وهو أولى وذلك أن ثمة فرقا بين قولك (يبخل على نفسه) و (يبخل عن نفسه) فقولك (يبخل على نفسه) معناه أن عاقبة بخله تعود عليه، كقوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ [البقرة: ٢٨٦]، لما كانت العاقبة سوء جيء بـ (على)، وكقوله تعالى: ﴿إنما بغيكم على أنفسكم﴾ [يونس: ٢٣].
ويحتمل معنى آخر، هو أنه لا ينفق على نفسه، أي يثقلها بالبخل، فكأنه البخل حمل يعلوه، وأما بخله عن نفسه فمعناه أنه يبخل منصرفا عن نفسه، أي منصرفا عن مصلحة نفسه مبتعدا عنها فإن البخل في الحقيقة ابتعاد عن مصلحة النفس، فكأنه يبتعد عن نفسه بالبخل بخلاف الانفاق فإنه لها.
стр. 781
قيل ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي﴾ [ص: ٣٢]، أي قدمته عليه، وقيل هي على بابها وتعلقها بحال محذوفة، أي منصرفا عن ذكر ربي (١).
والتعليل نحو: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه﴾ [التوبة: ١١٤]، ونحو (وما نحن بتاريكي آلهتنا عن قولك) [هود: ٥٣]، ويجوز أن يكون حالا .. أي ما نتركها صادرين عن قولك (٢).
ومرادفة بعد نحو: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ [المؤمنون: ٤٠] (٣). وفيها معنى المجاوزة، أي بعد مرور وقت قليل.
والظرفية كقوله:
وآس سراة الحي حيث لقيتهم ... ولا تك عن حمل الرباعة وانيا
والرباعة نجوم الحمالة، ، قيل لأن (وني) لا يتعدي إلا بـ (في) بدليل: ﴿ولا تنيا في ذكري﴾ [طه: ٤٢]
والظاهر أن معنى (وني عن) جاوزه ولم يدخل فيه، ووني فيه دخل فيه وفتر" (٤).
ومرادفة الباء نحو: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: ٣]، والظاهر أنها على حقيقتها، وأن المعنى: وما يصدر قوله عن هوى (٥).
قالوا: وتأتي إسمًا بمعنى جانب وذلك إذا دخلت عليها (من) كقولك: (جئته من عن يمينه) (٦)، والمعنى جئته من جانب يمينه أو من جهة يمينه.
стр. 782
والحقيقة أن معنى (جئته من عن يمينه) أن مبتدأ المجيء كان منحرفًا عن اليمين بخلاف قولك: (جئته عن يمينه) فإن معناه أن المجيء كان منحرفًا عن اليمين، وليس معناه أن مبتدأ المجيء كان منحرفا عن جهة اليمين، فقد يكون مبتدأ المجيء من جهة اليمين ثم انحرفت.
فنحن نقول: جئته عن يمينه وجئته من يمينه وجئته من عن يمينه. فمعنى (جئته عن يمينه) أنك جئت منحرفا عن يمينه.
ومعنى (جئته من يمينه) أنك جئت من هذه الجهة، وأن ابتداء مجيئك كان من جهة اليمين.
و(جئته من عن يمينه) معناه أن ابتداء مجيئك، كان منحرفا عن جهة اليمين.
فليست (عن) الإسمية بمعنى (جانب) بل هي الجانب المنحرف.
وقولك (جلست عن يمينه) معناه جلست متراخيا عن بدنه.
و(جلست من عن يمينه) معناه أن جلوسي كان من الجهة المنحرفة ع يمينه.
و(جلست يمينه) معناه جلست في جهة يمينه.
في
(في) تفيد الظرفية، مكانية أو زمانية، فمن الظرفية المكانية قولهم: (الدراهم في الكيس) و (هو في الدار)، ومن الظرفية الزمانية قولك: (جئت في يوم الجمعة) قال تعالى: ﴿ولقد علمتم الذني اعتدوا منكم في السبت﴾ [البقرة: ٦٥].
وهذه الظرفية حقيقة، وقد تكون الظرفية مجازية، نحو (سأمشي في حاجتك) و (سأنظر في أمرك) جعلت الحاجة مكانًا للمشي والأمر محلا للنظر.
стр. 783
جاء في (كتاب سيبويه): وأما (في) فهي للوعاء، تقول: (هو في الجراب) و (في الكيس) و (هو في بطن أمه)، وكذلك هو في الغُل، لأنه جعله إذ أدخله فيه كالوعاء له وكذلك هو في الغل، لأنه جعله إذ ادخله فيه كالوعاء له، وكذلك هو القبة، وفي الدار. وإن اتسعت في الكلام فهي على هذا وإنما تكون كالمثل يجاء به يقارب الشيء، وليس مثله (١).
وجاء في (المقتضب): وأما (في) فهي للدعاء نحو زيد في الدار .. وقد يتسع القول في هذه الحروف، وإن اكن ما بدأنا به الأصل نحو قولك: زيد ينظر في العلم فصيرت العل بمنزلة المتضمن، وإنما هو كقولك: قد دخل عبد الله في العلم وخرج مما يملك.
ومثل ذلك (في يد زيد الضيعة النفيسة)، وإنما قيل ذلك لأن ما كان محيطًا به ملكه بمنزلة ما أحيطت به يده (٢).
فمعنى (في) الظرفية وإن اتسعت في الكلام فهي على ذلك كما ذكر سيبويه. وقد ذكروا لها معاني هي في الحقيقة توسع في معنى الظرفية، منها أن تكون: بمعنى الباء كقوله:
ويركب يوم الروع منا فوارس ... بصيرون في طعن الأباهر واللي (٣).
قيل: والأولى أن يكون بمعناها أي لهم بصارة وحذق في هذا الشأن (٤)، ونحو قوله:
نحابي بها أكفاءنا ونهينها ... ونشرب في أثمانها ونقامر
قيل: والأولى أن تكون بمعناها أيضًا، وذلك أن الشاعر جعل أثمانها ظرفًا للشرب والقمار مجازًا (٥).
стр. 784
وبمعنى (مع) نحو قوله: ﴿ادخلوا في أمم﴾ [الأعراف: ٣٨]، أي: مع أمم.
وقيل: بل التقدير ادخلوا في جملة أمم فحذف المضاف (١).
وهو أولى، فهناك فرق بين قوله دخل معهم، ودخل فيهم، فمعنى (دخل فيهم) أنه أصبح من جملتهم، ومعنى (دخل معهم) أنه مصاحب لهم، وليس منهم.
يقال (اذهب في الناس وتسمع الخبر) أي: ادخل فيهم.
ثم ألا ترى أنك تقول (ذهب خالد مع القوم) وإن كان منعزلا عنهم غير مختلط بهم، ولا تقول (ذهب فيهم) إلا إذا دخل في جملتهم، وانغمر في مجموعهم؟
والدليل على أنها بمعناها وليست بمعنى (مع) أنه لا يصح أن تقول (إذهب في خالد) ولا (ادخل فيه) كما تقول (اذهب مع خالد وادخل معه) لأن خالدًا لا يكون ظرفا لك بخلاف (اذهب في القوم وادخل فيهم) فإن القوم يكونون كالظرف له يحتوونه.
