وسبب تقديم السجود على القول في البقرة، هو أن السياق اقتضي ذلك، فقد جاءت هذه القصة في عقب الأمر بالصلاة، قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين، أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون، واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٣ - ٤٥]، والسجود من أركان الصلاة، ثم أن المقام في البقرة مقام تعديد النعم، على بني إسرائيل، فقد بدأ هذه القصة بقوله تعالى: ﴿يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين﴾ [البقرة: ٤٧]، والسجود أفضل من قول حطة، فناسب ذلك تقديم السجود وكلا الأمرين مرفوع في الأعراف.
ومنه تقديم السماء على الأرض في قوله تعالى: ﴿لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾ [سبأ: ٣]، وتقديم الأرض على السماء. في قوله: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: ٦١].
وسر ذلك والله أعلم، أن الكلام في آية يونس على أهل الأرض وأحوالهم وسؤونهم وأن الله عالم بهم، قال تعالى: ﴿وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: ٦١]، في حين أن الكلام في سورة سبأ على الساعة والاتيان بها، والساعة إنما تأتي من السماء وتبدأ بأهل السماء، ولذا قدم السماء على الأرض، قال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾ [سبأ: ٣].
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال في الأرض ولا في السماء﴾: " فإن قلت: لم قدمت الأرض على السماء بخلاف قوله في سورة سبأ ﴿عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾؟
قلت: حق السماء أن تقدم على الأرض، ولكنه لما ذكر شهادته، على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم، ووصل بذلك قوله (لا يعزب عنه) لاءم ذلك أن قدم الأرض على السماء" (١).
стр. 947
وجاء في (بدائع الفوائد): " وأما تقديم الأرض عليها، أي السماء في قوله: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ وتأخيرها عنها في (سبأ) في ضمن قول الكفار: ﴿لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾، كيف قدم السماوات هنا لأن الساعة إنما تأتي من قبلها، وهي غيب فيها، ومن جهتها تبتديء وتنشأ، ولهذا قدم صعق أهل السماوات على أهل الأرض عندها، فقال تعالى: ﴿ونفخ في الصورة فصعق من في السماوات ومن في الأرض﴾ [الزمر: ٦٨].
وأما تقديم الأرض على السماء في سورة يونس، فإنه لما كان السياق سياق تحذير وتهديد للبشر، وإعلامهم انه سبحانه عالم بأعمالهم، دقيقها وجليلها، وأنه لا يغيب عنه منها شيء، اقتضي ذلك ذكر محلهم، هو الأرض قبل ذكر السماء (١).
ومنه قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم﴾ [الإسراء: ٣١]، وقوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ [الأنعام: ١٥١]، فقدم رزق الأولاد على الآباء في الآية الأولى ﴿نحن نرزقكم وإياكم﴾، وقدم رزق الآباء على الأولاد في الثانية، نحو ﴿نرزقكم وإياهم﴾ وسبب ذلك والله أعلم، أنه في الآية الأولى أنهم يقتلون اولادهم خشية الفقر، لا أنهم مفتقرون في الحال فقال: لا تقتلوهم فإنا نرزقهم وإياكم، أي أن لله جعل معهم رزقهم، فهم لا يشاركونكم في الرزق، فلا تخشوا الفقر.
وأما في الآية الثانية فهم يقتلون أولادهم من الفقر الواقع بهم، لا أنهم يخشونه فهم في حاجة إلى الرزق الآتي السريع، ليعولوا أولادهم فعجل لهم ذاك فقال: ﴿نحن نرزقكم وإياهم﴾.
جاء في (بديع القرآن): " قوله تعالى في الأولى (من إملاق) ليشير إلى الخطاب للفقراء دون الأغنياء، فأوجبت البلاغة تقديم عدتهم بالرزق، وتكميل العدة برزق الأولاد .. وقال في الآية الثانية (خشية إملاق) ليشير إلى أن الخطاب للأغنياء، دون الفقراء، الذين يخافون أن تسلبهم كلف الأولاد ما بأيديهم من الغنى فوجب تقديم العدة برزق الأولاد .. فيأمنوا ما خافوه من الفقر (٢).
стр. 948
إلى غير ذلك من موجبات التقديم التي يقتضيها السياق.
فتبين من هذا أن الواو لمطلق الجمع، وليست للترتيب، غير أنه لا ينبغي أن يفهم من قولنا (أنها لمطلق الجمع) أنه يؤتى بها بين المتعاطفين، أو بين الحكمين بلا مناسبة بينهما ولا رابط، بل لابد من رابط بينهما، لا يصح أن تقول: رأيت محمدا وجبلا، ولا رأيت خالدا ونملة، بل لابد من رابط بين المتعاطفين، ولا سيما في الجمل: " والجامع بين الجملتين يجب أن يكون باعتبار المسند إليه في هذه، والمسند إليه في هذه، وباعتبار المسند في هذه، والمسند في هذه جميعا، كقولك يشعر زيد، ويكبت، ويعطي ويمنع، وقولك (زيد شاعر وعمرو كاتب) و (زيد طويل وعمرو قصير) إذا كان بينهما مناسبة كأن يكونا أخوين أو نظيرين بخلاف قولنا (زيد شاعر وعمرو كاتب) إذا لم يكن بينهما مناسبة، وقولنا (زيد شاعر وعمرو طويل) كان بينهما مناسبة أو لا (١).
فلا يصح أن تربط بين مسند إليهما، ليس بينهما علاقة، ولا رابط فلا تقول (محمد شاعر وخالد كاتب) وليس بين محمد وخالد مناسبة البتة، ولا تقول (محمد شاعر وأخوك أحول) لأنه لا مناسبة بين الحكمين.
جاء في (دلائل الإعجاز): " وذلك أن لا تقول (زيد قائم وعمرو قاعد) حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين، والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول، عناه أن يعرف حال الثاني، يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئا ليس منه بسبب، ولا هو يذكر بذكره، ويتصل حديثه بحديثه، لم يستقم، قلو قلت: (خرجت اليوم من داري) ثم قلت (وأحسن الذي يقول بيت كذا) قلت ما يضحك منه ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله:
لا والذي هو عالم أن النوى ... صبر وأن أبا الحسين كريم
وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسن ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر، وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك.
واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدي الجملتين بسبب من المحدث
стр. 949
عنه في الأخرى كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يرجي مجرى الشبيه، والنظير أو النقيض للخبر عن الأول، فلو قلت (زيد طويل القامة، وعمرو شاعر) كان خلفا لأنه مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما الواجب أن يقال: (زيد كاتب وعمرو شاعر) و (زيد طويل وعمرو قصير).
وجملة الأمر: أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقا لمعنى في الأخرى، ومضاما له، مثل أن زيدا وعمرا كانا أخوين، أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة، كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك وكذا السبيل أبدًا.
والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلا (العلم حسن والجهل قبيح) لأن كون العلم حسنا مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحًا (١).
ثم إنه قد يؤتى بالواو للدلالة على التأكيد والاهتمام بما بعدها، فقد تزاد الواو للتأكيد وجعل منه قولهم (ما من أحد إلا وله طمع وحسد) و (ما من أحد إلا وله نفس أمارة).جاء في الكليات لأبي البقاء: " قد يزاد بعد إلا لتأكيد الحكم المطلوب إثباته، إذا كان في محل الرد والإنكار نحو (ما من أحد إلا وله طمع وحسد (٢).)
وجاء في الكليات أيضا: وقالوا إذا دخلت على الشرط بعد تقديم الجزاء، يراد به تأكيد الوقوع بالكلام الأول، وتحقيقه كقولهم (أكرم أخاك وإن عاداك) أي أكره بكل حال (٣).
ومر بنا ما ذهب إليه الزمخشري من أنه يؤتى بالواو، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف وذلك في قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية من قرية إلا ولها كتاب معلوم﴾ [الحجر: ٤]
стр. 950
وقوله: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢]، فقد ذكر أن فائدة الواو تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر (١).
وقد ذكرنا في واو الحال أنها قد تأتي للتأكيد والاهتمام، كما ذكرنا ذلك في باب عطف الأخبار والصفات.
جاء في (بدائع الفوائد): " إن الواو تقتضي تحقيق الوصف المتقدم، وتقريره، يكون في الكلام متضمنا لنوع من التأكيد من مزيد التقرير، وبيان ذلك بمثال نذكره مرقاة إلى ما نحن فيه، إذا كان لرجل مثلا أربع صفات، هو عالم وجواد وشجاع، وغني وكان المخاطب لا يعلم ذلك، أو لا يقر به ويعجب من اجتماع هذه الصفات في رجل، فإذا قلت (زيد عالم) وكان ذهنه استبعد ذلك فتقول: (وجواد) أي وهو مع ذلك جواد، فإذا قدرت استبعاده لذلك قلت: (وشجاع) أي وهو مع ذلك شجاع، وغني، فيكون في العطف مزيد تقرير توكيد، لا يحصل بدونه تدرأ توهم الإنكار" (٢).
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار﴾ [آل عمران: ١٧]، " الواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منهما" (٣).
وقد يأتي بالواو لقصد الدلالة على المغايرة، وذلك إذا كان طرحها يؤدي إلى أن يكون الثاني مفسرا للأول، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ [البقرة: ٤٩]، فقال (يذبحون) بلا واو.
وقال في سورة إبراهيم: ﴿وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ [إبراهيم: ٦]، فإن طرح الواو في الآية الأولى دل على أن التذبيح هو سوء العذاب،
стр. 951
والواو في الثانية أفادت المغايرة، فجعلت التذبيح غير سوء العذاب، وسر هذه المغايرة هو أن قوله تعالى: ﴿يذبحون أبناءكم﴾ بلا واو، وفي (إبراهيم) بالواو" لأن الأولى من كلامه تعالى لهم، فلم يعدد عليهم المحن تكريما في الخطاب، والثانية من كلام موسى فعددها عليهم" (١).
