← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

القائل يعلق معناها بويل مثل: ﴿فويل للذين كفروا من النار﴾ [ص: ٢٧] (١). مرادفة الباء، نحو قوله تعالى: ﴿ينظرون من طرف خفي﴾ [الشورى: ٤٥]، قاله يونس والظاهر أنها للابتداء. (٢). ويترجح عندي أنها للتبعيض أي ينظرون ببعض طرفهم، وهو المناسب لمشهد الذل الذي هم فيه. ومثله في حياتنا اليومية، أن يغضب أب على ابنه. في فعلة فينهره ويغلظ عليه والابن لا يستطيع مواجهة أبيه بكل طرفه، بل ينظر إليه ببعض طرفه. موافقة على وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا﴾ [الأنبياء: ٧٧]، وقيل هي على التضمين، أي منعناه بالنصر (٣). وهو ارجح بدليل قوله تعالى: ﴿وياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم﴾ [هود: ٣٠]، وقوله: ﴿فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا﴾ [غافر: ٢٩]، ولا يصح أن تكونا بمعنى على. وقد ذكرنا ذلك في موطن سابق. زائدة نحو (ما جاءني من رجل) و (ما رأيت من أحد) وهي تفيد الاستغراق والتوكيد. فقولك (ما جاءني رجل) يحتمل أنه لم يأتك أحد من الجنس، ويحتمل أنه لم يأتك رجل واحد بل أكثرمن ذلك (٤). فإذا قلت (ما جاءني من رجلٍ) نفيت أن يكون جاءك أحد من الجنس، وصار النفي نصا في الجنس. جاء في (المقتضب): " وذلك قولك (ما جاءني رجل) فيجوز أن تعني رجلا واحدًا .. فإذا قلت: (ما جاءني من رجل)، لم يقع ذلك إلا للجنس كله" (٥).

стр. 807

ولذا يصح أن تقول: ما جاءني رجل بل رجلان، ويمتنع أن تقول ما جاءني من رجل بل رجلان. (١). وهي عند سيبويه كأنها مأخوذة من معنى التبعيض قال: " وقد تدخل في موضع لو لم تدخل فيه كان الكلام مستقيما، ولكنها توكيد بمنزلة (ما)، إلا أنها تجر لأنها حرف إضافة وذلك قولك (ما أتاني من رجل) و (ما رأيت من أحد) لو أخرجت (من) كان الكلام حسنا ولكنه أكد بمن لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس (٢). وذهب بعضهم إلى أنها في هذا المعنى للابتداء، جاء في (شرح ابن يعيش): " وأما زيادتها لاستغراق الجنس في قولك (ما جاءني من رجل) فإنما جعلت الرجل ابتداء غاية نفي المجيء إلى آخر الرجال، ومن ههنا دخلها معنى استغراق الجنس (٣). وذهب بعضهم إلى أنها ليست زائدة، لأنها تفيد معنى وهو الاستغراق (٤). وعلى كل، فإن الذين يقولون بزيادتها، والذين لا يقولولن بها، متفقون على أنها تفيد معنى الاستغراق والتوكيد، فإن معنى الزيادة عندهم دخولها على مجرور يطلبه العامل بدونها (٥). فقولك (ما جاءني من رجل) دخلت فيه على الفاعل، وقولك (هل من خالق غير الله يرزقكم) [فاطر: ٣]، دخلت فيه على المبتدأ وليست زائدة في المعنى. ولزيادتها شروط هي: ١ - أن يتقدم عليها نفي أو شبهه، وشبه النفي هو النهي والاستفهام، كقوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: ٦١]،

стр. 808

وقوله: ﴿هل يراكم من أحدٍ﴾ [التوبة: ١٢٧]، ولا تضرب من أحد. ٢ - أن يكون مجرورها نكرة كما مثلنا. ٣ - أن يكون مجرورها فاعلا، أو نائب فاعل، أو مفعولا به، أو مبتدأ، وقيل مفعولا مطلقا أيضا (١). وذكر أنه أجاز الكوفيون زيادتها في الإيجاب، بشرط تنكير مجرورها مستدلين بما حكى عن بعض العرب (قد كان من مطر): " وأجيب بأنه على سبيل الحكاية كأنه سئل هل كان من مطر؟ فأجيب (قد كان من مطر) فزيدت لأجل حكاية المزيدة في غير الموجب، كما قال: دعني من تمرتان (٢). ثم قيل أن المعنى يأباه في الموجب، فإن قولك (جاءني من رجل) معناه جاءك جميع جنس الرجال وهو محال، جاء في (شرح ابن يعيش): " ولذلك لا يرى سيبويه زيادة (من) في الواجب لا تقول (جاءني من رجل) كما لا تقول (جاءني من أحد)، لأن استغراق الجنس في الواجب محال، إذ لا يتصور مجيء جميع الناس ويتصور ذلك في طرف النفي (٣). وأجاز الأخفش زيادتها في الواجب، كما أجاز دخولها على المعارف مستدلا بقوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، و ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾ [نوح: ٤]، بدليل أنه ورد في آية آخرى، ﴿ويكفر عنك سيئاتكم﴾ [الأنفال: ٢٩]، ﴿ويغفر لكم ذنوبكم﴾ [الصف: ١٢]، من دون (من) والحق أنهما للتبعيض، قال ابن يعيش: وأما قوله تعالى: ﴿ويكفر عنكم سيئاتكم﴾ فإن (من) للتبعيض أيضا لأن الله

стр. 809

عز وجل وعد على عمل ليس فيه التوبة، ولا اجتناب الكبائر تكفير بعض السيئات، وعلى عمل فيه توبة واجتناب الكبائر تمحيص جميع السيئات، يدل على ذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخوفها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ [البقرة: ٢٧١]، فجيء بـ (من) ههنا، وفي قوله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ [النساء: ٣١]، لم يأت بـ (من) لأنه سبحانه وعد باجتناب الكبائر تكفير جميع السيئات، ووعد بإخراج الصدقة على ما حد فيها، تكفير بعض السيئات (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿يغفر لك من ذنوبكم﴾ فهي للتبعيض أيضا وليست بمعنى (يغفر لكم ذنوبكم) فإن الموطن مختلف فهي في الأولى في قوم نوح، والثانية في الأمة المحمدية (٢). وارى أنه لا يصح القول بأن هذه اللفظة بمعنى تلك بالاستدلال بآية على أخرى، حتى يتماثل الموطنان والسياقان، فإن القرآن دقيق غاية الدقة في المخالفة بين التعابير والألفاظ لاختلاف الموطن والسياق. منذ ومذ هذا الحرفان لفظاهما متقاربان، فقد تضمن (منذ) حرفي (مذ) مع زيادة النون، ولذلك قالوا بأن أحدهما أصل للآخر، فقد قالوا إن أصل مذ منذ، وذلك لتقارب لفظيهما، كما ذكرنا ولأنك إذا اضطررت فحركت الذال من (مذ) حركتها بالضم، فتقول (ما رأيته مذ اليوم) فترجعها إلى الأصل، ولأنك إذا صغرت (مذ) قلت (منيذ) وإذا كسرتها قلت (أمناذ) (٣). فرجعت النون في التصغير والتكسير.

стр. 810

ويذكر النحاة أن (منذ) لغة أهل الحجاز، وأما (مذ) فلغة بني تميم، وغيرهم ويشاركهم فيها أهل الحجاز (١). وأكثر العرب يجرون ما بعد (منذ) مطلقا وأما (مذ) فيجرون بعدها الحاضر، ويرفعون بعدها الماضي فيقولون مثلا: ما رأيته منذ يوم الجمعة. وما رأيته منذ يومنا - بالجر، ويقولون في (مذ): ما رأيته مذ يومان - بالرفع في الماضي. وما رأيته مذ يومنا - بالجر في الحاضر، أي في يومنا. وهناك لغات أخرى، إلا أن هذه لغة أكثر العرب، جاء في (المغنى): " وأكثر العرب على وجوب جرهما للحاضر، وعلى ترجيح جر (منذ) للماضي على رفعه، وترجيح رفع (مذ) للماضي على جره" (٢). فهم لم يستعملوهما متماثلين، بل خضوا (مذ) باستعمال (ومذ) باستعمال، ثم أنهم جعلوا (مذ) إذا رفع ما بعدها لمعنى، وإذا جر ما بعدها لمعنى آخر، وهو الموافق لطبيعة العربي في التخصيص، جاء في (المقتضب): " أما (مذ) فيقع الاسم بعدها مرفوعا على معنى، ومخفوضا على معنى، فإذا رفعت فهي اسم مبتدأ وما بعدها خبره، غير أنها لا تقع إلا في الابتداء لقلة تمكنها، وأنها لا معنى لها في غيره، وذلك قولك (لم آته مذ يومان) وأنا أعرفه مذ ثلاثون سنة، وكلمتك مذ خمسة أيام. والمعنى إذا قلت: (لم آته مذ يومان) أنك قلت: لم أره، ثم خبرت بالمقدار والحقيقة والغاية فكأنك قلت: مدة ذلك يومان.