وبمعنى (إلى)، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ [إبراهيم: ٩]، قالوا هي بمعنى إلى (٢).
وقيل بل الأولى أن تكون بمعناها والمراد التمكن. (٣).
وبمعنى (على) نحو قوله تعالى: ﴿ولأصلبنك في جذوع النخل﴾ [طه: ٧١]، وقد مر القول فيها.
والتعليل نحو قوله تعالى: ﴿لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور ١٤]، وفي الحديث (إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) (٤).
стр. 785
الكاف
الكاف تفيد التشبيه نحو: (هو كالبحر جودًا) وهي (كالبدر)، وما ذكر لها من معان أخرى ترجع في حقيقتها إلى معنى التشبيه. فما ذكر لها من معان:
التعليل: واستدل مثبتو ذلك بقوله تعالى: ﴿واذكروه كما هداكم﴾ [البقرة: ١٩٨] قالوا أي لهدايته إياكم، وأنكره الأكثرون (١).
وهي للتشبيه فيما أرى، ونحن نستعمل مثل هذا التعبير في كلامنا الدارج فنقول (أحسن إلى فلان مثلما أحسن إليك) و (اصنع له خيرا مثل ما صنع إليك) و (اذكره مثلما ذكرك) أي اصنع مثل فعله، وقابله بمثل ما فعل، واعمل مشابهًا لعمله، ونحو ذلك.
والاستعلاء: مثل قولهم: (كن كما أنت) والمعنى كن على ما أنت عليه. وكونها للتشبيه ظاهر، أي كن مثلما أنت عليه الآن لا تغير، أي لتشبه حالتك في المستقبل حالتك الآن (٢).
وزائدة تفيد التوكيد، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ [الشوري: ١١]، قال الأكثرون: " التقدير ليس شيء مثله إذ لو لم تقدر زائدة صار المعنى ليس شيء مثل مثله فيلزم المحال، وهو إثبات المثل، وإنما زيدت لتوكيد نفي المثل" (٣).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية) أنه" يحكم بزيادتها عند دخولها على (مثل) في نحو (ليس كمثله شيء) أو دخول مثل عليه كقوله (فأصبحوا مثل كعصف مأكول) إذ الغض أنه لا يشبه بالمشبه، فلا بد من زيادة إحدى أداتي التشبيه، وزيادة ما هو حرف أولى (٤).
стр. 786
وذهب قوم إلى أنها ليست زائدة في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ بل هي نفي الشيء بنفي ملازمه، كقولهم (على لا حب لا يهتدى بمناره) أي ليس له منار فيهتدى به وليس معناه أن له منارا لا يهتدى به، وقولهم: (ولا ترى الضب بها ينجحر) أي ليس بها ضب فينجحر، وعلى هذا يكون معنى الآية: ليس له مثل فيشبه به، جاء في (شرح الرضي على الكافية): ويجوز في قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ أن لا يحكم بزيادة الكاف، بل تكون على طريقة قوله: (ولا ترى الضب بها ينجحر) وقولك: (ليس لأخي زيد أخ) أعني نفي الشيء بنفي لازمه، لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم، فأخو زيد ملزوم والأخ لازمه لأنه لابد لأخي زيد من أخ هو زيد، فنفيت هذا اللازم، والمراد نفي الملزوم أي ليس لزيد أخ، إذ لو كان أخ لكان لذلك الأخ أخ، هو زيد، فكذا ههنا نفيت أن يكون لمثل الله مثل، والمراد نفي مثله تعالى، إذ لو كان له مثل، لكان هو تعالى مثله (١).
وذهب قوم في تخريج الآية الى تلمس فرق بين كاف التشبيه ومثل.
جاء في (الفروق اللغوية): الفرق بين كاف التشبيه وبين المثل، أن الشيء يشبه بالشيء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة، إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته، فكان قوله تعالى لما قال ﴿ليس كمثله شيء﴾ أفاد أنه لا شبه له ولا مثل، ولو كان قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾، نفيا أن يكون لمثله مثيل لكان قولنا (ليس كمثل زيد رجل) مناقضة، لأن زيدًا مثل من هو مثله، والتشبيه بالكاف يفيد تشبيه الصفات بعضها ببعض وبالمثل يفيد تشبيه الذوات بعضها ببعض، تقول (ليس كزيد رجل) أي في بعض صفاته لأنه كل أحد مثله في الذات، وفلان كالأسد في الشجاعة دون الهيئة، وغيرها من صفاته. وتقول السواد عرض كالبياض ولا تقول مثل البياض (٢).
стр. 787
ويبدو أن كلام أبي هلال ليس دقيقا، فالتشبيه بمثل يكون في الذات والصفات فإنك تقول: (ليس مثل المتنبي شاعر) ولا شك أن كل الشعراء مثله في ذاته، وتقول: ليس كالمتنبي شاعر. والعرب تقول هي مثل الشمس، ومثل البدر. قال الشاعر:
مه عاذلي فهائمًا لن أبرحا ... بمثل أو أحسن من شمس الضحى.
ولا شك أن ذات الإنسان لا تماثل ذات الشمس، وإنما هو تشبيه بصفة الحسن والجمال. غير أن التشبيه بمثل أقرب من الكاف فقولك (هي مثل البدر) أقرب في الشبه من (هي كالبدر) لأنك في الأولى تدعى المماثلة، والمماثلة أقرب من عموم الشبه.
وعلى هذا يمكن أن يقال إنه جاء بالكاف ومثل، لنفي المماثلة والشبه كليهما ولو جاء بالكاف وحده لكان نفيا للمشابهة فقط، ولو جاء بمثل لكان نفيا للمماثلة فجاء بهما لنفي المشابهة القريبة والبعيدة.
والذي يبدو لي أن الكاف ليس زائدة، بل هي على معناها، وإيضاح ذلك أنك تقول (هي مثل البدر) و (هي كمثل البدر) فقولك (هي مثل البدر) أقرب في الشبه إلى البدر من كمثل البدر، وذلك لمجيئك في الثانية بأداتي تشبيه: الكاف ومثل، وإذا حذفت أداة التشبيه كان الشبه أقرب. فلو قلت (هي البدر) لكان أقرب كما هو معلوم لأنك تدعي أنها البدر وليست شبيهة به.
فقولك (هي البدر) أقرب في الشبه من (هي كالبدر أو مثل البدر).
وقولك (هي مثل البدر) أقرب إلى الشبه من قولك (هي كمثل البدر) فإنك في الأخيرة أبعده الشبه بذكر أداتين للتشبيه، فلو قال تعال (ليس مثله شيء) لكان ينفي ذا الشبه القريب أو المثل القريب. ولكنه قال (ليس كمثله شيء) مريدًا بذلك نفي المشابهة ولو من وجه بعيد على معنى أنه لا يشبهه شيء ولو من وجه بعيد.
