فأنت ترى أن المعنى يتغير بحسب تقدير الارتباط.
ثم إن التعلق أو الارتباط ليس مختصا بالجار والمجرور والظرف، وإن كان النحاة لا يذكرونه في غيرهما، بل هو جار في كثير من التعبيرات في الجملة العربية، لأنه لابد من ارتباط بين الكلمات أحيانا ليتضح المعنى المقصود.
ومثال تعلق أو الارتباط في غير الظرف والجار والمجرور، قوله تعالى: ﴿وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية﴾ [الرعد: ٢٢]، فـ (سرًا وعلانية) مفعولان مطلقان أو حالان، وهما متعلقان بأنفقوا، لا يرزقناهم لأن المعنى على ذاك يكون رزقناهم سرًا وعلانية، وليس هو المراد، بل المراد أنهم ينفقون سرًا وعلانية.
والنحاة يسمون هذا المتعلق به، عاملا فيقولون أن العامل في سرا وعلانية هو ينفقون.
ونحوه قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ [النساء: ١٩]، فكرها مفعول مطلق أو حال، وهذا المصدر بـ (ترثوا) لا يآمنوا، لأن المعنى يكون على ذاك (يأيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء) ولا بقوله يحل، لأن المعنى سيكون: لا يحل لك كارهين أن ترثوا النساء: ومقتضى هذا الأمر أنهم إذا لم يكونوا كارهين جاز لهم ذاك. لك لأن كرها سيكون حالا للمجرور وهذا المعنى فاسد.
ونحو أن تقول (ما للذي أساء إلينا نائمًا بيننا؟ ) فلا يصح تعلق نائمًا وهو حال بـ أساء لأن المعنى سيكون أساء نائمًا، أي أساء وهو في حال نومه، وإنما متعلق بمحذوف أي ما حصل له نائمًا؟
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن﴾ [يونس: ٦٦]، فشركاء مفعول به، وهو مرتبط بـ (يتبع) أي: مفعول لهذا الفعل أو معمول له، كما يقول النحاة لأن المعنى أنهم لم يتبعوا شركاء في الحقيقة،
стр. 842
ولا يصح ربطه بـ (يدعون) لأن الكلام على ذلك لا يتم، لأنه سيكون (وما يتبع الذين يدعون شركاء ولا ندري النفي عن أي شيء ولا ما يتبعون.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك﴾ [هود: ٨١]، فامرأتك مستثنى يحتمل تعلقه بـ (أسر) فيكون المعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك ويحتمل تعلقه بـ (يلتفت) فيكون المعنى (ولا يلتفت منكم أحدا إلا امرأتك) وعلى هذا تكون مسرى بها معهم، ولكنها تلتفت، والراجح عندي الأول، والله أعلم.
ومثل هذا أن تقول (ذهب الطلاب إلى المكتبة واستعاروا كتبا إلا خالدا) فإنك إذا علقت المستثني بـ (ذهب) كان المعنى: ذهب الطلاب إلى المكتبة إلا خالدا فهو لم يذهب، وإذا علقته بـ (استعاروا) كان المعنى: إن خالدا ذهب معهم إلى المكتبة ولكنه لم يستعر كتابًا.
فالتعلق هو الارتباط المعنوي، سواء كان ذلك في الجار والمجرور والظرف، أم في غيرهما مما يقتضي الارتباط.
الإضافة
معنى الإضافة:
الإضافة نسبة اسم إلى اسم آخر، واسناده إليه نحو: غلام هند، وكتاب خالد (١). وقد استقر الأمر مؤخرا عند النحاة على أن الإضافة، أما أن تكون بمعنى اللام، نحو: دار سالم، ومال محمد، أي دار لسالم، ومال لمحمد، أو تكون بمعنى من وذلك إذا كان المضاف إليه جنسا للمضاف، نحو ثوب صوف، وخاتم ذهب، أي ثوب من صوف وخاتم من ذهب، أو تكون بمعنى (في) وذلك إذا كان المضاف إليه ظرفا واقعًا فيه.
стр. 843
المضاف، نحو (شهيد الدار) أي في الدار و ﴿بل مكر الليل والنهار﴾ [سبأ: ٣٣]، أي في الليل والنهار (١).
ولا تخرج الإضافة عن هذا عندهم.
وذهب بعض النحاة إلى أن الإضافة ليست على تقدير حرف اصلا، وإلا لزم أن غلام زيد يساوي غلام لزيد، وليس كذلك، فإن معنى المعرفة غير النكرة.
وأجيب بأن قولنا غلام لزيد، ليس تفسيرا مطابقا من كل وجه، بل لبيان الملك او الاختصاص فقط (٢).
والحق فيما نرى أن الإضافة تعبير آخر ليس على تقدير حرف، فقد يصح تقدير حرف في تعبير، وقد يمتنع تقدير أي حرف في تعبير آخر، وما صح تقديره بحرف لا يطابق معناه معنى المقدر. فهي أعم من أن تكون بمعنى حرف، ومما يدل على ذلك أمور، منها:
١ - امتناع إظهار أي حرف من هذه الحروف في قسم من التعبيرات، نحو: (جئت مع خالد) و ﴿من لدن حكيم عليم﴾ [النمل: ٦]، و ﴿ولدينا مزيد﴾ [ق: ٣٥]، و ﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل﴾ [آل عمران: ٩٣]، و ﴿من كل زوج كريم﴾ [الشعراء: ٧]ـ و (عند خالد مال) و (خرج جميع القوم) و (يوم الأحد) و:
غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن
ونحو ذلك كثير، مما يدل على أن الإضافة أوسع من أن تكون بمعنى حرف، وقد لاحظ النحاة ذلك، فحاولوا الخروج من هذا المأزق بقولهم: " ولا يلزم فيما هو بمعنى اللام أن يجوز التصريح بها بل يكفي إفادة الاختصاص الذي هو مدلول اللام، فقولك (طور سيناء) و (يوم الأحد) بمعنى اللام ولا يصح إظهار اللام في مثله (٣).
стр. 844
ونحن نقول: ومن أين لهم أن نحو طور سيناء، ويوم الأحد، وكل الرجال، وجميعهم فيه مدلول اللام الذي يفيد الاختصاص؟
٢ - اقر النحاة أن الإضافة غير المحضة (وهي إضافة اسم الفاعل، والمفعول والصفة المشبهة إلى معمولها) ليست على تقدير حرف، فقولك: (هو حسن الوجه) ليس على تقدير حرف فليس الوجه في مثل هذا " مضافا إليه (حسن) بتقدير حرف الجر، بل هو هو وكذا في ضارب زيد، لأن ضارب وإن كان مضافا إلى زيد، لكنه بنفسه لا بحرف الجر كما كان مضافا إليه من حيث المعنى حيث نصبه أيضا، ولم يحتج في إضافة إليه لا في حال الإضافة ولا قبلها إلى حرف جر (١).
وذلك أن قولك (هو ضارب زيد) و ﴿إنك جامع الناس﴾ [آل عمران: ٩]، مضاف بنفسه، لا بتقدر حرف لأن اسم الفاعل فيهما مأخوذ من متعد، وهو يتعدي بنفسه، فقولك (هو ضارب زيدا) تقديره: هو يضرب زيدا وليس التقدير: هو يضرب لزيد ولذا يقول النحاة في نحوه: (هو ضارب لخالد) إن اللام فيه زائدة مقوية، والأصل (هو ضارب خالد) بإضافة الوصف إلى معموله، وأصل التعبير (هو ضارب خالدا) ومثله ﴿فعال لما يريد﴾ [البروج: ١٦]ـ، فإن اللام فيه زائدة مقوية، والأصل: فعال ما يريد، فكيف ينقلب الزائد اصلا؟ فالتقدير يختص بالمحضة عندهم.
٣ - ونحن نقول: إنه لا فرق بين المحضة وغيرها، فقد يمتنع التقدير في المحضة أيضا مما له شبه بغير المحضة من وجه وذلك نحو (إطعام مسكين) وكقوله: ﴿كطي السجل للكتاب﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقوله: ﴿وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة﴾ [الأنبياء: ٧٣]، وقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧]، فهذه كلها إضافة محضة، لأن إضافة المصدر عندهم محضة، وهي ليست على تقدير حرف كما هو ظاهر، وذلك أن المصدر في هذه الأمثلة متعد، وقد أضيف إلى مفعوله، وهو يتعدى إليه في الأصل بلا تقدير حرف، كما في (ضارب خالد).
стр. 845
وممثله إضافة اسم الفاعل إذا كان ماضيًا، نحو (أنا مكرم محمد أمس) فهي محضة، وهي ليست على تقدير حرف في الراجح، لأنه متعد، وقد صرح بذلك ابن يعيش، قال: " وعندي أن إضافة اسم الفاعل إذا كان ماضيا من ذلك، ليس مقدرا بحرف مع أن إضافته محضة (١).
وعلى هذا فلا يصح تقدير حرف في نحو هذا، وبذا يكون قد خرج قسم من المحضة من التقدير.
٤ - إضافة اسم التفضيل في الغالب لا تفيد معنى حرف، ولا تدل عليه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب﴾ [البقرة: ٨٥]، فهذا نظير قولهم (حسن الوجه)، فلا يصح تقدير حرف فإن أشد هو العذاب كما ذكروا في الصفة المشبهة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يشكرون﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وقوله: ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ [الشعراء: ٦٧]، ونحو: (أكرمته أحسن الإكرام).
وإضافة اسم التفضيل محضة عند الجمهور، فهذا خرج عن التقدير أيضا.