стр. 811

والتفسير بيني وبين رؤيته هذا المقدار، فكل موضع يرتفع فيه ما بعدها فهذا معناه. وأما الموضع الذي ينخفض ما بعدها فإن تقع في معنى (في) ونحوها، فيكون حرف خفض، وذلك قولك (أنت عندي مذ اليوم) ومذ الليلة، وأنا أراك مذ اليوم يا فتى، لأن المعنى في اليوم أو في الليلة، وليس المعنى أن بيني وبين رؤيتك مسافة، وكذلك: رأيت زيدا مذ يوم الجمعة يمدحك، وأنا أراك مذ سنة تتكلم في حاجة زيد لأنك تريد: أنا في حال رؤيتك مذ سنة، فإن أردت رأيتك مذ سنة، أي غاية المسافة إلى هذه الرؤية سنة، رفعت، لأنك لو قلت رأيتك، ثم قلت: بيني وبين ذلك سنة، فالمعنى أنك رأيته ثم غبرت سنة لا تراه. وإذا قال: أنا أراك مذ سنة، فإنما المعنى أنك في حال رؤية لم تنقض، وأن أولها مذ سنة، فلذلك قلت: أراك، لأنك تخبر عن حال لم تنقطع (١). ومن هذا يتبين أن هناك فرقًا في المعنى بين الرفع والجر في (مذ) عند أكثر العرب فهي إذا جرت كانت للحاضر، وإذا رفع ما بعدها كانت للمضي، فقولك (أنا أمشى في حاجتك منذ شهر) بالجر، معناه أنك لا تزال تمشي، وقولك (مشيت في حاجتك مذ) شهر بالرفع، معناه أنك مشيت من ذلك الحين، وانقطعت عن المشيز وكذلك قولك: (أنا مكرمه مذ شهر) بالجر، معناه أنك لا تزال تكرمه، وقولك (أنا مكرمه منذ شهرٌ) بالرفع معناه أنك أكرمته، في ذلك الوقت وانقطع الإكرام. ونحوه أن تقول: (هو مُعانٌ مذ سنةٍ) بالجر و (هو مُعانٌ مذ سنةٌ) بالرفع، فمعنى الجر أنه لا يزال يُعان مذ سنة، ومعنى الرفع أنه أعين منذ سنة ثم انقطعت الإعانة. قالوا وهذان الحرفان لابتداء الغاية، بمعنى (من) إذا كان الزمان ماضيا نحو: (ما رأيته منذ يوم الخميس) وبمعنى (في) إذا كان الزمان حاضرًا، نحو: ما رأيته منذ يومنا، وبمعنى (من) و (إلى) جميعا إن كان معدودا، نحو (ما رأيته منذ ثلاثة أيام) (٢).

стр. 812

والحق إن (إلى) مفهومة منهما مطلقًا، إذا كان الزمان ماضيًا، فقولك (ما رأيته منذ يوم الخميس) معناه إلى الآن. ولا يجوز وقوعهما للاستقبال (١). فلا تقول سأسافر منذ غد، ولا سأنقطع عن العمل منذ غد. والنحاة يفرقون بينهما إذا وقع بعدهما الاسم مرفوعا، أو مجرورًا، فهما اسمان ظرفان، إذا وقع بعدهما الاسم مرفوعا، وحرفا جر إذا وقع بعدهما الاسم مجرورا. ويعربونهما مبتدأ، وما بعدهما خبرا، في نحو (ما رأيته منذ يومان) على معنى أمد ذلك يومان، أو خبرين لما بعدهما، مقدمين على معنى بيني وبين رؤيته يومان، وقيل: هما ظرفان مضافان إلى جملة حذف فعلها وبقي فاعله، والأصل مذ كان يومان (٢). وينبني على ذلك أمر آخر، وهو أنه إذا جاء الاسم بعدهما مجرورا، فالكلام جملة واحدة وإذا وقع بعدهما الاسم مرفوعا فالكلام جملتان، فقولك (ما رأيته منذ يومين) جملة واحدة، وقولك (ما رأيته منذ يومان) جملتان، الأولى (ما رأيته)، والثانية (مذ يومان) (٣).، ومعنى ذلك أنك أخبرت بنفي الرؤية أولا، ثم بدا لك أن تخبر إخبارا ثانيا عن المدة فقلت: أمد ذلك يومان، قالوا وهي كالمفسرة، وقال السيرافي هي حالية أي متقدمًا (٤). والصواب أنها استئنافية وإذا كانا حرفي جر، فمعنى ذلك أنك أخبرت أخبارا واحدا، وجعلت الكلام سردا واحدا.

стр. 813

ويترجح عندي أنهما اسمان مطلقا (١). سواء ورد بعدهما الاسم مجرورا أم مرفوعا وسواء وقع بعدهما اسم أم فعل، وهما مضافان إلى ما بعدهما، والله أعلم. الواو ونعنى بها واو القسم، وهي حرف جر يدخل على الأسماء الظاهرة، نحو قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ [التين: ١] وقوله: ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١]، وقوله: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣] ولا يدخل على الضمير، ولا يذكر معه فعل القسم، فلا تقول: أقسم والله كما تقول: أقسم بالله، ولا يتلقي بها القسم الاستعطافي والطلبي، فلا تقول: (والله هل فعلت) ولا (والله لا تفعل) كما في الباء، فإنك تقول فيه: (بربك هل فعلت) و (بربك لا تفعل). المعاني المشتركة تبين مما تقدم أن هناك معاني مشتركة تؤديها طائفة من حروف الجر، كالتعليل، والظرفية والبدلية والاستعلاء وغيرها. فالتعليل مثلا يؤدي باللام، وبـ (من) والباء، و (في) غيرها والظرفية تؤدي بـ (في)، والباء (وعلى) وغيرها، ونحو ذلك. فهل يكون المعنى المشترك متماثلا في هذه الأحرف؟ هل التعليل باللام، والباء و (من) واحد؟ وهل الظرفية بالباء، و (في) و (على) واحدة؟ وقل مثل ذلك في سائر المعاني. وقد ذكرنا قسما من هذه المعاني في مواطنها، وذكرنا فيها رأينا، والآن نذكر أشهر ما بقي منها.

стр. 814

التعليل: يؤدي التعليل باللام كقوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥] وقوله: ﴿ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون﴾ [الروم: ٤٤]، وقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ [هود: ١٨ - ١٩]. ويؤدي بالباء، نحو قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠]، وقوله: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾ [النساء: ١٦٠] ويؤدي بـ (من) كقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقوله: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ [نوح: ٢٥]. ويؤدي بـ (في)، نحو قوله تعالى: ﴿لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور: ١٤]، وقوله (ص)، دخلت امرأة النار في هرة حبستها .. )، وغير ذلك، فهل معنى التعليل في هذه الأحرف متماثل؟ الحق أنه غير متماثل، وإن كان المعنى العام واحدا، فالتعليل بالباء غيره باللام غيره بـ (من) و (في) فإن لكل حرف من حروف التعليل معنى خاصا، وإن كانت كلها تفيد التعليل، ولذا لا يصح إبدال حرف مكان آخر دوما، فلا يصح مثلا في قوله تعالى: ﴿وإذ استسقي موسى لقومه﴾ [البقرة: ٦٠]، أن تقول: (وإذ استسقي موسى بقومه أو في قومه أو على قومه) لأداء المعنى نفسه، ولا يصح في قوله تعالى: ﴿سخرها لكم﴾ [الحج: ٣٧]، أن تقول: (سخرها بكم أو فيكم أو منكم)، ولا يصح في قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾ [الرحمن: ١٠]، أن تقول: (والأرض وضعها على الأنام أو في الأنام أو بالأنام أو من الأنعام) لإرادة معنى التعليل، ولو كانت المعاني متماثلة لصح إبدال حرف بآخر. إن التعليل بالباء إنما هو بمقابل شيء حصل، تقول: (عاقبته بذنبه) فالعقاب مقابل الذنب الذي اقترفه صاحبه، وهو كأنه عوض عنه أو ثمن له جرى عليه بسببه،

стр. 815

قال تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ [البقرة: ٨٨]، فاللعنة مقابل الكفر، وقال: ﴿ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون﴾ [البقرة: ١٠] فالعذاب مقابل كذبهم، وقال: ﴿سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله﴾ [آل عمران: ١٥٥]، أي مقابل ذلك، وقال: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ [يوم: ٤١]، فإن ظهور الفساد مقابل ما فعله الناس. وليست اللام كذلك، فإن اللام تفيد سبب حدوث الفعل، وليست مقابلا لشيء حصل فأنت تقول: (جئت للاستفادة) فالاستفادة ليست مقابل شيء، وتقول: (أرسلته لاختباره) فالاختبار ليس مقابلا لشيء، وإنما ذكرت سبب المجيء والإرسال، وتقول: (أرسلته لتجربته) و (أرسلته بتجربته) فقد أفادت الأولى أنه أرسله ليجربه، والثانية أرسله لأنه مجرب أي مقابل تجربته التي حدثت قبل إرساله. إن التعليل باللام يختلف عن التعليل بالباء، وذلك إن العلة المقترنة بالباء تكون حاصلة قبل حدوث الفعل في الغالب، وإن الفعل حصل مقابلا لها، أما العلة المقترنة باللام فقد تكون حاصلة قبل الفعل، وقد تكون مرادا تحصيلها، قال تعالى: ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ [البقرة: ٨٨]، فاللعن مقابل الكفر، والكفر حاصل قبل اللعن، وتقول: (جئت للاطلاع) فالاطلاع غير حاصل في أثناء المجيء وإنما يطلب تحصيله، وتقول (جئت لمعالجة فلان) فالمعالجة هي السبب الداعي للمجئ وهي غير حاصلة في أثناء المجيء، بل يراد تحصيلها، وقد يكون السبب موجودًا وهو الدافع للفعل، كقولك (عاقبته لاسائته إلى فلان) و (رسب لاهماله) فالإساءة هي سبب العقوبة وهي موجودة قبل العقاب، وكذلك الاهمال. ولذا لا يصح تعاقب الحرفين دوما. قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]، ولا تقول بذكري، وقال: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾ [الإنسان: ٩]، ولا تقول بوجه الله، وقال ﴿ينبت لكم به الزرع والزيتون﴾ [النحل: ١١]، ولا تقول: (ينبت بكم به الزرع). إن التعليل بالباء يفيد المقابلة، والثمن، بخلاف اللام التي تفيد الاختصاص والاستحقاق.

