صحيحٌ أن الحاجة لم تكنْ مبررةً للمحتاج لدخوله في الرِّبا، ولم تكن حُجَّة له ليسرق؛ لأن الدخول في الرِّبا والسرقة قد جاء النصُّ الصريحُ على تحريمهما، وأما بيع التَّورُّق فلا دليل صريح يحرمه، فجاز للمحتاج أن يلجأ إليه ليقضي حاجاته، وكون بيع التَّورُّق من أبواب الرّبا فغير مسلم، إذ التَّورُّق عبارةٌ عن عقدين، كل عقد منهما يشتمل على أركان البيع وشروطه، وتقويمُ بيع التَّورُّق من الناحية الاقتصادية يعطي لنا الفوارق الشَّاسعة بينه وبين الرِّبا، وأما الرِّبا فهو زيادةٌ بدون مقابل، تستلزمُ نمو الديون بلا ضوابط.
- الدليل الرابع: أن التَّورُّق يحقّقُ مصالحَ كثيرة للناس، فهناك الكثيرُ ليس لديهم نقودٌ كافية لأداء ديونهم، ولا لزواجهم، ولا لمصالحهم الأخرى، فيستطيع المُتَوَرِّق من خلال عقد البيع لأجل التَّورُّق الحصول على حاجاته (١).
• أدلة القائلين بمنع التَّورُّق:
الدليل الأول: قَولُ علي بن أبي طالب ﵁: "سيأتي على الناس زمانٌ عضوضٌ يعضُّ الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢) ويبايع المضطرون. وقد نهى النبيُّ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن تدرك (٣).
وجه الاستدلال من الدليل:
أن بيع التَّورُّق يقعُ من رجل مضطرّ إلى النقود، ولا يجد من يقرضه،
стр. 107
فيضطر إلى بيع التَّورُّق لقضاء حاجاته، والحديثُ نهى عن بيع المضطر. والنهيُ يقتضي التَّحريم، فيكون بيع التَّورُّق ممنوعًا.
وقد نوقش الاستدلال من جهتين:
١ - من جهة السند: فإسنادُ هذا الحديث ضعيفٌ؛ لأنه كما جاء في سنده (عن شيخ من بني تميم)، يقولُ البيهقي: "وقد رُوي من أوجه عن علي، وابن عمر، وكلها غير قوية" (١).
يقول الخطابي: "في إسناده رجلٌ مجهولٌ لا ندري من هو" (٢).
وجاء في المحلَّى: "لو استند هذان الخبران -يعني: رواية أبي داود، ورواية البيهقي- لقلنا بهما مسرعين، ولكنهما مرسلان، ولا يجوز القَولُ في الدَّيْن بالمرسل" (٣).
ولكن قد ورد ما يعضده، يقول ابنُ تيمية: "وهذا وإن كان في راويه جهالة، فله شاهدٌ من وجه آخر -ثم قال بعد ذكر هذا الوجه-: وهذا الإسنادُ وإن لم تجب به حُجَّة فهو يعضدُ الأول" (٤).
غير أن أهل العلم على كراهة بيع المضطر؛ لأن الاضطرار قد يؤثِّر في الرضا، الذي يُعَدُّ شرطًا من شروط صحة العقد، يقول الخطابي: "إلا أن عامةَ أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه" (٥).
ويقول ابنُ تيمية: "وإن كان في راويه جهالة مع أنه خبر صدق، بل هو من
стр. 108
دلائل النبوة، فإن عامة العِيْنَة إنما تقعُ من رجل مضطر إلى نفقة يضنُّ عليه الموسر بالقرض. . . ولهذا كره العلماء أن يكون أكثر بيع الرجل أو عامته نسيئة، لئلا يدخل في اسم العِيْنَة وبيع المضطر" (١).
٢ - من جهة الدلالة:
١ - أن الاضطرار الذي يكونُ في التَّورُّق لا يؤثر فيه إلى حدِّ المنع، يقول الخطابي: "بيعُ المضطر يكون من وجهين:
أحدهما: أن يضطرَّ إلى العقد من طريق الإكراه عليه فهذا فاسد.
والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مؤنة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضَّرورة. . . فإن عُقد البيع مع الضَّرورة على هذا الوجه، جاز في الحكم، ولم يفسخ" (٢). وبيع التَّورُّق من الوجه الثاني الجائز لا الأول.
٢ - لا نسلِّم أن الذي يلجأ إلى التَّورُّق هو مضطر، فإن البعضَ قد يتورَّق لأمر حاجي أو كمالي، ولا يصحُّ أن نقول: كلُّ متَّورُّق مضطر.
الدليل الثاني:
قَولُ ابن عباس ﵄: "إذا استقمت بنقد، فبعت بنقدٍ فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة، فلا خير فيه، تلك ورق بورق" (٣).
وَجْهُ الاستدلال من الأثر: معنى هذا أن السِّلعة إذا قُومَتْ بنقد، ثم اشتراها المشتري إلى أجل، فإن مقصوده اشتراء دراهم مُعَجَّلة بدراهم مؤجَّلة، وهكذا
стр. 109
في التَّورُّق يقوِّم السِّلعة في الحال، ثم يشتريها إلى أجلٍ بأكثر من ذلك، فإن الرجل يأتي فيقول: أريد ألف درهم، فيخرج له سلعة تساوي ألف درهم، فإذا قوَّمها بألف قال: اشتريها بألف ومئتين (١).
ويمكن أن يناقش الاستدلال بهذا الأثر:
أن السلف ﵏ كانوا يكرهون مشابهةَ صورةِ التعاقد المحرَّم، ولذلك يقولُ ابنُ تيمية: "حُفظ عن ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من السلف أنهم كرهوا (ده دوازده) (٢)؛ لأن لفظه: أبيعك العشرة باثني عشر، فكرهوا هذا الكلام لمشابهته الرِّبا" (٣).
وبناء على هذا فإن قول ابن عباس محمول على كراهة أن تكونَ صورة التعاقد المباح مشابهة لصورة التعاقد المحرم، وكُره ذلك؛ لأن المشابهة في الصُّورة قد تؤولُ إلى مشابهة حقيقية.
الدليل الثالث: أن التَّورُّق يشابهُ الرِّبا؛ لأن بعضَ المعاني التي لأجلها حرم الله الرِّبا موجودةٌ في التَّورُّق، وهذا هو الذي جعل عمرَ بن عبد العزيز يقول: "التَّورُّق آخية الرِّبا" أي: أصل الرِّبا، فإن الله سبحانه حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها، لما في ذلك من ضرر، وأكل للمال بالباطل، وهذا موجودٌ في التَّورُّق (٤).
ويمكن أن يُناقَشَ هذا الدليل بالآتي:
أن التَّورُّق لا يشابهُ الرّبا، بدليل أننا إذا وضعنا الرِّبا والتُّورُّق على ميزان المقارنة، وجدنا الفوارقَ الشاسعة بين الرِّبا والتَّورُّق، وبيانُ هذا يتَّضح في ثلاثة أمور:
стр. 110
الأمر الأول: من الناحية الإجرائية (الشكلية) فإن التَّورُّق لا يشابه الرِّبا؛ لأنَّ التَّورُّق يكونُ بين أطراف ثلاثة، فالمُحتاجُ يشتري السِّلعة من البائع بثمن مؤجَّل، ثم يقوم المشتري ببيعها بنقد على طرف ثالث لا علاقة له بالبائع الأول، والبائع الأول لا يتجاوز دوره من أنه يبيعُ سلعته إلى أجل بثمن أكثر من ثمن السُّوق، وهذه الزيادةُ هي مقابل الأجل، وهذا أمرٌ مشروع، وأما الرِّبا فهو مختص بقرض بين الطرفين بزيادة في ذِمَّة المدين بدون مقابل، وتستلزم نموّ الديون، وتراكمها بلا ضوابط.
الأمر الثاني: من الناحية الحقيقية (المقصود، والمآل)، فإن التَّورُّق لا يشابه الرِّبا في المقصد والمآل؛ لأن التَّورُّق وإن كان المقصودُ منه تحصيلَ السُّيُولة، إلا أن هذا لا يجعله يدخلُ في معنى الرِّبا؛ لأن أكثر المعاملات المالية يُقصد منها تحصيلُ النقود، فالتاجر -مثلًا- يشتري السِّلعة ليبيعها على الناس بربح، والمُحتاجُ سعى ليحصل على السُّيُولة لينتفعَ بها من خلال عملية التَّورُّق، فيرى أنه رابحٌ من هذه الجهة.
يقول الشيخُ عبد العزيز بن باز: "وأما تعليل من منعها أو كرهها لكون المقصود منها هو النَّقْد، فليس ذلك موجبًا لتحريمها، ولا لكراهتها؛ لأن مقصودَ التجار غالبًا في المعاملات هو تحصيلُ نقودٍ أكثر بنقود أقل" (١).
وكون التَّورُّق يشابه الرِّبا من جهة أن المحتاجَ المُتَوَرِّق يتحمَّل كثيرًا في ذِمَّته ليحصلَ على نقد أقل منه، فإن هذا لا يقضي بحرمة التَّورُّق؛ لأنه مركَّبٌ من معاوضتين، وقد استقلت كلُّ معاوضة عن الأخرى.