جاء في (معاني القرآن): " فمعنى الواو أنهم يمسهم العذاب غير التذبيح، كأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح والذبح.
ومعنى طرح الواو كأنه تفسير لصفات العذاب، وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملا في كلمة، ثم فسرته فاجعله بغير الواو، وإذا كان أوله غيره فبالواو، فمن المجمل قول الله : ﴿ومن يفعل ذلك يلق أثاما﴾ [الفرقان: ٦٨]، فالأثام فيه نية العذاب قليلة وكثيره، ثم فسره بغير الواو، فقال: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة﴾ [الفرقان: ٦٩] ولو كان غير مجمل لم يكن ما ليس به تفسيرا له، ألا ترى أنك تقول: عندي دابتان بقل وبردون، ولا يجوز عندي دابتان وبغل وبرذون، وأنت تريد تفسير الدابتين بالبغل والبرذون (٢).
وقد يؤتي بها للتنصيص على جمع حكمين، وذلك إذا كان طرحها يحتمل الاضراب عن الحكم الأول، كما تقول (ضربت محمدا وخالدا) فإنك دللت بالواو أنك ضربتهما جميعا، فإن طرحت الواو دل على أنك ضربت خالدا، وأضربت عن الحكم السابق.
جاء في دلائل الإعجاز: " واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين، واحدا كقولنا: هو يقول ويفعل ويضر وينفع، ويسيء، ويحسن، ويأمر وينهى، ويحل ويعقد، ويأخذ، ويعطي ويبيع ويشتري ويأكل ويشرب وأشباه ذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوة وظهورا، وكان الأمر حينئذ صريحا، وذلك أنك إذا قلت: هو يضر وينفع كنت قد أفدت بالواو، أنك أوجبت له الفعلين جميعا، وجعلته يفعلهما معا، ولو قلت (يضر ينفع) من غير واو لم يجب ذلك، بل قد يجوز أن يكون قولك (ينفع) رجوعا عن قولك (يضر) وإبطالا له" (٣).
стр. 952
وقد يؤتى بالواو للدلالة على الاستمرار والتكثير، وذلك في الأفعال خاصة وذلك نحو: هو يركض ويركض، أي مستمر على ذلك، وأخذ يدور ويدور، أي يكثر من ذلك، وهو مستمر عليه.
أحكام الواو:
ذكر النحاة أن الواو تنفرد بأحكام أشهرها:
١ - إقترانها بإما نحو (خذ إما درهما، وإما دينارا)
٢ - إقترانها بـ (لكن)، نحو (ما جاء محمد ولكن خالد).
٣ - اقترانها بـ (لا) إن سبقت بنفي، نحو (ما جاءني محمد ولا سعيد) " ليفيد أن الفعل منفي عنهما في حالة الإجتماع والافتراق .. إذ لو لم تدخل (لا) لاحتمل أن المراد نفي المجيء عند الاجتماع، دون الافتراق" (١).
فأنت إذا قلت (ما جاءني محمد وسعيد) احتمل أن المراد لم يحضرا معا، وقد يكون كل منهما حضر على حدة، فجئت بـ (لا) لنفي مجيئتهما على كل حال.
٤ - عطف العقد على النيف، إذا وقعا دفعة واحد كأحد وعشرين (٢). فإن تأخر وقوع العقد، جاز أن تقول (قبضت ثلاثة فعشرين، أو ثم عشرين) (٣).
٥ - عطف ما لا يستغني عنه، قال ابن عقيل: " اختصت الواو من بين حروف العطف بأنها يعطف بها حيث لا يكفي بالمعطوف عليه، نحو (اختصم زيد وعمرو) ولو قلت (اختصم زيد) لم يجز، ومثله (اصطفى هذا وابني) و (تشارك زيد وعمرو)، ولا يجوز أن يعطف في هذه المواضع بالفاء، ولا بغيرها من حروف العطف (٤).
стр. 953
وأما قولك (اختصم الزيدون فالخالدون، أو ثم الخالدون) فيدل على الزيدين اختصموا أولا، فيما بينهم، ثم تبعهم الخالدون فاختصموا بينهم أيضا (١).
فإن أردت اختصام الزيدين والخالدين معا، لم يجز إلا أن تقول: اختصم الزيدون، والخالدون.
ومن هذا قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمي والبصير﴾ [غافر: ٥٨]، لأن الفعل (استوي) يقضي أمرين، وأما قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة﴾ [فصلت: ٣٤]، فقالوا فيه: إن (لا) الثانية زائدة لأمن اللبس، وكذا قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور﴾ [فاطر: ١٩، ٢٠] (٢). وذهب آخرون إلى أن المعنى، أن الحسنات لا تستوي فيما بينها، وكذلك السيئات فحسنة أعظم من حسنة، وسيئة أكبر من سيئة، فجيء بـ (لا) لهذا المعنى.
جاء في (البرهان): " وأما قوله: ﴿ولا تستوى الحسنة ولا السيئة﴾ فمن قال: المراد أن الحسن لا تساوي السيئة، فـ (لا) عنده زائده، ومن قال أن جنس الحسنة لايستوي أفراده وجنس السيئة لا يستوي افراده - وهو الظاهر من سياق الآية - فليست زائدة الواو عاطفة جملة على جملة (٣).
وقد ورد هذا الفعل في نحو هذا التعبير في خمسة مواطن من القرآن الكريم، هي قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ [فاطر: ١٨ - ٢٢].
وقوله: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير والذين أمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء﴾ [غافر: ٥٨].
وقوله: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن﴾ [فصلت: ٣٤].
стр. 954
وكل هذه المواطن تحتمل أن يكون قصد الاستواء في الجنس نفسه، فيمكن أن يقال أن الظلمات لا تستوي فيما بينها، والنور لا يستوي فقد تكون الظلمات بعضها أشد من بعض وكذلك النور، وكذلك قوله: (ولا الظل ولا الحرور) فإن الظل لا يستوي في جنسه والحرور أيضا، ونحو قوله: ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾ فإن الأموات لا يستوون وكذلك الأحياء، وكذلك ما بعده، فالمؤمنون لا يستوون والمسيئون لا يستوون، والحسنة لا تستوي والسيئة لا تستوي، كل هذا ممكن لغة.
ويحتمل أيضا زيادة (لا) والمقصود نفي الاستواء بين المتعاطفين.
وعلى هذا فإنه يمكن أن يقال: إذا ورد بـ (لا) احتمل أن يكون معناه نفي استواء الجنس فيما بينه، كما يحتمل نفي الاستواء بين المتعاطفين، اللهم إلا فيما لا يمكن أن يكون جنسا، كما إذا ورد نحو قولنا (ما يستوي محمد ولا خالد) فإنه في نحو هذا تتعين زيادة (لا) لأمن اللبس، و (لا) تزاد كثيرا للتوكيد عند أمن اللبس، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قال ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: ١٢]، أي ما منعك أن تسجد؟
فإن لم يرد التعبير بـ (لا) تعين أن المقصود نفي الاستواء بين المتعاطفين.
٦ - عطف الشيء على نفسه، أو على مرادفه بشرط زيادة فائدة في المعطوف ليست في المعطوف عليه، فإن لم تكن فائدة لم يصح العطف، وذلك نحو قوله تعالى، ﴿قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل واسحاق إلها واحدا﴾ [البقرة: ١٣٣]، فإله آبائه هو الهه ولذا قال (الها واحدا) وصح العطف، لأن في الثاني زيادة فائدة ليست في الأول.
ومنه: ﴿فلله الحمد رب العالمين ورب الأرض رب العالمين﴾ [الجاثية: ٣٦]، وقوله: ﴿تلك آيات الكتاب وقرءان مبين﴾ [الحجر: ١]، ونحوه أن تقول (هذا صديقك وصديق خالد).
جاء في الأصول: " تقول مررت بزيد أنيسك وصاحبك، فإن قلت: مررت بزيد أخيك فصاحبك والصاحب زيد لم يجز" (١).
стр. 955
فهذا كله من باب عطف الشيء على نفسه لزيادة فائدة.
ومن عطف الشيء على مرادفه قولك: (هذا كذب وافتراء) والافتراء كذب، ومنه قول الشاعر:
والفى قولها كذبا ومينا.
والمين كذب، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله﴾ [يوسف: ٨٦]، وقوله: ﴿فلا يخاف ظلما ولا هضما﴾ [طه: ١١٢]، وقوله: ﴿لا تخف دركا ولا تخشى﴾ [طه: ٧٧]، وقوله: ﴿لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ [طه: ١٠٧]، وقوله: ﴿لا تبقى ولا تذر﴾ [المدثر: ٢٨] (١).
وكل ذلك لزيادة فائدة في الثاني ليست في الأولى، فإن لم تكن فائدة في المعطوف فلا يصح العطف، فلا تقول (هذا بر وحنطة) و (هذه مدية وسكين).
جاء في (بدائع الفوائد): " القاعدة أن الشيء لا يعطف على نفسه .. فإذا وجدت مثل قولهم (كذبا ومينا) فهو لمعنى زائد في اللفظ الثاني وإن خفي عنك، ولهذا يبعد جدا أن يجيء في كلامهم (جاء عمر وأبو حفص) .. فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين لا بين الشيء الواحد، فإذا كان في الاسم الثاني فائدة زائدة على معنى الاسم كنت مخيرا في العطف وتركه (٢).
وقيل: إن عطف أحد المترادفين على الآخر يقصد منه التأكيد (٣).، والتأكيد غير عزيز في كلامهم.