стр. 816

وأما التعليل بـ (من) ففيه معنى الابتداء، فعندما تقول (قتله من إملاق) يكون المعنى أن القتل صدر من الإملاق، وحصل منه فهو مبدأ الفعل، ونحوه: (بكي من الألم) و (عض أصبعه من الندم) بمعنى حصل البكاء، من الألم وصدر منه، وحصل العض من الندم وصدر منه، فالندم أسبق من العض، ومنه حصل العض، والألم أسبق من البكاء ومنه صدر البكاء، فالعلة بـ (من) أسبق وجودًا من الحدث. فـ (من) التعليلية تفيد الابتداء، والباء تفيد المقابلة، واللام تفيد الاستحقاق والاختصاص. تبين مما سبق أن العلة المسبوقة بالباء و (من) موجودة قبل الحدث، أما العلة المسبوقة باللام فقد تكون واقعة قبل الحدث، وقد تكون مرادا تحصيلها. وتبين لنا أن التعليل بالباء و (من) مختلفان، فالتعليل بالباء يفيد العوض والمقابلة، وأما التعليل بـ (من) فيفيد الابتداء، فقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾ لا يصح فيه أن نقول بإملاق، وقولنا ((عض أصبعه من الندم) لا يصح أن نقول فيه بالندم. وقولنا (قعد من الجبن) لا يصح أن نقول فيه قعد بالجبن، لأنه ليس مقابلا للقعود، وإنما حصل منه القعود ونشأ منه. قال تعالى: ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله﴾ [البقرة: ٦١]، فما حصل هو مقابل كفرهم. وقد تحسن معاقبة الباء و (من) في تعبير واحد، وكل على تقدير معنى، فمثلا قوله تعالى: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ [نوح: ٢٥]، المعنى فيه أن الماء دخل عليهم من حطيئاتهم، أي جاءهم من هذا المكان، كأن الخطيئات ثغرة دخل منها الماء، فهي للابتداء، ولو قلت: (بخطيئاتهم أغرقوا) لكان المعنى أن الغرق مقابل للخطيئات، كأنهم أدوا ثمن الخطيئات وهو الغرق، وقال تعالى: ﴿فأخذتهم الصاعقة بظلمهم﴾ [النساء: ١٥٣]، أي هذا مقابل ذاك، فالصاعقة ثمن الظلم، ولو قال (من ظلمهم) لكان المعنى أن الصاعقة جاءتهم من موطن الظلم، فالباء تفيد المقابلة والعوض، و (من) تفيد الابتداء.

стр. 817

جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقد تجيء - لا يعني من - للتعليل نحو (لم آتك من سوء أدبك) أي من أجله، وكأنها ابتدائية لأن ترك الاتيان حصل من سوء الأدب". (١). وأما التعليل بـ (على) ففيه معنى الاستعلاء، فإذا قلت: (كافأته على إحسانه) كان المعنى كأنك وضعت المكافأة على الإحسان، وإذا قلت (عاقبته على إساءته) كان المعنى كأنك جعلت العقوبة على الإساءة، أي وضعتها عليها، قال تعالى: ﴿ولتكبروا الله على ما هداكم﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي يكون التكبير على الهداية كما تقول (كبر على النصر) جعل النصر شيئا يكبر عليه، كما يكون التكبير على الذبيحة ونحوها. وأما (في) فتفيد الظرفية، فقوله تعالى: ﴿لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم﴾ [النور: ١٤]، معناه أنه جعل العذاب في الإفاضة فكأن هذه الإفاضة ظرف في داخله العذاب، ونحوه ان تقول (عذبته في فعلته) فكأن الفعلة فصلت فيها العذاب، وقد تضمنته واحتوته احتواء الظرف على ما في داخله، قال ﷺ : (دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)، والمعنى دخلت امرأة النار في هذه الفعلة على معنى أن هذه الفعلة ظرف احتوى المرأة وأدخلها النار. وقد تتعاقب الحروف كلها في تعبير واحد، وكل منها على تقدير معنى فمثلا نحن نقول: أخذته الصاعقة لظلمه وبظلمه ومن ظلمه وعلى ظلمه وفي ظلمه، وكل له معنى، فأما أخذته الصاعقة لظلمه، فمعناه ان ظلمه سبب استحقاق العذاب، أي استحق العذاب لهذا. وأما (بظلمه) فمعناه أنه مقابل ظلمه. وأما (من ظلمه) فكأن الصاعقة أخذته من ذلك المكان، أي جاءته ودخلت عليه من الظلم. وأما (على ظلمه) فكأن الصاعقة وقعت على ظلمه. وأما (في ظلمه) فمعناه أن الظلم تضمن الصاعقة واحتواها، والله أعلم.

стр. 818

الظرفية: تستعمل (في) للظرفية نحو (محمد في الدار) و (الزيت في القارورة) ونحو قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات﴾ [فصلت: ١٦]. ويستعمل الباء للظرفية، أيضا نحو (ولد بالبصرة) ونحو قوله تعالى ﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقوله: ﴿من يكلؤك بالليل والنهار من الرحمن﴾ [الأنبياء: ٤٢]. وقالوا: قد تستعمل (على) لذلك، نحو قوله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ [القصص: ١٥]، أي في حين غفلة، ونحو قولنا: (كان ذلك على عهد الواثق) و (جمع المصحف على عهد أبي بكر). فما معنى الظرفية في كل حرف من هذه الأحرف؟ وهل هي ظرفية متماثلة؟ إن ظرفية (في) ظرفية تضمن واحتواء، وظرفية الباء ظرفية ملاصقة واقتران، نقول: (الماء في الحب) و (الزيت في القارورة) ولا نقول (الماء بالحب) ولا (الزيت بالقارورة) لأن الحب يحتوي الماء والقارورة تحتوي الزيت، ونقول (دفن في القبر) لأن القبر تضمنه واحتواه. قال تعالى: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في الصدور﴾ [العاديات: ٩ - ١٠]، ونقول (كان في السفينة) قال تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفلك﴾ [يونس: ٢٢]، لأن الفلك تضمنت من فيها ولا نقول (بالسفينة). ونقول: (أقام بالبصرة) على معنى الملاصقة والاقتران، فإن قلت (أقام فيها) فعل معنى تضمنته واحتوته، وتقول (ذهب في الناس) أي دخل فيهم، فهم احتووه وتضمنوه، ولا نقول: (دخل بهم) على هذا المعنى. ونقول: (أدخلت الخاتم في أصبعي، والقلنسوة في رأسي) ولا نقول: (بإصبعي) (برأسي) جاء في (الأصول): " واعلم أن العرب تتسع فيها - أي في حروف الجر - فتقيم بعضها مقام بعض إذا تقاربت المعاني، فمن ذلك الباء، تقول فلان بمكة وفي

стр. 819

مكة، وإنما جازا معا، لأنك إذا قلت (فلان بموضع كذا وكذا) فقد خبرت عن اتصاله والتصاقه بذلك الموضع، وإذا قلت (في موضع كذا) فقد خبر بـ (في) عن احتوائه إياه وإحاطته به" (١). فالباء للملاصقة والاقتران، و (في) للاحتواء، قال تعالى: ﴿ينفقون أموالهم بالليل والنهار﴾ [البقرة: ٢٧٤]، وقال: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ [الأنعام: ٦٠]، فجاء بالباء لأن الانفاق مقترن بوقت الليل والنهار، وكذلك التوفي، بخلاف قوله تعالى: ﴿يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل﴾ [الحج: ٦١]، فإنه جاء بـ (في) لإرادة التضمن والاحتواء والدخول، فقد جعل النهار ظرفا لليل، والليل ظرفا للنهار، كأنه يحتويه، أي يدخل فيه فلما كان كذلك جاء بـ (في) بخلاف ما مر فإن التوفي لايدخل في الليل، ولا الانفاق، وإنما يقترن الفعل بهذا الوقت، فجاء بالباء لإرادة المصاحبة والاقتران وجاء بـ (في) للتضمن والاحتواء. ونقول: (نزل بالبئر) و (نزل في البئر) فالأولى على معنى أنه نزل بقربها كما تقول: أكلنا بالعين وشربنا بها أي أقمنا بقربها، فإن أردت النزول في داخلها فلا تقول إلا (نزل في البئر) فالباء للملاصقة و (في) للاحتواء. ونقول (هو ينفق الماء بالليل) و (هو ينفق المال في الليالي الحمراء) فإن معنى الأولى أن وقت الانفاق هو الليل، أي يقترن الحدث بهذا الوقت وبصاحبه، وأما الثانية فعلى معنى أنه يذهبه في الفسوق، فجعل الليالي وعاء يرمي فيه المال. فـ (في) تفيد الولوج والتضمن، وأما الباء فللاقتران، والمصاحبة والملاصقة. وأما (على) فقد جاءت للظرفية، في قوله تعالى: ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ [القصص: ١٥] أي في حين غفلة كما يقول النحاة.