الأمر الثالث: من الناحية الاقتصادية، فإن عملية التَّورُّق حينما نقومُ بتقويمها من الناحية الاقتصادية نرى أن فيها تنشيطًا للحركة الاقتصادية تمامًا،
стр. 111
كما في البيع والشراء، إذ التَّورُّق في الحقيقة عبارةٌ عن بيع وشراء، وأما الرِّبا فلا يكونُ من ورائه إلا تفشي الدُّيون، التي لا يكون من ورائها إلا القضاء على النشاط الاقتصادي المنتج.
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بالآتي:
لا خلافَ أن صورةَ التَّورُّق تختلفُ عن صورة الرِّبا، والنزاع ليس في هذا، وإنما في حقيقة الرِّبا هل هي موجودةٌ في التَّورُّق أم لا؟.
فمن كان ينظرُ إلى الصُّورة فقط دون النظر إلى الحقيقة فإنه يحكمُ بالجواز، ومن كان ينظرُ إلى المعنى الذي لأجله حرم الله الرِّبا، ووجده في التَّورُّق، فإنه يحكمُ بالتَّحريم، وحقيقة ربا النَّسِيئة هي الزيادةُ في الذِّمَّة دون مقابل، وهذه بعينها موجودةٌ في التَّورُّق، والعبرةُ بالمقاصد والمعاني لا بمجرَّد الألفاظ، والمباني.
والذي يثيرُ العجبَ أن من يجيزُ التَّورُّق ينظرُ لمجرد الصُّورة، في حين أن صاحبَ المعاملة لا ينظرُ للصورة، بل للحقيقة، وهي الحصولُ على نقد حاضر بمؤجَّل أكثر منه، وهذا هو الذي جعل الكثيرَ يظنُّ أن الشَّريعة لا تتعامل بالحقائق، بل بالرسوم والمظاهر، وبناء الحكم على الصُّورة دون الحقيقة يجعلُ الناس أقلّ إيمانًا بالشَّريعة، وتعظيمًا لها، ومن ثم أقلّ التزامًا بأحكامها (١).
الدليل الرابع: أن التَّورُّق فيه إعراضٌ عن مبرَّة الأقراض التي حثَّ عليها الإسلام.
ويمكن أن يناقش هذا الدليل:
أن القَرْض غيرُ واجبٍ على المسلم، بل هو من المندوبات، والإعراضُ عن المندوب لا يكونُ محرمًا.
стр. 112
وأما القائلون بالكراهة: فلعلَّ أدلة المانعين لم تنهضْ للدلالة على التَّحريم والمنع، فحكموا بالكراهة.
المسألة الثانية: الترجيح:
بعد النظر والتأمل في أدلَّة الأقوال والمناقشات، فإنه يبدو لي -والله أعلم- القَولُ بكراهة التَّورُّق كراهة تنزيهية للأسباب التالية:
١ - أن التَّورُّق فيه حَمْلُ المحتاجِ على شراء السِّلعة بأكثر من سعر يومها.
٢ - أن بعض المعاني التي لأجلها حرم الرِّبا موجودةٌ في التَّورُّق، حيث إن المُتَوَرِّق يتحملُ كثيرًا في ذمته ليحصلَ على نقد أقل منه، وهو بهذا يشابه الرِّبا، وقد سبق أن السلف كانوا يكرهون مشابهة صورة التعاقد المحرم، حيث كرهوا (ده دوازده) أي: أبيعك العشرة باثني عشر؛ لأنه يشابه الرِّبا، والسبب الذي جعلهم يكرهون هذه المشابهةَ هو أنها قد تؤولُ إلى مشابهةٍ حقيقية.
٣ - أن المُتَوَرِّق ينشأ عليه دين جَرَّاء عملية التَّورُّق، ومن مقاصد التَّشْريع في المعاملات المالية كراهة المدْيُونية، وشغل الذمة، حيث إن الدَّيْنَ تقييدٌ لحرية الإنسان في تصرفاته، ولذلك قيل: (رقّ الحرّ الدَّيْن) وعملية التَّورُّق تنشئ الدَّيْن على المحتاج، فيكره التَّورُّق من هذا الباب.
وقد يجوزُ بلا كراهة، ولكنه جواز يخضعُ لضوابط لا بُدَّ من وجودها حين التَّورُّق، وحين عدم وجود تلك الضَّوابط، فإنا نحكم بالكراهة، وقد تزدادُ الكراهة إلى حدِّ التَّحريم، وأما بيان تلك الضَّوابط فهي كالتالي:
١ - أن يكون المُتَوَرِّق محتاجًا للنقود، وبناء على هذا يكونُ التَّورُّقُ جائزًا كحالة استثنائية، فالمُحتاجُ لا يلجأ إلى التَّورُّق إلا حين عدم وجود من يقرضه، أو أنه يوجد ولكن يقرضه بالفائدة، ولذلك استدلَّ القائلون بالجواز بالحاجة الماسَّة إلى التَّورُّق؛ لأن الحاجةَ المعتبرةَ شرعًا تزيلُ الكراهةَ للشيء، فتجعله
стр. 113
مباحًا حينئذٍ في حقّ المحتاج، وقد جاءت الشَّريعةُ الإسلاميةُ برفع الحرج. يقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). فيكون جوازُ التَّورُّق للحاجة إليه حالةً استثنائية، وعندما تنعدمُ الحاجةُ يكون مكروهًا.
٢ - ومن الضَّوابط لجواز التَّورُّق: انعدام الاستغلال، فإذا وجد الاستغلال من البائع، كأن يزيد عليه الثمن أكثر ممَّا اعتاد عليه الناس، فبيع التَّورُّق يكون مكروهًا، وتزدادُ الكراهةُ، وتصلُ إلى التَّحريم حينما يشتد الاستغلال.
٣ - أن المحتاج إذا أمكنه الحصولُ على السُّيُولة من الطرق التَّمويلية المشروعة كالقرض، أو السلم، أو الاستصناع، فيكره له الدخولُ في التَّورُّق لوجود البديل الأسلم والأنفع للحركة الاقتصادية، وإذا لم يجدْ ذلك فحينئذ يجوزُ له التَّورُّق.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن حُكْم التَّورُّق قد يختلف في حقّ المتعاقدين، فقد يحرمُ على هذا، ويجوز لذاك، والعكس صحيح، فقد يحرم في حقّ بائع السِّلعة؛ لأنه مثلًا استغلَّ حاجة المُتَوَرِّق، فرفع ثمن السِّلعة أكثر ممَّا هو معتاد، بينما يكونُ جائزًا في حقّ المُتَوَرِّق لحاجته الشديدة إلى النقود، ولو فرضنا عدم الحاجة كان مُحَرّمًا في حقّ البائع، والمُتَوَرِّق.
وكذلك العكس فقد يجوزُ التَّورُّق لبائع السِّلعة دون المُتَوَرِّق، فالبائع مثلًا يبيع بالآجل، كما هي عادته، دون أن يعلمَ بمراد المُتَوَرِّق، وليس للمتَّورُّق حاجةٌ في التَّورُّق، فهنا يجوزُ للبائع بيع سلعته بالآجل؛ لأن البيعَ بالآجل جائزٌ في حَدِّ ذاته، بينما لا يجوزُ التَّورُّق للمتَّورُّق لعدم حاجته.
стр. 114
المبحث الخامس شروط التَّورُّق الفردي
ذكرتُ سابقًا عند التَرجيح في مسألة حُكْم التَّورُّق الفردي أن الأصلَ في التَّورُّق هو الكراهة، ولكنه قد يجوزُ في بعض الأحيان عند توفر بعض الشُّروط، التي نصَّ عليها العلماء، وفي هذا المبحث سأقومُ بتفصيل تلك الشروط، وما يرد على بعضها من مناقشاتٍ، وهي على النحو التالي:
١ - أن لا يبيعَ المشتري السِّلعة على بائعها الأول، لا مباشرة، ولا بواسطة (١).
وهذا الشَّرْطُ هو الذي يميز بيعَ التَّورُّق عن بيع العِيْنَة، إذ لا فارقَ جوهريّ بين العِيْنَة والتَّورُّق إلا بهذا الشَّرْط؛ لأنَّ المشتري إذا باع السِّلعة على بائعها الأول، فقد وقع في العِيْنَة المحرمة، ولذلك جاء ذكر هذا الشَّرْط في تعريفِ التَّورُّق، فقد عرَّف مجمعُ الفقه الإسلامي التَّورُّق بأنه "شراء سلعة في حَوْزة البائع وملْكه بثمن مؤجَّل، ثم يبيع المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النَّقْد".
стр. 115
وقد نصَّ على هذا الشَّرْط قرارُ مجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الخامسة عشرة المنعقدة يوم السبت الحادي عشر من رجب عام (١٤١٩ هـ) حيث جاء فيه: "ثالثًا: جواز هذا البيع مشروط بأن لا يبيع المشتري السِّلعة بثمن أقل مما اشتراها به على بائعها الأول، لا مباشرة، ولا بالواسطة، فإن فعل فقد وقع في بيع العِيْنَة المحرم شرعًا، لاشتماله على حيلة الرِّبا، فصار عقدًا محرمًا" (١).
