← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17801

معاني النحو

فاضل صالح السامرائي

Полный текст (1 443 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

ويقال أيضا في الذم (أنت اللئيم جد اللئيم وحق اللئيم) وأنت لئيم جد لئيم، وحق لئيم (١). ومنه قولهم: (ما شئت) في نعت النكرات، نحو (رأيت رجلا ما شئت من رجل) (٢). أي رجلا يسد مشيئتك وإرادتك. ومنه قولهم: (مررت برجل حسبك من رجل وشرعك من رجل وهمك من رجل وناهيك من رجل وهدك) من رجل وكفيك من رجل بلفظ واحد للمذكور والمؤنث المفرد والمثنى والجمع فتقول: (مررت بامرأة هدك من امرأة، وامرأتين هدك من امرأتين، ونساء هدك من نساء)، وبعضها يطابق كـ (ناهيك) لأنها اسم فاعل، وبعضها استعمل فعلا أيضا نحو (هدك) و (هدتك) و (هداك (٣).) ومعانيها متقاربة في معنى الكفاية (٤). فمعنى حسبك كافيك من أحسبني الشيء بمعنى كفاني، ومنه قوله تعالى: ﴿فإن حسبك الله﴾ [الأنفال: ٦٢]، أي كافيك، ولعل أصلها من (حسب) والهمزة للسلب أي أزال حسابك وأبعده كـ (اصرخ) و (أقسط) أي أزال الصراخ والقسط وهو الظلم فقولك: (أحسب الشيء) معناه أزال حسابه، فلا يفكر في شيء بعد من قولك: هو يحسب للأمر حسابه، فـ (أحسبه) أزال ذلك الحساب بكفايته وإغنائه. ومعنى (همك) مقصودك كما تقول (كل همي أن أحصل على كذا) أي همتي ومقصودي. جاء في (شرح ابن يعيش)، " فقولهم (همك من رجل) بمعنى حسبك، وهو من الهمة واحدة الهمم، أي هو ممن يهمك طلبه (٥).

стр. 912

وجاء في (شرح الرضي): " وقولهم (همك من رجل) مصدر بمعنى المفعول أي مهمومك أي مقصودك أو من (همه) أي أذابه يذيبه، أي يذيبك وصف محاسنه (١). ومعنى (ناهيك) ينهاك عن طلب غيره لما فيه من الكفاية والمطلوب ومعنى (هدك) يثقلك عد محاسنه جاء في (شرح ابن يعيش): " وأما هدك فهو من معنى القوة يقال (فلان يهد) على ما لم يسم فاعله، إذا نسب إلى الجلادة والكفاية (٢). وجاء في (شرح الرضي): " هدك أي يثقل عليك عد مناقبه، من هدته المصيبة، أي أوهنته وكسرته (٣). وجاء في (لسان العرب): " ومررت برجل هدك من رجل، أي حسبك وهو مدح، وقيل معناه أثقلك وصف محاسنه" (٤). ومعنى شرعك مطلوبك وبغيتك من شرع في الشيء طلبه. جاء في (لسان العرب): " مررت برجل شرعك .. والمعنى أنه من النحو الذي تشرع فيه وتطلبه، وأشرعني الرجل أحسبني، ويقال: شرعك هذا أي حسبك (٥). وجاء في (شرح ابن يعيش): " وكذلك (شرعك) بمعنى حسبك من شرعت في الأمر إذا خضت فيه أي هو من الأمر الذي تشرع فيه وتطلبه، وفي المثل (شرعك ما بلغك المحل) يضرب في التبليغ باليسير (٦). ومن النعت بالجامد تكرار الموصوف، وإضافته، إلى نحو (صدق) و (سوء) نحو قولك: (مررت برجل رجل صدق).

стр. 913

جاء في (شرح الرضي): " ومن المقيس أيضا أن تكرر الموصوف، وتضيفه إلى نحو (صدق) و (سوء) نحو عندي رجل رجل صدق، وحمار حمار سوء، والمراد بالصدق في مثل هذا المقام مطلق الجودة، لا الصدق في الحديث، وذلك لأن الصدق مستحسن جيد عندهم، حتى صاروا يستعملونه في مطلق الجودة فيقال" (ثوب صدق) و (خل صادق الحموضة) .. ويجوز أن يكون الثاني بدلا من الأول (١). وجاء (في كتاب سيبويه): " ومنه مررت برجل رجل صدق، منسوب إلى الصلاة كأنك قلت: مررت برجل صالح، وكذلك (مررت برجل رجل سوء) كأنك قلت: مررت برجل فاسد لأن الصدق صلاح والسوء فساد، وليس الصدق ههنا بصدق اللسان لو كان كذلك لم يجز لك أن تقول: هذا ثوب صدق وحمار صدق، وكذلك السوء ليس في معنى سؤته (٢). ومنه الوصف باسم الجنس، والوصف به على ضروب منها أن تصفه باسم جنس مشهور بمعنى من المعاني نحو: (مررت برجل أسد) أي جريء وبرجل حمار، أي بليد وبأمرأته كلبه أي دنية (٣). ومنها أن يكرر لفظ الجنس على إرادة معنى الكمال، نحو: (مررت برجل رجل) أي كامل. جاء في (شرح الرضي): وثانيها جنس يوصف به ذلك الجنس فيكرر اللفظ بمعنى الكامل نحو (مررت برجل رجل) أي كامل في الرجولة، ورأيت أسدا أسدا أي كاملا (٤). ومنه الوصف بالجواهر نحو: مررت بصحيفة طين خاتمها، ومررت برجل فضية حلية سيفه، ومررت برجل صوف تكته، وأشهر معنى لهذا التعبير هو التشبيه،

стр. 914

أي مفضضة حلية سيفه، وخشنة تكته و (بسرج خز صفته) أي لينة (١).، فإذا أردت حقيقة هذه الأشياء فالأجود الرفع، بل يوجبه بعض النحاة فتقول: (مررت برجل فضة حلية سيفه وخز صفته). جاء في (شرح السيرافي): " قال أبو سعيد: أما قولك (مررت بسرج خز صفته) إلى آخر ما مثل به فإنك إن أردت حقيقة هذه الأشياء لم يجز غير الرفع، لأن هذه جواهر، ولا يجوز النعت بها، وإن أردت المماثلة والحمل على المعنى، اختير فيها ما حكي عن العرب فقد سمع منهم: (هذا خاتم طين) أي مطين وإذا سمع منهم (خز صفته) يحمل على لينة كأنه قال هو لين (٢). وقد مر بنا هذا باب التمييز والذي رجحناه أن الأشهر في الاتباع أن يراد به معنى التشبيه، وإذا أردنا الجوهر حقيقة رفعنا، وقد يراد بالاتباع الجوهر، أيضا وهو لغة (٣). وقد مر بنا هذا فلا داعي لتكراره ومن النعت بالجامد: النعت بالمصدر نعت العرب بالمصدر كثيرا نحو قولهم: (هو رجل عدل ورجل فضل وزور) أي عادل وفاضل وزائر، ورجل صوم، أي صائم، قال تعالى: وجاءو على قميصه بدم كذب [يوسف: ١٨].

стр. 915

وإذا نعت بالمصدر التزم أفراده وتذكيره، أيا كان المنعوت نحو: أقبل رجلان عدل ورجال عدل وفضل وزور (١). والنحاة في توجيه ذلك على ثلاثة آراء: أما أن يكون المصدر على التاويل بالمشتق، نحو (هو رجل زور) أي: زائر و (عدل) أي: عدل ورضا أي: مرضي، وهذا رأي الكوفيين وإما على تقدير مضاف أي ذو عدل، وذو زور، وذو كذب، وهو رأي البصريين. وقيل: لا تأويل ولا حذف، بل هو على جعل العين نفس المعني، مبالغة (٢). وهذا الأخير هو الأولى، فإن قولهم مررت برجل عدل، معناه أنه مر برجل هو العدل، أي لكثرة ممارسته إياه وإتصافه به، أصبح هو العدل نفسه. وقد جاء وصف الذات بالمصدر، أو الإخبار بالمصدر عن الذات كثيرا، وإن لم يجعله النحاة قياسا وكله فيما نرجح على قصد المبالغة، على معنى أن الذات تحولت إلى معنى. جاء في (شرح الرضي): " والأولى أن يقال: أطلق اسم الحدث على الفاعل والمفعول مبالغة كأنها من كثرة الفعل تجسما منه (٣). وجاء في (شرح ابن يعيش): " فهذه المصادر كلها مما وصف بها للمبالغة، كأنهم جعلوا الموصوف لك المعنى: لكثرة حصوله منه، وقالوا: (رجل عدل ورضي وفضل) كأنه لكثرة عدله، والرضي عنه، وفضله جعلوه نفس العدل والرضي والفضل (٤). وجاء في الخصائص: : إذا وصف بالمصدر صار الموصوف كأنه في الحقيقة مخلوق من ذلك الفعل، وذلك لكثرة تعاطيه له واعتياده إياه، ويدل على أن هذا معنى

стр. 916

لهم ومتصور في نفوسهم قوله: ألا أصبحت أسماء جاذمة الحبل ... وضنت علينا والضنين من البخل أي كأنه مخلوق من البخل لكثره ما يأتي به منه، ومنه قول الآخر: وهن من الإخلاف والولعان وأصل هذا الباب عندي قول الله : ﴿خلق الإنسان من عجل﴾. وقولك (رجل دنف) أقوى معنى لما ذكرناه، كأنه مخلوق من ذلك الفعل، وهذا معنى لا تجده ولا تتمكن منه مع الصفة الصريحة (١). وقال: (فهذا كقولك: هو مجبول من الكرم، ومطين من الخير، وهي مخلوقة من البخل .. ، وأقوى التأويلين في قولها: (فإنما هي إقبال وأدبار) أن يكون من هذا أي كأنها مخلوقة من الإقبال والإدبار، لا على أن يكون من باب حذف المضاف، أي ذات إقبال وذات إدبا، ويكفيك من هذا كله قول الله : ﴿خلق الإنسان من عجل﴾، [الأنبياء: ٣٧]، وذلك لكثرة فعله إياه واعتياده له" (٢). وجاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وجاءو على قميصه بدم كذب﴾ [يوسف: ١٨]، " ذي كذب، أو وصف بالمصدر مبالغة، كأنه نفس الكذب وعينه، كما يقال للكذاب: هو الكذب بعينه والزور بذاته ونحوه: فهن به جود وأنتم به بخل (٣). وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ [البقرة: ٨٣]، : " حسنا قولا هو حسن في نفسه لافراط حسنه" (٤).