стр. 820

والحق أنها ليست بمعنى (في) تمامًا، فإن ثمة فرقا بين قولنا (جاءنا على غفلة)، و (جاءنا في غفلة) ألا ترى إنا نقول (هاجمه في وقت العفلة)، ولا نقول (هاجمه على وقت الغفلة) ونقول (دخل المدينة في وقت العصر)، ولا نقول (على وقت العصر)، ولو كانت بمعناها لصح ذلك. الذي يبدو أن قولنا (هاجمه في غفلة) معناه أنه هاجمه وهو ادخل في الغفلة، وكذلك (جاءه في غفلة) أي جاءه هو داخل في الغفلة، وإنما كان عليها أي لم تحتوه ولم تتضمنه، فقولك (هاجمه على غفلة) معناه أنه انتهز فرصة غفلة عرضت له وهاجمه. ومثله ما نقوله في الدراجة (جئت على أولها) و (جئت في أولها) و (جئت على أول الصلاة) و (جئت في أولها) فمعنى (جئت في أولها) أنك جئت وهم داخلون في أولها، وأما (جئت على أولها) فالمعنى أنك استعليت على أولها وشاهدته، فالمجيء أسبق. وتقول (جئت على حين قتل إسماعيل) و (جئت في حين قتل إسماعيل) فمعنى الأول إنك جئت مستعليا على الوقت، وشاهدت الفعلة، ومعنى الثانية إنك جئت وقد دخلت في هذا الوقت، فالمجيء الأول أسبق، وربما لم تشاهد الفعلة في الثانية، ومما يوضح هذا أنك تقول (جئت على سفر محمد) و (جئت في سفر محمد) فمعنى الأولى أنك جئت وهو متهي للسفر فشاهدت سفره، وأما قولك (جئت في سفر محمد) فمعناه أنك جئت وهو مسافر ولم تشاهده. وتقول: (دخلت الموصل في حين غرق بغداد) أي دخلتها في هذا الوقت، ولم تشاهد غرق بغداد، وأما (جئت على غرق بغداد) فمعناه أنك شاهدته. فـ (في) تفيد الدخول وعلى تفيد الاستعلاء وليس معناها الدخول وأما قولهم (كان ذلك على عهد فلان) فالظاهر، أنه يختلف عن قولهم، كان ذلك في عهده.

стр. 821

فالذي يبدو أن قولهم (كان ذلك على عهده) معناه أن الحدث مختص بأمر من أمور الدولة، أو بما هو من شأنها، كأن تقول (جمع المصحف على عهد أبي بكر) و (بنيت البصرة على عهد عمر) و (فتحت عمورية على عهد المعتصم) كأن العهد حمل هذه الاعمال، وقام بها، ولا تقول (بنيت دارا على عهد الواثق) ولا (سافرت إلى البصرة على عهد المتوكل) لأن ذلك ليس من شأن الدولة. وأما (في) فهي لعموم الظرفية، فتقول: (بنيت دارا في زمن المتوكل) و (تزوجت في عهد فلان) و (انتصر الروم على الفرس في عهد الرسول وفي زمن الرسول) لأن الحدث ثم في ذلك الوقت، ولا تقول على عهده لأنه لم يفعله وهو ليس من شأن حكومته ﷺ . فإن عهده لم يتحمل هذه المسألة. فـ (على) للاستعلاء وذلك أنها تفيد أن الحكم إضطلاع بالأمر أو هو من شأنه أن يفعله والله أعلم. زيادة (ما) تزاد ما بعد طائفة من حروف الجر، وزيادتها على ضربين: ١ - كافة عن الجر نحو: ربما سعيت إلى حتفك وأنت لا تعلم. ٢ - غير كافة، نحو قوله تعالى: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ [المؤمنون: ٤٠]. ما الكافة . وتدخل على رب والكاف، ونحو قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كان مسلمين﴾ [الحجر: ٢]، ونحو (كن كما أنت) ونحو قوله: وأعلم أنني وأبا حميد ... كما النشوان والرجل الحليم.

стр. 822

وقوله: أخ ماجد لم يخزني يوم مشهد ... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه (١). ونحو قوله ﷺ (صلوا كما رأيتموني أصلي) وهي في الحديث ليست مصدرية فإنه لم يقع التشبيه بالرؤية، وأنت لو صرحت بالمصدر ههنا، لم يكن كلاما صحيحا فإنه لو قيل: صلوا كرؤيتكم صلاتي، لم يكن مطابقًا للمعنى المقصود (٢). ونحو قوله تعالى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨]، قيل: وقد تدخل على (من) والباء نحو (إني مما افعل ذاك) ونحو قوله: وإنا لما نضرب الكبش ضربة ... على رأسه تلقي اللسان من الفم وقوله: فلئن صرت لا تحير جوابا ... ليما قد ترى وأنت خطيب ويحتملان غير ذلك (٣). والغرض من زيادة (ما) هذه أن تهيء الحرف للدخول على ما لم يكن يدخل عليه فيدخل على الأفعال وعلى الجمل الإسمية، فهي توسع دائرة استعمال الحرف، بعد أن كان منحصرًا في دائرة معينة، ف (رب) مثلا مختصة بالأسماء الظاهرة النكرة، فإذا دخلت عليها (ما) هذه وسعت دائرة استعمالها، فأصبحت تدخل على الأسماء الظاهرة والمضمرة، على النكرات والمعارف، على الأفعال والأسماء تقول (رب كلمة تهوي بصاحبها في النار) ولا يصح أن نقول (رب الكلمة) ولا (رب تهوى) فإن أدخلت عليها (ما) هذه صح كل ذلك فتقول: (ربما ألقت الكلمة صاحبها في النار) و (ربما الكلمة عادت على صاحبها بالوبال)، قال الشاعر:

стр. 823

ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعتاجيج بينهن المهار فقد وسعت (ما) معنى التقليل والتكثير في (رب)، وقد التفت القدامى إلى وظيفة (ما) هذه جاء في تفسير الرازي، والنحويون يسمون ما، هذه الكافة يريدون أنها بدخولها كفت الحرف عن العمل الذي كان له، وإذا حصل هذا الكف فحينئذ تتهيأ للدخول على ما لم تكن تدخل عليه، ألا ترى أن (رب) إنما تدخل على الاسم المفرد نحو (رب رجل يقول ذاك) ولا تدخل على الفعل فلما دخلت (ما) عليها هيأتها للدخول على الفعل كهذه الآية (١). يعني قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا﴾ [الحجر: ٢]. وجاء في (لسان العرب) /: والفرق بين ربما، ورب، أن رب لا يليه غير الاسم، وأما ربما فإنه زيدت ما مع رب ليليها الفعل، تقول رب رجل جاءني، وربما جاءني زيد، ورب يوم بكرت فيه، ورب خمرة شربتها، ويقال ربما جاءني فلان، وربما حضرني زيد (٢). وجاء في شرح الكافية للرضي: وأما ما التي بعد رب، .. فهي تكفها عن العمل فلا تطلب متعلقا. وتبقي رب للتقليل، أي لتقليل النسبة التي في الجملة الواقعة بعدها (٣). ومثلها الكاف فإن الكاف لتشبيه مفرد بمفرد ظاهر، فتقول (هو كالبحر) وهي كاللؤلؤة، ولا تدخل على المضمر، ولا على فعل، فإن جئت بـ ما اتسع التشبيه بها، وصارت تدخل على الظاهر والمضمر، وعلى الأسماء والأفعال، وتستعمل لتشبيه مفرد بمفرد، ولتشبيه مضمون جملة بأخرى (٤). وذلك نحو (كن كما أنت) فقد دخلت على

стр. 824

الضمير، ونحو (كما تكونون يولي عليكم) و (صلوا كما رأيتموني أصلي) و ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فقد وسعت ما دائرة التشبيه بالكاف. وقيل إن كما تفيد التشبيه والمماثلة الحقيقية، بخلاف كأن، تقول: (اضربه كما ضربك) والمعنى اضره ضربا مماثلا لضربه لك، بخلاف قولك (اضربه كأن قد ضربك) فإنه لا يفيد أنه ضربك، وتقول (إمدحه كما مدحك) والمعنى إمدحه مدحا مماثلا لمدحه لك، والمعنى أنه مدحك، ولو قلت (امدحه كأنه مدحك) لكان المعنى أنه لم يمدحك جاء في التطور النحوي: وكأن وكأن تفيدان فرض كون الشيء غير ما هو عليه في الحقيقة، وكما تفيد التشبيه والتمثيل الحقيقي، مثال ذلك ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ [الأعراف: ١٧١]، والجبل لم يكن ظلة أو مثل ظلة، بل كان ضدها في المتانة والرسو، والمعنى لو كان الجبل كظلة، لكان نتفه، ورفعه، وزلزلته، قريبا من الاحتمال فلأنه لم يكن كظلة، كان نتفه من المعجزات. وكما مثل (آمنا كما آمن الناس) يعني إيماننا مثل إيمانهم (١). وذكروا كما معاني أخرى غير هذه منها: المبادرة نحو (سلم كما تدخل) أي بادر الدخول بالسلام، نحو: (صل كما يدخل الوقت) بمعنى بادر بالصلاة عند دخول الوقت. ومنها أن تكون بمعنى قران الفعلين في الوجود نحو قولك: (كما قام زيد قعد عمرو) فقد اقترن الفعلان في الوجود وفيها معنى المبادرة. قالوا: وقد تكون بمعنى (لعل) نحو (انتظرني كما آتيك) أي: لعلما آتيك، قال رؤية، لا تشتم الناس كما لا تشتم، فيكون قد تغير معنى الكلمة بالتركيب (٢).