١ - أن تكون السِّلعة في حَوْزة البائع، وملكه (٢).
٢ - أن لا يبيع المستدين السِّلعة إلا بعد قبضها، وحيازتها (٣)؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيع السِّلع قبل أن يَحوزَهاْ التجارُ إلى رِحالهم (٤).
وقد نُوقش هذان الشَّرْطان بأنهما ليسا خاصَّين بالتَّورُّق، بل هما عامَّان في جميع البيوع، فلا يجوزُ بيع السلع قبل قبضها، ولكن قد يقال: إن واقعَ الكثير ممن يتعامل بهذه المعاملة يبيعُ سلعته قبل القبض، ولذلك نصَّ الشّيخُ ابن عثيمين ﵀ على الشَّرْط الثالث في فتواه، تنبيهًا لمن يتعاملُ بالتَّورُّق على هذا الشَّرْط، الذي هو عامّ في كل البيوع (٥).
стр. 116
٣ - أن يكون المُتَوَرِّق محتاجًا إلى النقود، فإن لم يكن محتاجًا فلا يجوز.
٤ - أن لا يكون هناك استغلالٌ من البائع، فإن وجد الاستغلال فيكره، ويزداد كراهةً، ويصل إلى التَّحريم كلما اشتدَّ الاستغلال.
٥ - أن لا يتمكَّن من الحصول على المال بطرق أخرى مباحة كالقرض، والسلم، فإن تمكّن من الحصول على المال بغير التَّورُّق، فلا يجوز له الدخول في التَّورُّق لوجود الطرق الأخرى الجائزة إجماعًا (١).
٦ - أن لا يشملَ العقدُ على ما يشبه صورة الرِّبا، مثل أن يقول: بعتك إياها العشرة أحد عشر، أو نحو ذلك، فإن اشتمل على ذلك فهو مكروه، أو محرم (٢).
وهذه الشروطُ إذا تحقّقت في بيع التَّورُّق يكون جائزًا لا كراهةَ فيه، وإذا اقترنتْ بهذه المعاملة ما يخلُّ بهذه الشروط، فلا يستبعد أن يتغير الحكم، إما إلى الكراهة كأن يلجأ إلى التَّورُّق مع وجود من يقرضه، أو أن يتغير الحكم إلى التَّحريم كاستغلال المحتاج.
стр. 117
الفصل الثانى تصوير التَّورُّق المصرفى
المبحث الأول صورة التَّورُّق المصرفي، والأطراف المشتركة فيه
المطلب الأول صورة التَّورُّق المصرفي
المسألة الأولى: الصورة العامة لعملية التَّورُّق كما تجريها المصارف:
من يتأمَّل التَّعامُلات المالية المعاصرة، فإنه يجد التَّورُّق قد انتشر انتشارًا هائلًا لدى جميع المصارف، وانتشاره جاء نتيجةً للتطوير المستمرّ لعمليات التَّورُّق، فقد عملتِ المصارفُ على تطوير وسائل وأدوات تخفضُ من التكاليف التي تفرضها إجراءات التَّورُّق، لكي ترفعَ من مستوى الرِّبْحية، والكفاءة لتحقيق مصلحة المُتَوَرِّق والبائع، "وتمثل هذا التطور في سَعْي البائع في بيع السِّلعة نيابةً عن المشتري بثمن نقدي حاضر، بحيث لا يتكبَّدُ المشتري مصاريف القبض، والحيازة، والنقل، والتَّسْويق، وهذا بجانب تحقيقه لمصلحة المُتَوَرِّق، فهو أيضًا يحقّق مصلحةَ البائع؛ لأنه بذلك يكسب شريحة أكبر من الرَّاغبين في التَّمويل، ويستطيعُ من ثم تحقيق أرباح أفضل" (١).
стр. 118
وقد كانت عملياتُ التَّورُّق تتمُّ بصورة عشوائية، فاتجهت المصارفُ لتنظيم هذه العمليات وفق آلياتٍ مرتبة، لتحقيق هدفين:
الأول: السُّرعة في إنجاز العمل.
الثاني: تخفيض نسبة الخسارة، التي يتكبَّدها العميلُ عند إعادة بيع السِّلعة، التي اشتراها من البنك (١).
وعمليات التَّورُّق التي تجريها المصارفُ قد تختلف عن بعضها، تبعًا لاختلاف الإجراءات، التي يحددها المصرف، غير أنه يمكن أن نحدِّد الصُّورة العامة المتفق عليها من جميع المصارف، وهي كالتالي:
يتقدم العميلُ (المتَّورِّق) بطلب لشراء سلعة من البنك بالتقسيط، وعند قبول الطلب يطلب الموظفُ المختص من العميل أن يوقعَ على عقد البيع، وبتوقيعه يكون العميلُ قد امتلك تلك السِّلعة، ثم يُفاد العميلُ بأن له حرية التصرف فيما اشتراه، فإن شاء أخذ السِّلعة مكَّنه البنكُ من ذلك، وإن شاء توكيل جهة لبيع السِّلعة، فله ذلك، وله أيضًا الخيار في أن يوكِّل البنك في إعادة بيع السِّلعة نيابةً عنه على إحدى الشركات، والمعمولُ به في البنوك أن العميل يقومُ بتوكيل البنك في بيع السِّلعة نيابةً عنه، لكي لا يتكبدَ العميلُ مصاريف القبض، والحيازة، والنقل، والتَّسْويق، فيقوم البنك ببيع السِّلعة نقدًا نيابة عن العميل (المتَّورُّق) على إحدى الشركات، ومن ثم يوضع ثمن السِّلعة في حساب العميل خلال يومين (٢).
ولتوضيح الصُّورة أكثر أسوقُ هذا المثال: يأتي زيد إلى البنك، ويبدي رغبته في الدخول في برنامج التَّورُّق المطروح من قبل البنك، فيشتري زيد سلعة
стр. 119
بثمن موجَّل من البنك، الذي قد اشترى هذه السِّلعة من إحدى الشركات، ويدفع زيد الثمن المؤجَّل على شكل أقساط في فترة محددة، وبتوقيع زيد على عقد البيع تكون السِّلعة في ملكه، ثم يقوم زيد بتوكيل البنك في بيع هذه السِّلعة على إحدى الشركات بثمن أقل نقدًا مما اشتراه، فيقومُ البنكُ بموجب الوكالة ببيع السلعة، ويُوضَع ثمن السِّلعة النَّقْديّ في حساب زيد خلال يومين.
وحين التأمُّل في صورة التَّورُّق المصرفي، نلاحظ أن التَّورُّق المصرفي يقومُ على عدَّة عقود مرتبطة ببعيضها، وكذلك يقومُ على اتفاقات سابقة بين البنك ومجموعة من الشركات، وبيان تلك العُقُود وتلك الاتفاقات يتَّضح في الآتي:
١ - يكونُ هناك اتفاقٌ سابقٌ بين البنك وكلتا الشركتين البائعة على البنك والمشترية منه، وهذا الاتفاق يعقدُ قبل مجيء العميل (المُتَوَرِّق) للبنك، ونستطيعُ القولَ أن تلك الاتفاقات (١) على نوعين:
أ - اتفاق سابق بين البنك والشركة البائعة، وبموجب هذا الاتفاق يكون البنكُ عميلًا للشركة، ليشتريَ البنك السِّلع التي هي محلّ عملية التَّورُّق، ليقومَ البنكُ بدوره ببيعها على المُتَوَرِّق، "وبالقطع فإن البنك لم يكن ليشتريَ لولا أنه يقصد البيع لعملائه المُتَوَرِّقين، ولكن العاقدين لا يظهران ذلك كالشأن في الحِيَل" (٢).
ب - اتفاق سابق بين البنك والشركة المشترية، وبموجب هذا الاتفاقِ تكون الشركةُ عميلةً للبنك، لتشتري السِّلع التي يبيعها البنك وكالة عن المُتَوَرِّق.
وهذه الاتفاقيات تمثل الإطار العام، الذي ينظم العلاقةَ بين البنك وكلتا
стр. 120
الشركتين، وتجري عمليةُ البيع عن طريق تبادل الإيجاب والقبول عبر الفاكسات، حيث يتمُّ تحديد الكميات المعروضة للبيع (١).
٢ - عقد بيع بين البنك والشركة التي تبيعه السِّلعة، التي هي محل عملية التَّورُّق.
٣ - عقد بيع بين البنك والمُتَوَرِّق، ليشتري المُتَوَرُّق السِّلعة بثمن مؤجَّل، "ومن المقطوع به أن المتَّورِّق لم يكن ليشتري السِّلعة، لولا أن البنك سيبيع هذه السِّلعة لحسابه لتوفير النَّقْد المطلوب، ولكنهما لا يظهران ذلك كالشأن في المحتالين" (٢).