стр. 917

الوصف بالجملة قد توصف النكرة بالجملة، وذلك كقوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ [الأنعام: ٩٢]، فـ (أنزلناه) نعت لـ (كتاب) أي منزل، وكقوله: ﴿فإذا هي حية تسعى﴾ [طه: ٢٠]، فـ (تسعى) صفة لحية، أي: ساعية. ولا توصف بها المعرفة ذلك، لأن الجملة تؤول بنكرة فتصف النكرة، فقولك: (رأيت طفلا يبكي) تؤول فيه (يبكي) بـ (باكيا). ويشترط النحاة في الجملة التي يوصف بها أن تكون خبرية، فلا يصح أن يقال (رأيت رجلا أضربه) ولا (رأيت رجلا هل تكرمه؟ ) فإن جاء ما ظاهره ذلك، أول على إضمار قول محذوف هو الصفة، كما في قول رؤية: حتى إذا جن الظلام واختلط ... جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط قالوا: التقدير جاؤا بمذق مقول فيه ذلك، أي جاؤوا بلبن مخلوط بالماء حمل رائيه أن يقول لمن يريد وصفه: هل رأيت الذئب في حياتك فهو مثله في اللون (١). وقال ابن عمرون: " الأصل بمذق [مثل] (٢). لون الذئب هل رأيت الذئب؟ يقولون: مررت برجل مثل كذا هل رأيت كذا؟ وفي الحديث (كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم يارسول الله. قال فإنها مثل شوك السعدان)، ثم حذف (مثل لون الذئب) وبقي (هل رأيت الذئب) وتأولوه: (مقول) عند رؤيته هذا الكلام" (٣). ويبدو لي أن هذا الرأي مسوغ، لأن المقصود بهذا القول التشبيه، وهذا التعبير مستعمل كثيرا في لغتنا، فإنك قد تقول لصاحبك: (أكلت فاكهة هل ذقت التمر) أي هي

стр. 918

مثل طعمه، والقصد تشبيها به، وتقول (اشتريت عقدا هل رأيت حب الرمان) أي يشبهه، وتقول: اشتريت قماشا هل لمست الحرير غير أنه ليس بحرير أي مثله في الملمس، وكل ذلك على معنى أكلت مثل التمر. هل ذقت التمر، واشتريت عقدا مثل حب الرمان، هل رأيت حب الرمان ونحو ذلك، فإن النعت في الحقيقة محذوف هو مثل واستغني بالجملة عنها لأن القصد معلوم. والراجح فيما أرى أن يكون الوصف بالجملة الإنشائية التي يراد بها التشبيه قياسا على هذا التأويل والله أعلم. النعت المقطوع في العربية ظاهرة جديرة بالالتفات إليها وهي ظاهرة (القطع)، ونعنى بها مغايرة النعت للمنعوت في الإعراب، وذلك بأن يكون المنعوت مرفوعًا ونعته منصوبًا، وقد يكون المنعوت منصوبا، ونعته مرفوعا، وقد يكون المنعوت مجرورا فيقع نعته مرفوعا، أو منصوبا نحو: (مررت بحمد الكريمُ أو الكريم َ). ويقع القطع في النعت كثيرا، وقد يقع أيضا في العطف، نحو قوله تعالى: ﴿وموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء﴾ [البقرة: ١٧٧]، فعطف بالنصب على المرفوع ومثله قوله تعالى: ﴿والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾ [النساء: ١٦٢]، فعطف بالنصب على المرفوع، ثم عاد إلى الرفع. وقد اختفت هذه الظاهرة من التعبير منذ زمن بعيد. ويستعمل القطع لأداء معنى لا يتم بالاتباع، فهو يلفت نظر السامع إلى النعت المقطوع ويثير انتباهه، وليس كذلك الاتباع، وذلك لأن الأصل في النعت أن يتبع المنعوت، فإذا خالفت بينهما نبهت الذهن وحركته إلى شيء غير معتاد، فهو كاللافتة أو المصباح الأحمر في الطريق، يثير انتباهك ويدعوك إلى التعرف على سبب وضعه.

стр. 919

فهذا التعبير يراد به لفت النظر، وإثارة الانتباه إلى الصفة المقطوعة، وهو يدل على أن اتصاف الموصوف بهذه الصفة بلغ حدا يثير الانتباه. جاء في (حاشية يس على التصريح): " قال السعد في حواشي الكشاف: فإن قلت: ما وجه دلالة مثل هذا النصب أو الرفع على ما يقصد به من مدح أو ذم أو ترحم؟ قلت: إن في الافتنان لمخالفة الاعراب وغير المألوف زيادة تنبيه، وإيقاظ للسامع وتحريك من رغبته في الاستماع سيما مع التزام حذف الفعل، أو المبتدأ، فإنه أدل دليل على الاهتمام (١). وجاء في (إرشاد العقل السليم إلى مزيا الكتاب الكريم) في قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب﴾ [البقرة: ٣]، " قال أبو علي: إذا ذكرت صفات المدح، وخولف في بعضها الإعراب فقد خولف للافتنان، .. الموجب لإيقاظ السامع وتحيكه إلى الجد في الإصغاء فإن تغيير الكلام المسوق لمعنى من المعاني وصرفه عن سنن السلوك، ينبيء عن اهتمام جديد شأنه من المتكلم، ويستجلب مزيد رغبة فيه من المخاطب (٢). وجاء في معترك الاقران: قطع النعوت في مقام المدح والذم أبلغ من أجرائها قال الفارسي: إذا تكررت صفات في معرض المدح، أو الذم فالاحسن أن يخالف في إعرابها لأن المقام يقتضي الاطناب فإذا خولف في الاعراب كان المقصود أكمل، لأن المعاني عند الاختلاف تتنوع وتتفنن، وعند الاتحاد تكون نوعا واحدا (٣). وذكر الفراء أن العرب تقصد بمخالفة الصفة للموصوف في الحركة أن تجدد له وصفا جديدا غير متبع ولا وله، جاء في (معاني القرآن): " والعرب تعترض من صفات الواحد إذا تطاولت بالمدح أو الذم فيرفعون إذا كان الاسم رفعا وينصبون بعض المدح فكأنهم ينوون إخراج المنصوب بمدح مجدد غير متبع لأول الكلام ..

стр. 920

وقال بعض الشعراء: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم وذا الرأي حين تغم الأمور ... بذات الصليل وذات اللج فنصب (ليث الكتيبة) و (ذا الرأي) على المدح والاسم قبلهما مخفوض (١). هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أنك إذا قطعت فإنك تعني أن المخاطب يعلم من اتصاف الموصوف بهذه الصفة، ما يعلمه المتكلم، فإن القطع يدل على أن الموصوف مشتهر بهذه الصفة، معلوم بها عند السامع، كما عند المتكلم ولست تريد ان تعلمه بها، فإذا قلت (مررت بمحمد الكريم) كان المعنى: مررت بمحمد المعروف بالكر المشتهر به بخلاف قولك (مررت بمحمد الكريم) فإنك قد تريد بذلك أن تميزه عن غيره، وتبينه به، فالقطع لا يكون إلا إذا كان الموصوف مشتهرا بالصفة، معلوما بها حقيقة أو ادعاء أي تدعي أنه مشهور بهذه الصفة، فإذا مدحته بالقطع ادعيت أنه معروف بهذه الصفة مشتهر بها فيكون أمدح له. وإذا ذممته كنت ادعيت أنه مشهور بهذه الخصلة الذميمة معلوم بها، فإنك قلت (مررت بخالد الدنيء) لم ترد أن تعلم المخاطب بأن خالدا دنيء لأن المخاطب لا يجهل ذلك، وإنما أردت ذكره بأمر يعلمه كل أحد فيكون اهجي له، وأذم، قال تعالى: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: ٤]، فنصب لأنه لم يرد أن يخبر بأمر مجهول، وإنما ذكرها بأمر مشهور يعرفه كل أحد إضافة إلى الذم بصيغة المبالغة فهو ذمها بصيغة المبالغة أولا ثم بالقطع بأن جعل هذا أمرًا معلوما لا يخفى على أحد ولهذا إذا كانت الصفة لقصد التوضيح والتبيين، وتييز الموصوف من غيره، لا يصح قطعا " إذ لا قطع مع الحاجة" فالموصوف إذا احتاج إلى مائة صفة ليتميز من غيره لم يصح قطع واحدة منها، قال ابن مالك: وإن نعوت كثرت وقد تلت ... فتقرا لذكرهن أتبعت

