← Общие книги

Общие книги · id 17802

مقالات في كلمات

علي الطنطاوي

Полный текст (248 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

دلوني على طبيب يستطيع أن يداويني ... دلوني -أيها الناس- ولكم الشكر. لقد قصدت الأطباء الكهول المجربين والشباب المطلعين على الطب الجديد، بل لقد أخذت بوصفات العجائز وأدوية العوام فما استفدت شيئاً. وقالوا: لا تأكل اللحم ولا البيض ولا الحبوب ولا السبانخ ولا الملوخية ولا اليبرق ولا الدهن ولا تشرب القهوة ولا الشاي ولا الكاكاو ولا الشكلاتة ... قلت: طيب، فماذا آكل إذن؟ هل أكتفي ب «أكل الهواء» النقي؟ مع ذلك فقد جربت هذه الحمية فما استفدت شيئاً، وقالوا: أكثِرْ من الرياضة، فأكثرت من الرياضة فما استفدت شيئاً. فهل النقص في الطب نفسه، أم العجز من الأطباء. وبعد، فماذا أصنع؟ وهل تدلونني على طبيب يعالجني أو أخاطر بروحي وأسلط قلمي على الأطباء وأصنع بهم كما صنع شيخنا الجاحظ بالمعلمين، وليكن ما يكون؟! هذا إنذار، والمهلة ستة أيام ونصف اليوم ... ***

стр. 107

في الغيرة إلى «زوج بائس»: تسألني رأيي في الغيرة. أما الغيرة التي تمنع من مواقعة المحرمات، وكشف العورات، وتدفع إلى الاحتشام والتصون والعفاف، وتجعل الرجل ينكر من امرأته أن تتخذ من الأزياء ما لا يقر الشرع، ولا يألف البلد، أو تنزل إلى السوق فتكلم الرجال بلا ضرورة، فهذه هي الغيرة المحمودة التي يمدح بها الرجال، والتي وردت بها الآثار، وتواردت عليها الأفكار، حتى قالت العامة: الذي لا يغار حمار! ومقياسها الشرع، فما أنكره الشرع أنكرناه، وما جوزه قبلناه. أما الغيرة التي تجعل الزوجة تظن الظنون كلما نطق زوجها باسم امرأة ولو كانت ليلى الأخيلية، تحسب أنه متيم في هواها، وأنه قتيل حبها، وتقيم القيامة إن وصف امرأة بجمال، أو نعت أنثى بحسن، تظن أنه مشغوف بها، عاشق لها، وتخسف الدار إن سمعت أنه قابل امرأة، ولو جاءته مشترية في الدكان، أو موكلة في المكتب، أو مريضة في العيادة، تظن أنهما ما اجتمعا إلا للخطبة ... وأما الغيرة التي تجعل الرجل يجن جنونه إن غابت امرأته ساعة في زيارة والدتها أو عيادة جارتها، يستنطقها استنطاق المحكمة، ويحقق أمرها

стр. 108

تحقيق القاضي، يظن أنها ما غابت إلا لزيارة صديق، أو لقاء عشيق، ويطبق البيت على رأسها إن رأى في البيت صور مقطوعة من مجلة ويمضي الليل يبحث من أين جاءت؟ وكيف دخلت؟ فهي الغيرة المذمومة، غيرة الجاهلية، التي تنغص حياة الرجل، وتسود عيش المرأة، وتقلب البيت ناراً مسعرة، أو مارستان مجانين، ولا تنشأ إلا عن سوء الظن وضعف الثقة. والمرأة إذا اطمأنت إلى دين زوجها وخلقه لم تحصِ عليه أنفاسه وتعد عليه كلماته. والرجل إذا وثق من عفاف امرأته ودينها وميلها إليه وتعلقها به لم يتبع خطاها ويرصد حركاتها. وقد رأيت -من تجربتي- أنه لا يغار هذه الغيرة من النساء والرجال إلا من كان في ماضيه من أهل الشر، أو كان مستعداً في طبعه للشر، أما المستقيم الصالح فلا يظن ذلك بغيره، لأنه لا يتمناه لنفسه. على أن هذه الغيرة مرض يحتاج إلى علاج وليست جرماً يحتاج إلى عقاب. هذا رأيي في «الغيرة». ***

стр. 109

وزراء اليوم إن من صور الماضي صوراً تستقر في النفس، وتنطبع في الذاكرة، حتى لا تمحوها الأيام، ولا يصل إليها النسيان. ومن الصور التي لست أنساها، أني كنت يوماً نازلاً في الترام إلى المدرسة، فرأيت أستاذنا المسيو صالح الجزائري ﵀، ينزل ماشياً مرفوع الرأس بارز الصدر، فامتلأ قلبي هيبة له وغبطة وإكباراً، وأحسست أنه يعظم في عيني حتى يملأ عليها رحاب الأماني؛ فلا أجد أمنية لي في الحياة أكبر من أن أكون أستاذاً في التجهيز. ثم كرت الأيام وكبرنا، وصرنا ننظر إلى الدنيا بعيون الشباب لا بأبصار الأولاد، فنرى في البلد ميزاناً للرجال، ونرى لهم أقداراً ومراتب، تتسلسل كأنها صف الناس أمام باب الدائرة الحكومية؛ لا يسبق أحد دوره، ولا يقفز من فوق رأس الذي أمامه، ولا يدع الباب ويدخل من الشباك. يبدأ الموظف حياته موظفاً صغيراً، ثم يكبر كلما كبر عمله وكبرت تجربته حتى يصير رئيساً أو مديراً، أما الوزارة فكانت لأركان البلد، وبَواقع الرجال، وأهل الحل والعقد، وأصحاب التجربة والعلم والسن. ولا يُسلم وزير وزارة لا خبرة له بشؤونها ولا معرفة بخفاياها. وكان المعلم لدرسه والموظف لديوان، والتاجر لدكانه، والطبيب لعيادته. وكان للسياسة أهلها الذين انقطعوا إليها وبرعوا فيها وارتضتهم الأمة نائبين عنها ناطقين بلسانها.

стр. 110

فماذا جرى اليوم حتى فسد الميزان، وانقطع النظام، واضطرب الصف، وتبدلت مقاييس الرجال؟ ومالي لا أرى للوزير اليوم في نفسي مثل الهيبة التي وجدتها للمسيو صالح؟ فهل تبدل نظري وضعف حسي، أم كان معلم الأمس أعظم من وزير اليوم؟ وما للوزارة سهل طريقها، وفتح بابها، حتى صار الوصول إليها أهون من الوصول إلى منبر التدريس أو قوس القضاء، أو مكتب رئيس الديوان ومساعد المحكمة؟ ما للكهول من رجالات البلد انصرفوا عنها، وزهدوا فيها، وآثروا الاضطجاع في حمى المدافئ وشرب القهوة والشاي والتسلي بأحاديث الماضي عن الاهتمام بأمور الأمة في أخطر عهد عرفه تاريخها؟ إني أسأل وأنا أعلم أن سؤالي سيبقى بلا جواب! ***

