- ﵂ فدخلتْ معها أم ولد زيد بن أرقم الأنصاري، وامرأة أخرى، فقالت أمُّ ولد زيد بن أرقم: يا أمَّ المؤمنين، إني بِعْتُ غُلامًا من زيد بن أرقم بثمانمئة درهم نسيئةً، وإنِّي ابتعتُه منه بستمئة نقدًا. فقالت لها عائشةُ: بئسَ ما اشتريتِ، وبئس ما شريت، إنَّ جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطلَ إلا أن يتوبَ" (١).
وجهُ الاستدلال من الحديث:
أنَّ الحديثَ فيه زَجْرٌ شديدٌ، ووعيدٌ بإبطال الأعمالِ الصَّالحة لمن كان يعاملُ الناسَ بالعِيْنَة، وهذا يدل على التحريم، ولو لم يكن عند عائشة عِلْمٌ بذلك لما قالته برأيها، فالحديثُ له حُكْمُ الرَّفع؛ لأنه لا مجالَ للرَّأي فيه.
نُوقش الاستدلالُ بهذا الحديث من جهتين:
١ - نُوقش من جهة الثُّبوت: فثبوتُه فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ امرأة أبي إسحاق السّبيعي هي العاليةُ بنت أيفع، وهي مجهولةٌ، يقولُ ابنُ حَزْم: "فأما خبر أبي إسحاق ففاسدٌ لوجوه: -وذكر منها- أنَّ امرأةَ أبي إسحاق مجهولةُ الحال، لم يَرْوِ عنها أحدٌ غير زوجها وولدها يونس، على أن يونس قد ضعَّفه شُعْبة بأقبح التَّضعيف" (٢).
الجوابُ عن المناقشة:
يقولُ ابنُ القيم في الرَّدِّ على المناقشة: "وأيضًا فهذه امرأةُ أبي إسحاق السّبيعي -وهو أحدُ أئمة الإسلامِ الكبار-وهو أعلمُ بامرأته، وبعدالتها، فلم يكنْ يروي عنها سُنة يحرمُ بها على الأمة، وهي عنده غير ثقة، ولا يتكلَّم فيها بكلمة، بل يُحابيها في دِيْن الله، هذا لا يظنُّ بمن هو دون أبي إسحاق، وأيضًا
стр. 72
فإن هذه امرأة من التابعين قد دخلتْ على عائشة، وسمعتْ منها، وروتْ عنها، ولا يعرفُ أحدٌ قدحًا فيها بكلمة، وأيضًا فإنَّ الكذبَ والفِسْقَ لم يكنْ ظاهرًا في التابعين، بحيث تردّ به روايتهم. . . وأيضًا فلم يعرفْ أحدٌ قطُّ من التابعين أنكر على العالية هذا الحديث، ولا قَدَحَ فيها من أجله، ويستحيلُ في العادة أن ترويَ حديثًا باطلًا، ويشتهرَ في الأمة، ولا ينكر عليها مُنْكِر" (١).
٢ - قد نُوقش من جهة المتن: أن الإنكارَ في الحديث جاء بسبب أنَّ البيعَ كان إلى العطاء، كما جاء في بعضِ رواياتِ الحديث، وهو أجلٌ غيرُ معلوم.
والجوابُ عن المناقشة:
أنَّ عائشةَ ﵂ كانت تجيزُ البيعَ إلى العطاء، فقد روى ابنُ أبي شيبة: "أنَّ أمهات المؤمنين كُنَّ يشترين إلى العطاء" (٢).
الدليلُ الثالث: أنَّ بيعَ العِيْنَة وسيلةٌ، وحيلةٌ تؤدي إلى الرِّبا (٣)، وما كان وسيلةً إلى الحرام فهو حرامٌ، وكونها وسيلة في غايةِ الظُّهور، فإنَّ حقيقةَ المعاملة مبادلةُ دراهم بدراهم أكثر منها، والسِّلْعَةُ لغوٌ لا عبرةَ بها، بدليل أنها تعودُ على البائع.
• أدلةُ القائلين بجواز بيع العِيْنَة:
الدليلُ الأول: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤)، ويقول سبحانه: ﴿قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (٥).
стр. 73
وجهُ الاستدلال من الآيتين:
أنَّ العِيْنَة في الحقيقة بيعان، فهما حلالان بنصِّ القرآن، ولو نَظَرنا إلى الكِتاب والسُّنَّة فلن نجدَ تفصيلًا يُحرّم العِيْنَة، فيدلُّ ذلك على الجواز (١).
نُوقش الاستدلالُ بالآيتين:
أن السُّنة جاءتْ بتحريم العِيْنَة، كما في حديث ابن عمر، وخبر عائشة، وقد صحَّحهما العلماءُ كما سبق ذِكْرُه، ثم إنَّ العِيْنَة تُخالِفُ قواعدَ الشَّرع من جهة كونها حيلة تمنعُ من تحقيق منفعة التَّبادلِ الحقيقي، بل إنَّ نتيجتها دينًا في
الذمَّة أكثر من النقد المقبوضِ، وهذه حقيقةُ الرِّبا (٢).
الدليلُ الثّاني: عن أبي سعيد الخُدْري، وأبي هريرةَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ استعمل رَجُلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جَنِيْبٍ، فقال رسولُ الله ﷺ : "أكُلُّ تمرِ خيبرَ هَكَذا"؟ قال: لا والله يا رسولَ الله، إنَّا لنأخذُ الصَّاع من هذا بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تفعلْ، بع الجَمْعَ بِالدّراهمِ، ثم ابتعْ بِالدّراهمِ جَنِيبًا" (٣) [متفق عليه].
وجه الاستدلال من الحديث:
أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَ ببيع الجمع، ويشتروا بثمنه جَنِيبًا من غير تفريقٍ بين أن يشتريَ من المشتري، أو من غيره، فدلَّ هذا على أنه لا فَرْقَ بين الأمرين، إذ لو كان هناك فرقٌ لبيَّنه ﷺ (٤).
стр. 74
وقد نُوقش الاستدلالُ بهذا الحديث:
أنَّ عُمومَ الحديثِ قد خُصَّ بأن السُّنة، وقواعد الشريعة قد دلَّت على مَنْعِ الإنسان من شراء ما باع بأقلّ ممَّا باع ممن اشترى منه، قبل نقد الثَّمن (١).
الدليلُ الثالث: أنه لما جاز بيعُ السِّلعة التي اشتراها ممَّن اشتراها منه بعد قبض الثمن، فليكنِ الأمرُ كذلك قبلَ القبضِ، حيثُ لا فَرْقَ بينهما.
ونُوقش الدليل:
أنَّ النصَّ وَرَدَ بتحريم العِيْنَة، فلا عبرةَ بقياس يقابله، ثم إنَّه قياسٌ مع الفارق؛ لأنَّ المنعَ من الشِّراء قبل القبض كان بسببِ وجودِ شبهة إرادة الرِّبا، وأما بعد القبض فتنعدمُ هذه الشُّبهة.
وأما القائلون بكراهةِ العِيْنَة، فلعلَّهم يرون أدلةَ المنع لم تنهضْ للدَّلالةِ على التَّحريم.
الفرعُ الثّاني: موقفُ الشَّافعي مِن الأحاديثِ الدّالةِ على تحريمِ العِيْنَة:
تطرَّقتُ فيما سبق عن موقف الشَّافعية من بيع العِيْنَة، وأن الشَّافعي ﵀ قد صرَّح بجواز العِيْنَة في كتابه (الأم) مخالفًا بذلك جُمْهُور العلماء، ولم تكنْ مخالفته عن جهل، أو هوى، وإنَّما أجاز بيع العِيْنَة جَرْيًا على ظاهر العقود، وسلامتها من المَكْر والخِداع، ومن المعروفِ أن الجمهورَ استدلُّوا بحديثِ ابنِ عمرَ، وخبر عائشة ﵄ على تحريمِ العِيْنَة (٢).
ويُلاحَظُ من كلام الشَّافعي في (الأم) أنه لم يتطرَّق لحديث ابن عمر لا من
стр. 75
قريبٍ ولا من بعيد، ولعلَّ الحديثَ لم يبلغه، إذ لو بلغه لحسم النِّزاع، وقال بالتحريم كالجُمْهورِ جَرْيًا على قاعدته الذهبية: [إذا صحَّ الحديثُ فهو مَذهبي]، وقد جاء في (فيض القدير): "أوصانا الشَّافعي باتِّباعِ الدليلِ إذا صَحَّ بخلافِ مذهبه" (١)، فحديثُ ابن عمر لو بلغ الشَّافعي لما خالف الجمهور، ولقال مثل قولهم بتحريم العِيْنَة.
وأما خَبَرُ عائشةَ ﵂ فقد وقف الشَّافعيُّ في الرَّدِّ على هذا الخبر طويلًا، وفي رَدِّه ذِكر ثلاثة أمور:
١ - عدم ثبوت الخبر عنده، فقال ﵀: "قد تكون عائشةُ لو كان هذا ثابتًا عنها. . ." (٢)، وقال أيضًا: "وجملة هذا أنّا لا نثبتُ مثله على عائشة" (٣)، وقد سبق بيانُ ثبوتِ الخبر، وصحته (٤).
٢ - أنَّ إنكارَ عائشة ﵂ بسبب أن البيعَ كان إلى العطاء، وهو أجلٌ غيرُ معلوم، يقول ﵀: "قد تكون عائشةُ لو كان هذا ثابتًا عنها عابتْ عليها بيعًا إلى العطاء؛ لأنه أجلٌ غير معلوم، وهذا ممَّا لا نجيزُه لا أنها عابتْ عليها ما اشترتْ منه بنقد، وقد باعته إلى أجلٍ" (٥)، وقد بينت سابقًا أن عائشةَ تجيزُ البيعَ إلى
العطاء (٦).