стр. 825

ويحتمل أن يكون معنى قول رؤبة (لا تشتم الناس كما لا تحب ان تشتم) وعلى أية حال فوظيفة (ما) هذه توسع دائرة الاستعمال، سواء أكانت مع حروف الجر أم مع غيرها، وذلك كما في الأحرف المشبهة بالفعل، فإنها إذا دخلت عليها (وما) هذه وسعت استعمالها فصارت تدخل على الأفعال والأسماء، بعد أن اكنت مختصة بالدخلو على الأسماء، وكما في (بعد) وبين، فهما مختصتان بالإضافة إلى الأسماء، فإذا دخلت عليهما (ما) هذه صح دخولها عن الجمل الفعلية والإسمية، تقول (بعد ما كان ملكا أصبح سوقة) قال الشاعر: أعلاقة أم الوليد بعدما ... افنان رأسك كالثغام المخلس وقيل (ما) مصدرية، ونحوه: بينما نحن بالأراك معا ... أذ أتى راكب على جمله وتقول: (بينما كنت سائرا، إذ طلع علي رجل مهيب الطلعة). وكما في طال، وكثر وقل، فهي مختصة بالاسماء، تقول: طال السفر وقل الزاد، فإن دخلت عليها ما هيأتها للدخول على الأفعال، تقول: طالما اجتمعنا وقلما اتفقنا. وقيل هي مصدرية (١). ما غير الكافة: تزاد ما غير كافة بعد طائفة من حروف الجر، وذلك بعد من، وعن، والباء ورب، والكاف فيبقي لها اختصاصها كما كان وذلك نحو قوله تعالى: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ [المؤمنون: ٤٠]، وقوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾ [المائدة: ١٣]، وقوله: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأخلوا نارا﴾ [نوح: ٢٥]، وقول الشاعر: ربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصري وطعنة نجلاء

стр. 826

وقوله: ماوي ياربتما غارة ... شعواء كاللدغة بالميسم وقوله: وننصر مولانا ونعلم أنه .. كما الناس مجروم عليه وجارم (١). وهي في هذا الموطن مؤكدة، قال تعالى: ﴿عما قليل ليصبحن نادمين﴾ فأكد أنه بعد قليل سيندمون، ألا ترى كيف قرن نون التوكيد معها لزيادة التوكيد، كما قرنها معها في غير هذا الموطن، قال تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ [الأنفال: ٥٨]، فجمع بين (ما) ونون التوكيد لزيادة التوكيد، وكما يجمع بين اللام وإن، ونحو: ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾ [الأعراف: ١٦٧]، وكما يجمع بين القسم وإن لزيادة التوكيد نحو (والله إنك لمؤتمن) قال سيبويه: وأما قوله: : ﴿فيما نقضهم ميثاقهم﴾ فإنما جاء لأنه ليس ما معنى سوى ما كان قبل أن تجيء به إلا التوكيد، ثمن ثم جاء ذلك إذا لم ترد به أكثر من هذا (٢). وجاء في لسان العرب: وتجيء ما صلة يريد بها التوكيد كقول الله : ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ المعنى: فبنقضهم ميثاقهم. وقال ابن الأنباري في قوله ﴿عمل قليل ليصبحن نادمين﴾ قال يجوز أن يكون معناه: عن قليل وما توكيد، ويجوز أن يكون المعنى: عن شيء قليل وعن وقت قليل فيصبر (ما) اسما غير توكيد" (٣). وهي تفيد التوكيد أيضا إذا زيدت في غير هذا الموطن، وذلك نحو ما ذكرنا من زيادتها بعد أدوات الشرط نحو: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها﴾ [الإسراء: ٢٨].

стр. 827

ولذلك يكثر وصل نون التوكيد بالفعل بعدها، ونحو: ﴿أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ [الإسراء: ١١٠]، وكزيادتها بعد الأحرف المشبهة بالفعل، إذا لم تكن كافة نحو (ليتما محمد معنا)، جاء في (كتاب سيبويه): وتكون وتوكيد لغوا وذلك قوله (متى ما تأتني آتك) وقولك: (غضبت من غير ما جرم) وقال : ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾ فهو لغو في إنها لم تحدث إذا جاءت شيئا، لم يكن قبل أن تجيء العمل، وهي توكيد للكلام (١). وذهب الزمخشري في (الكشاف) إلى أنها تفيد القصر زيادة على معنى التوكيد فقد جاء فيه في قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ما: مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة الله ونحوه: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم) (٢). وجاء في قوله تعالى: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا﴾ [نوح: ٢٥]: " لبيان ان لم يكن أغراقهم بالطوفان فادخالهم النار إلا من أجل خطيئاتهم وأكد هذا المعنى بزيادة (ما) (٣). وذهب هذا المذهب جماعة، منهم ابن القيم، فقد جاء في (بدائع الفوائد): " قول (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم) أي ما لعناهم إلا بنقضهم ميثاقهم، ونحو: (فبما رحمة من الله لنت لهم) أي: ما لنت لهم إلا برحمة من الله. ولا تسمع قول من يقول من النحاة أن ما زائدة في هذا الموضع فإنه صادر عن عدم تأمل. فإذا عرفت أن زيادتها مع إن واتصالها بها اقتضى هذا النفي والإيجاب، فانقل هذا المعنى إلى اتصالها بحرف الجر مع قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من لله لنت لهم﴾ و (فبما نقضهم ميثاقهم) وتأمل كيف تجد الفرق بين هذا التركيب، وبين أن يقال (فبرحمة من الله).

стр. 828

و (فبنقضهم ميثاقهم) وأنك تفهم من تركيب الآية: ما لنت لهم إلا برحمة من الله، وما لعناهم إلا بنقضهم ميثقاهم" (١). والحق أنها لا تفيد القصر هنا، بل هي مؤكدة، أما معنى القصر الذي ذكر فهو متأت من التقديم، لا من زيادة (ما)، قال تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾ [النساء: ١٥٥]، فقدم نقض الميثاق والكفر بآيات الله، وقتل الأنبياء لإفادة الحصر، والتقديم يفيد القصر، ـ كما مر في كثير من المواطن. أما (ما) فهي للتوكيد وناسب زيادتها ههنا أن الكلام قبل هذه الآية على الميثاق. قال تعالى: ﴿ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله﴾ [النساء: ١٥٤ - ١٥٥]، فلما تقدم الكلام على الميثاق، وأخذ الميثاق الغليظ منهم، ناسب ذلك زيادة (ما) لتوكيد النقض كما ناسب تقديمه على بقية الأسباب للاهتمام به في هذا الموطن. ونحوها قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعنانهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ [المائدة: ١٣]، فالقصر متأت من التقديم لا من (ما)، أما (ما) فهي للتوكيد، وناسب زيادتها أن السياق هو في الكلام على الميثاق كآية النساء، قال تعالى: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وأتيتم الزكاة وأمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار، فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تتطلع على خائنة منهم إلا قليل منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به﴾ [المائدة: ١٢ - ١٤].

стр. 829

فالكلام، كما ترى، على الميثاق، فناسب ذلك زيادة (ما) لتوكيد نقض الميثاق، وكذا الكلام في آية نوح، وهو قوله تعالى: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا﴾ [نوح: ٢٥]، فإن القصر فيها متأت من التقديم. أما ما قاله ابن القيم فيمن قال من النحاة إنها زيادة فغلو عليهم، فهم لا يقولون بأنها زائدة لا فائدة منها، وإنما يقولون هي زائدة مؤكدة، فهي واردة لتأدية معنى، لا لغير معنى. وأما ما ذكره من أنها نظيرة (أن) فإن زيادتها مع إن اقتضي معنى النفي والإيجاب - يعني القصر - فانقل هذا المعنى إلى اتصالها بحرف الجر، فهذا مردود بأن التي تفيد القص هي الكافة فقط، أما غير الكافة فلا تفيده. ويؤيد ما ذهبنا إليه في أن ما غير الكافة المزيدة بعد حروف الجر، لا تفيد القصر بل التوكيد. ١ - إن ما إذا زيدت غير كافة في الأحرف المشبة بالفعل، كانت مؤكدة نحو (إنما محمدا قائم) وإذا زيدت كافة فهي للقصر، وللتهيئة للدخول على ما لم تكن تدخل عليه. جاء في شرح ابن يعيش: وقيل إنما زيدا منطلق، فيجوز في أن الإعمال والإلغاء فمن ألغي ورفع، وقال (إنما زيد منطلق) كانت ما كافة .. ومن أعمالها وقال: (إنما زيدا منطلق) كانت ملغاة والمراد بها التأكيد (١). ٢ - إن ما غير الكافة الداخلة على الشرط أو غيره لا تفيد معنى القصر، وذلك نحو (وإما تخافن من قوم خيانة) ونحو (غضبت من غير ماحرم) بل تفيد التوكيد ٣ - ليس هناك نصوص تقطع بأن غير الكافة تفيد القصر مع حروف الجر، بل الأولى أن تكون الكافة المزيدة بعد أحرف الجر هي التي تفيد القصر، إذا احتمل المعنى ذلك نظيره أن، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢]، فهو يحتمل أن المعنى: لا يود الذين كفروا كثيرا إلا هذا الأمر.

