وضلال أحداث مجردة فجيء بها مصادر صريحة، ولا يراد معها أصحابها، ولو قال: وما بعدهم الشيطان إلا أن يغرهم لتغيير المعنى، ولو قال (وما كيد الكافرين إلا في أن يضلوا) لم يكن لذلك معنى.
٩ - إيقاع الجمل المختلفة بدلالاتها المتميزة موقع المصدر في المصدر المؤول ولا يتأتي ذلك في المصدر الصريح وذلك كالجمل الفعلية والإسمية الكبرى، والصغرى، المؤكدة بطرائق التوكيد المختلفة وغير المؤكدة، المثبتة والمنفية بأساليب النفي المختلفة، الشرطية وغيرها وما إلى ذلك من أنواع الجمل مما لا يتأتي في المصدر الصريح نحو ﴿وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾ [الجن: ١٦]، و (اعلم أن لا إله إلا الله) و (علمت أن محمدا ذو مال كثير) و (علمت أن محمدا ماله كثير) و (علمت أن محمدًا ليس له مال) و (علمت أن محمدًا لا مال له) وغير ذلك.
وإليك مثلا يوضح كيف أن المصادر المؤولة المختلفة ذات الدلالة المتعددة تؤول بلفظ واحد على تباينها:
١ - يسرني أن محمدا ضرب
٢ - يسرني أن محمدا يضرب
٣ - يسرني أن ضرب محمد
٤ - يسرني أن قد ضرب محمد
٥ - يسرني أن قد يضرب محمد.
٦ - يسرني أن محمدٌ ضرب.
٧ - يسرني أن محمدٌ يضرب
٨ - يسرني أنه محمد ضرب.
٩ - يسرني أنه محمد يضرب.
стр. 877
١٠ - يسرني أنه قد ضرب محمد
١١ - يسرني أنه قد يضرب محمد ١٢ - يسرني أن محمدا سيضرب
١٣ - يسرني أن سيضرب محمد
١٤ - يسرني أنه سيضرب محمد ١٥ - يسرني أنه محمد سيضرب.
١٦ - يسرني أن محمدًا ضارب ١٧ - يسرني أنه محمد ضارب
١٨ - يسرني أنه ضارب محمد ١٩ - يسرني أن محمدٌ ضارب
٢٠ - يسرني أن ضارب محمد ٢١ - يسرني أن محمدا إنه ضارب
٢٢ - يسرني أن محمدا إنه لضارب ٢٣ - يسرني أن محمدا أنه هو الضارب
٢٤ - يسرني أن محمدا ضراب ٢٥ - يسرني أنه محمد ضراب
٢٦ - يسرني أن محمد ضراب ٢٧ - يسرني أنه ضراب محمد
٢٨ - يسرني أن ضراب محمد
стр. 878
٢٩ - يسرني أن محمدا إنه ضراب ٣٠ - يسرني أن محمدا إنه لضراب
٣١ - يسرني أن محمدا إنه هو الضراب ٣٢ - يسرني أن محمدا أضرب
٣٣ - يسرني أن محمد أضرب. ٣٤ - يسرني أنه محمد أضرب
٣٥ - يسرني أن محمدا أنه أضرب ٣٦ - يسرني أن محمدا أنه لأضرب
٣٧ - يسرني أن محمدا أنه هو أضرب ٣٨ - يسرني أنه أضرب محمد
٣٩ - يسرني أن محمدا مضروب
٤٠ - يسرني أنه محمد مضروب
ونكتفي بهذا القدر وهناك صور أخرى لهذا التعبير، وهذه كلها تؤول بتعبير واحد هو يسرني ضرب محمدٍ
وبهذا يتضح لنا أن أحد المصدرين لا يغني عن الآخر، ولا يسد مسده بل لكل منهما خصائصه وغرضه.
الحروف المصدرية
في العربية حروف تسمى الحروف المصدرية، وهي: (أن)، وأن، وما، ولو، وكي، ووظيفة الحرف المصدري، إيقاع الجملة موقع المفرد، فتوقعها فاعلا، ومبتدأ ومفعولا به ومضافا إليه، ومجرورة بحرف الجر، وغير ذلك.
стр. 879
تقول: (أن تعدل في حكمك خير لك من أن تجور) فأوقعت تعدل مبتدأ أخبرت عنه. وتقول: يسرني أن تفوز فجعلت فاعلا.
وتقول: سررت بأنك فائز، فأوقعت أنت فائز، مجرورا بالحرف. وهكذا، ولا يتأتي ذلك لولا الحرف المصدري، وقد تقول: إذا كانت هذه الغاية من الحرف المصدري، فلماذا تعددت الحروف المصدرية؟
والجواب إن هذه الأحرف ليست متطابقة من حيث الوظيفة بل أن لكل حرف معنى ووظيفة قد تختلف عن الآخر.
فـ أن: تدخل على الجمل الإسمية وتفيد التوكيد، نحو: ﴿واعلموا أنكم ملاقوه﴾ [البقرة: ٢٢٣]، بخلاف أن الخفيفة الأصل فهي لا تفيد التوكيد، ولذا قالوا إذا وقعت أن المشددة بعد أفعال الرجحان أفادت العلم، نحو: ﴿قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وإذا وقعت الخفيفة لم تفد ذلك تقول (أظن أن يأتي محمد).
والمخففة من هذه حرف مصدري أيضا يدخل على مالا تدخل عليه المشددة، كالأفعال الجامدة والإنشائية وغيرها، نحو ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: ٣٩]، ﴿وألو استقاموا على الطريقة﴾ [الجن: ١٦]، وهي تفيد التوكيد أيضا كما أسلفنا في بابه.
أن: وتدخل على الجملة الفعلية، وهي تدخل على المضارع فتصرفه إلى الاستقبال غالبا نحو: (أريد أن تأتيني) وتدخل على الماضي نحو ﴿هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾ [المائدة: ٥٩]، وتدخل على الأمر نحو: ﴿وإذا أنزلت سورة أن أمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استئذنك أولوا الطول منهم﴾ [التوبة: ٨٦]، ونحو قولك: (ناديتهم بأن أقدموا).
وقد تفيد التعليل نحو ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١، ٢]، وقد ذكر برجشتراسر أنها تفيد التعليل. جاء في التطور النحوي: وأخرجوا أن عن كونها مصدرية محضة.
стр. 880
فإن قولي: (أريد أن تفعل ذلك) يتعدي قولي: أريد فعلك، ذلك في أن نصب الفعل يقرب أن من كي كأني قلت: أريد كي تفعل ذلك، أي غرض إرادتي فعلك ذلك كما جاء في القرآن الكريم: ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها﴾ [التوبة: ٥٥]، فالجمل المصدرية النائبة عن مفعول فعل من أفعال الإرادة والطلب وما يشاكلها، تقترب من الجمل الغرضية في جوهر معناها (١).
غير أني أخالفه في المثال الذي ذكره (أريد أن تفعل ذلك) فهذا لا يفيد التعليل، ولا شك أنه يعني بالغرض التعليل، خصوصا وأنه نظرها بـ (كي) أما إذا كان يقصد بقوله (غرض) المعنى العام فإن كثيرا من المفعول به غرض، فإذا قلت أريد كتابا كان الكتاب غرضا، وإذا قلت (أود لقاءه) كان اللقاء غرضا بهذا المعنى.
وقد وردت أن للتعليل كثيرا في القرآن الكريم، وذلك نحو قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾ [المائدة: ٢]، أي لأن صدوكم.
وقوله: ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدع حزنا ألا يجدوا ما ينفقوا﴾ [التوبة: ٩٢]، وقوله: ﴿وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾ [مريم: ٩٠ - ٩١].
وقد تقول إن معنى التلعيل لم يأت من (أن) وإنما هو من الحرف المقدر اللام أو غيره.
وأقول: إذا كان بالإمكان تقدير حرف يفيد التعليل في قسم من الأمثلة فقد يمتنع في قسم آخر، فمن الأول قوله تعالى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١ - ٢] أي لأن جاءه.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، فلا يصح إبدال كي أو اللام بها، فلا يصح للمعنى نفس أن تقول (أتقتلون رجلا كي يقول ربي الله) أو ليقول ربي الله، واللام عندهم على تقدير (أن)، فمعنى الآية: أتقتلونه لآنه يقول ربي الله، ومعناها باللام أو بـ (كي) أتقتلونه حتى يقولها.
فمعناها بـ (أن) أنه يقولها ومعناها بـ (كي) وباللام أنه لا يقولها
стр. 881
ومثله: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ [الممتحنة: ١]، وهي كالآية السابقة. وقد تقول أنه يصح أن أقول: (أتقتلون رجلا لأن يقول ربي الله)، للمعنى نفسه أو قريب منه، فأقول أن ذكر (أن) يؤدي معنى لا يؤديه حذفها، وإبدال غيرها بها، فاللام عندهم على تقدير (أن) ومع ذلك إذا حذفت (أن) وجئت باللام تغير المعنى، في نحو هذا، فذكر (أن يفيد نوعا من التعليل لا يؤديه حذفها.
وهي تستعمل للتعليل مع الفعل الماضي بدلا من (كي) أو اللام، لأن هذين الحرفين لا يباشران الفعل الماضي، وذلك نحو ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحًا أن كنتم قومًا مسرفين﴾ [الزخرف: ٥]، والنحاة يقدرون اللام في نحو هذا.
وجاء في (المقتضب) أنها تكون علة لوقوع الشيء (١).