٣ - عند وُقُوع الخِلافِ بين الصَّحابة يكونُ الأخذُ بقول الذي معه القياس، والذي معه القياس هو زيدُ بنُ أرقم يقول ﵀: "ولو اختلف بعضُ أصحابِ
стр. 76
النبيِّ ﷺ في شيء، فقال بعضُهم فيه شيئًا، وقال بعضُهم بخلافه كان أصل ما نذهبُ إليه أنّا نأخذُ بقولِ الذي معه القياس، والذي معه القياس زيد بن أرقم. . . فإنْ قالَ قائلٌ: فمن أين القياس مع قول زيد؟ قلت: أرأيت البيعة الأولى، أليس قد ثبتَ بها عليه الثمن تامًا؟! فإنْ قال: بلى، قيل: أفرأيت البيعة الثانية أهي الأولى؟ فإنْ قال: لا، قيل: أفحرامٌ عليه أن يبيعَ ماله بنقد، وإن كان اشتراه إلى أجل؟ فإنْ قال: لا إذا باعه من غيره، قيل: فمن حرمه منه؟ فإنْ قال: كأنها رجعتْ إليه السِّلْعة، أو اشترى شيئًا دينًا بأقلّ منه نقدًا، قيل: إذا قلت كان لما ليس هو بكائن لم ينبغ لأحد أن يقبلَه منك، أرأيت لو كانت الْمَسْأَلَةُ بحالها، فكان باعها بمئة دينار دينًا، واشتراها بمئة أو بمئتين نقدًا، فإن قال: جائز، قيل: فلا بُدَّ أن تكونَ أخطأت كان، ثم أو ها هنا؛ لأنه لا يجوزُ له أن يشتريَ منه مئة دينار دينًا بمئتي دينار نقدًا، فإن قلت: إنما اشتريت منه السلعة، قيل: فهكذا كان ينبغي أن تقولَ أولا، ولا تقول كان لما ليس هو بكائن، أرأيت البيعة الآخرة بالنقد لو انتقضت، أليس تردُّ السِّلْعَة، ويكونُ الدَّين ثابتًا كما هو، فتعلم أن هذه بيعة غير تلك البيعة، فإن قلتَ: إنَّما اتهمته، قلنا: هو أقلُّ تهمة على ماله منك، فلا تركنْ عليه إن كان خطأ، ثم تحرم عليه ما أحلَّ الله له؛ لأن الله أحلَّ البيع وحرَّم الرِّبا، وهذا بيعٌ وليس بربا" (١).
وهذا القياسُ الذي ذكره الشَّافعي لا يصحُّ الأخذ به؛ لأن النَّصَّ قد وَرَدَ بتحريم العِيْنَة كما في حديث ابن عمر ﵁، فلا عبرةَ بالقياس مع وُجُودِ النَّصِّ، والشَّافعيُّ ﵀ لجأ إلى بيانِ كون القياس مع زيد لعدم ثبوتِ النَّصِّ عنده، ولو ثبت خبرُ عائشةَ عنده، أو بلغه حديث ابن عمر لجزم بتحريمِ العِيْنَة.
والجديرُ بالذِّكْر أن بعضَ العوامِّ حينما يعلمُ برأي الشَّافعي ﵀ في بيع
стр. 77
العِيْنَة قد يتَّهمه بالسَّماحة المفرطة، التي تُؤدي بصاحبها إلى تحليلِ ما حرَّم الله بِحُجَّة التَّخفيف، والتيسير على النَّاس، وقد جرى هذا معي حينما أخبرتُ شَخْصًا عن موقف العلماءِ من بيع العِيْنَة، ولا يصحُّ أن ينسبَ للشّافعيّ ﵀ ولا لغيره من الأئمة شيء من هذا، يقول ابنُ القيِّم: "والمتأخِّرون أحدثوا حِيَلًا لم يصحَّ القولُ بها عن أحد من الأئمة، ونَسَبوها إلى الأئمة وهم مُخْطئون في نِسْبتِها إليهم، ولهم مع الأئمة موقفٌ بين يدي الله ، ومن عرف سيرةَ الشافعي وفَضْله، ومكانه من الإسلام، عَلِم أنه لم يكنْ معروفًا بفعل الحِيَل، ولا بالدَّلالة
عليها، ولا كان يُشير على مسلم بها. . . وهكذا في مسألة العِيْنَة، إنما جَوَّزَ الشَّافعيُّ أن يبيعَ السِّلْعَةَ ممن اشتراها منه جَرْيًا على ظاهر عقود المسلمين، وسلامتها من المكر والخِداع، ولو قيل للشَّافعي: إنَّ المتعاقدين قد تواطآ على ألفٍ بألف ومئتين، وتراوضا على ذلك، وجعلا السِّلعة محلّلًا للربا، لم يجز ذلك، ولأنكره غاية الإنكار" (١).
وممَّا سبقَ يتبينُ أنَ الشَّافعيَّ ﵀ لا يقول بجواز الحِيَل المذمومة المناقضة لنصوصِ الشَّريعة وقواعدها، ولا يأمرُ الناس بالكذب والخداع، وإنما قال بجواز العِيْنَة للأسباب التالية:
١ - أن حديثَ ابن عمر ﵁ لم يبلغه، ولو بلغه لَحَسَمَ النِّزاع، وحَكَم بتحريم العِيْنَة كالجُمْهُور، جَرْيًا على قاعدته الذهبية: [إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي].
٢ - أنه لا يرى ثبوتَ خَبَرِ عائشةَ ﵂، ولو ثبت عنده فلا يرى فيه دلالة تحريمِ العِيْنَة، كما سبقَ بيانه.
٣ - أن الإمامَ الشَّافعيَّ بيَّن موقفه من العقودِ عامة، فالعبرةُ في العقودِ عنده
стр. 78
بالظَّاهر، ولا تؤثر في العقود نية المتعاقدين، ولا يعني هذا أنه يجيزُ إضمارَ نية المحرم، فهو يفرقُ بين صحَّة العقد ونية العاقد، فإن نوى ما هو محرم، فإنه يأثمُ، ولا يستلزمُ هذا بطلانَ العقد عنده، يقول ﵀: "أصلُ ما أذهب إليه أنّ كلَّ عقدٍ كان صحيحًا في الظّاهر، لم أبطله بتهمةٍ، ولا بعادة بين المتبايعين، وأجزته بصحَّةِ الظاهر، وأكره لهما النية إذا كانت النيةُ لو أظهرت كانت تفسدُ البيع" (١).
الفرع الثالث: الترجيح
بعد النَّظَرِ والتأملِ في أدلَّة الأقوال والمناقشات، فإنه يبدو -والله أعلم- رجحان القول بتحريم العِيْنَة للأسباب التالية:
١) دلالة حديث ابن عمر ﵄ وصحته، وصراحته بتحريم العِيْنَة.
٢) ثبوت خبر عائشة ﵂، ودلالته على التحريم.
٣) ضَعْف استدلال القائلين بجواز العِيْنَة، حيث نوقشتْ كما سبق بما يضعفها، أضفْ إلى ذلك مناقشة كلام الشَّافعي ﵀ عن موقفه من خبر عائشة.
٤) أن تحريمَ العِيْنَة يوافقُ العملَ بقاعدة: [سدّ الذَّرائع]، فالعِيْنَة ذريعةٌ ظاهرةٌ تؤدي إلى الرِّبا، فإنه لا يختلفُ عاقلان في أن من باع سلعة بثمنٍ مؤجَّل، ثم اشتراها ممَّن باعها عليه قبل نقد الثَّمن بأقل منه، آيل فِعْله إلى الرِّبا، وجيء بالسِّلْعة كحيلة لاستحلال الرِّبا.
٥) أنَّ العِيْنَة حيلةٌ من الحِيَل المذمومة، التي ابتكرها أكَّالة الرِّبا، وهي تنافي قواعدَ الشَّريعةِ الإسلاميةِ، جاء في الموافقاتِ عن الحِيَل: "فإن حقيقتها
стр. 79
المشهورةَ تقديمُ عملٍ ظاهرِ الجوازِ، لإبطالِ حُكْمِ شرعيِّ، وتحويله في الظَّاهر إلى حُكْم آخر، فمآلُ العملِ فيها خَرْمٌ لقواعد الشريعة في الواقع" (١).
٦) أن الحُكْمَ الشَّرعيَّ إنما جاء ليحققَ مصالحَ الناس في شتى مجالات حياتهم الاجتماعية، والاقتصادية، والسِّياسية، والمصلحةُ الاقتصاديةُ تقتضي منع العِيْنَة، فإنَّ تقويمَ هذه المعاملة من الناحية الاقتصادية يعكسُ لنا صورةً من أضرارها الاقتصادية على المجتمع، فالعِيْنَة لا تفيدُ الحياةَ الاقتصاديةَ بقدر ما تضرُّها، حتى لو كانتْ طريقًا للحصولِ على السُّيولة، فإنَّ الرِّبا يحققُ السُّيولةَ للمقترض، ولم يعنِ هذا جوازه، فالمنافعُ الاقتصاديةُ التي يحققها البيعُ والشِّراءُ معدومةً في بيع العِيْنَة والربا، وبيان هذا يتَّضح في الآتى:
"أن البيعَ مبادلةٌ لشيئين مختلفين، واختلاف البدلين هو الذي يسمحُ أن تكونَ المبادلةُ نافعة للبائع والمشتري" (٢) فكل طرفٍ في المبادلة يبذلُ ليأخذَ ما يحتاجُ إليه، وعَمَلِيَّةُ التَّبادلِ التي تتمُّ بواسطة البائع والمشتري، هي بدورها تقومُ بتنشيطِ الحركةِ الاقتصادية؛ فالبائعُ يأخذُ الثمن ليستفيدَ منه في قضاءِ حاجاته، والمشتري يأخذُ السِّلْعةَ ليستفيدَ منها إما بالاستهلاك، أو بالاستثمار، وهكذا لتبقى الحياةُ الاقتصاديةُ نشيطةً دون فتورٍ، أو كسادٍ.