стр. 111

الإيمان أهم من الجدران ارتاع المسلمون في مشرق الأرض ومغربها لما سمعوا خبر تصدع بناء المسجد النبوي، وانطلقت صيحات أقلامهم حتى ملأت الجو وأيقظت النيام. وحق للمسلمين أن يرتاعوا لانهيار قبر نبيهم، وأن يروا شد أركانه وإقامة بنيانه من آكد الواجبات عليهم، ولكن هل علم هؤلاء المسلمون أن صاحب هذا القبر لو كان حياً لارتاع لتصدع بناء الدين في القلوب، وانهيار صرح الأخلاق في الأمة، أكثر مما ارتاعوا لهذا الخبر؟ وإن انهدام مساجد الإسلام كلها حتى ما يبقى منها حجر على حجر أهون في نظر الإسلام نفسه من دخول الإلحاد على قلب شاب مؤمن أو وصول الأذى إلى عرض فتاة مسلمة. والإسلام لبث ثلاث عشرة سنة من غير جامع ولكنه لا يبقى ساعة بغير إيمان ولا أخلاق. فكيف -إذن- يهتم المسلمون بأمر أعمدة الجامع ولا يهتمون بأن يحكموا بقوانين تخالف ما أنزل الله، وبأن تشيع الفاحشة بينهم وينتشر الإلحاد؟ ذلك لأن الناس قد بعدوا عن مفهوم الإسلام الحق وصاروا يبالون بالظواهر أكثر مما يبالون بالجواهر، ويحرصون على عمارة جدران المساجد وقبابها ومآذنها أكثر من حرصهم على عمارة المساجد بالعبادة

стр. 112

والذكر والعلم، ويكبرون أن ينزع العالم عمامته ويحلق لحيته ولا يكبرون منه أن يكذب أو يغتاب ... مع أن الكذب حرام وحلق اللحية مكروه، والمساجد إنما تكون مساجد بالعبادة والذكر، لا بالزخرف والعمارة. هذه هي أحكام الإسلام، ولكن قد بعدوا عن مفهوم الإسلام الحق. وأرجو ألا يفهم أحد من كلامي أني أهون خطب المسجد النبوي، أو أرى التهاون بإصلاحه. معاذ الله؛ فهو منبع النور، ومبعث الهدى، ومهبط الوحي، ومطلع شمس الحضارة على الدنيا. وهو الجامع، وهو الجامعة، وهو البرلمان. وفيه قبر سيد العالم محمد ﷺ ، ولكنني أقرر حقائق ثابتة في الإسلام. ***

стр. 113

أساس الإصلاح أمام مجلس الوزراء الآن مشروعان أشهد أنهما من أحسن المشروعات، واحد على وشك الوصول إليه، وواحد على وشك الخروج منه: مشروع مكافحة الأمية، ومشروع أئمة القرى. ومثلهما، أو خير منهما، المشروع الذي أقره مجلس المعارف الكبير، ومشروع الدروس الدينية في المدارس. وإذا استطاعت الحكومة إحالة هذه المشروعات إلى قوانين، ثم أحسنت تنفيذ هذه القوانين، كان لها في تاريخ هذه الأمة فصل عنوانه المجد والفخار، وكان لها في حياتها أثر خالد لا تمحوه الأيام، لأن تهذيب النفوس بالدين، وتنوير العقول بالعلم، هما من الإصلاح كالجذع من الشجرة؛ إن قام قامت به الفروع كلها، وإن قطع لم ينفع بعده فرع. وما دامت الأمية منتشرة فينا، وما دامت الجهالة غالبة علينا، وما دام الناس لا يتبعون إلا هوى نفوسهم وشهوات قلوبهم، فإن كل محاولةِ إصلاح صراخٌ في واد ونفخٌ في رماد. وليس يفيدنا مع هذه العلل قانونٌ نسنّه، ولا مقال نزخرفه، ولا طريق نسويه، ولا بناء نعلّيه. والأمم لا تقاس حضارتها بجمال أرضها، ولا بكثرة مالها، ولا بضخامة بنيانها، ولكن تقاس حضارة الأمم بشيئين: كثرة المتعلمين فيها، وقلة المجرمين منها ... تقاس بامتلاء المدارس، وفراغ السجون.

стр. 114

فاعملوا -قبل كل شيء- على ألا يبقى في البلاد أمّي، فإن من العار على سورية (وهي هي في ماضيها وحاضرها وما تأمل في مستقبلها) أن يكون فيها رجل واحد لا يستطيع أن يفك الخط أو امرأة لا تقدر أن تكتب لزوجها إن غاب عنها إلا بمعونة «العرضحالجي» ... وارصدوا لذلك الأموال الكثيرة، وابذلوا فيه المبالغ الوفيرة، ولا تضنوا عليه بشيء؛ لأن محاربة الجهل والفسوق واجبة وجوب محاربة اليهود، ولأن ما تدفعونه تشترون به أدمغة وعقولاً وعبقريات. ولعل في أُجَراء الخبازين، وصبيان اللحامين، وأولاد الأزقة المتشردين (الذين سيكونون لصوصاً مجرمين أو يكونون شحاذين) مَن لو تعلم لكان عبقرياً في الأدب، أو نابغة في العلم، أو واقعة في السياسة، ولأكسب أمته مجداً لا يقوّم بثمن، ولأكسبها -مع هذا المجد- قوة ومالاً. واعملوا على رد الناس إلى الدين، فإنه لا يدفع هذه الشرور، ولا يدرأ هذه المفاسد، ولا يمنع هذا الفساد إلا الدين. إن الذي يخاف القانون وحده، يخافه ما بقي الشرطي واقفاً، فإن ذهب الشرطي رتع الرجل. فهل تستطيعون أن تقيموا على كل رجل شرطياً يراقبه؟ وإذا كان الشرطي نفسه يحتاج هو أيضاً إلى مراقب؟ أما الذي يخاف الله فإنه يعلم أنه يراه دائماً، وأنه مطّلع عليه في سره وجهره وهو معه أينما كان، فيمنعه خوفه الله من أن يسرق أو يزني أو يظلم أحداً أو يعتدي على أحد. وها أنتم هؤلاء جربتم ترك الدين والبعد عنه والزهد فيه، فماذا وجدتم؟ أنا أقول لكم ماذا وجدتم! هذه الدعارة التي انتشرت حتى شكا منها الطالح قبل الصالح والفاسق

стр. 115

قبل الناسك، وهذه السرقات، وهذه الجرائم، وإذا كنتم لا تدرون فادخلوا المحاكم، وخالطوا الناس وانظروا واسمعوا. ... تقوية الجسوم بالصحة، وتنوير العقول بالعلم، وتهذيب النفوس بالدين ... هذا هو الأساس في صرح الإصلاح. ***

стр. 116

العلاج بالزواج كلما نشرت كلمة من هذه الكلمات تلقيت سيلاً من التعليقات والردود، أنشر منه ما أنشر وأحفظ ما أحفظ، وهذا تفضل من القراء تعودته منهم من عشرين سنة من يوم «فتى العرب» مع الأستاذ معروف الأرناؤوط ﵀، إلي عهد «اليوم» مع الأستاذ عارف النكدي، إلى أيام «الرسالة» مع الأستاذ أحمد حسن الزيات. ومن التعليقات على كلمة «فتاة اليانصيب» (١) (التي أشكر لمديرية الشرطة إسراعها إلى إزالة المنكر الذي أنكرته فيها) كتاب طويل جداً حافل بالأسماء والحوادث، تكلم فيه مرسله عما في الأسواق وفي المصانع التي فيها عاملات، والمكاتب التي فيها سكرتيرات، والبيوت التي فيها خادمات، وسرد قصصاً وروى وقائع يقف لها شعر من كان في قلبه حبة خردل من دين أو من شرف، وطلب مني أن أكتب وأن أستصرخ الحكومة وأثير المصلحين وأستنزل غضب الله على أهل هذه البلدة التي لا تنكر منكراً. ولكني لن أفعل؛ لأني أعلم -مع الأسف- أن هذا أمر لا تنفع فيه الخطب ولا تفيد المواعظ، وما مثل الواعظ فيه إلا كمثل من يجيء إلى