стр. 830

ولا يقال أن (رب) متقدمة فأفادت القصر، إذ هي ليس لها متعلق فتتقدم عليه، فلا يفيد تقديمها القصر، بل أفادته مع (ما). وكقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني اصلي)، إذ يحتمل أن المعنى لا تصلوا إلا كصلاتي فأفادت ما الكافة القصر. تبين من هذا أن ما تزاد على ضربين: ١ - كافة، والغرض منها توسع دائرة الاستعمال، وقد تكون للقصر إذا احتمل المعنى ذلك. ٢ - غير الكافة وهي للتوكيد. التقديم والتأخير إن أغراض تقديم الجار والمجرور لا تكاد تختلف عن غيرها من أغراض تقديم المفعول والحال، والظرف ونحوها، ومدار الأمر في ذلك هو العناية والاهتمام. إن مواطن العناية والاهتمام متعددة كما سبق أن ذكرنا في أكثر من موطن، ومن ذلك: الحصر والاختصاص، وهو أشهر الأغراض، وأكثرها دورانا حتى حص بعضهم التقديم بهذا الغرض، جاء في الاتقان: " كاد أهل البيان يطبقون على أن تقديم المعمول يفيد الحضر سواء كان مفعولا أو ظرفا أو مجرورا، ولهذا قيل في ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ [الفاتحة: ٥]، ومعناه نخصك بالعبادة والاستعانة، وفي ﴿لإلي الله تحشرون﴾ [آل عمران: ١٥٨]، معناه إليه لا إلى غيره" (١). والحق أن التقديم يفيد الحصر كثيرا، وقد يفيد غيره

стр. 831

ومما يفيد القصر قوله تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران: ١٢٢]، أي ليخصوا ربهم وحده بالتوكل (١).، فإنه لا يصح التوكل على غيره، وقوله: ﴿إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، فقدم الجار، والمجرور، في (له يسجدون) للقصر، أي يخصونه بالعبادة لا يشركون به أحدا (٢). وكقوله تعالى: ﴿ألا إلى الله تصير الأمور﴾ [الشورى: ٥٣]، " لأن المعنى أن الله تعالى مختص بصيرورة الأمور إليه، دون غيره، ونحو قوله تعالى: ﴿إنا إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦] (٣). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ [البقرة: ١٥٦]، فنحن نرجع إليه لا إلى غيره، وكقوله: ﴿إليه يرد علم الساعة﴾ [فصلت: ٤٧]، فإنه مختص بعلم الساعة، وإليه يرد علمها لا إلى غيره، ومثله قوله تعالى: ﴿قل إن كانت لكم الدار الأخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين﴾ [البقرة: ٩٤]، فقدم لكم للاختصاص، إذ قال لهم إن كانت لكم الدار الآخرة خالصة لكم وحدكم لا يشارككم فيها كما تزعمون فتمنوا الموت. ونحو قوله تعالى: ﴿ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: ١٣٦]، و [نحن له عابدون] البقرة ١٣٨، ومنه قوله تعالى: ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا﴾ [الملك: ٢٩]، فإنه أخر به عن آمنا فقال آمنا به، وقد عليه على توكلنا فقال وعليه توكلنا، وذلك أن الموطن الأول ليس موطن قصر، فالإيمان لا يقتصر على الإيمان بالله، بل يكون به وبملائكته وبكتبه، ورسله وباليوم الآخر، وغير ذلك، ولذا لم يقدم (به) ولو قدمه لأفاد القصر ولكان المعنى لا يؤمنون إلا به، وقدم الجار والمجرور، في وعليه توكلنا لأن التوكل لا يكون إلا عليه كما قال في موطن آخر (وعلى الله فليتوكل المؤمنون).

стр. 832

فأخر وقدّم بحسب المعني جاء في (البرهان) في هذه الآية: (فإن الإيمان لما لم يكن منحصرًا في الإيمان بالله بل لابد معه من رسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر مما يتوقف صحة الإيمان عليه بخلاف التوكل فإنه لا يكون إلا على الله وحده، لتفرده بالقدرة والعلم القديمين الباقيين، قدم الجار والمجرور فيه ليؤذن باختصاص التوكل من العبد على الله دون غيره، لأن غيره لا يملك ضرًا ولا نفعًا فيتوكل عليه) (١). وقد يكون التقديم لغير القصر بل للتعظيم، أو للتحقير، أو لتعجيل المسرة والمساءة، وغير ذلك من ضروب الاهتمام، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿والله بما تعملون خبير﴾ [آل عمران: ١٨٠]، فهذا لا يفيد القصر لأن الله خبير بما نعمل، وبغير ذلك أيضا، ولا تختص خبرته بعملنا، بل أن خبرته مطلقة لا يحدها شيء ولكن لما كان الكلام علينا وعلى أعمالنا قدمها لنرتدع ونحذر، ومثله ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾ [النساء: ١]، وهذا التقديم لا يفيد القصر أيضا لأن رقابة الله لا تختص بنا، فهو رقيب على كل شيء، قال تعالى: ﴿وكان الله على كل شيء رقيبا﴾ [الأحزاب: ٥٢]، ولكن لما كان الأمر يتعلق بأعمالنا قدم (عليكم) للتخويف والتحذير. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿والذين هم على صلاتهم يحافظون﴾ [المعارج: ٣٤]، فقدم الجار والمجرور على الفعل وهذا التقدي لا يفيد القصر أيضا، وذلك لأن المحافظة لا تقتصر على الصلاة بل هي لعموم حدود الله وفرائضه، قال تعالى ﴿والحافظون لحدود الله﴾ [التوبة: ١١٢]، ولكنه قدم الصلاة لتعظيم أمرها. ومثله قوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفا محفوظًا وهم عن آياتها معرضون﴾ [الأنبياء: ٣٢]، وأعراضهم لا يختص بآيات السماء، بل هم معرضون عن آيات الأرض والسماء. قال تعالى: ﴿وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون﴾ [يوسف: ١٠٥]، ولكن لما تقدم الكلام على السماء، خص آياتها بالذكر، فقال (وهم عن آياتها معرضون) فقدم الجار والمجرور للتعظيم.

стр. 833

وقد يكون التقديم والتأخير لأداء معنى لا يفهم بدونه وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، فإنه قدم (من آل فرعون) على الفعل (يكتم) لإفادة أن هذا الرجل هو من آل فرعون، ولو آخره، وقال (وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون) لما فهم أنه منهم (١). بل لاحتمال المعنى أن هذا الرجل يكتم إيمانه من آل فرعون، أي يخفيه منهم، والمعنى الأول هو المطلوب. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال ياقوم اتبعوا المرسلين﴾ [يس: ٢٠]، وقوله: ﴿وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا يموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ [القصص: ٢٠]، فإنه قدم (من أقصى المدينة) على (رجل) في آية يس وآخرها في آية القصص وذلك لأن المعنى مختلف فمعنى قوله تعالى ﴿وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى﴾ إن هذا الرجل جاء ساعيا من أقصى المدينة، فالمجيء كان من أقصى المدينة. أما في آية القصص، فالمعنى أن الرجل كان مسكنه في أقصى المدينة، كما تقول (تكلم رجل من أعلى القوم أو من أدناهم) فليس المقصود أنه كان جالسا في الأعلى، وتكلم من هناك، وإنما المعنى أنه من علية القوم فهو صفة وكذلك الآية. جاء في (درة التنزيل): " وأما الآية الأولى من سورة القصص [يعني قوله: وجاء رجل من أقصى المدينة] فإن المراد جاء من لا يعرفه موسى من مكان لم يكن مجاورا لمكانه فاعلمه ما فيه الكفار من ائتمارهم به (٢). ويحتمل أيضا المعنى الأول فهو تعبير احتمالي. ونحو هذا أن تقول (قدم من القرية رجل) و (قدم رجل من القرية) فمعنى الأولى أن قدومه كان من القرية، وأما الثانية فتحتمل هذا المعنى وتحتمل أن الرجل قروي، أي هو من أهل القرية، وربما لم يكن قدومه هذا من القرية.

стр. 834

فإذا كان الكلام منفيا كان تقديم المجرور يفيد نفي وقوع الحدث على المتقدم، وإثباته لغيره، تقول (ما ذهبت إلى سعيد) و (ما إلى سعيد ذهبت) فالأولى تفيد أنك نفيت الذهاب إلى سعيد، ولم تفد أنك ذهبت إلى غيره، فربما كنت ذهبت أو لم تكن، أما في الثانية فإنك نفيت الذهاب إلى سعيد وأثبته إلى غيره، أي أذهب إلى سعيد وإنما إلى غيره ولذا يصح أن تقول: (ما ذهبت إلى سعيد ولا إلى غير)، ولا يصح أن تقول (ما إلى سعيد ذهبت ولا إلى غيره) لأنه تناقض، لأن قولك (ما إلى سعيد ذهبت) معناه أنك ذهبت إلى غيره فيكف تقول: ولا إلى غيره؟ جاء في (نهاية الإيجاز): " فإذا قلت (ما أمرتك بهذا) فقد نفيت عن نفسك امره بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر، وإذا قلت (ما بهذا امرتك) كنت قد أمرته بشيء غيره (١). أما تقديم الجار والمجرور على غير متعلقة فللعناية والاهتمام أيضا، وهذا الأمر جار في عموم رصف الكلمات، فأنت بما قدمته أعني، وتتدرج العناية والاهتمام مع الكلمات تدرجا تنازليا فما قدمته، أولا هو أهم، وهكذا إلى آخرها ذكرا، فقولك (ذهب إلى المسجد خالد) يفيد أن العناية بالجار والمجرور أكثر من قولك (ذهب خالد إلى المسجد) قال تعالى: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ [آل عمران: ١٥١]، فقدم الجار والمجرور (في قلوب) على المفعول به (الرعب) وذلك لأن الأهم في هذا الموطن مكان الرعب، لا الرعب نفسه، إذ المهم أن تمتليء قلوب الكافرين بالرعب وليس المهم أن يوضع الرعب في مكان آخر. ثم أن الأهمية والعناية يحددها المقام، فقد تكون العناية في مقام تقتضي تقديم لفظ ما وقد تقتضي في مقام آخر تأخير ما قدمته، وذلك نحو: (مررت بخالد على القائد) و (مررت على القائد بخالد) فالاهتمام بخالد في الجملة الأولى أكبر، وفي الثانية بالعكس، وذلك كأن يكون الموطن في الأولى الاهتمام بأمر خالد وليس الدخول على القائد، والثانية بالعكس، قال تعالى:

стр. 835

﴿وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ١٢٦]. وقال: ﴿وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبك وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾ [الأنفال: ١٠]. فقدم القلوب على الجار والمجرور في آل عمران فقال: (ولتطمئن قلوبكم به) وأخرها عنه في الانفال، فقال (ولتطمئن به قلوبكم) مع أن الكلام على معركة بدر في الموطنين، غير أن الموقف مختلف. ففي آل عمران، ذكر معركة بدر تمهيدًا لذكر موقعة أحد، وما أصابهم فيها من قرح وحزن والمقام مقام مسح على القلوب، وطمأنة لها من مثل قوله تعالى: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عران: ١٣٩ - ١٤٠]، إلى غير ذلك من آيات المواساة والتصبير، فقال في هذا الموطن ﴿وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به﴾ [آل عمران: ١٢٦]، فذكر أن البشرى (لهم) وقدم (قلوبهم) على الأمداد بالملائكة فقال: ﴿إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به﴾ كل ذلك من قبيل المواساة والتبشير والطمأنة، ولما لم يكن المقام في الأنفال كذلك وإنما المقام ذكر موقعة بدر وانتصارهم فيها ودور الأمداد السماوي في هذا النصر، وقد فصل في ذلك أكثر مما ذكر في آل عمران، فقال ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشري ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم، إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين أمنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾ [الأنفال: ٩ - ١٢]. أقول لما كان المقام مختلفا خالف في السياق.