والخلاصة أنها استعملت في التعليل كثيرًا، في الماضي، والمضارع من دون حرف يفيد العلة، ثم إن التلعيل بها قد يختلف عن التعليل بـ (كي) واللام.
وهذا من ناحية التعليل.
وأما من ناحية الزمن فإنها تصرفه لزمن الاستقبال غالبا، وذلك نحو: قوله تعالى ﴿أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾ [البقرة: ١٠٨]، فالسؤال مستقبل، ونحو قوله: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقوه﴾ [الأنعام: ٢٥]، وهذا ليس للتنصيص على الاستقبال بل يشمل الحال أيضا، وكقوله تعالى: ﴿تولوا وأعينهم تفيض من الدع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [التوبة: ٩٢] وهم لا يجدون ما ينفقون في الحال، ونحوه، قوله: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحي إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز﴾ [هود: ١٢]، فـ (أن يقولوا) ليس تنصيصا على الاستقبال، بل هو يفيد الحال، وما قبل الحال أيضا، لأن هذا القول صدر منهم قبل نزول الآية.
وكقوله تعالى: ﴿وألقي في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [النحل: ١٥]، فقوله (أن تميد) غير متخصص بالاستقبال، بل هو يشمل الزمان المتطاول الممتد من قبل خلق الإنسان على الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقوله: ﴿الذين أخرجوا من
стр. 882
ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾ [الحج: ٤٠]، وهم أخرجوا لأنهم قالوا ذلك ومستمرون على قوله أيضًا، وقوله: ﴿فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في الس ما وات والأرض﴾ [النمل: ٢٤ - ٢٥]، والمقصود بـ (ألا يسجدوا) الحال.
ومثله قوله تعالى: ﴿أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾ [غافر: ٢٨]، وقوله: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ [الممتحنة: ١]، وقوله: ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ [البروج: ٨]، وإن كل ذلك ليس فيه تنصيص على الاستقبال.
ونحوه: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥]، وهو لم يسجد في الماضي وقوله: ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ [الروم: ٢٥]، وهما قائمتان بأمره لم تزال ولا تزالان.
غير أنه يمكن أن يقال إن أغلب ما ذكرنا من الأمثلة يفيد الاستمرار الذي منه الاستقبال فتكون دلت على الاستقبال ضمنا لا تنصيصا، ولا ينطبق هذا على نحو قوله تعالى: ﴿ألا يجدوا ما ينفقون﴾ فيما أحسب فإن هؤلاء قد يجدون في الاستقبال ما ينفقون، والله أعلم.
ما: و (ما) تدخل على الفعل المتصرف في الغالب، ماضيًا كان أو مضارعًا، نحو قوله تعالى: ﴿إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦]، وقوله: ﴿وأنا بريء مما تجرون﴾ [هود: ٣٥]، أي من إجرامكم، وقوله: ﴿لتجزى كل نفس بما تسعى﴾ [طه: ١٥]، أي بسعيها، وقد تدخل على غير ذلك قليلا، نحو (بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية)، وقوله:
أعلاقة أم الوليد بعدما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس
وقيل (ما) كافة لـ (بعد) من الإضافة (١).
стр. 883
وهي إذا دخلت على الفعل المضارع أفادت الحال (١). نحو ﴿سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ [الأنعام: ١٠٠]، ونحو: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ [الأنعام: ١١٢].
وقد تكون زمانية نحو قوله تعالى: ﴿إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها﴾ [المائدة: ٢٤]، أي مدة دوامهم فيها، وقوله: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، أي مدة استطاعتكم.
وقد ذكر برجشتراسر أن التطابق كثير بين (أنْ) و (أنّ) و (ما). قال: وإذا تساءلنا عن الفرق بين (أن) و (أن) وبين (ما) مع صرف النظر عن الحالات التي تفي فيها (أن) بوظيفة خاصة بها، فتعمل في نصب الفعل، وجدنا أن التطابق بينها كثير، مثاله من القرآن الكريم ﴿ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة﴾ [الأنفال: ٥٣]، و ﴿ذلك بما عصوا﴾ [البقرة: ٦١]، فـ (أن) و (ما) معناهما واحد، ومنه ﴿من بعد ما جاءهم العلم﴾ [الجاثية: ١٧]، و ﴿من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبن إخوتي﴾ [يوسف: ١٠٠]، وعلى العموم فـ (ما) أندر كثيرًا من (أن) و (أن) ويقل استعمالها تدريجيا مع تطور اللغة العربية، غير أنها احتفظت بها في بعض الأحوال نحو (قل ما وجد مثل ذلك) و (طالما) و (بئس ما) ..
وقد تميز العربية بين (أن) و (أن) وبين (ما) في المعنى، واشهر مثال لذلك هو الفرق بين (كأن) و (كأن) وبين (كما) فـ (كأن) و (كأن) تفيدان فرض كون الشيء غير ما هو عليه في الحقيقة و (كما) تفيد التشبيه والتمثيل الحقيقي، مثال ذلك: ﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة﴾ [الأعراف: ١٧١]، والجبل لم يكن ظلة أو مثل ظلة، بل كان ضدها في المتانة والرسو، والمعنى لو كان الجبل كظلة لكان نتفه ورفعه وزلزلته قريبًا من الاحتمال فلأنه لم يكن كظلة كان نتفه من المعجزات، و (كما) مثل (آمنا كما آمن الناس) يعني إيمانيا مثل إيمانهم (٢).
стр. 884
والحق أنه ليس ثمة تطابق بين هذه الأحرف، فـ (أن) تفيد التوكيد، وأما (أن) و (ما) فبينهما أوجه اختلاف منها:
١ - أن (أن) تفيد الاستقبال في الغالب، و (ما) تفيد الحال، وذلك إذا دخلتا على الفعل المضارع، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ [المائدة: ١١]، فـ (يبسطوا) المقصود به الاستقبال، ولو قال (ما يبسطون) لكان للحال، وقوله: ﴿هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدًا﴾ [الكهف: ٦٦]، أي شريطة أن تعلمني، فالتعليم في المستقبل، ولو قال (على ما تعلمني) لكان المقصود به الحال.
وقوله: ﴿فذرهم وما يفترون﴾ [الأنعام: ١٢]، و ﴿وأنا بريء مما تجرمون﴾ [هود: ٣٥]، فهذه كلها للحال بعكس (أن).
٢ - أن (ما) قد تكون ظرفية زمانية بخلاف (أن) وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله: ﴿وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا﴾ [مريم: ٣١]، وقولك: (أنت مفلح ما تفعل الخير) أي مدة فعلك الخير.
٣ - أن (ما) تكون اسما موصولا وتكوف حرفًا مصدريا، وفي قسم من التعبيرات يحتمل الكلام المعنيين، فيكون من باب التعبير الاحتمالي الذي سبقت له نظائر، وذلك نحو: ﴿ساء ما يعملون﴾ [المائدة: ٦٦]، فقد يحتمل المعنى ساء عملهم وساء الذي يعملونه، وقوله: ﴿يآيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك﴾ [الزخرف: ٤٩]، فالمعنى يحتمل ادع ربك بعهده عندك، ويحتمل بالذي عهده عندك، ويحتمل بالذي عهده عندك، ونحوه قوله: ﴿قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين﴾ [يس: ٢٦ - ٢٧]، فهذا يحتمل ياليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي، ويحتمل أنه ياليتهم يعلمون بالشيء الذي غفر لي به ربي.
ونحوه أن تقول: (صبرت على ما كذبتني) فالمعنى يحتمل (صبرت على تكذيبي) ويحتمل صبرت على ما كذبتني به، أي الشيء الذي كذبتني به ونحوه أن تقول (صدق ما عاهد الله) فهذا يحتمل أنه صدق عهد الله، ويحتمل صدق ما عاهد الله عليه، أي صدق الشيء الذي عاهد الله عليه.
стр. 885
أما (أن) فلا تكون إلا مصدرية.
وبذا قد تؤدي (ما) أكثر من معنى أحيانا.
٤ - ولكون (ما) كذلك أي أنها قد تكون مصدرية، وقد تكون اسما موصولا وقد تحتمل المعنيين أحيانا يؤتى بـ (أن) إذا أريد التنصيص على المصدر، وبخاصة إذا كان مجيء (ما) قد يصرف الكلام إلى معنى آخر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥]، فلو أبدلت (ما) بـ (أن) لكان المعنى أنهم لا يودون ما ينزل عليكم، أي لا يودون الخير النازل عليكم من الله، وكقوله تعالى: ﴿عبس وتولى أن جاءه الأعمى﴾ [عبس: ١، ٢]، أي لمجيء الأعمى، ولو قلت: عبس وتولى لما جاءه الأعمى أو بما جاءه الأعمى لكان المعنى: عبس للشيء الذي جاء به الأعمى ولم يأت الأعمى بشيء، وإنما عبس لمجيئه لا لشيء جاء به، ولو قال (عبس وتولى ما جاءه الأعمى)، لكان المعنى أنه عبس وتولى كلما جاءه الأعمى، وكلا المعنيين غير مراد.
ونحوه قوله تعالى: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ [التكوير: ٢٩]، والمعنى أنكم لا تشاؤون إلا بمشيئة الله، أي إلا إذا شاء الله، ولو قيل (وما تشاؤون إلا ما يشاء الله) لكان المعنى أنكم لا تشاؤون إلا الشيء الذي يريده الله ويشاؤه. وهذا غير مراد ولا يصح.