٤ - عقد وكالة بين البنك والمُتَوَرِّق، فيقوم المُتَوَرِّق بتوكيل البنك في بيع السِّلعة نيابةَّ عَنه على إحدى الشركات، لكي يتخلص المُتَوَرِّق من مصاريف القبض، والحيازة، والنقل، والتَّسْويق.
٥ - عقد بيع بين البنك والشركة المشترية، فيقومُ البنكُ بصفته وكيلًا عن المُتَوَرِّق ببيع السِّلعة بثمن نقدي، ليوضع هذا الثمن في حساب المتَّورِّق، وبالقطع فإن هذا الثمن النَّقْديّ سيكون أقلّ من ثمن السِّلعة المؤجَّل، الذي سيدفعه المُتَوَرِّق للبنك على شكل أقساط (٣).
المسألة الثانية: ميزة التَّورُّق المصرفي:
بعد عَرْض الصُّورة العامة للتَّورُّق المصرفي، يمكن القول بأن التَّورُّق المصرفي يتميز بـ:
стр. 121
١ - التنظيم، ولهذا أطلق البعضُ (١) على عمليات التَّورُّق المصرفية مصطلحًا آخر، وهو (التَّورُّق المنظم)، ويتجلى هذا التنظيم "من خلال ما يرتبه البنك من اتفاقات سابقة على عقد البيع مع كل من الشركة البائعة، التي تبيع عليه والشركة المشترية التي تشتري منه، وهو اتفاقٌ ينظّم التَّعامُل المستقبلي مع تلك الشركات من خلال الاتفاق على إجراءات وأحكام معينة، ومن أجل هذا سُمِّي بـ (التَّورُّق المنظم") (٢).
٢ - أن البنك يشتري السِّلعة قبل طلب العميلِ، بناءً على الاتفاقات التي عقدها البنك مع الشركة البائعة.
٣ - أن البائع (البنك) يتوكَّل عن المشتري (العميل المُتَوَرِّق) في بيع السِّلعة التي اشتراها منه نيابةً عنه"، وهو ما عليه العمل، وقد يكون التوكيلُ بعد توقيع طلب الشراء مباشرة، وقبل تمام عقد البيع، وقد يكون بعده، وهذا مختلفٌ باختلاف البنوك، وغالبها يكون التوكيلُ فيه قبل تمام عقد البيع" (٣).
المسألة الثالثة: ماهية السِّلع المستخدمة في عمليات التَّورُّق المصرفية:
استخدمت البنوكُ بعض السِّلع في عمليات التَّورُّق، وتلك السِّلع لا بُدَّ أن تخضعَ لبعض المواصفات حتى تكون محلًا صالحًا، لإجراء عمليات التَّورُّق عليها، وأبرز المواصفات التي لا بُدَّ منها هي كالتالي:
١ - أن تتمتعَ بالسُّيُولة بمعنى وجودِ سُوق نشطةٍ لها.
стр. 122
٢ - أن تَتَّسِمَ بالاستقرار النسبي للسعر في المدى القصير.
٣ - السرعة والسُّهولة في الإجراءات (١).
ولذلك فإن السِّلعَ التي استخدمتها البنوكُ في عمليات التَّورُّق هي كالتالي:
١ - السِّلع الدولية: ويُراد بها الموادّ الأولية الأساسية، مثل: النحاس، والحديد، والألمنيوم (٢)، وغالب عمليات التَّورُّق المصرفية هي في السِّلع الدولية؛ لأنَّها تتمتعُ بالسُّيُولة، والسهولة في الإجراءات.
٢ - السيارات: فهي تتمتع بالمتعاملين الكثر، فلم يكنْ عسيرًا على من اشترى سيارةً أن يبيعها في وقت قصير بثمن نقدي حاضر (٣).
٣ - الأسهم: فهي تتمتعُ بالسُّيُولة والسرعة في الإجراءات، فيشتري العميلُ أسهمًا من البنك بثمن مؤجَّل، ثم يبيعها في السُّوق ليحصلَ على ثمنها النَّقْديّ (٤)
٤ - السِّلع المحلية: فبعضُ البنوك تعملُ على تطوير عمليات التَّورُّق في السلع المحلية، ومن هذه السِّلع التي تستخدمها البنوك في عمليات التَّورُّق: الإسمنت، وزيوت الطعام، والمشروبات الغازية، ومنتجات البلاستيك الخام (٥).
стр. 123
المطلب الثاني الأطراف المشتركة في التَّورُّق المصرفي
المسألة الأولى: الأطراف المشتركة التي تقتضيها عمليات التَّورُّق المصرفية:
من المعلوم أن عمليةَ التَّورُّق الفردي تتمُّ من خلال ثلاثة أطراف، هم على النحو التالي:
١ - البائع: الذي يبيعُ السِّلعة على المتَّورِّق بثمن مؤجَّل.
٢ - المُتَوَرِّق: (المشتري الأول): الذي يشتري السِّلعة من البائع بثمن مؤجَّل.
٣ - المشتري الثاني: الذي يشتري السِّلعة من المُتَوَرِّق بثمن نقديّ حاضر، أقل من الثمن المؤجَّل، ويمكن أن يطلق عليه (المشتري النهائي).
فعمليةُ التَّورُّق الفردي التي عرّفها الفقهاءُ "تبدأ وتنتهي بصورة شبه عفوية، وبدون ترتيبات مسبقة، أو إجراءات مقننة، كما أنها تتمُّ في خِضَمِّ عمليات البيع والشراء، التي تقع في الأسواق حتى لا تكاد تعرف بضاعة المتَّورِّق من باقي ما يقع من مبادلات في الأسواق" (١).
وأما التَّورُّق المصرفي، فهو يتطلَّب وجود ثلاثة أطراف كحدٍّ أدنى، وفي بعض الأحوال قد يزيد عددُ الأطراف إلى أربعة والأطراف المشتركة في التَّورُّق المصرفي، هم على النحو التالي:
١ - المورد: وهو البائعُ الأول للسلعة، أي: الجهة المالكة للسلعة التي هي محلُّ عملية التَّورُّق، والغالب أن يكون هذا الموردُ إحدى الشركات التي يكون بينها وبين البنك عقد اتفاقية، يكون البنك بموجبها عميلًا للشركة، لتبيع عليه السِّلع التي هي محلّ عملية التَّورُّق.
стр. 124
٢ - المشتري الممول: وهو الجهة التي تشتري السِّلعة نقدًا بقصد بيعها بالأجل إلى العميلِ المُتَوَرِّق، والغالب أن يكونَ هذا الطرفُ هو البنك، فالبنك يقومُ بشراء السِّلعة التي هي محلُّ عملية التَّورُّق من إحدى الشركات بموجب اتفاقية سابقة بين البنك والشركة، ثم يقوم ببيع السِّلعة على المُتَوَرِّق بالأجل.
٣ - العميل المُتَوَرِّق: وهو الجهةُ التي تشتري السِّلعة بالأجل من المشتري المموِّل (البنك) بقصدِ بيعها إلى المشتري النهائي، ليحصلَ بذلك على الثمن النَّقْديّ، والغالب أن العميلَ المُتَوَرِّق يقوم بتوكيل المشتري المموِّل (البنك) في بيع السِّلعة إلى المشتري النهائي.
٤ - المشتري النهائي للسلعة: وهو الجهة التي تشتري السِّلعة من العميل المُتَوَرِّق نقدًا، والغالب أن المشتري النهائي لا يشتري السِّلعة من العميلِ المُتَوَرِّق مباشرة، وإنما يشتريها من المشتري الممول (البنك) بصفته وكيلًا عن العميلِ المُتَوَرِّق، وقد يكون المشتري النهائي للسلعة هو نفسه المورد الأصلي، الذي اشتريت منه السِّلعة، وفي هذه الحالة يكون التَّورُّقُ المصرفي قد تمَّ عبر ثلاثة أطراف، وبعض الأحيان يكون المشتري النهائي للسلعة جهة غير المورد الأصلي، وفي هذه الحالة يكونُ التَّورُّق المصرفي قد تمَّ عبر أربعة أطراف (١).
إذًا فالتَّورُّق المصرفي يمكن أن يطلقَ عليه (التَّورُّق المؤسسي)، "إذ إن له إجراءات مقننة، وموظفين متخصصين، وصيغًا نمطية، ومنظومات تعاقدية، وله إجراءاته ووثائقه التي تتكرر في عملياته، بشكل يجعل التَّورُّق ذاته نشاطًا شبه مستقلّ عن الأنشطة التجارية المعتادة" (٢).
стр. 125
المبحث الثاني الفروق بين التَّورُّق المصرفي والتَّورُّق الفردي
بعد عرض الصُّورة العامة للتَّورُّق المصرفي، ومَعْرفة الأطراف المشتركة فيه، يمكن أن نعرف الأوجه التي يتفق التَّورُّق المصرفي فيها مع التَّورُّق الفردي، وكذلك أوجه الاختلافِ بينهما، فأما أوجهُ الاتفاق بين التَّورُّق الفردي والمصرفي هي على النحو التالي:
١ - غاية التَّورُّق المصرفي هي تحصيلُ النَّقْد للعميل (المتَّورِّق)، وهو بهذه الغاية يتفقُ مع التَّورُّق الفردي المعلوم عند الفقهاء.