٥ - ومما يدل على ضعف مذهبهم أن الأولى أن يكون التقدير أحيانا على غير ما ذهب إليه النحاة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت﴾ [البقرة: ١٩]، فهو على تقدير اللام عندهم، وتقدير (من) أرجح وأولى، أي: حذرا من الموت، وهم لا يقدرونه بـ (من) لأن المضاف إليه ليس جنسا للمضاف وكذلك (هربت خوف سعيد) فهو على تقدير اللام عندهم، وتقدير من أظهر في المعنى، أي: خوفا من سعيد، ونحوه قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾ [البقرة: ١٦١]، فهم يقدرونه باللام وتقدير (من) أظهر في المعنى أي: لعنة من الله وهم يمنعون تقديره بـ (من) لأن المضاف إليه ليس جنسا للمضاف ومثله قوله: ﴿غفرانك ربنا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، ومعناه غفرانا منك، وليس غفرانا لك،
стр. 846
وكذلك قولنا (هو أكبر القوم) و (أفضل الطلاب) فإن تقدير (من) فيه أولى من اللام، أي أكبر من القوم وأفضل من الطلاب.
فدل على ضعف المعنى في تقديرهم أحيانا.
٦ - أن المعنى يتغير عند التقدير، فتصبح المعرفة نكرة، فلو قدرت (هذه دار محمد) باللام كان التقدير (هذه دار لمحمد) والأولى معرفة، والثانية نكرة، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿يآدم أنبئهم بأسمائهم﴾ [البقرة: ٣٣]، فهو لا يساوي (بأسماء لهم) ومثله قوله تعالى: ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾ [النساء: ٨٤]، فهو لا يساوي (إلا نفسًا لك) إذ يقتضي أن له أكثر من نفس، وقوله: ﴿يؤذن رسول الله﴾ [التوبة: ٦١]، فهو لا يساوي (رسولا لله) وقوله ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ [يونس: ٩٢]، لا يساوي (ببدن لك) إذ يقتضي أن له أكثر من بدن، وقوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ [الأنعام: ١٠٩]، لا يساوي (جهدا لأيمانهم) وليس له معنى.
وقد أدرك النحاة ذلك، فقد ذهب أبو حيان تبعًا لابن درستويه، كما أسلفنا، إلى أن الإضافة ليست على تقدير حرف أصلا، وإلا لزم أن غلام زيد يساوي (غلام لزيد) وليس كذلك، فإن معنى المعرفة غير النكرة.
وأجيب بأن قولنا غلام لزيد ليس تفسيرا مطابقا من كل وجه، بل لبيان الملك أو الاختصاص فقط (١).
ورد النحاة عليه ليس متينا، فإنهم إن قدروا حرفا تغير المعنى واستحالت المعرفة إلى نكرة، فالأولى عدم التقدير للخلاص من هذا الأمر، جاء في (المقتضب): " وأما الأسماء المضافة إلى الأسماء بأنفسها فتدخل على معنى اللام، وذلك قولك: المال لزيد كقولك: مال زيد، وكما تقول: هذا أخ لزيد، وجار لزيد، وصاحب لزيد، فهذا بمنزلة قوله: جاره وصاحبه.
стр. 847
فلا فصل بينهما، إلا أن اللام إذا حالت بين الاسمين، لم يكن الأول معرفة بالثاني من أجل الحائل.
فإذا أضفت الاسم إلى الاسم بعده بغير حرف، كان الأول نكرة ومعرفة بالذي بعده.
فإذا أضفت اسما مفردا إلى اسم مثله مفرد، أو مضاف صار الثاني من تمام الأول وصارا جميعا اسما واحدا وانجر الآخر بإضافة الأول إليه، وذلك قولك: هذا عبد الله، وهذا غلام زيد وصاحب عمرو ..
ألا ترى أنك تقول: هذا غلام رجل فيكون نكرة، فإذا أردت تعريفه قلت: هذا غلام الرجل وهذا صاحب المال (١).
فالمبرد - وإن كان يقدر تبعا للنحاة - ذكر الفرق بينهما، وأدرك أن كلا منهما تعبير خاص، وأن إضافة إسم إلى آخر، تصير الثاني من تمام الأول، وتجعلهما جميعا اسما واحدا.
٧ - إن إضافة الشيء إلى الشيء قد تكون بأدنى ملابسة، وهي أعم من أن تكون بمعنى حرف مما يدل على أنها تعبير آخر، جاء في كتاب سيبويه: ألا ترى أنك تقول هذا حب رمان، فإذا كان لك قلت (هذا حب رماني) فأضفت الرمان إليك، وليس لك الرمان إنما لك الحب، ومثل ذلك هذه ثلاثة أثوابك، فكذلك يقع على جحر ضب ما يقع على حب رماني، تقول (هذا جحر ضبي) وليس لك الضب، إنما لك جحر ضب كما أضفت الجحر إليك مع إضافة الضب (٢).
وجاء في (شرح ابن يعيش): "وياضف الشيء إلى الشيء بأدنى ملابسة نحو قولك: لقيته في طريقي أضفت الطريق إليك لمجرد مرورك فيه، ومثله قول أحد حاملي الخشبة خذ طرفك، إضافة الطرف إليه لملابسته إياه في حال الحمل" (٣).
стр. 848
ونحوه قوله تعالى: ﴿عشية أو ضحاها﴾ [النازعات: ٤٦]، لما كانت العشية والضحى طرفي النهار صح إضافة أحدهما إلى الآخر، ونحو كوكب الخرقاء لسهيل (١). ومثل سعيد كرز وجبل الجودي وطور سيناء ومدينة الموصل وحق اليقين، قولهم (رجل صدق ورجل سوء) قال تعالى: ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقال ﴿أمطرت مطر السوء﴾ [السوء: ٤٠] و ﴿إنهم كانوا قوم سوء فاسقين﴾ [الأنبياء: ٧٤]، فهذا كله ليس على تقدير حرف معين وتقدير أي حرف مفسد للمعنى.
إن العرب قد تفيد المعاني - إذا أرادت - باللام أو (من) أو (في) أو غيرها، فإذا أرادت إطلاق المعاني حررتها من ذلك.
فالإضافة تعبير آخر غير مقيد بحرف معين، إنه قد يحتمل تقدير حرف أحيانا، غير أن المعنيين لا يتماثلان، وقد يكون غير ذلك فلا يحتمل معنى حرف ولا تقديره.
نوعا الإضافة:
يقسم النجاة الإضافة على ضربين: محضة وغير محضة.
ف المحضة: إضافة غير الوصف نحو (كتاب محمد) أو إضافة الوصف إلى غير معموله نحو (كريم مصر).
وتفيد تعريفا أو تخصيصا بحسب المضاف إليه، فإذا كان المضاف إليه معرفة أفادت تعريفا وإذا كان نكرة افادت تخصيصا، فقولك (غلام محمد) معرفة، وأما قولك (غلام امرأة) فنكرة تفيد التخصيص.
ومعنى التخصيص تقليل الاشتراك، فـ (غلام) أعم من (غلام امرأة) فبالإضافة قل الاشتراك بعد أن كان يشمل كل غلام.
стр. 849
والتعريف بالإضافة كالتعريف بـ (أل)، قد يكون للعهد، وقد يكون للجنس، فمن تعريف العهد، قوله تعالى: ﴿ولا تكلف إلا نفسك﴾ [النساء: ٨٤]، وقوله: ﴿ربي الذي يحيى ويميت﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقوله: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ [التوبة: ٦١]، وقوله: ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾ [الأعراف: ٧٣]، وقوله: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك﴾ [يونس: ٩٢]، فهذا كله من تعريف العهد، لأنه يدل على واحد بعينه.
ومن تعريف الجسن قوله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلما﴾ [النساء: ١٠]، فأموال اليتامى تفيد الجنس، ومثله ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفا﴾، [النساء: ٧٦]، وقوله: ﴿ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام﴾ [النساء: ١١٩]، قوله ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل﴾ [التوبة: ٦٠] فكل هذا من تعريف الجنس، لأنه لا يراد به واحد بعينه بل هو لعموم الجنس، جاء في (شرح الرضي على الكافية): " إذا قلت (غلام زيد راكب) ولزيد غلمان كثيرة فلابد أن تشير به إلى غلام من بين غلمانه له مزيد خصوصية بزيد، أما بكونه أعظم غلمانه أو أشهر بكونه غلاما له، دون غيره، أو يكون غلاما معهودا بينك وبين المخاطب، وبالجملة بحيث يرجع اطلاق اللفظ إليه دون سائر الغلمان .. ثم يقال (جاءني غلام زيد) من غير إشارة إلى واحد معين، وذلك كما أن ذا اللام في اصل الوضع لواحد معين ثم قد يستعمل بلا إشارة إلى معين كما في قوله:
" ولقد أمر على اللئيم يسبني"
وذلك على خلاف وضعه، فلا تظنن من اطلاق قولهم، في مثل (غلام زيد) أنه بمعنى اللام، إن معناه ومعنى (غلام لزيد) سواء، بل معنى (غلام لزيد) واحد من غلمانه غير معين، ومعنى (غلام زيد) الغلام من غلمانه، إن كان له غلمان جماعة، أو ذلك الغلام المعلوم لزيد إن لم يكن له إلا واحد (١).
стр. 850
والمضاف يتعرف بالمضاف إليه، سواء أضيف إلى مفرد أم جملة، ومن الإضافة إلى الجملة قولنا (جئت يوم سافر محمد) أي جئت يوم سفر محمد، وهو معرفة.
جاء في (المقتضب): " فإذا قلت: (هذا يوم يخرج زيد) فقد أضفته، إلى هذه الجملة فاتصل بالفعل لما فيه من شبهه وأتبعه الفاعل لأنه لا يخلو منه، وهو معرفة لأن قولك (هذا يوم يخرج زيد) هذا يوم خرج زيد في المعنى و ﴿هذا يوم لا ينطقون﴾ [المرسلات: ٣٥]، هذا يوم منعهم من المنطق" (١).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " قال صاحب المغنى: يتعرف الظرف المضاف إلى الجمل فيصح أن يقال: جئتك يوم قدم زيد الحار أو البارد، على أن يكون صفة لليوم.
