نحن والسيدات
يا سيداتي ويا آنساتي القارئات: اسمعن هذه القصة، فإني جعلت هذه الكلمة لكن وحدكن.
ركبت الترام منذ أيام فلم أجد فيه إلا مقعداً واحداً خالياً أمام فتاة ... لا أريد أن أصف وجهها وما وضع الله فيه من مراهم الجمال، وما وضعت هي عليه من مراهم وأصباغ لستر هذا الجمال، ولا أصور شعرها ولا يديها ولا ... لأني إنما أنشأت هذه الكلمة لأتكلم عن رجليها.
فقد لفت الآنسة اللطيفة رجلاً على رجل، ومدت ساقها التي انحسر عنها الثوب حتى لامست المقعد الذي جئت أقعد عليه، فتوقفت لحظة لعلها تنتبه فتتعدل فما أظهرت أنها أحست بي، فلممت ثيابي وجمعت نفسي حتى دخلت فقعدت، فجاء حذاؤها على ثوبي، فتململتُ وتحركت فما حفلتني ولا أبهت لي، فدعوت الجابي (الكمساري) وقلت له: قل للآنسة تنزل رجلها.
فنظرت إلي نظر سيد المزرعة ووارثها إلى الفلاح وقالت: أنا حرّة!
فقلت: أنت حرة في بيتك يا آنسة.
قالت: إذا لم يعجبك فخذ لك (تاكسي).
فقلت: يا آنسة، إن للترام آداباً.
стр. 142
فشمخت بأنفها وصعرت خدها وقالت: أنت تعلمني الأدب؟!
قلت: نعم، هذه صناعتي مع الأسف.
فصرّت وجهها وقلبته حتى صار الناظر إليها يحسبها شربت كوباً من زيت الخروع وقالت بلهجة عريف (شاويش) رفع إلى الرتبة حديثاً: بس! اعمل معروف!! وتلفتت نحو الشارع فكأن المسألة قد انتهت.
فأخرجت ساعتي وقلت لها: معك دقيقة واحدة يا آنسة. إمّا أن تنزلي رجلك وإما أن ... أن أعمل ما أراه لازماً.
ففكرت لحظة، ووقف الترام، فنزلت وأنزلت معها رجلها!
فيا سيداتي ويا آنساتي، هل سمعتن القصة؟ فما قولكن؟
أما أنا فلم أطلب إليها أن تنزل، وإنما طلبت منها، وأطلب من «المرأة» أن تحترمني لتضطرني إلى احترامها، وأن تظهر لي لطفها (ولا أقول ضعفها) لئلا أبدي لها قوتي وبطشي فأثير شكواها، وأن لا تزيد في استغلال رعايتي إياها لئلا أدع رعايتها. أفليس هذا الطلب حقاً؟
وأن تُفهمنني كيف تطلبن المساواة بنا ثم تتعالين علينا؟ ولماذا أنزل للمرأة في الترام عن مقعدي ولا تنزل لي عن مقعدها؟ ولماذا تضع حذاءها على ثيابي ولا أضع حذائي على ثيابها؟ وأين -بعد ذلك- تكون هذه «المساواة» بيني وبينها؟
يا سيدات ويا آنسات، بعضَ هذا الدلال ولكنّ الشكر!
***
стр. 143
الأذان
كنت سائراً في العقيبة مفكراً قد تراخت مفاصلي، واسترخت أعضادي، وتيقظ خيالي وانطلق وحده يسبح في بحار الأحلام، أحلام اليقظة التي تعتري الأدباء والفنانين، كما تعتري إخوانهم المجانين ... فإذا بضجة مروعة أرعبتني حتى لقد أحسست أن يداً رفعتني إلى السقف ورمت بي، وإذا أنا أسمع أصواتاً لا يبين منها كلام، ولا يفهم لها معنى، تشبه أن تكون: "لاهو كبور ... روكبر كبر ... شوهد ولا لالواء"، وهي تخرج من حلوق عشرة رجال جهيرة أصواتهم، متينة حناجرهم، يضاعفها أضعافاً هذا المكبر الهائل المنصوب في رأس المنارة!
وإذا هذا الكلام هو الأذان في بعض مآذن الشام. وإذا النشيد السماوي الذي لم يقرع سمع الزمان ولا رن في أرجاء الأرض نشيد أروع منه روعة، ولا أجل حلالاً، ولا أعظم في النفس أثراً، ولا أبقى على الدهر خلوداً، قد استحال إلى هذه الضجة المبهمة المرعبة التي لا يدري سامعها -إذا هو لم يعرفها من قبل- من أي لسان هي من ألسنة الجن أو الإنس! كما استحالت شعائر كثيرة من شعائر ديننا إلى مظاهر مشوهة ممسوخة قد أضعنا -بجهلنا- حقائقها، وسلبناها روحها، وجهلنا منها معانيها.
الله أكبر، التي جعلها الله شعارنا في أذاننا وفي صلاتنا، نهتف بها إذا
стр. 144
أحرمنا بالصلاة، ونرددها إذا ركعنا أو نهضنا، وإذا سجدنا أو رفعنا، لنوحي بها إلى أنفسنا المعنى الأكبر لهذه الحياة الدنيا؛ وهي الاتصال بالله، ونعيدها كلما خطر على أذهاننا خاطر دنيوي لنذكر نفوسنا بأن الله أكبر منه.
«الله أكبر» هذه تغدو على ألسنة مؤذنينا صراخاً كصراخ المحموم لا معنى له ولا روح فيه!
وهذا الأذان، الذي هو تلخيصٌ لمبادئ الدين وإجمالٌ لدستوره، يعلن خمس مرات كل يوم من فوق المنائر، كما يكرر البلاغ العسكري أيام الحرب في كل إذاعة ليحفظه الناس ويعوه ولا يبقى لهم عذر إذا جعلوه أو أهملوه ... الأذان الذي يدل على أن ديننا سهل تُختصر مبادئه في كلمات: الوحدانية والرسالة والعبادة (حي على الصلاة) والسعي لكل خير ينفع الفرد والأمة (حي على الفلاح)، وعلى أنه علني واضح لا خبايا فيه ولا خفايا ينادى به على رؤوس الناس ...
أيجوز أن يفقد هذا الأذان روعته وجماله وهذه المعاني السامية فيه من أجل عادات لم يعد إليها حاجة ولا لها نفع؟
لقد كان أذان الجماعة من المؤذنين أيام لا سبيل إلى النداء إلا بالحناجر، فما باله اليوم وقد كانت المكبرات، ولم لا يذاع فيها الأذان (فقط، بلا زيادات ولا غناء ليلة الإثنين والجمعة) بصوت عذب نقي واضح لا صخب فيه ولا ضجيج وننقذ الناس من هذا الذي يؤذي الناس، ولا يرضاه الله، ولا يقره الدين؟
***
стр. 145
أوقفوا الميوعة والفساد
قرأت في «نصر» اليوم أن الطلاب رفعوا كتاباً إلى رئيس الحكومة يشكون فيه من خنوثة الإذاعة السورية وفراغها، ومن دعارة الأفلام المصرية وسخافتها، ففرحت واستبشرت؛ لأن في ذلك علامة على أن الطلاب قد بلغوا سن الرشد، وعرفوا طريق الخير، ولم تعد تغريهم مغريات النفوس الضعيفة: أفلام الرقص الخليع، وأغاني الحب الرخيص.