٧ - عطف العام على الخاص، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرءان العظيم﴾ [الحجر: ٨٧]، وقوله: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى
стр. 956
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم [البقرة: ١٣٦]، وقوله: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات﴾ [نوح: ٢٨].
وأما عطف الخاص على العام، نحو قوله تعالى: ﴿من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلا تختص الواو بها، بل قد يشاركها فيه غيرها، وذلك نحو مات الناس حتى الأنبياء (١).
الفاء
وتفيد الترتيب والتعقيب
ومعنى الترتيب أن المعطوف بها يكون لاحقا لما قبلها، فإذا قلت: (جاء محمد فخالد) كان المعنى أن مجيء محمد كان قبل مجيء خالد.
جاء في (الكتاب): " ومن ذلك قولك (مررت بزيد فعمرو) و (مررت برجل فامرأة) فالفاء اشركت بينهما في المرور وجعلت الأول مبدوءا به (٢).
وربما لا تفيد ترتيبا، بل قد تكون لعطف مفصل على مجمل وهو ما يسميه النحاة الترتيب الذكري، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾ [النساء: ١٥٣]، فقوله: (أرنا الله جهرة) تفصيل لقوله (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) فالسؤال مجمل بينه بقوله (أرنا الله جهرة).
ومنه قوله تعالى: ﴿ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي﴾ [هود: ٤٥]، فقوله: ﴿فقال رب إني ابني من أهلي﴾ تفصيل للنداء، ومنه قوله: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين﴾ [الزخرف: ٥٥]، فالإغراق تفصيل للانتقام، ومنه قوله: ﴿وكم من
стр. 957
قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون﴾ [الأعراف: ٤]، ونحوه قولهم: (توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ورجليه) فقوله (غسل وجه .. إلخ) تفصيل للوضوء ونحوه " أجبته فقلت لبيك" (١).
وأما التعقيب فمعناه أن وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه بغير مهلة أو بمدة قريبة.
جاء في (كتاب سيبويه): " والفاء تضم الشيء إلى الشيء كما فعلت الواو، غير أنها تجعل ذلك متاسقا بعضه في أثر بعض وذلك قولك: مررت بعمرو فزيد فخالد، وسقط المطر بمكان كذا وكذا فمكان كذا وكذا" (٢).
وجاء في (المقتضب): " وهي توجب أن الثاني بعد الأول وإن الأمر بينهما قريب (٣).
جاء في (الكشاف) في قوله تعالى: ﴿فانطلقا حتى إذا لقيا غلما فقتله قال أقتلت نفسا﴾ [الكهف: ٧٤]: " فإن قلت: لم قيل ﴿حتى إذا ركبا في السفينة خرقها﴾ بغير فاء، و ﴿حتى إذا لقينا غلاما فقتله﴾ بالفاء؟
قلت: جعل (خرقها) جزاء للشرط وجعل (قتله) من جملة الشرط، معطوفا عليه، والجزء (قال اقتلت).
فإن قلت: فلم خولف بينهما؟
قلت: لأن خرق السفينة لم يتعقب القتل لقاء الغلام (٤).
ثم أن تعقيب كل شيء بحسبه " ألا ترى أنه يقال تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن كانت متطاولة، و (دخلت البصرة فبغداد) إذا لم تقم في البصرة ولا بين البلدين (٥).
стр. 958
جاء في (شرح قطر الندى): " وتعقيب كل شيء بحسبه، فإذا قلت (دخلت البصرة فبغداد)، وكان بينهما ثلاثة أيام، ودخلت بعد الثالث، فذلك تعقيب في مثل هذا عادة فإذا دخلت بعد الرابع أو الخامس، فليس بتعقيب ولم يجز الكلام" (١).
وفي شرح ابن يعيش: أن معنى قولك (دخلت الكوفة فالبصرة).
" إن البصرة داخلة في الدخول، كالكوفة على سبيل الاتصال، ومعنى ذلك أنه لم يقطع سيره الذي دخل به الكوفة حتى اتصل بالسير الذي دخل به البصرة من غير فتور ولا مهلة (٢).
غير أن في لزوم إفادة الفاء التعقيب بحثا فقد ورد في القرآن الكريم التعبير بالفاء في غير ما يفيد التعقيب، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿والذي أخرج المرعي فجعله غثاء أحوى﴾ [الأعلى: ٤ - ٥]، فجعله غثاء أسود لا يعقب خروج المرعي، بل يكون بعده بمدة بدليل قوله تعالى في آية أخرى ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما﴾ [الزمر: ٢١]، فعبر عن جعله حطاما بـ (ثم)، ونحوه ما جاء في سورة الحديد: ﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما﴾ [الحديد: ٢٠].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾ [البقرة: ٢٢]، فاخراج الثمرات لا يعقب نزول الماء بل بينهما مهلة ومدة، ونحوه قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾ [النحل: ٤]، وخصومة الإنسان لا تعقب كونه نطفة، بل إن الإنسان ينتقل في أطوار حتى يبلغ الرشد، قال تعالى: ﴿يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم﴾ [الحج: ٥]، فعبر عما دون ذلك وأقرب منه بـ (ثم).
стр. 959
وللنحاة في ذلك تخريجات منها أن الفاء نابت عن (ثم)، ومنها أن في الكلام حذفًا يقتضيه المعنى إذ التقدير في آية الأعلى " والذي أخرج المرعى فمضت مدة فجعله غثاء (١).
ومثل هذا الحذف كثير في القرآن الكريم فإنه - أي القرآن - يذكر ما يريد ذكره وما هو محط العناية والاهتمام ويطوي ما عدا ذلك، فلا يذكره وذلك نحو قوله تعالى: ﴿فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ [البقرة: ٦٠]، أي فضربه فانفجرت فحذف الفعل، (فضربه) لأنه مفهوم من السياق، ولأنه لا يتعلق غرض بذكره، فقوله ﴿فانفجرت﴾ في عقب الفعل المحذوف لا في عقب (فقلنا اضرب).
ونحوه قوله تعالى: ﴿فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا﴾ [الفرقان: ٣٦]، فإن التقدير: فذهبا إلى أولئك القوم فدعوا هم إلى عبادة الله وأرياهم آياته فكذبوهما فدمرناهم تدميرا، فقوله: ﴿فدمرناهم تدميرا﴾ ليس في عقب (فقلنا اذهبا) وإنما في عقب المحذوف وهو التكذيب بالآيات الذي هو مفهوم من السياق.
وهناك توجيه آخر، وهو أن الأصل في الفاء أن تكون للتعقيب، وهذا التعقيب قد يكون حقيقا، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿ثم أماته فأقبره﴾ [عبس: ٢١]، وقوله: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس﴾ [البقرة: ٣٤].
وقد يكون التعقيب مجازيا كما في قوله تعالى: ﴿والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوي﴾ ومعنى التعقيب المجازي أن المقام يقتضي المتكلم تقصير المدة الطويلة فيأتي بالفاء وقد يقتضيه العكس فيأتي بـ (ثم)، فيقال مثلا في مقام: (الدنيا طويلة)، وفي مقام يقال: (الدنيا قصيرة)، ألا ترى إنك تقد تقول مهددا خصمك: (الأيام طويلة وأنا لك بالمرصاد) وفي مقام تقول: (الدنيا قصيرة وسنلتقي عند أحكم الحاكمين).
стр. 960
ثم ألا ترى أنك قد تكون في مقام تريد فيه أن تبين طول الدنيا وتقلبها، فتقول: (إن هذه الدنيا طويلة تغر الحليم وتغير النفوس، وكثيرا ما تتغير الطباع بتبدل الدهر وطول الزمان وتغير الحدثان) وتقول: (إن الصبر قد ينفد في هذا العمر الطويل، والنفس لا تحتمل مثل هذه المشقة، والمرارة طوال أيام العمر).
وقد تكون في مقام تريد فيه النهي عن الانصراف إلى الدنيا، فتقصرها في عين الرائي فتقول: (إنها سريعة الفناء والزوال، وكثيرا ما شاهدنا أناسا ذوي سطوة وجاه، زالوا في أسرع من لحظة العين، فاللبيب اللبيب من شمر للآخرة، وسعى لها سعيها ولا يغتر بهذه الدنيا الخداعة).
فإذا كان المقام مقام تطويل، جئت بـ (ثم)، وإذا كان المقام مقام تقصير، جئت بالفاء فتقول مثلا: (ألا ترى إلى فلان كيف نشأ من أبوين فقيرين، ثم كبر ثم ساد، ثم انتزع الملك من بني فلان، وحكم ما شاء الله له ان يحكم، وبقي أولئك يتربصون به ويستعدون ويجمعون عليه الأنصار، ثم انقضوا عليه فأهلكوه).
فإذا أردت أن تقصر ذلك، قلت: (ألا ترى إلى فلان كيف ساد وملك، فإذا هو بعد مرة كأن لم يكن فأصبح أثرا بعد عين وغيبا بعد شهود).
ولكل مقام مقال.
وقد تفيد الفاء الدلالة على السبب، وذلك كقوله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ [القصص: ١٥]، ونحو قولك (أغضب خالد أباه فأهانه) و (أكل فشبع)، و (تعب فنام) فيؤتي بالفاء لإرادة السببية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾ [البقرة: ٢٢]، فالفاء أفادت السبب، فإذا أردنا السبب لم يصح الإتيان بـ (ثم)، لأنها لا تفيده، بل تأتي بالفاء وإن كان ثمة تراخ، فإن فاء السبب لا تفيد التعقيب دوما، بل هي قد تفيده، كما في قوله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾ وربما لا تفيده نحو: ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾.