٢ - أن التَّورُّق المصرفي يقومُ على عدَّة عقود -كما سبق بيانه- غير أن أبرزَ عقدين فيهما هما على النحو التالي:
أ- تعاقد البنك (البائع) مع العميل (المشتري)، فيشتري العميلُ سلعة بثمن مؤجَّل، يدفعه على شكل أقساط في فترة محددة، وظاهرُ هذا العقد أنه بيعٌ صحيح قد استوفى أركانه، وشرائطه.
ب- تعاقد البنك بالنيابة عن العميل (المشتري) مع طرف ثالث يطلق عليه (المشتري النهائي)، ليشتري السِّلعة بثمنِ نقديّ حاضر يوضع في حساب العميل (المشتري) (١).
والتَّورُّق المصرفي حين يقومُ على هذين العقدين، فإنه يتفق مع التَّورُّق
стр. 126
الفردي في الشكل نوعًا ما، إذ التَّورُّق الفردي عبارة عن عقدين منفصلين هما على النحو التالي:
أ- تعاقد البائع مع المُتَوَرِّق، فيشتري المُتَوَرِّق سلعة بثمن مؤجَّل.
ب- تعاقد المُتَوَرِّق مع طرف آخر غير البائع، ليبيعَ المُتَوَرِّق سلعته بثمن نقدي حاضر أقلّ من الثمن المؤجَّل.
وبهذا نعرفُ أن التَّورُّق المصرفي يوافقُ التَّورُّق الفردي في الغاية، وفي الشكل نوعًا ما.
وأما أوجهُ الاختلاف بين التَّورُّق المصرفي والتَّورُّق الفردي فهي على النحو التالي:
١ - أن التَّورُّق الفردي يبدأ وينتهي بصورة شبه عفوية، وبدون ترتيبات مسبقة، أو إجراءات مُقَنَّنة، في حين أن التَّورُّق المصرفي مؤسَّسي، حيث إن له إجراءات مقننة، ووثائق بشكل يجعل التَّورُّق ذاته نشاطًا شبه مستقل عن الأنشطة التجارية المعتادة (١).
٢ - في عملية التَّورُّق المصرفي يكونُ هناك تفاهمٌ مسبق بين الطرفين، على أن الشراء بأجل ابتداء إنَّما هدفه الوصول إلى النَّقْد، وأما في التَّورُّق الفردي فإن البائع قد لا يعلمُ بهدف المشتري (٢).
٣ - أن البائع في عملية التَّورُّق المصرفي، وهو البنك، يقوم ببيع السِّلعة نيابة عن المشتري (المُتَوَرِّق)، في حين أن البائع في التَّورُّق الفردي لا علاقةَ له ببيع السِّلعة مطلقًا، ولا علاقة له بالمشتري النهائي.
٤ - أن المُتَوَرِّق في عملية التَّورُّق المصرفي يستلم النَّقْد من البائع نفسه،
стр. 127
الذي صار مدينًا له بالثمن الآجل، في حين أن الثمنَ في التَّورُّق الفردي يقبضُه المُتَوَرِّق من المشتري النهائي مباشرة، دون أي تدخُّلٍ من البائع.
٥ - أن التَّورُّق المصرفي يكون فيه اتفاق سابق بين البنك والمشتري النهائي، الذي سيشتري السِّلعة، وهذا الاتفاق يحصل من خلال التزام المشتري النهائي بالشراء، في حين أن التَّورُّق الفردي يكونُ خاليًا من تلك الاتفاقات (١).
٦ - في عملية التَّورُّق الفردي تدورُ السِّلعة دورتها العادية من مالك أصلي إلى المُتَوَرِّق إلى مالك جديد، ثم منه إلى أطراف أخرى، ولكن في عملية التَّورُّق المصرفي، خاصة إذا كانت الشركة التي تبيع للبنك، ثم تعيد الشراء شركة واحدة نجد السِّلعة تدورُ من يد مالكها اليمنى إلى يده اليسرى، ثم إلى يده اليمنى، وهكذا.
٧ - في عملية التَّورُّق الفردي يوجدُ فصلٌ كاملٌ في التصرفات التعاقدية، ولكن في عملية التَّورُّق المصرفي، وفي جلسةٍ واحدة، وبمجرد توقيع الأوراق تتداخلُ كل التصرفات التعاقدية (٢).
стр. 128
المبحث الثالث الفروق بين التَّورُّق المصرفي والرِّبا
من خلال الاطلاع على بعض البحوث التي تحدثتْ عن عمليات التَّورُّق المصرفية، وبعد النظر في الصُّورة العامة للتَّورُّق المصرفي، يمكن صياغةُ بعض التَّورُّق بين الرِّبا والتَّورُّق المصرفي، وهي على النحو التالي:
١ - أن العُقُود التي يقومُ عليها التَّورُّق المصرفي تنص على أن هناك مبادلة يكون لها أثر في حركة السُّوق، فالبنكُ يشتري السِّلعة من شركة، ثم يقومُ ببيعها على العميل المُتَوَرِّق، ثم يقومُ العميلُ بتوكيل البنك في بيع السِّلعة على شركة أخرى، وبغضِّ النظر عن هذه المبادلة هل هي حقيقية أم صورية، إلا أن العُقُودَ التي يقومُ عليها التَّورُّق المصرفي تنصّ عليها، وأما الرِّبا فإنه دراهم بدراهم، دون وجود أي منفعة يُنتفعُ بها في حركة السُّوق، "فالمقترضُ إذا اقترض مئة، والتزم في ذمته بمئة وعشرة كانت العشرة دينًا لا يقابله ما ينتفع به" (١).
ولذلك فإن الشَّريعة الإسلامية حرمت كلَّ عقد لا يفيد في سير الحركة الاقتصادية كالعِيْنَة الثنائية، والثلاثية، وسائر الحِيَل.
وبعض الباحثين ذهب إلى أنه لا فَرْقَ بين الرِّبا والتَّورُّق المصرفي في التأثير على حركة السُّوق، إذ يرى أن الحاصلَ من عملية التَّورُّق المصرفي "أن المصرف يقول للعميل: أوفر لك مئة نقدًا مقابل أن تكون مدينًا لي بمئة وعشرين مؤجَّلة، وهذا هو الرِّبا. فالمصرف الربوي وظيفته توفير السُّيُولة للمدين مقابل
стр. 129
دين بزيادة في ذمته، فمن الناحية الوظيفية لا فرقَ بين المصرف الربوي وبين المصرف، الذي يقدم التَّورُّق المنظم" (١).
والذي جعل بعضَ الباحثين لا يرى فرقًا بين الرِّبا والتَّورق المصرفي هو اعتبار الصورية في عقود التَّورُّق المصرفية، فهو يرى أن العُقُودَ التي يقوم عليها التَّورُّق المصرفي لا تأثيرَ لها في حركة السُّوق، إذ هي مجردُ أوراق يتمُّ توقيعها
فقط، فهي عقود صورية لا تأثير لها في الحركة الاقتصادية، فإن "كلّ مَنْ راقب خطوات هذه المعاملة -أي: التَّورُّق المصرفي- يرى أن العميل يدخل إلى المصرف يريد نقودًا، فيوقع مجموعة من الأوراق، ثم يخرج وفي حسابه لدى
المصرف مئة وفي ذمته له مئة وعشرون، وهذه هي صورة التَّمويل الربوي في المصارف التقليدية" (٢).
٢ - أن الرِّبا غالبًا ما يكون بين طرفين، وأما التَّورُّق المصرفي فليس فقط عقدًا بين طرفين، بل هو معاملة يجريها المُتَوَرِّق مع أكثر من طرف، والأطراف التي يتعاملُ معهم المُتَوَرِّق هم من الشخصيات الاعتبارية كالبنوك، والشركات، فالرِّبا اسمٌ لعقدٍ يتمُّ بين طرفين، وأما التَّورُّق المصرفي فهو يقومُ على عدة عقود، كل عقد منها مستقل عن الآخر (٣).
٣ - أن تكون الخسارةُ حتميةً على المقترض في الرِّبا، إذ يضمن ما لا يقابله انتفاع، فالمدين إذا قبض مئة وضمن مئة وعشرين يكون قد ضمن عشرين دون أن يحصل على ما ينتفع به مقابلها، فهذا ضمانٌ لا يقابله خراج (٤).
стр. 130
وأما في التَّورُّق المصرفي فإنَّ المُتَوَرِّق قد يربحُ في سلعته التي اشتراها بالثمن المؤجَّل، فلا يلزمُ أن يخسرَ المُتَوَرِّق في بيعته الثانية.
ولكنَّ بعضَ الباحثين ذهب إلى أن احتمالَ الربح في البيعة الثانية نادر والنادر لا حكم له، وبذلك يقرر أن الخسارة تكون حتمية في الرِّبا، والتَّورُّق المصرفي (١).