стр. 788
ولا يقال إن ذلك يثبت المثل فإننا نقول في كلامنا (ليس كمثل خالد رجل) على معنى لا يشبهه رجل، ولو كان ذلك يثبت المثل، لكان قولنا متناقضا، كما قال أبو هلال العسكري لأن خالدا مثل من يشبهه، فكيف ننفي وجود مثله وهو موجود؟
وإنما الأمر كما ذكرنا والله أعلم، أراد بذلك نفي الشبه من جميع الوجوه، ولو كان من وجه بعيد.
وأما قول الرضي إنه يحكم بزيادتها عند دخولها على (مثل) أو دخول (مثل) عليها فليس الأمر فيه كما ذكر، وإنما هو لقصد تبعيد المشبه عن المشبه به.
ونحوه ما ذكر في قول الشاعر (فأصبحوا مثل كعصف مأكول) فإن الكاف فيهل يست زائدة، وإنما تشبيه بمشبه وإيضاح ذلك - إذا لم نقل إنه جاء بالكاف ومثل لإقامة الوزن - أنه لم يرد أن يقول (فأصبحوا مثل عصف مأكول) وإنما يريد أن يشبههم بحالة من شبه بالعصف المأكول، وهم أصحاب الفيل، فأصحاب الفيل كما أخبر ربنا جعلهم كعصف مأكول، وحالة هؤلاء الذين ذكرهم الشاعر أصبحت كحالة أولئك فقال (مثل كصعف مأكول).
وجعلوا من زيادتها قول الشاعر (لواحق الأقراب فيها كالمقق) (١).
والمقق هو الطول لأنا نقول فيها طول ولا نقول: فيها كالطول، وهذه الزيادة سماعية عند النحاة. والذي أراه أنها ليست زائدة بل هي على معناها أيضا، ونحن نستعمل هذا في لغتنا الدارجة فنقول: هذا القميص بيه مثل الطول وأرى بيه مثل القصر، والمعنى أنه ليس فيه طول واضح أو قصر واضح، وإنما هو كأنما فيه طول.
стр. 789
وتأتي الكاف اسمًا بمعنى مثل كما في قوله:
أتنتهون ولي ينهى ذوي شطط ... كالطعن يهلك فيه الزيت والفتل
للإسناد إليه، وقوله: (يضحكن عن كالبرد المنهم) لدخول حرف الجر عليه (١).
وهي ليست بمعنى (مثل) تمامًا، وإنما هي أقل منها درجة في التشبيه، فقولك (يضحكم عن مثل البرد) أقرب إلى المشبه به من الكاف كما ذكرنا فكذلك حالها في الإسمية.
اللام
معنى اللام الاختصاص، أما بالملكية نحو الدار لخالد، أو بغيرها نحو الجل للفرس (٢). وذكر سيبويه أن معناها الملك والاستحقاق (٣). وفصل المتأخرون فذكروا لها معاني يرجع اكثر إلى الاختصاص أو الاستحقاق، فما ذكر لها من معان:
الملك نحو: له دار و ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [البقرة: ٢٨٤].
وشبه الملك نحو (الباب للدار) و (الغلاف للكتاب) لأن الكتاب والدار لا يملكان.
والتمليك نحو (وهبت لك مالا).
وشبه التمليك نحو (فهب لي من لدنك وليا) [مريم: ٥]، لأن الولي وهو الولد لا يملك حقيقة، وكلها تفيد الاختصاص.
стр. 790
وأن تكون بمعنى من، نحو (سمعت له صراخًا) (١). والظاهر أنها للاختصاص.
والتبليغ وهي الجارة لاسم السامع لقول أو ما في معناه، نحو قلت له وأذنت له وفسرت له (٢). وهي للاختصاص أيضا.
والتعليل: كقوله تعالى: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾ [الإنسان: ٩]، وجئت للاستفادة، وهي تفيد الاختصاص أيضا إذ الأطعام مختص بذلك، والمجيء مختص بذلك (٣).
وموافقه إلى نحو قوله تعالى: ﴿بأن ربك أوحي لها﴾ [الزلزلة: ٥]، والظاهر أنها للاختصاص أيضا، ونحو قوله تعالى: ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وهو للتعليل كما تقول (أنا أعدك لذلك اليوم)، وأدخرك له، أي لأجله.
وذكروا منه قوله تعالى: ﴿كل يجري لأجل مسمى﴾ [الرعد: ٢]، بدليل قوله تعالى: ﴿كل يجري إلى أجل مسمى﴾ [لقمان: ٢٩].
والظاهر أن ما ورد باللام بفيد التعليل، بمعنى كل يجري لبلوغ الأجل، أي كل يجري لهذه الغاية كما تقول: كلهم يجري لوصول الهدف ولبلوغه، وأما ما جاء بـ (إلى) فهو يفيد الانتهاء. جاء في (درة التنزيل): قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير﴾ [لقمان: ٢٩].
وقال في سورة الزمر: ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى﴾ [الزمر: ٥].
للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في سورة لقمان، بقوله ﴿كل يجري لأجل مسمى﴾ وما سواه إنما هو ﴿يجري لأجل مسمى﴾.
стр. 791
والجواب أن يقال: أن معنى قوله: ﴿يجري لأجل مسمى﴾ يجري لبلوغ أجل مسمى، وقوله: ﴿يجري لأجل مسمى﴾ معناه لا يزال جاريا، حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمى له.
وإنما خص ما في سورة لقمان بـ (إلى) التي للانتهاء واللام، تؤدي نحو معناها لأنها تدل على أن جريها لبلوغ الأجل المسمى، لأن الآيات التي تكتنفها آيات منبهة على النهاية والحشر والإعادة، فقبلها ﴿ما خلقك ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾ وبعدها ﴿يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده﴾ فكان المعنى: كل يجري إلى ذلك الوقت وهو الوقت الذي تكور فيه الشمس، وتنكدر فيه النجوم، كما أخبر الله تعالى.
وسائر المواضع التي ذكرت فيها اللام إنما هي في الإخبار عن ابتداء الخلق، وهو قوله: ﴿خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها﴾ التي تكتنفها في ذكر ابتداء خلق السماوات والأرض وابتداء جري الكواكب، وهي إذ ذاك تجري لبلوغ الغاية، وكذلك قوله في سورة الملائكة إنما هو في ذكر النعم التي بدأ بها في البر والبحر إذ يقول: ﴿وما يستوي البحران﴾ إلى قوله ﴿ولعلكم تشكرون يولج الليل في النها ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كلٌ يجري لأجل مسمى ذلك الله ربك له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير﴾ [فاطر: ١٢ - ١٣]، فاختص ما عند ذكر النهاية بحرفها واختص ما عند الابتداء بالحرف الدال على العلة التي يقع الفعل من أجلها (١).
وبمعنى على نحو قوله: ﴿يخرون للأذقان سجدا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقوله: ﴿وإن اسألتم فلها﴾ [الإسراء: ٧] (٢).