وأنا أؤكد أن الأمة كلها مع الطلاب، تشكو من فساد الإذاعة مثل ما يشكون. وقد كانت تأمل الإصلاح بتبدل المدير وتغير المجلس، فبقي كل شيء على حاله، لم يتبدل إلا الموازنة فقد صارت مئة ألف ليرة في الشهر. أي أن هذه الأغاني الرخوة المائعة، وهذه الأسطوانة المكررة المعادة التي تفسد أذواق الشباب ورجولتهم، تكلف الأمة ثلاثة آلاف وثلاثمئة ليرة كل ليلة!
إن الأمة كلها، برجالها ونسائها، وكبارها وصغارها، وحضرها وبدوها، قد علمت أننا على وشك حرب مع اليهود، وأن أبناءنا في الجبهة فاتحون صدورهم لتلقي الرصاص، وأن الوقت وقت جد واستعداد. ذلك لم يعد خافياً على أحد إلا على الإذاعة، فهي لا تحس شيئاً منه ولا تعلم أن البرقيات تنثال انثيالاً على رجال الأمر وعلى الصحف تطلب إعلان النفير وتعميم
стр. 146
التدريب حتى تكون البلد كلها ثكنة عسكرية، ولا تزال سادرة في خنوثتها ولهوها. فهل سمعتم أن في الدنيا قوماً يطرقهم اللص المسلح ليزهق أرواحهم وينهب أموالهم، ثم يعكفون على الرقص والغناء؟
أنقوي العزائم، ونشحذ الهمم، ونعد الرجال ليوم الكريهة، بِـ «انزلي، ما بنزل إلا بحلق الماس» و «لهاليبو يا ولد» وهذا الهذيان الذي لا يصدر في مثل هذه الأيام إلا عن غفلة أو حماقة أو عداء مبيت لهذا الوطن؟ أين الإذاعة التي تنفخ الحماسة في الصدور، وتصب القوة في الأعصاب، وتعلم هذه الأمة كيف تحفظ مالها، وتصلح حالها، وتهذب أخلاقها، وتستكمل رجولتها؟
...
وهذه الأفلام المصرية، لماذا لا يصدر قانون يحرم عرضها ويحاربها كما يحارب الجراد والكوليرا واليهود؟ وإذا كان الجراد يأكل الزرع، والكوليرا تضني الجسم، فإن هذه الأفلام تأكل الرجولة وتنهك الأخلاق.
إننا في يوم شديد ... إننا على أبواب حرب ... إن العدو قريب منا متربص بنا، وإن كل أغنية رخوة في الإذاعة، وكل فلم داعر في السينما، إضعاف للوطن، وتقوية للعدو، وطعنة من وراء للجيش الذي يرابط على الحدود يقف في وجه اليهود!
***
стр. 147
مرحباً بالغارات
حدثني الأخ السيد عمر الحكيم، الأستاذ في كلية الآداب (وقد كان في ألمانيا أواخر الحرب الماضية، وفرّ منها مع ابنته قراراً يشبه خبرُه -على غرابته- الأساطير) قال:
"كانت تغير على برلين خمسة آلاف طيارة، تضربها ضرباً يزلزل الأرض، ويرج الجبال، حتى لكأن القيامة قد قامت، وجهنم قد فتحت أبوابها. فإذا فرغت أحمالها وصبّت رزاياها وانصرفت، سكتت مدافع الطيارات، وخرج الناس من الملاجئ، ودارت السيارات الحكومية تقرع الأجراس، ومعها صفائح كبيرة من الأخشاب والورق المقوى، ومسامير، فكل من هدم جداره، أو ضرب بيته، أخذ من هذه الصفائح، فجعل منها جداراً مكان الجدار الذي انهد، وبيتاً بدل البيت الذي سقط. فلا ينتهي من البناء حتى تعود الغارة ويعود الناس بعدها إلى العمل، ويتكرر ذلك مرات في اليوم ... ".
ونحن قد مرت بنا طيارة واحدة، ضربت الشام بخمس قنابل، فجزع الناس وفزعوا، وهرب منهم من هرب، فلم يعد يستطيع مقاماً.
فما الفرق بيننا وبينهم؟
стр. 148
أنحن مخلوقون من الطين وهم مصبوبون صب الحديد؟ لا. ولكنها العادة، والمران، ومكابدة الأهوال، وممارسة الخطوب. وأنا أتمنى -والله- (وإن كره بعض القراء) أن تتوالى علينا الغارات، وأن نذوق لذع الحرب، ونكوى بنارها، ولو كان في ذلك خراب دور من دورنا، وقتل ناس من أهلنا.
إن الألمان ليسو أصفى منا جوهراً، ولا أطيب أصلاً، ولا أقوى أعصاباً، ولكن حياة الدعة والخمول والقعود عن الحروب كادت تفقد العرب أجمل سلائقهم وأحسن سجاياهم: الصبر والجلد واحتمال الشدائد ومقارعة العدا.
إن العرب اليوم سبعون مليوناً، والمسلمين أربعمئة مليون، وخير من هذه الـ «أربعمئة مليون» أولئك الأربعون الذين كانوا في دار الارقم؛ لأن أولئك عاشوا للجهاد والدعوة، ففتحوا الدنيا، وشادوا المجد الذي نطح النجم، وزحم الدهر، ونحن عشنا للدعة والأمن واللذات فتركنا كلاب اليهود تفتح بلادنا.
اقرؤوا سيرة النبي محمد ﷺ ، مَن كان سيد العرب، وخير البشر، تروها نضالاً مستمراً، وجهاداً في سبيل الله، ما استراح يوماً، ولا استسلم إلى الخفض واللين.
فافرحوا إن شمرت الحرب عن ساقها، ورحّبوا بالشدائد فإنها امتحان الرجال.
إن عشر غارات على دمشق، تنقيها من كل خوّار ضعيف، وتنفي عنها الجبناء المخانيث، كما تنفي النار النحاس عن الذهب الخالص.
إن عشرين مليون عربي، كلهم رجال، وكلهم أبطال، وكلهم مساعر
стр. 149
حرب، وأبطال جلاء، خير من هذه الملايين السبعين التي لا تصنع شيئاً.
فمرحباً بطيارات اليهود وأهلاً، إنها بداية الهوان لهم وبداية العز لنا!
حاشية: أما الكلام فيما يجب على الحكومة من التدريب والتوجيه والدعاية وإعداد وسائل الدفاع السلبي، فموعده كلمة الغد إن شاء الله.
***
стр. 150
الزواج ... مرة أخرى
كنت أكتب كلمة اليوم حين جاءتني الجريدة الصباحية، فوضعت قلمي، وأخذت الجريدة، فوجدت فيها مقالة طويلة عريضة ووجدت صاحبها يقول (بهذا النص): يا أيها الآباء، لا نريد التزوج من بناتكم!
- لماذا؟
قال: لأن الآباء يطلبون مهراً وجهازاً وهدايا.