وأما العِيْنَة فهي في حقيقة الأمرِ مبادلةٌ بين متماثلين، كالقرضِ باشتراطِ الفائدةِ، فهي في الحقيقةِ تحصيلُ نقدٍ مقابل زِيادة في الذِّمَّة، واتخذ البيع سِتارًا لذلك، فعَمَلِيَّةُ التبادلِ في العِيْنَة معدومةُ النفع بِحُكْمِ أنَّ العَمَلِيَّةَ كانتْ بين بدلين متماثلين، وعَمَلِيَّةُ التبادل لا تجدي، ولا تنفع الحركة الاقتصادية إلا إذا كان
стр. 80
البدلان مُخْتَلفَين، كما يجري في البيع والشِّراء، ولذلك فإنَّ المجتمعَ إذا فَشَتْ فيه بيوعُ العِيْنَة، فإنه حتمًا سينعدمُ النشاطُ الاقتصاديُّ المنتج، وتعمُّ المديونية، ويزدادُ الغنيُّ غنى، والفقير فقرًا، تمامًا كالأضرارِ الناجمةِ عن الرِّبا.
ومَنْ تأمَّلَ حديثَ تَمْرِ خَيبرَ، والذي قال فيه رسولُ الله ﷺ : "بعِ الجمعَ بالدراهم، ثم ابتعْ بالدراهم جَنِيبًا" فإنه شاهد على أنَّ عَمَلِيَّةَ التبادلِ، لا تكونُ مجديةً إلا عند اختلافِ البدلين، فالرجلُ لما أخبر رسولُ الله ﷺ بأنهم يأخُذون الصَّاعَ بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة أنكرَ عليه رسول الله، ونهاه عن هذا الفعلِ؛ لأنَّ عَمَلِيَّةَ التبادلِ كانت قائمةً على متماثلين في الجنس، فأمره رسولُ الله باتخاذ أسلوبٍ صحيحٍ يحققُ المنفعةَ الاقتصاديةَ بأن يبيعَ الجمْعَ بالدَّراهم، ثم يشتري بالدَّراهم جَنِيبًا، ونلاحظُ أنَّ في هذا التوجيه النبوي تنشيطًا للحركةِ الاقتصادية، التي لا يكونُ من ورائها إلا كل نفعٍ وخيرٍ، والتي تُعَدُّ مقصدًا من مقاصدِ الشريعة.
ولذلك فإننا ندركُ الآن الحكمةَ والفائدةَ الاقتصادية من تحريمِ بيعِ جنسٍ بجنس مثله، فعلى سبيلِ المثالِ بيع تمرٍ بتمرٍ لا يحققُ المنافعَ المرجوَّةَ من عَمَلِيَّة التبادلِ لتماثل البدلين، وإنما تتحققُ منفعةُ التبادلِ عند اختلاف البدلين، لذلك أمرَ رسولُ الله ﷺ ببيع التَّمر الرديء، ثم يشتري بثمنه تمرًا جيِّدًا، فإن قيل: وما هي منفعةُ التبادلِ التي تتحققُ عند اختلاف البدلين؟ قلت: منفعةُ التبادلِ تكمنُ في تنشيطِ الحركةِ الاقتصاديةِ، التي يستفيدُ منها كلُّ أفرادِ المجتمع، فصاحبُ التَّمر الرَّديء يبيعُه على شخص، وهذا الشخصُ يقومُ بالانتفاع به إما بالاستهلاكِ أو بالبيع، وإذا باعه فيبيعُه على آخر، وهذا الآخرُ قد يبيعه على آخر. . . وهكذا، وكذلك إذا باع صاحبُ التَّمرِ الرَّديء تمره، فإنه يقومُ بشراءِ تمرٍ جيد، لينتفعَ به، إما بالاستهلاك، أو بالبيع، وإذا باعه فيبيعه على شَخْصٍ آخر، وهذا الشَّخْصُ قد
стр. 81
يبيعُه على آخر، وهكذا حتى لا يكون المالُ دولة بين الأغنياء، بل يكونُ في أيدي النَّاسِ جميعهم، ليستفيدَ كلُّ فرد من أفرادِ المجتمع من هذه الأموال، ومنفعةُ التبادلِ هذه تنعدمُ حين تنتشرُ العِيْنَة، إذ العِيْنَة في حقيقتها عَمَلِيَّةُ مبادلةٍ
بين متماثلين كالرِّبا تمامًا، فتنشغل الذِّممُ بالدُّيونِ، ويكون المالُ دولةً بين الأغنياء.
стр. 82
المطلب الثاني دخولُ التَّوَرُّق في العِيْنَة
المسألة الأولى: شمولُ العِينَة لمعنى التَّوَرُّق:
الحقيقةُ أن التَّوَرُّقَ يدخلُ تحت معنى العِيْنَة، وإن كان ثمةَ اختلافٍ بينهما في الحُكْم إلا أن العِيْنَة شاملة لمعنى التَّوَرُّق، وبيان هذا يتَّضحُ بأمرين:
الأمر الأول: دلالةُ اللغة، فالمعنى اللغويُّ للعينة يدلُّ على أن المقصودَ من العِيْنَة هو حصولُ العين، وهو النقدُ الحاضرُ، وهذا المعنى موجودٌ في التَّوَرُّق، جاء في معجم (مقاييس اللغة): "ومن الباب العين، وهو المالُ العتيدُ الحاضرُ، يقال: هو عينٌ غيرُ دين، أي: هو مالٌ حاضرٌ تراه العيون" (١) ويقولُ ابنُ القيّم: "العِيْنَة فعلة من العين: النقد" ثم نقل عن الجوزجانيِّ أنه قال: "أظنُّ أن العِيْنَة إنما اشْتُقَّتْ من حاجةِ الرَّجُلِ إلى العين من الذهب والوَرِقِ، فيشتري السِّلْعَة، ويبيعها بالعين التي احتاج إليها، وليست به إلى السِّلْعة حاجة" (٢) وجاء في (نيل الأوطار): "سُمِّيَتْ هذه المبايعةُ عينة لحصولِ النقدِ لصاحبِ العِيْنَة؛ لأنَّ العينَ هو المالُ الحاضر، والمشتري إنَّما يشتريها ليبيعها بعينٍ حاضرةٍ تصلُ إليه من فوره، ليصلَ إلى مقصوده" (٣).
والمعنى اللغويُّ يدلُّ على أنَّ القصدَ من العِيْنَة هو حصولُ العين، الذي هو النقدُ الحاضر، وهذا المعنى موجودٌ في التَّوَرُّق، فدلالةُ العِيْنَة اللغويةِ تشملُ التَّوَرُّقَ، إذ المقصودُ من التَّوَرُّق هو السَّعي للحصولِ على العين، الذي هو النقدُ الحاضر.
стр. 83
الأمر الثاني: دلالةُ نصوصِ الفقهاء، فبعضُهم يفسِّر العِيْنَة بما يشملُ صورةَ التَّوَرُّق كما عند الحنفية، فبعضُهم فسَّر العِيْنَة بتفسيرٍ هو عينُ التَّوَرُّق الجائز عند الجُمْهورِ، فقالوا: "أن يأتي الرجلُ المُحتاجُ إلى آخر، ويستقرضُه عشرة دراهم، ولا يرغبُ المقرضُ في الإقراض. . . فيقول: لا أقرضك، ولكن أبيعك هذا الثوبَ إن شئت باثني عشر درهمًا، وقيمته في السُّوق بعشرةٍ ليبيعه في السُّوق بعشرةٍ، فيرضى به المستقرضُ، فيبيعه كذلك، فيحصل لربِّ الثوبِ درهمان، وللمشتري قرض عشرة" (١).
وقول أبي يوسف ﵀: "العِيْنَة جائزةٌ مأجورٌ مَنْ عَمِلَ بها" (٢).
وسبق أن بينتُ أن قولَ أبي يوسف يحملُ على عدمِ عودِ السِّلْعةِ إلى بائعها الأول.
ولما أراد بعضُ الحنفية تعريفَ العِيْنَة، عرَّفه بتعريفٍ غير مانع من دخول معنى التَّوَرُّق فيه، فها هو السَّرخسي يقول عندما أراد تعريفَ العِيْنَة: "أن يبيعه ما يساوي عشرة بخمسةَ عشرَ ليبيعه المستقرض بعشرة" (٣)، وهذا التعريفُ في
الحقيقة شاملٌ لمعنى التَّوَرُّق، والسبب الذي جَعَلَ السَّرخسي يقول بهذا: أنَّ الحنفيةَ يدرجُون التَّوَرُّقَ ضمن صُور العِيْنَة، ويجعلُونها صورةً مستثناةً من حُكْم التحريم، فهم لم يذكروا التَّوَرُّقَ كمسألةٍ مستقلةٍ، وإنما يذكرونه تحت صُور العِيْنَة، وهذا يدلُّ على دُخُولِ التَّوَرُّق في العِيْنَة؛ لاسيما وأن بينهما أوجهَ شبهٍ قوية، كما سيأتي.