стр. 921

وذلك كأن تقول (مررت بمحمد التاجر الشاعر الكاتب) فإنك إذا أردت أن تميزه من ثلاثة آخرين كل واحد اسمه محمد أحدهم تاجر شاعر والثاني تاجر كاتب والثالث شاعر كاتب، كان عليك أن تميز الآخر منهم بقولك، (مررت بمحمد التاجر الشاعر الكاتب) فإنك إذا حذفت أية صفة ألتبس بمحمد آخر، ففي نحو هذا لا يجوز القطع لأن هذه الصفات لقصد تمييزه من غيره، فإن كانت له صفة أخرى مشهورا بها معلومة للمخاطبين كأن يكون فقيها جاز لك القطع على قصد أنه معلوم بها فتقول: (مررت بمحمد التاجر الشاعر الكاتب الفقيه) فتتبع النعوت الأولى وجوبا ويجوز في النعت الآخر القطع. جاء في التصريح: وأن لم يعرف مسمى المنعوت إلا بمجموعها وجب أتباعها كلها للمنعوت لتنزيلها منه منزلة الشيء الواحد، وإليه أشار الناظم بقوله: وإن نعوت كثرت وقد تلت ... مفتقرا لذكرهن أتبعت وذلك كقولهم (مررت بزيد التاجر الفقيه الكاتب) إذا كان زيد هذا الموصوف بهذه الصفات يشاركه في اسمه ثلاثة من الناس اسم كل واحد منهم زيد وأحدهم تاجر كاتب والآخر فقيه كاتب فلا يتعين زيد الأول من الأخيرين، إلا بالنعوت الثلاثة فيجب اتباعها كلها. وإن تعين ببعضها جاز فيما عدا ذلك البعض الذي تعين به الأوجه الثلاثة الاتباع والقطع إلى الرفع أو إلى النصب أو الجمع بينهما بشرط تقديم المتبع على الأصح. وإذا كان المنعوت نكرة تعين في الأول من نعوته الأتباع لأجل التخصيص بخلاف ما إذا كان معرفة فإنه غني عن التخصيص وجاز في الباقي من نعوته القطع عن المتبوع (١). فالقطع إنما يكون للدلالة على أن الموصوف مشهور بالصفة المقطوعة جاء في (شرح الرضي على الكافية): " اعلم أن جواز القطع مشروط بأن لا يكون النعت للتأكيد نحو (أمس الدابر) ..

стр. 922

والشرط الآخر إن يعلم السامع من اتصاف المنعوت بذلك النعت ما يعلمه المتكلم لأنه إن لم يعلم فالمنعوت محتاج إلى ذلك النعت ليبينه ويميزه، ولا قطع مع الحاجة، وكذا إذا وصفت الموصوف بوصف لا يعرفه المخاطب، لكن ذلك الوصف يستلزم وصفا آخر فلك القطع في ذلك الثاني. اللازم، نحو (مررت بالرجل العالم المبجل) فإن العلم في الأغلب مستلزم للتبجيل (١). وجاء في (التصريح): " إذا لم تتكرر النعوت وكان المنعوت معلومًا بدون النعت حقيقة أو ادعاء جاز أتباعه وقطعه ما لم يكن لمجرد التوكيد، نحو: (نفخة واحدة) أو ملتزم الذكر نحو (جاؤا الجماء الغفير) أو جاريا على مشار إليه نحو (بهذا الرجل) (٢). وجاء في شرح قطر الندى: ويجوز قطع الصفة المعلوم موصوفها حقيقة أو ادعاء رفعا بتقدير هو ونصبا بتقدير أعني أو أمدح، أو أذم، أو ارحم (٣). وجاء في الكامل: إذا قال (جاءني عبد الله الفاسق الخبيث) فليس يقول إلا وقد عرفه بالخبث والفسق، فنصبه بـ (أعني) وما أشبهه من الأفعال، نحو (اذكر) وهذا أبلغ في الذم أن يقيم الصفة مقام الاسم وكذلك المدح (٤). وجاء في الكتاب: هذا باب ما ينتصب في التعظيم والمدح، وإن شئت جعلته صفة فجري على لأول وإن شئت قطعته فابتدأته وذلك قولك: الحمد ﷺ الحميد هو والحمد لله أهل الحمد والملك له أهل الملك، ولو ابتدأته فرفعته كان حسنا، كما قال الأخطل نفسي فداء أمير المؤمنين إذا ... أبدي النواجذ يوم باسل ذكر الخائض الغمر والميمون طائره ... خليفة الله يستسق به المطر

стр. 923

زعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدث الناس، ولا من تخاطبه بأمر جهلوه، ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمت فجعلته ثناء وتعظيما، ونصبه على الفعل كأنه قال: (اذكر أهل ذاك) و (أذكر المقيمين) ولكنه فعل لا يستعمل إظهاره، وهذا شبيه بقوله: (أنا بني فلان نفعل كذا) لأنه لا يريد أن يخبر من لا يدري أنه من بني فلان ولكنه ذكر ذلك افتخارا وابتهاء (١). وجاء فيه أيضا: " هذا باب ما يجري من الشتم مجرى التعظيم وما أشبهه، وذلك قولك: أتاني زيد الفاسق الخبيب لم يرد أن يكرره، ولا يعرفك شيئا تنكره، ولكنه شتمه بذلك .. وقال عروة الصعاليك: سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كب وزور إنما شتمهم بشيء قد استقر عند المخاطبين، .. وقد يجوز (مررت بقومك الكرام) إذا جعلت المخاطب كأنه قد عرفهم (٢). وجاء في شرح السيرافي، بهامش الكتاب: قال أبو سعيد: يحتاج التعظيم إلى إجتماع معنيين في المعظم: أحدهما أن يكون الذي عظ به فيه مدح وثناء ورفعة: والآخر أن يكون المعظم قد عرفه المخاطب وشهر عنده بما عظم أو يتقدم من كلام المتكلم ما يتقرر به عند المخاطب حال مدح وتشريف في المذكور يصح أن يورد بعدها التعظيم (٣). فهذه حقيقة القطع وغرضه.

стр. 924

ثم أنه يقطع مع المرفوع إلى النصب، ومع المنصوب إلى الرفع، ومع المجرور إلى الرفع، أو النصب، فتقول: (مررت بخالد العظيم، أو العظيم) ويبدو أن القطع إلى الرفع أثبت وأشهر، وذلك لأنه في النصب بتقدير جملة فعلية، نحو: (أعني العظيم أو أمدح) وفي الرفع بتقدير اسم أي (هو العظيم) والاسم أثبت وأقوى وأدوم من الفعل كما مر في قوله تعالى: ﴿قالوا سلاما قال سلام﴾ [هود: ٦٩]. فقولك (مررت بمحمد العظيم) بالاتباع قد يراد منه تمييزه من غيره الذي هو حقير أو يراد مدحه بهذه الصفة. وقولك (مررت بمحمد العظيم) بالنصب، تريد تنبيه السامع على هذه الصفة كما تعني أن محمدا مشهور بهذه الصفة معلوم بها للمخاطب يعلمه كل أحد. وقولك (مررت بمحمد العظيم) بالرفع يدل على أن محمدًا معلوم أتصافه بهذه الصفة مشهور بها، غير أن اتصافه بهذه الصفة واستقرارها ورسوخها فيه وتمكنها منه أكثر وأشد مما قبلها. وورد القطع في العطف أيضا للدلالة على أهمية المقطوع من بين المعطوفات، جاء في الكشاف، في قوله تعالى: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء﴾ [البقرة: ١٧٧]، وأخرج الصابرين منصوبا على الاختصاص والمدح إظهار لفضل الصبر في الشدائد، ومواطن القتال على سائر الأعمال (١). وجاء في شرح شذور الذهب، في قوله تعالى: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليه وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة﴾ [النساء: ١٦٢]، إن المقيمين نصب على المدح، وتقديره وامدح المقيمين، وهو قول سيبويه والمحققين وإنما قطعت هذه الصفة عن بقية الصفات لبيان فضل الصلاة على غيرها (٢).

стр. 925

تعاطف النعوت يجوز عطف النعوت بعضها على بعض متبعة كانت أو مقطوعة تقول: (مررت برجل كريم شاعر خطيب) ويجوز أن تقول (مررت برجل كريم وشاعر وخطيب) قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى﴾ [الأعلى: ١ - ٤]، وقال الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم (١). وتعطف النعوت بالواو كما مر، وإذا دلت على ترتيب وتعقيب عطفت عند ذاك بالفاء، قال تعالى: ﴿والمرسلات عرفا فالعاصفات عصفا والناشرات نشرا فالفارقات فرقا فالملقيات ذكرا﴾ [المرسلات: ١ - ٥]، وقال: ﴿والصافات صفا فالزاجرت زجرا فالتاليات ذكرا﴾ [الصافات: ١ - ٣]. قال أبو حيان: " ولا يجوز - أي العطف - بالفاء إلا أن دلت على أحداث واقع بعضها على أثر بعض، نحو: مررت برجل قائم إلى زيد فضاربه فقالته" (٢). وإن دلت الأحداث على ترتيب وتراخ عطفت بـ (ثم) فتقول: (مررت برجل قائم إلى زيد ثم ضاربه ثم قاتله) وتقول: (مررت برجل أعانني ثم أكرمني) ومنه (مررت برجل راكب ثم ذاهب) فبين أن الذهاب بعده وأن بينهما مهلة غير متصل به (٣). إلى غير ذلك من حروف العطف الأخرى كالعطف بـ (أو) أو بـ (لا) بحسب المعنى المقصود (٤). ويجب العطف في الصفات إذا تعددت لتعدد الموصوفين، بها نحو (مررت برجال كاتب وشاعر وفقيه) أي كل رجل منهم له صفة من هذه الصفات.