٥ - الأصل في مصدر (ما) أن يكون مخصوصًا، وفي مصدر (أن) أن يكون لإرادة مجرد الحدث، ـ وهذا فرق رئيس بين استعماليهما، ولذا لا يحسن وضع أحداهما، مكان الأخرى أحيانا، فمثلا قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ [النساء: ٦٥]، يصح فيه تأويل (مما قضيت) بمصدر فتقول: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا من قضائك)، ولكن مع ذلك لا يحسن وضع (أن) مكان (ما) فلا تقول: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا من أن قضيت) لأن المعنى سيكون عند ذلك: عليهم ألا يجدوا في أنفسهم حرجا من كونك تقضي، أو من مبدأ أنك تقضي، وليس هذا المقصود، وليس في أنفسهم
стр. 886
حرج من ذلك، بل المقصود أن عليهم أن يرضوا بما يقضي، ولو كان لا يوافق هواهم ورغبتهم، ليس في أنفسهم حرج من ذلك، لا من مجرد أنه يقضي، فيكون مصدر (ما) مخصوصا، وقد يراد بـ (ما قضيت) المقضي به أي اسم موصول.
ونحوه قوله سبحانه: ﴿سبحانه وتعالى عما يصفون﴾ [الأنعام: ١٠٠]، فإنه يصح تأويل (عما يصفون) بـ (عن وصفهم) غير أنا لو أبدلنا (أن) بـ (ما) لوجدنا أن المعنى يختلف، فلو قلت: عن أن يصفوا) لكان المعنى تنزيه الله عن مجرد الوصف، وليس هذا المقصود، إذ لا شك أن الله له الصفات العليا، وإنما المقصود تنزيهه عن الوصف الباطل والصفات التي لا تليق به سبحانه، ويحتمل أن تكون (ما) اسمًا موصولا، أي عما يصفونه به من الصفات الباطلة.
ونحوه قوله: ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ [الأعراف: ١٧٣]، وهذا يحتمل أن المعنى: أفتهلكنا بفعل المبطلين، ومع ذلك لا يصح إبدال (أن) بـ (ما) فلا تقول: أفتهلكنا بأن فعل المبطلون، فإن الأول فعل مخصوص، وهو الذي يؤدي إلى الإهلاك، وأما الثانية فيكون المعنى أتهلكنا لأن المبطلين فعلوا، ولا ندري ما فعلوا، فالفعل أولا مخصوص معلوم بخلاف مصدر (أن) ويحتمل أن تكون (ما) اسمًا موصولا أيضًا.
ومثله قوله تعالى: ﴿ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ [التوبة: ١١٨]، والمعنى برحبتها. ولو قلت: (بأن رحبت) لكان المعنى أنها ضاقت عليهم بكونها رحبة، وهو معنى متناقض غير مراد.
ونحوه قوله تعالى: ﴿لا تؤاخذني بما نسيت﴾ [الكهف: ٧٣]، والمقصود به نسيان مخصوص وهو العهد الذي بينهما، ولو قال (بأن نسيت) لاحتمل المعنى أنه آخذه بمبدأ النسيان أي آخذه لكونه نسي، أي لمجرد حصول النسيان عنده.
стр. 887
ونحو قوله تعالى: ﴿لتجزي كل نفس بما تسعى﴾ [طه: ١٥]، أي بسعيها، ولو أبدلت (أن) بها فقلت (لتجزي كل نفس بأن تسعى) تغير المعنى، وأصبح أنها تجزي لأنها تسعى، فالأولى سعي مخصوص تجزي به أن كان خيرًا فخير، أو شرًا فشر. والثانية أنه مطلق السعي فهي تجزي لأنها تسعى وليس فيها المعنى الأول.
ونحوه قوله تعالى: ﴿ربكم أعلم بما لبثتم﴾ [الكهف: ١٩]، أي: يلبثكم، والمقصود به زمن لبثكم ومدته، ولو قال: (ربكم أعلم بأن لبثتم) لكان المعنى أن ربكم يعلم بأنكم لبثتم، وهذا غير مراد، فالأولى لبث مخصوص بخلاف الثانية.
فمصدر (ما) مخصوص محدود، بخلاف مصدر (أن) فإنه لمجرد الحدث، وهذا فرق رئيس بينهما كما ذكرت.
٥ - إن (أنْ) تستعمل للتعليل كما ذكرنا بخلاف (ما) وهي تقوم مقام حرف التعليل مع الأفعال الماضية، وذلك نحو ﴿وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا﴾ [مريم: ٩٠، ٩١]، وقد تقول أن (ما) وردت للتعليل أيضا، نحو ﴿لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب﴾ [ص: ٢٦]، وقوله: ﴿إني جزئتهم اليوم بما صبروا﴾ [المؤمنون: ١١١].
والحق أن (ما) لم تأت للتعليل إلا مع حرف يفيد التلعيل، أما (أن) فهي حيث وردت للتعليل منزوعة من حروف التعليل في القرآن الكريم، إلا في نحو قوله تعالى: ﴿لئلا يعلم أهل الكتاب﴾ [الحديد: ٢٩]، وقد مر بنا هذا.
٦ - ثم أنهما يختلفان من حيث التعليل، وذلك أن تقول مثلا (عاقبتك بما ذهبت إلى القرية) أي عاقبتك بسبب ذهابك، ولو قلت: (عاقبتك بأن ذهبت إلى القرية) احتمل هذا المعنى واحتمل أنه عاقبه بالذهاب، أي جعل ذهابه هو العقوبة.
ونحوه أن تقول: (لقد جزاك الله بما كنت من المصلحين) و (جزاك الله بأن كنت من المصلحين) فالأولى معناها أنه جزاك بسبب كونك من المصلحين، والثانية تحتمل السببية، وتحتمل أنه جزاه أن جعله من المصلحين، فالجزاء هو جعله من المصلحين.
٧
стр. 888
- التشبيه بـ (ما) يختلف عن التشبيه بـ (أن) وذلك نحو قولك: (اضرب كما ضرب خالد) أي أن خالدا ضرب فاضرب أنت كضربه و لو قلت (اضرب كأن ضرب خالد) لكان المعنى: اضرب كأن خالدا ضرب، ولا يدل على أن خالد ضرب، فتريد أن يضرب مثله، وإنما المعنى إضرب كأن الضارب خالد، ونحوه قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ [هود: ١١٢]، ولو قال (فاستقم كأن أمرت) لكان المعنى: استقم كأنك أمرت، ولم يقدر أنه مأمور حقيقة، إلى غير ذلك من أوجه الخلاف.
كي
ويفيد التعليل، نحو جئت كي استفيد، جاء في (لسان العرب): كي حرف من حروف المعاني ينصب الأفعال بمنزلة (أن) ومعناه العلة لوقوع الشيء، كقولك: جئت كي تكرمني ..
الجوهري: وأما (كي) فجوابك لقولك: لم فعلت كذا؟ فتقول: كي يكون كذا، وهي للعاقبة كاللام (١).
وعند بعضهم أنها لا تفيد التعليل، وإنما التعليل من اللام المقدرة، فإذا قلت: جئت كي استفيد فإذا قدرت (كي) مصدرية، وجب تقدير اللام قبلها، أي جئت لكي استفيد، واللام تفيد التعليل (٢).
والراجح أنها للتعليل، كما هي في الجارة، ولنا عودة إلى هذا الموضوع في بابه.
لو:
وهي للتمني، ولذا كثر وقوعها بعد ما يفيد التمنى، نحو (ود) وما في معناها، قال تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ [القلم: ٦]، جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾، فإن قلت لم رفع فيدهنون ولم ينصب باضمار، (أن) وهو جواب التمني؟
стр. 889
قلت: قد عدل به إلى طريق آخر (١).
ولذا إذا لم يقصد معنى التمني بعد (ود) فلا يؤتى بها، قال تعالى: ﴿أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت﴾ [البقرة: ٢٦٦]، وقال: ﴿وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم﴾ [الأنفال: ٧]، بخلاف قوله: ﴿وودوا لو تكفرون﴾ [الممتحنة: ٢]، وقوله: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا﴾ [النساء: ٤٢].
اسم المصدر
ذهب النحاة إلى أن اسم المصدر هو ما ساوى المصدر في الدلالة على الحدث وخالفه بخلوه من بعض حروف فعله لفظًا وتقديرًا دون تعويض (٢). وذلك كالعطاء والثواب والسلام والكلام والعشرة.
وحق المصدر أن يتضمن حروف فعله بمساواة، نحو تعلم تعلمًا، أو بزيادة نحو أعلم إعلاما (٣). فإن نقص عن حروف فعله دون عوض أو تقدير كان اسم مصدر، فاعطاء مصدر لأعطي، وأما العطاء فاسم مصدر لأنه خلا من الهمزة التي في أوله دون عوض.
والتكلم مصدر تكلم، أما الكلام فهو اسم مصدر لتكلم لأنه خلا من التاء دون عوض، وقد تقول أن الألف قبل الآخر عوض عن التاء، غير أن النحاة لا يعدون المدة التي قبل الآخر عوضا لأن العوض يكون في الأول، أو في الآخر بدليل ثبوتها في المصدر دون.
стр. 890
تعويض كالإنطلاق والاكرام والاستخراج (١).
والمصدر المعوض نحو (عدة) و (زنة) فإن فعليهما (وعد) و (ووزن)، فحذفت الواو وعوض عنها التاء في الآخر، ونحو تعليم وتسليم فإن فعليهما علم وسلم، فإن التاء عوض عن أحد اللامين (٢).