стр. 117

الجوعان وأمامه الأطباق فيها من أطايب الطعام من كل حلو وحامض وحار وبارد، فيعظه ألا يأكل منها، ثم لا يأتيه بغيرها. كلا. إن الله ما حرم شيئاً إلا أحل شيئاً يغنى عنه ويقوم مقامه: منع الربا وأباح البيع، وحرم الزنا وأحل الزواج. فلماذا تريدون منا أن نخالف طبيعة الله التي طبع البشر عليها، وشريعته التي دل الناس عليها؟ كلا. إنه لا دواء إلا الزواج، الزواج. هذه هي الحقيقة، وأنا سأظل أعلنها وأكررها حتى يستجيب الناس إليها أو ينبري القلم في يدي أو تغلق «النصر» بابها دوني، وأرجو أن أكون في ذلك من المجاهدين وأن أمحو بذلك بعض ذنوبي وتفريطي في جنب الله. ولقد بت أعتقد -بعدما تلقيت من كتب إخواننا الشبان في الرد على ما كتبته وما وجدت فيها من سوء الفهم ومن السب والشتم- أن كثيرين منهم لا يريدون الزواج ويؤثرون عليه هذه الحياة ... التي يتذوقون فيها لذة «الزواج!» ولا يحملون تكاليفه؛ فهم لذلك يحتجون بهذه الحجج الواهية التي تنطق بها شهواتهم لا عقولهم. يقولون: السكن والنفقات وتكاليف الحياة الزوجية. وهذا (وإن وجب علاجه وإصلاحه) لا يمنع من الزواج. وكل شاب يجد بنتاً ترضى به بشرط أن يراعي الكفاءة، ويفتش عن الموافقة في المشرب وفي الغنى وفي المكانة الاجتماعية. فمن كان لا يجد إلا مئة ليرة في الشهر، يستطع أن يخطب بنت رجل من طبقته يعيش بمئة ليرة في الشهر فترضى به وتألف عيشه لأنه مثل عيشها في دار أبيها، ومن كان يسكن غرفة بالكراء عند جيران طلب بنت أسرة تعيش عند جيران في غرفة بالكراء، ومهما بلغ من فقر الشاب يستطيع -إذا صدق الطلب- أن يتزوج بنت رجل فقير مثله. ولكن أكثر

стр. 118

الشباب لا يريدون الزواج، ويجزعون منه، ويأتون بهذا الكلام الفارغ، كأن مشكلة الزواج صارت مجالاً لوظائف الإنشاء تنشر في الصحف، وطريقاً لكل محب الشهرة من أولاد المدارس ليفرح برؤية اسمه مطبوعاً في الجرائد. وما أدري والله ماذا يريد هؤلاء الشباب؟! ولو أنا قبلنا منهم وأعفيناهم من تكاليف الزواج، فهل يريدون أن نبني لهم أديره في الجبل نجعلهم فيها رهباناً أم نسلطهم على بنات الناس؟ منكم يا أيها الآباء أريد الجواب؛ أنتم يا من في بيوتهم بنات كاسدات، يا من يغارون على العرض، ويحرصون على الشرف. الخطاب لكم، والكلام معكم، والبلاء إن وقع واقع عليكم، فما لكم ترون ولا تفكرون، وتسمعون ولا تعملون، ألا تخافون على بناتكم؟ يا أيها الآباء: الله الله في أعراضكم، وفي عفاف بناتكم! ***

стр. 119

رجعية ! قال لي صديق: يقول التقدميون إنك رجعي. قلت: نعم، أنا رجعي. قال: أستغفر الله، ما هذا ما أردت. قلت: استغفر الله على كل حال، ولكن هي الحقيقة، فهل تحب أن تفهم أنت ما الرجعية؟ قال: وما الرجعية؟ قلت: أن ترجع هذه الأمة إلى سلائقها: سلائق الفطنة والعقل، والعزة والنبل. وأن تعود إلى خلائقها: خلائق الجهاد، والبذل، والصدق في القول، والصدق في الفعل، وإلى ما صنع أجدادنا، فترفض كل جديد (لا حاجة إليه) يفسد علينا لساننا أو يخمد فينا إيماننا، ونأخذ كل جديد نافع في العلم والسياسة والأدب وفي طرائق الفكر وفي أسلوب العيش، كما أخذنا -من قبل- الخير كله من تفكير اليونان وتأمل الهند وحياة فارس، وقبسنا من كل أمة أحسن ما لديها، ولكنا بقينا عرباً في لساننا، مسلمين في عقائدنا وأفعالنا. الرجعية أن نرجع إلى ديننا لترجع لنا أمجادنا، ولتعود راياتنا خفاقة على الدنيا، وحضارتنا باسقة على الأرض.

стр. 120

إنها رجعية، ولكنها رجعية الذي مرض إلى الصحة، والذي افتقر إلى الغنى، والذي ذل إلى العز، ورجعية الكون إلى بياض نهار جديد، بعد ليل عاصف شديد الإظلام. لا نريد أن نرجع إلى ركوب الخيل ونترك السيارة، ولا إلى القنديل ونهجر الكهرباء، ولا إلى السيف وندع القنبلة، ولا نكتفي بتذكرة داود الأنطاكي عن كتب الطب الحديث، ولا بالمعلقات العشر عن روائع الأدب الجديد. كلا، ولا نريد أن نرجع إلى جهل الماضي وخرافاته وأوهامه، فإن الحضارة قد تتقد وتخبو، وتتقدم وتتأخر، ولكن الفكر يتقدم أبداً، ونحن نعرف قيمة الفكر. إنما نريد أن نرجع إلى عقولنا، وأسس ديننا، ومقومات عروبتنا، فنحكمها في كل جديد يعرض علينا؛ فنأخذ أخذ العاقل البصير، لا نقلد تقليد الطفل الغرير. هذه رجعيتنا! ***

стр. 121

أغاني الميوعة والفجور سمعت عبد الوهاب (الذي يعدونه أكبر مغنّي العرب اليوم) يردد من الإذاعة أغنيّة يكاد لحنها ينكبّ على وجهه من الضعف، ويدخل بعضه في بعض من التخاذل، يقول فيها: "الدنيا سيكارة وكاس". إي والله، أحلف لكم لتصدقوا. ويرددها لتستقر في الأذهان؛ أذهان الصغار الخالية التي تنتظر كل ما يُلقى إليها ليستقر فيها، أذهان أبنائنا وبناتنا، ثم يعطي الحكم في الصاحين العاقلين بأن لهم الويل: "ويل لمن ليس له كاس، يا ويله، يا ويله"! يقول الإسلام: "الويل للشاربين"، ويقول هذا الفاجر: "الويل لمن لا يشرب"، ويعلن ذلك في مصر المسلمة، بلد الأزهر الشريف. الدنيا سيكارة وكاس! أهذه الدنيا؟ وأين دنيا المكارم؟ وأين دنيا البطولات؟ أننهض هذا الشعب، ونحاول أن نثير في دمه إرث الماضي، وفي نفسه ذكريات النصر، وفي رأسه العقل النيّر الحرّ، ليحرر أرض الوطن الأكبر من أوضار إسرائيل وأرجاس الاستعمار، ويقيم صرح المجد، ويسترد من الدهر الدَّين الذي دِنّا به التاريخ، حتى يصل اليرموك وحطين بالمعركة المرتقبة في تل أبيب، ويرجع عهد الوليد والرشيد ... أنصنع هذا كله بسيكارة وكاس، يا أيها الناس؟! سيقول قوم: وماذا يؤثر هذا الهراء في النفوس، إن هي إلا أغنية نستمتع