قلت: ومع غرابة هذا الاستعمال وعدم سماعه، ينبغي أن لا يتعرف المضاف إذا كان الفاعل في الفعلية، أو المبتدأ في الإسمية، نكرة نحو يوم قدم أمير، ويوم أمير كبير قدم إذ المعنى يوم قدوم أمير" (٢).
وعلى هذا فالمضاف يتعرف أو يتخصص بحسب المضاف إليه، فإن كان معرفة عرف وإن كان نكرة خصص، جملة أو مفردًا.
فإن قلت: ألا ترى أن (يوم) في نحو قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ ﴿آل عمران: ١٠٦﴾، وقوله: ﴿يوم لا ينفع مال ولا بنون﴾ [الشعراء: ٨٨]، معلوم مع تنكير الوجوه والمال، فكيف يكون نكرة؟
стр. 851
قلت: هو نكرة لا معرفة غير أنه معلوم لأنه معروف أن المقصود به يوم القيامة فهو كما تقول: (سيحاسبك الله في يوم عظيم) وهو لاشك نكرة، غير أنه معلوم لأنه معروف أن المقصود به يوم القيامة، ومثله قولك (إنه قادم على رب كريم فرب كريم) فرب كريم نكرة مع أن المقصود به الله تعالى، وذلك لأن هذا خصوصية له، ونحو قوله تعالى ﴿سلام قولا من رب رحيم﴾ [يس: ٥٨].
فإن كان صاحب الجملة معرفة كان المضاف معرفة، وإن كان نكرة كان المضاف نكرة مخصصة.
الأسماء الموغلة في الإبهام: يذكر النحاة أن ثمة أسماء موغلة في التنكير لا تتعرف بالإضافة إلى المعرفة، نحو غير ومثل وشبه وسوى، فقولك (مررت برجل غيرك) (غير) فيه نكرة، وكذلك: مررت برجل مثلك وشبهك، مثل وشبه فيه نكرتان وإن كانتا مضافتين إلى معرفة بدليل، إنك وصفت بهما النكرة قال تعالى: ﴿أم لهم إله غير الله﴾ [الطور: ٤٣]، وقال: ﴿حتى تنكج زوجا غيره﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقال: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم﴾ [محمد: ٣٨]، وقال: ﴿بدلناهم جلودا غيرها﴾ [النساء: ٥٦]، فـ (غير) في هذه كلها نكرة لأنها وصفت بها النكرة، وكذلك (مثل) في نحو قولك (مررت برجل مثلك) ومررت برجل مثل الأسد.
وسر ذلك أن هذه الكلمات تفيد العموم فقولك (مررت برجل غيرك) (غيرك) فيه عامة في كل الأشخاص الذين هم سواك، فقد يكون أنه مر بخالد أو بحسن أو سعد أو محمد أو رجل آخر غير معلوم، وهي بهذا المعنى نكرة ولا شك.
وكذلك لو قلت (مررت برجل مثلك) فأوجه الشبه متعددة، فقد يكون مثلك في الطول، أو في اللون، أو في الذكاء، أو في القوة، أو في الجود، أو في غير ذلك من أوجه الشبه فلا ينحصر بشخص معين.
فهذه كلمات تفيد العموم لا تنحصر فيها أوجه المغايرة والمشابهة فلذلك كانت نكرات.
стр. 852
وجاء في (المقتضب): " و (مررت برجل مثلك) فإن قال قائل، كيف يكون المثل نكرة وهو مضاف إلى معرفة؟ هلا كان كقولك: مررت بعبد الله أخيك!
فالجواب في ذلك أن الإخوة محصورة، وقولك (مثلك) مبهم مطلق يجوز أن يكون مثلك في أنكما رجلان أو في أنكما أسمران، وكذلك كل ما تشابهتما به، فالتقدير في ذلك التنوين كأنه يقول: مرر برجل شبيه بك ومررت برجل مثل ذلك.
فإن أردت بـ (مثلك) الإجراء على أمر متقدم حتى يصير معناه، المعروف بشبهك لم يكن إلا معرفة فتقول على هذا (مررت بزيد مثلك) كما تقول: مررت بزيد أخيك، ومررت بزيد المعروف بشبهك.
ومثل ذلك في الوجهين مررت برجل شبهك، ومررت برجل نحوك، فأما مررت برجل غيرك، فلا يكون إلا نكرة لأنه مبهم في الناس أجمعين، فإنما يصح هذا ويفسد بمعناه (١).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " وقد جاءت اسما أضيفت إلى المعارف ولم تتعرف بذلك للإبهام الذي فيها وأنها لا تختص واحدا بعينه، وذلك غير، ومثل، وشبه، فهذه نكرات وإن كن مضافات إلى معرفة، وإنما نكرهن معانيهن وذلك، لأن هذه الأسماء لما لم تنحصر مغايرتها ومماثلتها لم تتعرف، ألا ترى أن كل من عداه فهو غيره، وجهة المماثلة والمشابهة، غير منحصرة فإذا قلت (مثلك) جاز أن يكون مثلك في طولك، وفي لونك، وفي عملك ولن يحاط بالأشياء التي يكون بها الشيء مثل الشيء، فلذلك من الإبهام كانت نكرات ..
وقد تكون هذه الأشياء معارف إذا شهر المضاف، بمغايرة المضاف إليه، أو بمماثلته فيكون اللفظ بحاله والتقدير مختلف، فإذا قال القائل: مررت برجل مثلك، أو شبهك وأراد النكرة فمعناه بمشابهك أو مماثلك في ضرب من ضروب المماثلة والمشابهة،
стр. 853
وهي كثيرة غير محصورة، وإذا أراد المعرفة قال: مررت بعبد الله مثلك، فكان معناه المعروف بشبهك، أي الغالب عليه ذلك ونحوه قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾: [الفاتحة: ٦، ٧].
لأن المراد بالذين أنعمت عليهم، المؤمنون، والمغضوب عليهم، الكفار فهما مختلفان، ونحوه مررت بالمتحرك غير الساكن، والقائم غير القاعد (١).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " واعلم أن بعض الأسماء قد توغل في التنكير بحيث لا يتعرف بالإضافة إلى المعرفة إضافة حقيقة نحو (غيرك) و (مثلك) وكل ما هو بمعناهما من نظيرك، وشبهك، وسواك وشبهها، وإنما لم يتعرف لأن مغايرة المخاطب ليست صفة تخص ذاتًا دون أخرى، إذ كل ما في الوجود إلا ذاته موصوف بهذه الصفة وكذا مماثلة زيد لا تخص ذاتًا، بل نحو (مثلك) أخص من غيرك، لكن المثلية أيضا يمكن أن تكون من وجوه من الطول والقصر والشباب والشيب والسواد والعلم وغير ذلك مما لا يحصى.
قال ابن السري: إذا أضفت (غيرا) إلى معرف له ضد واحد فقد تعرف (غير) لانحصار الغيرية كقولك: عليك بالحركة غير السكون فلذلك كان قوله تعالى ﴿غير المغضوب عليهم﴾ صفة (الذين أنعمت عليهم) إذ ليس لمن ﵃ ضد غير المغضوب عليهم فيعرف غير المغضوب عليهم، لتخصصه بالمرضي عنهم، وكذا إذا اشتهر شخص بمماثلتك في شيء من الأشياء، كالعلم والشجاعة أو نحو ذلك. فقيل (جاء مثلك) كان معرفة إذا قصد الذي يماثلك في الشيء الفلاني.
والمعرفة والنكرة بمعانيها فكل شيء خلص لك بعينه من سائر أمته فهو معرفة، وقدح ابن السراج، في هذا بقوله تعالى: ﴿نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾ [فاطر: ٣٧]، مع أن معنى (غير الذي كنا نعمل) أي الصلاح لأن عملها كان فسادا، ويقول الشاعر
إن قلت خيرا قال شرا غيره
стр. 854
والجواب أنه على البدل لا الصفة أو حمل (غير) على الأكثر مع كونه صفة، لأن الأغلب فيه عدم التخصيص بالمضاف إليه (١).
وجاء في (الهمع): " ويعرف ما ذكر من (غير) وما بعده إن تعين المغاير والمماثل كأن وقع بين ضدين نحو: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغصوب عليهم ولا الضالين﴾ وقولك: مررت بالكريم غير البخيل، والجامد غير المتحرك (٢).
فخلاصة ما ذهب إليه النحاة أن الأصل في (غير) و (مثل) ونظائرهما، ألا تتعرف بالإضافة وقد تتعرف، إذا شهر المضاف بالمغايرة والمماثلة، وأنكر آخرون تعريف (غير) مطلقا.
وذهب بعضهم إلى أنها تتعرف إذا أضفتها إلى معرف له ضد واحد. ورد هذا القول بقوله تعالى: ﴿نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾ [فاطر: ٣٧]، وقوله: ﴿إن قلت خيرا قال شرًا غيره﴾ (٣).
والتحقيق في هذا، أن غيرا ومثلا، قد تتعرفان بالإضافة، وذلك إذا تعين المغاير والمماثل. وإيضاح ذلك أنك تقول (نزلت بواد غير ذي زرع) و (نزلت بواد غير ذي الزرع) و (نزلت بالوادي غير ذي الزرع) فإن الثالثة معرفة بخلاف الأوليين.
وذلك إن قولك (بواد غير ذي زرع) يكون فيه الوادي نكرة، وهو موصوف بأنه ليس بذي زرع كما تقول (نزلت بواد مزروع) وإما (بواد غير ذي الزرع) فالمقصود به أنه نزل بواد غير الوادي المزروع، فهناك واد ذو زرع معلوم للمخاطب، فهو لم ينزل بذلك الوادي بل نزل بواد آخر، فذو الزرع معرفة، ولكن (غيرا) بقيت نكرة لأن الوادي المنزول به نكرة لم يتعين.
стр. 855
وأما قولك: (نزلت بالوادي غير ذي الزرع) فالوادي المنزول به معرفة والوادي المتروك معرفة، فهنا تكون (غير) معرفة لأن كلا من الواديين معلوم، ونحوه قولك (لقيت رجلا غير خائف ولا وجل) و (لقيت رجلا غير الخائف) و (لقيت الرجل غير الخائف).