стр. 792
أما قوله (يخرون للأذقان) فليس المعنى - والله أعلم - على الأذقان لأن هناك فرقًا بين قولك خر على وجهه وخر لوجهه، فخر على وجهه معناه سقط على وجهه، وأما خر لذقنه فمعناه: أنه خر حتى بلغ في ذلك الذقن. أو الاختصاص، أي: حتى خص ذقنه بذلك.
وقوله: (وإن اسأتم فلها) معناه أنكم تسيئوا لأحد وإنما أساءتكم أي خصصتم أنفسكم بالإساءة، جاء في (الكشاف) في تفسير هذه الآية: أي الإحسان والإساءة كلاهما مختص بأنفسكم لا يتعدي النفع والضرر إلى غيركم. وعن على ﵁: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها (١).
ومنه قوله تعالى: ﴿دعانا لجنبه﴾ [يونس: ١٢]، قالوا بمعنى على جنبه.
ولا ارى أنها بمعنى (على) بل هي للاختصاص، وإيضاح ذلك أن (على) وردت في القرآن مع الجنب مرتين قال تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولى الألباب الذين يذكرون الله قياا وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
وقال: ﴿فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣]، فجاء بلفظ (على) في هاتين الآيتين.
وجاء باللام في هذه الآية: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائمًا﴾ [يونس: ١٢].
وسر ذلك والله أعلم، أنه إذا مس الإنسان الضر دعا ربه ملازما لجنبه، أو قاعدا أو قائمًا، فإن الإنسان إذا مسه الضر أكثر ما يلازم جنبه، ثم القعود، ثم القيام، فذكر هذه الحالات بحسب الترتيب فقال (لجنبه او قاعدا أو قائمًا) في حين آخر ذكر الجنب في غير هؤلاء فقال ﴿الذين يذكرن الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١]،
стр. 793
وقال: ﴿فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال: ﴿فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم﴾ فقد القيام في حالة العافية، ثم القعود ثم الاضطجاع، على الجنب فخالف بين حالتي الضر والعافية، فقدم الجنب في حالة الضر وآخر القيام، وقدم القيام في حالة العافية وأخر الاضطجاع على الجنب.
وجاء باللام الدالة على الاختصاص في حالة الضر، بمعنى ملازما لجنبه، وجاء بـ (على) الدالة على الاستعلاء في حالة العافية بمعنى مضطجع على جنبه.
وبمعنى (في) نحو قوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والراجح أنها للتعليل، أي لأجل ذلك اليوم او للاختصاص، ونحو قولهم (مضى لسبيله) (١). قالوا: أي في سبيله.
ويبدو أن هناك فرقا بين قولنا: مضى لسبيله ومضى في سبيله، فإن قولك مضيت في سبيل وامضى في سبيلك معناه سر في الطريق التي أنت سائر فيها. وأما قولك (امض لسبيلك) فمعناه: امض للطريق التي تريدها كما تقول: اذهب، له وامض لعملك أي لأجله.
وبمعنى (عند) كقولهم (كتبته لخمس خلون) (٢). أي عند خمس وهي ليست كذلك إذ إنه لم يكتبها عند هذه الخمس بل عند مضيها وقيل هي بمعنى بعد (٣).
وهو أولى، غير أن هناك فرقا بين قولك (لخمس خلون) و (بعد خمس) فقولك بعد خمس لا يتعين فيه أنه اليوم السادس، بل ما بعد الخمس يحتمل السادس والسابع والعاشر وغيرهن، لأن ذلك كله بعد كما تقول: تعال بعد منتصف الشهر، وتعالى بعد العيد، وتعال بعد رمضان. كل ذلك يحتمل المباشرة وغيرها. فنحن نقول (محمد بعد عيسى) وبينهما قرون.
стр. 794
وأما قوله (لخمس خلون) فيتعين أنه كتب بعدهن بلا فاصل أي في اليوم السالدس وهي للاختصاص كما يبدو.
وكذلك قوله (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) فإنها ليست بمعنى (بعد) تمامًا، كما يقول النحاة (١). فإن كلمة (بعد) تحتمل المدة القصيرة والطويلة بخلاف اللام.
فالظاهر أنها للاختصاص. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقيل تجيء بمعنى في، وبمعنى بعد، وبمعنى قبل في قوله تعالى: ﴿جامع الناس ليوم﴾ [آل عمران: ٩]، أي في يوم وكتبته لثلاث خلون، أي بعد ثلاث بقين، أي قبل، والأولى بقاء الثلاثة على الاختصاص (٢).
والصيرورة وتسمى لام العاقبة والمآل نحو: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ [القصص: ٨]، فإنهم لم يلتقطوه لذلك وإنما آل الأمر إلى ذلك، وأنكر البصريون هذه اللام (٣). وقال الزمخشري إن التعليل فيها وارد على طريق المجاز جاء في (الكشاف) في تفسيره هذه الآية " ليكون هي لام (كي) التي معناها التعليل كقولك (جئتك لتكرمني) سواء بسواء ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة، لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل لأجله وهو الاكرام الذي هو نتيجة المجيء والتأدب، الذي هو ثمرة الضرب في قولك ضربته ليتأدب. وتحريره أن هذه اللام حكمها حكم الأسد، حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد (٤).
стр. 795
وقال الرضي إنها فرع لام الاختصاص (١).
والتعجب، نحو يا للماء ويا للعشب إذا تعجبوا من كثرتهما، ونحو: لله دره فارسًا (٢).
وقد يكون مع التعجب القسم، نحو (الله لا يؤخر الأجل)، ويعنون بذلك الأمر العظيم " الذي يستحق أن يتعجب منه فلا يقال: لله لقد قام زيد، بل يستعمل في الأمور العظام نحو لله لتبعثن (٣).
وزائدة وهي أنواع منها:
اللام المعترضة بين الفعل المعتدي مفعوله كقوله:
وملكت ما بين العراق ويثرب ... ملكا أجار لمسلم ومعاهد (٤).
والمعنى أجاز مسلما ومعاهدا، وهي ليست قياسية فليس لك أن تقول: ضربت لخالد وأكرمت لمحمد، وهي زائدة للاختصاص.
واختلف في اللام في نحو: ﴿يريد الله ليبين لكم﴾، [النساء: ٢٦]، ونحو: ﴿وأمرنا لنسلم لرب العالمين﴾ [الأنعام: ٧١]، فقيل زائدة داخلة على مفعول الإرادة والأمر، والمعنى، يريد الله أن يبين لكم، وأمرنا أن نسلم لرب العالمين.
وقيل: بل اللام في نحو هذا للتعليل. والتقدير مثلا يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم.
وعند سيبويه والخليل أن التقدير إرادتي للتبيين أي أن المجرور باللا خبر لمبتدأ هو مصدر مقدر من الفعل (٥). جاء في (كتاب سيبويه): " وسألته عن معنى قوله: أريد لأن
стр. 796
تفعل فقال: إنما يريد أن يقول إرادتي لهذا كما قال ﴿وأمرت لأن أكون أول المسلمين﴾ [الزمر: ١٢]، إنما هو أمرت لهذا (١).