وكذلك الأمرُ بالنِّسبة إلى المالكية، فالعِيْنَة عندهم تشملُ التَّوَرُّق؛ لأنهم لما
стр. 84
كرهوا العِيْنَة اشترطوا لكراهتها أن تباعَ السِّلْعةُ إلى البائعِ الأولِ (١)، فيخرج من ذلك التَّوَرُّق، يقول ابنُ رُشْد: "وسُئِلَ مالك عن رجلٍ يبيعُ السِّلْعةَ من الرجل بثمنٍ إلى أجلٍ، فإذا قبضها منه، ابتاعها منه رجلٌ حاضرٌ كان قاعدًا معهما، فباعها منه، ثم إن الذي باعها الأول اشتراها منه بعد، وذلك في موضعٍ واحدٍ قال: لا خيرَ في هذا، ورآه كأنه محللٌ فيما بينهما" (٢) فالإمامُ مالك إنما منع هذه الصُّورةَ لوجودِ الرجل الثالث، الذي يُعَدُّ مُحللًا للعينة، ولولا وجودُه لجاز ذلك عنده إذا بيعتِ السِّلْعةُ لغير بائعها الأول، ولذلك فإن الباحثَ عن حُكْم التَّوَرُّقِ عند المالكية، فسيجده كصورةٍ من صُورِ العِيْنَة التي ذكروها تحت بُيوعِ الآجالِ.
وإذا نَظَرْنا إلى الشَّافعيةِ فالتَّوَرُّق كذلك يدخلُ في العِيْنَة عندهم، حيثُ إنَّهم يرون جَوازَ العِيْنَة، فيكون التَّوَرّق أولى بالجوازِ من العِيْنَة، ولذا فإنَّ الباحثَ عن حُكْم التَّوَرُّق عند الشَّافعية لن يجده صريحًا في كتبهم، وإنما يُخرَّج من كلامِهم في العِيْنَة.
وأما الحنابلةُ فهم الذين ذَكَروا التَّوَرُّقَ كمسألة مستقلة، ويخصُّونه باسم التَّوَرُّق، حيث لم يردْ بهذه التَّسْميةِ في كتب الفقهاء إلا عند بعضِ فقهاءِ الحنابلة (٣) غير أنهم لا يذكرونَ التَّوَرُّق إلا حين تذكر العِيْنَة لوجود التشابه بينهما، يقول ابنُ القيم: "إن أعاد السِّلْعة إلى بائعها، فهي العِيْنَة وإن باعها لغيره فهي تورق" (٤).
وبهذا يتبينُ أن جمهورَ الفقهاء يدرجُون التَّوَرُّق ضمن صُور العِيْنَة كالحنفية، والمالكية، أو أنه يُخرَّج من كلامهم عن العِيْنَة كالشَّافعية، أو أنه يذكرُ حيث تذكرُ العِيْنَة كما عند الحنابلةِ.
стр. 85
المسألة الثانية: أوجه التشابه بين التَّوَرُّق والعِينَة:
عَرَفْنا في الْمَسْأَلَة السَّابقة أن جُمْهورَ الفقهاء يدرجُونَ التَّوَرُّق ضمن صُوَرِ العِيْنَة، ولعل السبب الذي جَعَلَهم يذكرون التَّوَرُّق ضمن صُورِ العِيْنَة أنهم نَظَروا إلى أن التَّوَرُّق يشاركُ العِيْنَة في بعضِ الأمورِ، التي يمكنُ أن أطلقَ عليها أوجهَ الشَّبه بين التَّوَرُّق والعِيْنَة، وهي كالتالي:
١ - أن كلًا من التَّوَرُّقِ والعِيْنَة جعلَ حيلة لتجنبِ الوقوع في الرِّبا.
٢ - أن البائعَ في بيع التَّوَرُّق والعِيْنَة يبيعُ السلعة بثمن مؤجَّل أكثر من الثمن الحال في السُّوق.
٣ - أنَّ المقصودَ من عقدِ بيعِ التَّوَرُّق والعِيْنَة هو الحصولُ على النقد، لقضاء حاجاته.
٤ - أن الشَّخْصَ لا يلجأ إلى بيع التَّوَرُّقِ والعِيْنَة إلا عند حاجته، واضطراره، ولذلك مَنَعَ البعضُ من التَّوَرُّق لأنه يقعُ من مضطر، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر (١).
стр. 86
المسألة الثالثة: الفرقُ بين التَّوَرُّق والعِيْنَة:
يمكنُ التفريقُ بين التَّوَرُّق والعِيْنَة في أربع نقاط:
١ - من المعلوم أنهما يختلفان عن بَعْضِهما في الحُكْم، فجمهورُ العلماء يرون جوازَ التَّوَرُّق كما سيأتي، في حين أن العِيْنَة محرَّمةٌ عندهم.
٢ - هناك فَرْقٌ بينهما في طبيعةِ المعاملة: فإنَّ العِيْنَة تقعُ بين طرفين، فالبائعُ يبيعُ السِّلْعة بثمن مؤجَّل، ثم يقومُ المشتري ببيعها على البائع نفسه بثمنٍ أقلّ نقدًا، وأما التَّوَرُّق فالمشتري الثاني ليس البائع نفسه، وإنما يبيعُ المشتري الأول السِّلْعة إلى طرفٍ ثالثٍ لا علاقة له بالبائع الأول، فالتَّوَرُّقُ عقدان منفصلان فيهما ثلاثةُ أطراف.
٣ - للمزيد من الإيضاح نركِّزُ في هذه النقطة على دَوْرِ البائع الأول في التَّوَرُّق والعِيْنَة، فالبائعُ الأولُ لا يعلمُ بمراد الْمُتَوَرِّقِ في عَمَلِيَّة التَّوَرُّق، في حين أنه يعلمُ ذلك في بيع العِيْنَة، ولا يتجاوزُ دورَ البائع الأول في التَّوَرُّق من أنه يبيعُ سلعته إلى أَجَلٍ بثمنٍ أكثر من ثمنِ السُّوق، وهذه الزيادةُ هي مقابلُ الأجل، وهذا أمرٌ مشروع، ثم لا علاقةَ له بما يفعلُ المشتري بالسِّلْعة بعد الشراء، وأما في العِيْنَة فإنَّ البائعَ الأولَ بعد بيعِ السِّلْعة بثمنٍ مؤجَّل يقومُ بشرائها بثمنٍ أقلّ نقدًا، وبهذا يكونُ البائعُ الأولُ طرفًا في العقد الأول والثاني.
٤ - إذا تأمَّلْنا حقيقةَ الرِّبا، فإننا نلحظُ أن الرِّبا لا يتحققُ إلا إذا كان دافع الأقل، وآخذ الأكثر شَخْصًا واحدًا، فالمرابي يدفعُ مئة، ثم يأخذُها مئة وعشرين وهذا متحققٌ في العِيْنَة، فإن البائعَ الأولَ يدفعُ نقدًا أقل، ثم يأخذُ هو بعينه الثمن المؤجَّل الأكثر، فكان دافعُ الأقل وآخذُ الأكثر شخصًا واحدًا، وأما التَّوَرُّق فقد اختلف الدافعُ والآخذُ اختلافًا يدفعُ شبهة الرِّبا، فالبائعُ الأول في التَّوَرُّق إنما يأخذُ الثمنَ المؤجَّل فقط، ولا يدفعُ شيئًا، وإنما الذي عليه الدفعُ
стр. 87
هو الطرفُ الثالثُ، الذي يشتري السِّلْعَة من المشتري الأول، فاختلف الدّافعُ والآخذُ، فتندفع بذلك شبهة الرِّبا.
стр. 88
المبحث الثالث صُوَرُ التَّوَرُّق الفردي
- الصُّورة الأولى:
أن يرغبَ الشخصُ في الحصول على نقودٍ لحاجته إليها، ولا يريد أن يستقرض من أحد، أو يمكنه أن يستقرضَ، ولكنه لا يجد من يقرضه، فيتوجَّه إلى السُّوق، ويشتري سلعةً بثمن مؤجَّل، ثم يبيعها في السُّوق على غير البائع نقدًا، من غير أن يعلمَ أحدٌ بنيته، وحاجته للنقود، وهذه الصُّورة هي التي ذكرها البهوتيُّ، ونصَّ على جوازها بقوله: "ومن احتاج إلى نقد، فاشترى ما يساوي مئة بأكثر، ليتوسَّع بثمنه فلا بأس" (١)
- الصُّورة الثانية:
أن يطلب المُحتاجُ قرضًا من تاجر، فيقول له التاجر: ليس عندي ما تحتاجه من النقود، ولكن أبيعُك هذه السلعة بثمن مؤجَّل، لتبيعها أنت في السُّوق. فيكون التاجر قد باعها عليه بسعر النَّقْدِ من غير زيادة نظير الأجل (٢)،
ويؤجر التاجر على فعله هذا؛ لأنه بمثابة القَرْض، إذ يمكنه أن يستفيدَ منه بأن يأخذ زيادة نظير الأجل.
- الصُّورة الثالثة:
أن يرغب الإنسانُ في الحصول على نقود، فيطلب القَرْض من تاجر، فيقول
стр. 89
التاجر: ليس عندي نقود، ولكن أبيعك السِّلعة بأكثر من ثمنها في السُّوق نظير الأَجَل، لتبيعها أنت في السُّوق، فيأخذ المُحتاجُ السِّلعةَ فيبيعها نقدًا لغير بائعها بأقلّ من ثمنها آجلًا، وقد جاء بيانُ هذه الصُّورة في حاشية ابن عابدين، فقال: "أن يأتيَ الرجلُ المحتاج إلى آخر، ويستقرضه عشرة دراهم، ولا يرغب المقرض في الإقراض طمعًا في فضل لا يناله بالقَرْض، فيقول: لا أقرضك، ولكن أبيعك هذا الثوب إن شئت باثني عشر درهمًا، وقيمته في السوق عشرة لتبيعه في السُّوق بعشرة، فيرضى به المستقرضُ فيبيعه كذلك، فيحصل لرب الثوب درهمان، وللمشتري قرض عشرة" (١).