стр. 836

أنه لما كان المقام في الأنفال مقام الانتصار وإبراز دور الإمداد الرباني، قدم (به) على القلوب والضمير يعود على الإمداد، ولما كان المقام في آل عمران هو الطمأنة وتسكين القلوب قدمها على الإمداد فقال (ولتطمئن قلوبك به) وزاد كلمة (لكم) فقال (وما جعله الله إلا بشرى لكم) زيادة في المواساة والمسح على القلوب، فجعل كلا في مقامه. ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب﴾ [المائدة: ٣]. وقوله: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فقد قال في آية البقرة (وما أهل به لغير الله) فقدم (به) على (لغير الله) ومعنى (ما أهل به) ما رفع الصوت بذبحه وهو البهيمة، وقال في آيتي المائدة والأنعام (وما أهل لغير الله به) فقدم (لغير الله) على (ربه) وذلك أن المقام في آية الانعام كان في الكلام على المفترين على الله ممن كانوا يشرعون للناس باسم الدين، وهم يفترون عليه فقال ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه﴾ [الأنعام: ١٣٦ - ١٣٨].

стр. 837

إلى غير ذلك من الآيات التي تبين أن ثمة ذوات غير الله تحلل وتحرم مفترية على الله وذوات يزعمون أنها شركاء لله، تعبد معه، ونصيبها أكبر من نصيب الله في العبادة، ولذا قدم إبطال هذه العبودات من غير الله على (به) فقال (أو فسقا أهل لغير الله به) لأنه هو مدار الاهتمام والكلام. والكلام في المائدة أيضا على التحليل والتحريم، ومن بيده ذلك ورفض آية جهة تحلل وتحرم من غير الله، فإن الله هو يحكم ما يريد، قال: ﴿يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد يآيها الذين أمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضونا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح لعلى النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب﴾ [المائدة: ١ - ٤]. فهو يجعل التحليل والتحريم بيده ويرفض أية جهة أخرى تقوم بذلك، لأن ذلك من الشرك الذي أبطله الإسلام، ولذا قدمه في البطلان فقال (وما أهل لغير الله به). ثم إنه جاء في الموطنين بذكر اسم الله على الذبائح، فذكر في آية الأنعام أن المشركين لا يذكرون اسم الله على بعض ذبائحهم تعمدًا، فقال: ﴿وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها﴾ [الأنعام: ١٣٨]ـ، وأمر في آية المائدة بذكر اسم الله، فقال: (واذكروا اسم الله عليه) فناسب ذلك تقديم بطلان ذكر غير الله.

стр. 838

وأما في آية البقرة فليس المقام كذلك، فلم يذكر أن ثمة جهة أخرى تقوم بالتحليل والتحريم، وإنما الكلام على ما رزق الله عباده من الطيبات، فقال: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾ وقال بعدها: ﴿يأيها الذين أمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]. فلما كان المقام الرزق والطعام والأمر بأكل الطيبات قدم (به) والضمير يعود على ما يذبح وهو طعام مناسبة للمقام، والله أعلم. تعلق الجار والمجرور يرى النحاة أن الجار والمجرور ومثله الظرف لابد أن يتعلق بفعلٍ، أو بما يشبه الفعل، أو ما هو بمعناه، فالمتعلق بالفعل نحو (سرت في الطريق) وشبه الفعل نحو (أنا سائر في الطريق) فهو متعلق باسم الفاعل وهو شبيه بالفعل، ومثله اسم المفعول وبقية المشتقات والمصدر، وما هو بمعنى الفعل نحو (أين أنت مني) لأن معنى (أين أنت) بعدت (١). ونحو (هو أسد في المعركة) أي شجاع (وهو فرعون على قومه) أي ظالم، وكقوله: وإن لساني شهدة يشتفي بها ... وهو على من صبه الله علقم فـ (على) متعلقة بعلقم لتأوله بصعب أو شاق، أو شديد. ومثال تعلق الظرف بالفعل (جلس بينكم) وتعلقه بشبهه، نحو (أنا متحدث معكم). ومثال تعلقه بما هو بمعناه قوله: أنا أبو المنهال بعض الأحيان

стр. 839

وقوله: أنا ابن ماوية إذ جد النقر ... وجاءت الخيل أثافي زُمَر فتعلق (بعض) و (إذ) بالاسمين العلمين، لما فيهما من معنى، قولك الشجاع أو الجواد (١). فإن لم يكن في الجملة ما يصح تعلقه به، قدر له متعلق مناسب، نحو (هو في الدار) أي كائن في الدار، ونحو (النفس بالنفس، والسن بالسن) أي النفس مقتولة بالنفس، والسن مقلوعة بالسن، ونحو (من لي بهذا) أي (من يتكفل لي بهذا؟ ). ومعنى التعلق الارتباط، ويكون التعلق بما فيه صحة المعنى (٢). فقولك مثلا (شبهت خالدا وهو يجود بماله بالبحر) يكون فيه (بالبحر) متعلقا - أي مرتبطًا - بشبهت لا بيجود، إذ لو علقته بيجود لصار المعنى (يجود بالبحر) وهو فاسد. وإذا علقته بشبهت كان المعنى: شبهته بالبحر. وأما (بماله) فهو مرتبط بيجود لا بشبهت، لأن المعنى: يجود بماله إذ لو علقته بشبهت لكان المعنى (شبهت خالدًا بماله) وهو فاسد. ونحوه قوله تعالى: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ [النساء: ٩٥] فـ (بأموالهم) متعلق بالمجاهدين، لا بفضل، و (على القاعدين) متعلق بـ (فضل). ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ [المائدة: ٣]، فارتباط (من دينكم) بيئس لا بـ (كفروا) لأن المعنى يكون على هذا (كفروا من دينكم) ولا معنى له والمراد يئسوا من دينكم.

стр. 840

ونحوه قوله تعالى: ﴿لا يقدرون مما كسبوا على شيء﴾ [إبراهيم: ١٨]، فـ (على شيء) مرتبط بـ (يقدرون) لا بـ (كسبوا) لأن المعنى يكون على هذا كسبوا على شيء، وهو فاسد، وإنما المعنى لا يقدرون على شيء. ومثله قوله تعالى: ﴿وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه﴾ [يوسف: ٢١]، فتعلق (لامرأته) بـ (قال) لا بـ (اشتراه) لأنه يكون المعنى على هذا (اشتراه لامرأته) وهو غير مراد، ويبقي المقول له بعد ذلك مجهولا. ومثله قوله تعالى: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ [البقرة: ١٨٧]، فلا يصح تعلق ليلة الصيام بـ أحل لأنه يكون المعنى أن الرفث أحل ليلة الصيا، أي نزل تحليله في ليلة الصيام وليس المعنى على ذاك، وإنما المقصود أن الرفث حلال في ليلة الصيام، فهو متعلق بالرفث محذوفا أو مذكورا، فإن النحاة يقدرونه محذوفا، ذلك لأن المصدر الرفث يصح تقديره بأن والفعل أي أن ترفثوا وهذا النوع من المصدر لا يتقدم عليه معموله عندهم، وأنا لا ارى مانعًا من تعليقه بالمذكور. ونحوه قوله تعالى: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١]، فلا يصح تعليق يوم القيامة، بغل أو بيغلل لأن المعنى يكون على ذاك غل يوم القيامة، وليس في يوم القيامة غلول بل هو قبله، وإنما هو متعلق بـ يأت، أي: يأت به يوم القيامة. ومثله قوله تعالى: ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٨٠]، فلا يصح تعلق يوم القيامة، ببخلوا، لأن المعنى يكون عند ذاك أنهم بخلوا يوم القيامة وهم لم يبخلوا يوم القيامة، وإنما بخلوا في الدنيا فهو مرتبط بـ (سيطوقون). ونحوه قوله تعالى: ﴿فجآءته إحداهما تمشى على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا﴾ [القصص: ٢٥]، إذا ربطت فيه (على استحياء) بتمشي، وهو الظاهر، كان المعنى أنها تمشي على استحياء، وإذا ربطته بـ (قالت) المتأخر كان المعنى أن القول على استحياء أي (على استحياء قالت)