وأما (شبيهك) فتتعرف بالإضافة، بخلاف (مثلك) و (شبهك) و (نحوك) وإضرابها، وذلك لأن لفظ (شبيه) يفيد انحصار الشبه في جميع الوجوه، وذلك أنها على وزن (فعيل) وهي تفيد المبالغة كعليم، وسميع فدل على شدة المشابهة واتساعها، فإذا قلت (مررت بالرجل شبيهك) فكأنك قلت: مررت بالرجل الذي يشبهك من جميع الوجوه (١). بخلاف شبهك ومثلك، فإنه يفيد وجها من وجوه المشابهة الكثيرة المتعددة.
وأما: حسبك، وهدك، وشرعك، وكفيك، وكافيك، وناهيك، وأخواتها فهي نكرات لأنها بمعنى الفعل، فقولك (حسبك درهم) معناه (يكفيك درهم) أو ليكفك، وقولك (مررت برجل حسبك من رجل) معناه يكفيك، أو كافيك، وكذا إخواته (٢).
الإضافة غير المحضة: وتشمل
١ - إضافة اسم الفاعل والمفعول إلى معمولهما إذا كانا دالين على الحال أو الاستقبال نحو (هو ضارب خالد الآن أو غدا) و (هو مضروب الأب الآن أو غدا) فإن كانا للمضي فإضافتهما محضة نحو (هو ضارب خالد أمس).
٢ - إضافة صيغ المبالغة وإضافة الصفة المشبهة مطلقا إلى معمولها، نحو (هو ضراب الرؤوس) و (طويل القامة وحسن الوجه).
٣ - ويلحق بهذه الصفات المنسوب إذا أضيف إلى مرفوعة، نحو (هو عراقي الوطن عربي النسب)، والمصادر إذا كان بمعنى إسم الفاعل أو المفعول، نحو (قيد الأوابد) أي مقيد الأوابد (٣).
стр. 856
والمضاف إضافة غير محضة نكرة، وإن كان مضافًا إلى معرفة كقوله تعالى: ﴿هديا بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥]، فبالغ الكعبة نكرة، ولذا وصف بها النكرة، وكذا (مررت برجل طويل القامة) فطويل القامة نكرة ولذا وصفت بها النكرة.
وهذه الإضافة لا تفيد تعريفا ولا تخصيصا، بخلاف المحضة.
أما أنها لا تفيد تعريفا، فلأنا تصف النكرات، كقولك (مررت برجل حسن الوجه) وأما أنها لا تفيد تخصيصا، فلأن التخصيص كان قبل الإضافة، فقولك (هو ضارب خالدٍ) أصله (هو ضاربٌ خالدًا) ثم أضفته إلى مفعوله، وكذلك (هو حسن الوجه) أصله (هو حسن وجهه) ثم أضفته، فالتخصيص حاصل قبل الإضافة، وهي لم تكسبه تخصيصا جديدًا، وإنما هي تفيد التخفيف أو رفع القبح كما يقول النحاة.
فقولك (هو ضارب خالدٍ) أخف من (هو ضارب خالدا) وذلك لحذف التنوين منه، وأما رفع القبح فنحو (هو حسن الوجه) فإنك أما تقولها برفع الوجه، أو نصبه او جره فإذا رفعت الوجه وقلت (محمد حسن الوجه) لم يكن ثمة ضمير في الخبر يعود على الموصوف (محمد) لأن الخبر أخذ مرفوعه الظاهر، وهو (الوجه) فلا يرفع ضميرًا وظاهرا، وإذا نصبته فقلت (محمد حسن الوجه) كنت أجريت الوصف القاصر، مجري المتعدي، وفي الجر تخلص من هذين (١). إضافة إلى التخفيف بحذف التنوين.
والحق فيما نرى أن ليست الإضافة لأحد هذين الغرضين، وإنما هي لغرض آخر يختلف عن الأعمال، إذ لو كان التخفيف هو الغرض لاستعمال كذلك مطلقا، وامتنع الأعمال في حين نرى الاستعمالين جاريين: الإضافة والأعمال، قال تعالى ﴿وما أنت بتابع قبلتهم﴾ [البقرة: ١٤٥]، بالأعمال، وقال: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٩]، بالإضافة.
стр. 857
وقال: ﴿ولا آمين اليت الحرام﴾ [المائدة: ٢] بالأعمال، وقال: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ [الحج: ٣٥]، و ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ [البقرة: ٤٦]، بالإضافة.
فلما لم يخفف دومًا ويقال كذلك بالنسبة إلى الصفة المشبهة في رفع القبح.
والتحقيق أن لكل تعبير غرضا لا يؤديه الآخر، فالأعمال نص في الدلالة على الحال أو الاستقبال، والإضافة ليست نصا في ذلك، فإنك إذا قلت: (أنا ضارب محمدا) كان ذلك دالا على الحدث في الحال أو الاستقبال، قال تعالى: ﴿إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [ص: ٧١ - ٧٢]، فهو للاستقبال، أما الإضافة فليست نصا في هذا المعنى، بل تحتمل المضي والاستمرار والحال، والاستقبال، فإنك إذا قلت (أنا مكرم محمد) احتمل ذلك المضي والحال والاستقبال والاستمرار قال تعالى ﴿فاطر السماوات والأرض﴾ [إبراهيم: ١٠]، وهو ماض.
وقال: ﴿إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأني تؤفكون فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٥ - ٩٦]، وهو استمرار.
فالإضافة تعبير احتمالي، يحتمل أكثر من معنى، بخلاف الأعمال فإنه تعبير قطعي هذا من جهة. ومن جهة أخرى أنه في الأعمال يكون الوصف ملحوظًا فيه جانب الحدث، وقربه من الفعلية، في حين أنه في الإضافة يكون ملحوظًا فيه جانب الإسمية، وذلك أن الإضافة من خصائص الأسماء.
أما أخذ الفاعل والمفعول، فالأصل فيه للفعل فانت تقول (هذا بائع السمك) بمعنى (يبيع) وتقول: (رأيت محمد آكلا التفاحة) بمعنى: (يأكلها)، فإذا قلت: (هذا بائع السمك وآكل التفاح) بالإضافة دل على الذات كما تقول: (مالك الدار).
وإذا قلت: (هذا كاتب العقود) كان المعني يكتبها، أي يقوم بكتابتها الآن، أو سيقوم بكتابتها، بخلاف (هذا كاتب العقود) فإن المعنى هذا المخصص لها، والموظف فيها،
стр. 858
ونحوه أن تقول: (هذا حارس المدرسة) و (هذا حارس المدرسة) فإن المعنى في الأولى أنه يقوم بحراستها أي يحرسها الآن، أما الثانية فمعناها أنه المكلف بحراستها وإن لم يقم بحراستها الآن.
ومما يوضح ذلك أنك تقول: (حارس المدرسة ليس حارسا المدرسة) و (سائق السيارة ليس فيها).
وتقول: (هذا ضراب الرؤوس) فتلحظ فيه معنى الفعلية، وتقول: (هذا بياع الفاكهة) فتلحظ جانب الإسمية كما تقول: هذا راوية الشعر وعلامة النحو.
فدل ذلك على أن الأعمال له غرض والإضافة لها غرض، وليس المقصود بها مجرد التخفيف كما يذكر النحاة.
إضافة المترادفين والصفة والموصوف .
ذهب جمهور النحاة إلى أنه لا تجوز إضافة المترادفين كليث أسد و (قمح بر) فإن جاء ما ظاهره ذلك أول، وذلك كإضافة الاسم إلى اللقب كـ (سعيد كرز) و (خالد رأس) قالوا: لأنهما إسمان لمسمى واحد، وكإضافة العام إلى الخاص، كـ (يوم الخميس) و (علم النحو) قالوا: لأن الخميس يوم، والنحو علم، فهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، فأولوا المضاف بمسمى أي مسمى كرز ومسمى الخميس.
كما لا يجوز عندهم إضافة الموصوف إلى صفته وبالعكس، فلا يقال: (رجل قائم) ولا (غلام ضاحك)، وما ورد من ذلك مؤول على تقدير مضاف إليه محذوف، وهو الموصوف بتلك الصفة نحو قوله (حب الحصيد) و (دار الآخرة) و (جانب الغربي) فهو على تقدير حب الزرع الحصيد، ودار الحياة الآخرة، وجانب المكان الغربي.
وأجاز الكوفيون إضافة كل ذلك بشرط اختلاف اللفظين فيقال: عندهم رجل جالسٍ وليث أسد ونحوهما (١).
стр. 859
والحق فيما ذكروه من إضافة المترادفين أنه يجوز إضافة أحدهما إلى الآخر إذا كان بينهما أدنى اختلاف وكانت الإضافة تفيد معنى ما كإضافة الاسم إلى اللقب، والعام إلى الخاص، وما إلى ذلك، فكل ذلك جائز بلا تأويل، وعليه كلام العرب، فالعرب تقول (سعيد كرز) بإضافة الاسم إلى اللقب، ثم إن اللقب في الحقيقة غير الاسم، وليس مرادفا له، وإن كان المسمى واحدا فإن فيه من المدح والذم وغيرهما ما ليس في الاسم.
وكذلك (يوم الخميس) و (شهر رمضان) و (علم النحو) فإن الخميس أخص من (يوم) وليس مرادفا له وكذا ما بعده، فهذا كله جائز وعليه كلام العرب فمنعه تعسف ولا داعي للتأويل فيه.
ولا تمتنع الإضافة إلا إذا كان المتضايفان مترادفين حقا، ولا تحصل في الإضافة فائدة لكيث أسد ومدية سكين وقمح حنطة، وما ورد من ذلك يبقى مسموعا لا يقاس عليه (١).