ولا يخفى الفرق بين هذه الصُّورة والصُّورة الأولى؛ لأن عملية التَّورُّق في الصُّورة الأولى لا يعلمُ التاجر ولا أحد غيره بحاجة المُتَوَرِّق للنقود، وأما في هذه الصُّورة فالتاجر يعلمُ بحاجة المُتَوَرق للنقود، ولذلك نصَّ بعض الفقهاء بكراهة هذه الصورة دون الصُّورة الأولى؛ لأن التاجر في الصُّورة الثالثة يعلمُ بحاجة الشخص ولا يقرضه، وهذا مكروه. يقول الميرغيناني: "وهو مكروه لما فيه من الإعراض عن مبرة الإقراض" (٢). وكذلك لا يخفى الفرقُ بين هذه الصُّورة والصُّورة الثانية؛ لأن التاجر في الصُّورة الثانية باع السلعة على المُتَوَرّق آجلًا بسعر النَّقْد من غير زيادة نظير الأجل، بينما نجد التاجرَ في الصُّورة الثالثة باع السِّلعة بزيادة نظير الأَجَل.
- الصُّورة الرابعة:
أن يذهب محتاجٌ إلى تاجر ليشتري سلعة تساوي مثلًا خمسة وتسعين ريالًا، فيقول المُحتاجُ: بِعْني السِّلعة بمئة، خمسين حاضرة وخمسين مؤجلة، فيأخذ
стр. 90
السِّلعة ويبيعها نقدًا بخمسة وتسعين، خمسون منها يسدد بها الخمسين الحاضرة التي عليه للتاجر، والباقي وهو خمسة وأربعون ينتفع بها المُحتاجُ مقابل الخمسين المؤجَّلة، وهذه الصُّورة قد ذكرها الفقهاء بقولهم: "أن يشتري من أحدهم سلعة بعشرة نقدًا، وبعشرة إلى أجل. فيُمنع مُتَّهم خاصة، ويقدَّر كأنه اشتراها ليبيع منها بعشرة يدفعها نقدًا، ويبقى له باقي السِّلعة يبيعه لينتفع بثمنه معجلًا، ثم يدفع عنه عشرة مؤجَّلة، والغالب أن السِّلعة لا تساوي العشرين، فيؤول إلى ذهب في أكثر منها" (١)
- الصُّورة الخامسة:
أن يشتري الشخصُ المُحتاجُ سلعة تساوي سبعة وعشرين حاضرة بثمن مؤجل ثلاثين ريالًا، ثم يبيع المُحتاجُ السِّلعة في السُّوق، ولكنه لم يستطعْ بيعها بما تساوي به حاضرًا بسبعة وعشرين، وإنما باعها بأقل، فمثلًا باعها بخمسة وعشرين، فيرجع الشخصُ المُحتاجُ إلى البائع طالبًا منه أن يخفضَ من مقدار الثمن المؤجَّل، فيخفض له البائع الثمن المؤجَّل من ثلاثين ريالًا إلى ستة وعشرين ريالًا.
وقد جاء ذِكْرُ هذه الصُّورة عند بعض العلماء، يقول ابن رشد: "أن يأتي الرجل إلى الرجل من أهل العِيْنَة، فيقول له: أسلفني ذهبًا في أكثر منها إلى أجل، فيقول له: أسلفك درهمًا في اثنين إلى أجل، فيقول: لا أعطيك في الدرهم إلا درهمًا وربعًا، فيتراوضان، ويتفقان على أن يربح منه في الدرهم نصف درهم، ثم يقول له: هذا لا يحلّ، ولكن عندي سلعةٌ قيمتها مئة درهم أبيعها منك بمئة وخمسين إلى شهر، فتبيعها أنت بمئة فيتمّ لك مرادك، فيرضى بذلك، ويأخذ السِّلعة منه، ويبيعها بثمانين، ثم يرجع إليه فيقول له: إني قد
стр. 91
وضعتُ في السِّلعة وضيعة كثيرة، فحطّ عني من المئة وخمسين ما يجب للعشرين التي وضعتها في السِّلعة، فيضع عنه ثلاثين تتميمًا للمراوضة التي عقدا بيعهما عليها، فيؤول أمرهما إلى أن أسلم إليه ثمانين في مئة وعشرين، فهذا وَجْه كراهية مالك ﵀ للوضيعة في هذه المسألة" (١).
стр. 92
المبحث الرابع حكم التَّورُّق الفردي
المطلب الأول تحرير محل النزاع
١ - إنْ أعاد المشتري السِّلعة إلى بائعها الأول، فهذه هي العِيْنَة المحرَّمة عند الجمهور (١).
٢ - إذا دخل بين البائع والمشتري طرفٌ ثالث، ليقوم هو بدوره بشراء السِّلعة من المشتري، ثم يبيعها على البائع بقصد التحليل، فهذا لا يجوز عند الجمهور (٢).
٣ - أن يشتري السِّلعة لينتفع بها بالاستهلاك، كالأكل، والشرب، واللبس، فهذا جائز بالإجماع (٣).
٤ - أن يشتريَ السِّلعة لينتفعَ بها بالاستثمار، كأن يقصد تجارة، فهذا جائز بالإجماع (٤).
٥ - محل النزاع بين العلماء: هو أن يشتريَ السِّلعة، ثم يبيعها لحاجته إلى الدَّراهم، ولولا حاجته تلك لما اشترى السلعة أصلًا، فهو لا يريد السِّلعة لينتفعَ بها بالاستهلاك، أو الاستثمار، وإنما اشترى السِّلعة لحاجته، واضطراره للنقود، فيقوم المُحتاجُ ببيع السِّلعة بخسارة، ليحصل على ما يريد من النقود.
стр. 93
المطلب الثاني موقفُ الفقهاء المتقدمين من بيع التَّورُّق
أولًا: موقف الحنفية من بيع التَّورُّق:
من يتأمَّلْ كتب الحنفية، فإنه لن يجدَ ذكرًا للتورق بهذا الاسم، وإنما أوردوا صورته كصورة من صور العِيْنَة، فهم سموا التَّورُّق عينة، وحيث إن الحنفية يحرِّمون العِيْنَة، ويذكرون التَّورُّق كصورة من صور العِيْنَة، فقد يتبادر إلى أذهان البعض، ويتصوَّر أن حُكْم تحريم العِيْنَة يشمل بيع التَّورُّق، وتجد هذا التصورَ في بعض البحوث، حيث نسب الكراهة إلى الحنفية، وليس الأمر كذلك، فإن الإمام محمد بن الحسن لما قال: "هذا البيع في قلبي كأمثال الجبال" (١) كان مراده بيع العِيْنَة، كما سبق بيانه.
وحينما ننظرُ إلى السّرخسي نجد أنه عدَّ التَّورُّق من العِيْنَة، ونصَّ على الكراهة حيث قال ﵀: "وذكر عن الشعبي أنه كان يكره أن يقولَ الرجل للرجل: أقرضني، فيقول: لا، حتى أبيعك، وإنما أراد بهذا إثبات كراهية العِيْنَة، وهو أن يبيعه ما يساوي عشرة بخمسة عشر، ليبيعه المستقرض بعشرة" (٢). وتعريفه للعينة يدخل فيه التَّورُّق، والسبب الذي جعله يقول بهذا التعريف أن الحنفية يُدْخِلون التَّورُّق ضمن صور العِيْنَة.
وقد نصَّ بعضُ الحنفية على كراهة صورة من صور التَّورُّق، والتي يطلب المُتَوَرِّق فيها القَرْض من التاجر فيرفض، والتاجر يعلمُ بحاجة المُتَوَرِّق، فيقدم التاجر للمتورق سلعة، ويقول: أبيعك هذه السِّلعة بمئة مؤجَّلة لتبيعها أنت في
стр. 94
السُّوق بسبعين، فقد قال الميرغيناني: "وهو مكروهٌ لما فيه من الإعراض عن مبرَّة الإقراض" (١).
مما سبق يتبينُ أن الحنفية يذكرون التَّورُّق ضمن صُوَر العِيْنَة، وينصُّون على الكراهة، ومرادهم كراهة العِيْنَة المشهورة فقط دون التَّورُّق، ولذلك جاء ابنُ الهمام ﵀ ففرَّق بين العِيْنَة والتَّورُّق في الحكم بعد أن ذَكَرَ كلام أبي يوسف، الذي يفيد ظاهره جواز العِيْنَة، وبيَّن كذلك أنه لا كراهةَ إذا رفض التاجرُ الإقراض. يقول ﵀: "ولا شكَّ أن البيع الفاسد بحكم الغصب المحرم، فأين هو من بيع العِيْنَة الصحيح المختلَف في كراهته، ثم الذي يقعُ في قلبي أن ما يخرجه الدافعُ إن فعلت صورة يعود فيها إليه هو أو بعضه، كعود الثوب أو الحرير في الصُّورة الأولى، وكعود العشرة في صورة إقراضِ الخمسة عشر، فمكروه، وإلا فلا كراهةَ إلا خلاف الأولى على بعض الاحتمالات، كأن يحتاج المديونُ فيأبى المسؤولُ أن يقرض، بل يبيعُ ما يساوي عشرة بخمسة عشر إلى أجل فيشتريه المديون، ويبيعه في السُّوق بعشرة حالَّة، ولا بأس في هذا، فإن الأجلَ قابله قسط من الثمن، والقَرْض غير واجب عليه دائمًا، بل هو مندوب" (٢).