стр. 122

بلحنها (إن كان فيه متعة) ونغضي عن ألفاظها! وأنا أسأل هؤلاء: هل يستطيعون أن يفرقوا بين الكلام واللحن؟ هل يقدرون أن يفصلوا بين اللفظ والمعنى؟ من يقول: «سماء» ولا يتصور مدلول السماء؟ أو يسمع اسم الكأس ولا يتصور الكأس؟ وأسألهم: ما أثرها في نفوس الصغار؟ ما أثرها؟ إذا كانوا لا يعرفون فليرجعوا إلى علماء التربية وإلى النفسيين ليعلموا أنها ستكون في نفوسهم كصندوق الديناميت إذا وضعته بين أحجار البناء، تنسف هي وأمثالها من الأفلام والمجلات كل مبادئ الخير والرجولة والعفاف. إن كل كلمة تُلقى في الأذن تكون في النفس كبذرة تلقى في الأرض، إذا هي لم تنبت اليوم تنبت غداً أو تنحل في الأرض فتبدل «تركيب» تراب الأرض. لا تظنوا أن شيئاً يمضي من غير أثر، ولكن من الآثار ما نحس به، ومنها ما يستقر في العقل الباطن. إن هذه الأغاني ليست أنغاماً فقط ولكنها كلمات، كلمات إيحاء، فكيف يتعاون خطيب الجامع، وكاتب المجلة، ومعلم المدرسة، وكل عاقل في الدنيا على نشر هذه الحقيقة؛ وهي أن السكر شرّ، وأن للشارب الويل، فتأتي الإذاعة -وهي أقوى منهم جميعاً وأعلى صوتاً- فتقول: بل الويل لمن ليس له كاس؛ أي أن الويل للأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، والكثرة الكاثرة من أهل الأرض؟! أما إذا لم تمنعوا تلك الأفلام التي صارت سبّة لمصر (أعز الله مصر) وعاراً عليها، ولم تقطعوا ألسنة هؤلاء المخنثين، فامنعوا -على الأقل- هذا الهذَر وأمثاله؛ لأنه كفر بالدين وبالأخلاق وبالرجولة وبمجد مصر، والسلام. ***

стр. 123

ماذا يصنع اليهود ؟! حدثني صديق لي من الأدباء قال: "سافرت من عشر سنين إلى القدس (١) أنا وفلان (وسمى رجلاً ممن يشتغل بالسياسة) فأحببنا أن نرى الجامعة العبرية، فذهبنا إليها على غير وعد سابق، وجعلنا نطيف بأقسامها وكلياتها فنرى أمراً عظيماً وشيئاً هائلاً، حتى وصلنا إلى المكتبة فوجدنا فيها قدراً كبيراً من الكتب ما كنت أظن أنه يجتمع مثله إلا في مكتبة لندن أو برلين، ورأينا الفهارس العجيبة التي يصل بها المطالع إلى الكتاب الذي يريده في لحظة، وسألنا القيم عن المراجع العلمية لموضوعات سياسية واقتصادية واجتماعية فكان يفتح أدراجاً في المكتبة ويعطينا عن كل موضوع أسماء كتب كثيرة في كل اللغات، حتى تبين لنا أن من يواظب على هذه المكتبة شهراً لا يخفى عليه بعدها خافية من أحوال الدول العربية المحيطة بفلسطين في تجارتها وصناعتها وتاريخها وجغرافيتها وخلائق أهلها وصفاتهم وعاداتهم. فأرينا القيم إعجابنا ومدحناه فاستدرجناه فأطلعنا على شيء أعجب: درج فيه بطاقات (فيشات) مرتبة على الحروف فيها تراجم كل من له ذكر من رجال العرب، وسألني عن اسمي، فقلت: فلان، فمد يده فأخرج بطاقة فيها

стр. 124

سني ومولدي وأصلي ودراستي وكتبي وميولي الأدبية والسياسية على غاية الضبط والصدق والإيجاز، وأخرج بطاقة مثلها باسم رفيقي) ... ". قلت: قد سمعت مثل هذا الحديث عن الجامعة العبرية من غير هذا الصديق، وتواترت به الأخبار، وسمع به علماء العرب وباحثوهم، وأساتذة جامعاتهم ومديرو مكتباتهم، فهل عملنا مثله أو قريباً منه، لنستعين به على حرب اليهود كما استعانوا به على حربنا؟ (١) هل نعرف نحن اليوم حقائق كاملة مضبوطة عن أحوال اليهود، وعن رجالهم، وعن ميول هؤلاء الرجال وكفاياتهم ومواهبهم؟ هل نعرف أسماء الكتب التي يؤلفها اليهود وأصدقاؤهم بكل لسان ليحاربونا بها، فضلاً عن أن نقرأها أو نرد عليها؟ ومن شاء الاطلاع على هذه الكتب فمِن أين يصل إليها ومَن يدله عليها؟ كيف يكون التكافؤ بين متبارزين أحدهما واقف في النور تُرى حركاته كلها وسكناته، والآخر مستتر في الظلام يَرى ولا يُرى، ويَرمي ولا يُرمى؟

стр. 125

كيف نرضى لأنفسنا أن لا نعرف شيئاً عنهم وهم يعرفون كل شيء عنا؟ وحتّامَ نتسلى بالخطب الحماسية والكلام الفارغ والعدو يستعد؟ ألا يفهم حكام العرب في كل بلد، أن الحرب تكون بالقلم قبل أن تكون بالمدفع، وتكون في الجامعة قبل أن تكون بالميدان؟ فلم لا يفعلون مثلما يفعل اليهود؟ إني -والله- كلما فكرت فيما يفعلون وما نفعل أمسك قلبي بيدي خشية أن يصدعه الألم، أو يودي به اليأس! ***

стр. 126

استعدوا للحرب أحلف بالله ليصدق القراء أن ما أكتبه اليوم قد وقع البارحة، وأنه ليس خيالة من خيالات الأدباء. أنا رجل أشتغل بالقانون وبالأدب، وأعمل للوظيفة وللجريدة، ولكني أقسم لها وقتي، ولا أقسم لها نفسي؛ فإذا كنت في المحكمة نسيت الأدب، وفرغت ذهني منه، وألقيت عني رداءه. وإذا كنت في دنيا الأدب خلعت ثوب القضاء وخليت فكري من مواد القانون. أما هذه الكلمة فإني أفكر فيها إذ أضع رأسي على الوسادة، وأختار موضوعها، وأكتب في ذهني أول جملة منها، ثم أنام. فإذا صحوت أجدها قد اختمرت في عقلي الباطن ونضجت، فأكتبها دفعة واحدة، لا أقف فيها إلا ريثما أغط (١) القلم، أو أبدل الصحيفة. ونمت البارحة وفي ذهني موضوع الاستعداد للحرب، والتيقظ له، وما يجب على الحكومة، وما ينبغي للشعب. وكانت ليلة حارة من ليالي الصيف، فجرّت عليّ حرارتها ما أطار مني نومي، ونغص علي ليلتي، وأقامني الآن خائر الجسم، دائر الرأس، ثقيل الأجفان: جاءتني بعوضة، كلما أغمضت عيني تحوم علي وتطن في أذني، فأنهض وأفتش عنها وأستعد لها، فلا أراها،