هذه الأغنية التي صارت مثل أغنية الشيطان، هذا الكلام الفارغ المردد الذي لا معنى له ولا حقيقة فيه، لأنه إذا كان في الآباء حمقى يظنون حين يأتيهم الخاطب أنه قد جاءهم المشتري، فتغلب عليهم خلائق التجار، ويحسبونها صفقة بيع وشراء، فإن في الآباء من لا يطلب إلا الزوج الصالح الكسوب الذي يسعد بالمرأة وتسعد به المرأة. ولو أن كل شاب خطب بنتاً من طبقته، وصاهر ناساً من أمثاله، وطلب من يعدله في المال ويقاربه في المعيشة ويوافقه في فهم الحياة، لما كان لهذه الشكوى أثر.
لا تريدون التزوج ببناتنا ... أنتم أحرار، ولكنا نحن أحرار، ونحن لا نريد أن تفسدوا بناتنا، ولا أن تغروهن بالخطيئة، ولا أن تخالطوهن ولا أن تكلموهن. فإذا قبلتم، فإن الله الذي أغناكم عنا يغنينا عنكم. أما إذا كنتم لا
стр. 151
تريدون الزواج ببناتنا وتريدون أن تتصلوا ببناتنا من غير زواج، فأنتم إذن ... أنتم أعداء لهذا الوطن، عاملون على خرابه، وإن مكانكم السجن!
أليس هذا الكلام -على قسوته- حقاً؟ هل في الدنيا عاقل يخالف فيه؟ هل يرضى رجل شريف أن يعطيكم بنته بغير زواج؟
لا. إن القضية ليست قضية مقالة تنشر ليفرح صاحبها برؤية اسمه الكريم منشوراً في الجريدة، وليست قضية رأي «لي رأيي ولك رأيك»، ولكنها قضية حياة أو موت لهذه الأمة، إي والله، ولأمجادها وشرفها ومفاخرها. وإذا كان يحرم -في الشرع والقانون- أن يكتب إنسان في صحيفة مقالاً في الدعوة إلى السرقة أو إلى القتل، فإنه يحرم كذلك في القانون والشرع أن يكتب في الدعوة إلى الزنا، وفي التنفير من الزواج، ويجب وجوباً اعتبار هذه الكتابة جرماً وسوق صاحبها إلى النيابة.
ونحن الآباء على حق حين ندافع عن عفاف بناتنا، أن تودي به هذه الدعوات الآثمة، ولا يستطيع أحد أن ينكر عليها هذا الحق.
...
إن الذي يلهي الشباب عن الزواج هو هذا الاختلاط، فإذا شئتم أن يشفى المريض فاقطعوا أسباب المرض، وامنعوا دواعي الداء، وإلا لم ينفع علاج. ماذا ينفعكم أن توقد المدفأة، والشباك مفتوح تدخل منه العواصف والأمطار؟
***
стр. 152
نريد شباباً أعزّة
رأيت جنازة أمامها تلاميذ صغار، بعضهم يحمل أكاليل الزهر وبعضهم يقرع طبولاً معلقة بالأعناق، كل واحد منها أكبر من حاملها، أو ينفخ في أبواق ضخمة يعجز الرجل القوي عن النفخ فيها إلا أن يبذل جهده ويرهق نفسه ويهلك رئته، فسألت، فإذا هؤلاء تلاميذ مدرسة خيرية، وإذا هم أيتام تخرجهم المدرسة كلما مات ميت، وتنزع عنهم أسمالهم البالية لتلبسهم هذا الألبسة، وتجمع من ورائهم المال لمشروعها الخيري.
فتألمت -والله- لحالهم، وعجبت كيف يكون الشر سبيلاً إلى الخير، وكيف ينقلب الإصلاح إلى فساد، وكيف نعبث بجلال الموت بهذه الألاعيب: بالآس والزهر والطبل والزمر، وروعةُ الموكب في الصمت، وجلالُ الموت (كما قال شوقي) بالموت.
إن البر باليتامى أن نمسح عن قلوبهم أثر الأحزان، وننسيهم آلام اليتم ومذلة فقد الأب، وننشئهم على العزة والمسرة والكرامة والأمل، لا أن نريهم دائماً صور المآتم وأشباح الجنائز؛ فنذكرهم بمصابهم ويتمهم، وأن نكسر نفوسهم ونجعلهم (كلاليب جنازة ...) وأن نفهمهم أن هذا هو عملهم الأول وأن الدرس عمل ثان؛ لذلك نعطل الدروس إن جاءت الجنازة، ونعلمهم الرياء؛ فنلبسهم هذه الحلل يوم الخروج ليحسب الناس أن هذا هو لباسهم،
стр. 153
وما لباسهم إلا الخرق والمزق وبالي الأسمال، وأن نشحذ عليهم كما تشحذ «عجوز القنوات» على الأولاد الذين تستأجرهم وتضجعهم أمامها على الأرض ...
إن هذه الجمعية الخيرية عزيزة عليّ، ولم أكن لأعلن نقدها لو كان أفاد معها النقد السري، وإني سأخشن لها القول إذا لم ينفع معها هذا الكلام اللين.
لأن الوطن يريد شباباً أعزة كراماً ملء نفوسهم الأمل، وقيد أبصارهم الحياة. لا يريد شباباً أذلة شحاذين يلحقون الجنائز ويعيشون بالموت!
***
стр. 154
متى نثق بأنفسنا ؟
من أمد قريب زارني رجل كنت أعرفه مدير مدرسة أهلية، ومعه شاب غريب قابلني بأدب وتواضع وقال لي إنه الملحق الثقافي في المفوضية الإنكليزية، ليأخذ مني تصريحاً بأن الشيوعية مخالفة للإسلام. فأفهمته بأن الشيوعية والديموقراطية، والروس والإنكليز والأميركان كلهم عدو للإسلام.
وانصرف غير مسرور ...
وكلمني بعد ذلك بيوم رجلٌ كنت أعرفه في العراق معلمَ رسم، فقال بأن الملحق الصحافي الروسي يريد هو الآخر أن يزورني، فأخبرته أنه لا شأن لي به ولا بالآخرين، وأنهم كلهم عدو. وانصرف غير مسرور ...
وجعلت أفكر، أفكر في هذه الحال التي لا يمكن أن تصل إلى أسوأ منها أمة ذات كرامة واستقلال.
غدونا مثل الشحاذين الذين يمدون أيدهم ليتلقفوا كل ما يلقى فيها. والحكومة غافلة، والعلماء نائمون.
الحكومة لا تفتح عينيها لترى ما يصنع هؤلاء الناس، وكيفا يتصلون برجال منا: يزورني أحدهم أول مرة فيكون التعارف، ثم يدعوني فتكون المودة، ثم يتصل الود فتكون الصداقة، ثم أصير جاسوساً وأنا لا أشعر!
стр. 155
وإلا فما هو الجاسوس، وماذا يصنع أكثر من هذا؟
وهؤلاء الوسطاء: أليسوا سوريين؟ ألا يعد عملهم هذا خيانة للوطن؟ ألا تمتد إليهم يد القانون؟
لقد تخلصت أنا من الرجلين لأني قد تعودت بأن أقول ما يقال، ولو خالفت هذا الآداب المخنثة المائعة التي يسمونها آداب المجاملة، وعرف الناس ذلك عني، فصاروا يقبلونه مني. ولكن ما كل واحد يستطيع الخلاص منهم. فأين الحكومة؟
والعلماء لا يشعرون أن عليهم واجباً ثقيلاً، هو أن يفهموا الشباب أن النظام الشيوعي والنظام الرأسمالي، ليسا هما كل شيء، ولا يجب حتماً أن نتبع واحداً منهما، ونكون مطايا لأصحابه، وأن لنا نظاماً مستقلاً، نظاماً كاملاً شاملاً يحل هذه المشكلات كلها على طريقته؛ وهو الإسلام.