وأما إضافة الموصوف إلى صفته، فالراجح أنها لا تجوز إلا بتقدير مضاف إليه محذوف، فلا تقول: (رأيت غلام الضاحك) وتعني بالضاحك الغلام نفسه، بل على معنى رأيت غلام الرجل الضاحك، فالضاحك، غير الغلام، ولا تقول (رأيت بنت الجالسة) وتعني بالجالسة البنت، بل يصح على معنى رأيت بنت المرأة الجالسة، وكذلك لا تقول: (اشتريت كتاب الجديد) وتعني بالجديد الكتاب، بل على معنى اشتريت كتاب البحث الجديد، أو العلم الجديد، ونحو ذاك.
إكتساب المضاف التذكير والتأنيث من المضاف إليه:
قد يكتسب المضاف من المضاف إليه التذكير، والتأنيث بشرط أن يكون المضاف صالحا للحذف، وإقامة المضاف إليه مقامه (٢). أو أن يكون المضاف كل المضاف إليه أو بعضه أو كبعضه (٣). نحو قوله (شرقت صدر القناة من الدم) فـ (صدر) مذكر،
стр. 860
غير أنه أكتسب التأنيث من المضاف إليه لأنه جزء منه، وقال تعالى: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء: ٤]، فأخبر عن الأعناق وهي مؤنثة بقوله ﴿خاضعين﴾ وكان القياس أن يقول (حاضعة) ولكنه عاملها معاملة المذكر، وذلك لأن المضاف إليه مذكر والأعناق جزء منهم.
وقال جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ... سوء المدينة والجبال الخشع
وقال العجاج:
طول الليالي أسرعت في نقضي ... نقضن كلي ونقضن بعضي
وقال الاخر
إنارة العقل مكسوف بطوع هوي ... وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
وجاء في كلامهم (ذهبت بعض أصابعه) (١).
فإن لم يكن المضاف صالحا للحذف، ولا كلا أو بعضا، أو كبعض لم يجز فلا تقول: (جاءت غلام زينب) ولا (ذهبت ابن فاطمة).
وإنما يحسن ما ذكرناه إذا كان يؤدى معنى لا يؤديه الأصل.
فما يؤديه التوسع في المعنى، وذلك أنه إذا أجرى حكم المضاف إليه على المضاف في التذكير والتأنيث، فإنه يريد بذلك أن ينتظمهما معا في الحكم، ولا يخص المضاف وحده به.
فمن المعلوم أنك إذا قلت: (جاء غلام سعيد) كان الجيء للغلام وحده، ولكن إذا قلت: (أفنتنا تتابع السنين) كان في تأنيث الفعل إشارة إلى أنك تريد السنين أيضا فكأنك قلت: (أفتنا السنون وتتابعها) وهذا توسع في المعنى، لأنه كسب معنيين في تعبير واحد.
стр. 861
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء: ٤]، فإنه ذكر ول يقل خاضعة، وذلك لأنه لا يريد خضوع الأعناق فقط، بل خضوع أصحابها أياض فقدم (الأعناق) للإسناد، ولكنه أخبر عن المضاف إليه فجمع المعنيين بذلك.
وكذلك قول الشاعر (تواضعت سور المدينة) فإنه لم يقل (تواضع سور المدينة) ولا شك أن الشاعر مضطر إلى ذلك، لإقامة الوزن، لكن فيه معنى حسنا مع ذلك، وذلك أنه أراد أن المدينة كلها تواضعت وليس السور وحده، فذكر السور لأنه حصن المدينة وحماها وأنث الفعل لإرادة المدينة أيضا فجمع بين المعنيين.
ونحوه قوله تعالى: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦]، ولم يقل (قريبة) وذلك لكسب معنيين، وهما قرب رحمة الله وقربه هو أيضا وليست الرحمة وحدها قريبة وذلك كما قال الله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ [البقرة: ١٨٦]، فجمع المعنيين معا: قربه وقرب رحمته، فقدم الرحمة وأخبر عن الله.
وهذا توسع في المعنى لا يؤديه الأصل فبدل أن يقول: أن رحمة الله قريبة والله قريب جمع ذلك من أخصر طريق وأوجزه فقال: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦]، نعم قد يكون ذلك لإقامة وزن في شعر، وقد يرد من كلام العرب ما ليس على هذا القصد، ولكن البليغ لا يعدل من تعبير إلى تعبير إلا لقصد وغرض.
وهذا باب كبير مر طرف منه في مواضع متقدمة، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ [المزمل: ٨]، وقوله: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ [الأعراف: ٥٦]، وغير ذلك.
الظروف المعرفة بالقصد:
وهي التي يسميها النحويون (الغايات) وهي: قبل، وبعد، وفوق، وتحت، وأمام، ووراء، وخلف، وأسفل، ودون، وأول، وعلى نحوها.
ويذكر النحاة أن لها أربعة أحوال:
١ - ألا تضاف وهي في ذلك نكرات كقول الشاعر:
стр. 862
فساغ لي الشراب وكنت قبلا ... أكاد أغص بالماء الفرات
فمعنى (قبلا): فيما مضى من الزمان.
٢ - أن تضاف نحو: ﴿من قبل صلاة الفجر﴾ [النور: ٥٨]، و (رجئت بعد محمد) و ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وتكون معرفة إذا أضيفت إلى معرفة، كقوله تعالى: ﴿قد خلت من قبله الرسل﴾ ونكرة إذا أضيفت إلى نكرة، نحو (جئت بعد سفر طويل).
٣ - أن يحذف المضاف إليه وينوي لفظه، وهذا قليل كقوله:
ومن قبل نادى كل مولى قرابة ... فما عطفت مولى عليه العواطف أي: ومن قبل ذلك، ويعامل المضاف كأن المضاف إليه مذكور.
وهي في هذه الحالة المتقدمة معربة.
٤ - أن يحذف المضاف إليه وينوي معناه، وتكون عند ذاك مبنية على الضم، نحو ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ [الروم: ٤] (١).، وتكون في هذه الحالة معرفة، وهذا القسم الأخير هو الذي يسميه النحويون (الغايات) وهو مدار بحثنا ههنا، وهي التي آثرنا تسميتها الظروف المعرفة بالقصد، أو الظروف المقصودة.
ونعنى بالظروف المقصودة أن هذه الظروف معلومة الزمان أو المكان، من دون معرف لفظي، وإنما هي معرفة بمعرف معنوي، وهو القصد إليها، فبنيت على الضم، لمخالفة حالاتها الإعرابية الأخرى التي تكون فيها نكرة أو معرفة بالإضافة.
أما كونها معرفة فهو مما نص عليه النحاة، جاء في (المقتضب): " فأما الغايات فمصروفة عن وجهها، وذلك أنها مما تقديره الإضافة، تعرفها، وتحقق أوقاتها، فإذا حذفت منها وتركت نياتها فيها، كانت مخالفة للباب معرفة بغير إضافة، فصرفت عن جوهها، وكان حلها من الكلام أن يكون نصبا أو خفضًا.
стр. 863
فلما أزيلت عن مواضعها ألزمت الضم، وكان ذلك دليلا على تحويلها، وإن موضعها معرفة.
وإن كانت نكرة، أو مضافة لزمها الإعراب، وذلك قولك: جئت قبلك، وبعدك، ومن قبلك، ومن بعدك، وجئت قبلا، وبعدا، كما تقول: أولا وآخرا.
فإن أردت قبل ما تعلم فحذفت المضاف إليه قلت: (جئت قبل وبعد) و (جئت من قبل ومن بعد) قال الله ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾ وقال: ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ [يوسف: ٨٠]، وقال في الإضافة: ﴿والذين من قبلهم﴾ [آل عمران: ١١]، و ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ [الفتح: ٢٤].
وكذلك جئت من علو، وصب عليهم من فوق ومن تحت يا فتى إذا أردت المعرفة وكذلك من دون يا فتى" (١).
وجاء في (التصريح): " فإن نوى معنى المضاف إليه دون لفظه بنيا - يعني قبل وبعد - .. على الضم .. وهما في هذه الحالة معرفتان بالإضافة إلى معرفة منوية .. وقال الحوفي: إنما يبنيان على الضم إذا كان المضاف إليه معرفة، أما إذا كان نكرة فإنهما يعربان سواء نويت معناه أو لا" (٢).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " فإذا أضيف إلى معرفة وقطع عن الإضافة وكان المضاف إليه مرادا منويا كان معرفة .. وإن قطع النظر عن المضاف إليه، كان معربا منكورا، وكذلك لو أضفته إلى نكرة، وقطعته، كان معربا أيضا لأنه منكور كما كان، فمعناه مع قطع الإضافة كمعناه مضافًا" (٣).
стр. 864
إن النحاة يقولون - كما مر آنفا - في هذه الظروف إن المضاف إليه حذف، ونوي معناه، ولم يوضحوا المقصود بقولهم (نوي معناه) توضيحًا شافيًا.
فقد قال الصبان: " والذي يظهر لي أن معنى نية المضاف إليه، أن يلاحظ معنى المضاف إليه ومسماه، معبرًا عنه بأي عبارة كانت، وأي لفظ كان، فيكون خصوص اللفظ غير ملتفت إليه بخلاف نية المضاف إليه" (١).
وجاء في (حاشية الخضري): " أشتهر أن المراد بذلك أن ينوي معنى الإضافة وهي نسبة الجزئية الخاصة في (بعد زيد) مثلا، وذلك المعنى هو نسبة البعدية إلى خصوص زيد، وأمانية اللفظ فهي أن يكون لفظ المضاف إليه ملحوظًا ومقدرًا في نظم الكلام كالثابت (٢).
والذي أراه أنه ليس ثمة مضاف إليه محذوف، كما ذهب إليه النحاة، وإنما هو في الحقيقة ظرف معرف بالقصد، أي ظرف معلوم للمتكلم، أو للخاطب فقوله تعالى: ﴿ومن قبل ما فرطتم في يوسف﴾ يدل على أن ذلك الزمان معلوم للمخاطبين.