стр. 127

فأقول انصرفت لا ردت، وأحاول المنام فتعاود التحويم والطنين، واستمرت على ذلك الليل أكثره إلى مطلع الفجر، فكدت أعتذر من صاحب الجريدة، وأدع الكتابة اليوم، ثم قلت: لماذا لا أصف حالي مع البعوضة، فأكون قد دخلت في موضوعي وأنا لا أشعر؟ وإذا كانت بعوضة واحدة قد طردت النوم عني، وسهدت عيني، فكيف لعمري ننام ويهود في فلسطين، لا تزال تطن إذاعتها في آذاننا؟ هذا هو الموضوع. ... قلت أمس في خطبة الجمعة التي أذاعتها محطة دمشق أننا في حرب، أن كل دولة عربية في حرب، ما بقي في فلسطين يهودي واحد، وأننا قد خسرنا الجولة الأولى. نقول ذلك بلسان الرياضي الذي ينهزم ولكنه يعلم أن أمامه جولات، وأن عزمه لمتين وأن عضلاته لقوية، وأن الظفر في يديه. ونحن نرحب بالحرب، فنحن بنو الحرب، ونحن رجال الجلاد، ونحن لا نخشى الغارات ولا تطير قلوبنا شعاعاً عند أول قنبلة تلقى، ولكنا لا نريد -مع ذلك- أن نتلقى الضربات تلقّي الغنم ضربة الذئب. إن علينا أن نعد وأن نستعد. وإني أجمل هنا المنهج الذي أراه، لعلي أعود إليه -بعدُ- بالتفصيل والبيان. يجب -أولاً- أن توضع الموازنة على أسلوب جديد، فتمحى منها كل نفقة يستغنى عنها، ويلغى كل مصرف لا ضرورة إليه، ولا لزوم له، ويشترى بذلك كله السلاح والعتاد. ويجب -ثانياً- أن يكون عند كل مدرسة ملجأ يعلم الطلاب سبيل

стр. 128

اللجوء إليه إن كانت غارة، وفي كل حي ملاجئ، وأن يدرب الناس على ذلك. ولا يقل أحد أن الحرب لم تقع بعد، فإنها واقعة بيننا وبين اليهود حتى نطردهم إن شاء الله من بلادنا، إن لم يكن اليوم فغداً. ويجب -ثالثاً- أن تعنى الحكومة بالدعاية والحرب الأدبية، وإلا فما معنى أن لنا محطة إذاعة من أقوى محطات العالم إذا كانت الجرائد كلها قد نشرت أمس نبأ العدوان على القرية العربية وحرقها، ولم تذع ذلك الإذاعة، مع أن إذاعة إسرائيل ... اسمعوا، إذاعة إسرائيل، قد أذاعت الخبر! ويجب -رابعاً- تعميم الفتوة على المدارس كلها، وعلى الجامعة، وتدريب الناس جميعاً (من شاء منهم) فنون الحرب، ونشر روح الصبر والاحتمال والحماسة في الأمة. يجب -خامساً- محاربة كل مظهر للرذيلة وللخنوثة، لأن ذلك كله إضعاف لنا وتقوية لليهود. ... إن بعوضة طنت في أذني جعلتني لا أستطيع المنام، فهل تستطيعون النوم -يا ناس- وإسرائيل تطن إذاعتها في آذانكم، وإسرائيل تتربص على حدودكم، وإسرائيل قد سلبتكم أرضاً من أرضكم، وقتلت إخواناً من إخوانكم؟ من نام على عدوه فما أقر الله عينه بمنام. ***

стр. 129

الأمة العاقلة لا تسرف روت الصحف أن أول ما صنعه جلال بايار بعدما صار رئيس الجمهورية التركية أن فض الموكب وصرف الحاشية، واستغنى عن تلك السيارات وذلك الحرس، واكتفى بسيارته تمضي به وحده؛ يحرسه عدله، وماضيه، ومنزلته في نفوس الناس. وروى التاريخ أن عمر بن عبد العزيز لما بايعه الناس خليفة المشرق والمغرب، وسيد المملكة التي تحكم ما بين الصين وفرنسا، وخرج لينصرف، رأى المواكب الضخمة والمراكب عليها سرج الذهب والألوية والشارات، فقال: "ما لي ولهذا؟ نحّوه عني وقربوا لي بغلتي" ... وركب بغلته إلى داره (في موضع السميساطية) لا إلى الخضراء قصر الخلافة (١). فما ضر جلالاً أن اكتفى بسيارة واحدة وهو رئيس؟ وما ضر عمر أن اقتصر على بغلته يركبها ويسير بها في طرق دمشق وحيداً، وهو الحاكم المطلق في تسع وعشرين دولة من دول اليوم، وهو الذي إن قال: لا، لم يكن على ظهر الأرض من يجرؤ على أن يقول: نعم، وإن قال: نعم، لم يقل بشر: لا!

стр. 130

هل قلّ بذلك قدرهما، وهبط مكانهما، أم ازدادا بذلك رفعة وقدراً، وصارا بذلك مثلاً خالداً للمجد الخالد؟ فما للعرب، لا يسمع «كبارهم» ولهم تضرب هذه الأمثال؟ ما لهم: همهم المظهر لا الجوهر، والإطار لا الصورة، والكأس لا الشراب؟ أما لنا في باكستان عبرة، وهي الدولة ذات الثمانين مليوناً، ودوائرها تحت الخيام، لأنها تريد أن تبني المصانع والقلاع، قبل أن تشيد القصور والمغاني؟ وماذا يضر الوزير والموظف الكبير أن يركب الترام مع الناس، وقد كان مركبَه قبل الوزارة، وإليه معاده بعدها؟ وماذا يضر النائب أن يضرب من نفسه المثل فيقرر لها أربعمئة ليرة بدل الثمانمئة؟ وماذا يضر هذه الأمة لو عقلت، فتركت الترف وهذا السرف، وأخذت بأحد المثلين: المثل العربي في أول الزمان، أو المثل التركي في آخر الزمان؟ متى نعقل؟! ***

стр. 131

بقلم: حقوقي شرعي أستأذن الأستاذ علي الطنطاوي فأستعير عنوانه وزاويته لأكتب كلمة ليست للقراء كلهم بل هي لوزارة العدل وللقضاة والمحامين ورجال الفقه خاصة؛ أبين فيها أثراً صغيراً من آثار الارتجال الشنيع في وضع القانون المدني الذي جاءنا فجأة، كموت الفجأة، فحولنا من حاشية ابن عابدين وفتح القدير والكتاب والسنة إلى كتب الإفرنج وإلى قانون الرومان، وتم ذلك كله من غير درس ولا بحث ولا تدقيق، وهاكم هذا المثال الصغير: نص قانون الأيتام عندنا على أن التركات تحرر في حالتين: تحرر وجوباً عند وجود قاصر أو غائب في الورثة، وتحرر جوازاً إذا كان الورثة كلهم بالغين وطلب أحدهم التحرير. وكذلك الحال في مصر. فلما صدر في مصر القانون المدني نصت المادة ٨٧٦ منه على أنه إذا طلبت تصفية التركات (أي تحريرها) تكلف المحكمةُ الورثةَ أن يتفقوا على مُصفٍّ، فإن لم يتفقوا عينت المحكمة مصفياً بعد سماع أقوالهم. فلم يفهم من هذه المادة في مصر إلا أنها متعلقة بالتصفية الجوازية. ولم يفهم من لفظ المحكمة إلا المحكمة الحسبية ذات الاختصاص التي يقابلها عندنا الشرعية. فجاءت لجنة القانون المدني هنا فمحت كلمة «المحكمة» ووضعت محلها «قاضي الصلح» وتركت المادة على لفظها، وفعلت ذلك كراهية

стр. 132

للمحاكم الشرعية وحباً بالمحاكم الأخرى. وهذه «موضة» العصر؛ ولذلك تنقص وظائف المحكمة الشرعية واختصاصها يوماً عن يوم. وكانت هذه الخطيئة الأولى. وترددت المحاكم وتداخل الاختصاص بين محاكم الصلح والمحكمة الشرعية، وكتب قاضي دمشق الممتاز (١) للحكومة السابقة كتاباً طويلاً معللاً مدللاً عليه، يبين أن هذا النص متعلق -أولاً- بحالة التحرير الاختياري عند عدم وجود قاصر، وأن المادة -ثانياً- تدل على ذلك لأنها اشترطت على الحاكم لتعيين مصفٍّ للتركة سماع أقوال الورثة، وناقصو الأهلية من الصغار والغائبين لا يُسمع له قول، ولا يملك الوصي الكلام عنهم في مثل هذا، لأنه مصالحة إقرار وليس الإقرار، وأن المصلحة -ثالثاً- في قيام مديرية الأيتام بهذا التحرير ... إلى آخر ما في الكتاب. ولكن الوزارة (السابقة) أعرضت عن ذلك كله بفتوى مخطئة من الدائرة القانونية، ونشرت بلاغاً على المحاكم بأن تصفية التركات وتحريرها من وظائف حكام الصلح. وكانت هذه الخطوة الثانية. وعلى أن هذا البلاغ مخالف للقانون، والمحاكم إنما تتبع أحكام القانون لا بلاغات الوزارة المخالفة لها، فإن المحاكم قد اعتبرته قانوناً ومشت عليه.