стр. 926

أما إذا تعددت الصفات وصاحبها واحد " فالأحسن أن تباعد معنى الصفات العطف نحو ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ [الحديد: ٣]، وإلا تركه نحو ﴿ولا تطع كلا حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم﴾ [القلم: ١٠ - ١٣] (١). وقد يؤتي بالواو للاهتمام. جاء في تفسير الرازي، في قوله تعالى: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾ [التوبة: ١١٢]، " وفي إدخال الواو على هؤلاء (والناهون) وذلك لأن كل ما سبق من الصفات عبادات يأتي بها الإنسان لنفسه ولا يعلق لشيء منها بالغير أما النهي عن المنكر فعبادة متعلقة بالغير، وهذا النهي يوجب ثوران الغضب وظهور الخصومة وربما أقدم ذلك المنهي على ضرب الناهي، وربما حاول قتله، فكان النهي عن المنكر أصعب أقسام العبادات والطاعات، فأدخل عليها الواو تنبيها على ما يحصل فيها من زيادة المشقة والمحنة (٢). وقال تعالى: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول﴾ [غافر: ٣]، ففصل بالواو بين غافر الذنب، وقابل التوب، للاهتمام بالتوبة ههنا، ويدل على ذلك قوله تعالى فيما بعد هذه الآيات: ﴿ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم﴾ [غافر: ٧]. ثم إن العطف بالواو قد يؤتى به لتحقيق إجتماع الصفات في الموصوف، وذلك كأن تقول لشخص ينكر أو يستبعد إتصاف الموصوف بصفة واحدة من صفات الكمال، فضلا عن عدة صفات (هو كاتب وخطيب وشاعر) فتأتي بالواو لتحقيق اجتماع هذه الصفات فيه

стр. 927

جاء في (بدائع الفوائد): " إن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم وتقريره في الكلام متضمنا لنوع من التأكيد من مزيد التقرير. وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة إلى ما نحن فيه، إذا كان رجل مثلا له أربع صفات هي (عالم وجواد وشجاع وغني) وكان المخاطب لا يعلم ذلك أو لا يقر به ويعجب من إجتماع هذه الصفات في رجل فإذا قلت (زيد عالم) وكان ذهنه استبعد ذلك فتقول: (وجواد) أي وهو مع ذلك جواد، فإذا قدرت استبعاده لذلك قلت (وشجاع) أي وهو مع ذلك شجاع وغني فيكون في العطف مزيد تقرير وتوكيد لا يحصل بدونه تدرأ به توهم الإنكار " (١). حذف النعت يجوز حذف النعت إذا علم وذلك كقوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا﴾ [الكهف: ٧٩]، أي كل سفينة صالحة فحذف النعت وأبقى المنعوت فإنه أن لم يقدر ذلك فلا فائدة في خرقها. ومنه قول المرقش الأكبر: ورب أسيلة الخدين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد فحذف النعت وأبقي المنعوت أي فرع فاحم أو نحو ذلك وجيد طويل وإلا فكل امرأة لها فرع وجيد أن قصد بذلك مطلق الفرع والجيد (٢). فلا فائدة في التشبيب. وقد تحذف الصفة وتدل عليها حال المتكلم، وللنغمة الصوتية أثر في إيضاحها، ولك كأن تقول (هو رجل) فتقوى اللفظ وتطيل الصوت وتفخمه، فتدل بذلك أنه رجل عظيم ونحو ذلك، وتقول (عنده مال) فتفخم كلمة (مال) وتمد صوتك بها فتغني أنه عنده مال كثير، وتقول (عنده مال) وتزوي وجهك وتغير النعمة، فيدل ذلك على أن عنده شيئا قليلا من المال ونحو ذلك (٣).

стр. 928

البدل يعرف النحويون البدل بأنه التابع المقصود بالحكم بلا واسطة، ومعنى ذلك أنك إذا قلت مثلا (أقبل أخوك محمد) فالمقصود فيه بالحكم (هو محمد) وهو المهم وأما أخوك، فقد ذكر تمهيدا لذكر العلم، فالبدل هو المهم، وهو المقصود بالحكم، وأما المبدل منه فإنما يذكر تمهيدًا وتوطئة لذكر البدل. ويذهب النحويون إلى أن البدل على نية إحلاله محل المبدل منه، وأما المبدل منه فعلى نية السقوط. جاء في المفصل أن البدل هو الذي يعتمد بالحديث، وإنما يذكر الأول لنحو من التوطئة وليفاد بمجموعها فضل تاكيد وتبيين لا يكون في الأفراد (١). وقال السيرافي أعلم أن البدل إنما يجيء في الكلام على أن يكون مكان المبدل منه كأنه لم يذكر (٢). ولا يعنون بذلك أن المبدل منه لا فائدة فيه، وليس له غرض، بل على معنى أن البدل مستقل بنفسه وإن العامل كأنما باشر البدل. جاء في (شرح السيرافي): وقول النحويين أن التقدير فيه تنحية المبدل منه ووضع البدل مكانه ليس على معنى الغائه وإزالة فائدته، بل على أن البدل قائم بنفسه غير مبين للمبدل منه، تبيين النعت للمنعوت، إذ لو كان على الإلغاء لكان نحو قولك (زيد رأيت أباه عمرا) في تقدير (زيد رأيت عمرا) وهذا فاسد محال (٣).

стр. 929

وجاء في المقتضب، ولو كان البدل يبطل المبدل منه لم يجز أن تقول (زيد مررت به أبي عبد الله) لأنك لو لم تعتد بالهاء فقلت (زيد مررت بأبي عبد الله) كان خلفا لأنك جعلت زيدا ابتداء، ولم ترد إليه شيئا، فالمبدل منه مثبت في الكلام وإنما سمى البدل بدلا لدخوله لما عمل فيه ما قبله على غير جهة الشركة .. والمعنى الصحيح أن البدل والمبدل منه موجودان معا لم يوضعا على أن يسقط أحدها إلا في بدل الغلط فإن المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام (١). وقال الرضي: ولا كلام أن المبدل منه ليس في حكم الطرح لفظا لوجوب عود الضمير إليه في بدل البعض والاشتمال (٢). فقولك أعجبني محمد علمه، فيه علمه بدل من محمد فلو كان محمد على نية السقوط لكان القول أعجبني علمه، فلا يعود الضمير على شيء وهو غير صحيح أقسام البدل البدل على أقسام هي: ١ - البدل المطابق ويسمى أيضا بدل كل من كل وذلك نحو: ﴿وقال موسى لأخيه هارون﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وقوله ﴿إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ [إبراهيم: ١، ٢]، فالعزيز الحميد هو الله. وفائدة هذا البدل الإيضاح والتبيين ويؤدي البدل والمبدل منه بإجتماعهما معنى لا يؤدي بانفراد أحدهما عن الآخر، فقد يكون الألو مبهما يوضحه الثاني، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذا نجيناك من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ [البقرة: ٤٩]، فقوله ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ مبهم يحتمل أمورا كثيرة فأوضحه البدل ﴿يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم﴾ ونحو قوله تعالى: ﴿وعلى الذين

стр. 930

يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، فالفدية مبهمة ويوضحها (طعام مسكين) وقد يكون الثاني مبينا حقيقة الأول، كقوله تعالى: ﴿واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار﴾ [الأعراف: ١٤٨]، فحقيقة العجل المتخذ ليست عجلا حقيقا وإنما هو جسد له خوار، ولو ذكرت البدل أو المبدل منه على انفراد لم يتضح الأمر كما أوضحه إجتماعهما. وقد يكون أحد الطرفين أعني البدل أو المبدل منه متصفا بصفة دالة على المدح أو الذم أو غيرهما، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض﴾ فقوله العزيز الحميد، صفتان لله تعالى دالتان على المدح، ونحوه أن تقول: (مررت بالرجل العالم سالم) فالمبدل منه موصوف بصفة العلم والاكتفاء بإحدهما لا يؤدى معنى الجمع. ومنه قوله تعالى: ﴿إنك بالواد المقدس طوي﴾ [طه: ١٢]، فلو قال: ﴿إنك بالواد طوي﴾ لم يعلم أنه مقدس، ولو قال (إنك بالوادي المقدس) ولم يذكر اسمه لم يعلم أي واد هو؟ ونحوه قوله تعالى: ﴿لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة﴾ [العلق: ١٥ - ١٦]، فبين صفة الناصية المسفوعة. وقد يكون الأول عاما والثاني مخصصا له، وذلك نحو قوله تعالى: ﴾ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ﴿[الصافات: ٦]، فالزينة عامة، وقد خصصت بالكواكب، ونحوه قوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها، ﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله ﴿ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة﴾ [الإنسان ١٥ - ١٦]، فبين جنس القوارير، وقوله: ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسًا [آل عمران: ١٥٤]. وقد يأتي للتفصيل، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة﴾ [مريم: ٧٥]، ففصل (ما يوعدون).