٤ - أن الخسارة التي يتكبدها المقترضُ في الرِّبا يصعبُ تعويضها، وأما المُتَوَرِّق فإنه يستطيعُ تعويضها، فإنه حين يحتاجُ إلى النَّقْد، ويتورق لأجل الدخول في تجارة، أو مساهمة، فسيعوض الخسارة الناتجة عن عملية التَّورُّق بالأرباح الناتجة عن تلك التجارة، وتلك المساهمة.
والحقيقة أن هذا قد يوجد في الرِّبا، فيمكن للمقترض في الرِّبا أن يُعوَّض عن خسارته بأن يدخل في تجارة، أو مساهمة بالنقود التي اقترضها من المرابي، وبهذا لا فرق بين الرِّبا والتَّورُّق المصرفي في مسألة تعويضِ الخسارة.
٥ - أن المرابي الذي سيقرض بفائدة يعلمُ أن معاملته محرَّمة، بخلاف بائع السِّلعة (البنك) الذي يرى أن عملية التَّورُّق جائزة في إجراءاتها بغضِّ النظر عما تؤولُ إليه المعاملة، فهو يرى أن عملية التَّورُّق عبارة عن عقود صحيحة،
مستكملة الشروط والأركان.
٦ - حينما نقرأ كلامَ شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي نقله عنه تلميذُه ابن القيم عن التَّورُّق، حيث قال: "المعنى الذي لأجله حرم الرِّبا موجود فيها -أي: في صورة التَّورُّق الفردي- بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السِّلعة، وبيعها، والخسارة فيها، والشَّريعة لا تحرمُ الضَّرر الأدنى، وتبيح ما هو أعلى منه" (٢)
стр. 131
نستطيع استنتاج فرق بين التَّورُّق المصرفي والرِّبا بناءً على رأيه، فالتَّورُّق المصرفي فيه تكلفةٌ من جهة "اشتراط تحميل العميل رسومًا إدارية، تتراوح من (٧٠٠ - ٢٠٠٠) ريال، تختلف باختلاف البنك والمعاملة" (١) ومع ذلك فإنَّ مآله إلى الرِّبا، فالتَّورُّق المصرفي فيه تكلفة، ومشقة، ويعطي نتيجة الرِّبا، فيكون أشدّ من الرِّبا الصريح؛ لأن الرِّبا ليس كالتَّورُّق في الكلفة، إذ هو أيسرُ الطرق للحصول على الثمن الحاضر مقابل ثمنٍ في الذمة أكثر منه "وإذا كان هناك معاملتان تستويان في النتيجة، والهدف، والغاية، إحداهما أكثر كلفة ومشقة من الثانية، فإن جوازَ الأكثر مشقة يستلزمُ بالضَّرورة جواز الأقل مشقة، وتحريم الأقل مشقة يستلزمُ بالضرورة تحريم الأكثر مشقة، والقولُ بخلاف ذلك متناقضٌ ومنافٍ لمنهج التشريع" (٢).
فالتَّورُّق المصرفي في غايته وهدفه يوافق الرِّبا، ويفارقه في أن التَّورُّق المصرفي فيه كلفة، ومشقة، وتحمل رسوم إدارية مفروضة من قبل البنك.
٧ - أن الرِّبا قد أجمعتِ الأمةُ على تحريمه، في حين أن التَّورُّق المصرفي قد وقع خلاف بين المعاصرين في حكمه.
стр. 132
المبحث الرابع الآليات العملية للتَّورُّق المصرفي، ومدى انضباطها
الهدف من عمليات التَّورُّق المصرفي هو الحصول على سيولة تغطي الحاجة إليها، سواء أكانت الحاجةُ من فرد أم من مؤسسة، فيحصل العميلُ على نقد عاجل مقابل زيادة في ذمته (١)، وبالنظر إلى الآليات العملية فإنه "لا توجد مرجعيةٌ لآلية معلن عنها توضح وبجلاء خطوات، ومراحل العملية، وعلاقات الأطراف المشاركة فيها، وأكثر الخطوات غموضًا هي العلاقة التي تربط البنك بالشركة، التي سوف تبيع السِّلعة إلى البنك، وتشتريها منه بتوكيل من العميل" (٢).
وحين الاطلاع على بعض الآليات العملية للتَّورُّق المصرفي، يمكن أن نعطي الملامحَ العامة لتلك الآليات، والخطوات الإجرائية لعملية التَّورُّق، وهي على النحو التالي:
١ - الترتيبات المتفق عليها:
أ- يتم توقيعُ اتفاق مع إحدى الشركات تُسَمَّى: اتفاقية إعادة الشراء، تشتري بموجبه الشركة كل ما يعرضُ عليها من معدن (البلاديوم) مثلًا بثمن أقل من الثمن، الذي قام العميلُ بدفعه بنسبة محددة (مثلًا ١%).
ب- يوقع العميلُ توكيلًا للبنك ببيع المعدن المباع نيابة عنه لهذه الشركة.
стр. 133
ج- يقوم البنكُ بتأمين الكميات من معدن البلاديوم المتوقع بيعها خلال أسبوع.
٢ - الآلية العملية لمنح التَّمويل:
أ- حينما يرغبُ عميلٌ في الحصول على تمويل يقوم بتعبئة الاستمارة المخصصة، التي توضح المبلغ المطلوب، وفترة السَّدَاد، ودفعات السَّدَاد، والضمانات المتوفرة.
ب- يتم الاتفاقُ مع العميل على فترة التَّمويل، وتكلفة التَّمويل، فلو كان المطلوب هو مئة ألف ريال لمدة سنة، سوف تكون تكلفة التَّمويل هي (١١%) مثلًا، وهي موزعة كالتالي: (١٠ %) للبنك مقابل التأجيل، و (١%) للشركة الموقعة مع البنك اتفاقية إعادة الشراء.
ج- وحيث إن البنك لا يستطيعُ إعطاء العميل مبلغَ التَّمويل المطلوب نقدًا، يقوم ببيع مئة كيلو غرام من معدن البلاديوم مثلًا، وهو معدن ليس للمشتري أية حاجة إليه، وربما لا يعرفُ لونه، أو شكله، أو استخداماته، ويكون البيع آجلًا، وبسعر (١١١٠) ريال للكيلو، وبتكلفة كلية (١١١.٠٠٠) ريال، وتدفع بعد سنة من تاريخه.
د- يطمئن البنكُ العميلَ أنه سوف يحصلُ على المبلغ المطلوب خلال يومين من تاريخ الاتفاق، ويطلب منه توقيع توكيل له ببيع المعدن نيابة عنه لإحدى الشركات، وأن الشركة سوف تتقاضى نسبة (١%) من المبلغ مثلًا , فإن
كان سعرُ السُّوق للمعدن (١١٠٠) ريال للكيلو، فإنها سوف تدفع (١٠٠٠) ريال للكيلو، وذلك ضمن اتفاق البنك معها مقابل شرائها للمعدن نقدًا.
هـ- يتم تنفيذُ عملية انتقال ملكية المعدن من ملكية البنك إلى ملكية إحدى
стр. 134
الشركات في لحظة واحدة من خلال جهاز الحاسب الآلي، ويكون مبلغ التَّمويل المطلوب مئة ألف ريال في حساب العميل خلال يومين من تاريخ التوقيع (١).
وقد ذهب بعضُ الباحثين إلى أن آليات التَّورُّق لا يحتاجُ الأمرُ فيها إلى الانضباط؛ لأن التَّورُّق صورةٌ واحدةٌ يكون أطرافُها أفرادًا أو مؤسسات، ولكن الصحيح أن الآليات العملية للتَّورُّق تحتاجُ إلى انضباط؛ لأن أغلبَ الآليات العملية لا توضحُ بجلاء الطبيعة الحقيقية لإجراءات عملية التَّورُّق، وكما سبق فإن هناك غموضًا يكتنفُ بعض العلاقات التي تكون بين الأطراف، وخاصة العلاقة بين البنك وكلتا الشركتين البائعة والمشترية.
стр. 135
المبحث الخامس التَّورُّق المصرفي وعلاقته بصيغ التَّمويل الأخرى
من المعروف أن النشاطَ الاقتصاديَّ، الذي تقوم عليه الحياةُ، يتمثلُ في عمليات البيع والشراء الفعلي، والتَّمويل يُعَدُّ وسيلةً لإتمام هذه المعاملات، وإنجازها، ولذلك فإنه لا يوجدُ التَّمويل في الفقه الإسلامي كعقد مستقلّ بهدف
الربح، بل إنه قد وجد ليكون تابعًا لعقود البيع والشراء، وبذلك يصير التَّمويلُ خادمًا لعمليات البيع والشراء (١).
ومن المعلوم أن المضاربةَ، والسَّلم، والاستصناع، وبيع المرابحة للآمر بالشراء، هي من صيغ التَّمويل المتعارف عليها، والتَّورُّق المصرفي هو صيغةُ تمويل جديدة قد طرحتها البنوك، ونلاحظ أن هذه الصيغةَ قد صارت بديلًا عن
كثير من صيغ التَّمويل المعروفة؛ لأن التكاليفَ الأجرائية للتَّورُّق منخفضة بالنسبة إلى صيغ التَّمويل الأخرى، إضافة إلى الكفاءة، وارتفاع مستوى الربحية الموجود في التَّورُّق المصرفي.