لقد قام رجل مسلم فصرح بهذه الحقيقة وسط الكونغرس الأميركي، هو لياقت علي خان، قبل أن يقوم العلماء المسلمون فيصرحوا بها في جامع بني أمية.
فأين العلماء؟
ومتى نشعر بكرامتنا فلا يطمع فينا كل راغب، ولا يستامنا كل طالب؟ ومتى نعرف ثرواتنا، فلا نمد أيدينا لنشحذ أبداً؟ نشحذ القوانين، وعندنا أعظم تشريع في الدنيا، ونشحذ المبادئ الاجتماعية والأساليب الأدبية كما نشحذ الموضات وأدوات الزينة؟
متى نكون رجالاً نقبل من الغرب النافع ونرفض الضار؟ ومتى نرى الحق حقاً ولو كان من مصنوعات الشرق، ونرى الباطل باطلاً ولو كان
стр. 156
عليه دمغة الغرب؟
متى نعرف قيمة أنفسنا فلا نذوب ونمحى إذا وقفنا أمام المسيو، ولا تنعقد ألسنتنا ونخرس إذا قال المستر، بل نواجههم مواجهة الرجال ونأخذ منهم ونرد عليهم، ونعلم أن المنبع الذي غرفنا منه حضارتنا ومجدنا وأفضنا منه على الغرب لا يزال متدفقاً جارياً، وأنا نستطيع أن نغرف منه وأن نفيض على العالم مرة أخرى؟
إننا لا نحتاج إلا إلى شيء من الثقة بأنفسنا والإيمان بكفاياتنا، وبأن لنا ثروة من العلم والتشريع والحضارة والخير والعدالة الاجتماعية لا نحتاج معها إلى «شحاذة» القوانين والمبادئ ... هي الإسلام.
***
стр. 157
الموضة
كنت أعددت لهذا العدد كلمة غير هذه وحملتها إلى الجريدة، فلقيني عند باب العمارة صديق لي من الموظفين له مرتب جيد وزوجة متعلمة بنت أكابر، وقال لي: أستحلفك بالله أن تسمع ما أقول لك وتنشره غداً.
قلت: إني هيأت كلمة الغد، وهي معي، فانتظر يوماً آخر.
قال: لا والله. لا تكتب إلا عني.
قلت: أتريد أن أعدك من غير أن أعرف الموضوع؟ لعله سخيف.
قال: إنك تكتب أشياء كثيرة لا تخلو من سخف ... فاحسب هذه منها.
قلت: طيب ... إنّا لله؛ تفضل.
قال: اشتريت لزوجتي الشتاء الماضي ثوباً للسهرة من الجوخ الغالي، غرمت في ثمنه وخياطته ثلث راتبي بالضبط، واضطرب ميزان مصروفي، وقاسيت الضيق أشهراً، حتى إذا أوشكت أن أسد النقص وأدفع العجز في الموازنة تغيرت «الموضة» وجاء زي التطويل والتعريض، فقامت تطلب ثوباً جديداً، ودأبت تلح علي وتثقب أذني وتأخذ بخناقي حتى ذهبت فاشتريته لها، وغرمت هذه المرة نصف الراتب. فلم ينقض إلا زمن يسير حتى تغيرت «الموضة ...» وصار الزي أن يكون الثوب إلى نصف الساق لا يصعد
стр. 158
إلى الركبة كما كان أولاً ولا ينزل إلى الكعب كما صار ثانياً، فعادت إلى الطلب، فماذا أصنع؟ ومن أين أشتري لها ثوباً جديداً؟ وإذا أنا استدنت واشتريته وأكلت الخبز والجبن شهرين لوفائي الدين، فمن يضمن لي ألا تتغير «الموضة» مرة رابعة وخامسة وعاشرة ما دامت الأزياء في باريس ونيويورك تلعب بنا كما تريد وتأخذ من أموالنا وتمتص دماءنا؟ ومن يخلصني منها ومن امرأتي المحترمة التي حيرتني: إن رددت طلبها نغصت حياتي، وإن أجبتها خربت بيتي؟
ماذا تعمل أنت؟
قلت: أما أنا فقد عافاني الله مما ابتلاك به، ولكني أسأل لك القراء!
***
стр. 159
تشابه أسماء
كثيراً ما يحمل شخصان اسماً واحداً فيُظنان شخصاً واحداً، وتكون من ذلك قصص طريفة وأخبار، منها ما وقع من أسبوعين حين جاء الناس يعزونني بالصديق الحبيب أنور العطار أطال الله حياته لأن سَمِيّه توفي ﵀، ومنها أن الطالب محمد البزم دعي مرة إلى جلسة المجمع مكان الأستاذ محمد البزم، ومنها أن الأستاذ الشيخ صبحي الصباغ تلقى مرة إنذاراً شديداً موجهاً إلى رجل في الحي اسمه صبحي الصباغ.
ومنها، ومن أعجبها، أني عرفت من أيام أن قاضي دمشق يحمل اسماً مثل اسمي ... وأن الناس يظنون أني وإياه شخص واحد ويحسبون أن علي الطنطاوي القاضي هو علي الطنطاوي الذي يكتب هذه الكلمات، ولا يزالون -لذلك- ينقدون ما أكتب، ويعترضون سبيلي، ويضايقونني. فإن أشرت إلى الحب قالوا: "وهل يكتب القاضي في الحب؟ "، وإن قسوت في نقد قالوا: "وهل يسب القاضي الناس؟ ". ولا يزالون يلقاني الواحد منهم في الطريق، أو يجاورني في الترام، فيحدثني حديث المحكمة ويكلمني في قضاياها. يظن أني القاضي، فيستغل لطفي ... ورقتي ... مع أني سمعت أن القاضي الذي يحمل اسمي رجل جاف الوجه -والعياذ بالله- جافي الطبع، ماضي اللسان، لا يقبل شفاعة ولا وساطة ولا سبيل إلى «التفاهم معه» ...
стр. 160
وقد خدع هذا التشابه في الاسم صديقي القديم الأستاذ وديع الصيداوي فجعله يكتب في عنوان هذه الكلمات «بقلم الأستاذ الشيخ فلان» وخدع من يرد عليّ فلا يزالون يكتبون «فضيلة الشيخ» و «قال فضيلة الشيخ» مع أني أديب من عباد الله الأدباء المساكين، أقول ويُقال لي، وأرد ويُرد علي، وأمدح وأُمدح، وأهجو وأُهجى، وإنني في هذه المحنة من أكثر من عشرين سنة، سمعت فيها من مدحي حتى لا يطربني مدح، وقرأت فيها من شتمي حتى لا يهزني شتم.
لذلك أرجو من إخواننا الكتّاب الذين يتفضلون بمناقشتي، ومن الشباب الذين يريدون أن يتعلموا الكتابة فيّ (كما يتعلم الحلاقون الحلاقة برؤوس اليتامى) أن يكتبوا بحرية وأن يدَعوا معي هذا «الأدب ..» الذي لم أتعود عليه. وأرجو من القراء أن يعلموا أني رجل أديب أكتب ما يكتب الأدباء، وأقول ما يقولون، وأني أمدح وأهجو وأصفر وأعرض للحب وأصور العواطف، وأنه لا صلة بيني وبين ذلك القاضي إلا أن المصادفة جعلته يحمل اسماً مثل اسمي.