ومما يرجح ذلك:
أنه قد يضعف تقدير مضاف إليه، وذلك كقوله تعالى: ﴿قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾ [البقرة: ٩١]، فليس ثمة مضاف إليه محذوف بعد كلمة (قبل)، وإنما المراد بهذا الزمان زمان معين معلوم عند المخاطبين، ومعلوم إن المخاطبين لم يقتلوا أنبياء الله، وإنما المقصود به آباؤهم الأقدمون، غير أن الزمان معلوم.
ومثله قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ [البقرة: ١٠٨]، فإنه لا يحسن تقدير مضاف إليه، وإنما المقصود به زمان معين معلوم
стр. 865
غير محدود بإضافة. ونحوه: ﴿قل يأهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن أمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل﴾ [المائدة: ٥٩]، وقوله: ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل﴾ [المائدة: ٧٧]، وقوله: ﴿إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل﴾ [يوسف: ٧٧]، وقوله: ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾ [الأعراف: ١٠١]، وقوله: ﴿وخلفتك من قبل ولم تك شيئا﴾ [مريم: ٩]، وقوله: ﴿أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل﴾ [القصص: ٤٨].
فإن زمان (قبل) ههنا معلوم مقصود، وليس مقيدًا بإضافة.
وهذا يتضح فيما لا تصح إضافته، وهو (عل) فإن (عل) مما لا يضاف أصلا، وقد ذكروا أنه إذا كان المقصود به علوا معلومًا بنوه على الضم وإلا أعربوه.
جاء في (شرح شذور الذهب): " ما الحق بـ (قبل) و (بعد) (من عل) المراد به معين كقولك: أخذت الشيء الفلاني من أسفل الدار، والشيء الفلاني من عل، أي من فوق الدار ..
ولو أردت بـ (عل) علوا مجهولا غير معروف تعين الإعراب كقوله:
كجلمود صخر حطه السيل من علِ
أي من مكان عال (١).
وجاء في (مغنى اللبيب) في (عل): " اسم بمعنى فوق التزموا فيه أمرين: أحدهما استعمال مجرورا بـ (من).
والثاني استعماله غير مضاف، .. ومتى أريد به المعرفة كان مبنيا على الضم تشبيها له بالغايات .. ومتى أريد به النكرة كان معربًا كقوله:
مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمودصخر حطه السيل من عل
стр. 866
إذ المراد تشبيه الفرس في سرعته بمجلمود انحط من مكان عال، لا من علو مخصوص (١).
وكذلك الأمر في سائر أخواتها، فإنها إذا كانت معلومة بالقصد لا بإضافة، كانت مبنية على الضم وإلا كانت معربة.
ويشبهها في ذلك النكرة المقصودة في النداء، مثل (يا رجل) بخلاف (يا رجلا) فإن رجلا الأولى مقصودة، وهي معرفة بالقصد وتسمى النكرة المقصودة، بخلاف الثانية فإنها غير مقصودة، ولذا فهي نكرة، فالمعرفة بالقصد في النداء مبنية على الضم نظيرة تلك في الإضافة بخلاف النكرة والمضافة.
جاء في (شرح ابن يعيش): .وقيل بنيت على الضم لشبهها بالمنادى المفرد، من نحو (يا زيد) ووجه الشبه بينهما أن المنادي المفرد متى نكر أو أضيف أعرب .. وإذا أفرد معرفة بني، وقد كان له حالة تمكن، وكذلك قبل وبعد، إذا نكر أو أضيف أعرب، وإذا أفرد معرفة بني (٢).
فعلى هذا يكون الأمر كما يأتي:
إن هذه الظروف إذا لم تضف كانت نكرة لا تدل على زمان أو مكان معين، وإن أضفتها كانت مقيدة بذلك المضاف إليه تخصيصا أو تعريفا، وإن بنيتها على الضم كان المعنى أنك قصدت بها زمانا معينا أو مكانا معينا فأشرت إليه. فإذا قلت: ﴿رأيته قبلا﴾ كان المعنى إنك رأيته فيما مضى، وكذا إذا قلت: (أبدا بذا أولا) فإن المعنى أبدًا به مقدمًا ولم تتعرض للتقدم على ماذا (٣).
стр. 867
وإذا قلت: (رأيته قبل محمد) أو (قبل مدة طويلة) كان مقيدًا بقيد الإضافة، نكرة أو معرفة.
وأما قولك: (رأيته قبل) فهو تعبير قليل، ولا يصح إلا إذا كان هناك لفظ معين قامت القرينة عليه فحذفته لذلك وأبقيت المضاف على حاله كأن المضاف إليه مذكور في الكلام.
فإن قلت: (رأيته قبل) قصدت به زمنا معينا معلوما وهذا الزمن معرفة، وكذا أن قلت (سقط من عل) فإن المعنى أنه سقط من علو مخصوص، بخلاف ما لو قلت (سقط من عل) فإن المعنى سقط من مكان عال غير معلوم، والله أعلم.
حذف المضاف:
يحذف المضاف كثيرا في الكلام بدلالة القرائن الدالة عليه، ولحذفه أغراض أهمها:
١ - التجوز في الكلام والاتساع فيه، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ١٧٧]، والمعنى عندهم، ولكن ذا البر من آمن بالله، أو ولكن البر بر من آمن بالله (١). قالوا وذلك لأن البر صدر و (من آمن) جثة، فلا يخبر بالذات عن المصدر (٢). ومثله قوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾ [البقرة: ١٨٩].
والحق أنه ورد في اللغة الأخبار بالذات عن المصدر، وبالمصدر عن الذات لقصد التجوز والمبالغة، فمن الأول ما ذكرناه في قوله: ﴿ولكن البر من اتقي﴾ ونحوه، والقصد منه تجسيد المعاني وتحويلها إلى شخوص حية متحركة تراها العيون، فقوله تعالى ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾ يفيد أن البر إذا تجسد كان شخصا مؤمنا بالله واليوم الآخر، فهو بذلك جعل البر شخصا يمشي على رجلين له سماته وصفاته.
ومن الثاني أعني الأخبار بالمصدر عن الذات قوله تعالى: ﴿إنه عمل غير صالح﴾ [هود: ٤٦]، فقد أخبر عن ابن نوح بقوله (عمل غير صالح)، والقصد منه تحويل الذات
стр. 868
إلى حدث بعكس القسم الأول، والمعنى في الآية أن ابنك يا نوح تحول إلى عمل غير صالح ولم يبق فيه شيء من عنصر الذات.
وهذا التحويل والتجوز لا يؤديه التقدير، فإنك إذا قدرت كما قدر النحاة (إنه ذو عمل غير صالح) أو (ذا البر من آمن) لم يبق فيه شيء من هذا المعنى، فلا داعي لتقدير مضاف أو نحوه، فإن لكل تعبير دلالته ومعناه.
وهذا الباب قوله تعالى: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم﴾ [البقرة: ٩٣]، أي حب العجل (١). لأن العجل لا يشرب في القلوب.
وهو نظير ما مر من إرادة التجوز، والمعنى أن قلوبهم كانما أشربت عجل الذهب حقيقة فكان في تكوينها وتركيبها، ولا يؤدي هذا المعنى تقدير كلمة (حب).
ومنه قولهم (بنو فلان يطؤهم الطريق) وهو مجاز عقلي، والمعنى يطؤهم أهل الطريق ولكنه أسند الوطء إلى الطريق تجوزرا.
جاء في (الكتاب): ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: ﴿وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي اقبلنا فيها﴾ [يوسف: ٨٢]، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية ..
ومثل ذلك من كلامهم: بنو فلان يطؤهم الطريق، وإنما يطؤهم أهل الطريق (٢).
فهذا في الحقيقة تعبير مجازي، يؤدي معنى لا يؤديه المقدر، ولذا نحن لا نرى في هذا تقديرا لأنه يفسد الغرض الفني الذي صيغ من أجله.
٢ - الحذف للاختصار، وذلك إذا دل عليه المعنى نحو قولهم: " هذه الظهر أو العصر أو المغرب، إنما يريد صلاة هذا الوقت، واجتمع القيظ يريد اجتمع الناس في القيظ، وقال الحطيئة:
стр. 869
وشر المنايا ميت وسط أهله ... كهلك الفتى قد اسلم الحي حاضره.
يريد منية ميت وقال الجعدي
وكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب
يريد كخلالة أبي مرحب (١).
ومن ذلك قوله الشاعر:
المال يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسود غير السيد المال
أي فقد المال يزري (٢).
ومنه قولك: (جئت طلوع الشمس)، أي وقت طلوع الشمس، و (انتظرني صلاة ركعتين) أي مقدار صلاة ركعتين، وهو مفهوم من الكلام.
٣ - الاستغناء بدلالة المضاف المذكور على المحذوف إذا دلت عليه قرينة، وذلك نحو قولك: (أبو محمد وخالد حاضران) فإن المعنى أبو محمد، وأبو خالد حاضران بدليل قوله (حاضران) إذ لو لم يرد ذلك لقال (حاضر). فإنك إذا قلت: (أبو محمد وخالد حاضر)، كان المعنى أن أباهما حاضر، وإن قلت (حاضران) كان المعنى إن أبويهما حاضران فثنيت إشارة إلى أنهما أثنان لا واحد.
ونحوه أن تقول: (كتاب سعيد وخالد ممزقان) فدل قولك (ممزقان) على أنهما كتابان لا كتاب واحد، والمعنى: كتاب سعيد وكتاب خالد، ولو قلت: (ممزق) لكان كتابا واحدًا يعود إليهما.
стр. 870
ومثله أن تقول: (ما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك) فهذا لابد فيه من تقدير (مثل) أيضا فيكون التقدير ما مثل أخيك ولا مثل أبيك يقولان ذاك (١). لأنه لو كان المقصود بمثل أخيك وأبيك شخصا واحدا لأخبر عنه بـ (يقول) فعلم بقوله (يقولون) أنهما شخصان لا شخص واحد.