стр. 841

فأنت ترى أن المعنى يتغير بحسب تقدير الارتباط. ثم إن التعلق أو الارتباط ليس مختصا بالجار والمجرور والظرف، وإن كان النحاة لا يذكرونه في غيرهما، بل هو جار في كثير من التعبيرات في الجملة العربية، لأنه لابد من ارتباط بين الكلمات أحيانا ليتضح المعنى المقصود. ومثال تعلق أو الارتباط في غير الظرف والجار والمجرور، قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ [الرعد: ٢٢]، فـ (سرًا وعلانية) مفعولان مطلقان أو حالان، وهما متعلقان بأنفقوا، لا يرزقناهم لأن المعنى على ذاك يكون رزقناهم سرًا وعلانية، وليس هو المراد، بل المراد أنهم ينفقون سرًا وعلانية. والنحاة يسمون هذا المتعلق به، عاملا فيقولون أن العامل في سرا وعلانية هو ينفقون. ونحوه قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ [النساء: ١٩]، فكرها مفعول مطلق أو حال، وهذا المصدر بـ (ترثوا) لا يآمنوا، لأن المعنى يكون على ذاك (يأيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء) ولا بقوله يحل، لأن المعنى سيكون: لا يحل لك كارهين أن ترثوا النساء: ومقتضى هذا الأمر أنهم إذا لم يكونوا كارهين جاز لهم ذاك. لك لأن كرها سيكون حالا للمجرور وهذا المعنى فاسد. ونحو أن تقول (ما للذي أساء إلينا نائمًا بيننا؟ ) فلا يصح تعلق نائمًا وهو حال بـ أساء لأن المعنى سيكون أساء نائمًا، أي أساء وهو في حال نومه، وإنما متعلق بمحذوف أي ما حصل له نائمًا؟ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن﴾ [يونس: ٦٦]، فشركاء مفعول به، وهو مرتبط بـ (يتبع) أي: مفعول لهذا الفعل أو معمول له، كما يقول النحاة لأن المعنى أنهم لم يتبعوا شركاء في الحقيقة،

стр. 842

ولا يصح ربطه بـ (يدعون) لأن الكلام على ذلك لا يتم، لأنه سيكون (وما يتبع الذين يدعون شركاء ولا ندري النفي عن أي شيء ولا ما يتبعون. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ [هود: ٨١]، فامرأتك مستثنى يحتمل تعلقه بـ (أسر) فيكون المعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك ويحتمل تعلقه بـ (يلتفت) فيكون المعنى (ولا يلتفت منكم أحدا إلا امرأتك) وعلى هذا تكون مسرى بها معهم، ولكنها تلتفت، والراجح عندي الأول، والله أعلم. ومثل هذا أن تقول (ذهب الطلاب إلى المكتبة واستعاروا كتبا إلا خالدا) فإنك إذا علقت المستثني بـ (ذهب) كان المعنى: ذهب الطلاب إلى المكتبة إلا خالدا فهو لم يذهب، وإذا علقته بـ (استعاروا) كان المعنى: إن خالدا ذهب معهم إلى المكتبة ولكنه لم يستعر كتابًا. فالتعلق هو الارتباط المعنوي، سواء كان ذلك في الجار والمجرور والظرف، أم في غيرهما مما يقتضي الارتباط. الإضافة معنى الإضافة: الإضافة نسبة اسم إلى اسم آخر، واسناده إليه نحو: غلام هند، وكتاب خالد (١). وقد استقر الأمر مؤخرا عند النحاة على أن الإضافة، أما أن تكون بمعنى اللام، نحو: دار سالم، ومال محمد، أي دار لسالم، ومال لمحمد، أو تكون بمعنى من وذلك إذا كان المضاف إليه جنسا للمضاف، نحو ثوب صوف، وخاتم ذهب، أي ثوب من صوف وخاتم من ذهب، أو تكون بمعنى (في) وذلك إذا كان المضاف إليه ظرفا واقعًا فيه.

стр. 843

المضاف، نحو (شهيد الدار) أي في الدار و ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣]، أي في الليل والنهار (١). ولا تخرج الإضافة عن هذا عندهم. وذهب بعض النحاة إلى أن الإضافة ليست على تقدير حرف اصلا، وإلا لزم أن غلام زيد يساوي غلام لزيد، وليس كذلك، فإن معنى المعرفة غير النكرة. وأجيب بأن قولنا غلام لزيد، ليس تفسيرا مطابقا من كل وجه، بل لبيان الملك او الاختصاص فقط (٢). والحق فيما نرى أن الإضافة تعبير آخر ليس على تقدير حرف، فقد يصح تقدير حرف في تعبير، وقد يمتنع تقدير أي حرف في تعبير آخر، وما صح تقديره بحرف لا يطابق معناه معنى المقدر. فهي أعم من أن تكون بمعنى حرف، ومما يدل على ذلك أمور، منها: ١ - امتناع إظهار أي حرف من هذه الحروف في قسم من التعبيرات، نحو: (جئت مع خالد) و ﴿من لدن حكيم عليم﴾ [النمل: ٦]، و ﴿ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥]، و ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل﴾ [آل عمران: ٩٣]، و ﴿من كل زوج كريم﴾ [الشعراء: ٧]ـ و (عند خالد مال) و (خرج جميع القوم) و (يوم الأحد) و: غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن ونحو ذلك كثير، مما يدل على أن الإضافة أوسع من أن تكون بمعنى حرف، وقد لاحظ النحاة ذلك، فحاولوا الخروج من هذا المأزق بقولهم: " ولا يلزم فيما هو بمعنى اللام أن يجوز التصريح بها بل يكفي إفادة الاختصاص الذي هو مدلول اللام، فقولك (طور سيناء) و (يوم الأحد) بمعنى اللام ولا يصح إظهار اللام في مثله (٣).

стр. 844

ونحن نقول: ومن أين لهم أن نحو طور سيناء، ويوم الأحد، وكل الرجال، وجميعهم فيه مدلول اللام الذي يفيد الاختصاص؟ ٢ - اقر النحاة أن الإضافة غير المحضة (وهي إضافة اسم الفاعل، والمفعول والصفة المشبهة إلى معمولها) ليست على تقدير حرف، فقولك: (هو حسن الوجه) ليس على تقدير حرف فليس الوجه في مثل هذا " مضافا إليه (حسن) بتقدير حرف الجر، بل هو هو وكذا في ضارب زيد، لأن ضارب وإن كان مضافا إلى زيد، لكنه بنفسه لا بحرف الجر كما كان مضافا إليه من حيث المعنى حيث نصبه أيضا، ولم يحتج في إضافة إليه لا في حال الإضافة ولا قبلها إلى حرف جر (١). وذلك أن قولك (هو ضارب زيد) و ﴿إنك جامع الناس﴾ [آل عمران: ٩]، مضاف بنفسه، لا بتقدر حرف لأن اسم الفاعل فيهما مأخوذ من متعد، وهو يتعدي بنفسه، فقولك (هو ضارب زيدا) تقديره: هو يضرب زيدا وليس التقدير: هو يضرب لزيد ولذا يقول النحاة في نحوه: (هو ضارب لخالد) إن اللام فيه زائدة مقوية، والأصل (هو ضارب خالد) بإضافة الوصف إلى معموله، وأصل التعبير (هو ضارب خالدا) ومثله ﴿فعال لما يريد﴾ [البروج: ١٦]ـ، فإن اللام فيه زائدة مقوية، والأصل: فعال ما يريد، فكيف ينقلب الزائد اصلا؟ فالتقدير يختص بالمحضة عندهم. ٣ - ونحن نقول: إنه لا فرق بين المحضة وغيرها، فقد يمتنع التقدير في المحضة أيضا مما له شبه بغير المحضة من وجه وذلك نحو (إطعام مسكين) وكقوله: ﴿كطي السجل للكتاب﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقوله: ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]، فهذه كلها إضافة محضة، لأن إضافة المصدر عندهم محضة، وهي ليست على تقدير حرف كما هو ظاهر، وذلك أن المصدر في هذه الأمثلة متعد، وقد أضيف إلى مفعوله، وهو يتعدى إليه في الأصل بلا تقدير حرف، كما في (ضارب خالد).

стр. 845

وممثله إضافة اسم الفاعل إذا كان ماضيًا، نحو (أنا مكرم محمد أمس) فهي محضة، وهي ليست على تقدير حرف في الراجح، لأنه متعد، وقد صرح بذلك ابن يعيش، قال: " وعندي أن إضافة اسم الفاعل إذا كان ماضيا من ذلك، ليس مقدرا بحرف مع أن إضافته محضة (١). وعلى هذا فلا يصح تقدير حرف في نحو هذا، وبذا يكون قد خرج قسم من المحضة من التقدير. ٤ - إضافة اسم التفضيل في الغالب لا تفيد معنى حرف، ولا تدل عليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب﴾ [البقرة: ٨٥]، فهذا نظير قولهم (حسن الوجه)، فلا يصح تقدير حرف فإن أشد هو العذاب كما ذكروا في الصفة المشبهة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقوله: ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ [الشعراء: ٦٧]، ونحو: (أكرمته أحسن الإكرام). وإضافة اسم التفضيل محضة عند الجمهور، فهذا خرج عن التقدير أيضا. ٥ - ومما يدل على ضعف مذهبهم أن الأولى أن يكون التقدير أحيانا على غير ما ذهب إليه النحاة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت﴾ [البقرة: ١٩]، فهو على تقدير اللام عندهم، وتقدير (من) أرجح وأولى، أي: حذرا من الموت، وهم لا يقدرونه بـ (من) لأن المضاف إليه ليس جنسا للمضاف وكذلك (هربت خوف سعيد) فهو على تقدير اللام عندهم، وتقدير من أظهر في المعنى، أي: خوفا من سعيد، ونحوه قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ [البقرة: ١٦١]، فهم يقدرونه باللام وتقدير (من) أظهر في المعنى أي: لعنة من الله وهم يمنعون تقديره بـ (من) لأن المضاف إليه ليس جنسا للمضاف ومثله قوله: ﴿غفرانك ربنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومعناه غفرانا منك، وليس غفرانا لك،
следующие страницы →