وبهذا نعرف أن التَّورُّق جائز عند الحنفية، وما نقل من الكراهة يُحْمَلُ على بيع العِيْنَة، أو لما في التَّورُّق من الإعراض عن مبرَّة الإقراض، ولا يلزم الكراهة كما بيَّنه ابن الهمام ﵀.
ثانيًا: موقف المالكلية من بيع التَّورُّق:
الذي يظهر من نصوص فقهاء المالكية أنهم يرون كراهةَ التَّورُّق، جاء في
стр. 95
(شرح مختصر خليل): "وكره أن يقول الرجلُ لمن سأله سلف ثمانين بمئة: لا يحلّ لي أن أعطيك ثمانين في مئة، ولكن هذه سلعة قيمتها ثمانون، خذ مني بمئة ما أي سلعة إذا قوَّمت كانت بثمانين (١).
وقد ذكر المالكيةُ بعضَ صور التَّورُّق، وكرهوها بقيود، من ذلك ما جاء في (شرح مختصر خليل): "إذا اشترى طعامًا، أو غيره، على أن ينقد بعض ثمنه، ويؤخر بعضه لأجل، فإن كان اشتراه ليبيعه كله لحاجته بثمنه، فلا خير فيه، وهو قول مالك" (٢).
ويلاحظ أن الكراهة في النَّصِّ السابق قد قيدت بفعل المشتري إذا كان يريدُ بيعَ السِّلعة لا لينتفع بها، إضافةً إلى تعجيل بعض الثمن، وتأخير بعضه، فإن هذه قيود تؤثر في الحكم عند المالكية.
ومن الصور التي نصَّ فقهاءُ المالكية على كراهتها ما جاء عند ابن رشد في مقدّماته: "وذلك أن يبيع الرجلُ من أهل العِيْنَة طعامًا، أو غيره، بثمن إلى أجل، ثم يستروضه المبتاعُ من الثمن فيضع عنه. فإن مالكًا وغيره من أهل العلم كرهوا ذلك؛ لأنه إنما يبيعُه على المراوضة، فإنما يضع عنه، ويردّه إلى ما كان راوضه عليه، فصار البيع الذي عقداه تحليلًا للربا الذي قصداه، وتفسير هذا أن يأتي الرجلُ إلى الرجل من أهل العِيْنَة. . ." (٣)(٤).
وبهذا يتَّضح أن المالكية يمنعون بعضَ صور التَّورُّق؛ لأن فيها قرائنَ تدلُّ على تواطؤ البائع والمشتري على بيع السِّلعة، لتحصيل النَّقْد الحاضر مقابل
стр. 96
زيادة في الذمَّة، فتلك القرائن كتعجيل بعض الثمن، وتأخير بعضه، وكالمراوضة توحي بأن الهدف والغاية من عملية التَّورُّق هي تحصيلُ نقد حاضر مقابل زيادة في ذِمَّة المُتَوَرِّق، واتخذ البيع ستارًا لذلك.
ومن يطَّلع على كتاب (بيوع الآجال) في كتب المالكية يجد أن هذا الباب قد بُنِي على قاعدة من قواعد المذهب المالكي، وهي [سدّ الذرائع]. يقول ابنُ رشد: "أصل ما بُني عليه هذا الكتاب، الحكم بالذرائع، ومذهب مالك ﵀ القضاء بها، والمنع منها" (١).
ولعل المالكية كرهوا التَّورُّق من هذا الباب، بمعنى أنهم كرهوه سدًّا للذريعة.
ولعلَّه يقال: إن بيعَ التَّورُّق مكروه أيضًا عند المالكية، بناءً على قاعدة [المدخلات والمخرجات] التي نصَّ عليها فقهاء المالكية. جاء في الفروق: "والأصل أن ينظرَ ما خرج من اليد، وما خرج إليها، فإن جاز التَّعامُل به صحّ وإلا فلا، ولا تعتبر أقوالهما، بل بأفعالهما فقط" (٢).
ومعنى هذه القاعدة: أن تقويم التَّعامُل بين طرفي الصَّفقة يتم من خلال النظر في مدخلاتها ومخرجاتها ككل، دون النظر إلى تفاصيل ما يدور بين طرفيها، فحقيقتها عدم اعتبار ما كان لغوًا من تصرفات العاقدين، بل الاعتبار مرتبط بالمحصّلة النهائية، فإذا كانت المحصلة النهائية نقدًا حاضرًا بزيادة في الذمَّة، فهي ربا، ولا عبرة بما توسَّط ذلك من عقود (٣).
ومما سبق يتَّضح أن التَّورُّق ممنوعٌ عند المالكية للأسباب التالية:
١ - نصوص فقهاء المالكية تدلُّ على الكراهة.
стр. 97
٢ - قاعدة [سدّ الذرائع] التي تُعتبر أساسًا لكتاب بيوع الآجال.
٣ - قاعدة [المدخلات والمخرجات] (١).
ثالثًا: موقف الشافعية من بيع التَّورُّق:
لم يذكر الشافعية عن بيع التَّورُّق شيئًا، فلم يذكروه استقلالًا كالحنابلة، ولا كصورة من صور العِيْنَة كالحنفية والمالكية، ولكن بالنظر إلى موقفهم من العُقُود عامة، وإلى موقفهم من بيع العِيْنَة خاصَّة، نستطيع أن نعرفَ موقفهم من بيع التَّورُّق.
فأما موقفهم من العُقُود عامة فإن الشافعي ﵀ يرى أن العبرةَ في العُقُود بالظاهر، ولا تأثيرَ لنية المتعاقدين على العقد، يقول ﵀: "لا يفسد عقدٌ أبدًا إلا بالعقد نفسه، لا يفسد بشيء تقدّمه ولا تأخَّره، ولا بتوهّم، ولا بأغلب، وكذلك كل شيء لا نفسده إلا بعقده، ولا نفسد البيوع بأن نقول: هذه ذريعة، وهذه نية سوء" (٢)، فإذا طبقنا موقفهم هذا على بيع التَّورُّق، فإنه يظهر لنا جوازُ بيع التَّورُّق، من غير كراهة.
وبالنظر إلى موقفهم من بيع العِيْنَة، حيث إنهم أجازوا للبائع الأول أن يشتريَ السلعة بنقدٍ أقل، فإن بيع التَّورُّق يكونُ أولى بالجواز من بيع العِيْنَة،
стр. 98
وبهذا نعرفُ السبب الذي جعل الشافعية لا يذكرون بيع التَّورُّق في كتبهم، فهم لما أجازوا بيع العِيْنَة مخالفين بذلك جمهور العلماء، فالتَّورُّق يكون أولى بالجواز.
رابعًا: موقف الحنابلة من بيع التَّورُّق:
لم يرد ذِكْرُ التَّورُّق بهذا الاسم إلا عند فقهاء الحنابلة، وهم الذين صرحوا به كمسألة مستقلة، وقد ورد عند الحنابلة أكثر من رأي في بيع التَّورُّق، فبعضهم يرى الجواز، والبعض يرى التَّحريم، حتى إنَّ الإمامَ أحمد ﵀ قد رُوي عنه ثلاثُ روايات في بيع التَّورُّق، فقد روي عنه الجواز، والكراهة، والتَّحريم (١) يقول المرداوي: "لو احتاج إلى نقد، فاشترى ما يساوي مئة بمئة
стр. 99
وخمسين فلا بأس، نصَّ عليه، وهو المذهبُ، وعليه الأصحاب، وهي مسألة التَّورُّق، وعنه: يكره، وعنه: يحرم (١).
وقد أوضح المرداويُّ أن مذهبَ الحنابلة، والذي عليه معظم الأصحاب هو القول بالجواز، ولذلك قال البهوتيُّ: "ولو احتاج إنسان إلى نقد، فاشترى ما يساوي مئة بمئة وخمسين مثلًا، فلا بأسَ بذلك، وهي مسألة التَّورُّق" (٢).
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم قد ذهبا إلى مَنْع التَّورُّق، يقول ابنُ القيم ﵀: "إن عامة العِيْنَة إنما تقعُ من رجلٍ مضطرٍ إلى نفقة يضنُّ بها عليه الموسر بالقَرْض، حتى يربح عليه في المئة ما أحب، وهذا المضطر إن أعاد السِّلعة إلى بائعها فهي العِيْنَة، وإن باعها لغيره فهو التَّورُّق، وإن رجعتْ إلى ثالث يدخل بينهما فهو محلل الرِّبا، والأقسامُ الثلاثةُ يعتمدها المرابون، وأخفها التَّورُّق، وقد كرهه عمرُ بن عبد العزيز، وقال: هو آخية الرِّبا، وعن أحمد، وفيه روايتان. . .
وكان شيخنا ﵀ يمنعُ من مسألة التَّورُّق، وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر، فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حُرِّم الربا موجودٌ فيها بعينه، مع
стр. 100
زيادة الكلفة بشراء السِّلعة، وبيعها، والخسارة فيها، والشَّريعة لا تحرم الضَّرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه (١).
* * *
المطلب الثالث موقف العلماء المتأخرين والمعاصرين من بيع التَّورُّق
خاض العلماءُ المتأخِّرون والمعاصرون في حكم بيع التَّورُّق، وصدرت فتاوى في هذا الشأن من لجانٍ وأفراد، فقد أفتتِ اللجنةُ الدائمةُ للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية بأنه إذا كان المشتري لا يريد إلا الدَّراهم، فيشتري السِّلعة بمئة مؤجَّلة، ويبيعها في السُّوق بسبعين حالَّة، فهذا كما قال ابن عباس: "دراهم بدراهم، وبينهما حريرة" (٢). وكرهه بعضُ أهل العلم، منهم عمر بن عبد العزيز، فينبغي تجنب تعاطيه احتياطًا، وبراءة للذِمَّة، وخروجًا من الخلاف.