стр. 961
جاء في (الأمالي النحوية) لابن الحاجب في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة﴾ [الحج: ٦٣]، " الفاء للتعقيب من غير مهلة، وإصباح الأرض مخضرة بعد الإنزال إنما يكون بمهلة، أن هذه الفاء فاء السببية، وفاء السببية لا يشترط فيها ذلك وإنما شرطها أن يكون ما بعدها مسببا عن الأول كما لو صرح بالشرط، ألا ترى إلى صحة قولك: (أن يسلم زيد فهو يدخل الجنة) مع العلم بالمهملة العظيمة بينهما" (١).
ويمكن أن يكون من ذلك قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾ [النحل: ٤]، فإنه يمكن أن يخرج على أن القصد إسراع الإنسان في الخصومة فليس بين كونه نطفة، وكونه خصيما إلا فترة النمو، فهو من قبيل (تزوج فلان فولد له)، ويمكن حمل ذلك على السببية أي كان عاقبة خلقه من نطفة، والإحسان إليه خصومته لربه فكأنما خلقه كان سببا للخصومة.
وذلك أنك تقول: (مدحني فكافأته، وأسديت له معروفا فشكرني) فالمدح سبب المكافأة، وإسداء المعروف سبب الشكر، وقد يكون الجزء على عكس المؤمل والمرجو كما تقول (أحسنت إليه فأساء إلي، ودفعت عنه فشتمني) أي كان إحساني إليه سببا للإساءة إلي ودفعني عنه كان سببا لشتمي، وعلى هذا يمكن حمل قوله تعالى ﴿خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين﴾ أي هو بدل أن يكون شاكرا لربه عارفا له حقه كان خصما له، جاحدًا لنعمه، كما تقول: (غذوته وربيته فإذا هو عدو لي أي أن غذائي وتربيتي إياه كان سببا لعداوتي.
ولا تؤدي (ثم) هذا المعنى.
والفاء العاطفة لا تفيد السبب دومًا، بل هي قد تفيد، كما في قوله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه﴾، وربما لم تفده كما في قوله تعالى: ﴿فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم﴾ [الذاريات: ٢٦، ٢٧] (٢).
стр. 962
الفاء مع الصفات:
ذكر الزمخشري أن للفاء مع الصفات ثلاثة أحوال.
"أحدها أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود كقوله:
يالهف زيابة للحارث الصـ ... ـابح فالغانم فالآيب
أي: الذي صبح فغنم فآب.
ونحوه أن تقول: (مررت برجل خادع صاحبه فقاتله) أي خدعه فقتله، فالخداع قبل القتل.
والثاني أن تدل على ترتيبها من بعض الوجوه، نحو قولك: خذ الأكمل فالأفضل واعل الأحسن فالأجمل".
ونحو ذلك أن تقول: إبدأ بالأسهل فالأصعب، واحفظ السور القصار فالطوال.
" والثالث أن تدل على ترتيب موصوفاتها في ذلك، نحو (رحم الله المحلقين فالمقصرين (١). فالمحلقون أفضل من المقصرين فبدأ بهم بحسب ترتيبهم في الفضل، ونحو ذلك، أن يقال: (يتقدم الأقرأ فالأسن) فالأقرأ أفضل من الأسن.
وهي في كل ذلك تفيد الترتيب، سواء كان الترتيب في الحدوث أم غيره.
ثم:
حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي، ومعنى التراخي المهلة، فإذا قلت (أقبل محمد ثم خالد) كان المعنى أنه أقبل محمد أولا وبعده بمهلة أقبل خالد.
جاء في (كتاب سيبويه): " ومن ذلك: مررت برجل ثم امرأة، فالمرور ههنا مروران وجعلت (ثم) الأول مبدوءا به، وأشركت بينهما في الجر (٢).
стр. 963
وجاء في (المقتضب): " وثم مثل الفاء إلا أنها أشد تراخيا (١).
وجاء في (جواهر الأدب) أن (ثم) حرف " يفيد الترتيب كالفاء مع المهلة والتراخي لأنها أكثر حروفاً منها" (٢). قال تعالى: ﴿أماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره﴾ [عبس: ٢١ - ٢٢]، فعقب بالفاء بعد (أماته) لأن الإقبار في عقب الموت، وراخي بعد ذلك لأن النشور يتأخر (٣).
وقال تعالى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون﴾ [يس: ٣٧]، فجاء بالفاء لأن الليل يعقب النهار (٤). وقال: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ [الروم: ٢٠]، فجاء بـ (ثم) لأن البشر المنتشر متراخ عن كونه ترابا، وبينهما مهلة.
جاء في (تفسير الرازي) في قوله: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون﴾ وقوله: ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾ [الروم: ٢٥]، " قال ههنا (إذا أنتم تخرجون) وقال في خلق الإنسان أولا (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) فنقول هناك يكون خلق وتقدير وتدريج وتراخ، حتى يصير التراب قابلا للحياة فينفخ فيه روحه فإذا هو بشر، وأما في الإعادة لا يكون تدرج وتراخ بل يكون نداء وخروج، فلم يقل ههنا (ثم) (٥).
وخالف قوم في اقتضائها الترتيب والتراخي، واستدلوا على عدم الترتيب بقوله تعالى ﴿خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها﴾ [الزمر: ٦]، فإن خلق الزوج ليس بعد خلقهم من نفس واحدة، وبقول الشاعر:
стр. 964
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
فسيادة الأب ليست بعد سيادة الابن.
واستدلوا على عدم التراخي بقولهم (أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب " لأن (ثم) في ذلك لترتيب الإخبار، ولا تراخي بين الإخبارين (١).
وبقوله:
كهز الرديني تحت العجاج ... جرى في الأنابيب ثم اضطرب
" إذا الهز متى جرى في أنابيب الرمح، يعقبه الإضطراب ولم يتراخ عنه (٢).
وأجيب عن ذلك بإجابات:
منها: أنه في الآية الكريمة أراد أن يذكر بدء خلق الإنسانن فذكر أنه خلقهم من نفس واحدة، خلق منها زوجها، وليس القصد أنه جعل زوجها بعد خلقهم من النفس الواحدة.
ومنها أن الترتيب مخصوص بالمفردات، " مستدلين بعدم الترتيب في قوله تعالى: ﴿فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على مايفعلون﴾ [يونس: ٤٦]، وقوله تعالى: ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ [هود: ٥٢]، .. ورد بأن الترتيب للأخبار لا للمخبر عنه، كقولهم: زيد عالم كريم ثم هو شجاع (٣).
ومنها أنها لمجرد الترتيب في الذكر
جاء في (شرخ الرضي على الكافية): " وقد تجيء (ثم) لمجرد الترتيب في الذكر والتدرج في درج الإرتقاء وذكر ما هو الأولى، ثم الأولى من دون اعتبار التراخي والبعد
стр. 965
بين تلك الدرج، ولا أن الثاني بعد الأول في الزمان، بل ربما يكون قبله كما في قوله:
إن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده
فالمقصود ترتيب درجات معالي الممدوح فابتدأ بسيادته، ثم بسيادة أبيه، ثم بسيادة جده، وإن كان سيادة الأب مقدمة في الزمان على سيادة نفسه .. وقد تكون (ثم) والفاء أيضا لمجرد التدرج في الارتقاء، وإن لم يكن الثاني مرتبا في الذكر على الأول، وذلك إذا تكرر الأول بلفظه، نحو بالله، ووالله، ثم والله، وقوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الإنفطار: ١٧ - ١٨]، وقوله تعالى: ﴿كلا سيوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون﴾ [التكاثر: ٣ - ٤]، وقوله ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى﴾ [طه: ٨٢]، أي ثم بقي على ذلك الهدى من التوبة والإيمان والعمل الصالح، كما قيل في ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ [الفاتحة: ٦]، أي أبقنا عليه، فاستعمل (ثم) أما نظرا إلى تمام البقاء أو استبعادا لمرتبة البقاء عليها من مرتبة ابتدائها، لأن البقاء عليها أفضل" (١).
وأما التراخي فقد أجيب عنه، أن (ثم) واقعة موقع الفاء في قوله: ﴿جرى في الأنابيب ثم أضطرب﴾. (٢).
والحق أنه ليس المقصود بالتراخي المهلة الزمانية فقط، بل عموم البعد والتباين سواء كان ذلك في الزمان أم في الصفات أم في غيرهما، وذلك أن هذه اللفظة تفيد البعد عمومًا، فهي بفتح الثاء (ثم) إشارة إلى المكان البعيد، ويضم الثاء للتراخي في الزمان والبعد في الصفات والأحوال، يدل على ذلك استعمالها الكثير في فصيح الكلام.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وقد تجيء في الجمل خاصة لاستبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها، وعدم مناسبته له، كما ذكرنا في قوله تعالى:
стр. 966
﴿ثم أنشأناه خلقا آخر﴾ [المؤمنون: ١٤]، وكقوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام: ١]، فالإشراك بخالق السماوات والأرض مستبعد غير مناسب، وهذا المعنى فرع التراخي ومجازه" (١).
وجاء في (البرهان): " قال ابن بري: قد تجي (ثم) كثيرا لتفاوت ما بين رتبتين في قصد المتكلم فيه تفاوت ما بين مرتبتي الفعل مع السكوت عن تفاوت رتبتي الفاعل كقوله تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ فـ (ثم) هنا لتفاوت رتبة الخلق والجعل، من رتبة العدل مع السكوت عن وصف العادلين.
ومثله قوله تعالى: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾ [البلد: ١١]، إلى قوله: ﴿ثم كان من الذين امنوا﴾ [البلد: ١٧] (٢). دخلت لبيان تفاوت رتبة الفك والإطعام من رتبة الإيمان ..
وذكر غيره في قوله: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ أن ثم دخلت لبعد ما بين الكفر وبين خلق السماوات والأرض.