стр. 133

ونشأ عن ذلك: أولاً: أن الحالة الأصلية للتحرير (وهي حالة الوجوب عند وجود قاصر) قد عطلت تماماً؛ لأن أكثر المحاكم الشرعية قد أخذت ببلاغ الوزارة وتخلت عنها، ومحاكم الصلح لا تنظر فيها لأن مادة القانون لا تنطبق عليها، فكان من ذلك أن وزير العدل السابق قد أبطل ببلاغه حكماً قانونياً في نظام أموال الأيتام، المعتبر من القوانين. ثانياً: أنه قد تبين -بالتطبيق- مقدار الضرر الذي لحق بالقاصرين والبالغين من تولي الحكام تصفية التركات؛ ذلك أن مدير الأيتام موظف مسؤول مدرب على هذا العمل، وكان يذهب لتحرير التركة تحت إشراف القاضي بخرج قدره ... أربع ليرات سورية فقط لكل مرة! فصار الحكام الآن يسلمون التركات إلى مصفّين ليسوا من أهل الاختصاص ولا مسؤولين، وتقرر لهم أجور ... أجور أسوق مثالاً واحداً عليها: تركة عُيّن لها أحد المحامين بأجرة قدرها تسعمئة ليرة سورية فقط! وذهب الحاكم مع الخبير والمصفي أكثر من عشر مرات، كل مرة يدفع فيها عشر ليرات لكل من الحاكم والخبير والمصفي، فبلغ المجموع ألفاً ومئتي ليرة، وكانت دائرة الأيتام تقوم بذلك باثنتي عشرة ليرة فقط! أما الأضرار الناشئة عن الجهل بالمهنة أو سوء الأمانة فإني أسوق عليها مثالاً واحداً: تركة زراعية، أرضاً تبلغ مساحتها عشرات الأفدنة تسقى من (موتور) وتفلح بِـ (تراكتور)، فباع المصفي الموتور وتركها معرضة للعطش والهلاك، ولا يجوز في القانون بيعه إلا بإذن القاضي لأنه معدود من العقار، وباع التراكتور بثلاثمئة وخمس وسبعين ليرة ... هكذا قال المصفي! ثم انتهى الأمر بأن الحاكم صار يعين للتصفية رئيس كتاب أو أحد

стр. 134

مساعديه. أي أنه بدلاً من أن يقوم بها مدير الأيتام (وهو الخبير بها المسؤول عنها) بلا أجرة إلا الخرج القانوني عندما يخرج لحجز أو بيع (ولا يتجاوز ذلك كله عشرين ليرة) صار يقوم بها كاتب غير خبير وغير مسؤول بفاحش الأجر، مع تعطيل أحكام القانون بالنسبة للتحرير الإلزامي. وإنّا نكتفي اليوم بهذا التنبيه، ونرقب ما يصنع وزير العدل الجديد، وما يصنع قضاة الشرع وهم المسؤولون عند الله عن القاصرين، والمسؤولون عند الله عن تطبيق هذا القانون. ***

стр. 135

نحن واليهود عدنا إلى اللجان والوفود والبحوث والدراسات ... لم يكفنا أنا اشتغلنا بالمؤتمرات والتصريحات واليهود يستعدون، وأنّا عقدنا الهدنة ونحن يومئذ الغالبون، حتى جئنا اليوم نوفد الوفود ونتسلى بالكلام وفلسطين يملكها الصهيونيون. هم أوقعوا الأمر ونحن رضينا بِـ «الأمر الواقع»، وهم أخذوا ديارنا قسراً ونحن نطلب منهم «السماح» لنا بالعودة إلى ديارنا، وهم «جمدوا» أموالنا غصباً ونحن «نسألهم» أن يعيدوا إلينا أموالنا، وهم عصوا هيئة الأمم ونحن أطعنا، وهم فعلوا ونحن قلنا، وهم نجحوا ونحن خذلنا. وهم أقل من مليون من نفايات الأمم، ونحن سبع دول ... فيها أكثر من أربعين مليوناً! كأننا نحن اليهود أهل الذلة والمسكنة، وهم العرب أولو العزة والإباء! ولكن لا ... لا والله، ما ذل العرب ولا عزت يهود! وإنا على ما عرفَنا التاريخ، أمة البذل والإقدام والبطولات، ما فقدنا سلائقنا ولكن فقدنا قادتنا ... من قادتنا البلاء ومن زعمائنا.

стр. 136

من الذين كانوا منقسمين على أنفسهم في فلسطين يوم كان زعماء اليهود متحدين ... من الذين كانوا يبتغون لذائذ الزعامة وقصورها وبذخها وولائمها ورحلاتها يوم كان زعماء اليهود لا ينفقون قرشاً في غير السلاح والعتاد ... من الذين كانوا يملؤون الدنيا كلاماً فيكشفون أسرارهم للقريب والبعيد يوم كان زعماء اليهود يستعدون صامتين ... من الذين عملوا لأطماعهم وشهوات نفوسهم يوم كان زعماء اليهود لا يعملون إلا لقضيتهم وحدها ... من الذين كانوا لعبة في أيدي أميركا وإنكلترا يوم كان زعماء اليهود يلعبون بإنكلترا وأميركا ... فهل اعتبر هؤلاء الآن! هل علموا أنهم ضلوا إذ عصوا «دريد» العصر، فارس الخوري، حين أمرهم أمره بِـ «منعرج اللوى»؟ وأن مدافع المبطل تضيع معها خطب المحق ملا تسمع؟ وأن الدنيا لمن غلب؟ هل اعتبروا الآن وفهموا؟ فماذا ينتظرون؟ أليست فلسطين لنا؟ أليست ديارنا؟ أليس الصهيونيون لصوصاً غاصبين؟ فإلى متى يبيت صاحب البيت في الشارع والمسدس في يده واللص ينام في البيت على السرير؟ أتريدون أن نصير معرة تاريخ العرب وأن يلعننا الأحفاد؟ ***