وعندي أن اسم الصدر أيضا ما خرج عن قياس المصدر فيما كان فيه المصدر قياسًا نحو عشرة وقبلة فإن (عشرة) اسم للمعاشرة، وفعله (عاشر) وقد حذف الألف منه، وعلى مقتضي قول النحاة ينبغي أن يكون مصدرًا وذلك لأنه عوض عن الألف المحذوفة بالتاء في آخره، ومثله الهجرة من هاجر وقبلة من قبل مع أنهم يقولون أنها أسماء مصادر (٣). وليست مصادر.
واسم المصدر يدل على الحدث عندهم كالمصدر، فالعطاء معناه الإعطاء، والقبلة معناها التقبيل، والعذاب معناه التعذيب، ولذا عمل عمل المصدر. قال الشاعر:
بعشرتك الكرام تعد منهم ... فلا ترين لغيرهم الوفا
أي بمعاشرتك، وقال الآخر:
قالوا كلامك هندا وهي مصغية ... يشفيك قلت صحيح ذاك لو كانا
أي تكليمك.
وفي موطأ مالك عن عائشة ﵂ (من قبلة الرجل زوجته الوضوء) أي تقبيل (٤).
стр. 891
وقيل أيضا أن المصدر يدل على الحدث، واسم المصدر يدل على الشيء أو الذات، ونحو ذلك العطاء والإعطاء فالاعطاء هو الحدث، والعطاء اسم لما يعطي، والغسل فعل الغاسل، أي الحدث والغسل الماء يغتسل به (١). والتقبيل هو فعل المقبل، والقبلة اسم لذاك.
وهو عند البصريين لا يعمل، لأن أصل وضعه لغير المصدر، بل للاسم، وأعماله رأي الكوفيين (٢). وقد أخذ به النحاة المتأخرون.
والذي يترجح عندي أن الأصل في اسم المصدر أن لا يدل على الحدث بل وضع الدلالة على الاسم، فالقرض ما سلفت، وأما الأقراض فمصدر أقرض وهو الحدث.
والإمطار مصدر أمطر، والمطر بالسكون مصدر مطر، وأما المطر بالفتح فماء السحاب.
والرزق بالفتح مصدر رزق وهو الحدث والرزق بالكسر ما ينتفع به. والحمل بالفتح مصدر حمل، والحمل بالكسر ما حل. والوقود بالضم المصدر، والوقود بالفتح الحطب.
والتكليم المصدر والكلام اسم لما يخرج من الفم من اللفظ، وكان مفيدًا تاما،
وهو لا يكون فقط بالحذف دون تعويض، بل يكون بتغيير الحركات ايضا، كالدهن والدهن والكحل والكحل، فالدهن مصدر دهن، والدهن الاسم، والكحل مصدر كحل والكحل اسم لما يكحل به، والحمل والحمل والغسل والغسل.
ومما يدل على أن أسماء المصادر ليست للحدث في الأصل أننا نقول: السلام عليك ولا نقول: التسليم عليكم، لأن السلام اسم وهو الأمان. أما التسليم فهو الحدث،
стр. 892
ومثله الكلام والتكليم. قال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ [التوبة: ٦]، ولا يصح أن نقول (حتى يسمع تكليم الله أو تكلم الله) فإن كلام الله القرآن أما التكليم فهو الحدث، ولو كانا بمعنى واحد أن يستعمل أحدهما مكان الآخر.
هذا هو الأصل في اسم المصدر، وقد يستعمل أحيانا للدلالة على الحدث، كما أن المصدر يستعمل للدلالة على الاسم، أحيانا وأصله الدلالة على الحدث.
فكما يراد بالخلق أحيانا المخلوق، وبالقول المقول، وباللفظ الملفوظ، وبالنبت النبات وهي مصادر قد يراد على قلة بالدهن الدهن، وبالكحل الكحل، وبالقبلة التقبيل، وبالعذاب التعذيب.
جاء في (الأصول): " وحكي قوم أن العرب قد وضعت الأسماء في مواضع المصدر، فقالوا: عجبت من طعامك طعاما، يريدون من أطعامك، وعجبت من دهنك لحيتك، يريدون من دهنك. قال الشاعر:
أظليم أن مصابكم رجلا ... اهدي السلام تحية ظلم
ومنه قوله:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
أراد بعد أعطائك (١).
فالراجح أن أسماء المصادر في الأصل لا تدل على الأحداث بل تدل على الأسماء وقد تستعمل أحيانا للدلالة على الحدث، كما تستعمل المصادر أحيانا في الدلالة على الذوات.
стр. 893
الأتباع على محل المضاف إليه
ذهب قسم من النحاة إلى أنه يجوز الاتباع على محل ما أضيف إليه المصدر، أو على لفظه، فمثلا يصح أن تقول: (عجبت من اكرام خالد ومحمد) أو (محمدا) وساءني إهانة خالد الكريم) أو (الكريمَ).
وذهب سيبويه ومن تابعه من البصريين إلى أنه لا يجوز الاتباع على المحل، بل على التقدير (١).
جاء في (كتاب سيبويه): " وتقول عجبت من ضرب زيد وعمرو، إذا أشركت بينهما كما فعلت ذلك في الفاعل، ومن قال (هذا ضارب زيد وعمرا) قال (عجبت له من ضرب زيد وعمرا) كأنه أضمر: ويضرب عمرا أو: وضرب عمرا (٢).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " إذا عطفت على ما خفض بالمصدر جاز لك في المعطوف وجهان:
أحدهما أن تحمله على اللفظ فتخفضه وهو الوجه.
والآخر أن تحمله على المعنى، فإن كان المخفوض مفعولا في المعنى نصبت المعطوف، وإن كان فاعلا رفعته فتقول: (عجبت من ضرب زيد وعمرو) وإن شئت (وعمرا) فهو بمنزلة قولك: هذا ضارب زيد وعمرو وعمرا
وإنما كان الوجه الجر لتشاكل اللفظين، واتفاق المعنيين.
وإذا نصبت قدر المصدر بالفعل، كأنك قلت عجبت من أن ضرب، أو من أن يضرب ليحقق لفظ الفاعل والمفعول.
стр. 894
والنعت في ذلك كالعطف، في جواز الحمل على اللفظ والمعنى تقول فيه: " عجبت من ضرب زيد الظريف" بالخفض على اللفظ، والظريف بالرفع على المعنى (١).
وخلاصة الأمر أنه يجوز العطف على غير اللفظ على كلا الرأيين، إلا أنه على مذهب سيبويه يكون بتقدير محذوف، وعلى غير مذهبه، يكون العطف، على المحل، فعلى مذهب سيبويه وغيره يصح أن تقول (ساءني ضرب محمد وعمرا)، غير أن التوجيه يختلف.
والغرض من الاتباع على المحل إيضاح الفاعل من المفعول، فتقول (عجبت من إكرام خالد اللئيم أو اللئيم) فرفع اللئيم يدل على أن خالدا فاعل في الأصل، ونصبه يدل على أنه مفعول به.
وتقول: (أعجبي إكرام خالد أخوك، أو أخاك) على البدل للغرض نفسه، وكذلك (عجبت من ضرب زيد، وخالدا أو خالد).
ومقتضي ما ذهب إليه سيبويه أن الدلالة تختلف من وجه آخر، وذلك أنه يقدر فعلا محذوفا والفعل يدل على الحدوث بخلاف الإسم الذي يدل على الثبوت، فإن قولك (عجبت من ضرب زيد وعمرو) يدل على أن الضرب لهما واحد، من حيث الدلالة على الثبوت.
وأما قولك (عجبت من ضرب زيد وعمرا) فإن قدرته (وأن تضرب عمرا) كان الضرب لعمرو في الاستقبال، وأن قدرته (وأن ضرب عمرا) كان الضرب له في الماضي بخلاف (عجبت من ضرب زيد) فإنه ليس نصا على زمن بعينه، بل هو يحتمل ذلك كما يحتمل الاستمرار والثبوت.
стр. 895
اسم الفاعل
اسم الفاعل كالفعل (١). لازم ومتعد فإذا كان لازمًا اكتفى بفاعله نحو: (أمسافرٌ الرجلان) وإن كان متعديا نصب مفعولا نحو: (أضارب محمود أخاك)؟
ويشترط النحاة لنصبه المفعول شرطين:
الأول: الاعتماد على نفي او استفهام، أو أن يقع صفة، أو حالا، أو مسندًا أو يقع بعد حرف نداء.
الثاني: أن يدل على الحال، أو الاستقبال، نحو (هو ضارب سعدا الآن أو غدا). ولا يشترطون لعمل الرفع، إلا الاعتماد، فلا يشترطون كونه للحال أو للاستقبال (٢). فيصح أن تقول: (أحاضر الرجال أمس؟ ).
هذا شأن المجرد من (أل) فإن كان محلي بـ (أل) عمل في جميع الأحوال، تقول: (هو المكرم أخاك أمس أو غدا) (٣).
يتبين من هذا أن اسم الفاعل لا يتعدي إلى مفعول، إلا إذا كان دالا على حال، أو استقبال فإن لم يكن كذلك لا ينصب مفعولا. تقول: (أنا مكرم أخاك) والمقصود به الآن أو في الاستقبال، ولا تقول ذلك إذا كان الإكرام ماضيا بل يجب أن تقول بالجر، أي (أنا مكرم أخيك). قال تعالى: ﴿إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [الحجر: ٢٨]، وقال: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال: ﴿وإنك لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا﴾ [الكهف: ٨]، أي يوم القيامة، وقال: ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون﴾ [الواقعة: ٥١ - ٥٢]، وهذه كلها للاستقبال.