فقد استغنيا بالمضاف المذكور عن المحذوف فقد دلت عليه القرينة.
حذف المضاف إليه:
قد يحذف المضاف إليه ويبقى المضاف على حاله كما لو كان المضاف إليه مذكورا، وأكثر ما يكون ذلك إذا أستغني بالمضاف إليه المذكور عن المحذوف. وذلك نحو: (أخذت كتاب وقلم خالد) وهذا يدل على أن الكتاب والقلم هما لخالد، بخلاف ما لو قلت (أخذت كتابا وقلم خالد) فيدل ذاك على أن القلم لخالد دون الكتاب.
ونحو هذا التعبير كثير وذلك نحو قولهم (قطع الله يد ورجل من قالها) وقوله:
سقى الأرضين الغيث سهل وحزنها
أي سهلها وحزنها، وقوله:
إلا علالة أو بدا ... هة قارح نهد الجزاره
أي علالة قارح وبداهته (٢).
ونحن هنا لا نريد أن نذكر الخلاف العقيم في موطن المضاف إليه المحذوف، أو هل هذا من باب حذف المضاف، إليه أو أن الإسمين مضافان إلى مضاف إليه واحد، فهذا خلاف لا طائل فيه، لأن المهم المعنى، والمعنى واحد، سواء قلت بهذا أم بذاك.
стр. 871
المصدر
المصدر هو الحدث المجرد، يستعمل أحيانا استعمال الفعل فيكون له فاعل، ومفعول به، وذلك كقوله تعالى: ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة﴾ [البلد: ١٤ - ١٥]، وقوله: ﴿إنكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل﴾ [البقرة: ٥٤]، وقوله الشاعر:
ضعيف النكاية اعداءه ... يخال الفراء يراخي الأجل
وقد يستعمل استعمال الأفعال اللازمة نحو: ﴿وما كيد فرعون إلا في تباب﴾ [غافر: ٣٧].
المصدر الصريح والمؤول:
استعملت العربية نوعين من المصادر: مصادر صريحة ومصادر مؤولة، فمن المصادر الصريحة قولك (أعجبني انطلاقك) ومن المؤولة قولك (أعجبني أن تنطلق).
وهناك اختلاف بينهما في المعنى، والاستعمال فقد يقع المصدر الصريح في مواطن لا يقع فيها المؤول وبالعكس، وقد يؤدي أحدهما معنى لا يؤديه الآخر.
فمن الاختلاف في الاستعمال.
١ - أن المصدر المؤول قد يسد مسد المسند، والمسند إليه، ونحو (ظننت أنك ذاهب) و ﴿أحسب الناس أن يتركوا﴾ [العنكبوت: ٢]، ولا يسد المصدر الصريح مسدهما وذلك أن المصدر المؤول في الأصل جملة لها معناها الحاصل من الإسناد، أوقعها الحرف موقع المفرد بخلاف المصدر الصريح فإنه مفرد أصلا.
٢ - ان المصدر المؤول يسد مسد خبر فعل الرجاء (١). أو مسد فاعله نحو: ﴿وعسى أن
стр. 872
تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ [البقرة: ٢١٦]، و ﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾ [التوبة: ١٠٢]، ولا يسد ذلك المصدر الصريح.
٣ - ينوب المصدر الصريح عن ظرف الزمان ولا ينوب عن ذلك المؤول، تقول (جئتك غروب الشمس) أي وقت غروبهما و (جئت قدوم الحاج) أي وقت قدومهم، ولا تقول (جئتك أن تغرب الشمس) ولا (جئت أن قدم الحاج).
٤ - يكثر حذف حرف الجر مع أن وأن نحو ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم﴾ [المائدة: ٢]، أي لأن صدوركم و (عجبت أن أخاك ناجح) أي من أن أخاك ناجح، وهذا قياس إذا اتضح المعنى، وليس الأمر كذلك مع المصدر الصريح.
٥ - يصح وصف المصدر الصريح، ولا يصح وصف المصدر المؤول، تقول: يعجبني انطلاقك السريع، ولا يصح: يعجبني أن تنطلق السريع. (١).
٦ - ينوب المصدر الصريح، عن فعله نحو (صبرًا آل ياسر) و (فضرب الرقاب) أي أصبروا واضربوا، ونحو (سقيا لك) و (اتوانيا وقد جد الناس)؟ ولاينوب عنه المصدر المؤول.
٧ - يؤكد المصدر الصريح فعله (٢). ويبين نوعه، وعدده، نحو (انطلقت انطلاقا) و (انطلقت الأنطلاق) و (انطلاق السهم) و (انطلاقتين) ولا يستعمل المصدر المؤول لذلك.
إلى غير ذلك من أوجه الخلاف في الاستعمال.
ثم إن لكل من المصدرين (الصريح والمؤول) غرضا لا يؤديه الآخر، فمن ذلك.
١ - أن المصدر المؤول يفيد الدلالة على الزمن، بخلاف المصدر الصريح، تقول (أعجبني أن قمت) و (أن تصبر خير لك) فهذا يفيد الدلالة على الماضي، او الحال، أو الاستقبال، بحسب الفعل بخلاف المصدر الصريح، فإنك إذا قلت (صبرك خير لك)
стр. 873
أحتمل المضي والحال والاستقبال لأنه ليس في صيغته ما يدل على تحديد زمن (١).
ثم إضافة إلى أنه يستعمل للتمييز بين ما هو واقع، وما سيقع، يستعمل أيضا للدلالة على المأمور، أو المنهى عنه، أو المدعو به، وما إلى ذلك نحو (أشرت إليه بأن قم) أو بأن لا تقم وبأن حفظك الله وهذا يختلف عما سبق، أن ذكرناه من نيابة المصدر الصريح عن فعله فهذا ليس من باب النيابة، وإنما هذا مدلول المصدر المؤول، ولو أبدلت الصريح به لم يفهم المعنى نفسه.
٢ - أن المصدر المؤول ولا سيما مع (أنْ) يدل على مجرد معنى الحدث دون احتمال زائد عليه، ففيها [يعني أن] تحصين من الإشكال، وتخليص له من شوائب الإجمال، بيانه أنك إذا قلت: (كرهت خروجك) و (أعجبني قدومك) احتمل الكلام معاني، منها أن يكون نفس القدوم هو المعجب لك دون صفة من صفاته، وهيآته، وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات ولكنها عبارة عن الكيفيات، واحتمل أيضا أنك تريد أنه اعجبك سرعته أو بطؤه أو حالة من حالاته فإذا قلت: (اعجبني أن قدمت) كان [دخول] أن على الفعل بمنزلة الطبائع والصواب من عوارض الاجمالات المقصودة في الأذهان (٢).
وإيضاح ذلك أنك إذا قلت مثلا (يعجبني مشى محمد) فقد يفيد ذاك أن في مشيه صفة معينة هي التي تعجبك فيه، ويحتمل أيضا أنه يعجبك مجرد المشيء من دون قصد إلى صفة معينة، ولكن إذا قلت (يعجبني أن يمشى) كان ذلك لمجرد المشي، لا لشئ آخر أو صفة خاصة، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل﴾ [الرعد: ٣٣]، فإن قوله (زيد للذين كفروا مكرهم) يحتمل أن مكرهم إنما زيد لهم لما فيه من الدهاء والحيلة والاستدراج، ولو قال: (زيد للذين كفروا أن يمكروا) لكان المعنى أنه زين لهم أن يفعلوا مكرا، لا أن مكرهم له صفة معينة هي التي تزينه لهم. ومثله.
يعجبهم علمهم، ويعجبهم أن يعلموا.
стр. 874
٣ - إن (أَنْ) والفعل قد تفيد الإباحة، ولا تفيد القطع بحصول الفعل، بخلاف المصدر الصريح، فإنه قد يفيد القطع بحصوله، وذلك نحو أن تقول: (له صراخ صراخ الثكلى) فهذا يختلف عن قولك: (له أن يصرخ صراخ الثكلى) فإن قولك (له صراخ) قطع بحصول الفعل، أي هو يصرخ، أما إذا قلت: (له أن يصرخ) فلا يفيد ذاك أن الصراخ حصل وإنما المعنى يحق له أن يصرخ (١). كما تقول (لك أن تذهب إلى البصرة) أي يحق لك.
٤ - أن المصدر المؤول يبين الفاعل من المفعول من نائب الفاعل ولا يبين ذلك المصدر الصريح تقول (ساءني أن يعاقب محمد) محمد نائر فاعل و (ساءني أن يعاقب محمد) فمحمد فاعل و (ساءني أن يعاقب خالد محمدًا) فمحمدًا مفعول به. فإن قلت: ساءني معاقبة محمد أحتمل أن يكون محمد فاعلا ومفعولا، ولا يبين المصدر الصريح نائب الفاعل، فإذا أردت بيان نائب الفاعل، وجب أن تأتي بالمصدر المؤول تقول: عجبت من أن يضرب عمرو، فعمرو نائب فاعل، فإذا قلت: عجبت من ضرب عمرو تبادر إلى الذهن انه فاعل (٢). إلا في تعبيرات محدودة.
٥ - أن لكل حرف من الحروف المصدرية معنى خاصا به، فإذا جئت بالمصدر الصريح لم يتبين المقصود وذلك أن (ان) تفيد التوكيد و (أن) للاستقبال و (ما) للحال إذا دخلت على المضارع ولو للتمنى وكي للتعليل، فإذا جئت بالمصدر الصريح أنتفي التمييز بينها فعلى سبيل المثال أنك تقول:
١ - يسرني أن تهذب.
٢ - يسرني أن ذهبت
٣ - يسرني أنك ذاهب.
стр. 875
٤ - يسرني أنك تذهب.
٥ - يسرني أنك ذهبت.
٦ - يسرني أنك ستذهب
٧ - يسرني لو ذهبت.
٨ - يسرني ما ذهبت.