وممَّن أفتى في هذه المسألة من أئمة الدعوة الشّيخُ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال: "وأما البيعُ إلى أجل ابتداء، فإن كان مقصود المشتري الانتفاع بالسِّلعة، أو التجارة فيها، جاز إذا كان على الوجه المباح، وأما إذا كان مقصوده الدَّراهم، فيشتريها بمئة مؤجَّلة، ويبيعها في السُّوق بسبعين حالَّة، فهذا مذمومٌ منهيٌّ عنه في أظهر قولي العلماء، وهذا يسمى: التَّورُّق" (٣).
وقد ورد على اللجنة سؤالٌ عن التَّورُّق: بأن شخصًا يريد الزواج، وليس عنده ما يكفي، فذهب إلى آخر، فقال له الآخر: أبيعك سيارةً بسبعة عشر ألف
стр. 101
ريال دينًا إلى سنة، وقيمتها نقدًا عشرة آلاف، فأجابت اللجنة بأنه "إذا كان الواقع كما ذكر من شراء شخص من آخر سيارة لأجل بثمن أكثر مما تُباع به نقدًا عاجلًا ليبيعها المشتري إلى من شاء سوى من باعها عليه ومَنْ في حكمه، فليس ربا، بل هو عقد بيع صحيح جائز" (١).
وقد قرر المجمعُ الفقهيُّ الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي الآتي:
". . . إن بيع التَّورُّق هذا جائز شرعًا، وبه قال جمهور العلماء. . ." (٢).
وقد سُئِلَ الشّيخُ محمد بن إبراهيم عن شخص احتاج إلى نقود، وذهب إلى تاجر ليستدين منه، وباع عليه أكياس سكر وغيرها نسيئةً بثمن يزيد على ثمنها نقدًا، فيأخذ المُحتاجُ السكر، ويبيعه بالنقص عما اشتراه به من التاجر، ليقضي حاجته، فهل هذا التَّعامُلُ حرام أم حلال؟.
فأجاب ﵀: "هذه المسألة تُسَمَّى مسألة التَّورُّق، والمشهور من المذهب جوازها".
وجاء في فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: "إذا لم يكن للمشتري حاجةٌ إلى السِّلعة، بل حاجته في الذهب والورق فيشتري السِّلعة ليبيعها بالعين الذي احتاج إليها، فإن أعاد السِّلعة إلى البائع فهو الذي لا يشك في تحريمه، وإن باعها لغيره بيعًا تامًا، ولم تُعَدُّ إلى الأول بحالٍ، فقد اختلف السلف في كراهته، ويسمونه التَّورُّق. . . وإياس بن معاوية يرخص فيه. . . والمشهورُ الجواز، وهو الصواب" (٣).
ويقول الشيخُ عبد العزيز بن باز ﵀: "أما إذا كان المشتري اشترى السِّلعة
стр. 102
إلى أجلٍ، ليبيعها بنقد بسبب حاجته إلى النَّقْد في قضاء الدَّيْن، أو لتعمير مسكن، أو للتزوج، ونحو ذلك، فهذه المعاملةُ إذا كانت من المشتري بهذا القصد ففي جوازها خلاف بين العلماء. . . والأرجحُ فيها الجواز، وهو الذي نفتي به" (١).
ومن العلماء المعاصرين الذين منعوا التَّورُّق: الدكتور حسين حامد حسان في تعليقه على بحوث التَّورُّق، والشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ صالح الحصين، وكذلك منعه الدكتور سامي السويلم (٢).
* * *
المطلب الرابع الأدلة، والترجيح
بعد ذِكْر مواقف العلماء من بيع التَّورُّق، والتأمل فيها، نستطيعُ القولَ بأن العلماء في بيع التَّورُّق على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز (٣)، وهو رأيُ إياس بن معاوية، والحنفية، والشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، وهو المذهبُ عند الحنابلة، وعليها الأصحاب، وهو رأيُ أكثر المعاصرين، كالشيخ محمد بن إبراهيم، وابن باز.
стр. 103
القول الثاني: الكراهة، وهو قولٌ عند الحنفية، وهو رأيُ المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، والحقيقة أن الحنفية يقصدون بالكراهة بيع العِيْنَة لا بيع التَّورُّق، كما سبق بيانه.
القول الثالث: المنع، وهو قَولُ عمر بن عبد العزيز ﵁، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو رأيُ بعض المعاصرين كالدكتور سامي السويلم، وحسين حامد حسان، وصالح الحصين.
المسألة الأولى: الأدلة:
أدلة القائلين بجواز التَّورُّق:
• الدليل الأول: قَولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١).
وجه الاستدلال: أن الآية دلت على إباحة البيوع، حيث إن لفظ (البيع) على بأل التي تفيد العموم، فالآية تدلُّ على إباحة كلِّ بيع، إلا ما دلَّ الدليل على تحريمه، ولا دليلَ على حرمة التَّورُّق، فيبقى على الإباحة التي دلت عليها الآية.
ويمكن أن يناقش الاستدلال بالآية بالتالي:
١ - أن هذه الآية قد يستدلُّ بها أصحابُ الحِيَل المحرمة، فكلُّ حيلة من الحِيَل الربوية يمكن أن يستدلَّ أصحابها على جوازها بهذه الآية؛ لأن الحيلةَ بيعٌ في الظاهر، وهي في الحقيقة تؤولُ إلى الرِّبا، فإنْ صحَّ الاستدلال بالآية على
إحدى هذه الحِيَل، لزم صحة الاستدلال على الجميع، وإن بطل الاستدلالُ بطل في الجميع، ولا يوجد من الفقهاء من يجيزُ جميع الحِيَل بلا استثناء، وهذا يعني أن الاستدلال بالآية على جواز التَّورُّق غير مسلم.
٢ - أن التَّورُّق عبارةٌ عن عقدين، وكون كل عقد مشروع على انفراده، لا يلزم
стр. 104
منه أن مجموع العقدين مشروع؛ لأن الاجتماع قد يؤثر في الحُكْم الشرعي (١)، جاء في الموافقات: "الاستقراء من الشرع عرف أن للاجتماع تأثيرًا في أحكام لا تكون في حالة الانفراد. . . ونهى الله عن الجَمْع بين الأختين في النكاح، مع جواز العقد على كل واحدة بانفرادها. . . وذلك يقتضي أن للاجتماع تأثيرًا ليس للانفراد" (٢)، ولذلك لا بُدَّ من وجود دليلٍ خاصّ يقضي بالجواز.
الدليل الثاني: عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ﵄: أن رسولَ الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيبٍ، فقال رسول الله ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا"؟ قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصَّاع من هذا بالصَّاعين، والصَّاعين بالثلاثة. فقال رسولُ الله ﷺ : "لا تفعل، بعِ الجمع بالدَّراهم، ثم ابتع بالدَّراهم جنيبًا" (٣) [متفق عليه].
وجه الاستدلال من الحديث: أن في هذا التوجيه النبوي مخرجًا للابتعاد عن حقيقة الرِّبا وصورته، إلى طريقة ليس فيها قصد الرِّبا، ولا صورته، فالحديثُ نصّ في جواز عقد صفقتين متتاليتين لأجل تجنُّب الوقوع في الرِّبا، وإذا جاز هذا فيكون بيع التَّورُّق جائزًا من هذا الباب، إذ هو عبارة عن عقدين، كلّ عقد منهما صحيح مشتملٌ على تحقيق شروط البيع، وأركانه.
ويمكن أن يناقش الاستدلال بالحديث:
أن الذي أمر الرجلَ بأن يبيعَ الجمع بالدَّراهم، ليشتريَ بها جنيبًا هو نفسه ﷺ ، الذي ذمَّ الحِيَل، وحذَّرنا منها، حيث قال: "قاتل الله اليهودَ، حُرمت
стр. 105
عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها" (١) فيحرم بيعُ التَّورُّق؛ لأنه حيلة من الحِيَل، مآلها إلى الرِّبا.
ويمكن الجواب عن المناقشة:
القَولُ بأن التَّورُّق حيلةٌ من الحِيَل المذمومة غير مسلم به؛ لأن الحيلةَ هي تقديمُ عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، كما سبق من كلام الشاطبي، فالحيلةُ لا تكون إلا بوجود القصد إلى التَّوصُّل إلى المحرَّم، فالتَّورُّق لا يكون حيلة إلا إذا نوى التَّوصُّل إلى ممنوع؛ لأن أصل الحِيَل راجعٌ إلى القصد والنية، كما بيَّن ذلك شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث قال: "وأصلُ هذا الباب -يعني الحِيَل- "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (٢) فإن كان قد نوى ما أحلّه الله فلا بأس، وإن نوى ما حرَّم الله، وتوصَّل إليه بحيلة، فإن له ما نوى" (٣). والمُتَوَرِّق لم يقصدْ بفعله ارتكابَ المحرم، وإنما أراد اجتناب المحرم، والخلوص من الرِّبا.
- الدليل الثالث: أن الحاجة تدعو إلى بيع التَّورُّق؛ لأن المحتاج لا يجدُ من يقرضه، فيلجأ إلى بيع التَّورُّق (٤).
ويمكن أن يناقش هذا الدليل:
أن الحاجة لم تكنْ مبررةً للمحتاج لدخوله في الرِّبا، ومجرد الحاجة لا تكفي لاستباحة المحرمات، التي يعدّ بيع التَّورُّق نوعًا منها، إذ هو بابٌ من أبواب الرِّبا.