стр. 896
وقال: ﴿قل الله أعبد ملخصا له ديني﴾ [الزمر: ١٤]، وهو للحال.
جاء في (الكتاب): " هذا باب من اسم الفاعل الذي جرى مجرى الفعل المضارع في المفعول في المعنى، فإذا أردت فيه من المعنى ما أردت في (يفعل) كان منونا نكرة، وذلك قولك: (هذا ضارب زيدا غدا) فمعناه وعمله (هذا يضرب زيدًا)، وإذا حدث عن فعل في حين وقوعه غير منقطع كان كذلك، وذلك قولك: (هذا ضارب عبد الله الساعة) فمعناه وعمله (هذا يضرب زيدًا الساعة) و (كان زيدا ضاربا أباك) فإنما يحدث أيضا عن اتصال فعلي في حين وقوعه، و (كان موافقا زيدا) فمعناه وعمله، كقولك (كان يضرب أباك ويوافق زيدا) فهذا كله أجرى مجرى الفعل المضارع في العمل والمعنى منونا" (١).
وجاء في (معاني القرآن) في قوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [الأنبياء: ٣٥]، " ولو نونت في (ذائقة) ونصبت (الموت) كان صوابا، وأكثر ما تختار العرب التنوين والنصب في المستقبل، فإذا كان معناه ماضيا لم يكادوا يقولون إلا بالإضافة فأما المستقبل فقولك (أنا صائم يوم الخميس) إذا كان خميسا مستقبلا، فإن أخبرت عن صوم يوم خميس ماض قلت: (أنا صائم يوم الخميس) فهذا وجه العمل" (٢).
وجاء في (كتاب الجمل) للزجاجي: " اسم الفاعل إذا كان بمعنى المضي كان مضافا إلى ما بعده وجري مجرى سائر الأسماء في الإضافة كقولك: (هذا ضارب زيد أمس) و (هذا شاتم اخيك أمس) وكذلك ما أشبهه، ولو قلت: (هذا ضارب زيد أمس) بالتنوين والنصب لم يجز عند أحد من البصريين والكوفيين إلا الكسائي.
فإذا كان اسم الفاعل بمعنى الحال أو الاستقبال كان لك فيه وجهان: أحدهما، وهو الأجود أن تنونه وتنصب ما بعده لأن ضارع الفعل المستقبل، وذلك قولك (هو ضارب زيدًا الساعة) و (هذا ضارب زيدًا غدًا) ..
стр. 897
والوجه الآخر أن تحذف التنوين، وتخفض وأنت تريد الحال والاستقبال، فتقول: (هذا ضارب زيد غدا) (١).
وجاء في (المفصل): " ويشترط في أعمال اسم الفاعل أن يكون في معنى الحال، أو الاستقبال، فلا يقال: (زيد ضارب عمرا أمس) ولا (وحشي قاتل حمزة يوم أحد) بل يستعمل ذلك على الإضافة" (٢).
وذكر: لو أن قائلا قال (هذا قاتل أخي) بالتنوين، وقال آخر: (هذا قاتل أخي) بالإضافة لدل التنوين على أنه لم يقتله، ودل حذف التنوين على أنه قتله (٣).
إضافة اسم الفاعل:
ذكرنا آنفا أن اسم الفاعل لا يتعدى إلا إذا كان دالا على الحال أو الاستقبال، فإن لم يدل على الحال أو الاستقبا بأن كان ماضيا أضيف، تقول: (هذا ضارب محمد) إذا ضربه و (ضارب محمدا) إذا كان يضربه أو ينوي ضربه.
جاء في (كتاب سيبويه): " فإذا أخبر أن الفعل قد وقع وانقطع، فهو بغير تنوين البتة .. وذلك قولك (هذا ضارب عبد الله وأخيه) وجه الكلام وحده الجر. لأنه ليس موضعا للتنوين، وكذلك قولك: (هذا ضارب زيد فيها وأخيه) وهذا قاتل عمرو أمس وعبد الله" (٤).
وجاء في (المقتضب): " تقول (هذا ضارب زيد أمس) و (هما ضاربا زيد) و (هم ضاربو عبد الله) .. كل ذلك إذا أردت به معنى الماضي لم يجز إلا هذا، لأنه اسم بمنزلة قولك (غلام زيد) و (أخو عبد الله).
стр. 898
فإن جعلت اسم الفاعل في معنى ما أنت فيه ولم ينقطع أو ما تفعله بعد ولم يقع جرى مجرى الفعل المضارع في عمله وتقديره .. وذلك: (زيد آكل طعامك الساعة) إذا كان في حال أكل و (زيد آكل طعامك غدا) كما تقول: (زيد يأكل الساعة) إذا كان في حال أكل وزيد يأكل غدا (١).
ولا يفهم من هذا أن الإضافة لا تصح إلا إذا كان اسم الفاعل دالا على المضي، بل الإضافة جائزة سواء كان اسم الفاعل دالا على المضي أم غيره، تقول (هو ضارب محمد أمس) و (هو ضارب محمد غدا) إلا أن النصب لا يصح إلا إذا دل على الحال أو الاستقبال (٢).
وقد مر بنا في باب الإضافة غير المحضة أن ما كان من اسم الفاعل دالا على الحال أو الاستقبال فاضافته غير محضة بخلاف ما إذا كان دالا على المضي.
فالفرق بين الإضافة والنصب، ان النصب دلالته قطعية إذ هو لا يدل إلا على الحال أو الاستقبال، أما الإضافة فدلالتها إحتمالية فهي تحتمل.
١ - المضي كقوله تعالى: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض﴾ [فاطر: ١]، وكقولك: (أنا ضارب خالد أمس).
٢ - الحال والاستقبال كقوله تعالى: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾ [آل عمران: ٩]، وقوله: ﴿إن الله جامع المنفقين والكافرين في جهنم جميعا﴾ [النساء: ١٤٠] وقوله: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ [العنكبوت: ٥٧]، وقوله: ﴿إنهم ملاقوا ربهم﴾ [هود: ٢٩]، وهذا كله إستقبال.
وقوله: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه﴾ [الأنعام: ٩٢]، وهذا حال.
стр. 899
٣ - الدلالة على الاستمرار كقوله تعالى: ﴿إن الله فالق الحب النوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأني تؤفكون فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٥ - ٩٦]، فهو في كل حين يفلق الحب والنوى ويخرج الميت من الحي، وفي لك يوم يفلق الإصباح.
٤ - ثم إن الإضافة قد تفيد تغليب جانب الذات على الحدث في اسم الفاعل، بخلاف النصب، فإنه يفيد دلالته على الحدث، فنحن نستعمل اسم الفاعل للدلالة على الحدث أحيانا، وأحيانا نقصد به الدلالة على الاسم، وذلك كالحارس والكاتب والسائق، فقد يراد بالحارس صفته. وقد يقصد به شخصه وكذلك الكاتب والسائق.
جاء في (الكتاب): " هذا ما كان من ذلك عملا وذلك قلوك (مررت برجل ضارب أبوه رجلا) و (مررت برجل ملازم أبوه رجلا) .. فالمعنى فيه على وجهين. إن شئت جعلته يلازمه ويخالطه فيما يستقبل، وإن شئت جعلته عملا كائنا في حال مرورك، وإن القيت التنوين وأنت تريد معناه جري مثله إذا كان منونا.
فإذا جعله اسما لم يكن فيه إلا الرفع على كل حال، تقول: (مررت برجل ملازمة رجل)، أي مررت برجل صاحب ملازمته رجل، فصار هذا كقولك (مررت برجل أخوه رجل) وتقول: على هذا الحد (مررت برجل ملازموه بنو فلان) فقولك (ملازموه) بذلك على أنه اسم ولو كان عملا لقلت: (مررت برجل ملازمه قومه) (١).
فبالإضافة قد يراد الاسم، وأما النصب فالدلالة على الحدث فقط، وذلك لأن الإضافة من خصائص الأسماء تقول (هذا سائق السيارة) و (لا يحرس حارس المدرسة) وتقصد به شخصيهما ولو كان المقصود به الحدث لتناقض القول إذ كيف لا يسوق وهو يسوق، ولا يحرس وهو يحرس؟ ولكن المقصود به الشخص كما ذكرنا.
стр. 900
العطف على المضاف إليه:
قد يعطف على المضاف إليه الذي أضيف إليه اسم الفاعل بالجر، وبالنصب، فتقول (هذا ضارب محمدٍ وخالدٍ) و (هذا ضارب محمدٍ وخالدا).
أما الأول فلا إشكال فيه وهو عند النحاة أجود (١).
وأما العطف بالنصب فهو أما أن يكون المقصود به الزمن الماضي، فيكون على تقدير فعل ماض قبل النصوب عند سيبويه، ومن تابعه (٢). ففي قولك (هو ضارب محمد وخالدا) يقدرون (وضرب خالدا) وأما أن لا يقصد به الماض فيقدرون له فعلا مضارعًا أو اسم فاعل منونًا، ففي قولك (هو ضارب محمد وخالدا غدًا) يقدرون (ويضرب خالدا) أو (وضاربٌ خالدا) (٣).