وعلى ذلك جرى الزمخشري في مواضع كثيرة من الكشاف .. قوله: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا﴾ [فصلت: ٣٠]، قال: كلمة التراخي دلت على تباين المنزلتين دلالتها على تباين الوقتين في جاء زيد ثم عمرو، أعني أن منزلة الاستقامة على الخير مباينة لمنزلة الخير نفسه لأنها أعلى منها وأفضل ..
والحاصل أنها:
للتراخي في زمان وهو المعبر عنه بالمهلة.
стр. 967
وتكون للتباين في الصفات وغيرها من غير قصد مهلة زمانية، بل ليعلم موقع ما يعطف بها وحاله، وأنه لو انفرد لكان كافيا فيما قصد فيه، ولم يقصد في هذا ترتيب زماني، بل تعظيم الحال فيما عطف عليه وتوقعه وتحريك النفوس لاعتباره (١).
وجاء في (الكشاف) في قوله: ﴿كتاب أحكمت أياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ [هود: ١٢]، فإن قلت: ما معنى ثم؟
قلت: ليس معناها التراخي في الوقت، ولكن في الحال، كما تقول هي محكمة أحسن الأحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل، وفلان كريم الأصل ثم كريم الفصل (٢).
وجاء فيه في قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها﴾ [السجدة: ٢٢]، " ثم في قوله (ثم أعرض عنها) للإستبعاد والمعنى لأن الأعراض عن مثل آيات الله في وضوحها وأنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل والفوز بالسعادة العظمي بعد التذكير بها مستبعد في العقل والعدل، كما تقول لصاحبك: (وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها) استبعادا لتركه الانتهاز ومنه (ثم) في بيت الحماسة:
لا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
أستبعد أن يزور غمرات الموت بعد ان رآها واستيقنها وأطلع على شدتها (٣). قال تعالى: ﴿إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب﴾ [النساء: ١٧]، فلو كان المقصود بـ (ثم) التراخي في الزمان لتناقض ذلك مع قوله تعالى: ﴿ثم يتوبون من قريب﴾ ولكنها دخلت لبعد ما بين الحالين: عمل السوء والتوبة من قريب.
وقال ﷺ : " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل"
стр. 968
فليس ههنا تراخ في الزمان بين الابتلاء، وإنما التراخي في الوصف فجاء بعد الانبياء بـ (ثم) وذلك لأن التفاوت كبير بين الأنبياء وغيرهم، وجاء فيمن بعدهم بالفاء لأنهم قد يتقاربون في الأمثلية.
وأما قوله تعالى: ﴿كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون﴾ [التكاثر: ٣ - ٤]، فقالوا فيه إنها داخلة للتوكيد، وقيل بل أن العلم الأول في القبر، والعلم الثاني في الآخرة، وكذلك قالوا في قوله: ﴿لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين﴾ [التكاثر: ٦ - ٧].
وهي للتوكيد في نحو قولنا: (والله إنه لكاذب، ثم كاذب، ثم كاذب) ولعل القصد إيغاله بعيدا في هذه الصفة الذميمة، وهي كذلك في قوله تعالى: ﴿وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين﴾ [الإنفطار: ١٧ - ١٨]، ولعلها لتبعيد المعرفة، أو استبعادها.
ويبدو لي أنها تدخل على التوكيد اللفظي للايغال في التوكيد.
حتى:
حتى عطف يفيد الغاية نحو (يمرض الناس جميعا حتى الأطباء) وشرط معطوفها أن يكون بعضا من المعطوف أو كبعضه، ففي المثال السابق الأطباء جزء من الناس ونحوه (نجح الطلاب حتى الكسالى) فالكسالى جزء من الطلاب، ونحو (أكلت السمكة حتى رأسها) و (حطمت التمثال حتى قدمه) فالرأس جزء من السمكة، وكذلك القدم جزء من التمثال، ولا تقول: (حضر الرجال حتى النساء) ولا (أكلت الفاكهة حتى السمك) لأن النساء لسن جزءا من الرجال والسمك ليس جزءا من الفاكهة.
ومثال ما هو كالحزء قولك: (أعجبني خالد حتى حلمه) فالحلم كالجزء من خالد، و (راعتني حديقتك حتى تنظيمها) و (أعجبتني الجارية حتى حديثها) (١).
كما يشترط في المعطوف بها أن يكون غاية لما قبلها في زيادة أو نقص، ومعنى الغاية في الزيادة والنقص، أن المعطوف بها يكون آخر الأجزاء " إذا رتبت الأجزاء الأقوى
стр. 969
فالأقوى فإذا ابتدأت بقصدك من الجانب الأضعف مصعدا كان آخر الأجزاء أقواها نحو (مات الناس حتى محمد ﵊ بالعطف وليس هو ﷺ آخرها حسبا، ولا دخولا بل هو آخرهم قوة وشرفا، وإذا ابتدأت بعنايتك من الجانب الأقوى منحدرا كان آخر الأجزاء أضعفها نحو (قدم الحاج حتى المشاة) عطفا، ويجوز أن يكونوا قادمين قبل الركبان أو معهم" (١).
وجاء في (الأصول): " وإنما يذكر - أي الاسم بعد (حتى) - لتحقير أو تعظيم أو قوة أو ضعف وذلك قولك (ضربت القوم حتى زيد) فـ (زيد) من القوم وانتهى الضرب به فهو مضروب مفعول، ولا يخلو أن يكون أحقر من ضربت أو أعظمهم شأنا وإلا فلا معنى لذكره، وكذلك المعنى إذا كانت عاطفة كما تعطف الواو، تقول (ضربت القوم حتى عمرا) فـ (عمرو) من القوم، به انتهى الضرب (وقدم الحاج حتى المشاة والنساء) فهذا في التحقير والضعف. وتقول: (مات الناس حتى الأنبياء والملوك) فهذا في التعظيم والقوة (٢).
وهذا هو الغالب وليس لازما، فإنه قد يكون العطف بها أو الجر يفيد الغاية، فحسب من دون تعظيم أو تحقير، وذلك نحو قولك (قرأت القرآن حتى سورة الناس) عطفا أو جرا، فهذا للغاية في كون سورة الناس آخر القرآن، وليس لتحقير أو تعظيم، ونحو قولك (قرأت الكتاب حتى الصفحة الأخيرة).
وهي تعطف المفردات ولا تعطف الجمل (٣). فهي في قولك (أكرمت أخاك حتى قمت على رأسه)، وقوله:
فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل
стр. 970
ابتدائية:
وحتى العاطفة لا تفيد ترتيبا، بل هي كالواو، فإذا قلت (حضر رجال الكلية حتى العميد) لم يدل ذلك على أن العميد آخرهم حضورا، بل قد يكون أولهم، وكذا إذا قلت (أكلت السمكة حتى رأسها) (١).
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " واعلم انه لا يلزم أن يكون ما بعد حتى العاطفة آخر أجزاء ما قبلها حسا، ولا آخرها دخولا في العمل، بل قد يكون كذلك وقد لا يكون" (٢).
وجاء في (شرح الخضري): " حتى العاطفة لمطلق الجمع كالواو لا للترتيب، في الحكم فيجوز (مات كل أب لي حتى آدم) بدليل قوله ﵊: (كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس) إذ لا يتأخر تعلق القضاء والقدر بهما عن غيرهما (٣).
والفرق بين العاطفة والجارة.
إن المعطوف بـ (حتى) ينبغي أن يكون جزءا مما قبله، أو كجزئه كما ذكرنا نحو (ضربت القوم حتى خالدا) ولا يشترط ذلك في المجرور، بل قد يكون المجرور بها متصلا بالآخر، وليس بعضا مما قبله، نحو (صمت رمضان حتى يوم الفطر)، ونمت البارحة حتى الصباح (٤).
ثم أن المحور بـ (حتى) يكون حكمه الدخول غالبا في حكم ما قبله، إلا إذا دل على عدم الدخول دليل، وأما العاطفة فالمعطوف بها داخل في حكم ما قبلها ولا بد وذلك أنك إذا قلت (صمت رمضان حتى يوم الفطر) كانت (حتى) جارة وليست عاطفة لأن يوم الفطر غير داخل في الصوم، إذ لو كانت عاطفة لدخل ما بعدها في الصوم.
стр. 971
جاء في (شرح ابن يعيش): " وربما أستعملت غاية ينتهي ال أم ر عندها كما تكون (إلى) كذلك، وذلك نحو قولك (أن فلانا ليصوم الأيام حتى يوم الفطر) والمراد أنه يصوم الأيام إلى يوم الفطر، ولا يجوز فيه على هذا إلا الجر، لأن معنى العطف قد زال لاستعمالها استعمال إلى، فلا يجوز أن ينتصب يوم الفطر لأنه لم يصمه فلا يعمل الفعل فيما لم يفعله، وكذلك إذا خالف الإسم الذي بعدها ما قبلها (١).
أم:
أم على ضربين: متصلة ومنقطعة.
فالمتصلة تنحصر في نوعين:
الأول: أن تتقدم عليها همزة يطلب بها وبـ (أم) التعيين، نحو: (أخاك عندك أم محمد؟ ) أي أيهما عندك؟ والمتكلم يعلم أن واحدا منهما عنده، لا بعينه، ويطلب بسؤاله التعيين وهذا الهمزة بمعنى (أي) ونحو (أضربت أخاك أم زوجته) أي: أي ذلك فعلت؟
فإن كان الأمر على غير دعواه فالجواب في الأولى: ليس عندي واحد منهما، وفي الثانية: لم أفعل واحدا منهما، أو تقول: عندي محمد، أو كلاهما عندي، وفي الثانية: فعلت كليهما.
جاء في (كتاب سيبويه): " وذلك قولك: أزيد عندك أم عمرو؟ و (أزيدا لقيت أم بشرا؟ ) فأنت الآن مدع أن عنده أحدهما .. ألا أن علمك قد استوى فيهما (٢).