"والبنوك الإسلامية قد توسعتْ في التَّمويل بالمرابحة حتى بلغت نسبتها في بعض البنوك (٩٥ %) بالنسبة لصيغ الاستثمار الأخرى، مما حدا بالحريصين على مسيرة البنوك الإسلامية بدقّ ناقوس الخطر، والسعي الجادّ لتقليل هذه النسبة،
стр. 136
واستبدالها بصيغ التَّمويل الأخرى، ولكن بالرغم من ذلك استمرت المرابحةُ إلى أن طرح التَّورُّق باعتباره صيغة تمويل جديدة" (١).
وإذا تأملنا إلى صيغ التَّمويل، فإننا نجدُ تشابهًا كبيرًا بين التَّورُّق المصرفي وبيع المرابحة للآمر بالشراء، وبحكم هذه المشابهة سيكونُ الحديثُ مقصورًا على هاتين الصيغتين، إذ الصِّيغ الأخرى لا إشكال في التفريق بينها وبين التَّورُّق المصرفي.
ولكي يظهرَ التشابهُ جليًا بين التَّورُّق المصرفي وبيع المرابحة للآمر بالشراء، يستوجب ذكر وصف عملية المرابحة في البنوك، وهي على النحو التالي:
١ - يُحَدِّدُ العميلُ السِّلعة، ومواصفاتها، وسعرها، ويطلب من البنك شراء السِّلعة، وبعد الموافقة المبدئية من البنك يقترن الطلب بمواعدة ملزمة، أو غير ملزمة، أو وعد من العميل بشراء السِّلعة بعد تملك المصرف لها، وهذا الوعدُ
قد يكونُ ملزمًا في بعض البنوك، وقد يكونُ غير ملزم في البعض الآخر.
٢ - بعد الموافقة على عملية التَّمويل يقومُ البنك بشراء السِّلعة لنفسه، ثم يخطر العميل بإكمال إجراءات التَّمويل.
٣ - تتمّ عمليةُ البيع برأس مال السِّلعة، إضافة إلى التكاليف، ومضافًا إليها كذلك ربح البنك بنسبة مئوية من تكلفة السِّلعة، تزيد هذه النسبة، أو تنخفض مع زيادة أو انخفاض أجل السَّدَاد، والمتفق عليه بشكل قطعي ومحدد في عقد البيع (٢).
إذًا فالصُّورةُ الشائعةُ لبيع المرابحة للآمر بالشراء تبدأ من شخص يريد
стр. 137
الحصول على سلعة، ولكنه لا يملك ثمنها، فيتوجَّه إلى البنك، ويخبرهم عن رغبته في شراء تلك السِّلعة، ويعقد مع البنك مواعدة على شرائها منه نسيئة بربح يتحدد كنسبة مئوية من تكاليف الحصول عليها (١).
وعند المقارنة بين الصُّورة العامة للتَّورُّق المصرفي، التي سبق بيانها، وبين صورة بيع المرابحة، نجدُ تشابهًا بينهما، غير أنه يمكن أن نفرقَ بينهما بالفروق التالية:
١ - أن العميلَ المُتَوَرِّق لا يريدُ السلعة أصلًا، لا للاستهلاك، ولا للاستثمار، وإنما مراده النقود بدليل أنه قد لا يعرفُ لون السِّلعة، أو شكلها، أو استخداماتها، ولذلك فإن البنك هو الذي يحددُ السِّلعة ومواصفاتها، في حين أن
مراد العميل في بيع المرابحة هو الحصول على السِّلعة لينتفع بها، بدليل أنه يحدد السِّلعة، ويحدد مواصفاتها، وسعرها.
٢ - أن السِّلع المستخدمةَ في عملية التَّورُّق المصرفي تكادُ تكون محصورةً، في حين أن السِّلع في بيع المرابحة ليستْ محصورة، بل تشملُ جميعَ العقارات، والمنقولات.
٣ - أن السِّلعة في عملية التَّورُّق المصرفي تكونُ مملوكةً للبنك قبل مجيء العميل، وطلبه الشراء، في حين أن السِّلعة في بيع المرابحة لا يشتريها البنك إلا بعد طلب، ووعد بالشراء من العميل.
٤ - أن التَّورُّق المصرفي يتمُّ من خلال استخدام السِّلع الدولية كالمعادن، في حين أن بيعَ المرابحة يتم في السُّوق الداخلية، فلا تهجرُ فيها الأموال، ويستفيدُ منها أهل البلد.
٥ - يفرق البعضُ بقلة التكاليف على العميل في عملية التَّورُّق المصرفي،
стр. 138
ولكن الحقيقة "أن ما يحصلُ عليه البنك من ربح في التَّورُّق المصرفي، فإنه مقارب لما يحصلُ عليه في المرابحة -حسب إفادة البنوك- وهي بنسبة (٦%) تقريبًا" (١).
٦ - يفرق البعضُ بسرعة إنجاز المعاملة في التَّورُّق المصرفي، ولكن الحقيقة أن الأمر "يختلف باختلاف البنوك، والأفراد، والشركات، ويتراوح من يوم إلى ثلاثة أيام في مسألة التَّورُّق، والمرابحة تستغرق وقتًا في حدود ثلاثة أيام، فهو فرق يسير" (٢)(٣).
стр. 139
الفصل الثالث تطبيقات على التَّورُّق واستخدامه في العمل المصرفي
المبحث الأول التَّورُّق المصرفي في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية
المطلب الأول تصوير المعاملة وبيان إجراءاتها
انتشرت البنوكُ الإسلاميةُ في دول الخليج العربي، وأدى انتشارُها إلى ظهور إشكاليةٍ تتمثل في فائض السُّيُولة الكبير لدى تلك البنوك، وبما أن الفرصَ التَّمويليةَ المربحة في الداخل معدومة، فقد أدى هذا بالبنوك الإسلامية إلى ابتكار صيغٍ وآلياتٍ جديدة تربطُها بسوق السِّلع الدولية، وقد وجدت بعضُ المؤسَّسات المالية الدولية فرصةً حقيقية للتمويل من خلال تلك البنوك الإسلامية، وحيث إن رغبةَ المؤسَّسات المالية الدولية بالطبع هي الحصولُ على السُّيُولة، وحيث إن تلك البنوك لا تستطيعُ أن تقدمَ لها تلك السُّيُولة بصورة مباشرة، فقد طورتِ البنوكُ الإسلامية آليات مرابحات السِّلع الدولية، التي تنتهي بالتَّورُّق (١).
стр. 140
ولو نظرنا إلى عمليات التَّورُّق التي تجريها المصارف، فإننا نجدُ أن أغلبَ تلك العمليات تتمُّ باستخدام السِّلع الدولية في البورصات العالمية. ويقصد بالسِّلع الدولية:
"المواد الأولية الأساسية مثل: النحاسْ، والحديد، والألمنيوم، ونحو ذلك التي يكون لها بورصات عالمية، يجري فيها تداول كميات السِّلع المخزونة في مستودعات تصدر شهادة مخزون. . . وأكثر عمليات التَّورُّق المصرفية اليوم هي في السِّلع الدولية، لما تتميز به من سيولة، وسهولة في الإجراءات" (١).
ومرابحات السِّلع الدولية تتمُّ وفق إجراءات متقاربة في المصارف الإسلامية، وذلك بأن يوقع المصرف الإسلامي، والمؤسَّسة الراغبة في التَّمويل اتفاقية استثمار، يتم فيها تحديد الجوانب التالية:
١ - الرغبة المتبادلة للطرفين في الدخول في عمليات المتاجرة في السِّلع.
٢ - تحديد نوعية السِّلع التي يتمُّ التَّعامُل فيها، فتستثنى السِّلع المحرمةُ كالخمر، والخنزير، والمخدرات، ويستثنى كذلك الذهب، والفضة، والعملات النَّقْديّة، لعدم جوازِ بيعها بالآجل.
٣ - تحديد المقصود بالمصطلحات المستخدمة في الاتفاقية، مثل مصطلح المرابحة، والإيجاب، والقبول، وتاريخ الدفع، وثمن الشراء، وثمن البيع.
٤ - تعيين المؤسَّسة الرَّاغبة في التَّمويل وكيلًا عن المصرف الإسلامي المستثمر، ويتولى جميع الأعمال المتعلقة بالتفاوض، وشراء السِّلعة من مالكها، ودفع الثمن نيابة عن المصرف على أن يتم بيع السِّلعة، إما على الوكيل
نفسه، أو إلى طرف ثالث، ويقع على الوكيل الالتزام بتسديد الثمن للمصرف إذا
стр. 141
كان الوكيل مشتريًا للبضاعة، أو تحصيله من المشتري إذا تم بيع السِّلعة على طرف ثالث.