والراجح فيما أرى أن اللام في نحو هذا داخلة على المفعول وهي زائدة زيادة قياسية في مفعول هذين الفعلين، والغرض منها توكيد الاختصاص، ودخول اللام على المفعول له نظائر في الساميات كما سنذكر في خاتمة هذا الحرف.
تقول: (أريد لأنسى ذكرها) بمعنى أريد أن أنسى ذكرها، وتقول: (اريد لأذهب إليه) على معنى أريد أن أذهب إليه. قال تعالى في سورة التوبة: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ [التوبة: ٥٥].
وقال في سورة التوبة أيضا: ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله ان يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون﴾ [التوبة: ٨٥].
فجاء في الآية الأولى باللام (ليعذبهم بها) ولم يأت في الآية الثانية: ﴿إنما يريد الله أن يعذبهم بها﴾ وزيادة اللام في الأولى يقتضيه السياق، وذلك أنها في سياق إنفاق الأموال والخطاب للمنافقين. قال تعالى: ﴿قل أنفقوا طوعا أو كرهًا لن يتقبل منكم إنكم كنتم قومٍا فاسقين﴾ [التوبة: ٥٣]، ﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا ياتون الصلاة إلا وهم كسالي ولا يفقون إلا وهم كارهون﴾ [التوبة: ٥٤]، فلا تعجبك أموالهم ولا اولادهم .. ، وبعدها: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ وبعدها: ﴿إنما الصدقات للفقراء .. ﴾.
فالسياق في انفاق الأموال والكلام على المنافقين وأموالهم، ثم وجه الخطاب للرسول قائلا: ﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها﴾ فزاد (لا) النافية توكيدا (فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) وزاد اللام في (ليعذبهم) لزيادة الاختصاص وتوكيده.
стр. 797
في حين أن السياق مختلف في الآية الأخرى، قال تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدًا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين﴾ [التوبة: ٨٣]، ﴿ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون﴾ [التوبة: ٨٤]، ﴿ولا تعجبك اموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدينا﴾
فسياق الآيات الأولى في إنفاق الأموال، فأكد ذلك زيادة (لا) واللام ولما اختلف السياق في الآيات الأخرى خالف في التعبير، فلم يذكر (لا) ولا اللام، لأن المقام لا يقتضي التوكيد ههنا.
ومثل ذلك قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون﴾ [التوبة: ٣٢].
وقوله في سورة الصف: ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ [الصف: ٨].
فقال في آية التوبة (يريدون أن يطفئوا) وقال في آية الصف (يريدون ليطفئوا) بزيادة اللام في المفعول للتوكيد، وذلك أن السياق مختلف في الآيتين، فالسياق في سورة الصف في تكذيب النصارى للبشارات بمجيء محمد: ﴿وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي إسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالو هذا سحر مبين ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي القوم الظالمين يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم﴾ [الصف: ٦ - ٨].
ونور الله هو الإسلام فتكذيب النصارى للبشارة الواردة في كتبهم، القصد منه إطفاء نور الله فجاء باللام الدالة على التوكيد.
وأما في آية التوبة فالسياق مختلف، وقد ذكرت الآية في سياق آخر لا يحتاج إلى مثل هذا التوكيد قال تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن
стр. 798
الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾ [التوبة: ٣٠ - ٣٢].
فالسياق في آيات الصف متجه إلى النبوة ومحاولة تكذيبها فجاء باللام، واسياق في آيات التوبة في النعي على معتقدات اليهود والنصارى في عزير والمسيح والأحبار والرهبان، فجاء باللام الزائدة في الآية الأولى لأن الكلام على نبوة محمد والإسلام ولم يأت بها في الآية الثانية لأن السياق مختلف.
ثم ألا ترى من ناخية ثانية انه في موطن الرد على اليهود والنصارى في شركهم بالله جاء باللام، لأن الأمر يقتضي التوكيد فقال: ﴿وما أمروا إلا لبعبدوا إلها وحدا﴾.
فانظر كيف جاء باللام الزائدة للاختصاص في قوله: ﴿يريدون أ، يطفئوا نور الله﴾، وقوله: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا﴾، لأن السياق يقتضي ذلك وحذفها في الموطن الذي لا يقتضيه؟
ومن اللام الزائدة اللام التي يسميها النحاة لام التقوية " وهي المزيدة لتقوية عامل ضعف أما بتأخره نحو: ﴿هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون﴾ [الأعراف: ١٥٤]، ونحو: ﴿إن كنتم للرءيا تعبرون﴾ [يوسف: ٤٣]، أو يكون فرعا في العمل نحو: ﴿مصدقا لما معهم﴾ [البقرة: ٩١]، ﴿فعال لما يريد﴾ [البروج: ١٦]، ﴿نزاعة للشوى﴾ [المعارج: ١٦] (١).
فهم يرون أنها لتقوية العامل الذي ضعف بتأخره، لأن أقوى حالات العمل أن يتقد العامل، أو ضعف بكونه فرعا لأنهم يرون أن الأصل أقوى من الفرع، كأن يكون اسم فاعل أو صيغة مبالغة.
стр. 799
وهذا فيما أرى كلام لا حقيقة تحته، فإن اللام للتقوية ولكن ليست لتقوية العامل الضعيف بل لتقوية الاختصاص وتوكيدهن فإنك تقول (أكرمت محمدًا) فإذا أردت التخصيص قلت (محمدًا أكرمت) بتقديم المفعول، فإذا أردت زيادة التخصيص وتوكيده جئت باللام الدالة على الاختصاص فتقول (لمحمد أكرمت). قال تعالى: ﴿للذين هم لربهم يرهبون﴾ أي: يخصونه بالرهبة، وذهب بعضهم إلى أنها لام التعليل (١). وهو أقرب من القول بأنها مقوية للعامل.
وأما دخولها على مفعول اسم الفاعل، نحو (وهو الحق مصدقا لما معهم) فيبدو أن دخولها لمعنى آخر، وذلك إن قولك (أنا مكرم محمدًا) يدل على الحال أو الاستقبال، فإن اسم الفاعل إذا نصب مفعولا كان دالا على الحال أو الاستقبال، قال تعالى: ﴿إني خلق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]، فهو لم يخلقه بعد لانه قال: (فإذا سويته) فإذا أدخلت اللام فقلت (أنا مكرم لمحمد) كان ذلك يفيد الإطلاق وليس مختصا بالحال أو الاستقبال، كما تقول (أنت مهين لسعيد) أي أنت تعينه، وقد أهانه قبل القول بخلاف (أنت مهينٌ سعيدًا).
وأما دخولها على مفعول اسم المبالغة فللاختصاص أيضا، نحو (مناع للخير) و (نزاعة للشوى) و (فعال لما يريد) فهو يخص منعه بالخير وكذلك ما بعده.