الثاني: أن تتقدم عليها همزة التسوية، وهي الواقعة، بعد (سواء)، و (ما أبالي) وما في معناها، نحو ﴿سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ [البقرة: ٦]، ونحو (ما أبالي أأقبلت أم أدبرت) (٣).
стр. 972
وإنما سميت هذه الهمزة متصلة لأن ما قبلها لا يستغني عما بعدها، وذلك أنها وقعت بين شيئين، أو أشياء لا يكفي بأحدها، فإن طلب التعيين لا يتحقق إلا بأكثر من واحد وكذلك التسوية.
وتسمى (معادلة) لمعادلتها الهمزة في التسوية أو الإستفهام (١).
والمنقطعة:
وتقع بين جملتين مستقلتين وتفيد الإضراب عن الكلام الأول، ومعناها في الغالب (بل) والهمزة الاستفهامية نحو (أن هذا القادم محمد أم خالد) أي بل أهو خالد؟ وذلك أنك كنت ترى أن القادم محمد، ثم ظهر لك أنه غير محمد، فظننت أنه خالد فقلت مستفهما (أم هو خالد)؟ أي: بل أهو خالد؟ فصدر الكلام يقين وآخره سؤال.
والاستفهام الذي تفيده (أم) قد يكون حقيقيا كما في المثال السابق، وقد يكون غير حقيقي بل يراد به الإنكار والتوبيخ والتعجب، ونحو ذلك، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون﴾ [الطور: ٣٧]، وقوله: ﴿أم له البنات ولكم البنون﴾ [الطور: ٣٩]، أي بل أله البنات ولكم البنون منكرا عليهم أعتقادهم هذا، ونحو ﴿أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين﴾ [المؤمنون: ٧٢]، والمعنى أنك لا تسألهم مالا على هدايتهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون﴾ [القلم: ٤٦].
جاء في (المقتضب): " والموضع الثاني أن تكون منقطعة مما قبلها خبرا كان أو إستفهاما وذلك قولك فيما كان خبرا: (أن هذا لزيد أم عمرو يا فتى) وذلك أنك نظرت إلى شخص فتوهمه زيدا فقلت على ما سبق إليك، ثم أدركك الظن أنه عمرو فانصرفت عن الأول فقلت (أم عمرو) مستفهما، فإنما هو أضراب عن الأول على معنى (بل) إلا أن ما يقع بعد (بل) يقين وما يقع بعد (ام) مظنون مشكوك فيه وذلك أنك تقول (ضربت زيدا) ناسيا أو غالطا ثم تذكر أو تنبه فتقول (بل عمرا) مستدركا مثبتا للثاني،
стр. 973
تاركا للأول. فـ (بل) تخرج من غلط إلى استثبات ومن نسيان إلى ذكرن و (أم) معها ظن أو استفهام واضراب عما كان قبله ..
فأما قول الله : ﴿ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه﴾ [السجدة: ١ - ٣]، وقوله: ﴿أم تسألهم أجرا﴾ وما كان مثله نحو قوله : ﴿أم اتخذ مما يخلق بنات﴾ [الزخرف: ١٦]، فإن ذلك ليس على جهة الاستفهام، لأن المستخبر غير عالم، إنما يتوقع الجواب فيعلم به، والله منفي عنه ذلك، وإنما تخرج هذه الحروف في القرآن مخرج التوبيخ والتقرير (١).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " فإنما قيل لها منقطعة، لأنها انقطعت مما قبلها خبرا كان او استفهاما إذا كانت مقدرة بـ (بل) والهمزة على معنى (بل كذا) وذلك نحو قولك فيما كان خبرا (إن هذا لزيد أم عمرو) كأنك نظرت إلى شخص فتوهمته زيدًا فأخبرت على ما توهمت. ثم أدركك الظن أنه عمرو فانصرفت عن الأول، وقلت (أم عمرو) مستفهما على جهة الإضراب، ومثل ذلك قول العرب (أنها لإبلٌ أم شاء) أي (بل أهي شاء)، فقوله (انها لإبلٌ) أخبار وهو كلام تام وقوله (أم شاء) استفهام عن ظن وشك عرض له بعد الأخبار. فلابد من إضمار هي لأنه لا يقع بعد (أم) هذه إلا الجملة لأنه كلام مستأنف إذ كانت (أم) في هذا الوجه تعطف جملة على جملة إلا أن فيها إبطالا للأول، وتراجعا عنه من حيث كانت مقدرة بـ (بل) والهمزة على ما تقدم، فـ (بل) للإضراب عن الأول والهمزة للاستفهام عن الثاني وليس المراد أنها مقدرة بـ (بل) وحدها ولا بالهمزة وحدها لأن ما يقع بعد (بل) متقق وما بعد (أم) مشكوك فيه مظنون، ولو كانت مقدرة بالألف وحدها لم يكن بين الألو والآخر علقة، والدليل على أنها ليست بمنزلة (بل) مجردة من معنى الإستفهام قوله تعالى: ﴿ام اتخذ مما يخلق بنات﴾ [الزخرف: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿أم له البنات ولكم البنون﴾ [الطور: ٣٩]، إذ يصير ذلك متحققا تعالى الله عن ذلك (٢).
стр. 974
وقد تكون بمعنى (بل) فقط من دون استفهام، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥٢]، قالوا لأنه لا معنى للاستفهام هنا، وكذا إذا جاءت بعدها أداة استفهام، نحو: ﴿قل هل يستوي الأعمي والبصير أم له يستوي الظلمات والنور﴾ [الرعد: ١٦]، ونحو: ﴿أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا﴾ [النمل: ٦١]، وقوله: ﴿أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن﴾ [الملك: ٢٠] (١). لأن الاستفهام لا يدخل على الاستفهام.
جاء في (المغنى): ومعنى: (أم) المنقطعة - الذي لا يفارقها - الإضراب. ثم تارة تكون له مجردًا وتارة تتضمن مع ذلك أستفهاما طلبيا، فمن الأول: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء﴾ أما الأولى فلان الاستفهام لا يدخل على الاستفهام، وأما الثانية فلأن المعنى على الأخبار عنهم باعتقاد الشركاء، ومن الثاني ﴿أم له البنات ولكم البنون﴾ إذ لو قدرت للأضراب المحض لزم المحال.
ومن الثالث قولهم (أنها لإبل أم شاء) التقدير (بل أهي شاء) (٢).
والذي يبدو لي أن (أم) لا تستعمل إلا في الاستفهام. جاء في (المقتضب): فأما أم فلا تكون إلا استفهاما (٣). وهي أما أن تفيده بنفسها أو تقترن به ولا تكون كـ (بل) لليقين والتقرير.
قال تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم﴾ [الرعد ٣٣]، فجاء بـ (أم) للاستفهام الإنكاري، وفي التقرير والإثبات بـ (بل)، ومثله قوله تعالى: ﴿أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وقوله: ﴿ام يقولون افتراه بل هو الحق من ربك﴾ [السجدة: ٣]، وقوله: ﴿أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون﴾ [الطور: ٣٣]، وقوله: ﴿أم خلقوا
стр. 975
السموات والأرض بل لا يوقنون﴾ [الطور: ٣٦]، فجاء للاستفهام بـ (أم) وللتقرير بـ (بل).
وأما قوله: ﴿أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾ [الزخرف: ٥٢]، فليست (أم) فيه بمعنى (بل) فيما أرى، وأنت تحس أن ثمة فرقا بين قولك (بل أنا خير من هذا الذي هو مهين) وقوله (أم أنا خير من هذا الذي هو مهين) فال أو ل كلام تقريري يقرر فيه فرعون الأمر، وأما الثاني ففيه معنى التعجب والتهكم، وفيه طلب مشاركة السامعين، في ذلك، ثم هي تحتمل الإتصال
جاء في (الكشاف) في هذه الآية (أم) هذه متصلة لأن المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون. إلا أنه وضع قوله (أنا خير) موضع (تبصرون) لأنهم إذا قالوا له: (أنت خير) فهم عنده بصراء وهذا من إنزال السبب منزلة السبب.
ويجوز أن تكون منقطعة على (بل أأنا خير)، والهمزة للتقرير وذلك أنه قدم تعديد أسباب الفضل والتقدم عليهم من ملك مصر وجري الأنهار تحته، ونادى بذلك، وملأ به مسامعهم ثم قال: أنا خير كأنه يقول: أثبت عندكم واستقر أني أنا خير وهذه حالي (١).
ويحتمل أن (أم) متصلة حذف المعطوف عليه وبقي المعطوف والمعنى: أموسى خير أم أنا خير منه (٢).
أو:
وهي لأحد الشيئين، أو الأشياء ذكر لها المتأخرون معاني عدة أشهرها:
١ - الشك، وذلك إذا كان المتكلم شاكًا في الأمر نحو قوله تعالى: ﴿لبثنا يوما أو بعض يوم﴾ [الكهف: ١٩]، ونحو (رأيت محمدًا أو خالدًا) إذا كان شاكًا فيمن قد رأيته منهما.
стр. 976
٢ - الإبهام، وذلك إذا كنت عالما بالأمر ولكن أردت أن تبهمه على السامع، نحو (تصدقت بصدقة قليلة أو كثيرة) إذا كنت تريد أن تبهم ذلك على السامع، ونحو (كلمت محمد أو سعيدًا) جوابًا لمن قال لك: أسعيدًا كلمت أم محمدًا؟ فالمثال الواحد قد يصلح للشك والإبهام فإذا كان المتكلم شاكًا في الأمر غير متيقن منه فهو الشك وإذا كان المتكلم عارفا بالأمر ولكنه يريد إبهامه على المخاطب فهو للإبهام.