стр. 137

قاوموا هذه الأفلام ما كنت أدري -قبل اليوم- مبلغ ما تصنع هذه الأفلام بنفوس الشبان، وكنت إن أنا رأيتها (ونادر أن أراها ...) أنظر إليها بعين رجل جاز الأربعين من سنين، وبلغ ذروة العمر ثم هبط الجبل من الوجه الآخر، فلم يبق له من ميول الشباب إلا ما يبقى من زاد المسافر في آخر السفر، وخبت في أضلاعه تلك النار فلم تخلف إلا جمرات توشك أن تصير رماداً. فكنت أنكر منها أنها فقدت سنا الفن فاستبدلت به بريق الخلاعة، وأضاعت عقدة القصة، وقوة الإخراج، فوضعت مكانها هذا الغناء المخنث الذي يسمع في كل موقف، ورقص البطن الذي يظهر في كل مشهد، وهذا التهريج الذي لا تخلو منه رواية ولو كانت في زعم مخرجها ملحمة (دراما) لا يصلح لها إلا حوافز البطولة، أو مأساة (تراجيدي) لا يفيد فيها إلا دوافع الألم. ولكني عرفت اليوم أن هذه الأفلام ليست كفراً بالفن وحده، ولا إلحاداً في الذوق فقط، ولكنها مدمرة للأخلاق، مفسدة للشباب، مضيعة للرجولة. عرفت ذلك من الحديث الذي كان يتهامس به تلميذان قعدا إلى جواري في الترام، تلميذان لا أحسبهما فارقا المدرسة الابتدائية، ولا أراهما بلغا مبلغ الرجال، كانت تمر على لسانيهما ألفاظ أرتجف أنا الرجل الكهل عند سماعها تومئ إلى معانٍ خبيثة ما كنت أظن البغايا القارحات يعرفنها، لا، ولا الفساق العتاق من رواد الحانات وقطان المواخير، ويصرحان خلال ذلك بأسماء فلانة وفلانة من الممثلات، ويعرّضان تعريضات نجسة مخيفة

стр. 138

ببنات يذكران أسماءهن مقرونة بضحكات ذات دلالات وآهات وإشارات بالأيدي، قدرت أنهن من بنات الجيران أو قريبات الأسرة. فجعلت أفكر في هذين الولدين: كيف ينصرفان إلى درس أو يصغيان إلى مدرس، ولهما من هذه الهواجس ما يملأ حياتهما حتى ما يدع فيها فراغاً لعلم ولا لعمل؟ وماذا يكون منهما إذا كبرا غداً ودخلا مدخل البلوغ، وتفجرت في أعصابهما الشهوة التي أودعها الله أعصاب الشباب، ماذا يصنعان يومئذ؟ إنهما لن يكونا إلا عبدين من عبيد إبليس، لن يكونا إلا لصين من لصوص الأعراض، لن يكونا إلا مصيبة على البلد ووبالاً على أهله. لا. لا تحسبوا أني أبالغ، فإن هذه هي النتيجة الحتمية للمقدمات التي دل عليها ذلكم الحديث. ولقد أشرت إليه الإشارة التي تحتملها صحيفة سيارة تدخل كل بيت ويقرؤها كل شاب وتراها كل فتاة، ولو أني استطعت أن أنقل الحديث بنصه لقفّت من هوله شعور القراء، ولعلموا أن عرض هذه الأفلام على الفتيان والفتيات جريمة وطنية قبل أن يكون جريمة دينية أو خلقية؛ لأننا نريد شباباً أقوياء يحمون الحمى ويذودون عن البلاد، تفيض قلوبهم رجولة وتلتهب دماؤهم حماسة في الخير، لا مخنثين قد ضاعت عقولهم بين الأفخاذ والبطون! إن هذه الأفلام تفسد كل ما تصنع المساجد في تربية القلوب والمدارس في تنمية العقول والثكنات في تقوية الرجولات، ولو كانت من عمل إسرائيل لتقتل بها روح الجهاد في هذا الشعب لما كانت شراً مما هي الآن. فكافحوها كما تكافحون الكوليرا والجراد وإسرائيل. ***

стр. 139

مريض الوهم أتى علي حين من دهري ركبتني فيه أوهام المرض، فلا أسمع داء إلّا توهمته فيّ، ولا يصف لي أحد ألماً في جسمه إلّا أحسسته في جسمي، حتى سكنت -في طلب الشفاء- عيادات الأطباء، وحفظت -من خوف الداء- أسماء الأدواء، وصرت أعرف من ذكر الأمراض وأعراضها أكثر مما أعرف من أخبار الأدباء وأنباء العلماء، واشتغلت عما كنت معنياً به من العلوم بكتب الطب أنظر فيها، وآخذ نفسي بتعلمها والعمل بها، حتى صرت في الطب نصف عالم. ونصف العالم هو نصف الجاهل، وهو شر أنواع الجهل؛ لأن صاحبه ليس عالماً فيعلم ولا جاهلاً فيتعلم، بل هو كالحكيم توما الذي قال فيه الشاعر: قال حمار الحكيم توما: ... لو أنصفوني لكنت أركب لأنني جاهل بسيط ... وصاحبي جاهل «مُركَّب» وحتى صرت مثل الصيدلاني؛ في بيتي من الأدوية مثل ما في الصيدلية من العقاقير، من كل حلو ومر ومالح تغثي منه النفس، وحامض ينقبض منه الفم، ودواء له طعم كطعم زهرة القنبيط (١) إذا طبخت بلحم قط عجوز مقطوع

стр. 140

الذنب ... وآخر لا طعم له، كأنه النكتة الباردة يستوقفك ثقيل وأنت مستعجل ليقصها عليك ... من كل ما يشرب شرباً، أو يبلع بلعاً، أو يدهن دهناً، أو يحقن حقناً تحت الجلد، أو خلال العضل، أو وسط الوريد. غير أن الصيدلاني يحفظ أدويته في الخزائن ليأخذ بها فلوس الناس، وأنا أحفظها كلها في جسدي فآخذ منها سمومها وأعطي الناس بها فلوسي! وأقبلت على كتب الصحة أعبّ منها وأبتغي بها الوقاية من المرض، فكنت أبحث عن القيمة الغذائية لكل طعام ما فيه من «الزلال» ومن الدهن ومن النشاء، وجمعت جداول الغذاء الكامل، وإحصاء «الفيتامينات» بألفها وبائها وجيمها ودالها، وأحمل قوارير المطهرات في جيبي، فإن صافحت أحداً أو مسست نقداً أو وضعت يدي على حديد الترام أو على حلقة الباب طهرت يدي، ولا أشرب بكأس ولا آكل بملعقة حتى أغسلها ثلاثاً بالصابون، ولا أصيب من الفاكهة حتى أغطها بماء البرمنغنات! فما استفدت من كتب الصحة، ومن أدوية الأطباء، إلّا أني وقعت في الوسواس، وهو أخبث ما يعتري الناس من الأدواء، واجتمعت علي -في وهمي- الأمراض التي لا يمكن اجتماعها، فكتبتها في صحيفة وجعلت أغدو بها على الأطباء، فيضحك بعضٌ مني، ويعرض بعضٌ عني، ويصف لي الأكثرون الأدوية والعقاقير. وما نفعني من ذلك شيء ولا نفى الوهم عني ولا ردّ الصحة إليّ، إلا دواء واحد رخيص ميسور هو ... إن كنتم لم تحزروه فسأقول لكم غداً -إن شاء الله- ما هو (١). ...

стр. 141

نحن والسيدات يا سيداتي ويا آنساتي القارئات: اسمعن هذه القصة، فإني جعلت هذه الكلمة لكن وحدكن. ركبت الترام منذ أيام فلم أجد فيه إلا مقعداً واحداً خالياً أمام فتاة ... لا أريد أن أصف وجهها وما وضع الله فيه من مراهم الجمال، وما وضعت هي عليه من مراهم وأصباغ لستر هذا الجمال، ولا أصور شعرها ولا يديها ولا ... لأني إنما أنشأت هذه الكلمة لأتكلم عن رجليها. فقد لفت الآنسة اللطيفة رجلاً على رجل، ومدت ساقها التي انحسر عنها الثوب حتى لامست المقعد الذي جئت أقعد عليه، فتوقفت لحظة لعلها تنتبه فتتعدل فما أظهرت أنها أحست بي، فلممت ثيابي وجمعت نفسي حتى دخلت فقعدت، فجاء حذاؤها على ثوبي، فتململتُ وتحركت فما حفلتني ولا أبهت لي، فدعوت الجابي (الكمساري) وقلت له: قل للآنسة تنزل رجلها. فنظرت إلي نظر سيد المزرعة ووارثها إلى الفلاح وقالت: أنا حرّة! فقلت: أنت حرة في بيتك يا آنسة. قالت: إذا لم يعجبك فخذ لك (تاكسي). فقلت: يا آنسة، إن للترام آداباً.