стр. 931

وقد يكون للتفخيم وذلك كقوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين﴾ [الحجر: ٦٦]، فإنه أبهم الأمر أولا، ثم أوضحه وللإيضاح بعد الإبهام وقع في النفس ليس كما إذا جعل الكلام سردا واحدا. جاء في الطراز: أعلم أن المعنى المقصود إذا ورد في الكلام مبهما فإنه يفيده بلاغة ويكسبه إعجابا وفخامة، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الإبهام فإن السامع له يذهب في إبهامه كل مذهب، ومصداق هذه المقالة، قوله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر﴾ ثم فسره بقوله (إن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) وهكذا في قوله تعالى: ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما﴾ فأبهمه أولا ثم فسره بقوله (بعوضة فما فوقها) .. ألا ترى أنك إذا قلت: هل أدلك على أكرم الناس أبا وأفضلهم فعلا، وحسبا وأمضاهم عزيمة وأنفذهم رأيا؟ ثم تقول: فلان، فإن هذا وأمثاله يكون أدخل في مدحته مما لو قلت: فلان الأكرام الأفضل الأنبل (١). وجاء في شرح الرضي على الكافية، وقد يكون الثاني لمجرد التفسير بعد الإبهام مع أنه ليس في الأول فائدة ليست في الثاني وذلك لأن للإبهام أولا، ثم التفسير ثانيا وقعا وتأثيرا ليس للاتيان بالمفسر أولا، وذلك نحو (برجل زيد) فإن الفائدة الحاصلة من (رجل) تحصل من (زيد) مع زيادة التعريف لكن الغرض ما ذكرنا (٢). وقد يفيد البدل التوكيد وذلك إذا دل على الإحاطة والشمول (٣). نحو (جاءوا كبارهم وصغارهم) ونحو قوله تعالى: ﴿تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾ [المائدة " ١١٤]. جاء في كتاب سيبويه: فالبدل أن تقول: ضرب الله ظهره وبطنه وضرب زيد الظهر والبطن، وقلب عمرو ظهره وبطنه، ومطرنا سهلنا وجبلنا، ومطرنا السهل والجبل. وإن شئت كان على الاسم بمنزلة أجمعين توكيدا ..

стр. 932

فإن قلت: (ضُرب زيدٌ اليدُ والرجل) جاز على أن يكون بدلاً، وأن يكون توكيدًا (١). فسيبويه يجوز أن يعربها بدلا أو توكيدًا فإذا أعرب بدلا أفاد معنى التوكيد لما فيه من الإحاطة. ثم أن قولك: (أقبل أبوك خالد) فيه توكيد لأن أباك هو خالد، غير أنه ذكر مرة فرابته ومرة اسمه، وقد تقول: ولم لا يكون توكيدًا؟ والجواب أن الإسمين ليسا متطابقين تماما، والتوكيد يفيد المطابقة، فإن قولك (أبوك) يفيد القرابة و (خالد) الإسم. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " قوله (فالأول مدلوله مدلول الأول) فيه تسامح إذ مدلول قولك (أخيك) في (بزيد أخيك) لو كان عين مدلول (زيد) لكان تأكيدًا و (أخوك) يدل على أخوه المخاطب ولم يكن يدل عليها (زيد) لكن مراده أنهما يطلقان على ذات واحدة وإن كان أحدهما يدل على معنى فيها لا يدل عليه الآخر (٢). وجاء في شرح ابن يعيش: " وأعلم أنه قد اجتمع في البدل ما افترق في الصفة والتأكيد لأن فيه إيضاحا للمبدل ورفع لبس كما كان ذلك في الصفة، وفيه رفع مجاز وإبطال التوسع الذي كان يجوز في المبدل منه. ألا ترى أنك إذا قلت (جاءني أخوك) جاز أن تريد كتابه أو رسوله، فإذا قلت (زيد) زال ذلك الإحتمال كما لو قلت (نفسه) أو (عينه) فلذلك قال صاحب الكتاب: وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الأفراد، يعني أنه حصل بإجتماع البدل والمبدل منه من التأكيد ما يحصل بـ (النفس) و (العين) ومن البيان ما يحصل بالنعت ولو انفرد كل واحد من البدل والمبدل منه لم يحصل ما حصل بإجتماعهما كما لو أنفرد التأكيد والمؤكد أو النعت والنعوت لم يحصل ما حصل باجتماعهما (٣).

стр. 933

وذهب النحاة إلى أن نحو (رأيتك إياك) و (رأيته إياه وفعلت أنت) بدل (١). ولا شك أنه يفيد التوكيد، وقد ذهب آخرون إلى أنه توكيد لا بدل (٢). وذكر بعض النحاة أن التأكيد متأت أيضا من أن البدل على نية تكرار العامل، فإن قولك (جاء أخوك خالد) معناه جاء أخوك، جاء خالد، فكأنك كررت (جاء) مرتين، ومن هنا جاء التأكيد. فالتأكيد حاصل في المجيء. قال ابن الناظم: أعلم أن الغرض من الإبدال أن يذكر الإسم مقصودا بالنسبة كالفاعلية والمفعولية والإضافة بعد التوطئة، لذكره بالتصريح بتلك النسبة، لإفادة توكيد الحكم، وتقريره لأن الإبدال في قوة إعادة الجملة، ولذلك تسمع النحويين يقولون: البدل في حكم تكرار العامل (٣). وجاء في الإتقان: والقصد به الإيضاح بعد الإبهام، وفائدته البيان والتأكيد، أما الأول فواضح أنك إذا قلت: (رأيت زيدا أخاك) بينت أنك تريد بزيد الأخ لا غير، وأما التأكيد فلأن على نية تكرار العامل فكأنه من جملتين ولأنه دل على ما دل عليه الأول (٤). والذي يبدو لي أن ليس ثمة توكيد في الحكم، وأن العامل غير مكرر، وإنما قد يحصل التوكيد من إجتماع البدل والمبدل منه، كأن يكون البدل دالا على الإحاطة والشمول فيفيد معنى الجميع، أو كأن يكون الإسمان يطلقان على ذات واحدة، فيفيد إجتماعهما فضل توكيد، قوله تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه هارون﴾ [البقرة: ٨٧]، فعيسى هو ابن مريم.

стр. 934

٢ - بدل بعض من كل نحو قوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فـ (من استطاع) هو بعض الناس ونحو (أعجبني خالد وجهه) و (أكلت الرغيف ثلثه). ٣ - بدل اشتمال: وهو ما دل على معنى في متبوعه وذلك نحو: (أعجبني خالد علمه) ونحو قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقوله: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا﴾ [مريم: ١٦]، فـ (إذ) بدل اشتمال من مريم، وقوله: ﴿قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود﴾ [البروج: ٤ - ٥] فـ (النار) بدل اشتمال من (الأخدود) لأن الأخدود أشتمل على النار. ولابد في هذين البدلين أعني البدل الذي هو بعض، وبدل الاشتمال، من ضمير يربطهما بصاحبهما ظاهر أو مقدر، فالظاهر نحو قولك (أعجبني محمد علمه) والمقدر نحو (النار ذات الوقود) أي النار فيه (١). ولا يشترط في البدل الواقع في الاستثناء ضمير، وذلك نحو (ما أقبل الرجال إلا خالد) وفائدة هذين البدلين هو الإيضاح بعد الإبهام. جاء في (شرح الرضي على الكافية): " والفائدة في بدل البعض والاشتمال البيان بعد الإجمال والتفسير بعد الإبهام لما فيه من التأثير في النفس. وذلك أن المتكلم يحقق بالثاني بعد التجوز والمسامحة بالأول تقول (أكلت الرغيف ثلثه) فتقصد بالرغيف ثلث الرغيف ثم تبين ذلك بقولك (ثلثه)، وكذا في بيان الاشتمال، فإن الأول فيه يجب أن يكون بحيث يجوز أن يطلق ويراد به الثاني نحو (أعجبني زيد علمه) و (سلب زيد ثوبه) فإنك قد تقول (أعجبني زيد) إذا أعجبك علمه و (سلب زيد) إذا سلب ثوبه على حذف المضاف ولا يجوز أن تقول: (ضربت زيدا) وقد ضربت غلامه (٢).

стр. 935

٤ - البدل المغاير: وهو بدل الغلط والإضراب والنسيان: فبدل الغلط نحو قولك (أقبل محمدٌ خالدٌ) فإنك عندما قلت (أقبل محمد) تبني لك أنك غلطت بذكر (محمد) وإنما أردت (خالدا) فجئت بكلمة (خالد) صححت بها غلطك فهي بدل الغلط أي جئت بها مكان الغلط لا أنها غلط. وأما الاضراب فيكون إذا ذكرت شيئا، ثم بدا لك أن تضرب عنه، بذكر آخر بدله كأن تقول: (سأذهب إلى المقهى الكلية) فحين ذكرت أنك سيذهب إلى المقهي بدا لك أن تترك ذهابك إليها وأن تذهب إلى الكلية بدلها. قال تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون﴾ [النحل: ٧٣]، فأخبر أولا أنهم لا يملكون رزقا، ثم أضرب عن ذلك، فقال: بل لا يملكون شيئا، والذي عليه النحاة أن (شيئا) مفعول به لـ (رزقا) وكل صواب فيما أرى. وأما بدل النسيان فيكون بأن تنسى فتذكر أمرا على غير حقيقته ثم تتذكر الأمر المنسي فتذكره بدل الأول كأن تقول: (زارني سعدٌ إبراهيم) فإن الذي زارك هو إبراهيم لا سعد، ولكنك نسيت فذكرت سعدا، ثم تذكرت الشخص الذي زارك وهو إبراهيم. جاء في الكتاب: هذا باب المبدل من المبدل منه، والمبدل يشرك المبدل منه في الجر وذلك قولك: (مررت برجل حمار) فهو على وجه محال وعلى وجه حسن. فأما المحال فأن تعني أن الرجل حمار، وأما الذي يحسن، فهو أن تقول (مررت برجل) ثم تبدل الحمار مكان الرجل، فتقول (حمار) أما أن تكون غلطت أو نسيت فأستدركت، وأما أن يبدو لك أن تضرب عن مرورك بالرجل وتجعل مكانه مرورك بالحمار، بعد ما كنت أردت غير ذلك، ومثل ذلك قولك: (لا بل حمار)، ومن ذلك قولك: (مررت برجل بل حمار) وهو على تفسير (مررت برجل حمار)، ومن ذلك (ما مررت برجل بل حمار) وما مررت برجل ولكن حمار أبدلت الآخر من الأول، وجعلته مكانه" (١).