أن دخول اللام على المفعول ظاهرة في بعض من اللغات السامية كالعبرية والآرامية والحبشية. جاء في (التطور النحوي): " واللام للمفعول كثيرا في العبرية والآرامية وخصوصا في الحبشية مثال ذلك Ua - la hedan tegazreu أي فاختنوا الولد. ومثل هذا نادر جدا في العربية مثاله في القرآن الكريم ﴿إن كنتم للرءيا تعبرون﴾ واقتصرت اللام للمفعول في العربية غالبا على مفعول المصدر وفاعل وإخواتها، فوضعت العربية قواعد تحدد الحالات التي يجوز فيها استعمال اللام .. ومن خصائص العربية انها قد تعمل بعض الأوصاف المتعلقة بالعمل غير (فاعل) وأخواتها عمل (فاعل) أيسضا ونادرًا ما
стр. 800
ينصب مفعولها نحو (إن الله سميع دعاء من دعاه) وكثيرا ما تدخل عليه اللام نحو ﴿سماعون للكذب﴾ [المائدة: ٤٢]، أو أمقت الناس للشرع (١).
فهذه الظاهرة ليست مختصة بالعربية بل ربما كانت سامية قديمة احتفظت بها العربية. ولا يمنع أن تكون العربية خصت اللام في نحو هذا بمعنى كالاختصاص. فإن العربية خصت كثيرا من الظواهر السامية بمعان (٢).
من
لـ (من) معان أشهرها: ابتداء الغاية نحو سافرت من بغداد إلى الموصل، فيبغداد ابتداء السفر. وتقول: إذا كتبت كتابا: من فلان إلى فلان" (٣).
ومنه قولك: (هو أفضل من زيد) فقد جعلت زيدا الموضع الذي ارتفع منه، أو سفل منه في قولك: شر من زيد (٤).
والأحسن أن يقال هي للابتداء لا لابتداء الغاية، لأن ابتداء الغاية معناه أن الحدث ممتد إلى غاية معينة كقوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [الإسراء: ١]، ونحو: (جئت من داري)، فإن الأسراء امتد من المسجد الحرام وانتهى بالمسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى هو الغاية. جاء في (شرح الرضى على الكافية): " كثيرا ما يجري في كلاهم أن من، لابتداء الغاية وإلى لانتهاء الغاية، ولفظ الغاية يستعمل بمعنى النهاية وبمعنى المدى .. والمراد بالغاية في قولهم ابتداء الغاية وانتهاء الغاية جميع المسافة، إذ لا معنى لابتداء النهاية وانتهاء النهاية (٥).
стр. 801
و (من) تستعمل فيما هو أعم من ذلك، إذ تستعمل للابتداء عموما، سواء كان الحدث ممتدا أم لا، نحو: (اشتريت الكتاب من خالد) فخالد مبتدأ الشراء، وهو ليس حدثا ممتدا، ونحو (أخرجت الدراهم من الكيس) و (أخذت الكتاب من المنضدة) و (شربت الماء من الكأس) و (رأيت الهلال من داري)، و (سمعت صوتك من داخل غرفتي).
فهذه كلها لا تفيد ابتداء الغاية، بل تفيد ابتداء وقوع الحدث، فإن الحدث ليس ممتدا كالاسراء والمجيء ونحوهما.
وعند سيبويه والبصريين أنها لا تكون لابتداء غاية الزمان، فلا يصح أن تقول: (سافرت من يوم الخميس) وعند الكوفيين وجماعة أنها تكون لابتداء غاية الزمان، وغيره واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ [التوبة: ١٠٨] (١).
وفي الحديث (فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة) (٢). والبصريون يتأولون ذلك. والأرجح أنها تكون للزمان وغيره، جاء في (شرح الرضي على الكافية)، و (من) للابتداء في غير الزمان عند البصرية. . وأجاز الكوفيون استعمالها في الزمان أيضا استدلالا بقوله تعالى: ﴿من أول يوم﴾، وقوله تعالى: ﴿نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله:
لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن شهر
وأنا لا أرى في الآيتين معنى الابتداء، إذ المقصود من معنى الابتداء في (من) أن يكون الفعل المتعدى بـ (من) الابتدائية شيئا ممتدا كالسير والمشي ونحوهن ويكون المجرور بـ (من) الشيء الذي منه ابتداء ذلك الفعل نحو: سرت من البصرة، ويكون الفعل المتعدي بها أصلا للشي الممتد، نحو (بدأت من فلان إلى فلان) وكذا خرجت من الدار، لأن الخروج ليس شيئا ممتدا إذ يقال (خرجت من الدار) إذا انفصلت منها،
стр. 802
ولو بأقل خطوة وليس التأسيس والنداء حدثين ممتدين، ولا أصلين للمعنى الممتد، بل هما حدثان واقعان فيما بعد من، وهذا معنى (في)، فـ (من) في الآيتين بمعنى (في) ذلك لأن (من) في الظروف كثيرا ما تقع بمعنى (في) نحو جئت من قبل زيد ومن بعده ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ [فصلت: ٥]، وكنت من قدامك ..
وكذا الأقواء لم يبتديء من الحجج، بل المعنى من أجل مرور حجج وشهر، والظاهر مذهب الكوفيين إذ لا منع من مثل قولك (نمت من أول اليل إلى آخره) و (صمت من أول الشهر إلى آخره) وهو كثير الاستعمال (١).
وفي هذا الكلام نظر، فنحن نخالفه في أن المقصود من معنى الابتداء في (من) أن يكون الفعل شيئا ممتدا أو يكون أصلا للممتد، فإن ذلك في ابتداء الغاية وليس في عموم الابتداء كما ذكرنا، فقوله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ [التوبة: ١٠٨]، (من) فيه للابتداء فبدء التأسيس على التقوى أول يوم فهي لابتداء وقوع الحدث.
وأما ما ذهب إليه في معنى (من) الداخلة على الظروف، فقد ذكرناه في بحث الظرف ورجحنا أنها للابتداء، فـ (من) في الآية ﴿ومن بيننا وبينك حجاب﴾ [فصلت: ٥]، ليست بمعنى (في) وإنما هي للابتداء، جاء في (الكشاف) في تفسير هذه الآية: فإن قلت، هل لزيادة (من) في قوله (من بيننا وبينك حجاب) فائدة؟
قلت: نعم، لأنه لو قيل بيننا وبينك حجاب، لكا المعنى أن حجابا حاصل وسط الجهتين، وأما بزيادة من فالمعنى أن حجابا ابتدأ ما، وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لإفراغ فيها (٢).
ومعنى الابتداء هو الغالب على من، حتى ادعي جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه (٣).
стр. 803
الغاية وهو غير ابتداء الغاية، تقول: (رأيت محمدًا من داره) فقد جعلته غاية رؤيتك فأنت لم تكن في داره وإنما هو كان في داره فجعلته غاية رؤيتك.
جاء في (كتاب سيبويه): " وتقول: رأيته من ذلك الموضع فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية، حيث أردت الابتداء والمنتهى" (١).