٣ - التخيير، وهي الواقعة بعد الطلب، نحو (تزوج سعاد أو أختها) و (خذ قلما أو دفترا).
٤ - الإباحة (١). نحو (جالس العلماء أو الزهاد) و (تعلم الفقه أو النحو) والفرق بين الإباحة والتخيير أن التخيير لا يبيح الجمع بين الشيئين أو الأشياء والإباحة تبيحه (٢).، فإذا قلت (خذ قلما أو دفترا) لم يجز له أخذهما جميعا، وإذا قال (جالس العلماء أو الزهاد) جاز له أن جالسهم جميعا، إذ المقصود جالس هذا الضرب من الناس.
جاء في (المقتضب): " والباب الذي يتسع فيه قولك: إئت زيدًا أو عمرا أو خالدا لم ترد ائت، واحدا من هؤلاء ولكنك أردت: إذا أتيت فائت هذا الضرب من الناس، كقولك إذا ذكرت فاذكر زيدا أو عمرا أو خالدا" (٣).
وإذا دخلت (لا) الناهية على التخيير، او الإباحة امتنع فعل الجميع، فإذا قلت: (جالس خالدا أو أخاه) جاز لك أن تجالسهما أو تجالس واحدا منهما فإذا قلت: (لا تجالس خالدا أو أخاه) أمتنع مجالسة أي واحد منهما أو مجلستهما معا.
جاء في (المغنى): " وإذا دخلت (لا) الناهية امتنع فعل الجميع نحو ﴿ولا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ [الإنسان: ٢٤]، إذ المعنى لا تطع أحدهما فأيهما فعله فهو أحدهما (٤).
стр. 977
وجاء في (المقتضب): " فإذا نهيت عن هذا قلت: لا تأت زيدا أو عمرا، أو خالدا أي لا تأت هذا الضرب من الناس، كما قال : ﴿ولا تطع منهم آثما او كفروا﴾.
والفصل بين (أو) وبين الواو أنك إذا قلت: (أضرب زيدا وعمرا) فإن ضرب أحدهما فقد عصاك، وإذا قلت (أو) فهو مطيع لك في ضرب أحدهما، أو كليهما.
وكذلك إذا قال (لا تأت زيدا وعمرا) فأتي أحدهما فليس بعاص وإذا قال: (لا تأت زيدا أو عمرا) فليس له أن يأتي واحدا منهما فتقديرها في النهي: لا تأت زيدا ولا عمرا، وتقديرها في الإيجاب: ائت زيدا وإن شئت فائت عمرا معه" (١).
وذكر أن معنى الإباحة او التخيير، متأت من فعل الطلب، وليس من (أو) وإنما (أو) لأحد الشيئين (٢).
٥ - الإضراب كـ (بل) نحو (سأزور خالدا اليوم أو سأمكث) إذا كنت قررت الزيادة أولا ثم أضربت عن ذلك، فقررت المكث أي بل سأمكث، ونحو قول جرير:
ماذا ترى في عيال قد برمت بهم ... لم أحص عدتهم إلا بعداد
كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية ... لولا رجاؤك قد قتلت أولادي
أي بل زادوا ثمانية، ومثله:
بدت مثل قرن الشمس ف رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح
أي: بل أنت أملح.
جاء في (التصريح): " وللاضراب كـ (بل) مطلقا عند الكوفيين وأبي علي الفارسي وابن برهان نحو (أنا أخرج) ثم تقول (أو أقيم) أضربت عن الخروج، ثم أثبت الإقامة فكأنك قلت (لا بل أقيم).
стр. 978
حكى الفراء: أذهب إلى زيد أودع ذلك فلا تبرح اليوم (١).
وجعل بعضهم منه قوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ [الصافات ١٤٧]، قيل: المعنى بل يزيدون.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " وكذا في قوله تعالى: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ أي بل يزيدون وإنما جاز الإضراب بـ (بل) في كلامه تعالى لأنه أخبر عنهم بأنهم مائة ألف بناء على ما يحرز الناس من غير تعمق، مع كونه تعالى عالما بعددهم، وأنهم يزيدون ثم أخذ تعالى في التحقيق، فأضرب عما يغلط فيه غيره بناء منهم، على ظاهر الحرز، أي أرسلناه إلى جماعة يحرزهم الناس مائة ألف وهم كانوا زائدين على ذلك (٢).
وقيل: بل هي في الآية للإبهام، وقيل هي للتخيير أي إذا رآهم الرائي تخير بين أن يقول هم مائة ألف أو يقولون هم أكثر (٣).
وجاء في (الخصائص): " فأما قول الله سبحانه: ﴿وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون﴾ فلا يكون فيه (أو) على مذهب الفراء بمعنى (بل) ولا على مذهب قطرب في أنها بمعنى الواو، لكنها عندنا على بابها في كونها شكا، وذلك أن هذا الكلام أخرج حكاية من الله قلول المخلوقين، وتأويله عند أهل النظر: وأرسلناه إلى جمع لو رأيتموه لقلتم أنتم فيه: هؤلاء مائة ألف أو يزيدون (٤).
وهو تأويل مقبول
٦ - التقسيم نحو (الكلمة اسم أو فعل أو حرف) ونحو: (الناس مسلم أو كافر) و (المادة صلبة أو سائلة أو غازية).
стр. 979
٧ - أن تكون بمعنى الواو ومنه قوله توبة:
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
قيل: ومن أحسن شواهده حديث (اسكن حرا فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد (١).).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية) أن مجيئها بمعنى الواو متأت من استعمالها بمعنى الإباحة التي لا تمعن الجمع. قال: "ولما كثر استعمال أو في الإباحة التي معناها جواز الجمع جاز استعمالها بمعنى الواو، قال:
وكان سيان ان لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها وأغبرت السوح
فإن سيان بمعنى مستويان وهو بين الشيئين (٢).
وجاء في (المغني) أن التحقيق في ذلك أن أو موضوعة لأحد الشيئين، وهو الذي يقوله المتقدمون، وقد تخرج إلى معنى بل وإلى معن الواو، وأما بقية المعاني فمستفادة من غيرها (٣).
أما خروجها إلى الإضراب فلا يخرجها عن أنها لأحد الشيئين، فإنك إذا أضربت عن شيء إلى شيء كنت أستعملتها لأحد الأمرين.
وأما ما ذكروه من أنها بمعنى الواو، فلست أرى أنها كالواو تماما، بل هي لأحد الشيئين أو الأشياء أيضا وليست للجمع فقوله ﷺ : اسكن حرا فما عليك ألا نبي أو صديق أو شهيدا) ليست او فيه بمعنى الواو وإنما هي لأحد الأشياء ومعناه واحد نبي وواحد صديق، وواحد شهيد، ولو قيل بالواو لاحتمل التعبير أنه شخص واحد، اجتمعت فيه هذه الصفات كقولك: هو شاعر وكاتب وفقيه.
стр. 980
ثم إن المعنى بـ (أو) إن عليك إما نبيا وإما صديقا وإما شهيدًا، وكل واحد من هؤلاء له من الفضل والشرف ما ينبغي أن تسكن له.
وبالواو يحتمل المعنى أن السكون ينبغي أن يكون لاجتماع الثلاثة، لا أن كل واحد منهم ينبغي أن يتطامن له الجبل.
ونحو ذلك أن تقول: (ابتعد عنه فإنه لا يجالسه إلا لئيم أو مخادع) ومعنى ذلك أنه يجالسه هذان الصنفان من الناس وكل صنف منهما ينبغي أن يبتعد عنه، وإذا قلت ذلك بالواو احتمل أن يكون الذي يجالسه صنفا واحدًا اجتمعت فيه هاتان الخلصتان، واحتمل أن النهي كان لاجتماع الصنفين، لا أن كل صنف ينبغي أن يبتعد عنه فلو كان معه صنف واحد لما كان هذا النهي.
ونحوه قولك: (أصبحنا فإنه ليس معنا إلا فقيه أو ناسك) أي وكل صنف ينبغي أن يصحب، ولو جاء بالواو لاحتمل أنه شخص واحد أجتمع فيه الفقه والنسك، واحتمل أيضا أن يكون معهم شخصان فقط أحدهما فقيه والآخر ناسك.
وأما بـ (أما) فالمعنى أنهم كلهم ما بين فقيه وناسك، واحتمل أيضا أن الصحبة، إنما حسنت لاجتماع الصنفين ولو تفرد صنف لم يكن ثمة أمر بالصحبة، وهذا ظافر، فهي ليست بمعنى الواو تماما.
أم وأو:
يستعمل الناس اليوم، حتى المتأدبون منهم (أم) و (أم) بمعنى واحد، فيقولون (أحضر محمد أو خالد) بمعنى (أحضر محمد أم خالد)؟ ويجيبون عن الاثنين بالتعيين فيقولون: (حضر محمد) أو (حضر خالد) وهذا غير صحيح، وذلك لأن السؤال بـ (أم) يقصد به التعيين ولا يقصد بـ (أو) ذلك، فإنك إذا قلت (أمحمد عندك أم خالد) كان المعنى أيهما عندك؟ ويكون الجواب (محمد) مثلا، وذلك أن السائل يعلم، أن أحدهما عنده ولكن لا يعلم من هو؟
стр. 981
وإذا قال: (أمحمد عندك أو خالد) كان المعنى: أعندك واحد منهما؟ فيكون الجواب (نعم) أو (لا)، وهكذا أبدا يكون تقدير (أم) بـ (أيهما) و (أو) بـ (أحدهما). قال تعالى: ﴿هل ينصرونكم أو ينتصرون﴾ [الشعراء: ٩٣]، وقال: ﴿له تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا﴾ [مريم: ٩٨]، وقال: ﴿قال هل يسمعونك إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون﴾ [الشعراء: ٧٢، ٧٣]، والجواب (لا)، وهكذا أبدًا.