стр. 936

وبدل الغلط والنسيان لا يكون في قرآن ولا شعر. جاء في (المقتضب): " فهذا البدل لا يكون مثله في قرآن ولا شعر ولكن إذا وقع مثله في الكلام غلطا أو نسيانا فهكذا إعرابه" (١). وقد يقع في الشعر على سبيل ادعاء الغلط أو النسيان كقول: (ألا إنما هند عصا خيزرانةٌ) فذكر أولا أنها عصا، ثم بين أنه غلط بقوله هي عصا فصحح غلطه وذكر أنها خيزرانة. جاء في (شرح الرضي على الكافية) وهذا الذي يسمى بدل الغلط على ثلاثة أقسام: أما بداء وهو أن تذكر المبدل منه عن قصد، وتعمد ثم توهم أنك غلطت لكون الثاني أجنبيا وهذا يعتمده الشعراء كثيرا للمبالغة والتفنن، في الفصاحة، وشرطه أن يرتقي من الأدنى إلى الأعلى كقولك (هند نجم بدر شمس) كأنك وإن كنت معتمدا لذكر النجم تغلط نفسك، وترى أنك لم تقصد في الأول، ألا تشبيهها بالبدر، وكذا قولك: بدر شمس. وأما غلط صريح محقق كما إذا اردت مثلا أن تقول (جاءني حمار)، فسبقك لسانك إلى رجل ثم تداركت الغلط فقلت (حمار). واما نسيان .. ولا يجيء الصرف ولا بدل النسيان، في كلام الفصحاء، وما يصدر عن روية وفطانة، فلا يكون في شعر أصلا، وإن وقع في كلام فحقه الإضراب عن الأول المغلوط فيه، بـ (بل) (٢).

стр. 937

٥ - بدل كل من بعض، وأنكره الجمهور واستدل المثبتون له بقوله تعالى: ﴿فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا جنات عدن﴾ [مريم: ٦٠ - ٦١]، قالوا: (جنات عدن) بدل كل من (الجنة)، وهي بعض والجمهور على أنها بدل مطابق، لأن الجنة فيها جنات. واستدل المثبتون أيضا بقول الشاعر: رحم الله أعظمنا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات فـ (طلحة) كل (والأعظم) بعض، والآخرون على أن (طلحة) مفعول به لفعل محذوف تقديره (أعني). واستدل المبثبتون بنحو قولهم (لقيته غدوة يوم الجمعة) كل، والغدوة بعض وبقوله: كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل فاليوم كل، والغداة والآخرون على أن (يوم) في البيت بمعنى (وقت) (١). والقول بهذا البدل لابد منه في نحو قولهم (ما قام إلا زيد القوم) إذ لا يكون إلا بدل كل من بعض. جاء في (شرح ابن عقيل): " وقد روى رفعه فتقول (ما قام إلا زيد القوم). قال سيبويه حدثني يونس أن قوما يوثق بعربيتهم يقولون (مالي إلا أخوك ناصر) وأعربوا الثاني بدلا من الأول على القلب" (٢). ويقصدون بالقلب أن اصل الكلام (مالي ناصرٌ إلا أخوك) فـ (أخوك) بدل بعض من كل ثم قدم البدل على المبدل منه فصار بدل كل من كل (٣).، لأن المقصود بالناصر أخوك غير أن هذا لا ينطبق على مثال ابن عقيل، (ما قام إلا زيد القوم) إذ لا يمكن عد زيد عاما والقوم خاصا، فعلى مذهب من يجيز هذا التعبير يجب قبول هذا النوع من البدل.

стр. 938

البدل وعطف البيان عطف البيان عند النحاة، تابع يوضح، أو يخصص مبتوعه، غير مقصود بالنسبة لا يكون مشقا، ولا مؤولا بالمشتق، نحو (أقبل أبو محمد خالد) و (أقسم بالله أبو حفص عمر (١).) ونحو: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾ [إبراهيم: ١٦]، وقوله: ﴿أو كفارة طعام مساكين﴾ [المائدة: ٩٥]. فالغرض من عطف البيان توضح المتبوع أو تخصيصه، فالمتبوع على هذا اهم لأنه إنما جيء بالبيان لقصد إيضاحه. جاء في (شرح ابن يعيش): " عطف البيان مجراه مجرى النعت يؤتى به لإيضاح ما يجري عليه، وإزالة الإشتراك الكائن فيه من تمامه، كما أن النعت من تمام المنعوت نحو قولك (مررت بأخيك زيد) بينت الأخ بقولك (زيد) وفصلته من أخ آخر ليس بزيد كما تفعل الصفة في قولك (مررتب أخيك الطويل) تفصله من أخ آخر ليس بطويل ولذلك قالوا إن كان له أخوة فهو عطف بيان وإن لم يكن له اخ غيره فهو بدل (٢). فهو شبيه بالبدل المطابق، غير أنهم يفرقون بينهما، بأن المهم في البدل هو الثاني، وأما المهم في البيان فهو الأول، وإنما ذكر الثاني إيضاحا للأول وتفسيرا له، فإذا قلت: (أقبل أخوك محمد) وكان اهتمامك بالثاني أعرب بدلا، وإن كان اهتمامك بالإخوة أعرب الثاني عطف بيان. وفرقوا بينهما فروقا أهمها: إن عطف البيان لا يكون ضميرا، ولا تابعا لضمير بخلاف البدل وإن البيان لا يخالف متبوعه في تعريفه وتنكيره، ولا يختلف في جواز ذلك في البدل.

стр. 939

وأنه لا يكون جملة، ولا تابعا لجملة، بخلاف البدل. وانه لا يكون فعلا، ولا تابعا لفعل، بخلاف البدل ثم إن البيان ليس على نية احلاله محل الأول بخلاف البدل، ولهذا امتنع البدل وتعين البيان في نحو: (يا زيد الحارث) لأنك لا تقول: (بالحارث) وامتنع البدل وتعين البيان في نحو (يا سعيد كرز) بالرفع أو (كرزا) بالنصب بخلاف (يا سعيد كرز) بالضم فإنه بدل. وفي نحو (أنا الضارب الرجل زيد) لأنك لا تقول (أنا الضارب زيد) عند الجمهور، وفي نحو (زيد أفضل الناس الرجال والنساء) لأن اسم التفضيل إذا قصد به الزيادة على من أضيف إليه يشترط أن يكون منهم، فلا يصح أن تقول (زيد أفضل النساء) ففي كل ذلك يتعين البيان ويمتنع البدل، وكذلك إذا قلت: (يا أخانا خالدا) كان عطف بيان بخلاف ما إذا قلت (يا أخانا خالد) بالضم فإنه بدلا لأنه على نية أحلاله محل الأول ثم إن عطف البيان ليس في التقرير من جملة أخرى بخلاف البدل، ولهذا امتنع أيضا البدل وتعين البيان، في نحو قولك (هند قام عمرو أخوها) لأن البدل على تقدير (هند قام عمرو قام أخوها) فتكون جملة الخبر بلا رابط وهو لا يجوز (١). وقد أجازوا أعراب عطف البيان، بدل كل من كل، إذا لم يكن ثمة مانع من الموانع المذكورة. والحق فيما أرى أن هذا ضرب من التعسف، ولا أرى عطف البيان إلا البدل، ولا داعي لادعاء الفروق بينهما، ويمكن الاكتفاء بباب واحد هو البدل أو البيان، وكل ما قيل في البدل يمكن أن يقال في البيان وبالعكس، واصطلاح البدل أولى، وذلك لتعدد أنواعه، بدل بعض واشتمال، وبدل أضراب وغلط ونسيان، فإن كلمة (بدل) أدل على المعنى من كلمة (بيان) ولا سيما في البدل المغاير وإن كان يمكن أن يطلق عليه (بيان) بتأول.

стр. 940

جاء في (شرح الرضي على الكافية): "وأنا إلى الآن لم يظهر لي فرق جلي بين بدل الكل وبين عطف البيان، بل لا أرى عطف البيان إلا البدل كما هو ظاهر قول سيبويه، فإنه لم يذكر عطف البيان (١). بل قال: أما بدل المعرفة من النكرة فنحو مررت برجل عبد الله كأنه قيل: بمن مررت؟ أو ظن أن يقال له ذلك، فأبدل مكانه ما هو أعرف منه .. قالوا: الفرق بينهما أن البدل هو المقصود بالنسبة دون متبوعه، بخلاف عطف البيان فإنه بيان، والبيان فرع المبين فيكون المقصود هو، الأول. والجواب أنا لا نسلم ان المقصود بالنسبة في بدل الكل، هو الثاني فقط، ولا في سائر الإبدال إلا الغلط، فإن كون الثاني فيه هو المقصود بها دون الأول ظاهر، وإنما قلنا ذلك لأن الأول في الإبدال الثلاثة منسوب إليه في الظاهر، ولابد أن يكون في ذكره فائدة لم تحصل لو لم يذكر كما يذكر في كل واحد من الثلاثة صونا لكلام الفصحاء عن اللغو، ولا سيما كلامه تعالى، وكلام نبيه ﷺ فادعاء كونه غير مقصود بالنسبة مع كونه منسوبا إليه في الظاهر وإشتماله على فائدة يصح أن ينسب إليه لأجلها دعوى خلاف الظاهر (٢). وقال: " قالوا والفرق الآخر أن البدل في حكم تكرير العامل، ولو سلمنا ذلك فيما تكرر العامل فيه ظاهرا فبأي شيء يعرف المخاطب ذلك فيما لم يتكرر فيه؟ ولنا أن ندعي ذلك فيما سموه عطف البيان، مع التسليم في البدل. وفرقوا أيضا بينهما بعدم وجوب توافق البدل والمبدل منه تعريفا، وتنكيرا، بخلاف عطف البيان. والجواب تجوير التخالف في المسمى عطف بيان أيضا، هذا الذي ذكرت هو الذي يقوي عندي (٣). وعلى كل فالاكتفاء بباب واحد وهو البدل أولى كما ذهب إليه الرضي، والله أعلم.