٥ - تحديد الآلية التي تتمُّ من خلال عملية الشراء والبيع، وهي على النحو التالي:
أ- يتم التفاهمُ الأوليُّ عبر الهاتف، ثم يرسل الوكيل فاكسًا (فاكس الإيجاب) يعرضُ فيه على المصرف سلعة يشتريها المصرف، ويبيعها عليه، ويتضمَّن ذلك العرضُ معلومات أساسية عن السِّلعة المطلوب شراؤها، وكذلك يتضمَّن العرض رغبة الوكيل في شراء السِّلعة لنفسه، أو لجهة أخرى.
ب- في حال موافقة المصرف على العَرْض المُرْسَل عبر الفاكس، والمتضمن قبوله شراء البضاعة من الجهة المحددة (البائع) بالثمن المحدد، وقبوله تسديد الثمن في التاريخ المحدد، وقبوله بيع تلك السِّلعة إلى الوكيل مرابحة، ويسمى هذا الفاكس بالقبول.
ج- بعد أن يتسلَّم الوكيل فاكس القبول من المصرف، يرسلُ الوكيلُ فاكسًا ثالثًا يسمى (فاكس التأكيد) يؤكد فيه ما جاء في فاكس الإيجاب، وفاكس القبول، كما يؤكد فيه شراءه نيابةً عن المصرف، وبيعها لنفسه بتكلفتها، زائدًا هامش ربح محدد يسدد في أجل محدد.
د- بعد أن تتمَّ عمليةُ البيع والشراء مرابحة للوكيل، يقوم الوكيل بإعادة بيع السِّلعة تَّورُّقًا للحصول على ثمنها نقدًا (١).
стр. 142
المطلب الثاني التكييف الفقهي لهذه المعاملة
بعد النظر في الآلية التي تقومُ عليها عمليةُ التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية، يمكن القَولُ بأن هذه المعاملة تقوم على أربعة عقود، وهي على النحو التالي:
١ - عقد وكالة: فيقوم المصرفُ بتوكيل المؤسَّسة المالية، لتقومَ المؤسَّسة بعملية البيع والشراء نيابة عن المصرف.
٢ - عقد بيع: فتقوم المؤسَّسةُ باعتبارها وكيلًا عن المصرف، بشراء سلعة من مالكها بثمن نقديّ حاضر.
٣ - عقد بيع ثانٍ: فتقوم المؤسَّسةُ باعتبارها وكيلًا عن المصرف ببيع السِّلعة مرابحة، إما على نفسها، أو تبيعها على طرف آخر.
٤ - عقد بيع ثالث: في حالة بيع المؤسَّسة السِّلعة على نفسها، وتصبح السِّلعة ملكًا لها، تقومُ ببيع السِّلعة تورقًا للحصولِ على الثمن.
وبعد بيان تلك العُقُود التي تقومُ عليها مرابحات السِّلع الدولية، يمكن القَولُ بأن تلك العملية: "عبارة عن شراء المصرف الإسلامي لسلع موصوفة نقدًا بواسطة وكيل معين، وإعادة بيعها بالأجل إلى الوكيل نفسه، أو إلى طرف ثالث، ثم يقوم الوكيلُ، أوالطرف المشتري لتلك السِّلع بإعادة بيعها نقدًا للحصول على السُّيُولة" (١).
وبعض الباحثين ذَكَرَ هذه المعاملة، وحكم بأنها مجرَّد بيع يصحُّ إذا توافرت فيه الشروط والأركان، يقول الشّيخُ عبد الله المنيع: "هذا النوعُ من التَّورُّق
стр. 143
لا يظهر فيه مانع من اعتباره، وجوازه، سواء أكان على مستوى فردي، أم على مستوى محلي أو دولي، وسواء أكان ذلك بين الأفراد أم كان بين المؤسَّسات المالية إذا كان البيع، مما توافرت فيه أسباب اعتباره من أركان البيع، وشروطه، وانتفاء أسباب بطلانه، أو فساده" (١).
وذكر الدكتور موسى آدم أن المصارف الإسلامية حتى تؤكّد أن تلك العمليات، التي تجريها في مرابحات السِّلع الدولية حقيقية، وليست صورية، فإنها توقع مع الوكلاء خمسة شروط مهمة، وهي على النحو التالي:
١ - إقرار الوكيل بأن عمليات البيع والشراء حقيقية، وليست عمليات صورية.
٢ - أن يقوم المصرف بنفسه بتسديد الثمن للبائع، للتأكد من أن هناك عملية بيع حقيقية.
٣ - أن يقبض الوكيل مستندات شراء السِّلع، قبل إجراء عملية إعادة بيع السِّلعة.
٤ - أن يحفظ الوكيل جميع المستندات المؤكدة لعملية البيع والشراء، لتقديمها إلى المصرف، لإجراء عمليات التدقيق الشرعي.
٥ - أن لا يتعامل الوكيل بالفائدة الربوية (٢).
ويقول الدكتور بعد ذكر هذه الشروط: "وفي ضوء هذه المعطيات يمكن القَولُ بأن مرابحات السِّلع الدولية في حال استيفائها الشروط المذكورة، وتمامها عبر وكلاء موثوق بهم، فمانها تكون صحيحة شرعًا لاستكمالها
стр. 144
للجوانب الشكلية للعقود، ولعدم تعارضها مع الأصول الشرعية" (١).
ويقول الدكتور علي السَّالوس في هذه المعاملة: "لا تدخل ضمن التَّورُّق، فالمصارف الإسلامية تشتري نقدًا، وتبيعُ بالأجل مع زيادة البيع الآجل عن بيع الحال، والمشتري من المصرف مؤسَّسة مالية تجارية، تريدُ من الشراء ربح
التاجر، لا خسارة المُتَوَرِّق، أو تريد السِّلعة إن كانت من مستهلكيها، وهذا بعيد عن التَّورُّق. . . ومن خبرتي مدة خمس عشرة سنة في أعمال المصارف الإسلامية، ومراجعتي لعمليات السِّلع والمعادن في أماكن تنفيذها في أوروبة
خلال تلك السنوات، اكتشفت أن كثيرًا من هذه العمليات تستوفي الشكل الظاهري فقط للضوابط الشرعية، وتكون في حقيقتها قروضًا ربوية، وليست تَّورُّقًا، ولا بيعًا، ولا شراءً" (٢).
والذي يبدو لي -والله أعلم- أن التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية، هو من قبيل (ربح ما لم يضمنْ) فالأطراف المشتركة في هذه المعاملة يقعون في هذا المحظور، وبيان ذلك يتَّضح في الآتي:
١ - أن هذه المعاملة تتمُّ في بورصات السِّلع العالمية، وهذه البورصات تجري فيها بيوعٌ كثيرة، ليست حقيقية، بمعنى أن السِّلع لا تسلم إلى المشتري، وإنما تعقد بيوع كثيرة متتالية على الحاسب الآلي، وتبدأ هذه المعاملة وتنتهي بتبادل الأوراق، ولا تراعى فيها الشروط الشرعية من تعيُّن المبيع وإفرازه عن غير المبيع، ومن كون المبيع في ملك البائع وحوزته، ثم إن هذه الأوراقَ التي يحملها صاحِبُها إنما تمثل حقّ الحامل في تسلُّم كمية من السِّلعة، والكمية المكتوبة في الأوراق غير متميزة عن الكمية الباقية، فلا تأتي الكميةُ المشتراةُ في
стр. 145
ضمان المشتري (المصرف)، ويبيعها المشتري بالمرابحة قبل أن تتميز، وتضمن من قِبل المشتري الذي هو المصرف، فيقع في هذه المعاملة محظور (ربح ما لم يضمنْ) (١)، وقد قال رسول الله ﷺ : "لا يحلّ سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن" (٢).
فالمعاملاتُ التي تجري في بورصات السِّلع العالمية هي بيوعٌ صورية ليست حقيقية، ولذلك نجد أن المصارفَ قد اشترطتِ الشروط الخمسة المذكورة سابقًا، لتكون تلك المعاملات عمليات حقيقية، وليست عمليات صورية، والحقيقةُ أن تلك الشروط لا يتمُّ تفعيلها في الواقع العملي، وحتى لو تمَّ تفعيلها في الميدان، فإننا لن نسلم من وقوعنا في ربح ما لم يضمن.
٢ - وعلى فرض أن السِّلعةَ قد عُينت، وحُدِّدت، والقَولُ بـ (القبض الحكمي) الذي يحكم بانتقال الضمان بمجرد العقد إذا تعينت السِّلعة، فإننا نقعُ في إشكالية أخرى، وهي: أن القبضَ الحكميَّ كما يكون طريقًا للتيسير، فإنه يكون طريقًا للاحتيال والتلاعب، فعمليةُ التَّورُّق في مرابحات السِّلع الدولية مع المؤسَّسات المالية "تتمُّ برأس مال كبير، وسرعة فائقة، فاحتمال التلاعب فيها وارد، وبخاصة أن التَّعامُلَ في أصله مع جهات أجنبية تجهل الدِّيْن، وأحكامه، بل لا تدينُ به، وقد يكون الطرف الآخر ممن لا يأنفُ الرِّبا أيضًا، وهذا لا يناسبه الاعتبار بالقبض الحكمي" (٣).