***
стр. 161
موازين الحق
في سيرة عمر بن عبد العزيز: أن عمر كان ينهى سليمان بن عبد الملك عن قتل الحرورية (أي الخوارج)، ويقول: ضعهم في الحبس حتى يحدثوا توبة. فأتي سليمان (وهو الخليفة) بحروري مستقتل، فقال له سليمان: إيه؟ فقال: نزع الله لحييك يا فاسق يا ابن الفاسق. فقال سليمان: عليّ بعمر بن عبد العزيز. فلما أتاه عاود سليمان الحروري فقال: ما تقول؟ قال: وماذا أقول يا فاسق ابن الفاسق؟ فالتفت سليمان إلى عمر وقال: يا أبا حفص، ماذا ترى عليه؟ فسكت عمر. فقال: عزمت عليك لتخبرني. قال عمر: أرى عليه أن تشتمه كما شتمك.
هذا وسليمان أمير المؤمنين والحاكم المطلق فيما ندعوه اليوم بجمهورية سورية، ولبنان، والأردن، وفلسطين، والعراق، وإيران، والأفغان، وأرمينيا، والباكستان، ومصر، والسودان، وبرقد (١)، وتونس، والجزائر، ومراكش، وإسبانيا، والبرتغال، والسعودية، واليمن ... وبلاد أخرى لعلي نسيتها. كان له وحده الأمر والنهي فيها، والعطاء والمنع، وكان سيد العالم وأعظم ملوك الأرض، يشتمه ثائر وقح أقبح الشتم، فلا يرى عمر عقوبة له إلا أن يرد الخليفة الشتيمة عليه، وحكومتنا (حفظ الله حكومتنا) إذا كتبت جريدة تنكر
стр. 162
الله باسم الكلام على «الوجودية» (١) أو تفسد أخلاق الناشئة باسم التقدمية، أو تسفّه عقائد الأمة وتسخر من دينها باسم تلخيصها كتاباً سخيفاً لمؤلف جاهل، لم تقل لها شيئاً بل إنها تأتي بمن كتب ينكر الله فتجعله مفتشاً وموجهاً، وإذا كتب عنها أحدٌ من الصحفيين كلمة أمسكت بتلابيبه، واستاقته إلى القاضي!
ولو أخذت بحكم عمر لزلزلت الأرض بمن يعدو على الدين، أو يسيء إلى الخلق، أو يؤذي الوطن، ولو كلت بمن يسبها رجالاً من ذوي الأقلام الحادة والألسنة الطويلة، فوضعتهم في دائرة المطبوعات، وسلطتهم عليهم يناوشونهم ويقرعون حججهم بأقوى منها ويضربون شتائمهم بمثلها، واستراحت وأراحت القضاء.
...
стр. 163
كفانا غفلة
إذا فاجأك رجل فأعطاك صرة فيها ألف ليرة ذهبية، ثم مضى لم يسألك بدلاً عنها ولا عوضاً منها، لم يسألك ولا الشكر عليها، كيف يكون شكرك له ومحبتك إياه؟ خبرني، ألا تحس أنه صار أحب إليك من أخيك وأمك وأبيك؟ وإذا أعطى إنسان ولدك الصغير علبة فيها من بديع الطرف وغريب اللطف ما لا يجرؤ على أن يحلم بمثله، ألا تكون هذه العلبة أحسن عنده من الصرة عندك؟
فكيف جرى -إذن- توزيع هذه العلب الأميركية على تلاميذ المدارس؟ كيف سمحت الحكومة بهذه الدعاية المكشوفة للأميركان بعدما صرحت الأمور وهتكت الستر وظهر أن أميركا هي التي رمتنا بشر الدواهي التي عرفها تاريخنا الحديث: بإسرائيل؟ وهل صرنا يُضحَك علينا بعلب اللعب تعطى لصبياننا ويلقنون معها حب أميركا والتسبيح بحمدها، هم وأهلوهم في دورهم، كما يضحك على زنوج أفريقيا بالخرز والأمشاط والمصابيح الكهربائية، وتؤخذ -عوضاً عنها- بلادهم وحرياتهم وكرامة نفوسهم؟
وكيف قبلت إحدى جمعياتنا الوطنية أن تكون هي واسطة هذه الدعاية؟ أما كان خيراً لو ردت هذه التوافه وأرت أصحابها أننا أمة يقظة أبية لا تجوز عليهم الأضاحيك؟ أو لو ينفق ثمنها على إطعام اللاجئين الذين تؤخذ
стр. 164
الدنيا باسمهم ولا ينالون منها إلا الفتات، وتقام الحفلات والولائم بأموالهم ويبقون يسألون على الباب؟ وكيف يدعى مديرو المدارس الرسمية بكتاب رسمي من الوزارة إلى المكتب الثقافي البريطاني ليروا فلماً اختاره لهم المكتب؟ فلماً علمياً (بالطبع) ليس فيه شيء، ولا يراد من إنفاق الأموال على عرضه إلا منفعتنا نحن فقط! وكيف نوزع الأفلام الأمريكية على مدارسنا؟
إلى متى نبقى مغفلين تلعب بنا دعايات الأميركان والإنكليز والروس؟ متى ننتبه؟ متى نعي؟
***
стр. 165
الشفاعة للمجرم جريمة
لا تدخل مجلساً، ولا تتحدث إلى أحد في شؤون البلد، إلا سمعت منه الشكوى المرة من بعض الموظفين الأشرار الذين يبيعون المصلحة العامة والأمانة والواجب بما يملأ جيوبهم أو يرضي شهواتهم، ويعجبون من بقاء هؤلاء الأشرار في مناصبهم، وثباتهم على كراسيهم، ويحملون الرؤساء تبعة بقائهم .. مع أن الذي يبقيهم ويدافع عنهم هم هؤلاء الناس الذين يشكون منهم. وكلما قام في دائرةٍ رئيسٌ مصلح حازم، فطرد واحداً من هؤلاء المفسدين أو كف يده، سلط هذا الموظف أصدقاءه واستعان هؤلاء بأصدقائهم، حتى يتوصلوا إلى إخوان الرئيس وإلى من يعز عليه، وإلى أصحاب المعالي وإلى وجوه الناس، فيصوروا لهم هذا المفسد المطرود على صورة الشهيد المظلوم، ويلبسوه ثوب التقى، ويحيطوا هامته بهالة التقديس، ولو كان اللص الذي يسرق في المحكمة، أو الفاجر الذي يفسق في الجامع.
ولا يزال هذا الجيش من الأصدقاء والكبراء والوجهاء يلاحق هذا الرئيس المصلح في مكتبه وفي داره، ويقابله بالكلام ويراسله بالكتب ويبعث إليه بالبطاقات، وهو يجاوب هذا ويكلم ذاك ويقنع الثالث ويشرح الأمر للرابع، حتى تتحطم أعصابه وتهن قواه. وهو إن تراجع خان المصلحة،
стр. 166
وإن ثبت عادى هؤلاء الوسطاء جميعاً، يقولون: "خطيّة (١) .. حرام؛ له عيال .. قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق ... ".