стр. 142

فشمخت بأنفها وصعرت خدها وقالت: أنت تعلمني الأدب؟! قلت: نعم، هذه صناعتي مع الأسف. فصرّت وجهها وقلبته حتى صار الناظر إليها يحسبها شربت كوباً من زيت الخروع وقالت بلهجة عريف (شاويش) رفع إلى الرتبة حديثاً: بس! اعمل معروف!! وتلفتت نحو الشارع فكأن المسألة قد انتهت. فأخرجت ساعتي وقلت لها: معك دقيقة واحدة يا آنسة. إمّا أن تنزلي رجلك وإما أن ... أن أعمل ما أراه لازماً. ففكرت لحظة، ووقف الترام، فنزلت وأنزلت معها رجلها! فيا سيداتي ويا آنساتي، هل سمعتن القصة؟ فما قولكن؟ أما أنا فلم أطلب إليها أن تنزل، وإنما طلبت منها، وأطلب من «المرأة» أن تحترمني لتضطرني إلى احترامها، وأن تظهر لي لطفها (ولا أقول ضعفها) لئلا أبدي لها قوتي وبطشي فأثير شكواها، وأن لا تزيد في استغلال رعايتي إياها لئلا أدع رعايتها. أفليس هذا الطلب حقاً؟ وأن تُفهمنني كيف تطلبن المساواة بنا ثم تتعالين علينا؟ ولماذا أنزل للمرأة في الترام عن مقعدي ولا تنزل لي عن مقعدها؟ ولماذا تضع حذاءها على ثيابي ولا أضع حذائي على ثيابها؟ وأين -بعد ذلك- تكون هذه «المساواة» بيني وبينها؟ يا سيدات ويا آنسات، بعضَ هذا الدلال ولكنّ الشكر! ***

стр. 143

الأذان كنت سائراً في العقيبة مفكراً قد تراخت مفاصلي، واسترخت أعضادي، وتيقظ خيالي وانطلق وحده يسبح في بحار الأحلام، أحلام اليقظة التي تعتري الأدباء والفنانين، كما تعتري إخوانهم المجانين ... فإذا بضجة مروعة أرعبتني حتى لقد أحسست أن يداً رفعتني إلى السقف ورمت بي، وإذا أنا أسمع أصواتاً لا يبين منها كلام، ولا يفهم لها معنى، تشبه أن تكون: "لاهو كبور ... روكبر كبر ... شوهد ولا لالواء"، وهي تخرج من حلوق عشرة رجال جهيرة أصواتهم، متينة حناجرهم، يضاعفها أضعافاً هذا المكبر الهائل المنصوب في رأس المنارة! وإذا هذا الكلام هو الأذان في بعض مآذن الشام. وإذا النشيد السماوي الذي لم يقرع سمع الزمان ولا رن في أرجاء الأرض نشيد أروع منه روعة، ولا أجل حلالاً، ولا أعظم في النفس أثراً، ولا أبقى على الدهر خلوداً، قد استحال إلى هذه الضجة المبهمة المرعبة التي لا يدري سامعها -إذا هو لم يعرفها من قبل- من أي لسان هي من ألسنة الجن أو الإنس! كما استحالت شعائر كثيرة من شعائر ديننا إلى مظاهر مشوهة ممسوخة قد أضعنا -بجهلنا- حقائقها، وسلبناها روحها، وجهلنا منها معانيها. الله أكبر، التي جعلها الله شعارنا في أذاننا وفي صلاتنا، نهتف بها إذا

стр. 144

أحرمنا بالصلاة، ونرددها إذا ركعنا أو نهضنا، وإذا سجدنا أو رفعنا، لنوحي بها إلى أنفسنا المعنى الأكبر لهذه الحياة الدنيا؛ وهي الاتصال بالله، ونعيدها كلما خطر على أذهاننا خاطر دنيوي لنذكر نفوسنا بأن الله أكبر منه. «الله أكبر» هذه تغدو على ألسنة مؤذنينا صراخاً كصراخ المحموم لا معنى له ولا روح فيه! وهذا الأذان، الذي هو تلخيصٌ لمبادئ الدين وإجمالٌ لدستوره، يعلن خمس مرات كل يوم من فوق المنائر، كما يكرر البلاغ العسكري أيام الحرب في كل إذاعة ليحفظه الناس ويعوه ولا يبقى لهم عذر إذا جعلوه أو أهملوه ... الأذان الذي يدل على أن ديننا سهل تُختصر مبادئه في كلمات: الوحدانية والرسالة والعبادة (حي على الصلاة) والسعي لكل خير ينفع الفرد والأمة (حي على الفلاح)، وعلى أنه علني واضح لا خبايا فيه ولا خفايا ينادى به على رؤوس الناس ... أيجوز أن يفقد هذا الأذان روعته وجماله وهذه المعاني السامية فيه من أجل عادات لم يعد إليها حاجة ولا لها نفع؟ لقد كان أذان الجماعة من المؤذنين أيام لا سبيل إلى النداء إلا بالحناجر، فما باله اليوم وقد كانت المكبرات، ولم لا يذاع فيها الأذان (فقط، بلا زيادات ولا غناء ليلة الإثنين والجمعة) بصوت عذب نقي واضح لا صخب فيه ولا ضجيج وننقذ الناس من هذا الذي يؤذي الناس، ولا يرضاه الله، ولا يقره الدين؟ ***

стр. 145

أوقفوا الميوعة والفساد قرأت في «نصر» اليوم أن الطلاب رفعوا كتاباً إلى رئيس الحكومة يشكون فيه من خنوثة الإذاعة السورية وفراغها، ومن دعارة الأفلام المصرية وسخافتها، ففرحت واستبشرت؛ لأن في ذلك علامة على أن الطلاب قد بلغوا سن الرشد، وعرفوا طريق الخير، ولم تعد تغريهم مغريات النفوس الضعيفة: أفلام الرقص الخليع، وأغاني الحب الرخيص. وأنا أؤكد أن الأمة كلها مع الطلاب، تشكو من فساد الإذاعة مثل ما يشكون. وقد كانت تأمل الإصلاح بتبدل المدير وتغير المجلس، فبقي كل شيء على حاله، لم يتبدل إلا الموازنة فقد صارت مئة ألف ليرة في الشهر. أي أن هذه الأغاني الرخوة المائعة، وهذه الأسطوانة المكررة المعادة التي تفسد أذواق الشباب ورجولتهم، تكلف الأمة ثلاثة آلاف وثلاثمئة ليرة كل ليلة! إن الأمة كلها، برجالها ونسائها، وكبارها وصغارها، وحضرها وبدوها، قد علمت أننا على وشك حرب مع اليهود، وأن أبناءنا في الجبهة فاتحون صدورهم لتلقي الرصاص، وأن الوقت وقت جد واستعداد. ذلك لم يعد خافياً على أحد إلا على الإذاعة، فهي لا تحس شيئاً منه ولا تعلم أن البرقيات تنثال انثيالاً على رجال الأمر وعلى الصحف تطلب إعلان النفير وتعميم
следующие страницы →