جاء في (شرح الرضي على الكافية): " واعلم أن الفرق بين (أو) و (أم) المتصلة في الاستفهام أن معنى قولك (أزيدا رأيت أم عمرا)؟ أأحدهما رأيت؟ وجوابه: (لا) أو نعم).
ومعنى قولك (أريدا رأيت أم عمرا) أيها رأيت؟ وجوابه بالتعيين، كما تقول: (زيدا) أو تقول: (عمرا). وحيت أشكل عليك الأمر في (أول) و (أم) المتصلة في الاستفهام، فقدر (أو) بـ (أحدهما)، و (أم) بـ (أيهما) تقول: (الحسن أو الحسين أفضل أم ابن الحنفية)؟ والمراد: أأحدهما أفضل من ابن الحنفية، أم ابن الحنفية أفضل من أحدهما؟ والمعنى أيهما أفضل من احدهما وابن الحنفية؟ والجواب أحدهما (١).
وجاء في (شرح ابن يعيش): " والفصل بين (أو) و (أم) في قولك (أزيد عندك أو عمرو) و (أزيد عندك أم عمرو) أنك في الأول لا تعلم كون أحدهما عنده، فأنت تسأل عنه، وفي الثاني تعلم ان أحدهما عنده، إلا أنك لا تعلمه بعينه فأنت تطالبه بالتعيين ..
فقد تبين أن السؤال بـ (أو) معناه (أأحدهما) وبـ (أم) معناه (أيهما) فإذا قال: (أزيد عندك أو عمرو) فأجبت بـ (نعم) علم أن عنده أحدهما، وإذا أراد التعيين وضع مكان (أو) (أم) واستأنف بها السؤال وقال: أزيد عندك أم عمرو؟ فيكون حينئذ الجواب (زيد) أو (عمرو)؟ (٢).
стр. 982
وجاء في (المقتضب): " وتقول: ما أدري أزيدًا أم عمرا ضربت أم خالدا؟ لم ترد أن تعدل بين زيد وعمرو و لكن ك جعلتهما جميعا عدلا لخالد في التقدير، والمعنى ما أدري أحد هذين ضربت أم خالد؟ (١).
وجاء في (الخصائص): " قولهم (ما أدري أأذن أو أقام) إذا قالها بـ (أو) لا (أم) فهو أنه لم يعتد أذانه أذانا ولا إقامته أقامة، لأنه لم يوف ذلك حقه. فلما وني فيه لم يثبت له شيئا منه ..
ولو قال: (ما أدري أأذن أم أقام) بـ (أم) لأثبت له احدهما لا محالة (٢).
لكن:
تفيد الاستدراك، وتعطف بعد نفي أو نهي، بشرط أفراد معطوفها، نحو: (ما أق بل محمد لكن خالد) ولا (تضرب خالدا لكن سالما) فإن وليتها جملة فهي ليست عاطفة، وإنما هي حرف ابتداء يفيد الاستدراك، نحو (ما جاءني خالد لكن جاءني عمرو) وتدخل عند ذاك بعد الموجب وغيره، نحو: (اقبل سعيد لكن عامر لم يقبل) (٣).
بل:
حرف اضراب يدخل على المفردات والجمل.
فإن دخلت على جملة كان معنى الاضراب أما إبطاليا، او انتقاليا
فالاضراب الإبطالي هو أن تأتي بجملة تبطل معنى الجملة السابقة، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون﴾ [الأنبياء: ٢٦]، فقوله: (بل عباد مكرمون) إبطال للكلام الأول، ونحو قوله تعالى: ﴿أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق﴾ [المؤمنون: ٧٠]، وقوله: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤]، وهو رد على القول الأول.
стр. 983
وأما الاضراب الانتقالي فهو ان تنتقل من غرض إلى غرض آخر، مع عدم أرادة إبطال الكلام الأول، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿قد أفلح من تزكي وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقي﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٧]، فجملة (بل تؤثرون الحياة الدنيا) ليست إبطالا للجملة الأولى بل هي انتقال من غرض إلى غرض آخر، ومثله قوله: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة﴾ [المؤمنون: ٦٣] (١).، وقوله: ﴿أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقوله: ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾ [الزخرف: ٥٨].
وإن دخلت على مفرد فهي عاطفة بشرط أن يتقدمها إيجاب، أو أمر أو نفي أو نهي. فإذا وقعت بعد إيجاب أو أمر نحو (جاء محمد بل خالد) و (أكرم سالما بل خالدا) فهي للاضراب وذلك أنها تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه، فقولك (جاء محمد بل خالد) يعني أن الذي جاء هو خالد، وأما محمد فيجوز أنه جاء، ويجوز أنه لم يجيء، وقولك (أكرم سالما بل خالدا) اضربت فيه عن الكلام الأول وأمرت بإكرام خالد، وأما (سالم) فمسكوت عنه. وليست (بل) ناهية عن إكرام سالم.
جاء في (المغني): " وإن تلاها مفرد فهي عاطفة ثم أن تقدمها أمر أو إيجاب كقولك: (اضرب زيدا بل عمرا) و (قام زيد بل عمرو) فهي تجعل ما قبلها كالمسكوت عنه فلا يحكم عليه بشيء وإثبات الحكم لما بعدها" (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " فإن جاءت بعد إيجاب أو أمر نحو: (قام زيد بل عمرو) فهي لجعل المتبوع في حكم المسكوت عنه منسوبا حكمه إلى التابع، فيكون الإخبار عن قيام زيد غلطا، يجوز أن يكون قد قام وأن لم يقم، أفدت بـ (بل) أن
стр. 984
تلفظك بالاسم المعطوف عليه كان غلطا عن عمد أو سبق لسان (١).
وإذا وقعت بعد نفي أو نهي، نحو: (ما أقبل محمد بل خالد) و (لا تضرب محمدا بل خالدا) فجمهور النحاة على أنها في المعنى كـ (لكن) فمعنى الأول أن محمدا لم يقبل وإنما الذي أقبل هو خالد، ومعنى الثانية أنك منهي عن ضرب محمد ومأمور يضرب خالد.
جاء في (شرح ابن عقيل): " يعطف بـ (بل) في النفي والنهي فتكون كـ (لكن) في أنها تقرر حكم ما قبلها وتثبت نقيضه لما بعدها نحو: (ما قام زيد بل عمرو) و (لا تضرب زيدا بل عمرا) فقررت النفي والنهي السابقين وأثبت القيام لعمرو وأملا بضربه (٢).
وجاء في (التصريح): " ومعناها بعد الأخيرين وهما النفي والنهي تقرير حكم ما قبلها من نفي أو نهي على حاله وجعل ضده لما بعدها، (لكن) كذلك كقولك: (ما كنت في منزل ربيع بل أرض لا يهتدى بها) .. فتقرير نفي الكون في منزل الربيع عن نفسك وتثبت لها الكون في أرض لا يهتدي بها. و (لا يقم زيد بل عمرو) فتقرر نهي زيد عن القيام وتأمر عمرا بالقيام (٣).
وأجاز المبرد أن تكون بعد النفي والنهي للاضراب أيضا، فتكون ناقلة معنى النفي والنهي إلى ما بعدها، وعلى هذا يكون معنى (ما أقبل محمد بل خالد) ما أقبل محمد بل ما أقبل خالد، فإقبال محمد حكمه كالمسكوت عنه، يحتمل أنه يكون أقبل، أو لم يكن أقبل وما بعدها منفي، وكذلك المعنى في النهي نحو (لا تضرب محمدا بل خالدا) فالمعنى عنده لا تضرب محمدا بل لا تضرب خالدا.
стр. 985
جاء في (المغني): " وأجاز المبرد وعبد الوارث أن تكون ناقلة معنى النفي والنهي إلى ما بعدها وعلى قولها فيصح: ما زيد قائما بل قاعدا، وبل قاعد ويختلف المعنى (١). إذ القعود منفي على التقدير الأول مثبت على التقدير الثاني (٢).
وجاء في (شرح الرضي على الكافية): " وإذا عطفت بـ (بل) مفردا بعد النفي، أو النهي فالظاهر أنها للاضراب أيضا، ومعنى الاضراب جعل الحكم الأول موجبا كان، أو غير موجب، كالمسكوت عنه بالنسبة إلى المعطوف عليه، ففي قولك (ما جاءني زيد بل عمرو) أفادت (بل) أن الحكم على زيد بعدم المجيء، كالمسكوت عنه يحتمل أن يصح هذا الحكم فيكون غير جاء، ويحتمل أن لا يصح فيكون قد جاءك كما كان الحكم على زيد بالمجيء في (جاءني زيد بل عمرو) احتمل أن يكون صحيحا وأن لا يكون وهذا الذي ذكرنا ظاهر كلام الأندلسي.
وقال ابن مالك: بل بعد النفي والنهي كـ لكن بعدهما وهذا الاطلاق منه يعطي أن عدم مجيء زيد في قولك (ما جاءني زيد بل عمرو) متحقق بعد مجيء (بل) أيضا كما كان ذلك في (ما جاءني زيد لكن عمرو) بالاتفاق .. وهذا كله حكم (بل) بالنظر إلى ما قبلها، وأما حكم بعد (بل) بعد النفي أو النهي فعند الجمهور أنه مثبت فعمرو جاءك في قولك (ما جاءني زيد بل عمرو) فكأنك قلت: (بل جاءني عمرو) فـ (بل) أبل النفي والاسم المنسوب إليه المجيء ..
وعند المبرد أن الغلط في الاسم المعطوف عليه فقط، فيبقي الفعل المنفي مسندا إلى الثاني فكأنك قلت (بل ما جاءني عمرو) كما كان في الاثبات الفعل الموجب مسندا إلى الثاني (٣).