والناس الذين يؤذيهم هذا الشرير، أليسوا «خطيّة»؟ أليس ظلمهم حراماً؟ وكيف نصلح إذن؟ كيف نطهر الدوائر؟ وهل في الدنيا مجرم ليس له عيال، أفنجوع عيال الناس ليشبع بالسرقة عياله؟ أنخرب بيوت الناس ليعمر بالإجرام بيته؟
يا ناس، حرام عليكم؛ إن هذه الشفقة عاطفة مخنثة آثمة. إن الذي يتشفع بالمجرم مجرم آخر، إن كلمة «خطية ... حرام» هي التي أدالت دولة آل عثمان.
...
стр. 167
حاربوا الرذيلة (١)
يظهر أن الأستاذ علي الطنطاوي من يوم صار قاضياً ممتازاً آثر وقار ذي السن، ومجاملة ذي المناصب، عما تعوده من قولة الحق، والصدع به. وإلا فكيف قرأ هذا المقال الذي نشره «ف. س» عما في حي السبكي واستطاع أن يملك أعصابه فلا يحركها ما فيه، وإنه ليحرك الحجر؟
إنني أقسم برب العزة أن هذا الأمر لو كان قبل عشرين سنة لرج البلد من أرجائها رجاً ولأقام ثورة ولأسقط حكومة، فماذا جرى لنا؟
وهل بلغنا من المذلة ومن فقد المروءة ومن ضياع النخوة، أن نرى المواخير وسط منازلنا، والزنا على مرأى من بناتنا، والمومسات يقمن بيننا، وأبوابنا يقرعها -ضالين- السكارى، وبناتنا يعرض لهن -مخطئين- الزناة، ولا نصنع شيئاً؟
أبلغ بنا الأمر أن نحكم بقانون يعاقب بالسجن من يسرق عشر ليرات، ولا يرى على من يسرق العرض من عقاب؟ حتى الذي يزني ببنته أو أمه، بحبس شهرين؟
لا، إننا لا نطلب أن نغسل النجس بالنجس، ونطفئ النار بالنار، ونحارب الشر بالشر، فنقر الزنا (وهو رأس الآثام) ونفتح له داراً. لا، إن
стр. 168
ذلك لا يرضاه الله ولا الخلق ولا العقل، وإذا نحن فتحنا هذه الدار للشباب وحشدنا لهم فيها الآثمات ليستغنوا بها عن الزواج، فماذا نصنع بالبنات الشريفات في البيوت، أنتركهن للأمراض والوساوس العصبية، ونجعلهن عانسات مدى الحياة؟
أهذه هي «التقدمية» التي صدعتم بها رؤوسنا؟ أهذه المساواة بين الجنسين؟ أهذه هي العدالة الاجتماعية؟
إن أولى الناس بمحاربة هذه الفكرة المجرمة الجمعيات النسائية.
إننا نطلب تعديل قانون العقوبات الذي يبيح الزنا، ونطلب -قبل ذلك- إغلاق هذه الدار وأمثالها حالاً.
أنا واثق من أن مدير الشرطة العام رجل شهم شريف يغار على نساء الناس كما يغار على نسائه، ويحب لهم ما يحب لنفسه، وأنها لا تأتي على هذه المقالة أربع وعشرون ساعة حتى يكون هذا البيت قد أغلق.
وسترون صدق ما أقول.
***
стр. 169
حاربوا الرذيلة (٢)
في كل يوم شكوى جديدة من انتشار البغاء، وكثرة المواخير وبيوت الخنا، ومع كل شكوى دعوة إلى إعادة فتح ذلك (المحل ...) كأن المسألة ليست مسألة فضيلة ورذيلة، ولا قضية أمة يحييها الزواج الذي يقيم البيوت على تقوى وينشئ الأولاد على صحة وطهر ليكونوا لهذه الأمة عماداً لها في سلمها وجنوداً لها في حربها، ويقتلها الزنا ويخرب بيوتها ويضيع عليها بنيها ويذهب بسوادها ويبث فيها الأمراض؛ أمراض الجسم وأمراض الروح، وإنما هي قضية «محل» يفتح ويغلق!
يقولون: ماذا يصنع الشباب إن لم نفتح لهم محلاً؟
يتزوجون! هذا هو الجواب الطبيعي، أما المحل ... فلماذا لا تفتحون للصوص الأموال «محلاً عمومياً» تسيّبون فيه البضاعة التي يتهاون أصحابها بحفظها وتقولون لهم: تعالوا اسرقوا من هنا، ولكن لا تسرقوا البيوت؟
لماذا؟ ألأن الأموال أثمن من الأعراض، ولأن الذي يتخذ حذاء آخر وحماره يكون سارقاً مجرماً، والذي يسرق من بنت المحل أثمن ما تعتز به البنات ويتركها من بعده محرومة من دفء البيت، وحنان الأسرة، وجمال الأمومة، وفتون الحب، ويصيرها متعة لكل مستمتع، تشقى بهم ويسعدون بها، وتألم ويتلذذون، وتجبر ويختارون، وتعطي ويأخذون ... الذي يعمل
стр. 170
هذا كله لا يكون سارقاً ولا شيء عليه؟
أهذه هي الحضارة؟ لعنة الله على هذه الحضارة!
إن إعادة «المحل ...» شر، وما نحن فيه شر من إعادة المحل، وما نحن فيه -إن استمر- صير البلد كلها «محلاً عمومياً» ...
نعم، هذا هو الواقع. فلا تقبلوا بالواقع وتفزعوا من ذكره، فتكونوا كالنعامة التي تخبئ رأسها في الرمل تظن أنها إن لم تر الصياد فإن الصياد لا يراها .. لا تتجاهلوا الخطر وهو محدق بكم، والنار وهي ماشية إليكم، ولا تناموا على فوهة البركان وهو يضطرم ويتلظى من تحتكم.
ماذا تنتظرون؟ وقد كانت بين شبابكم وبناتكم حجب فأزحتم تلك الحجب، ثم كان بينهما من خوف الله وخوف العار وخوف المرض سدود فهدمتم السدود: تركتم الدين فنسوا خوف الله، وأخذتم حضارة الغرب فذهب خوف العار، وجاء البنسلين فراح خوف المرض، فماذا بقي؟ وهل تريدون أن تجمعوا النار والبارود ولا يكون انفجار؟
فحتّامَ الغفلة؟
انتبهوا يا ناس! واعلموا أنها لا تنفع إعادة تلك «المحلات». كلا، ولا تفيد الخطب ولا المقالات، ولا ينفع إلا الزواج. الزواج هو وحده العلاج!
وعلى كل قارئ أن يحمل هذا العدد من الجريدة إلى صديقه وجاره ويقرأ عليه هذه الكلمة إن كان لا يقرأ، وعلى كل قارئ أن يجعل هذه القضية قضيته، وأن يعالجها بنفسه وألا يتكل فيها على غيره.
أليس لكم بنات؟ إذن فادفعوا هذا الخطر عن بناتكم!
стр. 171
ولا تتهاونوا بالأمر؛ فإنه النار ماشية إليكم، بل إنه أفظع من النار، لأن ما تذهب به النار يعوض أو يجدد، والعرض الذي يذهب لا يعوض أبداً ولا يجدد!