стр. 941

العطف حروف العطف الواو: وهي لمطلق الجمع، فإذا قلت (حضر محمدٌ وخليلٌ) فليس فيه دلالة على أن محمدًا حضر قبل خليل، فقد يكون حضر محمد قبله، ويحتمل أنه حضر بعده، كما يحتمل أنهما حضرا معا. جاء في (كتاب سيبويه): " وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشيء قبل شيء، ولا بشيء مع شيء، لأنه يجوز أن تقول (مررت بزيد وعمرو) والمبدوء في المرور عمرو، ويجوز أن يكون زيدًا، ويجوز أن يكون المرور وقع عليهما في حالة واحدة. فالواو يجمع هذه الأشياء على هذه المعاني. فإذا سمعت المتكلم يتكلم بهذا أجبته على أيها شئت لأنها قد جمعت هذه الأشياء (١). وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " قوله (فالواو للجمع مطلقا): معنى المطلق أنه يحتمل أن يكون حصل من كليهما في زمان واحد، وأن يكون حصل من زيد أولا، وأن يكون حصل من عمرو أولا، فهذه ثلاثة احتمالات عقلية، لا دليل في الواو على شيء منها، هذا مذهب جميع البصريين والكوفيين. ونقل بعضهم عن الفراء، والكسائي، وثعلب، والربعي، وابن درستويه، وبه قال بعض الفقهاء أنها للترتيب، ودليل الجمهور استعمالها فيما يستحيل فيه الترتيب، نحو (المال بين زيد وعمرو) و (تقاتل زيد وعمرو) وفيما الثاني فيه قبل الأول كقوله: أو جونة قدحت وفض ختامها

стр. 942

وقوله تعالى: ﴿واسجدى واركعي﴾ [آل عمران: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿نموت ونحيا﴾ [المؤمنون: ٣٧]، والأصل في الاستعمال الحقيقة، لو كانت للترتيب لتناقض قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ [البقرة: ٥٨]، وقوله في موضع آخر: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا﴾ [الأعراف: ١٦١]، إذ القصة واحدة" (١). والحق أنها لا تفيد الترتيب، بدليل قوله تعالى: ﴿قولوا أمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب﴾ [البقرة: ١٣٦]، ولا شك أن ما أنزل إلى محمد متأخر عما أنزل إلى إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء، ونحوه قوله تعالى: ﴿كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله﴾ [الشورى: ٣]، فلو كانت الواو تفيد الترتيب، لكان الوحي إليه قبل الوحي إلى الذين من قبله، وهو غير صحيح. وقد تقول إنها وردت للترتيب أيضا في القرآن الكريم، وذلك كقوله تعالى: ﴿وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى﴾ [البقرة: ١٣٦]، وهؤلاء مذكورون على الترتيب، وكما في آية الوضوء، وهي قوله تعالى: ﴿إذ قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: ٦]، فالأعضاء مذكورة بحسب الترتيب. فنقول: ليس معنى قولنا أنها لا تفيد الترتيب، إنها لا تأتي للترتيب البتة، بل قد تأتي للترتيب وتأتي لغيره، فقد يصح أن يكون المعطوف بعد المعطوف عليه، كما يصح أن يكون قبله أو مصاحبا له، فهي قد تأتي للترتيب ولا مانع من ذلك، وإنما ردنا على الذين يزعمون انها لا تكون إلا للترتيب، ولذا نرى في القرآن الكريم تقديم الشيء على الشيء في موضع ثم قد يتأخر المتقدم في موضع آخر، وذلك كتقديم الضرر والنفع، فهو مرة يقول: ﴿ما لا ينفعهم ولا يضرهم﴾ [الفرقان: ٥٦]، ومرة يقول: ﴿ما لا يضرهم ولا ينفعهم﴾ [يونس: ١٨].

стр. 943

وكتقدم اللعب واللهو، فمرة يقدم اللعب، وذلك كقوله تعالى: ﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو﴾ [الأنعام: ٣٢]، وقوله: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [محمد: ٣٦]، ومرة يقدم اللهو، وذلك كقوله تعالى: ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب﴾ [العنكبوت: ٦٤]. وكتقديم السماء والأرض، فهو مرة يقدم السماء على الأرض، وذلك كقوله تعالى: ﴿لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض﴾ [سبأ: ٣]، ومرة يقدم الأرض على السماء، كما في قوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: ٦١]. وكتقديم السجود والركوع، فهومرة يقدم الركوع على السجود، كما في قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله تعالى: ﴿والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥]، ومرة يقدم السجود على الركوع، كما في قوله تعالى: ﴿يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]. وربما قدم شيئا في موطن، وأخره في موطن آخر والقصة واحدة، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ [البقرة: ٥٨]، وقوله: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا﴾ [الأعراف: ١٦١]، فقد قدم السجود على القول في البقرة، وقدم القول على السجود في الأعراف والقصة واحدة، ولا تناقض في هذا، إذ لو كانت الواو تفيد الترتيب لتناقض القولان. إن التقديم والتأخير بالواو، يدخل في عموم موضوع التقديم والتأخير، فالتقديم، إنما يكون للاهتمام والعناية بالمتقدم، وتختلف العناية باختلاف المواطن، فقد يعني المتكلم في موطن بأمر فيقدمه، وقد يكون العناية في موطن آخر بأمر فيقدم ذلك الشيء. وكلمة العناية والاهتمام عامة، ومظاهرها ومواطنها متعددة متشعبة، ولا يحسن الاكتفاء بأن تقول: إن ما قدم ههنا إنما قدم للعناية والاهتمام، دون أن نبين وجه الاهتمام، فإنك إذا قلت مثلا إنما قدم السماء على الأرض في سورة سبأ للعناية بالسماء وقدم الأرض على السماء في سورة يونس للعناية بالأرض، قيل لك: ولم كانت العناية هناك بالسماء وهنا بالأرض؟

стр. 944

وإذا قلت: إنما قدم السجود على القول في البقرة، للعناية والاهتمام بالسجود، وقدم القول على السجود في الأعراف للعناية بالقول، قيل: ولم كانت العناية بالقول أهم من السجود ههنا؟ فهذا كلام عام لا يتبينه كثير من الناس، وقد يصبح ستارا يخفي تحته الجهل، وعندئذ يكون هذا القول عبارة عن لكمة عامة مبهمة، لا معنى واضحا تحتها، بل لا معنى لها إلا التحكم المحض، لذا سنضرب أمثلة لطرف من أوجه العناية والاهتمام، تكون مراقاة لما فوقها، وهذا الموضوع - وإن كان يدخل في موضوع التقديم والتاخير - فيه فائدة كبيرة ههنا فيما أحسب لأنه ذو مساس باستعمال الواو. إن التقديم والتأخير تكون له أسباب متعددة يقتضيها السياق، فقد يكون السياق متدرجا حسب القدم والأولية في الوجود، فيترتب ذكر المعطوفات على هذا الأساس، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، فخلق الجن قبل الإنس، بدليل قوله تعالى: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ [الحجر: ٢٧]، ونحو ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ [البقرة: ٢٥٥]، لأن السنة، وهي النعاس تسبق النوم. وقد يكون الكلام متدرجا من القلة إلى الكثرة، فترتب المذكورات بحسب ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥]، فكل طائفة هي أقل من التي بعدها، فتدرج من القلة إلى الكثرة، فالطائفون أقل من العاكفين، لأن الطواف لا يكون إلا حول الكعبة، والعكوف يكون في المساجد عموما، والعاكفون أقل من الراكعين لأن الركوع أي الصلاة تكون في كل أرض طاهرة، أما العكوف فلا يكون إلا في المساجد، والراكعون أقل من الساجدين، وذلك لأن لكل ركعة سجدتين، ثم إن كل راكع لابد أن يسجد، وقد يكون سجود ليس له ركوع، كسجود التلاوة وسجود الشكر، فهو هنا تدرج من القلة إلى الكثرة، ولهذا التدرج سبب اقتضاه المقام، فإن الكلام على بيت الحرام، قال تعالى: ﴿وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة: ١٢٥]، فالطائفون هم ألصق

стр. 945

المذكورين بالبيت، لأنهم يطوفون حوله فبدأ بهم، ثم تدرج إلى العاكفين في البيت، أو في بيوت الله عمومًا، ثم الركع السجود الذين يتوجهون إلى هذا البيت في ركوعهم، وسجودهم، وهم في كل الأرض (١). ونحوه قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ [الحج: ٧٧]، فبدأ بالركوع وهو أقل المذكورات، ثم السجود وهو أكثر، ثم عبادة الرب وهو أعم، ثم فعل الخير، ولهذا سببه وذلك أنه لما قال قبل هذه الآية: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور﴾ فبدأ بما هو أقرب إليهم وهو (ما بين أيديهم) ثم بما هو أعم وأكثر، وهو (ما خلفهم) جاء بالكلام على نسق ذلك، فتدرج من الأقل إلى الأكثر، ويمكن أن يقال أيضا، أنه بدأ بما هو من فعل العبد مع نفسه وربه، ثم تدرج إلى ما بينه وبين العباد، فبدأ بالركوع والسجود ثم عبادة الرب عمومًا، ثم فعل الخر متدرجا في ذلك بحسب الكثرة والعموم، والله أعلم. وقد يكون الكلام بالعكس فيتدرج من الكثرة إلى القلة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿يامريم اقنتى لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران: ٤٣]، فتدرج من الكثرة إلى القلة، فبدأ بالقنوت وهو عموم العبادة، ثم السجود وهو أقل وأخص، ثم الركوع، وهو أقل وأخص (٢). أو لملاحظ أخرى غير ما ذكرناها، كأن يكون السياق يعني بأمر أكثر من آخر، وذلك كتقديم الضرر على النفع، او بالعكس. جاء في (البرهان): " وحيث تقدم النفع على الضر فلتقدم ما يتضمن النفع (٣). وكقوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ [البقرة: ٥٨]، وقوله: ﴿وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا﴾ [الأعراف: ١٦١].