وجاء في الأصول لابن السراج: وحقيقة هذه المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي فـ من ذلك، وإذا قلت رأيت الهلال من خلال السحاب فـ من للهلال والهلال غاية لرؤيتك، فكذلك جعل سيبويه من غاية في قولك (رأيته من ذلك الموضع) وهي عنده ابتداء غاية إذا كانت إلى معها مذكورة أو منوية فإذا استغنى الكلام عن (إلى) ولم يكن يقتضيها جعلها غاية ويدل على ذلك قوله: (ما رأيته مذ يومين)، فجعلتها غاية كما قلت (أخذته من ذلك المكان) فجعلته غاية ولم ترد منتهى، أي لم ترد ابتداء له منتهى، أي استغنى الكلام دون ذكر المنتهى، وهذا المعنى أراد، والله أعلم.
وهذه المسألة ونحوها إنما تكون في الأفعال المتعدية، نحو رأيت، وسمعت، وشممت وأخذت، تقول (سمعت من بلادي الرعد من السماء) ورأيت من موضعي البرق من السحاب، وشممت من داري الريحان من الطريق. فـ (من) الأولى للفاعل، ومن الثانية للمفعول، وعلى هذا جميع الباب لا يجوز عندي غيره، إنما جاز هذا لأن للفعول حصة من الفعل كما للفاعل (٢).
التبعيض نحو قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] وقوله: ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ [البقرة: ٢٠٤]، وذهب بعضهم إلى أن كونها للتبعيض راجع إلى ابتداء الغاية (٣).
стр. 804
جاء في (شرح ابن يعيش): فإذا قلت: أخذت من الدراهم درهما، فإنك ابتدأت بالدرهم ولم تنته إلى آخر الدراهم، فالدرهم ابتداء الأخذ إلى أن لا يبقى منه شيء ففي كل تبعيض معنى الابتداء. (١).
بيان الجنس: نحو قولك: عندي خاتم من ذهب وباب من ساج أي جنس الخاتم ذهب وجنس الباب ساج، ونحو (أخذت عشرين من الدراهم) فإذا كنت أشرت بالدراهم إلى دراهم معينة أكثر من عشرين، فمن مبعضة لأن العشرين بعضها، وإذا كانت الدراهم عشرين فهي مبينة، لأنك قصدت بالدراهم الجنس (٢).
ورجعه بعض النحاة إلى معنى الابتداء (٣). ورجعه سيبويه إلى معنى التبعيض: قال: " وكذلك ويحه من رجل، إنما أراد أن يجعل التعجب من بعض الرجال، وكذلك لي ملؤه من عسل" (٤).
وهذا المعنى يكون رجعه إلى الابتداء، فقولك (عدي باب من ساج) معناه ابتداء الأخذ من الساج، كما يمكن رجعه إلى التبعيض كما ذكر سيبويه.
التعليل: كقوله تعالى: ﴿يتواري من القوم من سوء ما بشر به﴾ [النحل: ٥٩]، وقوله: ﴿ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣].
البدل كقوله تعالى: ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ [التوبة: ٣٨] وقوله ﴿من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن﴾، [الأنبياء: ٤٢]، أي: بدل الرحمن.
" وأنكر قوم مجيء (من) للبدل فقالوا: التقدير في ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾ أي بدلا منها. فالمفيد للبدلية متعلقها المحذوف، وأما هي فللابتداء (٥).
стр. 805
المجاوزة بمعنى عن: وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٢]، وقوله: ﴿ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] (١). بدليل قوله تعالى: ﴿ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم﴾ [النساء: ١٠٢]، وقيل هي فيهما ابتدائية.
والراجح أنها في الآية الأولى للتعليل أي من أجل ذكر الله، لأنه إذا ذكر قست قلوبهم (٢). وهي كقوله تعالى: ﴿وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقوله: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [الزمر: ٤٥] فذكر الله سبب لاشمئزازهم.
وأما الآية الثانية فليست بمعنى (عن) والله أعلم، فإن ثمة فرقا بين الايتين، فقوله تعالى: ﴿ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم﴾ [النساء: ١٠٢]، يفيد أن الغفلة عارضة و (عن) للمجاوزة، وذلك أن هؤلاء في ساحة القتال، وهم متهيئون له، معهم أسلحتهم وأمتعتهم ولكن يود الذين كفروا غفلة عن الأسلحة والأمتعة فيميلون عليهم.
وأما الفغلة في قوله تعالى: ﴿ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا﴾ [الأنبياء: ٩٧]، فهي غفلة ابتدائية لازمة لا عارضة، أي هم في غفلة دائمة، فلم يستعدوا للآخرة كما استعد أولئك للقتال، فغفلة هؤلاء ابتدائية ملازمة، ومثله قوله تعالى: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾ [ق: ٢٢]، ولم يقل (عن هذا) لأن الإنسان في غفلة من عالم الغيب ملازمة له من حيث ولادته إلى أن يموت، فينكشف عنه عند ذاك الغطاء وتزول الحجب فيبصر ما لم يكن يبصر، ويرى ما لم يكن يرى، فالغفلة ابتدائية وذلك أن بينهما حجابًا، ابتداء من هذا الأمر، أو ذاك.
وقيل: هي في هذه الآية للابتداء، لتفيد أن ما بعد ذلك من العذاب أشد، كأن هذا
стр. 806
القائل يعلق معناها بويل مثل: ﴿فويل للذين كفروا من النار﴾ [ص: ٢٧] (١).
مرادفة الباء، نحو قوله تعالى: ﴿ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥]، قاله يونس والظاهر أنها للابتداء. (٢).
ويترجح عندي أنها للتبعيض أي ينظرون ببعض طرفهم، وهو المناسب لمشهد الذل الذي هم فيه. ومثله في حياتنا اليومية، أن يغضب أب على ابنه. في فعلة فينهره ويغلظ عليه والابن لا يستطيع مواجهة أبيه بكل طرفه، بل ينظر إليه ببعض طرفه.
موافقة على وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، وقيل هي على التضمين، أي منعناه بالنصر (٣).
وهو ارجح بدليل قوله تعالى: ﴿وياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم﴾ [هود: ٣٠]، وقوله: ﴿فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا﴾ [غافر: ٢٩]، ولا يصح أن تكونا بمعنى على.
وقد ذكرنا ذلك في موطن سابق.
زائدة نحو (ما جاءني من رجل) و (ما رأيت من أحد) وهي تفيد الاستغراق والتوكيد. فقولك (ما جاءني رجل) يحتمل أنه لم يأتك أحد من الجنس، ويحتمل أنه لم يأتك رجل واحد بل أكثرمن ذلك (٤).
فإذا قلت (ما جاءني من رجلٍ) نفيت أن يكون جاءك أحد من الجنس، وصار النفي نصا في الجنس. جاء في (المقتضب): " وذلك قولك (ما جاءني رجل) فيجوز أن تعني رجلا واحدًا .. فإذا قلت: (ما جاءني من رجل)، لم يقع ذلك إلا للجنس كله" (٥).
стр. 807
ولذا يصح أن تقول: ما جاءني رجل بل رجلان، ويمتنع أن تقول ما جاءني من رجل بل رجلان. (١).