والذي يترجح عندي في تفسيره أنه إذا عطفت بالنصب على المجرور ولم تكن ثمة دلالة على أن المقصود به الماضي كان المضاف تعبيرا احتماليا والمنصوب تعبيرا قطعيا، فقولك (هو ضارب محمد وخالدًا) يدل على أن (ضرب محمد) يحتمل المضي والحال والاستقبال والاستمرار (وضرب خالد) يدل على الحال، أو الاستقبال قطعا ولا يحتمل غيرهما كما مر في تفسير المضاف والمنصوب.
أما إذا كانت هناك دلالة تدل على أن ضربهما جميعا حصل في الماضي كقولك (هو ضارب محمدٍ وخالدا أمس) فهو على تقدير فعل ماض كما قدر سيبويه، ومقتضي هذا التقدير أن (ضرب محمد) يفيد الدلالة على الثبوت (وضرب خالد) يفيد الانقطاع ذلك لأن ذلك اسم الفاعل ليست كدلالة الفعل، فقولك (هو ضارب محمد) يحتمل ثبوت الضرب، وتكرر حصوله في الماضي، بخلاف الفعل الماضي، فإنه يدل على أنه حصل وانقطع، تقول (كان سعيد كذب) و (كان سعيد كاذبا) فالفعل الماضي (كذب) يدل على
стр. 901
أن سعيدًا وقع منه كذب، وأما اسم الفاعل (كاذب) فهو يدل على ثبوت هذه الصفة فيه في الماضي. ونحوه قولك (هو مجتهد وهو اجتهد) و (هو قائم بالأمر وقام بالأمر) و (هو شارب الخمر وهو شرب الخمر).
جاء في (التفسير الكبير): " أن اسم الفاعل يدل في كثير من المواضع على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه كما يقال: فلان شرب الخمر وفلان شارب الخمر، وفلان نفذ أمره، وفلان نافذ الأمر، فإنه لا يفهم من صيغة الفعل التكرار والرسوخ، ومن اسم الفاعل يفهم ذلك (١).
فخلاصة الأمر أن قولك:
(هذا ضارب محمد وخالد) يفيد أن الضرب لهما واحد من حيث الزمن والدلالة. وقولك: (هذا ضارب محمدٍ وخالدا) إذا لم يتعين أنهما للمضي يفيد أن ضرب محمد احتمالي الدلالة فهو يحتمل الماضي، والحال، والاستقبال والاستمرار، و (ضرب خالد) يدل على وقوعه في الحال والاستقبال.
وإذا تعين أن ضربهما كان في الماضي جميعا، فضرب محمد يفيد الدلالة على الثبوت، وقد يحتمل الدوام والتكرار، وضرب خالد يفيد وقوعه وانقطاعه، وهذا الفرق متأت من الفرق بين الفعل واسم الفاعل.
стр. 902
صيغ المبالغة
المشهور أن الذي يتعدي منها ثلاثة هي (فعال) نحو (خواص إليها الكتائب) و (فعول) نحو (ضروب بنصل السيف سوق سمانها. و (مفعال) نحو (إنه لمنحار بوائكها) (١).
وعند سيبويه يعمل أيضا (فعيل) و (فعل) (٢).
ولا يشترطي في أعمالها الدلالة على الحال، أو الإستقبال (٣).، وهي فيما عدا ذلك كاسم الفاعل.
اسم المفعول
وما قيل في اسم الفاعل يقال في اسم المفعول من حيث الشروط (٤). والدلالة، غير أنه للمفعول وذلك للفاعل.
قال ابن مالك:
وكل ما قرر لاسم فاعل ... يعطي اسم مفعول بلا تفاضل
стр. 903
الصفة المشبهة
استعملت الصفة المشبهة مع سببها استعمالات متعددة نحو:
مررت برجل حسن وجهه - باتباع الصفة ورفع الوجه
ومررت برجل حسن وجهه - برفع الصفة والوجه
ومررت برجل حسن الوجه - بالإضافة
ومررت برجل حسن وجهه أو الوجه - بنصب الوجه فيهما
ومررت برجل حسن وجها
وقد تقول: أيترتب على هذه الخلافات في الأوجه، اختلاف في المعنى، أمهي متطابقة
والجواب إننا نعتقد أن لكل وجه معنى، والنحاة يذكرون بعضا من هذه التفسيرات وسنذكرها موضحين معناها:
١ - مررت برجل حسن وجهه - باتباع الصفة المشبهة لما قبلها ورفع الوجه، والصفة ههنا فيها جانب الحدث غالبا، وهي قريبة من الفعلية، ولذا ارتفع بها الفاعل كالفعل ونحوه أن تقول في غير السبي: أكريم المحمدان؟ وما حسن الخالدان. كأنك قلت: مررت رجل حسن وجهه وأكرم المحمدان؟ وما حسن الخالدان.
ويدلك على ذلك أنها تستعمل في هذا الوجه استعمال الإفعال فهي تطابق ما بعدها من حيث التذكير والتأنيث، وأنها تكون مفردة مع مرفوعها، فتقول: (محمد حسن أمه) و (الرجلان حسن ابواهما) بخلاف الإضافة، مثلا إذ تقول (محمد حسن الأم) و (الرجلان حسنا الأبوين) لأن الإضافة فيها جانب الإسمية هو الغالب.
стр. 904
٢ - مررت برجل حسن ابوه - برفع الصفة المشبهة وما بعدها، وهذا على التقديم والتأخير وأصل الكلام (مررت برجل أبوه حسن)، فحسن خبر مقدم وأبوه مبتدأ مؤخر، وقدمت الخبر للاهتمام.
وليست الصفة هنا على إرادة تغليب الحدث فإنها لم تستعمل استعمال الإفعال. فهي تطابق المبتدأ فتقول: (مررت برجل حسنان أبوه) و (مررت برجل حسنون أباؤه) وأصل الكلام (ابواه حسنان) وآباؤه حسنون، لو أردت معاملتها معاملة الفعل لقلت: مررت برجل حسن ابواه وحسن آباؤه.
٣ - مررت برجل حسن الوجه - بإضافة الصفة إلى الوجه، والصفة ههنا مراعي فيها جانب الإسمية أكثر من الحدث بخلاف التعبير الأول، وذلك لأن الإضافة من خصائص الأسماء، ثم ألا ترى أن الصفة هنا لا تعامل معاملة الفعل، بل هي تتبع ما قبلها أيا كان صاحبها الحقيقي، فتقول (مرت برجل حسن الأم) فتذكر الصفة وإن كانت (الأم) مؤنثة، وتقول (مررت برجلين حسني الآباء) فتثني الصفة اتباعا لما قبلها وإن كان (الآباء) جمعا بخلاف ما لو قلت (مررت برجل حسنة أمة) و (مررت برجلين حسن آباؤهما).
٤ - مررت برجل حسن وجهه أو حسن الوجه - بنصب الوجه، وهذا عند النحاة للمبالغة من ناحيتين، وذلك أنك جعلت الحسن للرجل عمومًا، ثم خصصت وجهه فتكن قد مدحته مرتين، مرة لعموم شخصه ومرة لوجهه.
هذا من ناحية ومن ناحية أن في هذا التعبير إيضاحا بعد الإبهام، فإنك عندما قلت (مررت برجل حسن) ونونت الصفة كنت كأنك أنهيت الكلام على الإبهام، ثم أوضحت جهة الحسن بعدما ابهمت، وللإيضاح بعد الإبهام مزية كما مر في بحث التمييز
جاء في (شرح شذور الذهب): " زيد حسن وجهه بنصب الوجه والأصل (زيد حسن وجهه) بالرفع فـ (زيد) (مبتدأ) و (حسن) خبر، و (جهه) فاعل بـ (حسن) لأن الصفة تعمل عمل الفعل، وأنت لو صرحت بالفعل فقلت (حسن) بضم السين وفتح النون
стр. 905
لوجب رفع الوجه بالفاعلية فكذلك حق الصفة ان يجب معها الرفع، ولكنهم قصدوا المبالغة مع الصفة فحولوا الإسناد عن الوجه إلى ضمير مستتر في الصفة راجع إلى زيد ليقتضي ذلك أن الحسن قد عمه بجملته فقيل (زيد حسن) أي هو، ثم نصب وجه (١).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " أما حسن انتصاب المعمولين، في القياس فلأنك قصدت المبالغة في وصف الوجه بالحسن، فنصب (وجهًا) على التمييز، ليحصل له الحسن إجمالا وتفصيلا، ويكون أيضا أوقع في النفس للإبهام أولا ثم التفسير ثانيا (٢).
وليس كل التعبيرات فيها هذان الجانبان، بل ليس في بعضها إلا الإيضاح بعد الإبهام فلا يصح جعل الصفة فيها لجملة الموصوف، وذلك نحو قولك: (الفيل مدبب نابه) إذ لا يصح أن يقال (الفيل مدبب) (٣).، ونحوه (كلبك كثيف شعره) و (أخوك قليل ماله) فلا يصح وصف الكلب بالكثافة والأخ بالقلة على جهة العموم، وإنما فيه إيضاح بعد إبهام فإنك إبهمت جهة الوصف، ثم بينتها.
٥ - مررت برجل حسن وجها - وهذا التعبير كالذي قبله من حيث المبالغة والإبهام غير تنكير الوجه، والمعنى بالوجه وجه الرجل، والمعرفة والنكرة هنا يتقاربان، في الدلالة، فإنك إذا قلت: (محمد حسن الوجه) أو قلت: (محمد حسن وجها) فإن الوجه يعود إلى محمد عرفته، أو نكرته والفرق بينهما كالفرق بين قولك (الله خلقكم من ماء) و (الله خلقكم من الماء) فإن المعرف بـ (ال) الجنسية فيه من العموم ما يقر به من النكرة وإن كان لا يطابقه، وقد مر هذا في بابه.