وهذه كلها تؤول. يسرني ذهابك
٦ - التمييز بين الصيغ ومدلولاتها، فإنه في المصادر المؤولة تستطيع أن تأتي بالفعل واسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، وصيغ المبالغة، واسم التفضيل، فتفيد كل صيغة دلالتها من حدوث، وثبوت وتكثير وتفضيل، وغيرها في حين لا يتأتي ذلك في المصادر الصريحة، فأنت تقول: (يعجبني أن محمدا ضارب، ومضروب، وضراب وأضرب من غيره) في حين أنها كلها تكون بلفظ واحد في المصدر الصريح، تقول: (يعجبني ضرب محمد) أو تتكلف تعبيرات أخرى لا تؤدي مؤدي الأصل نحو: يعجبني أفضلية ضرب محمد أو كثرته، ونحو ذلك ففي المصدر المؤول من التمييز بين المعاني ما ليس في المصدر الصريح.
٧ - يؤتى بالمصدر المؤول فيما ليس له مصدر صريح من الأفعال، كالأفعال الجامدة نحو: ﴿وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾ [الأعراف: ١٨٥]، و ﴿أن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩].
٨ - قد يؤتى بالمصدر الصريح لإرادة الحدث وحده، دون إرادة صاحبه، أو إرادة زمنه نحو (الحمد لله رب العالمين) فإنه يراد بالحمد مجرد الحدث، لا صاحبه، ولا زمنه، ونحو: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) [البقرةك ٢٢٩]، ونحو: ﴿وهم في شقاق﴾ [البقرة: ١٣٧]، و ﴿ما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾ [النساء: ١٢٠]، و ﴿وما كيد الكافرين إلا في ضلال﴾ [غافر: ٢٥]﴾ فإمساك وتسريح، وشقاق وغرور،
стр. 876
وضلال أحداث مجردة فجيء بها مصادر صريحة، ولا يراد معها أصحابها، ولو قال: وما بعدهم الشيطان إلا أن يغرهم لتغيير المعنى، ولو قال (وما كيد الكافرين إلا في أن يضلوا) لم يكن لذلك معنى.
٩ - إيقاع الجمل المختلفة بدلالاتها المتميزة موقع المصدر في المصدر المؤول ولا يتأتي ذلك في المصدر الصريح وذلك كالجمل الفعلية والإسمية الكبرى، والصغرى، المؤكدة بطرائق التوكيد المختلفة وغير المؤكدة، المثبتة والمنفية بأساليب النفي المختلفة، الشرطية وغيرها وما إلى ذلك من أنواع الجمل مما لا يتأتي في المصدر الصريح نحو ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، و (اعلم أن لا إله إلا الله) و (علمت أن محمدا ذو مال كثير) و (علمت أن محمدا ماله كثير) و (علمت أن محمدًا ليس له مال) و (علمت أن محمدًا لا مال له) وغير ذلك.
وإليك مثلا يوضح كيف أن المصادر المؤولة المختلفة ذات الدلالة المتعددة تؤول بلفظ واحد على تباينها:
١ - يسرني أن محمدا ضرب
٢ - يسرني أن محمدا يضرب
٣ - يسرني أن ضرب محمد
٤ - يسرني أن قد ضرب محمد
٥ - يسرني أن قد يضرب محمد.
٦ - يسرني أن محمدٌ ضرب.
٧ - يسرني أن محمدٌ يضرب
٨ - يسرني أنه محمد ضرب.
٩ - يسرني أنه محمد يضرب.
стр. 877
١٠ - يسرني أنه قد ضرب محمد
١١ - يسرني أنه قد يضرب محمد ١٢ - يسرني أن محمدا سيضرب
١٣ - يسرني أن سيضرب محمد
١٤ - يسرني أنه سيضرب محمد ١٥ - يسرني أنه محمد سيضرب.
١٦ - يسرني أن محمدًا ضارب ١٧ - يسرني أنه محمد ضارب
١٨ - يسرني أنه ضارب محمد ١٩ - يسرني أن محمدٌ ضارب
٢٠ - يسرني أن ضارب محمد ٢١ - يسرني أن محمدا إنه ضارب
٢٢ - يسرني أن محمدا إنه لضارب ٢٣ - يسرني أن محمدا أنه هو الضارب
٢٤ - يسرني أن محمدا ضراب ٢٥ - يسرني أنه محمد ضراب
٢٦ - يسرني أن محمد ضراب ٢٧ - يسرني أنه ضراب محمد
٢٨ - يسرني أن ضراب محمد
стр. 878
٢٩ - يسرني أن محمدا إنه ضراب ٣٠ - يسرني أن محمدا إنه لضراب
٣١ - يسرني أن محمدا إنه هو الضراب ٣٢ - يسرني أن محمدا أضرب
٣٣ - يسرني أن محمد أضرب. ٣٤ - يسرني أنه محمد أضرب
٣٥ - يسرني أن محمدا أنه أضرب ٣٦ - يسرني أن محمدا أنه لأضرب
٣٧ - يسرني أن محمدا أنه هو أضرب ٣٨ - يسرني أنه أضرب محمد
٣٩ - يسرني أن محمدا مضروب
٤٠ - يسرني أنه محمد مضروب
ونكتفي بهذا القدر وهناك صور أخرى لهذا التعبير، وهذه كلها تؤول بتعبير واحد هو يسرني ضرب محمدٍ
وبهذا يتضح لنا أن أحد المصدرين لا يغني عن الآخر، ولا يسد مسده بل لكل منهما خصائصه وغرضه.
الحروف المصدرية
في العربية حروف تسمى الحروف المصدرية، وهي: (أن)، وأن، وما، ولو، وكي، ووظيفة الحرف المصدري، إيقاع الجملة موقع المفرد، فتوقعها فاعلا، ومبتدأ ومفعولا به ومضافا إليه، ومجرورة بحرف الجر، وغير ذلك.
стр. 879
تقول: (أن تعدل في حكمك خير لك من أن تجور) فأوقعت تعدل مبتدأ أخبرت عنه. وتقول: يسرني أن تفوز فجعلت فاعلا.
وتقول: سررت بأنك فائز، فأوقعت أنت فائز، مجرورا بالحرف. وهكذا، ولا يتأتي ذلك لولا الحرف المصدري، وقد تقول: إذا كانت هذه الغاية من الحرف المصدري، فلماذا تعددت الحروف المصدرية؟
والجواب إن هذه الأحرف ليست متطابقة من حيث الوظيفة بل أن لكل حرف معنى ووظيفة قد تختلف عن الآخر.
فـ أن: تدخل على الجمل الإسمية وتفيد التوكيد، نحو: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ [البقرة: ٢٢٣]، بخلاف أن الخفيفة الأصل فهي لا تفيد التوكيد، ولذا قالوا إذا وقعت أن المشددة بعد أفعال الرجحان أفادت العلم، نحو: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وإذا وقعت الخفيفة لم تفد ذلك تقول (أظن أن يأتي محمد).
والمخففة من هذه حرف مصدري أيضا يدخل على مالا تدخل عليه المشددة، كالأفعال الجامدة والإنشائية وغيرها، نحو ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]، ﴿وألو استقاموا على الطريقة﴾ [الجن: ١٦]، وهي تفيد التوكيد أيضا كما أسلفنا في بابه.
أن: وتدخل على الجملة الفعلية، وهي تدخل على المضارع فتصرفه إلى الاستقبال غالبا نحو: (أريد أن تأتيني) وتدخل على الماضي نحو ﴿هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩]، وتدخل على الأمر نحو: ﴿وإذا أنزلت سورة أن أمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استئذنك أولوا الطول منهم﴾ [التوبة: ٨٦]، ونحو قولك: (ناديتهم بأن أقدموا).
وقد تفيد التعليل نحو ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١، ٢]، وقد ذكر برجشتراسر أنها تفيد التعليل. جاء في التطور النحوي: وأخرجوا أن عن كونها مصدرية محضة.
стр. 880
فإن قولي: (أريد أن تفعل ذلك) يتعدي قولي: أريد فعلك، ذلك في أن نصب الفعل يقرب أن من كي كأني قلت: أريد كي تفعل ذلك، أي غرض إرادتي فعلك ذلك كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها﴾ [التوبة: ٥٥]، فالجمل المصدرية النائبة عن مفعول فعل من أفعال الإرادة والطلب وما يشاكلها، تقترب من الجمل الغرضية في جوهر معناها (١).
غير أني أخالفه في المثال الذي ذكره (أريد أن تفعل ذلك) فهذا لا يفيد التعليل، ولا شك أنه يعني بالغرض التعليل، خصوصا وأنه نظرها بـ (كي) أما إذا كان يقصد بقوله (غرض) المعنى العام فإن كثيرا من المفعول به غرض، فإذا قلت أريد كتابا كان الكتاب غرضا، وإذا قلت (أود لقاءه) كان اللقاء غرضا بهذا المعنى.
وقد وردت أن للتعليل كثيرا في القرآن الكريم، وذلك نحو قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾ [المائدة: ٢]، أي لأن صدوكم.
وقوله: ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدع حزنا ألا يجدوا ما ينفقوا﴾ [التوبة: ٩٢]، وقوله: ﴿وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١].
وقد تقول إن معنى التلعيل لم يأت من (أن) وإنما هو من الحرف المقدر اللام أو غيره.
وأقول: إذا كان بالإمكان تقدير حرف يفيد التعليل في قسم من الأمثلة فقد يمتنع في قسم آخر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١ - ٢] أي لأن جاءه.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، فلا يصح إبدال كي أو اللام بها، فلا يصح للمعنى نفس أن تقول (أتقتلون رجلا كي يقول ربي الله) أو ليقول ربي الله، واللام عندهم على تقدير (أن)، فمعنى الآية: أتقتلونه لآنه يقول ربي الله، ومعناها باللام أو بـ (كي) أتقتلونه حتى يقولها.
فمعناها بـ (أن) أنه يقولها ومعناها بـ (كي) وباللام أنه لا يقولها