فلا تضيعوا اليوم فرصة للإصلاح ستندمون عليها حين لا ينفع الندم، وتقولون: ليت أنّا فعلنا، يوم لا تفيد «ليت» ولا تعيد البيت الذي تقوض ولا الخلق الذي ضاع!
***
стр. 172
علاج للرذيلة
قال لي صديق: أرأيت إلى هذه البيوت الآثمة التي يجري فيها الفحش السري خلال بيوت الأشراف، والتي طالما شكوتم منها فلم يسمع منكم أحد؟
قلت: نعم، فما عندك؟
قال: لقد كان في حينا واحد من هذه الدور، ملّت ألسنتنا من الشكوى منه، وكلّت أرجلنا من التردد من أجله على الوزارات، حتى كدنا نيأس ونقعد عن إنكاره، فيلعننا الله كما لعن بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، أو نغضب فنبطش ونضرب، فأنقذنا منه الشيخ «فلان» على أيسر حال.
قلت: وكيف كان ذلك؟
قال: خبّرناه بحال تلك الدار، فأمر بكرسي فنصب له أمامها ساعة يؤمها قاصدوها من الفجار (وأنت تعلم هيئة الشيخ وهيبته، وسنه ووقاره) ورآه قوم من الوجوه ومن العلماء فسلموا عليه، فدعاهم وأقام لهم كراسي فقعدوا معه. فكان الشاب الذي يريد الدخول يرى القوم، فيستحي ويعود، ومن اقتحم ولم يبالِ حياه الشيخ أطيب تحية، ودعاه فوعظه ألطف وعظ،
стр. 173
ونصحه أرق نصيحة، وبيّن له قبح الفاحشة وما توعد الله به أهلها. وما يزال به حتى يستل شهوته من قلبه، ويملأه إيماناً بالله، وخشية منه.
وأقام على ذلك الحال ثلاث ليال، ضج فيها أهل المنزل، ورأوا أنها انقطعت أرزاقهم. فأمر الشيخ لهم بعطية وهدية، وأحسن إليهم، وعطف عليهم، فكان من ذلك أن تابت صاحبة المنزل وأقلعت، وتزوج بناتها اللائي كن عندها شبابٌ اختارهم الشيخ، أو سافرن إلى أهليهن بعدما ملأ الشيخ بالمال أيديهن.
قلت: إنك تمزح أو تتخيل.
قال: لا. أحلف لك، لا أقص عليك إلا ما كان.
قلت: فمن أين أتى الشيخ بالمال؟
قال: منه، ومن كرام الحي وأغنيائه؛ فتحوا له صناديقهم وقالوا له: "اغترف منها ما شئت". والناس لا يضنون بالمال للخير، بشرط أن يبلغ محله، ويؤتي ثمرته.
***
стр. 174
الاستعداد للجهاد
أحلف لقد خجلت وودت لو اختبأت في بيتي شهراً، مما لقيت من الثناء على هاتين الخطبتين، والإعجاب بهما، والشكر عليهما، من أصدقاء ومن خصوم، وممن أعرف وممن ليس بيني وبينه معرفة، ومن متعلمين ومن عوام، ومن رجال ومن نساء.
ولست أقول هذا لأني زُهيت بهذا الظفر، واغتررت بهذا التشجيع. لأن والله ... ولقد خطبت في مواقف أخطر من هذا الموقف، ولقيت إكراماً أكثر من هذا الإكرام، وعانقت أعواد المنابر أكثر من خمس وعشرين سنة في الشام ومصر والعراق ... ولكن أقوله لأدل أولي الأمر على أن الناس ما اعجبوا بخطبتيّ هاتين لبلاغتهما، ولا لسحر بيانهما، ولا لروعة إلقائهما، بل لأنهما ترجمتا عما في أفئدة الناس جميعاً، وعبرتا عما في قلوبهم.
أفئدة الناس تغلي من الحماسة، وتضطرم بالرجولة، وتشتاق إلى الجهاد. الناس الذين كانوا يجزعون من الجندية أكثر من جزعهم من الموت، وكانوا يخافون «أبا لبادة» أكثر من خوفهم عزرائيل، وكانوا ينادون حينما يطلع من أول السوق: «عباية» ليحذر الفُرّار ويختبئوا حتى لا يداهمهم فيقول لهم كلمته التي كانت تقطع قلوب الرجال: «ناردة وثيقة»؟
هؤلاء الناس قد تبدلوا خلال ثلث قرن حتى صاروا يمطرون الحكومة
стр. 175
والصحف بالبرقيات والكتب، يطلبون ويلحون في الطلب، يريدون أن يلبسوا بزة الجند ويحملوا السلاح.
الدماء تشتعل في العروق، حماسة ونجدة وكرهاً باليهود وحباً للثأر، والحكومة لا تبالي فلا تطبق نظام الفتوة، وقد طبقوه في العراق -لما كنا مدرسين فيها- فصارت المدارس ثكنات وإن بقيت بالعلم مدارس، شدت الجندية أعصاب الطلاب، وقوت خلائقهم، وردت الدماء إلى وجوههم، والعزم إلى قلوبهم، وقضت على التفاوت بينهم، فلم يبق غني يأتي المدرسة بأغلى الحلل، وفقير بالرث المهلهل، ولكنهم جميعاً جنود، بلباس الجنود.
ونحن -المدرسين- قد لبسنا يومئذ ثياب الضباط، ووضعنا الأشرطة على الأكتاف. ولا أكتم القراء أنّا كنا نجهل (أنا وأنور العطار) كيف نمشي وكيف نرد تحيات الجنود في الطرقات، ولكني -مع ذلك- لم أكن أستطع أن أمشي منحنياً؛ لأن النطاق يشد بجلدته صدري وظهري، ولا أقدر أن أسير متخاذلاً؛ لأن الحذاء الطويل (الجزمة) يقيم رجلي، ولو لم أستفد إلا هذا لكفاني.
فلماذا لا تطبق الحكومة نظام الفتوة في المدارس؟ ولماذا لا تفتح مراكز التدريب في كل حي كما كانت الحال أيام الاستقلال في سنة ١٩١٨، يوم كانت البلد من الحماسة شعلة نار؟ ولماذا يذهب التلاميذ الآن إلى الرحلات بالسيارات، من الباب إلى الباب، فلا يمشون مشية الجند، وينشدون أقوى الأناشيد، وتخفق فوق رؤوسهم الأعلام؟ لقد كنا نمشي في أسواق دمشق وضواحيها ننشد:
نحن لا نرضى الحماية ... لا ولا نرضى الوصاية
فيرددها معنا البائع والشاري والواقف والماشي، حتى الأطفال. ولقد
стр. 176
سمعت -أقسم بالله- أمس طفلاً لا يكاد يبين معه الكلام، ولم يتعلم بعد النطق، يردد: ياوازلفيو (يا عوازل فلفلوا) ... هذه ثمرة من ثمرات الإذاعة التي تكلف الأمة ثلاثة آلاف ليرة كل ليلة!
ولماذا لا تنشر في الناس الكراسات، وفي الصحف المقالات، وفي المذياع الإذاعات، تعلمهم كيف يتقون الهلاك إن كانت غارة؟
أنا لا أدري إن كانت غارة ماذا أصنع: هل أبقى في البيت أم أخرج إلى الشارع؟ وهل أقوم أم أنبطح على الأرض؟ فمن أين أتعلم ذلك: من القانون المدني أم من كتاب البيان والتبيين؟!