ويمكن الجواب عن المناقشة:
стр. 106
صحيحٌ أن الحاجة لم تكنْ مبررةً للمحتاج لدخوله في الرِّبا، ولم تكن حُجَّة له ليسرق؛ لأن الدخول في الرِّبا والسرقة قد جاء النصُّ الصريحُ على تحريمهما، وأما بيع التَّورُّق فلا دليل صريح يحرمه، فجاز للمحتاج أن يلجأ إليه ليقضي حاجاته، وكون بيع التَّورُّق من أبواب الرّبا فغير مسلم، إذ التَّورُّق عبارةٌ عن عقدين، كل عقد منهما يشتمل على أركان البيع وشروطه، وتقويمُ بيع التَّورُّق من الناحية الاقتصادية يعطي لنا الفوارق الشَّاسعة بينه وبين الرِّبا، وأما الرِّبا فهو زيادةٌ بدون مقابل، تستلزمُ نمو الديون بلا ضوابط.
- الدليل الرابع: أن التَّورُّق يحقّقُ مصالحَ كثيرة للناس، فهناك الكثيرُ ليس لديهم نقودٌ كافية لأداء ديونهم، ولا لزواجهم، ولا لمصالحهم الأخرى، فيستطيع المُتَوَرِّق من خلال عقد البيع لأجل التَّورُّق الحصول على حاجاته (١).
• أدلة القائلين بمنع التَّورُّق:
الدليل الأول: قَولُ علي بن أبي طالب ﵁: "سيأتي على الناس زمانٌ عضوضٌ يعضُّ الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٢) ويبايع المضطرون. وقد نهى النبيُّ عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمر قبل أن تدرك (٣).
وجه الاستدلال من الدليل:
أن بيع التَّورُّق يقعُ من رجل مضطرّ إلى النقود، ولا يجد من يقرضه،
стр. 107
فيضطر إلى بيع التَّورُّق لقضاء حاجاته، والحديثُ نهى عن بيع المضطر. والنهيُ يقتضي التَّحريم، فيكون بيع التَّورُّق ممنوعًا.
وقد نوقش الاستدلال من جهتين:
١ - من جهة السند: فإسنادُ هذا الحديث ضعيفٌ؛ لأنه كما جاء في سنده (عن شيخ من بني تميم)، يقولُ البيهقي: "وقد رُوي من أوجه عن علي، وابن عمر، وكلها غير قوية" (١).
يقول الخطابي: "في إسناده رجلٌ مجهولٌ لا ندري من هو" (٢).
وجاء في المحلَّى: "لو استند هذان الخبران -يعني: رواية أبي داود، ورواية البيهقي- لقلنا بهما مسرعين، ولكنهما مرسلان، ولا يجوز القَولُ في الدَّيْن بالمرسل" (٣).
ولكن قد ورد ما يعضده، يقول ابنُ تيمية: "وهذا وإن كان في راويه جهالة، فله شاهدٌ من وجه آخر -ثم قال بعد ذكر هذا الوجه-: وهذا الإسنادُ وإن لم تجب به حُجَّة فهو يعضدُ الأول" (٤).
غير أن أهل العلم على كراهة بيع المضطر؛ لأن الاضطرار قد يؤثِّر في الرضا، الذي يُعَدُّ شرطًا من شروط صحة العقد، يقول الخطابي: "إلا أن عامةَ أهل العلم قد كرهوا البيع على هذا الوجه" (٥).
ويقول ابنُ تيمية: "وإن كان في راويه جهالة مع أنه خبر صدق، بل هو من
стр. 108
دلائل النبوة، فإن عامة العِيْنَة إنما تقعُ من رجل مضطر إلى نفقة يضنُّ عليه الموسر بالقرض. . . ولهذا كره العلماء أن يكون أكثر بيع الرجل أو عامته نسيئة، لئلا يدخل في اسم العِيْنَة وبيع المضطر" (١).
٢ - من جهة الدلالة:
١ - أن الاضطرار الذي يكونُ في التَّورُّق لا يؤثر فيه إلى حدِّ المنع، يقول الخطابي: "بيعُ المضطر يكون من وجهين:
أحدهما: أن يضطرَّ إلى العقد من طريق الإكراه عليه فهذا فاسد.
والوجه الآخر: أن يضطر إلى البيع لدين يركبه، أو مؤنة ترهقه، فيبيع ما في يده بالوكس من أجل الضَّرورة. . . فإن عُقد البيع مع الضَّرورة على هذا الوجه، جاز في الحكم، ولم يفسخ" (٢). وبيع التَّورُّق من الوجه الثاني الجائز لا الأول.
٢ - لا نسلِّم أن الذي يلجأ إلى التَّورُّق هو مضطر، فإن البعضَ قد يتورَّق لأمر حاجي أو كمالي، ولا يصحُّ أن نقول: كلُّ متَّورُّق مضطر.
الدليل الثاني:
قَولُ ابن عباس ﵄: "إذا استقمت بنقد، فبعت بنقدٍ فلا بأس، وإذا استقمت بنقدٍ فبعت بنسيئة، فلا خير فيه، تلك ورق بورق" (٣).
وَجْهُ الاستدلال من الأثر: معنى هذا أن السِّلعة إذا قُومَتْ بنقد، ثم اشتراها المشتري إلى أجل، فإن مقصوده اشتراء دراهم مُعَجَّلة بدراهم مؤجَّلة، وهكذا
стр. 109
في التَّورُّق يقوِّم السِّلعة في الحال، ثم يشتريها إلى أجلٍ بأكثر من ذلك، فإن الرجل يأتي فيقول: أريد ألف درهم، فيخرج له سلعة تساوي ألف درهم، فإذا قوَّمها بألف قال: اشتريها بألف ومئتين (١).
ويمكن أن يناقش الاستدلال بهذا الأثر:
أن السلف ﵏ كانوا يكرهون مشابهةَ صورةِ التعاقد المحرَّم، ولذلك يقولُ ابنُ تيمية: "حُفظ عن ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من السلف أنهم كرهوا (ده دوازده) (٢)؛ لأن لفظه: أبيعك العشرة باثني عشر، فكرهوا هذا الكلام لمشابهته الرِّبا" (٣).
وبناء على هذا فإن قول ابن عباس محمول على كراهة أن تكونَ صورة التعاقد المباح مشابهة لصورة التعاقد المحرم، وكُره ذلك؛ لأن المشابهة في الصُّورة قد تؤولُ إلى مشابهة حقيقية.
الدليل الثالث: أن التَّورُّق يشابهُ الرِّبا؛ لأن بعضَ المعاني التي لأجلها حرم الله الرِّبا موجودةٌ في التَّورُّق، وهذا هو الذي جعل عمرَ بن عبد العزيز يقول: "التَّورُّق آخية الرِّبا" أي: أصل الرِّبا، فإن الله سبحانه حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها، لما في ذلك من ضرر، وأكل للمال بالباطل، وهذا موجودٌ في التَّورُّق (٤).
ويمكن أن يُناقَشَ هذا الدليل بالآتي:
أن التَّورُّق لا يشابهُ الرّبا، بدليل أننا إذا وضعنا الرِّبا والتُّورُّق على ميزان المقارنة، وجدنا الفوارقَ الشاسعة بين الرِّبا والتَّورُّق، وبيانُ هذا يتَّضح في ثلاثة أمور:
стр. 110
الأمر الأول: من الناحية الإجرائية (الشكلية) فإن التَّورُّق لا يشابه الرِّبا؛ لأنَّ التَّورُّق يكونُ بين أطراف ثلاثة، فالمُحتاجُ يشتري السِّلعة من البائع بثمن مؤجَّل، ثم يقوم المشتري ببيعها بنقد على طرف ثالث لا علاقة له بالبائع الأول، والبائع الأول لا يتجاوز دوره من أنه يبيعُ سلعته إلى أجل بثمن أكثر من ثمن السُّوق، وهذه الزيادةُ هي مقابل الأجل، وهذا أمرٌ مشروع، وأما الرِّبا فهو مختص بقرض بين الطرفين بزيادة في ذِمَّة المدين بدون مقابل، وتستلزم نموّ الديون، وتراكمها بلا ضوابط.
الأمر الثاني: من الناحية الحقيقية (المقصود، والمآل)، فإن التَّورُّق لا يشابه الرِّبا في المقصد والمآل؛ لأن التَّورُّق وإن كان المقصودُ منه تحصيلَ السُّيُولة، إلا أن هذا لا يجعله يدخلُ في معنى الرِّبا؛ لأن أكثر المعاملات المالية يُقصد منها تحصيلُ النقود، فالتاجر -مثلًا- يشتري السِّلعة ليبيعها على الناس بربح، والمُحتاجُ سعى ليحصل على السُّيُولة لينتفعَ بها من خلال عملية التَّورُّق، فيرى أنه رابحٌ من هذه الجهة.
يقول الشيخُ عبد العزيز بن باز: "وأما تعليل من منعها أو كرهها لكون المقصود منها هو النَّقْد، فليس ذلك موجبًا لتحريمها، ولا لكراهتها؛ لأن مقصودَ التجار غالبًا في المعاملات هو تحصيلُ نقودٍ أكثر بنقود أقل" (١).
وكون التَّورُّق يشابه الرِّبا من جهة أن المحتاجَ المُتَوَرِّق يتحمَّل كثيرًا في ذِمَّته ليحصلَ على نقد أقل منه، فإن هذا لا يقضي بحرمة التَّورُّق؛ لأنه مركَّبٌ من معاوضتين، وقد استقلت كلُّ معاوضة عن الأخرى.
الأمر الثالث: من الناحية الاقتصادية، فإن عملية التَّورُّق حينما نقومُ بتقويمها من الناحية الاقتصادية نرى أن فيها تنشيطًا للحركة الاقتصادية تمامًا،