وهي عند سيبويه كأنها مأخوذة من معنى التبعيض قال: " وقد تدخل في موضع لو لم تدخل فيه كان الكلام مستقيما، ولكنها توكيد بمنزلة (ما)، إلا أنها تجر لأنها حرف إضافة وذلك قولك (ما أتاني من رجل) و (ما رأيت من أحد) لو أخرجت (من) كان الكلام حسنا ولكنه أكد بمن لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس (٢).
وذهب بعضهم إلى أنها في هذا المعنى للابتداء، جاء في (شرح ابن يعيش): " وأما زيادتها لاستغراق الجنس في قولك (ما جاءني من رجل) فإنما جعلت الرجل ابتداء غاية نفي المجيء إلى آخر الرجال، ومن ههنا دخلها معنى استغراق الجنس (٣).
وذهب بعضهم إلى أنها ليست زائدة، لأنها تفيد معنى وهو الاستغراق (٤).
وعلى كل، فإن الذين يقولون بزيادتها، والذين لا يقولولن بها، متفقون على أنها تفيد معنى الاستغراق والتوكيد، فإن معنى الزيادة عندهم دخولها على مجرور يطلبه العامل بدونها (٥). فقولك (ما جاءني من رجل) دخلت فيه على الفاعل، وقولك (هل من خالق غير الله يرزقكم) [فاطر: ٣]، دخلت فيه على المبتدأ وليست زائدة في المعنى.
ولزيادتها شروط هي:
١ - أن يتقدم عليها نفي أو شبهه، وشبه النفي هو النهي والاستفهام، كقوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: ٦١]،
стр. 808
وقوله: ﴿هل يراكم من أحدٍ﴾ [التوبة: ١٢٧]، ولا تضرب من أحد.
٢ - أن يكون مجرورها نكرة كما مثلنا.
٣ - أن يكون مجرورها فاعلا، أو نائب فاعل، أو مفعولا به، أو مبتدأ، وقيل مفعولا مطلقا أيضا (١).
وذكر أنه أجاز الكوفيون زيادتها في الإيجاب، بشرط تنكير مجرورها مستدلين بما حكى عن بعض العرب (قد كان من مطر): " وأجيب بأنه على سبيل الحكاية كأنه سئل هل كان من مطر؟
فأجيب (قد كان من مطر) فزيدت لأجل حكاية المزيدة في غير الموجب، كما قال: دعني من تمرتان (٢).
ثم قيل أن المعنى يأباه في الموجب، فإن قولك (جاءني من رجل) معناه جاءك جميع جنس الرجال وهو محال، جاء في (شرح ابن يعيش): " ولذلك لا يرى سيبويه زيادة (من) في الواجب لا تقول (جاءني من رجل) كما لا تقول (جاءني من أحد)، لأن استغراق الجنس في الواجب محال، إذ لا يتصور مجيء جميع الناس ويتصور ذلك في طرف النفي (٣).
وأجاز الأخفش زيادتها في الواجب، كما أجاز دخولها على المعارف مستدلا بقوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، و ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ [نوح: ٤]، بدليل أنه ورد في آية آخرى، ﴿ويكفر عنك سيئاتكم﴾ [الأنفال: ٢٩]، ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [الصف: ١٢]، من دون (من) والحق أنهما للتبعيض، قال ابن يعيش: وأما قوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم سيئاتكم﴾ فإن (من) للتبعيض أيضا لأن الله
стр. 809
عز وجل وعد على عمل ليس فيه التوبة، ولا اجتناب الكبائر تكفير بعض السيئات، وعلى عمل فيه توبة واجتناب الكبائر تمحيص جميع السيئات، يدل على ذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخوفها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، فجيء بـ (من) ههنا، وفي قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١]، لم يأت بـ (من) لأنه سبحانه وعد باجتناب الكبائر تكفير جميع السيئات، ووعد بإخراج الصدقة على ما حد فيها، تكفير بعض السيئات (١).
وكذلك قوله تعالى: ﴿يغفر لك من ذنوبكم﴾ فهي للتبعيض أيضا وليست بمعنى (يغفر لكم ذنوبكم) فإن الموطن مختلف فهي في الأولى في قوم نوح، والثانية في الأمة المحمدية (٢).
وارى أنه لا يصح القول بأن هذه اللفظة بمعنى تلك بالاستدلال بآية على أخرى، حتى يتماثل الموطنان والسياقان، فإن القرآن دقيق غاية الدقة في المخالفة بين التعابير والألفاظ لاختلاف الموطن والسياق.
منذ ومذ
هذا الحرفان لفظاهما متقاربان، فقد تضمن (منذ) حرفي (مذ) مع زيادة النون، ولذلك قالوا بأن أحدهما أصل للآخر، فقد قالوا إن أصل مذ منذ، وذلك لتقارب لفظيهما، كما ذكرنا ولأنك إذا اضطررت فحركت الذال من (مذ) حركتها بالضم، فتقول (ما رأيته مذ اليوم) فترجعها إلى الأصل، ولأنك إذا صغرت (مذ) قلت (منيذ) وإذا كسرتها قلت (أمناذ) (٣). فرجعت النون في التصغير والتكسير.
стр. 810
ويذكر النحاة أن (منذ) لغة أهل الحجاز، وأما (مذ) فلغة بني تميم، وغيرهم ويشاركهم فيها أهل الحجاز (١).
وأكثر العرب يجرون ما بعد (منذ) مطلقا وأما (مذ) فيجرون بعدها الحاضر، ويرفعون بعدها الماضي فيقولون مثلا:
ما رأيته منذ يوم الجمعة.
وما رأيته منذ يومنا - بالجر، ويقولون في (مذ):
ما رأيته مذ يومان - بالرفع في الماضي.
وما رأيته مذ يومنا - بالجر في الحاضر، أي في يومنا.
وهناك لغات أخرى، إلا أن هذه لغة أكثر العرب، جاء في (المغنى): " وأكثر العرب على وجوب جرهما للحاضر، وعلى ترجيح جر (منذ) للماضي على رفعه، وترجيح رفع (مذ) للماضي على جره" (٢).
فهم لم يستعملوهما متماثلين، بل خضوا (مذ) باستعمال (ومذ) باستعمال، ثم أنهم جعلوا (مذ) إذا رفع ما بعدها لمعنى، وإذا جر ما بعدها لمعنى آخر، وهو الموافق لطبيعة العربي في التخصيص، جاء في (المقتضب): " أما (مذ) فيقع الاسم بعدها مرفوعا على معنى، ومخفوضا على معنى، فإذا رفعت فهي اسم مبتدأ وما بعدها خبره، غير أنها لا تقع إلا في الابتداء لقلة تمكنها، وأنها لا معنى لها في غيره، وذلك قولك (لم آته مذ يومان) وأنا أعرفه مذ ثلاثون سنة، وكلمتك مذ خمسة أيام.
والمعنى إذا قلت: (لم آته مذ يومان) أنك قلت: لم أره، ثم خبرت بالمقدار والحقيقة والغاية فكأنك قلت: مدة ذلك يومان.