وقد يكون الاختلاف بين معنى هذين التعبيرين، أو بين هذه التعبيرات من وجه آخر، وذلك نحو قولك (هو كريم أبا) فـ (أبا) يحتمل الحال والتمييز، فهو يحتمل أنه كريم في حال أبوته، أي هو كريم إذا كان أبا ويحتمل أن أباه كريم، بخلاف قولك (هو كريم أبوه أو كريم الأب) بالإضافة فهو لا يحتمل إلا أن أباه كريم.
стр. 906
وفي مثل هذا التعبير يتضح الفرق بين تنكير المنصوب، وتعريفه، فإن قولك (هو كريم الأب) بالتعريف لا يحتمل إلا أباه كريم لا يحتمل أنه كريم في حال أبوته، فهو لا يكون حالا، ونحوه أن تقول: (هو حسنا ضيفا) وحسن الضيف وحسن الضيف.
وقد يكون الاختلاف على وجه آخر، وذلك نحو قولك (هو عظيم القوم) و (هو عظيم قوما) فالأول قد يكون على معنى أنه عظيم في القوم كقولك (هو رئيس القوم وكبيرهم) وقد يكون على معنى أن قومه عظماء.
فإن قلت: (هو عظيم قومًا) كان المعنى أن قومه عظماء لا غير، فتبين من هذا أنه ليس ثمة تطابق وإنما لكل تعبير معنى.
النعت
النعت هو التابع المكمل متبوعه، بيان صفة من صفاته، نحو: (مررت برجل كريم) أو ببيان صفة من صفات ما تعلق به، هو ما يسمى بالنعت السببي، نحو (مررت برجل كريم أبوه (١).) ونحو قوله تعالى: ﴿ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها﴾ [النساء: ٧٥]. ويأتي لأغراض أهمها:
١ - التخصيص: ومعنى التخصيص تقليل الإشتراك الحاصل في النكرات (٢). نحو (مررت برجل طويل) وذلك أن كلمة (رجل) عامة تشمل كل واحد من أفراد الجنس، فإن قلت (طويل) فقد قللت الإشتراك بإخراجك القصار، وغير الطوال عمومًا، فإن قلت (مررت برجل طويل أسمر) زدته تخصيصا، بتقليلك الإشتراك أكثر، فإنك أخرجت غير السمر من الرجال الطوال، فإن قلت: (مررت برجل طويل أسمر أعرج) زدته تخصيصا وهكذا.
стр. 907
٢ - التوضيح: ومعنى التوضيح إزالة الإشتراك الحاصل في المعارف (١) وذلك نحو قولك: (مررت بمحمدٍ الخياط) فقد يكون اكثر من شخص مسمى بمحمد، فإن قلت الخياط أزلت الإشتراك وتعين المقصود، ونحو: إشتريت من الخباز الأعرج فقد يكون أكثر من خباز ويذكرك الأعرج أزلت الاشتراك فتعين المقصود.
٣ - الثناء والمدح، وذلك إذا كان الموصوف معلومًا عند المخاطب (٢). لا يحتاج إلى توضيح، وذلك كقوله تعال: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى: ١]، فإنه ليس ثمة رب أسفل فتميزه منه بكلمة (الأعلى) فهو لا يحتاج إلى توضيح، وإنما ذكرت الصفة للثناء عليه وتعظيمه. ونحوه قوله تعالى: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ [الواقعة: ٩٦]، ونحو قولك: (جاء خالد القائد المظفر) ولست تقصد بذلك توضيحه وفصله من خالد آخر، وإنما تذكر ذلك للتعظيم والثناء.
وقد يكون المدح والثناء في النكرات، كما يكون في المعارف، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين﴾ [التكوير: ١٩ - ٢٠].
٤ - الذم والتحقير، وذلك إذا كان الموصوف معلومًا عند المخاطب، لا تقصد تمييزه من شخص آخر (٣).، نحو (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ونحو: (مررت بمسيلمة الكذاب)، ونحو (لا تسمع إلى سالم الخبيث اللئيم) لا تقصد بذلك تمييزه من شخص آخر مسمى بهذا الإسم، وإنما ذكرت هذه الصفات لذمة وتحقيره.
وقد يكون الذم والتحقير في النكرات أيضا، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما هو بقول شيطان رجيم﴾ [التكوير: ٢٥]، إذ ليس ثمة شيطان غير رجيم ففصل الرجيم منه، ونحو (دونكم رجلا خائنا لئيما).
стр. 908
٥ - الترحم (١). نحو (مررت بعباس البائس) ونحو (ياويح إبراهيم المسكين) ونحو (ارحموا هذا الرجل الفقير الضائع).
ويكون في النكرات أيضا، نحو (أرحموا رجلا بائسا مضيعا).
٦ - التأكيد (٢). نحو: (أمس الدابر لا يعود) فإن كل أمس دابر، ونحو قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة﴾ [الحاقة: ١٣]، فإن (واحدة) مفهمومة من قوله (نفخة) وقوله: ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١]، فإن (اثنين) صفة مؤكدة لالهين، ونحو (إن غدا القابل قريب) فإن كل غد قابل.
٧ - التعميم: نحو (إن الله يرزق عباده الطائعين والعاصين) و (إن الله يحشر الناس الأولين والآخرين (٣).) و (يقبل الله من عباده صالح الأعمال الكثير والقليل) ونحو: (ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم) [التوبة: ١٢١]
٨ - التفصيل (٤). نحو (مررت بثلاثة رجال، كاتب وشاعر وفقيه، ومررت برجلين عربي وعجمي، ورأيت رجلين طويلا وقصيرا
٩ - الإبهام (٥).: وذلك كأن تقول لصاحبك (أتصدقت بقليل أم كثير؟ فيقول: تصدقت بصدقة قليلة، أو كثيرة، ونحو (هل كتبت له رسالة حسنة) فيقول: (كتبت له رسالة حسنة أو سيئة) يريد إبهامها عليك.
١٠ - ثم أن النعت قد يؤتى به لاعلام المخاطب بأن المتكلم عالم بحال المنعوت كأن يقول لك صاحبك هل رأيت خالدا فتقول: نعم رأيت خالدا البائغ داره والمفارق أهله) تريد أن تعلم صاحبك بأنك عالم بأحواله التي يخفيها عليك.
стр. 909
جاء في (حاشية الصبان) أنه " نقل عن ابن الخباز أن النعت يجيء لإعلام المخاطب بأن المتكلم عالم بحال المنعوت، كقولك (جاء قاضي بلدك الكريم الفقيه) إذا كان المخاطب يعلم اتصاف القاضي بذلك، ولم تقصد مجرد المدح، بل قصدت أعلام مخاطبك بأنك عالم بحال الموصوف (١).
النعت الجامد
الأصل في النعت أن يكون مشتقا نحو: (مررت برجل ضاحك) و (مررت برجل طويل) وقد ينعت بالجامد كثيرا كالمنسوب، نحو: (مررت برجل بصري) والموصول، نحو مررت بالشخص الذي فاز، والمقادير والاعداد، نحو (أقبل رجال مائة) وأقبل رجال سبعة، واشتريت حريرا ذراعين (٢).
ومنه النعت بـ (مثل) ونحوها مما يفيد التشبيه، نحو: (مررت برجل مثلك وضربك وشبهك ونحوك (٣).)
ومنه النعت بـ (ذي) نحو: رأيت رجلا ذا علم.
ومنه النعت بـ (أي) نحو: (مررت برجل أي رجل وأبما رجل) وهي التي تسمى ايا الكمالية، ويراد بها التعجب والمبالغة في المدح، وتنعت بها النكرة
جاء في كتاب سيبويه: " ومن النعت أيضا مررت برجل أيما رجل فـ (أيما) نعت للرجل في كماله وبذه غيره كأنه قال: مررت برجل كامل (٤).
وعند قسم من النحاة أن أصلها استفهام، ثم استعيرت لوصف الشيء بالكمال.
стр. 910
جاء في (شرح الكافية للرضي): " والذي يقوى عندي أن (أي رجل) لا يدل بالوضع على معنى في متبوعه بل هو منقول عن (اي) الاستفهامية وذلك أن الإستفهامية موضوعة للسؤال عن التعيين، وذلك لا يكون إلا عند جهالة المسؤول عنه، فاستعيرت لوصف الشيء بالكمال في معنى من المعاني والتعجب في حاله، والجامع بينهما أن الكامل البالغ غاية الكمال بحيث يتعجب منه يكون مجهول الحال بحيث يحتاج إلى السؤال عنه (١).
وجاء في (بدائع الفوائد): " وأما وقوعها نعتًا لما قبلها نحو: (مررت برجل أي رجل) فـ (أي) تدرجت إلى الصفة من الاستفهام كان الأصل (أي رجل هو)؟ على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل، وإنما دخله الفتخيم لأنهم يريدون إظهار العجز، والإحاطة لوصفه، فكأنه مما يستفهم عنه يجهل كنهه، فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوع لما يجهل.
وكذلك جاء (القارعة ما القارعة والحاقة ما الحاقة) أي أنها لا يحاط بوصفها، فلما ثبت هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشئ قرب من الوصف، حتى أدخلوه في باب النعت وأخروه في الإعراب عما قبله (٢).