стр. 946

وسبب تقديم السجود على القول في البقرة، هو أن السياق اقتضي ذلك، فقد جاءت هذه القصة في عقب الأمر بالصلاة، قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين، أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٣ - ٤٥]، والسجود من أركان الصلاة، ثم أن المقام في البقرة مقام تعديد النعم، على بني إسرائيل، فقد بدأ هذه القصة بقوله تعالى: ﴿يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ [البقرة: ٤٧]، والسجود أفضل من قول حطة، فناسب ذلك تقديم السجود وكلا الأمرين مرفوع في الأعراف. ومنه تقديم السماء على الأرض في قوله تعالى: ﴿لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾ [سبأ: ٣]، وتقديم الأرض على السماء. في قوله: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: ٦١]. وسر ذلك والله أعلم، أن الكلام في آية يونس على أهل الأرض وأحوالهم وسؤونهم وأن الله عالم بهم، قال تعالى: ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: ٦١]، في حين أن الكلام في سورة سبأ على الساعة والاتيان بها، والساعة إنما تأتي من السماء وتبدأ بأهل السماء، ولذا قدم السماء على الأرض، قال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾ [سبأ: ٣]. جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال في الأرض ولا في السماء﴾: " فإن قلت: لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله في سورة سبأ ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾؟ قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته، على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله (لا يعزب عنه) لاءم ذلك أن قدم الأرض على السماء" (١).

стр. 947

وجاء في (بدائع الفوائد): " وأما تقديم الأرض عليها، أي السماء في قوله: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ وتأخيرها عنها في (سبأ) في ضمن قول الكفار: ﴿لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾، كيف قدم السماوات هنا لأن الساعة إنما تأتي من قبلها، وهي غيب فيها، ومن جهتها تبتديء وتنشأ، ولهذا قدم صعق أهل السماوات على أهل الأرض عندها، فقال تعالى: ﴿ونفخ في الصورة فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ [الزمر: ٦٨]. وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس، فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر، وإعلامهم انه سبحانه عالم بأعمالهم، دقيقها وجليلها، وأنه لا يغيب عنه منها شيء، اقتضي ذلك ذكر محلهم، هو الأرض قبل ذكر السماء (١). ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء: ٣١]، وقوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ [الأنعام: ١٥١]، فقدم رزق الأولاد على الآباء في الآية الأولى ﴿نحن نرزقكم وإياكم﴾، وقدم رزق الآباء على الأولاد في الثانية، نحو ﴿نرزقكم وإياهم﴾ وسبب ذلك والله أعلم، أنه في الآية الأولى أنهم يقتلون اولادهم خشية الفقر، لا أنهم مفتقرون في الحال فقال: لا تقتلوهم فإنا نرزقهم وإياكم، أي أن لله جعل معهم رزقهم، فهم لا يشاركونكم في الرزق، فلا تخشوا الفقر. وأما في الآية الثانية فهم يقتلون أولادهم من الفقر الواقع بهم، لا أنهم يخشونه فهم في حاجة إلى الرزق الآتي السريع، ليعولوا أولادهم فعجل لهم ذاك فقال: ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾. جاء في (بديع القرآن): " قوله تعالى في الأولى (من إملاق) ليشير إلى الخطاب للفقراء دون الأغنياء، فأوجبت البلاغة تقديم عدتهم بالرزق، وتكميل العدة برزق الأولاد .. وقال في الآية الثانية (خشية إملاق) ليشير إلى أن الخطاب للأغنياء، دون الفقراء، الذين يخافون أن تسلبهم كلف الأولاد ما بأيديهم من الغنى فوجب تقديم العدة برزق الأولاد .. فيأمنوا ما خافوه من الفقر (٢).

стр. 948

إلى غير ذلك من موجبات التقديم التي يقتضيها السياق. فتبين من هذا أن الواو لمطلق الجمع، وليست للترتيب، غير أنه لا ينبغي أن يفهم من قولنا (أنها لمطلق الجمع) أنه يؤتى بها بين المتعاطفين، أو بين الحكمين بلا مناسبة بينهما ولا رابط، بل لابد من رابط بينهما، لا يصح أن تقول: رأيت محمدا وجبلا، ولا رأيت خالدا ونملة، بل لابد من رابط بين المتعاطفين، ولا سيما في الجمل: " والجامع بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسند إليه في هذه، والمسند إليه في هذه، وباعتبار المسند في هذه، والمسند في هذه جميعا، كقولك يشعر زيد، ويكبت، ويعطي ويمنع، وقولك (زيد شاعر وعمرو كاتب) و (زيد طويل وعمرو قصير) إذا كان بينهما مناسبة كأن يكونا أخوين أو نظيرين بخلاف قولنا (زيد شاعر وعمرو كاتب) إذا لم يكن بينهما مناسبة، وقولنا (زيد شاعر وعمرو طويل) كان بينهما مناسبة أو لا (١). فلا يصح أن تربط بين مسند إليهما، ليس بينهما علاقة، ولا رابط فلا تقول (محمد شاعر وخالد كاتب) وليس بين محمد وخالد مناسبة البتة، ولا تقول (محمد شاعر وأخوك أحول) لأنه لا مناسبة بين الحكمين. جاء في (دلائل الإعجاز): " وذلك أن لا تقول (زيد قائم وعمرو قاعد) حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين، والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول، عناه أن يعرف حال الثاني، يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب، ولا هو يذكر بذكره، ويتصل حديثه بحديثه، لم يستقم، قلو قلت: (خرجت اليوم من داري) ثم قلت (وأحسن الذي يقول بيت كذا) قلت ما يضحك منه ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله: لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسن ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر، وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك. واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدي الجملتين بسبب من المحدث

стр. 949

عنه في الأخرى كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يرجي مجرى الشبيه، والنظير أو النقيض للخبر عن الأول، فلو قلت (زيد طويل القامة، وعمرو شاعر) كان خلفا لأنه مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما الواجب أن يقال: (زيد كاتب وعمرو شاعر) و (زيد طويل وعمرو قصير). وجملة الأمر: أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا لمعنى في الأخرى، ومضاما له، مثل أن زيدا وعمرا كانا أخوين، أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة، كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك وكذا السبيل أبدًا. والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلا (العلم حسن والجهل قبيح) لأن كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحًا (١). ثم إنه قد يؤتى بالواو للدلالة على التأكيد والاهتمام بما بعدها، فقد تزاد الواو للتأكيد وجعل منه قولهم (ما من أحد إلا وله طمع وحسد) و (ما من أحد إلا وله نفس أمارة).جاء في الكليات لأبي البقاء: " قد يزاد بعد إلا لتأكيد الحكم المطلوب إثباته، إذا كان في محل الرد والإنكار نحو (ما من أحد إلا وله طمع وحسد (٢).) وجاء في الكليات أيضا: وقالوا إذا دخلت على الشرط بعد تقديم الجزاء، يراد به تأكيد الوقوع بالكلام الأول، وتحقيقه كقولهم (أكرم أخاك وإن عاداك) أي أكره بكل حال (٣). ومر بنا ما ذهب إليه الزمخشري من أنه يؤتى بالواو، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف وذلك في قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤]

стр. 950

وقوله: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢]، فقد ذكر أن فائدة الواو تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر (١). وقد ذكرنا في واو الحال أنها قد تأتي للتأكيد والاهتمام، كما ذكرنا ذلك في باب عطف الأخبار والصفات. جاء في (بدائع الفوائد): " إن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم، وتقريره، يكون في الكلام متضمنا لنوع من التأكيد من مزيد التقرير، وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة إلى ما نحن فيه، إذا كان لرجل مثلا أربع صفات، هو عالم وجواد وشجاع، وغني وكان المخاطب لا يعلم ذلك، أو لا يقر به ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل، فإذا قلت (زيد عالم) وكان ذهنه استبعد ذلك فتقول: (وجواد) أي وهو مع ذلك جواد، فإذا قدرت استبعاده لذلك قلت: (وشجاع) أي وهو مع ذلك شجاع، وغني، فيكون في العطف مزيد تقرير توكيد، لا يحصل بدونه تدرأ توهم الإنكار" (٢). جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمران: ١٧]، " الواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منهما" (٣). وقد يأتي بالواو لقصد الدلالة على المغايرة، وذلك إذا كان طرحها يؤدي إلى أن يكون الثاني مفسرا للأول، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ [البقرة: ٤٩]، فقال (يذبحون) بلا واو. وقال في سورة إبراهيم: ﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ [إبراهيم: ٦]، فإن طرح الواو في الآية الأولى دل على أن التذبيح هو سوء العذاب،
следующие страницы →