أيها الحاكمون:
إن عندكم شعباً يريد أن يعمل، يريد أن يجاهد، فلا تصبوا على جمرة حماسته كأس ماء؛ فإنكم لا تجدون كل يوم مثل هذه الحماسة!
متى كنتم تجدون طلاباً يطلبون أن تخرس هذه الأفواه التي تغني في الإذاعة الأغاني الرخوة المائعة الفاسقة، لتنطلق من الحناجر أناشيد الجهاد والجلاء؟ متى كنتم تجدون طلاباً يطلبون أن تقطع الأيدي التي تعرض هذه الأفلام الداعرة الفاجرة، وأن نستبدل بهز البطون هز الأعلام، وبتحريك الأفخاذ تحريك البنادق؟ متى كنتم تجدون طلاباً يتركون لذائذ الشباب، ومغريات الشباب، ليصيروا جنوداً للوطن يشتغلون بصناعة الموت؟
يا أيها الحاكمون أنتم وحدكم الآن المسؤولون!
***
стр. 177
من هو العالم ؟
من الألقاب التي ابتُذلت وادعاها غير أهلها لقب «العالِم». وليس العالم من كوّر عمامته ووسّع جبته وعرّض لحيته وأطال سبحته، بل العالم من قرأ كثيراً، وفهم ما قرأ، وعقل ما فهم، وعمل بما علم.
ومن أمارات العلم تحقيق مسألة من مسائله لم تُحقق، أو تصنيف كتاب لم يُسرق من كتب الأوائل، أو ابتكار أسلوب يقرب العلم للناس.
ومن صفات العالم احتمال النقد، وردّ الحجة بمثلها، والبعد عن السفه والطيش والبذاء، والتنزه عن التزلف إلى العامة بالحشويات، وإلى الأمراء بالنفاق.
***
стр. 178
إصلاح الإذاعة
أظن أن القراء قد أدركوا أني لا أكتب هذه الكلمة إلا للمصلحة العامة، وأني كمن يفتح شارعاً مستقيماً فهو مضطر لأن يهدم كل بيت يعترضه؛ بيت صديق كان أم بيت عدو. فإن تعرضت لصديق أو هاجمت عدواً فلهذا، ولكن في الناس من لا يتصور أن في الدنيا من يمدح أو يذم إلا لغاية شخصية ومنفعة مادية. وأنا لو شئت لأخذت من وراء هذه الكلمات مالاً كثيراً، إي والله، ولقد عرض علي ولكني لم أنل إلا الأجر الذي آخذه من صاحب الجريدة والذي حددته أنا.
ولقد قدمت هذه المقدمة لأني أريد أن أكتب اليوم عن مدير الإذاعة، وأسأل الله أن يبعدني عن ظلمه؛ لأنه كان تلميذي صغيراً وهو صديقي كبيراً، وليس بيني وبينه إلا المودة، ولكن الواجب يقضي بإزاحته من الإذاعة لأنه يقف في وجه الإصلاح كما يقف البيت المهدم في وجه الشارع الجديد. لا لنقص في ذكائه؛ فهو ذكي وهو نشيط، ولكن فيه صفة أخرى تجعل ذكاءه ونشاطه من العيوب لا من الحسنات، هي أنه يخدم غيرنا من حيث يشعر ومن حيث لا يشعر: أما من حيث يشعر فلأن له صلات معروفة بشركات إخبارية أجنبية، وهذه الشركات ليست مصالحها مصالحنا، ولا هي من الغفلة بحيث تدفع المال الكثير لمن لا يرضيها ولا يمشي على هواها، ولا تختار لمراسلتها إلا من تثق هي به ... وهل تختار شركة شيوعية
стр. 179
رجلاً نازياً ليراسلها من ألمانيا الغربية، هل تنتقي جريدة الشعب رجلاً من الحزب الوطني ليراسلها من دير الزور مثلاً؟ هذه مسألة واضحة. وللسيد المدير عدة صلات بغير هذه الشركات. لا أقول إنها صلات آثمة، ولكنها صلات على كل حال.
وأما من حيث لا يشعر فإنها (عقدة نفسية) فيه، هي أنه نشأ في بيت عامي، وليس ذلك بعيب ولكنه رآه هو عيباً، وحاول أن يتخلص من ذكراه فذهب فأقام في فلسطين فتعلم فيها الإنكليزية، وعاشر فيها من يقويه في هذه اللغة ... ورحل إلى أميركا، ورجع -بعدُ- مفتوناً بكل شيء غربي ... بكل شيء! عازفاً عن كل شيء شرقي يذكره بمنشئه الأول، على قاعدة «مركّب النقص»، والأدلة على ذلك تبدو كل ساعة لمن يعرفه أو يعاشره، وتظهر كل يوم لمن يستمع الإذاعة بانتباه!
والإذاعة -بعد هذا- تحتاج لمدير من كبار رجال البلد الذين يوثق بوطنيتهم وأمانتهم، ومن الأدباء الذين يرجع إلى ذوقهم وحسن اختيارهم، وممن يفهم روح البلد ويقدرها ويعتز بها. والأخ مدير الإذاعة ليس من هؤلاء جميعاً في شيء، ولا هو من عباقرة الأدباء، ولا هو من أهل الشهادات. وأحسب أن الوزارة التي ضربت مثلاً رائعاً باختيارها الرجل المناسب لمديرية الأوقاف ستعرف كيف تختار للإذاعة مديراً من هذا المعدن!
***
стр. 180
مكافأة البطولة
جاءتني رسالة من أخي شاعر الشام أنور العطار وهو مريض في داره، لم يمنعه مرضه من التنبيه إلى مكرمة والتذكير بواجب. يقول إنه شاهد في الأسبوع الماضي فلم «النافذة» فكان أعلق مشاهده بالذاكرة وأمسها بالنفس مشهد الطفل وقد انهار البناء به ولبث معلقاً على سارية متكئة على جدار تهتز في الفضاء، فما كان من رجال الإنقاذ إلا أن أخذوا بأطراف بساط وكلموا الطفل بالمكبر يستدرجونه ليلقي بنفسه عليه حتى نجا، والنظارة مشدوهون من هول المنظر ممسكون قلوبهم بأيديهم.
ويقول إن هذا المنظر -على هوله- لا يعد شيئاً إذا قيس بمشهد الطفل الذي روت «الأيام» أنه كان في جماعة العمال لما انهار بناء مسعود فبقي معلقاً من يده، وكان من المستحيل إنقاذه بالسلالم لأن أدنى حركة تهوي به وبالركن الذي يعتمد عليه، وكان مشهد الطفل يفتت الأكباد وكان صراخه يقطع القلوب، فما كان من رجال الإطفاء إلا أن تبايعوا على الموت، وانتدب نفسَه بطلٌ منهم فعرضها للهلاك ليخلص الطفل من الهلاك، وتدلى بحبل من شاهق حتى أنقذ الغلام.
حقيقة أربت -في روعتها- على زخرف الفلم وواقع أزري بالخيال، وبطولة إنسانية يهون معها كثير من البطولات التي دانت التاريخ.