ومنه النعت بـ (كل) و (جد) و (حق) مضافة إلى مثل متبوعها لفظًا، ومعنى، نحو قولك (مررت بالرجل كل الرجل وحق الرجل وجد الرجل) والمقصود بها المبالغة في الكمال وبلوغ الغاية (٣).
قال الرضي: " معنى (كل الرجل) إنه اجتمع فيه من خلال الخير ما تفرق في جميع الرجال، ومعنى (جد الرجل) أي كأن ما سواك هزل. و (حق الرجل) أي أن من سواك باطل. وهما من باب (جرد قطيفة).
стр. 911
ويقال أيضا في الذم (أنت اللئيم جد اللئيم وحق اللئيم) وأنت لئيم جد لئيم، وحق لئيم (١).
ومنه قولهم: (ما شئت) في نعت النكرات، نحو (رأيت رجلا ما شئت من رجل) (٢). أي رجلا يسد مشيئتك وإرادتك.
ومنه قولهم: (مررت برجل حسبك من رجل وشرعك من رجل وهمك من رجل وناهيك من رجل وهدك) من رجل وكفيك من رجل بلفظ واحد للمذكور والمؤنث المفرد والمثنى والجمع فتقول: (مررت بامرأة هدك من امرأة، وامرأتين هدك من امرأتين، ونساء هدك من نساء)، وبعضها يطابق كـ (ناهيك) لأنها اسم فاعل، وبعضها استعمل فعلا أيضا نحو (هدك) و (هدتك) و (هداك (٣).)
ومعانيها متقاربة في معنى الكفاية (٤). فمعنى حسبك كافيك من أحسبني الشيء بمعنى كفاني، ومنه قوله تعالى: ﴿فإن حسبك الله﴾ [الأنفال: ٦٢]، أي كافيك، ولعل أصلها من (حسب) والهمزة للسلب أي أزال حسابك وأبعده كـ (اصرخ) و (أقسط) أي أزال الصراخ والقسط وهو الظلم فقولك: (أحسب الشيء) معناه أزال حسابه، فلا يفكر في شيء بعد من قولك: هو يحسب للأمر حسابه، فـ (أحسبه) أزال ذلك الحساب بكفايته وإغنائه.
ومعنى (همك) مقصودك كما تقول (كل همي أن أحصل على كذا) أي همتي ومقصودي.
جاء في (شرح ابن يعيش)، " فقولهم (همك من رجل) بمعنى حسبك، وهو من الهمة واحدة الهمم، أي هو ممن يهمك طلبه (٥).
стр. 912
وجاء في (شرح الرضي): " وقولهم (همك من رجل) مصدر بمعنى المفعول أي مهمومك أي مقصودك أو من (همه) أي أذابه يذيبه، أي يذيبك وصف محاسنه (١).
ومعنى (ناهيك) ينهاك عن طلب غيره لما فيه من الكفاية والمطلوب
ومعنى (هدك) يثقلك عد محاسنه جاء في (شرح ابن يعيش): " وأما هدك فهو من معنى القوة يقال (فلان يهد) على ما لم يسم فاعله، إذا نسب إلى الجلادة والكفاية (٢).
وجاء في (شرح الرضي): " هدك أي يثقل عليك عد مناقبه، من هدته المصيبة، أي أوهنته وكسرته (٣).
وجاء في (لسان العرب): " ومررت برجل هدك من رجل، أي حسبك وهو مدح، وقيل معناه أثقلك وصف محاسنه" (٤).
ومعنى شرعك مطلوبك وبغيتك من شرع في الشيء طلبه.
جاء في (لسان العرب): " مررت برجل شرعك .. والمعنى أنه من النحو الذي تشرع فيه وتطلبه، وأشرعني الرجل أحسبني، ويقال: شرعك هذا أي حسبك (٥).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " وكذلك (شرعك) بمعنى حسبك من شرعت في الأمر إذا خضت فيه أي هو من الأمر الذي تشرع فيه وتطلبه، وفي المثل (شرعك ما بلغك المحل) يضرب في التبليغ باليسير (٦).
ومن النعت بالجامد تكرار الموصوف، وإضافته، إلى نحو (صدق) و (سوء) نحو قولك: (مررت برجل رجل صدق).
стр. 913
جاء في (شرح الرضي): " ومن المقيس أيضا أن تكرر الموصوف، وتضيفه إلى نحو (صدق) و (سوء) نحو عندي رجل رجل صدق، وحمار حمار سوء، والمراد بالصدق في مثل هذا المقام مطلق الجودة، لا الصدق في الحديث، وذلك لأن الصدق مستحسن جيد عندهم، حتى صاروا يستعملونه في مطلق الجودة فيقال" (ثوب صدق) و (خل صادق الحموضة) .. ويجوز أن يكون الثاني بدلا من الأول (١).
وجاء (في كتاب سيبويه): " ومنه مررت برجل رجل صدق، منسوب إلى الصلاة كأنك قلت: مررت برجل صالح، وكذلك (مررت برجل رجل سوء) كأنك قلت: مررت برجل فاسد لأن الصدق صلاح والسوء فساد، وليس الصدق ههنا بصدق اللسان لو كان كذلك لم يجز لك أن تقول: هذا ثوب صدق وحمار صدق، وكذلك السوء ليس في معنى سؤته (٢).
ومنه الوصف باسم الجنس، والوصف به على ضروب منها أن تصفه باسم جنس مشهور بمعنى من المعاني نحو: (مررت برجل أسد) أي جريء وبرجل حمار، أي بليد وبأمرأته كلبه أي دنية (٣).
ومنها أن يكرر لفظ الجنس على إرادة معنى الكمال، نحو: (مررت برجل رجل) أي كامل.
جاء في (شرح الرضي): وثانيها جنس يوصف به ذلك الجنس فيكرر اللفظ بمعنى الكامل نحو (مررت برجل رجل) أي كامل في الرجولة، ورأيت أسدا أسدا أي كاملا (٤).
ومنه الوصف بالجواهر نحو: مررت بصحيفة طين خاتمها، ومررت برجل فضية حلية سيفه، ومررت برجل صوف تكته، وأشهر معنى لهذا التعبير هو التشبيه،
стр. 914
أي مفضضة حلية سيفه، وخشنة تكته و (بسرج خز صفته) أي لينة (١).، فإذا أردت حقيقة هذه الأشياء فالأجود الرفع، بل يوجبه بعض النحاة فتقول: (مررت برجل فضة حلية سيفه وخز صفته).
جاء في (شرح السيرافي): " قال أبو سعيد: أما قولك (مررت بسرج خز صفته) إلى آخر ما مثل به فإنك إن أردت حقيقة هذه الأشياء لم يجز غير الرفع، لأن هذه جواهر، ولا يجوز النعت بها، وإن أردت المماثلة والحمل على المعنى، اختير فيها ما حكي عن العرب فقد سمع منهم: (هذا خاتم طين) أي مطين وإذا سمع منهم (خز صفته) يحمل على لينة كأنه قال هو لين (٢).
وقد مر بنا هذا باب التمييز والذي رجحناه أن الأشهر في الاتباع أن يراد به معنى التشبيه، وإذا أردنا الجوهر حقيقة رفعنا، وقد يراد بالاتباع الجوهر، أيضا وهو لغة (٣).
وقد مر بنا هذا فلا داعي لتكراره
ومن النعت بالجامد:
النعت بالمصدر
نعت العرب بالمصدر كثيرا نحو قولهم: (هو رجل عدل ورجل فضل وزور) أي عادل وفاضل وزائر، ورجل صوم، أي صائم، قال تعالى: وجاءو على قميصه بدم كذب [يوسف: ١٨].
стр. 915
وإذا نعت بالمصدر التزم أفراده وتذكيره، أيا كان المنعوت نحو: أقبل رجلان عدل ورجال عدل وفضل وزور (١).
والنحاة في توجيه ذلك على ثلاثة آراء:
أما أن يكون المصدر على التاويل بالمشتق، نحو (هو رجل زور) أي: زائر و (عدل) أي: عدل ورضا أي: مرضي، وهذا رأي الكوفيين
وإما على تقدير مضاف أي ذو عدل، وذو زور، وذو كذب، وهو رأي البصريين.
وقيل: لا تأويل ولا حذف، بل هو على جعل العين نفس المعني، مبالغة (٢).
وهذا الأخير هو الأولى، فإن قولهم مررت برجل عدل، معناه أنه مر برجل هو العدل، أي لكثرة ممارسته إياه وإتصافه به، أصبح هو العدل نفسه.
وقد جاء وصف الذات بالمصدر، أو الإخبار بالمصدر عن الذات كثيرا، وإن لم يجعله النحاة قياسا وكله فيما نرجح على قصد المبالغة، على معنى أن الذات تحولت إلى معنى. جاء في (شرح الرضي): " والأولى أن يقال: أطلق اسم الحدث على الفاعل والمفعول مبالغة كأنها من كثرة الفعل تجسما منه (٣).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " فهذه المصادر كلها مما وصف بها للمبالغة، كأنهم جعلوا الموصوف لك المعنى: لكثرة حصوله منه، وقالوا: (رجل عدل ورضي وفضل) كأنه لكثرة عدله، والرضي عنه، وفضله جعلوه نفس العدل والرضي والفضل (٤).
وجاء في الخصائص: : إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل، وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده إياه، ويدل على أن هذا معنى